الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١٤ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 152 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١١٤ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) قال : يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وقال الحسن - في رواية - وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم : هي الصبح والعصر .
وقال مجاهد : هي الصبح في أول النهار ، والظهر والعصر من آخره .
وكذا قال محمد بن كعب القرظي ، والضحاك في رواية عنه .
وقوله : ( وزلفا من الليل ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وغيرهم : يعني صلاة العشاء .
وقال الحسن ، في رواية ابن المبارك ، عن مبارك بن فضالة ، عنه : ( وزلفا من الليل ) يعني المغرب والعشاء قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هما زلفتا الليل : المغرب والعشاء " .
وكذا قال مجاهد ، ومحمد بن كعب ، وقتادة ، والضحاك : إنها صلاة المغرب والعشاء .
وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء; فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها .
وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ في حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا ، في قول ، والله أعلم .
وقوله : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) يقول : إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال : كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من مسلم يذنب ذنبا ، فيتوضأ ويصلي ركعتين ، إلا غفر له " .
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان : أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : هكذا رأيت رسول الله يتوضأ ، وقال : " من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .
وروى الإمام أحمد ، وأبو جعفر بن جرير ، من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد : أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه ، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنه سيكون فيه قدر مد ، فتوضأ ، ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وضوئي هذا ، ثم قال : " من توضأ وضوئي هذا ، ثم قام فصلى صلاة الظهر ، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح ، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر ، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر ، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب ، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء ، وهن الحسنات يذهبن السيئات " .
وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ، هل يبقي من درنه شيئا ؟
" قالوا : لا يا رسول الله : قال : " وكذلك الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الذنوب والخطايا " .
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا حدثنا ابن وهب ، عن أبي صخر : أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه ، عن أبي هريرة; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، أن أبا رهم السمعي كان يحدث : أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة " وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبي ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " جعلت الصلوات كفارات لما بينهن; فإن الله قال : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) .
وقال البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود; أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأنزل الله : (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) فقال الرجل : إلى هذا يا رسول الله ؟
قال : " لجميع أمتي كلهم " .
هكذا رواه في كتاب الصلاة ، وأخرجه في التفسير عن مسدد ، عن يزيد بن زريع ، بنحوه ورواه مسلم ، وأحمد ، وأهل السنن إلا أبا داود ، من طرق عن أبي عثمان النهدي ، واسمه عبد الرحمن بن مل ، به .
وروى الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير - وهذا لفظه - من طرق : عن سماك بن حرب : أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود ، عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني وجدت امرأة في بستان ، ففعلت بها كل شيء ، غير أني لم أجامعها ، قبلتها ولزمتها ، ولم أفعل غير ذلك ، فافعل بي ما شئت .
فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، فذهب الرجل ، فقال عمر : لقد ستر الله عليه ، لو ستر على نفسه .
فأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره ثم قال : " ردوه علي " .
فردوه عليه ، فقرأ عليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال معاذ ، وفي رواية عمر : يا رسول الله ، أله وحده ، أم للناس كافة ؟
فقال : " بل للناس كافة " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من أحب .
فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه " .
قال : قلنا : وما بوائقه يا نبي الله ؟
قال : " غشه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : كان فلان ابن معتب رجلا من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله ، إلا أني لم أجامعها فلم يدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجيبه ، حتى نزلت هذه الآية : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فدعاه رسول الله ، فقرأها عليه .
وعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار .
وقال مقاتل : هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري ، وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر : كعب بن عمرو .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس وعفان قالا حدثنا حماد - يعني : ابن سلمة - عن علي بن زيد - قال عفان : أنبأنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس; أن رجلا أتى عمر قال : امرأة جاءت تبايعه ، فأدخلتها الدولج ، فأصبت منها ما دون الجماع ، فقال : ويحك .
لعلها مغيبة في سبيل الله ؟
قال : أجل .
قال : فأت أبا بكر فاسأله قال : فأتاه فسأله ، فقال : لعلها مغيبة في سبيل الله ؟
فقال مثل قول عمر ، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له مثل ذلك ، قال : " فلعلها مغيبة في سبيل الله " .
ونزل القرآن : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) إلى آخر الآية ، فقال : يا رسول الله ، ألي خاصة أم للناس عامة ؟
فضرب - يعني : عمر - صدره بيده وقال : لا ولا نعمة عين ، بل للناس عامة .
فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " صدق عمر " .
وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع ، عن عثمان بن موهب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال : أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرا ، فقلت : إن في البيت تمرا أطيب وأجود من هذا ، فدخلت ، فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت عمر فسألته ، فقال : اتق الله ، واستر على نفسك ، ولا تخبرن أحدا .
فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته ، فقال : اتق الله ، واستر على نفسك ، ولا تخبرن أحدا .
قال : فلم أصبر حتى أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : " أخلفت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ؟
" حتى ظننت أني من أهل النار ، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ .
فأطرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ، فنزل جبريل ، فقال : " [ أين ] أبو اليسر ؟
" .
فجئت ، فقرأ علي : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) إلى ( ذكرى للذاكرين ) فقال إنسان : يا رسول الله ، أله خاصة أم للناس عامة ؟
قال " للناس عامة " .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل; أنه كان قاعدا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله ، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصاب منها ، غير أنه لم يجامعها ؟
فقال له النبي ، صلى الله عليه وسلم : " توضأ وضوءا حسنا ، ثم قم فصل " قال : فأنزل الله عز وجل هذه الآية ، يعني قوله : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) فقال معاذ : أهي له خاصة أم للمسلمين عامة ؟
قال : " بل للمسلمين عامة " .
ورواه ابن جرير من طرق ، عن عبد الملك بن عمير ، به .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة; أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه لحاجة ، فأذن له ، فذهب يطلبها فلم يجدها ، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمطر ، فوجد المرأة جالسة على غدير ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها ، فصار ذكره مثل الهدبة ، فقام نادما حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما صنع ، فقال له : " استغفر ربك ، وصل أربع ركعات " .
قال : وتلا عليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) الآية .
وقال ابن جرير : حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم ، عن الزبيدي ، عن سليم بن عامر; أنه سمع أبا أمامة يقول : إن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أقم في حد الله - مرة أو ثنتين - فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أقيمت الصلاة ، فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة قال : " أين هذا الرجل القائل : أقم في حد الله ؟
" قال : أنا ذا : قال : " أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا ؟
" قال : نعم .
قال : " فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك ، ولا تعد " .
وأنزل الله على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال : كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة ، فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقة ، ثم قال : يا أبا عثمان ، ألا تسألني لم أفعل هذا ؟
فقلت : لم تفعله ؟
قال : هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه تحت شجرة ، فأخذ منها يابسا فهزه حتى تحات ورقة ، فقال : " يا سلمان ، ألا تسألني : لم أفعل هذا ؟
" .
قلت : ولم تفعله ؟
فقال : " إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس ، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق .
وقال : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن معاذ ، رضي الله عنه; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " يا معاذ ، أتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " .
وقال الإمام أحمد ، رضي الله عنه : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن أبي ذر; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " .
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن أشياخه ، عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، أوصني .
قال : " إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها " .
قال : قلت : يا رسول الله ، أمن الحسنات : لا إله إلا الله ؟
قال : " هي أفضل الحسنات " .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني ، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري ، من ولد سعد بن أبي وقاص ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما قال عبد : لا إله إلا الله ، في ساعة من ليل أو نهار ، إلا طلست ما في الصحيفة من السيئات ، حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات " .
عثمان بن عبد الرحمن ، يقال له : الوقاصي .
فيه ضعف .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا حدثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا مستور بن عباد ، عن ثابت ، عن أنس; أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما تركت من حاجة ولا داجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟
" .
قال : بلى .
قال : " فإن هذا يأتي على ذلك " .
تفرد به من هذا الوجه مستور .
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وأقم الصلاة ) ، يا محمد، يعني: صَلِّ ، (طرفي النهار)، يعني الغداةَ والعشيَّ.
* * * واختلف أهل التأويل في التي عُنِيت بهذه الآية من صَلوات العشيّ، بعد إجماع جميعهم على أن التي عُنيت من صَلاة الغداة، الفجرُ.
فقال بعضهم: عُنيت بذلك صلاة الظهر والعصر.
قالوا: وهما من صلاة العشيّ.
*ذكر من قال ذلك : 18609- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، قال: الفجر، وصلاتي العشي ، يعني الظهر والعصر.
18610- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ، مثله.
18611- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (أقم الصلاة طرفي النهار)، قال: صلاة الفجر، وصلاة العشي.
18612- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، قال: فطرفا النهار: الفجرُ والظهرُ والعصرُ.
18613- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: (أقم الصلاة طرفي النهار)، قال: (طرفي النهار)، قال: الفجر والظهر والعصر.
18614- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : (أقم الصلاة طرفي النهار)، قال: الفجر والظهر والعصر.
* * * وقال آخرون: بل عنى بها صلاة المغرب.
*ذكر من قال ذلك : 18615- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، يقول: صلاة الغداة وصلاة المغرب.
18616- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: (أقم الصلاة طرفي النهار)، قال.
صلاة الغداة والمغرب.
18617- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، الصبح، والمغرب.
* * * وقال آخرون: عني بها: صلاة العصر.
*ذكر من قال ذلك : 18618- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، قال: صلاة الفجر والعصر.
18619-.
.
.
.
قال: حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد القبائي، عن محمد بن كعب (أقم الصلاة طرفي النهار) ، الفجر و العصر.
18620- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، قال: صلاة الصبح وصلاة العصر.
18621- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا مبارك، عن الحسن قال، قال الله لنبيه: (أقم الصلاة طرفي النهار)، قال: (طرفي النهار)، الغداة والعصر.
18622- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله (أقم الصلاة طرفي النهار)، يعني صلاة العصر والصبح.
18623- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، الغداة والعصر.
18624- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن زيد، عن محمد بن كعب: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، الفجر والعصر.
18625- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة، عن الحسن: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، قال: الغداة والعصر.
* * * وقال بعضهم: بل عنى بطرفي النهار: الظهر، والعصر ، وبقوله: (زلفًا من الليل) ، المغرب، والعشاء، والصبح.
* * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال: " هي صلاة المغرب "، كما ذكرنا عن ابن عباس.
وإنما قلنا هو أولى بالصواب لإجماع الجميع على أن صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلى قبل طلُوع الشمس .
فالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعًا ، أن تكون صلاةُ الطرف الآخر المغرب، لأنها تصلى بعد غُروب الشمس.
ولو كان واجبًا أن يكون مرادًا بصلاة أحد الطرفين قبل غروب الشمس ، وجب أن يكون مرادًا بصلاة الطرف الآخر بعدَ طلوعها، وذلك ما لا نعلم قائلا قاله ، إلا من قال: " عنى بذلك صلاة الظهر والعصر ".
وذلك قول لا يُخِيلُ فساده، (28) لأنهما إلى أن يكونا جميعًا من صلاة أحد الطرفين ، أقربُ منهما إلى أن يكونا من صلاة طرفي النهار.
وذلك أن " الظهر " لا شك أنها تصلَّى بعد مضي نصف النهار في النصف الثاني منه، فمحالٌ أن تكون من طرف النهار الأول ، وهي في طرفه الآخر.
فإذا كان لا قائلَ من أهل العلم يقول: " عنى بصلاة طرف النهار الأول صلاةً بعد طلوع الشمس "، وجب أن يكون غير جائز أن يقال: " عنى بصلاة طرف النهار الآخر صلاةً قبل غروبها ".
وإذا كان ذلك كذلك ، صح ما قلنا في ذلك من القول ، وفسدَ ما خالفه.
* * * وأما قوله: (وزلفًا من الليل)، فإنه يعني: ساعاتٍ من الليل.
* * * وهي جمع " زُلْفة "، و " الزلفة "، الساعة ، والمنـزلة، والقربة، وقيل: إنما سميت " المزدلفة " و " جمع " من ذلك ، لأنها منـزلٌ بعد عرفة ، وقيل سميت بذلك، لازدلاف آدم من عَرَفة إلى حواء وهي بها ، ومنه قول العجاج في صفة بعير: نــاجٍ طَــوَاهُ الأَيْـنُ مِمَّـا وجَفـا طَـــيَّ اللَّيــالِي زُلَفًــا فَزُلَفَــا (29) * * * واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: (وَزُلَفًا)، بضم الزاي وفتح اللام.
* * * وقرأه بعض أهل المدينة بضم الزاي واللام ، كأنه وجَّهه إلى أنه واحدٌ، وأنه بمنـزلة " الحُلُم ".
* * * وقرأ بعض المكيين: (وَزُلْفًا) ، ضم الزاي وتسكين اللام.
* * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءات في ذلك إليّ أن أقرأها: (وزُلَفًا)، بضم الزاي وفتح اللام، على معنى جمع " زُلْفة "، كما تجمع " غُرْفَة غُرف "، و " حُجْرة حُجر ".
وإنما اخترت قراءة ذلك كذلك، لان صلاة العشاء الآخرة إنما تصلى بعد مضيّ زُلَفٍ من الليل، وهي التي عُنِيت عندي بقوله: (وزلفًا من الليل).
* * * وبنحو الذي قلنا في قوله: (وزلفًا من الليل)، قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك : 18626- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (وزلفًا من الليل) ، قال: الساعات من الليل صلاة العتمة.
18627- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18628- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18629- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (زلفًا من الليل) يقول: صلاة العتمة.
18630- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: (وزلفًا من الليل) ، قال: العشاء.
18631- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء ويقرأ: (وزلفًا من الليل).
18632- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وزلفًا من الليل)، قال: ساعة من الليل، صلاة العتمة.
18633- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وزلفًا من الليل)، قال: العتمة، وما سمعت أحدًا من فقهائنا ومشايخنا، يقول " العشاء "، ما يقولون إلا " العتمة " * * * وقال قوم: الصلاة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامتها زُلَفًا من الليل، صلاة المغرب والعشاء.
*ذكر من قال ذلك : 18634- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع، واللفظ ليعقوب قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا أبو رجاء عن الحسن: (وزلفًا من الليل)، قال: هما زُلفتان من الليل: صلاة المغرب، وصلاة العشاء.
18635- حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن في قوله: (وزلفًا من الليل) ، قال: المغرب، والعشاء.
18636- حدثني الحسن بن علي، قال ثنا أبي قال ، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل)، قال: (زلفًا من الليل): المغرب، والعشاء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هما زُلْفَتا الليل، المغرب والعشاء." 18637- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن سفيان عن منصور عن مجاهد : (وزلفًا من الليل)، قال: المغرب، والعشاء.
18638- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
18639- حدثني المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال: ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله .
18640-.
.
.
.
قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قد بيّن اللهُ مواقيتَ الصلاة في القرآن، قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء: 78] ، قال: " دلوكها ": إذا زالت عن بطن السماء ، وكان لها في الأرض فيءٌ.
وقال: (أقم الصلاة طرفي النهار) ، الغداة، والعصر ، (وزلفًا من الليل) ، المغرب، والعشاء.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هُما زلفتا الليل ، المغرب والعشاء.
18641- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وزلفًا من الليل) ، قال: يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء.
18642- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: (زلفًا من الليل) ، المغرب والعشاء.
18643- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، مثله.
18644- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: (وزلفًا من الليل) ، المغرب والعشاء.
18645- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم بن سليمان، عن الحسن قال: زلفتا الليل، المغرب والعشاء.
18646- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: (وزلفًا من الليل) ، قال: المغرب والعشاء.
18647- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عاصم، عن الحسن: (وزلفًا من الليل) ، قال: المغرب والعشاء.
18648- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: (وزلفًا من الليل)، قال: المغرب والعشاء.
18649- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن: (زلفًا من الليل)، صلاة المغرب والعشاء.
* * * وقوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، يقول تعالى ذكره: إنّ الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، يذهب آثام معصية الله ، ويكفّر الذنوب.
(30) * * * ثم اختلف أهل التأويل في الحسنات التي عنى الله في هذا الموضع ، اللاتي يذهبن السيئات، فقال بعضهم: هنّ الصلوات الخمس المكتوبات.
*ذكر من قال ذلك : 18650- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي الورد بن ثمامة، عن أبي محمد ابن الحضرمي قال ، حدثنا كعب في هذا المسجد، قال: والذي نفس كعب بيده ، إن الصلوات الخمس لهُنّ الحسنات التي يذهبن السيئات ، كما يغسل الماءُ الدَّرَنَ.
(31) 18651- حدثني المثني قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يقول في قوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: هن الصلوات الخمس.
18652- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس.
18653-.
.
.
.
قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد: (إن الحسنات) الصلوات.
18654- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة جميعا، عن عوف، عن الحسن: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس.
18655- حدثني زريق بن السَّخت قال ، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، قال: الصلوات الخمس.
(32) 18656- حدثني المثني قال ، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس.
18657- حدثني المثني قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال، الصلوات الخمس.
18658- حدثني المثني قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، قال: الصلوات الخمس.
18659-.
.
.
.
قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد الجريري قال، حدثني أبو عثمان، عن سلمان قال: والذي نفسي بيده، إن الحسنات التي يمحو الله بهن السيئات كما يغسل الماء الدَّرَن: الصلواتُ الخمس.
18660- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، قال: الصلوات الخمس.
18661- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مزيدة بن زيد، عن مسروق: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس.
(33) 18662- حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد القطواني قالا حدثنا عبد الله بن يزيد قال، أخبرنا حيوة قال، أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي من بني تيم من رهط أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رحمة الله عليه يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاء المؤذن ، فدعا عثمان بماءٍ في إناء ، أظنه سيكون فيه قدر مُدٍّ ، (34) فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وُضوئي هذا ، ثم قال: من توضأ وُضوئي هذا ثم قام فصلَّى صلاة الظهر ، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صَلَّى العصر ، غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثمَّ صلَّى المغرب ، غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلّى العشاء ، غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثمَّ لعله يبيت ليلته يَتَمَرّغ، (35) ثم إن قام فتوضأ وصلَّى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهُنَّ الحسنات يذهبن السيئات.
(36) 18663- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا أبو زرعة قال ، حدثنا حيوة قال ، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: جلس عثمان بن عفان يومًا على المقاعد ، فذكر نحوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه قال: " وهن الحسنات إن الحسنات يذهبن السيئات ".
(37) 18664- حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد، ورشدين بن سعد قالا حدثنا زهرة بن معبد قال: سمعت الحارث مولى عثمان بن عفان يقول، جلس عثمان بن عفان يوما على المقاعد، ثم ذكر نحو ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه قال: وهن الحسنات : (إن الحسنات يذهبن السيئات).
(38) 18665- حدثنا محمد بن عوف قال ، حدثنا محمد بن إسماعيل قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعلت الصلوات كفارات لما بينهن، فإن الله قال: (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
(39) 18666- حدثنا ابن سيار القزاز قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال، كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا من أغصانها يابسًا فهزَّه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنت معه تحت شجرة ، فأخذ غصنًا من أغصانها يابسًا فهزه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان؟
فقلت: ولم تفعله؟
فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلَّى الصلوات الخمس، تحاتّت خطاياه كما تحاتَّ هذا الورق.
ثم تلا هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل)، إلى آخر الآية.
(40) * * * وقال آخرون: هو قول: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ".
* ذكر من قال ذلك: 18667- حدثني المثني قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ".
* * * قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب في ذلك ، قولُ من قال في ذلك: " هن الصلوات الخمس "، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترها عنه أنه قال: " مَثَلُ الصلوات الخمس مَثَلُ نَهْرٍ جَارٍ عَلَى بابِ أحَدِكم، ينغمس فيه كل يومٍ خمس مرات، فماذا يُبقينَ من دَرَنه؟"، (41) وأن ذلك في سياق أمر الله بإقامة الصلوات، والوعدُ على إقامتها الجزيلَ من الثواب عَقيبها ، أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من صالحات سائر الأعمال ، إذا خُصّ بالقصد بذلك بعضٌ دون بعض.
* * * وقوله: (ذلك ذكرى للذاكرين) ، يقول تعالى ذكره: هذا الذي أوعدت عليه من الركون إلى الظلم ، وتهددت فيه، والذي وعدت فيه من إقامة الصلوات اللواتي يُذهبن السيئات ، تذكرة ذكّرت بها قومًا يذكُرون وعد الله، فيرجُون ثوابه ووعيده ، فيخافون عقابه، لا من قد طبع على قلبه ، فلا يجيب داعيًا ، ولا يسمع زاجرًا.
* * * وذكر أن هذه الآية نـزلت بسبب رجل نالَ من غير زوجته ولا ملك يمينه بعضَ ما يحرم عليه، فتاب من ذنبه ذلك.
*ذكر الرواية بذلك: 18668- حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا قال عبد الله بن مسعود: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني عالجتُ امرأة في بعض أقطار المدينة، (42) فأصبت منها ما دون أن أمسَّها، فأنا هذا ، (43) فاقض فيَّ ما شئت !
فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك !
قال: ولم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا .
فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فلما أتاه قرأ عليه: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) ، فقال رجل من القوم: هذا لهُ يا رسول الله خاصَّةً؟
قال: بل للناس كافة.
(44) 18669- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان، فضممتها إليَّ وباشرتُها وقبَّلتها، وفعلت بها كلَّ شي غير أني لم أجامعها .
فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه، فقال عمر: يا رسول الله، أله خاصَّةً، أم للناس كافة؟
قال: لا بل للناس كافة ، ولفظ الحديث لابن وكيع.
(45) 18670- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن زيد، يحدث عن علقمة ، والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأةً في بستان ، ففعلت بها كل شيء ، غير أني لم أجامعها، قَبَّلتها ، ولزمتُها ، (46) ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت .
فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا .
فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه !
فأتبعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَصَره، فقال: " ردُّوه عليَّ !
فردُّوه، فقرأ عليه: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) ، قال: فقال معاذ بن جبل: أله وحده ، يا نبي الله، أم للناس كافة؟
فقال: " بل للناس كافة .
(47) 18671- حدثني المثني قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة ، والأسود ، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخذت امرأة في البُستان فأصبتُ منها كل شيء، غير أني لم أنكحها، فاصنع بي ما شئت !
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب دعاه فقرأ عليه هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل)، الآية.
(48) 18672- حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال ، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود، عن عبد الله: أن رجلا لقي امرأةً في بعض طرق المدينة، فأصاب منها ما دون الجماع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنـزلت: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين)، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لهذا خاصة ، أو لنا عامة؟
قال: بل لكم عامة.
(49) 18673- حدثنا ابن المثني قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة قال، أنبأني سماك قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله، عن ابن مسعود: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقيت امرأة في حُشٍّ بالمدينة، (50) فأصبت منها ما دون الجماع، نحوه.
(51) 18674- حدثنا ابن المثني قال ، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم البغدادي قال ، حدثنا شعبة، عن سماك، عن إبراهيم، عن خاله، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
(52) 18675- حدثني أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء فُلانُ بن معتِّب رجل من الأنصار ، فقال: يا رسول الله دخلت عليّ امرأة، فنلتُ منها ما ينالُ الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها ؟
فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه ، حتى نـزلت هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)، الآية، فدعاه فقرأها عليه.
(53) 18676- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية ، وحدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا بشر بن المفضل ، وحدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان جميعًا، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأةٍ شيئًا لا أدري ما بلغ، غير أنه ما دون الزنا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنـزلت: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) ، فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟
قال: لمن أخذَ بها من أمتي ، أو : لمن عمل بها.
(54) 18677- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان، فأخذ غصن شجرة يابسة فحتَّه ، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ فأحسن الوضوء ، تحاتَّت خطاياه كما يتحاتُّ هذا الورق !
ثم قال: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، إلى آخر الآية.
(55) 18678- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو أسامة، وحسين الجعفي ، عن زائدة قال ، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها ، غير أنْ لم يجامعها؟
(56) فأنـزل الله هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ ثم صلّ .
قال معاذ: قلت : يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟
قال: بل للمؤمنين عامة.
(57) 18679- حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن رجلا أصابَ من امرأة ما دون الجماع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن ذلك، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو: أنـزلت ، (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية، فقال معاذ: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس عامة؟
قال: هي للناس عامة.
18680- حدثنا ابن المثني قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
18681- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال، حدثني عمرو بن الحارث قال، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال ، حدثنا سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، أقم فيَّ حَدّ الله ، مرةً واثنتين.
فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقيمت الصلاة ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال: أين هذا القائل: أقم فيَّ حدَّ الله؟
قال: أنا ذا !
قال: هل أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟
قال: نعم!
قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمّك، فلا تَعُدْ !
وأنـزل الله حينئذ على رسوله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية.
(58) 18682- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني جرير، عن عبد الملك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنه كان جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، رجلٌ أصاب من امرأة ما لا يحلُّ له، لم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا أتاه إلا أنه لم يجامعها؟
قال: يتوضأ وضوءًا حسنًا ثم يصلي.
فأنـزل الله هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية، فقال معاذ: هي له يا رسول الله خاصة، أم للمسلمين عامة؟
قال: بل للمسلمين عامة (59) 18683- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأة وهو جالسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها.
فأقبل الرجل يريد أن يُبَشّر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر، فوجد المرأة جالسةً على غديرٍ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادمًا حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: استغفر ربَّك وصلّ أربع ركعات : قال: وتلا عليه: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية.
(60) 18684- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن وهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أجود من هذا!
فدخلت ، فأهويت إليها فقبَّلتها.
فأتيت أبا بكر فسألته، فقال: استر على نفسك وتُبْ واستغفر الله !
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخلَفْتَ رجلا غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا !!
حتى ظننت أنّي من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ!
قال: فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعةً فنـزل جبريل فقال: أين أبو اليسر؟
فجئت، فقرأ عليّ: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، إلى : (ذكرى للذاكرين) ، قال إنسان : لهُ يا رسول الله ، خاصةً ، أم للناس عامة؟
قال: للناس عامة.
(61) 18685- حدثني المثني قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر قال: لقيت امرأة فالتَزَمْتُها، غير أني لم أنكحها، فأتيت عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فقال: اتق الله ، واستر على نفسك، ولا تخبرنّ أحدًا !
فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر رحمة الله عليه ، فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدًا !
قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فقال له: هل جهزت غازيًا في أهله ؟
قلت: لا قال: فهل خلفت غازيًا في أهله؟
قلت: لا فقال لي ، حتى تمنيت أني كنت دخلت في الإسلام تلك الساعة!
قال: فلما وليت دعاني، فقرأ عليّ: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، فقال له أصحابه: ألهذا خاصة ، أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة.
(62) 18686- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثني سعيد، عن قتادة: أن رجلا أصاب من امرأة قُبْلَةً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هلكتُ !
فأنـزل الله: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).
18687- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سليمان التيمي قال: ضرب رجلٌ على كَفَلِ امرأة، ثم أتى أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما .
فكلما سأل رجلا منهما عن كفارة ذلك قال: أمغزية هي [مادا] ؟
(63) قال: نعم قال: لا أدري!
ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: أمغزية هي؟
قال: نعم!
قال: لا أدري!
حتى أنـزل الله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات).
18688- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن عطاء، في قول الله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل)، أنّ امرأة دخلت على رجل يبيعُ الدقيق، فقبَّلها فأسقِطَ في يده.
فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال: اتق الله ، ولا تكن امرأةَ غازٍ !
فقال الرجل: هي امرأة غازٍ.
فذهب إلى أبى بكر ، فقال مثل ما قال عمر.
فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، فقال له: كذلك، ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، فأنـزل الله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الصلوات المفروضات ، (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).
18689- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: أقبلت امرأة حتى جاءت إنسانًا يبيع الدقيق لتبتاع منه، فدخل بها البيت، فلما خلا له قَبَّلها.
قال: فسُقِط في يديه، فانطلق إلى أبي بكر، فذكر ذلك له، فقال: أبصر ، لا تكونَنّ امرأة رجل غازٍ !
فبينما هم على ذلك، نـزل في ذلك: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، قيل لعطاء: المكتوبة هي؟
قال: نعم ، هي المكتوبة ، فقال ابن جريج، وقال عبد الله بن كثير: هي المكتوبات.
قال ابن جريج: عن يزيد بن رومان: إن رجلا من بني غنم، دخلت عليه امرأةٌ فقبَّلها ، ووضع يده على دُبُرها.
فجاء إلى أبى بكر رضى الله عنه ، ثم جاء إلى عمر رضى الله عنه ، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية: (أقم الصلاة) ، إلى قوله: (ذلك ذكرى للذاكرين) ، فلم يزل الرجل الذي قبَّل المرأة يذكر، فذلك قوله: (ذكرى للذاكرين).
---------------------- الهوامش : (28) في المطبوعة : " لا نحيل فساده " ، وهو كلام فاسد ، وفي المخطوطة غير منقوطة .
يقال : " أخال الشيء " ، اشتبه .
يقال " هذا الأمر لا يخيل على أحد " ، أي لا يشكل .
و " شيء مخيل " ، مشكل .
وقد مضى مثله وعلقت عليه في أوائل الكتاب ، في مواضع .
(29) ديوانه : 84 ، مجاز القرآن 1 : 300 ، وسيبويه 1 : 180 ، واللسان ( زلف ) ، ( حقف ) ، ( سما ) ، ( وجف ) وغيرها كثير ، وسيأتي في التفسير 19 : 51 ( بولاق ) .
وبعده هناك : سَــمَاوَةَ الهِــلاَلِ حَــتَّى احْقَوْقَفَـا " الأين " ، التعب .
" وجف " من " الوجيف " ، وهو سرعة السير .
و " سماوة الهلال " شخصه ، إذا ارتفع في الأفق شيئًا .
و " احقوقف " اعوج .
(30) " الأثام " ، عقوبة الإثم وجزاؤه .
وأما " الآثام " فجمع " إثم " ، وهو الذئب .
(31) الأثر : 18650 - " الجريري " ، هو " سعيد بن إياس الجريري " ، سلف مرارًا .
و " أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري " ، ويقال هو : " ثمامة بن حزن " ، تابعي ثقة ، لم يدرك غير واحد من الصحابة ، وكان قليل الحديث .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 1 / 164 ، والكنى للبخاري : 79 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 451 في الكنى ، وفي " ثمامة بن حزن القشيري " 1 / 1 / 465 ، ولم يقل هو " أبو الورد " ، فكأنهما عنده رجلان .
" وأبو محمد بن الحضرمي " ، هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، والذي في كتب الرجال : " أبو محمد الحضرمي " ، غلام أبي أيوب الأنصاري ، مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري : 66 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 432 ، ولم يذكروا له رواية عن كعب ، ولكن هذا الخبر يدل على أنه رآه ، وسمع منه ، وروى عنه .
(32) الأثر : 18655 - " رزيق بن السخت " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 10051 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا " .
.
بن الشخب " ، وهو خطأ .
(33) الأثر : 18661 - " مزيدة بن زيد " ، هكذا في المطبوعة ، وفي المخطوطة غير منقوط ، ولم أجد له ذكرًا في شيء من كتب الرجال ، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لم أعرفه .
(34) " المد " ( بضم الميم ) ، ضرب من المكاييل ، قيل إنه مقدر بأن يمد الرجل يديه ، فيملأ كفيه طعامًا .
(35) " التمرغ " ، أصله التقلب في التراب .
وأراد هنا أنه يبيت يتقلب في فراشه مطمئنًا رخي البال .
(36) الأثر : 18662 - " حيوة " ، هو " حيوة بن شريح " المصري ، الفقيه الزاهد ، ثقة ، مضر مرارًا .
" وزهرة بن معبد القرشي التيمي " ، " أبو عقيل " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 5451 ، 5457 .
" والحارث " هو : " الحارث بن عبيد " ، " أبو صالح " ، مولى عثمان ، ثقة ، مترجم في تعجيل المنفعة : 78 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 95 .
وهذا الخبر صحيح الإسناد ، رواه أحمد في مسنده مطولا رقم : 513 ، واستوفى أخي رحمه الله الكلام عليه هناك .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 297 ، وابن كثير في تفسيره 4 : 401 / 5 : 289 .
، والزيادة التي في المسند وغيره : " قالوا : هذه الحسَنَات ، فما الباقياتُ يا عُثمان ؟
قال : هن : لا إلَه إلا الله ، وسُبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله " .
وستأتي هذه الزيادة منفردة بهذه الأسانيد في تفسير سورة الكهف الآية : 46 / ج 15 : 165 ، 166 .
(37) الأثر : 18663 - مكرر الأثر السالف .
" وأبو زرعة " ، هو " وهب الله بن راشد المصري " ، مضى مرارًا كثيرة .
" والمقاعد " ، بالمدينة ، عند باب الأقبر ، وقيل : هي مساقف حولها .
وقيل : هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ذكرها ياقوت في معجمه ، ورأيت ذكر " المقاعد " أيضًا في مسند أحمد ، في مسند عثمان : 505 .
(38) الأثر : 18664 - مكرر الأثرين السالفين .
" رشدين بن سعد " ، ضعيف ، مضى مرارًا منها رقم : 19 ، 1938 ، 2176 ، 2195 ، وغيرها .
ولكن لهذا الخبر شاهد مما سلف في الصحاح ، يقويه على ضعف رشدين .
(39) الأثر : 18665 - " محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي " ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا .
" ومحمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي " ، ضعيف ، يحدث عن أبيه ، ولم يسمع منه شيئًا ، مضى برقم : 5445 .
وأبوه : " إسماعيل بن عياش الحمصي " ، ثقة ، متكلم فيه ، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم : 14212 .
" وضمضم بن زرعة بن ثوب الحضرمي " ، ثقة ، وضعفه أبو حاتم ، مضى برقم : 5445 ، 14212 .
" وشريح بن عبيد بن شريح الحضرمي " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 5445 ، 12194 ، 14212 .وهذا خبر ضعيف الإسناد ، من آفة " محمد بن إسماعيل عن أبيه " ، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا 1 : 299 ، وقال : " وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش ، قال أبو حاتم : لم يسمع من أبيه شيئًا ، قلت : وهذا من روايته عن أبيه .
وبقية رجاله موثقون " .
(40) الأثر : 18666 - " حماد " ، هو " حماد بن سلمة " .
" وعلي بن يزيد بن جدعان " ، مضى مرارا كلام الأئمة فيه وأنه سيء الحفظ ، ومضى أيضًا توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله روايته .
" وأبو عثمان النهدي " ، هو " عبد الرحمن بن مل " ، تابعي ثقة .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 437 ، 438 ، من طريق عفان عن حماد بنحو لفظ أبي جعفر في روايته ، ومن طريق يزيد عن حماد بلفظ آخر .
وسيرويه أبو جعفر بعد ، من طريق قبيصة عن حماد ، برقم : 18677 .
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 297 ، 298 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني في الأوسط والكبير ، وفي إسناد أحمد : علي بن زيد ، وهو مختلف في الاحتجاج به .
وبقية رجاله رجال الصحيح " .
(41) هذا الخبر رواه أبو جعفر بغير إسناد ، رواه بنحو هذا اللفظ مالك في الموطأ ص : 174 ، من حديث سعد بن أبي وقاص ، وروى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة ( الفتح : 2 : 9 ) ومسلم في صحيحه 5 : 169 ، 170 .
(42) " عالجت امرأة " ، يعني أخذها واستمتع بها ، من " المعالجة " ، وهي الممارسة .
وهذا لفظ بليغ موجز .
و " أقطار المدينة " ، نواحيها ، وفي رواية مسلم " في أقصى المدينة " .
(43) هذا تعبير عزيز ، فقيده .
(44) الأثر : 186688 - حديث عبد الله بن مسعود ، رواه أبو جعفر من طريقين : 1 - من طريق علقمة ، والأسود ، عن عبد الله بن مسعود ، وذلك برقم : 18668- 18674 .
2 - من طريق أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود ، رقم : 18676 ، وسأبينها جميعًا ، طريقًا طريقًا ، وكلها طرق صحاح .
" إبراهيم " ، هو " إبراهيم بن يزيد النخعي " ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .
" والأسود بن يزيد النخعي " ، روى له الجماعة ، وهو خال " إبراهيم بن يزيد النخعي " ، مضى مرارًا .
" وعلقمة " ، هو " علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي " ، وهو خال " إبراهيم النخعي " ، لأنه عم خاليه الأسود ، وعبد الرحمن ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .
ومن طريق أبي الأحوص ، عن سماك ، عن إبراهيم ، رواه مسلم في صحيحه ( 17 : 80 ) ، وأبو داود في سننه 4 : 223 رقم : 4468 ، والترمذي في كتاب التفسير .
وانظر التعليق على الطرق الآتية .
ثم انظر التعليق على رقم : 18675 ، في بيان اسم " الرجل " الذي فعل ذلك .
(45) الأثر : 18669 - مكرر الذي قبله .
ومن طريق وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، رواه أحمد في مسنده رقم : 4250 .
(46) " لزمتها " يعني : عانقتها فأطلت العناق واستوعبته .
وهذا الثلاثي بهذا المعنى قلها تجده في كتب اللغة ، وإنما فيها : " التزمه " ، أي : عانقه .
(47) الأثر : 18670 - مكرر الذي قبله .
ومن طريق عبد الرزاق ، عن إسرائيل ، عن سماك ، ورواه أحمد في مسنده رقم : 4290 .
(48) الأثر : 18671 - مكرر الذي قبله .
ومن طريق أبي عوانة ، عن سماك ، رواه أحمد في مسنده رقم : 4291 ، ولكنه أحاله على الذي قبله .
وأبو داود الطيالسي في مسنده ص : 37 ، رقم : 285 .
(49) الأثر : 18672 - " الحكم بن عبد الله العجلي " ، " أبو النعمان " ، ثقة حافظ ، مضى برقم : 10185 ، 17013 ، 18033 .
ومن هذه الطريق ، رواه مسلم في صحيحه 17 : 80 ، 81 .
(50) " الحش " ، البستان ، عند أهل المدينة ، انظر ما سلف رقم : 3086 .
(51) الأثر : 18673 - لم أعثر عليه في مسند أبي داود الطيالسي ، ومعروف أن المطبوع من هذا المسند ناقص غير تام .
وانظر التعليق التالي .
وفي المطبوعة والمخطوطة : " حدثنا أبو المثني " ، والصواب " ابن المثني " ، وهو " محمد بن المثني " شيخ الطبري .
(52) الأثر : 18674 - " عمرو بن الهيثم البغدادي " ، " أبو قطن " ، ثقة ، من ثقات أصحاب شعبة .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 268 .
ومن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده برقم : 4325 .
وقال أخي السيد أحمد : " خاله ، إما : الأسود بن يزيد النخعي ، وإما عبد الرحمن بن يزيد النخعي ، فكلاهما خاله ، وإما علقمة بن قيس النخعي ، عم الأسود وعبد الرحمن .
وقد روى إبراهيم الحديث عن ثلاثتهم مطولا ومختصرًا ، كما مضى بأسانيد رقم : 3854 ، 4250 ، 4290 ، 4291 " .
وقد رواه أحمد برقم : 3584 من طريق سفيان الثوري ، عن سماك ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود ، ورواه الترمذي في كتاب التفسير .
(53) الأثر : 18675 - فصل الحافظ بن حجر في الفتح 8 : 268 ، 269 ، القول في اسم هذا الرجل ، فذكر هذا الخبر ، ثم قال : " وأخرجه ابن أبي خيثمة ، لكن قال : إن رجلا من الأنصار يقال له : معتب ، وقد جاء أن اسمه : كعب بن عمرو ، و : أبو اليسر ( بفتح التحتانية والمهملة ) الأنصاري .
أخرجه الترمذي ، والنسائي ، والبزار ، من طريق موسى بن طلحة ، عن أبي اليسر بن عمرو ، أنه أتته امرأة ، وزوجها قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث " ، الحديث ، وسيأتي برقم : 18684 ، 18685 .
(54) الأثر : 18676 - هذه هي الطريق الثانية ، لحديث عبد الله بن مسعود ، كما أشرت إليه في التعليق على رقم : 18668 .
" وأبو عثمان " هو " عبد الرحمن بن مل النهدي " كما سلف مرارًا .
وهذا حديث صحيح .
ومن هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 2 : 7 ) من طريق يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي .
ثم رواه أيضا ( الفتح 8 : 268 ، 269 ) ، من الطريق نفسها ، بلفظ مختلف قليلا .
ورواه مسلم في صحيحه 17 : 79 ، 80 ، من طريق يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، ثم من طريق محمد بن عبد الأعلى ، عن المعتمر بن سليمان ، عن سليمان التيمي ، وهو أحد طرق أبي جعفر في رواية هذا الخبر ، بلفظ آخر .
ورواه أحمد في مسنده برقم : 3653 ، عن يحيى ، عن سليمان التيمي .
ثم رواه أيضًا برقم : 4094 ، من الطريق نفسها .
ورواه ابن ماجة في سننه ص : 447 ، رقم : 1398 ، و ص 1421 ، رقم : 4254 .
ورواه الترمذي في كتاب التفسير .
(55) الأثر : 18677 - هذه طريق أخرى للأثر السالف رقم : 18666 ، وقد مضى تخريجه وشرحه هناك .
(56) في المطبوعة : " غير أنه لم يجامعها " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب الجيد .
(57) الأثر : 18678 - حديث معاذ ، يأتي أيضًا برقم : 18682 .
" أبو أسامة " ، هو : " حماد بن اسامة " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .
" وحسين الجعفي " ، هو : " حسين بن علي الجعفي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا ." وزائدة " ، هو : " زائدة بن قدامة " ، ثقة ، مضى مرارًا .
" وعبد الملك بن عمير اللخمي " ، المعروف بالنبطي ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 12573 .
" وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارا ، منها رقم : 33 ، 2156 ، 2937 .
وهذا إسناد صحيح .
رواه أحمد في مسنده 5 : 244 من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، وأبي سعيد ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، وفيه رواية أبي سعيد ، عن عبد الملك بن عمير مباشرة .
" وأبو سعيد " هو " عبد الرحمن بن عبد الله ، مولى بني هاشم ، ثقة ." وخرجه ابن كثير في تفسيره 4 : 404 ، عن الحافظ الدارقطني ، وسيأتي في التعليق على رقم : 18682 .
ورواه الترمذي في كتاب التفسير .
ثم سيأتي هذا الخبر موقوفًا على عبد الرحمن بن أبي ليلى برقم : 18679 ، 18680 .
(58) الأثر : 18681 - " عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي " ، شيخ الطبري ، سلف مرارا ، آخرها رقم : 15379 .
" وإسحق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي " ، هو " ابن زبريق " ، ثقة ، تكلموا فيه حسدًا .
مضى برقم : 15379 .
" وعمرو بن الحارث بن النعمان الزبيدي " ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الذهبي : لا تعرف عدالته ، مضى برقم : 15379 .
" وعبد الله بن سالم الأشعري الوحاظي " ، وثقه ابن حبان ، مضى برقم : 15379 .
" والزبيدي " ، هو " محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي " ، ثقة ، روى له الشيخان ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 15377 .
" وسليم بن عامر الكلاعي الحمصي " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 12807 .
وهذا إسناد حسن ، ولم أجد حديث أبي أمامة مرويا من هذه الطريق ، ولكن الأئمة رووه من طرق أخرى .
رواه أحمد في مسنده من طريقين 5 : 251 ، 262 من طريق عكرمة بن عمار اليمامي ، عن شداد بن عبد الله ، عن أبي أمامة .
ثم رواه ص : 265 ، من طريق الأوزاعي ، عن أبي عمار شداد ، عن أبي أمامة .
ومن الطريق الأولى ، رواه مسلم في صحيحه 17 : 81 ، 82 .
ومن الطريق الثانية رواه أبو داود في سننه 4 : 191 ، رقم : 4381 .
(59) الأثر : 18682 - هو مكرر الأثر السالف 18678 ، وانظر تخريجه هناك .
(60) الأثر : 18683 - " يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 7472 .
(61) الأثر : 18684 - حديث أبي اليسر الأنصاري ، سيأتي بعده بنحو إسناده .
وانظر ما كتبه الحافظ بن حجر في اسمه فيما سلف في التعليق على رقم : 18675 .
" قيس بن الربيع الأسدي " ، سلف مرارًا ، آخرها رقم : 16369 ، وقد وثقه جماعة ، وضعفه آخرون .
" وعثمان بن موهب " ، هو " عثمان بن عبد الله بم موهب التميمي " ، ينسب إلى جده ، ثقة .
مضى برقم : 17567 .
" وموسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 17567 - 17571 .
وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير ، وقال : " هذا حديث حسن غريب .
وقيس بن الربيع ، ضعفه وكيع وغيره .
وروى شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث ، مثل رواية قيس بن الربيع " .
(62) الأثر : 18685 - هو مكرر الأثر السالف .
(63) في المخطوطة هذا الذي وضعته بين القوسين ، ولم أوفق إلى قراءته أو تبين معناه ، وهما يكن فالسؤال واضح .
وقوله : " مغزية " ، فالمغزية هي المرأة التي غزا زوجها وبقيت وحدها في البيت ، ومنه حديث عمر : " ما بال رجالٍ لا يزال أحدهم كاسرًا وسادَه عند مُغْزِية ، يتحدَّث إليها وتتحدث إليه !
عليكم بالجَنْبة ، فإنها عفافٌ .
إنما الناس لحمٌ على وضَمٍ إلاّ ما ذُبَّ عنهُ " .
قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين[ ص: 96 ] فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة ; وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان ، وإليها يفزع في النوائب ; وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
وقال شيوخ الصوفية : إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ونفلا ; قال ابن العربي : وهذا ضعيف ، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجبا لا نفلا ، فإن الأوراد معلومة ، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة ، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم ، وليس ذلك في قوة بشر .الثانية : قوله تعالى : طرفي النهار قال مجاهد : الطرف الأول ، صلاة الصبح ، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر ; واختاره ابن عطية .
وقيل : الطرفان الصبح والمغرب ; قاله ابن عباس والحسن .
وعن الحسن أيضا الطرف الثاني العصر وحده ; وقاله قتادة والضحاك .
وقيل : الطرفان الظهر والعصر .
والزلف المغرب والعشاء والصبح ; كأن هذا القائل راعى جهر القراءة .
وحكى الماوردي أن الطرف الأول صلاة الصبح باتفاق .
قلت : وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله .
ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب ، وأنه ظاهر ; قال ابن عطية : ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل .
قال ابن العربي : والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب ، وهما طرفا الليل !
فقلب القوس ركوة ، وحاد عن البرجاس غلوة ; قال الطبري : والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح ، فدل على أن الطرف الآخر المغرب ، ولم يجمع معه على ذلك أحد .
قلت : هذا تحامل من ابن العربي في الرد ; وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد ; وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح ، وقد وقع الاتفاق - إلا من شذ - بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر ، وعليه القضاء والكفارة ، وما ذلك إلا وما [ ص: 97 ] بعد طلوع الفجر من النهار ; فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح ، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم .
والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : وزلفا من الليل أي في زلف من الليل ، والزلف الساعات القريبة بعضها من بعض ; ومنه سميت المزدلفة ; لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة .
وقرأ ابن القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما " وزلفا " بضم اللام جمع زليف ; لأنه قد نطق بزليف ، ويجوز أن يكون واحده " زلفة " لغة ; كبسرة وبسر ، في لغة من ضم السين .
وقرأ ابن محيصن " وزلفا " من الليل بإسكان اللام ; والواحدة زلفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر .
وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا " زلفى " مثل قربى .
وقرأ الباقون وزلفا بفتح اللام كغرفة وغرف .
قال ابن الأعرابي : الزلف الساعات ، واحدها زلفة .
وقال قوم : الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس ; فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة ; قاله ابن عباس .
وقال الحسن : المغرب والعشاء .
وقيل : المغرب والعشاء والصبح ; وقد تقدم .
وقال الأخفش : يعني صلاة الليل ولم يعين .الرابعة : قوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - إلى أن الحسنات هاهنا هي الصلوات الخمس ، وقال مجاهد : الحسنات قول الرجل سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، قال ابن عطية : وهذا على جهة المثال في الحسنات ، والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ما اجتنبت الكبائر .قلت : سبب النزول يعضد قول الجمهور ; نزلت في رجل من الأنصار ، قيل : هو أبو اليسر بن عمرو .
وقيل : اسمه عباد ; خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الفرج .
روى الترمذي عن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها وأنا هذا فاقض في ما شئت .
فقال له عمر : لقد سترك الله !
لو سترت على نفسك ; فلم يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فدعاه ، فتلا عليه : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين إلى آخر الآية ; فقال رجل من القوم : هذا له خاصة ؟
قال : لا بل [ ص: 98 ] للناس كافة .
قال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن كفارتها فنزلت : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل : ألي هذه يا رسول الله ؟
فقال : لك ولمن عمل بها من أمتي .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وروي عن أبي اليسر .
قال : أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت : إن في البيت تمرا أطيب من هذا ، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر ، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ؟
حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة ، حتى ظن أنه من أهل النار .
قال : وأطرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أوحى الله إليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين .
قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أصحابه : يا رسول الله !
ألهذا خاصة أم للناس عامة ؟
فقال : بل للناس عامة .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره ; وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه ، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل جبريل - عليه السلام - عليه بالآية فدعاه فقال له : أشهدت معنا الصلاة ؟
قال نعم ; قال : اذهب فإنها كفارة لما فعلت .
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تلا عليه هذه الآية قال له : قم فصل أربع ركعات .
والله أعلم .
وخرج الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من حديث ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم ، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين .الخامسة : دلت الآية مع هذه الأحاديث على ، أن القبلة الحرام واللمس الحرام لا يجب فيهما الحد ، وقد يستدل به على أن لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب [ ص: 99 ] واحد ، وهو اختيار ابن المنذر ; لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى أنه لا يجب عليهما شيء ، وسيأتي ما للعلماء في هذا في " النور " إن شاء الله تعالى .السادسة : ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال : أقم الصلاة الآية .
وقال : أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية .
وقال : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون .
وقال : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها .
وقال : اركعوا واسجدوا .
وقال : وقوموا لله قانتين .
وقال : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا على ما تقدم .
وقال : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بقراءتك ; وهذا كله مجمل أجمله في كتابه ، وأحال على نبيه في بيانه ; فقال جل ذكره : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فبين - صلى الله عليه وسلم - مواقيت الصلاة ، وعدد الركعات والسجدات ، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها ، وما لا تصح الصلاة إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل ; فقال في صحيح البخاري : صلوا كما رأيتموني أصلي .
ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة ، على ما هو معلوم ، ولم يمت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه ; فكمل الدين ، وأوضح السبيل ; قال الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .قوله تعالى : ذلك ذكرى للذاكرين أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر ; وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى .
والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث .
يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة { طَرَفَيِ النَّهَارِ ْ} أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا، صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ْ} ويدخل في ذلك، صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنها مما تزلف العبد، وتقربه إلى الله تعالى.
{ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ْ} أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرب إلى الله، وتوجب الثواب، فإنها تذهب السيئات وتمحوها، والمراد بذلك: الصغائر، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ْ} ذلك لعل الإشارة، لكل ما تقدم، من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم، وعدم مجاوزته وتعديه، وعدم الركون إلى الذين ظلموا، والأمر بإقامة الصلاة، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، الجميع { ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ْ} يفهمون بها ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات، الدافعة للشرور والسيئات، ولكن تلك الأمور، تحتاج إلى مجاهدة النفس، والصبر عليها.
قوله عز وجل : ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) أي : الغداة والعشي .
[ يعني : صلاة الصبح والمغرب ] قال مجاهد : طرفا النهار صلاة [ الصبح ] والظهر والعصر .
" وزلفا من الليل " ، صلاة المغرب والعشاء .
وقال مقاتل : صلاة الفجر والظهر طرف ، وصلاة العصر والمغرب طرف ، وزلفا من الليل ، يعني : صلاة العشاء .
وقال الحسن : طرفا النهار .
الصبح والعصر ، وزلفا من الليل : المغرب والعشاء .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : طرفا النهار الغداة والعشي ، يعني صلاة الصبح والمغرب .
قوله : ( وزلفا من الليل ) أي : ساعاته واحدتها زلفة .
وقرأ أبو جعفر " زلفا " بضم اللام .
( إن الحسنات يذهبن السيئات ) يعني : إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات .
روي أنها نزلت في أبي اليسر قال : أتتني امرأة تبتاع تمرا ، فقلت لها : إن في البيت تمرا أطيب منه : فدخلت معي البيت ، فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ، فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له ، فقال : استر على نفسك وتب ، فلم أصبر ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : " أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟
حتى ظن أنه من أهل النار ، فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) الآية ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألهذا خاصة أم للناس عامة ؟
قال : " بل للناس عامة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأنزل الله تعالى ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) قال الرجل : يا رسول الله ، ألي هذا ؟
قال : " لجميع أمتي كلهم " .
وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني أبو طاهر ، وهارون بن سعيد الأيلي ، قالا : حدثنا ابن وهب ، عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " .
وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا محمد الحسين بن أحمد المخلدي ، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أنبأنا قتيبة ، أنبأنا الليث ، وبكر بن مضر ، عن ابن الهادي ، عن محمد ابن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درنه شيء ؟
قالوا : لا .
قال : فكذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الخطايا " .
قوله عز وجل : ( ذلك ) أي : ذلك الذي ذكرنا .
وقيل : هو إشارة إلى القرآن ( ذكرى ) عظة ( للذاكرين ) أي لمن ذكره .
(وأقم الصلاة طرفي النهار) الغداة والعشي أي: الصبح والظهر والعصر (وزلفا) جمع زلفة أي: طائفة (من الليل) المغرب والعشاء (إن الحسنات) كالصلوات الخمس (يذهبن السيئات) الذنوب الصغائر نزلت فيمن قبل أجنبية فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألي هذا؟
فقال "" لجميع أمتي كلهم "" رواه الشيخان (ذلك ذكرى للذاكرين) عظة للمتعظين.
وأدِّ الصلاة -أيها النبي- على أتمِّ وجه طَرَفَي النهار في الصباح والمساء، وفي ساعات من الليل.
إنَّ فِعْلَ الخيرات يكفِّر الذنوب السالفة ويمحو آثارها، والأمر بإقامة الصلاة وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، موعظة لمن اتعظ بها وتذكر.
ثم أرشد - سبحانه - عباده المؤمنين إلى ما يعينهم إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم الركون إلى الظالمين ، فقال : ( وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ) .والمراد بإقامتها الإِتيان بها فى أوقاتها كاملة الأركان والخشوع والإِخلاص لله رب العالمين .والمراد بالصلاة هنا : الصلاة المفروضة .قال القرطبى : لم يختلف أحد من أهل التأويل فى أن الصلاة فى هذه الآية ، المراد بها الصلوات المفروضة .
وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإِسلام ، وإليها يفزع فى النوائب ، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - " إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " .وطرفى النهار : أى أول النهار وآخره ، لأن طرف الشئ منتهاه من أوله أو من آخره .والنهار : يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب الشمس .
سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أى يبرز كما يبرز النهر .والصلاة التى تكون فى هذين الوقتين ، تشمل صلاة الغداة وهى صلاة الصبح ، وصلاة العشى وهى صلاة الظهر والعصر ، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب .وقيل الصلاة التى تكون فى هذين الوقتين هى صلاة الصبح والمغرب .وقوله ( وَزُلَفاً مِّنَ الليل ) معطوف على طرفى النهار .والزلف جمع زلفه كغرف وغرفة - والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار ، إذا الإِزلاف معناه القرب ومنه قوله - تعالى - ( وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ .
.
.
) أى : قربت منهم .
وتقول أزلفنى فلان منه : أى قربنى .فمعنى ( وَزُلَفاً مِّنَ الليل ) يعنى صلاة المغرب والعشاء .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هما زلفتا الليل : المغرب والعشاء " .ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإِسراء ، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ، وفى أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ فى حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا فى قول .وجملة ( إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ) مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة ، وأكدت بحرف ( إن ) للاهتمام وتحقيق الخبر ، والحسنات صفة لموصوف محذوف ، وكذلك السيئات .والمعنى : إن الأعمال الحسنة - كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، والاستغفار .
.
يذهبن الأعمال السيئات ، أى يذهبن المؤاخذة عليها ، ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة .والمراد بالسيئات هنا صغار الذنوب ، لقوله - تعالى - ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ) ولقوله - تعالى - ( الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة .
.
.
) ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة .وقوله ( ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ) أى : ذلك الذى أمرناك به من وجوب إقامة الصلاة ، ومن الاستقامة على أمر الله .
.
فيه التذكرة النافعة ، لمن كان شأنه التذكر والاعتبار ، لا الإِعراض والعناد .وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية ، وقد ذكرنا فى التمهيد بين بدى السورة ، أن سورة هود ترجح أنها كلها مكية ، وليس فيها آيات مدنية .ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - ولإِرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على الاستقامة ، وعدم الركون إلى الظالمين .ولأن بعض الروايات التى وردت فى شأنها لم تذكر أنها نزلت فى المدينة ، بل ذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلاها على السائل ، ومن هذه الروايات ما رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير - وهذا لفظه - عن ابن مسعود قال : " جاء رجل إلى البنى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إنى وجدت أمرة فى بستان ، ففعلت بها كل شئ غير أنى لم أجامعها ، فافعل بى ما شئت ، فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، فذهب الرجل ، فقال عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه ، فأتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصره ثم قال : ردوه على فرده عليه فقرأ عليه : ( وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل .
.
) الآية ، فقال معاذ - وفى رواية عمر - يا رسول الله ، أله وحده أم للناس كافة؟
فقال : بل للناس كافة " والروايات التى ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية ، فى الإِمكان أن تؤول أن المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل ، لجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ وهذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء كان مختصاً به أو كان متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً وأنا أضرب لذلك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه.
إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية، فأولها: معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصوناً في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضاً فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «شيبتني هود وأخواتها»، وعن بعضهم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال: نعم فقلت: وبأي آية؟
فقال بقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ .
المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ والعمل بالقياس انحراف عنه، ثم قال: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في محل الرفع من وجوه: الأول: أن يكون عطفاً على الضمير المستتر في قوله: ﴿ فاستقم ﴾ وأغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم.
والثاني: أن يكون عطفاً على الضمير فى أمرت.
والثالث: أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم.
المسألة الثانية: أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة، وأما التائب عن الكفر والفسق فإنه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على طريق عبودية الله تعالى، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ ومعنى الطغيان أن يجاوز المقدار.
قال ابن عباس: يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل ولا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله، وقيل: لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحد لكم، وقيل: ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ والركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ونقيضه النفور عنه، وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم وفيه لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري: وليست بفصيحة.
قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون، ومعنى قوله: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النار ﴾ أي أنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون، ثم قال: ﴿ ومالكم مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله.
ثم قال: ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ والمراد: لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة.
واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لابد وأن تمسه النار وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طَرَفَىِ النهار ﴾ غدوة وعشية ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ وساعات من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه، وصلاة الغدوة: الفجر، وصلاة العشية: الظهر والعصر؛ لأنّ ما بعد الزوال عشيّ.
وصلاة الزلف: المغرب والعشاء.
وانتصاب طرفي النهار على الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار وأوله وآخره، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه.
ونحوه ﴿ وَأَطْرَافَ النهار ﴾ [طه: 130] وقرئ: ﴿ وزُلُفا ﴾ ، بضمتين.
وزلفا، بسكون اللام.
وزلفى: بوزن قربى.
فالزلف: جمع زلفة، كظلم في ظلمة.
والزلف بالسكون: نحو بسرة وبسر.
والزلف بضمتين نحو بسر في بسر.
والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى القربة: وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل.
وقيل: وزلفا من الليل: وقربا من الليل، وحقها على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النهار، وأقم زلفا من الليل، على معنى: وأقم صلاة تتقرّب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يراد تكفير الصغائر بالطاعات، وفي الحديث: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر» والثاني: إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكن لطفاً في تركها، كقوله: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] وقيل: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر.
فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت، فقال: نعم، اذهب فإنها كفارة لما عملت» .
وروي أنه أتى أبا بكر فأخبره فقال: استر على نفسك وتب إلى الله، فأتى عمر رضي الله عنه فقال له مثل ذلك، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال عمر: أهذا له خاصة أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ » ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ فاستقم ﴾ فما بعده ﴿ ذكرى لِلذكِرِينَ ﴾ عظة للمتعظين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا تَمِيلُوا إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ فَإنَّ الرُّكُونَ هو المَيْلُ اليَسِيرُ كالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ واسْتَدامَتِهِ.
﴿ فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ﴾ بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ وإذا كانَ الرُّكُونُ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ أيِ المَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ المَيْلِ، ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ، ولَعَلَّ الآيَةَ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، وخِطابُ الرَّسُولِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِها لِلتَّثْبِيتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي العَدْلُ، فَإنَّ الزَّوالَ عَنْها بِالمَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ فَإنَّهُ ظُلْمٌ عَلى نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بَلْ ظُلْمٌ في نَفْسِهِ.
وقُرِئَ « تِرْكَنُوا» « فَتِمَسَّكُمُ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « تُرْكَنُوا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنُهُ.
﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكم والواوُ لِلْحالِ.
﴿ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ أيْ ثُمَّ لا يَنْصُرُكُمُ اللَّهُ إذْ سَبَقَ في حُكْمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم ولا يُبْقِيَ عَلَيْكم، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهم بِالعَذابِ عَلَيْهِ وأوْجَبَهُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الفاءِ لِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهم وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)
{وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار} غدوة وعشية {وَزُلَفاً من الليل} وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وصلاة الغدوة الفجر وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء وانتصاب طرفي
النهار على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك أقمت عنده جميع النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه {إِنَّ الحسنات يُذْهِبنَ السيئات} إن الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب أو الطاعات قال عليه السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر {ذلك} إشارة إلى فاستقم فما بعده أو القرآن {ذكرى للذاكرين} عظة للمتعظين نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة في البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكياً باكياً فنزلت فقال عليه السلام هل شهدت معنا العصر قال نعم قال هي كفارة لك فقيل أله خاصة قال بل للناس عامة
﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ ﴾ أيِ المَكْتُوبَةَ، ومَعْنى إقامَتِها أداؤُها عَلى تَمامِها.
وقِيلَ: المُداوَمَةُ عَلَيْها، وقِيلَ: فِعْلُها في أوَّلِ وقْتِها ﴿ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ أيْ أوَّلَهُ وآخِرَهُ وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ -لِأقِمْ- ويَضْعُفُ كَوْنُهُ ظَرْفًا ووَجْهُ انْتِصابِهِ عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلى الظَّرْفِ ﴿ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ أيْ ساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ.
وقالَ اللَّيْثُ: هي طائِفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وكَذا قالَ ثَعْلَبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي مُطْلَقُ ساعاتِهِ وآناؤُهُ وكُلُّ ساعَةٍ زُلْفَةٌ، وأنْشَدُوا لِلْعَجّاجِ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيُّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفًا سَماوَةُ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وهُوَ عَطْفٌ عَلى ﴿ طَرَفَيِ النَّهارِ)، ﴾ و ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، والمُرادُ بِصَلاةِ الطَّرَفَيْنِ قِيلَ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِناءً عَلى أنَّ طَرَفَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْءِ، والتَزَمَ أنَّ أوَّلَ النَّهارِ مِنَ الفَجْرِ، وقَدْ يُطْلَقُ طَرَفُ الشَّيْءِ عَلى المُلاصِقِ لِأوَّلِهِ وآخِرِهِ مَجازًا فَيُمْكِنُ اعْتِبارُ النَّهارِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ مَعَ صِحَّةِ ما ذَكَرُوهُ في صَلاةِ الطَّرَفِ الأوَّلِ بِجَعْلِ التَّثْنِيَةِ هُنا مِثْلَها في قَوْلِهِمُ: القَلَمُ أحَدُ اللِّسانَيْنِ إلّا أنَّهُ قِيلَ بِشُذُوذِ ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ- أنَّ المُرادَ صَلاةُ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، فَإنْ كانَ النَّهارُ مِن أوَّلِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فالمَغْرِبُ طَرَفٌ مَجازًا وهو حَقِيقَةُ طَرَفِ اللَّيْلِ، وإنْ كانَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها فالصُّبْحُ كالمَغْرِبِ طَرَفٌ مَجازِيٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الطَّرَفُ الأوَّلُ الصُّبْحُ والثّانِي الظَّهْرُ والعَصْرُ، واخْتارَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في جَعْلِ الظُّهْرِ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي خَفاءً، وإنَّما الظَّهْرُ نِصْفُ النَّهارِ والنِّصْفُ لا يُسَمّى طَرَفًا إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، والمُرادُ بِصَلاةِ الزُّلَفِ عِنْدَ الأكْثَرِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
ورَوى الحَسَنُ في ذَلِكَ خَبَرًا مَرْفُوعًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ صَلاةَ الزُّلَفِ بِصَلاةِ العَتَمَةِ وهي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى وقْتِ صَلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، وأغْرَبُ مَن قالَ: صَلاةُ الطَّرَفَيْنِ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وصَلاةُ الزُّلَفِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ والصُّبْحِ، وقِيلَ: مَعْنى (زُلَفًا) قُرْبًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا -كَما في الكَشّافِ- أنْ يُعْطَفَ عَلى الصَّلاةِ أيْ أقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وأقِمِ زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ صَلَواتٍ تَتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، انْتَهى، قِيلَ: والمُرادُ بِها عَلى هَذا صَلاةُ العِشاءِ والتَّهَجُّدُ وقَدْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ العِشاءُ، والوِتْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أوِ المَجْمُوعُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الجَمْعِ، وقَدْ تُفَسَّرُ بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ -واخْتارَهُ البَعْضُ- وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ قُرْبَةٌ فَتُحَقَّقُ قُرَبٌ فَوْقَ الثَّلاثِ فِيما ذَكَرَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ (زُلُفًا) بِضَمِّ اللّامِ إمّا عَلى أنَّهُ جَمْعُ زُلْفَةٍ أيْضًا ولَكِنْ ضُمَّتْ عَيْنُهُ إتْباعًا لِفائِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَعُنُقٍ، أوْ جَمْعُ زَلِيفٍ بِمَعْنى زُلْفَةٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإسْكانِ اللّامِ كَبُسْرٍ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ في بُسْرَةٍ، وهو عَلى هَذا -عَلى ما في البَحْرِ- اسْمُ جِنْسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ -زُلْفى- كَحُبْلى وهو بِمَعْنى زُلْفَةٍ فَإنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ وألِفَهُ قَدْ يَتَعاقَبانِ نَحْوَ قُرْبى وقُرْبَةٍ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الألِفُ بَدَلًا مِنَ التَّنْوِينِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيْ يُكَفِّرْنَها ويُذْهِبْنَ المُؤاخَذَةَ عَلَيْها، وإلّا فَنَفْسُ السَّيِّئاتِ أعْراضٌ وُجِدَتْ فانْعَدَمَتْ، وقِيلَ: يَمْحِينَها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، ويَشْهَدُ لَهُ بَعْضُ الآثارِ، وقِيلَ: يَمْنَعْنَ مِنِ اقْتِرافِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ وهو مَعَ بُعْدِهِ في نَفْسِهِ مُخالِفٌ لِلْمَأْثُورِ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَسَناتِ ما يَعُمُّ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها مِنَ الطّاعاتِ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ الفَرائِضُ فَقَطْ لِرِوايَةِ «الصَّلَواتِ الخَمْسِ والجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانُ مُكَفِّراتٌ ما بَيْنَهُنَّ”،» وفِيهِ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «“إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ”،» وفي رِوايَةٍ تَفَرَّدَ بِها يَحْيى بْنُ نُصَيْرٍ -وهُوَ مِنَ الثِّقاتِ- بِزِيادَةِ، وما تَأخَّرَ“ وصَحَّ أنَّ «صِيامَ يَوْمِ عَرَفَةَ تُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والمُسْتَقْبَلَةَ،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «”مَن أكَلَ طَعامًا ثُمَّ قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذا الطَّعامَ ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن لَبِسَ ثَوْبًا وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي هَذا ورَزَقَنِيهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في تَكْفِيرِ أفْعالٍ لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ لِما في بَعْضِ طُرُقِ خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ مِن «أنَّ أبا اليُسْرِ مِنَ الأنْصارِ قَبَّلَ امْرَأةً ثُمَّ نَدِمَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“أنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّي فَلَمّا صَلّى صَلاةً قالَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَعَمِ اذْهَبْ بِها فَإنَّها كَفّارَةٌ لِما عَمِلْتَ”» ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ المُسَيِّبِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنهُمُ اقْتِصارٌ عَلى بَعْضٍ مُهِمٍّ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَأْبى العُمُومَ كَما لا يَخْفى، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وفِيهِ ما فِيهِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ الصَّغائِرُ لِأنَّ الكَبائِرَ لا يُكَفِّرُها عَلى ما قالُوا: إلّا التَّوْبَةُ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ العَلاءِ «الصَّلَواتُ الخَمْسُ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الصَّغائِرَ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ بِنَصِّ ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ فَما الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَواتُ الخَمْسُ؟
وأجابَ البَلْقِينِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ أنْ تَجْتَنِبُوا في جَمِيعِ العُمْرِ ومَعْناهُ المُوافاةُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِن وقْتِ الإيمانِ أوِ التَّكْلِيفِ إلى المَوْتِ، والَّذِي في الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ ما بَيْنَها» أيْ في يَوْمِها إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَلا تَعارُضَ، وتَعَقَّبَهُ السَّمَهُودِيُّ بِقَوْلِهِ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: لا يَتَحَقَّقُ اجْتِنابُ الكَبائِرِ في جَمِيعِ العُمُرِ إلّا مَعَ الإتْيانِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فالتَّكْفِيرُ حاصِلٌ بِما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ فَما فائِدَةُ الِاجْتِنابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ فِعْلِ شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مُكَفِّرٌ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ مُكَفِّراتٌ فَحُكْمُها أنَّها إذا تَرَتَّبَتْ فالمُكَفِّرُ السّابِقُ وإنْ وقَعَتْ مَعًا فالمُكَفِّرُ واحِدٌ مِنها يَشاؤُهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا البَقِيَّةُ فَثَوابُها باقٍ لَهُ وذَلِكَ الثَّوابُ عَلى كُلٍّ مِنها يَكُونُ بِحَيْثُ يَعْدِلُ تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ لَوْ وُجِدَتْ، وكَذا إذا فَعَلَ واحِدًا مِنَ الأُمُورِ المُكَفِّرَةِ ولَمْ يَكُنْ قَدِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا.
وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ صادَفَ فِعْلُ المُكَفِّرِ كَبِيرَةً أوْ كَبائِرَ ولَمْ يُصادِفْ صَغِيرَةً رَجَوْنا أنْ يُخَفِّفَ مِنَ الكَبائِرِ، ويُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ المُرادَ ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا ﴾ في جَمِيعِ العُمُرِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ أنَّ ثَوابَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ في كُلِّ وقْتٍ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ الواقِعَةَ فِيهِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي ما يُؤَيِّدُهُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الكَلامِ عَلى التَّوْبَةِ مِن أنَّ حُكْمَ الكَبِيرَةِ أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا تُكَفِّرُها وأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما ﴾ إلَخْ، ولَكِنَّ اجْتِنابَ الكَبِيرَةِ إنَّما يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إذا اجْتَنَبَها مَعَ القُدْرَةِ والإرادَةِ كَمَن يَتَمَكَّنُ مِنِ امْرَأةٍ ومِن مُواقَعَتِها فَيَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الوُقُوعِ ويَقْتَصِرُ عَلى النَّظَرِ واللَّمْسِ فَإنَّ مُجاهَدَتَهُ نَفْسَهُ في الكَفِّ عَنِ الوِقاعِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في تَنْوِيرِ قَلْبِهِ مِن إقْدامِهِ عَلى النَّظَرِ في إظْلامِهِ فَهَذا مَعْنى تَكْفِيرِهِ فَإنْ كانَ عِنِّينًا ولَمْ يَكُنِ امْتِناعُهُ إلّا بِالضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ أوْ كانَ قادِرًا ولَكِنِ امْتَنَعَ لِخَوْفٍ مِن آخَرَ، فَهَذا لا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أصْلًا فَكُلُّ مَن لا يَشْتَهِي الخَمْرَ بِطَبْعِهِ ولَوْ أُبِيحَ لَهُ ما شَرِبَهُ فاجْتِنابُهُ لا يُكَفِّرُ عَنْهُ الصَّغائِرَ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِهِ كَسَماعِ المَلاهِي والأوْتارِ، وهَذا ظاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ولا شَكَّ أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ إذا قارَنَ القَصْدَ حَسَنَةٌ وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ وإنْ كانَ الخُرُوجُ عِنْدَ عُهْدَةِ النَّهْيِ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا يُثابُ عَلى الِاجْتِنابِ بِدُونِ ذَلِكَ، فالأوْلى في الجَوابِ عَنِ الإشْكالِ أنْ يُقالَ: ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرَ في الخَبَرِ لَيْسَ قَيْدًا لِأصْلِ التَّكْفِيرِ بَلْ لِشُمُولِ التَّكْفِيرِ سائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَهو بِمَثابَةِ اسْتِثْناءِ الكَبائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ كَفّارَةٌ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَها، وتَكْفِيرُها لِلْجَمِيعِ في المُدَّةِ الَّتِي اجْتُنِبَتْ فِيها الكَبائِرُ أوْ مُقَيَّدٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وإلّا فَلَيْسَتِ الصَّلَواتُ كَفّارَةً لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ بَلْ لِلصَّغائِرِ فَقَطْ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ مِن عَوْدِ القَيْدِ لِأصْلِ التَّكْفِيرِ، لَكِنَّ قَرِينَةَ الآيَةِ دَعَتْ لِلْعُدُولِ عَنْهُ إلى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، ولا بُدَّ في هَذا مِنِ اعْتِبارِ ما قالُوا في اجْتِماعِ الأُمُورِ المُكَفِّرَةِ لِلصَّغائِرِ، وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ نَقْلِهِ لِكَلامِ البَلْقِينِيِّ ما لَفْظُهُ: وعَلى تَقْدِيرِ وُرُودِ السُّؤالِ فالتَّخَلُّصُ عَنْهُ سَهْلٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ اجْتِنابُ الكَبائِرِ إلّا بِفِعْلِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَمَن لَمْ يَفْعَلْها لَمْ يُعَدَّ مُجْتَنِبًا لِلْكَبائِرِ لِأنَّ تَرْكَها مِنَ الكَبائِرِ، فَيَتَوَقَّفُ التَّكْفِيرُ عَلى فِعْلِها انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ ما اجْتُنِبَتْ إلَخْ..
بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، فَقَدْ قالَ في أحْكامِهِ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أمْرِ تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ بِالعِباداتِ هَلْ هو مَشْرُوطٌ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما نَعَمْ وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» فَإنَّ ظاهِرَهُ الشَّرْطِيَّةُ كَما يَقْتَضِيهِ“إذا اجْتُنِبَتِ" الآتِي في بَعْضِ الرِّواياتِ، فَإذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتْ مُكَفِّرَةً لَها وإلّا فَلا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُشْتَرَطُ، والشَّرْطُ في الحَدِيثِ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها إلّا الكَبائِرَ وهو الأظْهَرُ.
هَذا وقَدْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ التَّكْفِيرَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ أمْ لا؟
فَذَهَبَ إلى الِاشْتِراطِ طائِفَةٌ وإلى عَدَمِهِ أُخْرى، وفي البَحْرِ أنَّ الِاشْتِراطَ نَصُّ حُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في اشْتِراطِ الِاجْتِنابِ وعَدَمِهِ فَمَن جَعَلَ اجْتِنابَ الكَبائِرِ شَرْطًا في تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ لَمْ يُشْتَرَطِ التَّوْبَةُ وجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ ولَمْ يَشْتَرِطْهُ إلّا مَنِ اشْتَرَطَها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ أبِي اليُسْرِ، فَإنَّ الرِّواياتِ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ جاءَ نادِمًا والنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وإنَّ إخْبارَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ بِأنَّ صَلاةَ العَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ ما فَعَلَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ نَدَمِهِ، لَكِنَّ ظاهِرَ إطْلاقِ الحَدِيثِ يَقْتَضِي أنَّ التَّكْفِيرَ كانَ بِنَفْسِ الصَّلاةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِها تَجُبُّ ما قَبْلَها، فَلَوِ اشْتَرَطْناها مَعَ العِباداتِ لَمْ تَكُنِ العِباداتُ مُكَفِّرَةً، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها مُكَفِّراتٌ فَيَسْقُطُ اعْتِبارُ التَّوْبَةِ مَعَها، انْتَهى مُلَخَّصًا مَعَ زِيادَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ نَدَمَ أبِي اليُسْرِ لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً صَحِيحَةً وإلّا لَكانَ التَّكْفِيرُ بِهِ لِأنَّهُ السّابِقُ، وبَعْضٌ التَزَمَ القَوْلَ بِكَوْنِهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً إلّا أنَّهُ تَوْبَةٌ لَمْ تُقْبَلْ ولَمْ تُكَفِّرِ الذَّنْبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدَمِ تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ الذَّنْبَ مَقالًا، والمَنقُولُ عَنِ السُّبْكِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ مَقْطُوعٌ بِهِ تَفَضُّلًا، وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنَّ تَكْفِيرَ التَّوْبَةِ لِلذَّنْبِ مَظْنُونٌ، وادَّعى النَّوَوِيُّ أنَّهُ الأصَحُّ، وفي شَرْحِ البُرْهانِ: الصَّحِيحُ عِنْدَنا القَطْعُ بِالتَّكْفِيرِ، وقالَ الحَلِيمِيُّ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى قَبُولُ التَّوْبَةِ لَكِنَّهُ لِما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ولَمْ يُجِزْ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ عَلِمْنا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَرُدُّ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ الخِلافُ في التَّكْفِيرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ ونَحْوُهُ هَلْ هو قَطْعِيٌّ أوْ ظَنِّيٌّ، وفي كَلامِ العَلّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ وصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وغَيْرِهِما أنَّ العِقابَ عَلى الصَّغائِرِ جائِزُ الوُقُوعِ سَواءٌ اجْتَنَبَ مُرْتَكِبُها الكَبائِرَ أمْ لا لِدُخُولِها تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ( يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ) ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ والإحْصاءُ إنَّما يَكُونُ لِلسُّؤالِ والمُجازاةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ فَلَمْ يُجِيزُوا وُقُوعَ التَّعْذِيبِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ، واسْتَدَلُّوا بِآيَةِ ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا ﴾ إلَخْ، ويُجابُ بِأنَّ المُرادَ بِالكَبائِرِ الكُفْرُ والجَمْعُ لِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ أوْ تَعَدُّدِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ إنْ تَجْتَنِبُوا الكُفْرَ نَجْعَلْكم صالِحِينَ لِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِكُمْ، ولا يَخْفى ما في اسْتِدْلالِهِمْ مِنَ الوَهْنِ، وجَوابُهم عَنِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ لَعَمْرِي أوْهَنُ مِنهُ.
وذَهَبَ صاحِبُ الذَّخائِرِ إلى أنَّ مِنَ الحَسَناتِ ما يُكْفِّرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ إذْ قَدْ صَحَّ في عِدَّةِ أخْبارٍ مَن فَعَلَ كَذا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وفي بَعْضِها خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، ومَتى حُمِلَتِ الحَسَناتُ في الآيَةِ عَلى الِاسْتِغْراقِ فالمُناسِبُ حَمْلُ السَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أيْضًا، والتَّخْصِيصُ خِلافُ الظّاهِرِ وفَضْلُ اللَّهِ تَعالى واسِعٌ، وإلى هَذا مالَ ابْنُ المُنْذِرِ، وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بَعْضِ المُعاصِرِينَ لَهُ وعَنى بِهِ فِيما قِيلَ: أبا مُحَمَّدٍ المُحَدِّثَ لَكِنْ رُدَّ عَلَيْهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ: إنَّ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ تُكَفِّرُها الطَّهارَةُ والصَّلاةُ لِظاهِرِ الأحادِيثِ وهو جَهْلٌ بَيِّنٌ ومُوافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ في قَوْلِهِمْ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّها فَرْضٌ، وقَدْ صَحَّ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «الصَّلَواتُ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ دَعْوى أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ لا يَخْلُو عَنِ الإفْراطِ إذا الفَرْقُ بَيْنَ القَوْلِ بِعُمُومِ التَّكْفِيرِ ومَذْهَبِ المُرْجِئَةِ في غايَةِ الوُضُوحِ، ولَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ ذَهابٌ إلى قَوْلِهِمْ لَلَزِمَهُ مِثْلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوْبَةِ فَإنَّهُ يُسَلِّمُ أنَّها تُكَفِّرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ وهي مِن جُمْلَةِ أعْمالِ العَبْدِ، فَكَما جازَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا العَمَلَ سَبَبًا لِتَكْفِيرِ الجَمِيعِ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ غَيْرَهُ مِنَ الأعْمالِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ إلَخْ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ الحاصِلَةِ عَدَمُ الأمْرِ بِالتَّوْبَةِ وكَوْنِها فَرْضًا إذْ تَرْكُها مِنَ الذُّنُوبِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي لا يَشْمَلُها التَّكْفِيرُ السّابِقُ بِفِعْلِ الوُضُوءِ مَثَلًا ألا تَرى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغائِرِ واجِبَةٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ، وحَكى إمامُ الحَرَمَيْنِ وتِلْمِيذُهُ الأنْصارِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ ومَعَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ الصَّغائِرِ مُكَفَّرَةٌ بِنَصِّ الشّارِعِ وإنْ لَمْ يَتُبْ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الخِلافِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ التَّوْبَةَ واجِبَةٌ في نَفْسِها عَلى الفَوْرِ ومَن أخَّرَها تَكَرَّرَ عِصْيانُهُ بِتَكَرُّرِ الأزْمِنَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ اللَّهِ تَعالى ذُنُوبَ عَبْدِهِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي كُلِّفَ بِها تَكْلِيفًا مُسْتَمِرًّا، وقَرِيبٌ مِن هَذا ارْتِفاعُ الإثْمِ عَنِ النّائِمِ إذا أخْرَجَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها مَعَ الأمْرِ بِقَضائِها، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ إنَّما ورَدَ في أمْرٍ خاصٍّ فَلا يَتَعَدّاهُ إذِ الأصْلُ بَقاءُ ما عَداهُ عَلى عُمُومِهِ، وهَذا مِمّا لا مَجالَ لِلْقِياسِ فِيهِ حَتّى يُخَصَّ بِالقِياسِ عَلى ذَلِكَ فَلا يَلِيقُ نِسْبَةُ ذَلِكَ القائِلِ إلى الجَهْلِ، والرَّجاءُ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ قَوِيٌّ كَذا قِيلَ، وفي المَقامِ بَعْدَ أبْحاثٍ تَرَكْنا ذِكْرَها خَوْفَ الإمْلالِ فَإنْ أرَدْتَها فَعَلَيْكَ بِالنَّظَرِ في الكُتُبِ المُفَصَّلَةِ في عِلْمِ الحَدِيثِ.
﴿ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ أيْ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ والرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا وإقامَةِ الصَّلَواتِ في تِلْكَ الأوْقاتِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إقامَةِ الصَّلاةِ وأمْرُ التَّذْكِيرِ سَهْلٌ، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إشارَةٌ إلى الأوامِرِ والنَّواهِي في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ، وبَعْضُ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى الإقامَةِ فَسَّرَ الذِّكْرى بِالتَّوْبَةِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني: آمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وهذا تعزية للنبي ، حتى يصبر على تكذيبهم كما صبر موسى على تكذيبهم.
ثم قال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني: وجب قول رَّبّكَ بتأخير العذاب عن أمة محمد ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لجاءهم العذاب، ولفرغ من هلاكهم، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعني: من القرآن، مُرِيبٍ يعني: ظاهر الشك.
قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَإِنَّ كُلًّا بجزم النون، وقرأ الباقون بالنصب والتشديد.
فمن قرأ بالجزم يكون، معناه: وما كل إلا ليوفينهم، كقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ [يس: 32] يعني: ما كلٌ جميع.
ومن قرأ بالتشديد، يكون إنَّ لتأكيد الكلام.
وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص: لَّمّاً بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف، فمن قرأ بالتخفيف، يكون لمّا لصلة الكلام، ومعناه: وإنَّ كلاً ليوفينهم، فتكون ما صلة كقولهم: عَمَّا قَلِيلٍ، يعني: عن قليل.
ومن قرأ بالتشديد: يكون بمعنى إلاَّ، يعني: وإنَّ كُلاً إلا ليوفينهم، كقوله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [الطارق: 4] فمن قرأ بالتشديد كتلك الآية، يكون معناه: إلا عليها حافظ.
ومعنى الآية: إن كلا الفريقين لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ثواب أَعْمالَهُمْ بالخير خيراً، وبالشر شراً.
إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الخير والشر.
قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: استقم على التوحيد والطاعة كما أمرت وَمَنْ تابَ مَعَكَ أيضاً يستقيموا على التوحيد وَلا تَطْغَوْا أي: لا تعصوا الله، في التوحيد وطاعته.
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشرّ بَصِيرٌ.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أي: امضِ على ما أمرت قال: إن الله تعالى أمر بالاستقامة على التوحيد، وأن لا يطغى في نعمته.
وقال القتبي: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: امضِ على ما أمرت به، إن الله أمر بأن يمضى ما أمر به.
<div class="verse-tafsir"
قال ص: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت» : يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره» ، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ» ، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه.
انتهى.
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: نَفْسٌ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره «١» ، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير» : من الصدر، و «الشهيق» : من الحَلْق «٢» ، والظاهر ما قال أبو العالية.
وقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: يُرْوَى عن ابن عباس:
أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إلى هنالك/ في الآخرة «٣» ، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا.
قال ص: وقيل: المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها يدلُّ عليه قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: ٤٨] انتهى.
وأما قوله: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ:
في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين وعلَى هذا يكونُ قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من خالِدِينَ،
وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ «١» .
الثَّاني: أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام فهو على نحو قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧] .
الثالث: أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى» ، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب «لكن» ، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: الاستثناء في الآية الأولى:
من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا.
قال ع «٢» : وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين «٣» ، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً.
ت: وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب «العاقبة» أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام» : خالِدِينَ فِيها إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨] .
قال ع «٤» : والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم فإِنه لا يترتَّب هنا، وال مَجْذُوذٍ: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إِلى كفَّار العرب، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس:
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى عَلْقَمَةُ والأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ : إنِّي أخَذْتُ امْرَأةً في البُسْتانِ فَقَبَّلْتُها، وضَمَمْتُها، إلَيَّ وباشَرْتُها، وفَعَلْتُ بِها كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أُجامِعْها؛ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى " ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ.
﴾ .
.
" الآيَةُ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ عُمَرُ: أهِيَ لَهُ خاصَّةً، أمْ لِلنّاسِ كافَّةً ؟
قالَ: " لا، بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً» " .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِن امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ الآيَةُ ؟
فَقالَ: " لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي " .
وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَجاءَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في رَجُلٍ أصابَ مِنِ امْرَأةٍ مالا يَحِلُّ لَهُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ إلّا أصابَهُ مِنها، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها ؟
فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : " تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ " فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُعاذٌ: أهِيَ لَهُ خاصَّةً، أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟
فَقالَ: " بَلْ هي لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» " .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو عَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ الأنْصارِيُّ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كانَ يَبِيعُ التَّمْرَ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا، فَأعْجَبَتْهُ، فَقالَ: إنَّ في البَيْتِ تَمْرًا أجْوَدَ مِن هَذا، فانْطَلِقِي مَعِي حَتّى أُعْطِيَكِ مِنهُ؛ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُعاذٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو مُقْبِلٍ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ.
وذَكَرَ أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثابِتِ الخَطِيبُ الحافِظُ أنَّهُ أبُو اليُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الأنْصارِيُّ.
وذُكِرَ في الَّذِي قالَ لِلنَّبِيِّ ، ألَهُ خاصَّةً ؟
ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أبُو اليُسْرِ صاحِبُ القِصَّةِ.
والثّانِي: مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.
والثّالِثُ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: " وأقِمِ الصَّلاةَ " أيْ: أتِمَّ رُكُوعَها وسُجُودَها.
فَأمّا طَرَفا النَّهارِ، فَفي الطَّرَفِ الأوَّلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَلاة الفَجْرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ الظُّهْرُ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَفِي الطَّرَفِ الثّانِي ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ صَلاةُ المَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: العَصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: الظُّهْرُ، والعَصْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ.
وعَنِ الضَّحّاكِ كالأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ " وزُلُفًا " بِضَمِّ اللّامِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الزُّلَفُ: السّاعاتُ، واحِدُها: زُلْفَةٌ، أيْ: ساعَةٌ ومَنزِلَةٌ وقُرْبَةٌ؛ ومِنهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ، قالَ العَجّاجُ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا أوْجَفا طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ يُقالُ: أزْلَفَنِي كَذا عِنْدَكَ، أيْ: أدْنانِي؛ والمَزالِفُ: المَنازِلُ والدَّرَجُ، وكَذَلِكَ الزُّلَفُ: وَفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ العَتَمَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ورَواهُ يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ، ومَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ في المُرادِ بِالحَسَناتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ، ومَسْرُوقٌ، ومُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والضَّحّاكُ، والمُقاتِلانِ: ابْنُ سُلَيْمانَ، وابْنُ حَيّانَ.
والثّانِي: أنَّها سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلَيْهِ، وفِيهِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ تَوَضَّأ، وقالَ: مَن تَوَضَّأ وُضُوئِي هَذا، ثُمَّ صَلّى الظُّهْرَ، غُفِرَ لَهُ ما كانَ بَيْنَها وبَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَمَن صَلّى العَصْرَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها وبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ومَن صَلّى المَغْرِبَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها وبَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلّى العِشاءَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها وبَيْنَ صَلاةِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أنْ يَبِيتَ لَيْلَتَهُ يَتَمَرَّغُ، ثُمَّ إنْ قامَ فَتَوَضَّأ وصَلّى الصُّبْحَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ صَلاةِ العِشاءِ، وهُنَّ الحَسَناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» " .
فَأمّا السَّيِّئاتُ المَذْكُورَةُ هاهُنا، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الصَّغائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ.
وقَدْ «رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْصِنِي؛ قالَ: " اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ "، قالَ: قُلْتُ: زِدْنِي؛ قالَ: " أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها "، قُلْتُ: زِدْنِي؛ قالَ: " خالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " ذَلِكَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ.
والثّانِي: إقامُ الصَّلاةِ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ، والنَّهْيِ عَنْ الطُّغْيانِ، وتَرْكِ المَيْلِ إلى الظّالِمِينَ، والقِيامِ بِالصَّلاةِ.
وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى التَّوْبَةِ.
والثّانِي: بِمَعْنى العِظَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ لَفْظُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ، والمَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ شَكٌّ فَيَقَعْ عنهُ نَهْيٌ، ولَكِنْ مِن فَصاحَةِ القَوْلِ في بَيانِ ضَلالَةِ الكَفَرَةِ إخْراجَهُ في هَذِهِ العِبارَةِ، أيْ حالُهم أوضَحُ مِن أنْ يُمْتَرى فِيها، والمِرْيَةُ: الشَكُّ، و ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ إشارَةٌ إلى كُفّارِ العَرَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ ﴾ المَعْنى: أنَّهم مُقَلِّدُونَ لا بُرْهانَ عِنْدَهم ولا حُجَّةَ، وإنَّما عِبادَتُهم تَشَبُّهًا مِنهم بِآبائِهِمْ لا عن بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ وعِيدٌ، ومَعْناهُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها أعْمالُهُمْ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ أنَّ عَلى الأوَّلِينَ كِفْلًا مِن كُفْرِ الآخِرِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمُوَفُّوهُمْ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "لَمُوفُوهُمْ" بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ الآيَةُ.
تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، وذِكْرُ قِصَّةِ مُوسى مَثَلٌ لَهُ: أيْ: لا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أمْرُ مَن كَذَّبَكُ فَهَذِهِ هي سِيرَةُ الأُمَمِ، فَقَدْ جاءَ مُوسى، بِكِتابٍ فاخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أُمَّةَ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ، وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ كُلا ﴾ و"الكَلِمَةُ" هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ والقَضاءِ، ومَعْنى ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ : لَفُصِلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِنَعِيمِ هَذا وعَذابِ هَذا.
ووَصْفُ الشَكِّ بِالمُرِيبِ تَقْوِيَةٌ لِمَعْنى الشَكِّ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "وَإنَّ كُلًّا لَما" بِتَشْدِيدِ النُونِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَما"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِتَخْفِيفِهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَشْدِيدِهِما، وكَذَلِكَ حَفَصٌ عن عاصِمٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - بِتَخْفِيفِ "إنْ" وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ: "وَإنْ كُلُّ لَمّا" بِتَخْفِيفِ "إنْ" ورَفْعِ "كُلُّ" وشَدِّ "لَمّا"، وكَذَلِكَ قَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ "لَما"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإنْ كُلٌّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَإنْ مِن كُلٍّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهم أعْمالَهُمْ".
فَأمّا الأوَّلُ فَ "إنَّ" فِيها عَلى بابِها، و "كُلًّا" اسْمُها، وعُرْفُها أنْ تَدْخُلَ عَلى خَبَرِها لامٌ، وفي الكَلامِ قَسَمٌ تَدْخُلُ لامُهُ أيْضًا عَلى خَبَرِ "إنَّ"، فَلَمّا اجْتَمَعَ لامانِ فُصِلَ بَيْنَهُما بِ "ما"، هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنَّ"، وهي لِمَن يَعْقِلُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جِنْسٍ وصِنْفٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا واخْتارَهُ، أمّا إنَّهُ يَلْزَمُ القَوْلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُوفَةً إذْ هي نَكِرَةٌ، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٍ لَكَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ يَقُومُ مَعْناهُ مَقامَ الصِفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ مُوَفّى عَمَلَهُ".
وأمّا مَن خَفَّفَها -وَهِيَ القِراءَةُ الثانِيَةُ في تَرْتِيبِنا- فَحُكْمُ "إنْ" وهي مُخَفَّفَةٌ حُكْمُها مُثَقَّلَةٌ، وتِلْكَ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ، حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ الثِقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "إنْ عَمْرًا لِمُنْطَلِقٌ"، وهو نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ ∗∗∗ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ رَواهُ أبُو زَيْدٍ، ويَكُونُ القَوْلُ في فَصْلِ "ما" بَيْنَ اللامَيْنِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُها القَوْلُ الآخَرُ مِن أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنْ".
وأمّا مَن شَدَّدَها أو خَفَّفَ "إنْ" وشَدَّدَ المِيمَ فَفي قِراءَتَيْهِما إشْكالٌ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "إنَّ "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، كَما تَقُولُ: "سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا" بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ "لَمّا" هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما" فَقُلِبَتِ النُونُ مِيمًا، وأُدْغِمَتْ في الَّتِي بَعْدَها فَبَقِيَ "لَمَمّا" فَحُذِفَتِ الأُولى تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ الأمْثِلَةِ، كَما قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: والبَغْيِ يَعِظُكم بِهِ بِحَذْفِ الياءِ مَعَ الياءِ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وأشْمَتَّ العُداةَ بِنا فَأضْحَوْا ∗∗∗ ∗∗∗ لَدىْ يَتَباشَرُونَ بِما لَقِينا قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُورَةِ مِيماتٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ ولَمْ يُدْغَمْ هُناكَ فَأحْرى ألّا يُدْغَمَ هُنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما"، فَ "مَن" خَبَرُ "إنَّ"، و "ما" زائِدَةٌ، وفي التَأْوِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلُهُ: "لَمَن ما"، فَ "ما" هي الخَبَرُ دَخَلَتْ عَلَيْها "مِن" عَلى حَدِّ دُخُولِها في قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَمّا" أصْلُها "لَمًّا" مُنَوَّنَةً، والمَعْنى: وإنْ كُلًّا عامًّا حَصْرًا شَدِيدًا، فَهُوَ مَصْدَرُ: لَمَّ يَلُمُّ، كَما قالَ: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا ﴾ ، أيْ: شَدِيدًا، قُلْتُ: ولَكِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ وصَرْفَهُ وبُنِيَ مِنهُ (فَعْلى) كَما فَعَلَ في [تَتْرىَ]، فَقُرِئَ: "تَتْرا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، حُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَثْقِيلِ في "لَمّا".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ "لَمّا" بِالتَنْوِينِ وشَدِّ المِيمِ فَواضِحُ الوَجْهِ كَما بَيَّنّا.
وأمّا مَن قَرَأ: "وَإنْ كُلٌّ لَما" فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وحَقُّها في أكْثَرِ لِسانِ العَرَبِ - أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَها، و "لَما" هُنا بِمَعْنى "إلّا"، كَما قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ ، ومَن قَرَأ "إلّا" مُصَرَّحَةً فَمَعْنى قِراءَتِهِ واضِحٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النّبيء صلى الله عليه وسلم وهذا الخطاب يتناول جميع الأمّة بقرينة أنّ المأمور به من الواجبات على جميع المسلمين، لا سيما وقد ذكر معه ما يناسب الأوقات المعيّنة للصلوات الخمس، وذلك ما اقتضاه حديث أبي اليُسْر الآتي.
وطرف الشيء: منتهاه من أوّله أو من آخره، فالتثنية صريحة في أنّ المراد أوّل النّهار وآخره.
و ﴿ النّهار ﴾ : ما بين الفجر إلى غروب الشمس، سمي نهاراً لأنّ الضياء ينهر فيه، أي يبرز كما يبرز النهْر.
والأمر بالإقامة يؤذن بأنّه عمل واجب لأنّ الإقامة إيقاع العمل على ما يستحقه، فتقتضي أنّ المراد بالصّلاة هنا الصلاة المفروضة، فالطّرفان ظَرْفان لإقامة الصّلاة المفروضة، فعلم أن المأمور إيقاع صلاة في أوّل النّهار وهي الصّبح وصلاة في آخره وهي العصر وقيل المغرب.
والزُلَف: جمع زُلْفة مثل غُرْفة وغُرَف، وهي السّاعة القريبة من أختها، فعلم أن المأمور إيقاع الصلاة في زلف من اللّيل، ولمّا لم تعيّن الصلوات المأمور بإقامتها في هذه المدّة من الزمان كان ذلك مجملاً فبينته السنةُ والعملُ المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان ذلك بيَاناً لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات الصلوات مثل قوله تعالى: ﴿ أقم الصّلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا ﴾ [الإسراء: 78] والمقصود أن تكون الصّلاة أول أعمال المُسلم إذا أصبح وهي صلاة الصبح وآخر أعماله إذا أمسى وهي صلاة العشاء لتكون السيّئات الحاصلة فيما بيْن ذلك ممحوة بالحسنات الحافّة بها.
وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء للحثّ على الصّلاة وخاصة ما كان منها في أوقات تعرض الغفلة عنها.
وقد ثبت وجوبهما بأدلّة أخر وليس في هذه الآية ما يقتضي حصر الوجوب في المذكور فيها.
وجملة ﴿ إنّ الحسنات يذهبن السّيئات ﴾ مسوقة مساق التّعليل للأمر بإقامة الصّلوات، وتأكيد الجملة بحرف ﴿ إنّ ﴾ للاهتمام وتحقيق الخبر.
و ﴿ إنّ ﴾ فيه مفيدة معنى التّعليل والتفريع، وهذا التعليل مؤذن بأنّ الله جعل الحسنات يذهبن السيّئات، والتّعليل مشعر بعموم أصحاب الحسنات لأنّ الشأن أن تكون العلّة أعم من المعلول مع ما يقتضيه تعريف الجمع باللاّم من العموم.
وإذهاب السيّئات يشمل إذهاب وقوعها بأن يصير انسياق النّفس إلى ترك السيّئات سَهْلاً وهيّناً كقوله تعالى: ﴿ إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها.
ويشمل أيضاً محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها فضلاً من الله على عباده الصالحين.
ومحمل السيّئات هنا على السيّئات الصغائر التي هي من اللّمم حملاً لمطلق هذه الآية على مقيد آية ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمَم ﴾ [النجم: 32] وقوله تعالى: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه نكَفّر عنكم سيئاتكم ﴾ [النساء: 31]، فيحصل من مجموع الآيات أنّ اجتناب الفواحش جعله الله سبباً لغفران الصغائر أوْ أنّ الإتيان بالحسنات يذهب أثر السيئات الصغائر، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم ﴾ في سورة [النّساء: 31].
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنّ رجلاً أصاب من امرأة قبلةَ حرام فأتى النبي فذكرت ذلك فأنزلت عليه وأقم الصّلاة طرفي النهار وزُلَفاً من الليل}.
فقال الرجل: ألِي هذه؟
قال: لمن عمل بِها من أمّتي.
وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها وها أنا ذا فَاقْض فيّ ما شئت، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلق الرجل فأتبعه رجلاً فدعاه فتلا عليه ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟
قال: لا، بل للنّاس كافة.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرج الترمذي حديثين آخرين: أحدهما عن معاذ بن جبل، والآخر عن أبي اليَسر وهو صاحب القصة وضعّفهما.
والظاهر أن المرويّ في هذه الآية هو الذي حمل ابن عبّاس وقتادة على القول بأنّ هذه الآية مدنيّة دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي قوله: (فأنزلت عليه) فإن كان كذلك كما ذكره الرّاوي فهذه الآية ألحقت بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ [هود: 112] قبلها وقولِه: ﴿ واصبر فإنّ الله لا يضيعُ أجرَ المحسنين ﴾ [هود: 115] بعدَها.
وأمّا الذين رجّحوا أنّ السورة كلّها مكيّة فقالوا: إنّ الآية نزلت في الأمر بإقامة الصّلوات وإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن القبلة الحرام وقد جاء تائباً ليعلمه بقوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيّئات ﴾ ، فيؤوّل قولُ الراوي: فأنزلت عليه، أنّه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضيّة السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش.
ويؤيّد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وأقم الصّلاة ﴾ ، ولم يقولا: فَأنْزل عليه.
وقوله: ﴿ ذلك ذكْرى للذّاكرين ﴾ أيْ تذْكرة للّذي شأنه أن يذكر ولم يكن شأنه الإعراض عن طلب الرشد والخير، وهذا أفاد العموم نصّاً.
وقوله: ﴿ ذلك ﴾ الإشارة إلى المذكور قبله من قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ [هود: 112].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَمِيلُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا تَدْنُوا، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الرّابِعُ: لا تَدْهُنُوا لَهم في القَوْلِ وهو أنْ يُوافِقَهم في السِّرِّ ولا يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ في الجَهْرِ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَيَمَسَّكم عَذابُ النّارِ لِرُكُونِكم إلَيْهِمْ.
الثّانِي: فَيَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمُهم كَما تَتَعَدّى النّارُ إلى إحْراقِ ما جاوَرَها، ويَكُونُ ذِكْرُ النّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرًا ووَعِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت...
﴾ الآية.
قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمره ولا يطغى في نعمته.
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ قال: استقم على القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ﴾ قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ومن تاب معك ﴾ قال: آمن.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ﴾ قال: لم يرد به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إنما على الذين يجيئون من بعدهم.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ولا تطغوا ﴾ يقول: لا تظلموا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الطغيان خلاف أمره وركوب معصيته.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ قال: يعني الركون إلى الشرك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تركنوا ﴾ قال: لا تميلوا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تركنوا ﴾ قال: لا تذهبوا.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ قال: لا ترضوا أعمالهم.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره، الطغيان في النعمة والركون إلى الظلم، ثم تلا هذه الآية ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ الآية، قال عامة المفسرين (١) فقال: ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع؟
فقال له النبي : "توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل"، وأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل للنبي ، أهي له خاصة أم للناس عامة؟
[فقال: "بل هي للناس عامة"] (٢) (٣) قال ابن عباس (٤) ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ يريد الصبح والظهر والعصر، وهو قول مجاهد (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) ويروى عن ابن عباس ومجاهد (١١) (١٢) (١٣) ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ ودلوكها زوالها.
وقوله تعالى: ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ ، قال الليث (١٤) (١٥) وقال أبو عبيدة (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ناج طواه الليل مما وجفا ...
طى الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا ونحو هذا قال الفراء (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: هذا موعظة فـ (ذلك) عنده بمعنى (هذا)، وذكرنا وجهه في قوله: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ (٣١) (٣٢) ﴿ ذَلِكَ ذِكْرَى ﴾ يعني القرآن عظة لمن ذكره، والكلام في (ذلك) وأن الإشارة بها إلى الجملة جائزة قد مضى في عدة مواضع، وقال أبو علي الفارسي: الذكرى مصدر جاء بألف التأنيث، كما جاء على فَعْلى نحو العدوى والدعوى والطغوى وتترى فيمن لم يصرف، وعلى فُعْلى نحو شورى، [وقالوا في الجمع (للذِّكَر) فجعلوه بمنزلة (سدرة وسدر)، كما جعلوا (العُلَى) مثل (الظُّلَم)، وقالوا: الذكر بالدال حكاه سيبويه (٣٣) (٣٤) من بعد ما يعتري قلبي من الدكر وذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ﴿ وَادَّكَرَ ﴾ ، ﴿ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ (٣٥) (١) الطبري 12/ 134 - 138، الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، ابن عطية 4/ 415، القرطبي 9/ 110، ابن كثير 2/ 506.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣) الحديث أخرجه الطبري 12/ 136، ورواه الترمذي (3113) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل، وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست.
وقد وردت أحاديث بمعنى هذا الحديث ومنها ما أخرجه البخاري (4687) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ ، ومسلم (2763) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ وأحمد 1/ 385 والترمذي (3114) كتاب التفسير، باب ومن سورة هود، والطبري 15/ 519 من حديث ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله فذكر ذلك له فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: ألي هذه الآية؟
فقال: "لمن عمل بها من أمتي".
والآخر ما أخرجه مسلم (2763/ 42) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ ، والترمذي (3112) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود، والطبري 15/ 516 عن ابن مسعود أن رجلاً قال للنبي : إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها وضممتها إليَّ، وباشرتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت النبي ، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، فقال عمر: أهي له خاصة أم للناس كافة؟
قال: "لا، بل للناس كافة".
(٤) المروي عن ابن عباس أنه قال.
صلاة الغداة وصلاة المغرب، انظر الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 204، "زاد المسير" 4/ 167، الطبري 12/ 128.
(٥) الطبري 12/ 127، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204، "زاد المسير" 4/ 167.
(٦) الطبري 12/ 282، الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 167.
(٧) "معاني القرآن" 2/ 30، ولم يذكر الفجر في طرفي النهار.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 82.
(٩) "تفسير مقاتل" 149 ب، الثعلبي 7/ 59 ب.
وفيه (وزلفا من الليل يعني صلاة المغرب والعشاء) ولم يجعل المغرب في طرفي النهار.
(١٠) في (ي): (صلاة).
(١١) انظر: الطبري 12/ 127 - 128 قال مجاهد: صلاة الفجر وصلاتي العشى، يعني الظهر والعصر، وعند ابن أبي حاتم بلفظ: صلاة الفجر وصلاة العشاء 6/ 2091.
(١٢) الطبري 12/ 128.
وعند ابن أبي حاتم 6/ 2091 أن الحسن قال: الغداة: الظهر والعصر.
(١٣) الطبري 12/ 128.
(١٤) انظر: "الدر المصون" 4/ 145.
(١٥) "تهذيب اللغة" (زلف) 13/ 214.
(١٦) "مجاز القرآن" 1/ 300.
(١٧) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 585، الثعلبي 7/ 59 ب.
(١٨) "مشكل القرآن وغريبه" ص 215.
(١٩) الرجز للعجاج، وفيه (ناج طواه الأين) وليس الليل، والأين: التعب، و (وجفا) من الوجيف: سرعة السير، "سماوة الهلال": شخصه إذا ارتفع في الأفق شيئاً، "احقوقف": اعوج، وانظر: ديوانه / 84، "مجاز القرآن" 1/ 300، الطبري 12/ 129 اللسان (حقف) 2/ 939، "الكامل" للمبرد 3/ 99، سيبويه 1/ 180، "تهذيب اللغة" (زلف) 2/ 1549، "ديوان الأدب" 2/ 492، "تاج العروس" (زلف) 12/ 256، "مجمل اللغة" 2/ 246، "كتاب العين" 7/ 319.
(٢٠) "معاني القرآن" 2/ 30.
(٢١) المروي عن ابن عباس أنه قال: العشاء، الطبري 12/ 130.
(٢٢) ساقط من (ب).
(٢٣) رواه الطبري 12/ 130 - 131 عن الحسن ومجاهد والقرظي والضحاك، وانظر: الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204.
(٢٤) "تفسير مقاتل" /150 أ، البغوي 4/ 204.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 82.
(٢٦) ساقط من (ي) في الزجاج "كما تقول حينا طرفي النهار ..
".
(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢٨) الطبري 12/ 132، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204، "زاد المسير" 4/ 168، ابن عطية 7/ 416 - 417.
وفي الحديث "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهنّ" أخرجه مسلم (ح 233) في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ..
عن أبي هريرة.
(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٠) الطبري 12/ 133 رواه منصور عن مجاهد، الثعلبي 7/ 59 ب، ابن عطية 7/ 417، "زاد المسير" 4/ 168.
(٣١) البقره: 2.
وخلاصة مما ذكره: "أنه إنما يجوز ذلك بمعنى هذا لما مضى وقرب وقت تقضيه أو تقضى ذكره".
(٣٢) الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 169.
(٣٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 331.
(٣٤) لابن مقبل، وصدره: يا ليت لي سلوة تشفى النفوس بها وفيه (من بعض) بدل (من بعد) هنا، انظر: "ديوانه" 81، "الخصائص" 1/ 351، "المقرب" 2/ 166، "سر صناعة الإعراب" 1/ 188، "الممتع في التصريف" 1/ 359، "المنصف" 3/ 140.
(٣٥) في النسخ: (وهل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة ﴿ وَأَقِمِ الصلاوة ﴾ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، رُوي أن رجلاً قبل امرأة ثم ندم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة؛ فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل، فقال هذا انذا؛ فقال قد غُفر لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة، فقال للمسلمين عامة، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.
﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.
التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.
﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.
وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.
والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.
وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.
قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.
وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.
قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.
وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟
والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.
وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.
وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.
ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.
قالت المعتزلة.
في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.
وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.
قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.
وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.
والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.
ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.
﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.
وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.
ثم أشار إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟
﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.
فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.
والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.
أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.
أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.
وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.
ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.
كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.
وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.
وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.
وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.
ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.
ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.
ثم وصف الله بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .
ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.
وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.
فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.
قوله ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.
والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.
وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.
ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.
ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.
ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.
وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.
والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.
ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.
وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.
و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.
وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.
﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.
عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.
تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.
كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.
ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.
التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.
﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.
﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.
﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.
﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.
ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لا تكن يا محمد في شك بأن هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في عبادتهم الأصنام والأوثان فأهلكوا إذا بلغوا ذلك الحد، فهؤلاء - أيضاً - قد بلغوا ذلك المبلغ؛ أي: مبلغ الهلاك، لكن الله برحمته وفضله أخره عنهم إلى وقت.
أو يقال: إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة المبلغ الذي كان بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله.
أو كان في قوم قد أظهروا الموافقة لهم، وكانوا يعبدون الأصنام في السر على ما كان يعبد آباؤهم، فقال: هؤلاء وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم، والله أعلم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم؛ ليجعل شغله بغيرهم.
والثاني: إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لم يؤمن قوم موسى بأجمعهم؛ بل قد آمن منهم فريق، ولم يؤمن فريق، فعلى ذلك يكون قومك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ قال بعضهم: قوله: وإنا لموفوهم نصيبهم في الدنيا من الأرزاق، وما قدر لهم من النعم ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ ، لا ينقص ما قدر لهم؛ أي: لا يهلكون حتى يوفى لهم الرزق.
وقال قائلون: (وإنا لموفوهم بأعمالهم غير منقوص) أي: لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ولا يزادون عليها، إن كان حسناً فحسن، وإن كان شرّاً فشر؛ فهو على الجزاء.
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ يقول: إنا نوفر لهم حظهم من العذاب في الآخرة، غير منقوص عنهم ذلك العذاب.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ إن كان التأويل في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ على الإياس من قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 15]، وإن كان الثاني فهو ما ذكر في آية أخرى قوله: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 111].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: التوراة ﴿ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ أي: اختلف في الكتاب، والاختلاف فيه يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: في الإيمان به والكفر منهم، من آمن به، ومنهم من كفر.
والثاني: اختلفوا فيه: في الزيادة والنقصان، والتبديل والتحويل والتحريف؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78]، وكقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية [البقرة: 79] وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وأمثاله من الآيات.
والوجه الثالث: من الاختلاف: اختلفوا في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا به وقبلوه، فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا، وأمّا التبديل والتحويل والتحريف، والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...
﴾ الآية [فصلت: 42]، وجعله ميسراً على ألسن الناس وقلوبهم، حتى من زاد، أو نقص، أو بدل، أو حرف شيئاً أو قدم، أو أخر عرف ذلك، فهو - والله أعلم - لما لا يحتمل إحكام هذا نسخها ولا شرائعه تبديلها، وأما الكتب السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ فهو - والله أعلم - لما احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها، لذلك كان الأمر ما ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ ذكر هذا لرسول الله يصبره على ما اختلف فيه قومه في الكتاب الذي أنزل عليه؛ يقول: وقد اختلف فيما أنزل على من كان قبلك كما اختلف فيما أنزل عليك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ بالهلاك إهلاك استئصال واستيعاب.
وكلمته التي سبقت تحتمل ما كان من حكمه أن يختم الرسالة بمحمد وأن يجعله خاتم النبيين، وأمته آخر الأمم، بهم تقوم الساعة، يحتمل أن يكون كلمته التي ذكر هذا الذي ذكرناه.
وتحتمل وجهاً آخر: وهو أن كان من حكمه أنهم إذا اختلفوا في الكتاب والدين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، ولا يجدون سبيلا إلى الدين أن يبعث رسولا يبين لهم الدين، ويدعوهم إلى الهدى؛ لولا هذا الحكم الذي سبق وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
والثالث: [لولا] ما سبق منه أن يؤخر العذاب عن هذه الأمة إلى وقت وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الكملة التي ذكر أنها سبقت في قوم موسى، وهو أنه لا يهلكهم بعد الغرق إهلاك استئصال، والتوراة إنما أنزلت من بعد، فقد آمن [من قومه قوم، وهو ما قال]: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الأعراف: 159].
[وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ في الدين مريب].
وقال بعضهم: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ يعني: من العذاب مريب وقد ذكرنا الفرق بين الشك والريب فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ قيل: ﴿ لَّمَّا ﴾ هاهنا صلة، يقول - والله أعلم -: وإن كلا ليفينهم ربك جزاء أعمالهم في الآخرة إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان حسناً فحسن.
ومن قرأ ﴿ لَّمَّا ﴾ بالتشديد [فتأويله يحتمل] وجهين: أحدهما: إلا.
والثاني: لما؛ أي: "لَمِمْمَا" اجتمع فيها ميمات طرحت الواحدة وأدغمت إحداهما في الأخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
وأقم -أيها الرسول- الصلاة على أحسن وجه في طرفي النهار وهما أول النهار وآخره، وأقمها في ساعات من الليل، إن الأعمال الصالحات تمحو صغائر الذنوب، ذلك المذكور موعظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين.
<div class="verse-tafsir" id="91.39Yn1"