الآية ١١٣ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١٣ من سورة هود

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٣ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٣ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لا تدهنوا وقال العوفي ، عن ابن عباس : هو الركون إلى الشرك .

وقال أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم .

وقال ابن جريج ، عن ابن عباس : ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن ، أي : لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم ، ( فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) أي : ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ، ولا ناصر يخلصكم من عذابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تميلوا ، أيها الناس ، إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم ، (فتمسكم النار)، بفعلكم ذلك (26) ، وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم ووليّ يليكم (27) ، (ثم لا تنصرون) ، يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخلِّيكم من نصرته ويسلط عليكم عدوّكم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 18602- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) ، يعني: الركون إلى الشرك.

18603- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) ، يقول: لا ترضوا أعمالهم.

18604- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) ، يقول: لا ترضوا أعمالهم.

يقول: " الركون "، الرضى.

18605- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) ، قال: لا ترضوا أعمالهم ، (فتمسكم النار).

18606- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) ، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.

18607- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) ، يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه.

18608- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) ، قال: " الركون " ، الإدهان.

وقرأ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ، [سورة القلم: 9] ، قال: تركنُ إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ من كفرهم بالله وكتابه ورسله.

قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك وليس لأهل الإسلام.

أما أهل الذنوب من أهل الإسلام ، فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم.

ما ينبغي لأحد أن يُصَالح على شيء من معاصي الله ، ولا يركن إليه فيها.

---------------------- الهوامش : (26) لنظر تفسير " المس " فيما سلف ص : 353 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك .

(27) لنظر تفسير " الأولياء " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولا تركنوا الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به ، قال قتادة : معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم .

ابن جريج : لا تميلوا إليهم .

أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم ; وكله متقارب .

وقال ابن زيد : الركون هنا الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم .الثانية : قرأ الجمهور : تركنوا بفتح الكاف ; قال أبو عمرو : هي لغة أهل الحجاز .

وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما : " تركنوا " بضم الكاف ; قال الفراء : وهي لغة تميم وقيس .

وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع .الثالثة : قوله تعالى : إلى الذين ظلموا قيل : أهل الشرك .

وقيل : عامة فيهم وفي العصاة ، على نحو قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا الآية .

وقد تقدم .

وهذا هو الصحيح في معنى الآية ; وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم ; فإن صحبتهم كفر أو معصية ; إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة ; وقد قال حكيم :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتديفإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في " آل عمران " و " المائدة " .

وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار .

والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : فتمسكم النار أي تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا تَرْكَنُوا ْ} أي: لا تميلوا { إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ْ} فإنكم، إذا ملتم إليهم، ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم { فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ْ} إن فعلتم ذلك { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ْ} يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصلون لكم شيئا، من ثواب الله.

{ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ْ} أي: لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم، ففي هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون، الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم.

وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟!!

نسأل الله العافية من الظلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : ولا تميلوا .

والركون : هو المحبة والميل بالقلب ، وقال أبو العالية : لا ترضوا بأعمالهم .

قال السدي : لا تداهنوا الظلمة .

وعن عكرمة : لا تطيعوهم .

وقيل : لا تسكنوا إلى الذين ظلموا .

( فتمسكم ) فتصيبكم ( النار وما لكم من دون الله من أولياء ) أي : أعوان يمنعونكم من عذابه ( ثم لا تنصرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تركنوا» تميلوا «إلى الذين ظلموا» بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم «فتمسكم» تصيبكم «النار وما لكم من دون الله» أي غيره «من» زائدة «أولياء» يحفظونكم منه «ثم لا تنصرون» تمتعون من عذابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تميلوا إلى هؤلاء الكفار الظلمة، فتصيبكم النار، وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم، ويتولى أموركم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقالك ( وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) .والركون إلى الشئك الميل إليه .

يقال ركن فلان إلى فلان ، إذا مال إليه بقلبه ، واعتمد عليه فى قضاء مصالحه .والمراد بالذين ظلموا هنا : ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير ، ويستحلون من محارم الله .والمعنى : واحذروا - أيها المؤمنون - أن تميلوا إلى الظالمين ، أو تسكنوا إليهم؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم .

وإضعاف جانب الحق والعدل .قال بعض العلماء : ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع حرمة الميل القلبى إليه .وقوله ( فَتَمَسَّكُمُ النار ) أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم ، والاعتماد عليهم ، والرضا بأفعالهم .وقوله ( وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ ) فى موضع الحال من ضمير ( تمسكم ) .أى : والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل بكم ، بسبب ركونكم إلى الذين ظملوا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم .وثم فى قوله ( ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) للتراخى الرتبى .

أى ثم لا تجدون بعد ذلك من ينصركم بأى حال من الأحوال ، لأن الظالمين ما لهم من أنصار .قال بعض العلماء : الآية أبلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم ، والتهديد عليه ، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون حال من ينغمس فى حمأته؟!!ثم قال : وقد وسع العلماء فى ذلك وشددوا ، والحق أن الحالات تختلف ، والأعمال بالنيات ، والتفصيل أولى .فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو للاستعانة على إحقاق الحق ، أو الخير .

فلا حرج فى ذلك .

وإن كانت لإِيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ وهذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء كان مختصاً به أو كان متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً وأنا أضرب لذلك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه.

إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية، فأولها: معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصوناً في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضاً فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «شيبتني هود وأخواتها»، وعن بعضهم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال: نعم فقلت: وبأي آية؟

فقال بقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ والعمل بالقياس انحراف عنه، ثم قال: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في محل الرفع من وجوه: الأول: أن يكون عطفاً على الضمير المستتر في قوله: ﴿ فاستقم ﴾ وأغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم.

والثاني: أن يكون عطفاً على الضمير فى أمرت.

والثالث: أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم.

المسألة الثانية: أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة، وأما التائب عن الكفر والفسق فإنه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على طريق عبودية الله تعالى، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ ومعنى الطغيان أن يجاوز المقدار.

قال ابن عباس: يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل ولا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله، وقيل: لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحد لكم، وقيل: ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ والركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ونقيضه النفور عنه، وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم وفيه لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري: وليست بفصيحة.

قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون، ومعنى قوله: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النار ﴾ أي أنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون، ثم قال: ﴿ ومالكم مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله.

ثم قال: ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ والمراد: لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة.

واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لابد وأن تمسه النار وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ولا تركنوا ﴾ ، بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء.

وعن أبي عمرو: بكسر التاء وفتح الكاف، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب علم يعلم.

ونحوه قراءة من قرأ ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النار ﴾ بكسر التاء.

وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ ولا تُركِنوا ﴾ ، على البناء للمفعول، من أركنه إذا أماله، والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم.

وذكرهم بما فيه تعظيم لهم.

وتأمّل قوله: ﴿ وَلاَ تركنوا ﴾ فإن الركون هو الميل اليسير.

وقوله: ﴿ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين.

وحكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم.

وعن الحسن رحمه الله: جعل الله الدين بين لاءين: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ [هود: 112] ، ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ ﴾ ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك: أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه ﴿ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: 187] واعلم أنّ أيسر ما ارتكب وأخفّ ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوّك ممن لم يؤدّ حقاً ولم يترك باطلاً حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يُدخلون الشكّ بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فيما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً ﴾ [مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام.

وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك.

وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً.

وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟

فقال: لا، فقيل له: يموت؟

فقال: دعه يموت.

﴿ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ حال من قوله: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ ﴾ أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال.

ومعناه: وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه، لا يقدر على منعكم من غيره ﴿ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ﴾ ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء عليكم.

فإن قلت: فما معنى ثم؟

قلت: معناها الاستبعاد، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب واقتضاء حكمته له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا تَمِيلُوا إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ فَإنَّ الرُّكُونَ هو المَيْلُ اليَسِيرُ كالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ واسْتَدامَتِهِ.

﴿ فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ﴾ بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ وإذا كانَ الرُّكُونُ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ أيِ المَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ المَيْلِ، ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ، ولَعَلَّ الآيَةَ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، وخِطابُ الرَّسُولِ  ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِها لِلتَّثْبِيتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي العَدْلُ، فَإنَّ الزَّوالَ عَنْها بِالمَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ فَإنَّهُ ظُلْمٌ عَلى نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بَلْ ظُلْمٌ في نَفْسِهِ.

وقُرِئَ « تِرْكَنُوا» « فَتِمَسَّكُمُ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « تُرْكَنُوا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنُهُ.

﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكم والواوُ لِلْحالِ.

﴿ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ أيْ ثُمَّ لا يَنْصُرُكُمُ اللَّهُ إذْ سَبَقَ في حُكْمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم ولا يُبْقِيَ عَلَيْكم، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهم بِالعَذابِ عَلَيْهِ وأوْجَبَهُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الفاءِ لِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهم وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ} ولا تميلوا قال الشيخ رحمه الله هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه {فَتَمَسَّكُمُ النار} وقيل الركون إليهم الرضا بكفرهم وقال قتادة ولا تلحقوا بالمشركين وعن الموفق أنه صلى خلص الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم وعن الحسن جعل الله الذين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا وقال سفيان في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه يموت {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء} حال من قوله فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة ومعناه ومالكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره {ثم لا تنصرون} ثم لا ينصركم هو لأنه

هود (١١٤ _ ١١٦)

حكم بتعذيبكم ومعنى ثم الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفَسَّرَ المَيْلَ بِمَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِمْ بِالمَحَبَّةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ كَما يُفَسَّرُ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بِمَن وجَدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا مُطْلَقًا، قِيلَ: ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ إلى الظّالِمِينَ؛ ويَشْمَلُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مُداهَنَتَهم وتَرْكَ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمَ ذِكْرِهِمْ ومُجالَسَتَهم مِن غَيْرِ داعٍ شَرْعِيٍّ، وكَذا القِيامُ لَهم ونَحْوُ ذَلِكَ، ومَدارُ النَّهْيِ عَلى الظُّلْمِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِيَّةِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهم جَماعَةً مَظِنَّةَ الرُّخْصَةِ في مُداهَنَتِهِمْ مَثَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم جَماعَةٌ ولَيْسَ فَلَيْسَ ﴿ فَتَمَسَّكُمُ ﴾ أيْ فَتُصِيبَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ الواقِعَةُ في جَوابِ النَّهْيِ ﴿ النّارُ ﴾ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وإلى التَّفْسِيرِ الثّانِي -وما أصْعَبَهُ عَلى النّاسِ اليَوْمَ في غالِبِ الأعاصِيرِ مِن تَفْسِيرٍ- ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: وإذا كانَ حالُ المَيْلِ في الجُمْلَةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ ما في الإفُضاءِ إلى مَساسِ النّاسِ النّارُ فَما ظَنَّكَ بِمَن يَمِيلُ إلى الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ كُلَّ المَيْلِ، ويَتَهالَكُ عَلى مُصاحَبَتِهِمْ ومُنادَمَتِهِمْ، ويُتْعِبُ قَلْبَهُ وقالَبَهُ في إدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَنْهِضُ الرَّجْلَ والخَيْلَ في جَلْبِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ، ويَبْتَهِجُ بِالتَّزَيِّيِ بِزِيِّهِمْ والمُشارَكَةِ لَهم في غَيِّهِمْ، ويَمُدُّ عَيْنَيْهِ إلى ما مُتِّعُوا بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، ويَغْبِطُهم بِما أُوتُوا مِنَ القُطُوفِ الدّانِيَةِ غافِلًا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ ذاهِلًا عَلى مُنْتَهى ما هُنالِكَ؟

ويَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا لا مِنَ الرّاكِنِينَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسُفْيانَ: إنِّي أخِيطُ لِلظَّلَمَةِ فَهَلْ أُعَدُّ مِنَ أعْوانِهِمْ؟

فَقالَ لَهُ: لا أنْتَ مِنهم والَّذِي يَبِيعُكَ الإبْرَةَ مِن أعْوانِهِمْ، وما أحْسَنَ ما كَتَبَهُ بَعْضُ النّاصِحِينَ لِلزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ، وهو -عافانا اللَّهُ تَعالى وإيّاكَ- أبا بَكْرٍ مِنَ الفِتَنِ فَقَدْ أصْبَحَتْ بِحالٍ يَنْبَغِي لِمَن عَرَفَكَ أنْ يَدْعُوَ لَكَ اللَّهُ تَعالى ويَرْحَمَكَ أصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا وقَدْ أثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى بِما فَهَّمَكَ مِن كِتابِهِ وعَلَّمَكَ مِن سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ كَذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ عَلى العُلَماءِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ ﴾ واعْلَمْ أنَّ أيْسَرَ ما ارْتَكَبْتَ وأخَفَّ ما احْتَمَلْتَ إنَّكَ آنَسْتَ وحْشَةَ الظّالِمِ وسَهَّلْتَ سَبِيلَ الغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا ولَمْ يَتْرُكْ باطِلًا حِينَ أدْناكَ اتَّخَذُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْكَ رَحى باطِلِهِمْ وجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إلى بَلائِهِمْ وسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إلى ضَلالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلى العُلَماءِ، ويَقْتادُونَ بِكَ قُلُوبَ الجُهَلاءِ، فَما أيْسَرَ ما عَمَّرُوا لَكَ في جَنْبِ ما خَرَّبُوا عَلَيْكَ، وما أكْثَرَ ما أخَذُوا مِنكَ فِيما أفْسَدُوا عَلَيْكَ مِن دِينِكَ فَما يُؤَمِّنُكَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ فَإنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجْهَلُ ويَحْفَظُ عَلَيْكَ مَن لا يَغْفُلُ فَداوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سَقَمٌ وهَيِّئَ زادَكَ فَقَدْ حَضَرَ السَّفَرُ البَعِيدُ، وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والسَّلامُ.

وعَنِ الأوْزاعِيِّ ما مِن شَيْءٍ أبْغَضُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عالِمٍ يَزُورُ عامِلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ: الذُّبابُ عَلى العُذْرَةِ أحْسَنُ مِن قارِئٍ عَلى بابِ هَؤُلاءِ، وفي الخَبَرِ مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى في أرْضِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ الآيَةَ أبْلَغُ شَيْءٍ في التَّحْذِيرِ عَنِ الظَّلَمَةِ والظُّلْمِ، ولِذا قالَ الحَسَنُ: جَمْعُ الدِّينِ في لاءَيْنِ يَعْنِي -لا تَطْغُوا ولا تَرْكَنُوا- ويُحْكى أنَّ المُوَفَّقَ أبا أحْمَدَ طَلْحَةَ العَبّاسِيَّ صَلّى خَلْفَ الإمامِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ، فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ فَكَيْفَ الظّالِمُ.

هَذا وخِطابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهَذَيْنِ النَّهْيَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّثْبِيتِ عَلَيْها، وقَدْ تُجْعَلُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ بِهِ الدَّوامَ والثَّباتَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ (تِرْكَنُوا) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٌو (تَرْكُنُوا) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وهي عَلى ما في البَحْرِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّها لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وشَذَّ -تَرْكَنُ- بِالفَتْحِ مُضارِعُ رَكَنَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا تُرْكَنُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿ تَرْكَنُوا ﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي -رَكِنَ- بِكَسْرِها وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الفُصْحى -عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ فِيما يُرْوى عَنْهُ (فَتِمَسُّكُمْ) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ أيْضًا ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكُمْ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ نَصِيرٌ، والمَقامُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَمَسُّكم ﴿ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إذْ قَدْ سَبَقَ في حُكْمِهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَكم بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ ولا يُبْقِيَ عَلَيْكُمْ، و(ثُمَّ) قِيلَ: لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهُمُ العَذابَ عَلى ذَلِكَ، وأوْجَبَهُ لَهُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ أثَرَ الحَرْفِ إنَّما هو مَدْخُولُهُ ومَدْخُولُ (ثُمَّ) عَدَمُ النُّصْرَةِ ولَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، وإنَّما المُسْتَبْعَدُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ عَدَمَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى أشَدُّ وأفْظَعُ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وأيًّا ما كانَ فالمَقامُ مَقامُ الواوِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْها لِما ذُكِرَ.

وجَوَّزَ القاضِي أنْ تَكُونَ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ الفاءِ بِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مُعَذِّبُهم وأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ المُقارِنَةِ لِلنَّتائِجِ إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْكم عِقابَهُ ولا مانِعَ لَكم مِنهُ، فَإذَنْ أنْتُمْ لا تُنْصَرُونَ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى العَطْفِ بِثُمَّ الِاسْتِبْعادِيَّةِ إلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، واسْتِبْعادُ الوُقُوعِ يَقْتَضِي النَّفْيَ، والعَدَمُ الحاصِلُ الآنَ فَهو مُناسِبٌ لِمَعْنى تَسَبُّبِ النَّفْيِ، ودَفَعَ بِذَلِكَ ما قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الدّاخِلَ عَلى النَّتائِجِ هي الفاءُ السَّبَبِيَّةُ لا الِاسْتِبْعادِيَّةُ ولا يَخْفى قُوَّةُ الِاعْتِراضِ، وفَرَّقَ بَيْنَ وجْهَيْ الِاسْتِبْعادِ السّابِقِ والتَّنْزِيلِ المَذْكُورِ بِأنَّ المَنفِيَّ عَلى الأوَّلِ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، وعَلى الثّانِي مُطْلَقُ النُّصْرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ قال قتادة: ولا ترجعوا إلى الشرك فتمسكم النار، يعني: تصيبكم النار، وقال أبو العالية: ولا ترضوا بأعمال أهل البدع.

والركون: هو الرضا.

ويقال: ولا تميلوا إلى دين الذين كفروا.

ويقال: ولا ترضوا قول الذين ظلموا.

وروى أبو هريرة، عن النبيّ  ، أنه قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلِ» (١) ثم قال تعالى: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعني: حين تمسكم النار، لم يكن لكم من عذاب الله مِنْ أَوْلِياءَ يعني: من أقرباء ينفعونكم، ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ يعني: لا تمنعون من العذاب.

قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: واستقم كما أمرت، وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي: أتمّ الصلاة، طَرَفَيِ النَّهارِ أي: صلاة الفجر والظهر والعصر، وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ يعني: دخولاً من الليل ساعة بعد ساعة، واحدها: زلفة، وهي صلاة المغرب، والعشاء، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني: الصلوات الخمس يكفرن السيئات فيما دون الكبائر، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ يعني: الصلوات الخمس توبة للتائبين.

قال الكلبي: نزلت الآية في عمرو بن غزية الأنصاري، ويقال: نزلت في شأن أبي اليسر، كان يبيع التمر، فجاءته امرأة تشتري تمراً، فأدخلها في الحانوت، وفعل بها كل شيء إلا الجماع، ثم ندم فأخبر بذلك النبيّ  ، فنزلت هذه الآية.

ويقال: نزلت في شأن أبي مقبل التمار.

وروي عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: «جاء رجل إلى النبيّ  ، فقال: إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إليَّ وقبلتها وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت عنه النبي  ، فنزلت هذه الآية.

فدعا رسول الله  الرجل، وقرأها عليه، فقال عمر: «أله خاصة أم للناس كافة؟» قال: «بل للناس كافة» (٢) وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد قال: عن أبي عثمان، قال: كنت مع سلمان، فأخذ غصناً من شجرة يابسة فحته، ثم قال: سمعت رسول الله  يقول: «مَنْ تَوَضّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتّ هذا الوَرَقُ» (٣) ثم قال تعالى: وَاصْبِرْ نفسك يا محمد على التوحيد، ولا تركن إلى الظلمة، وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ ويقال: وَاصْبِرْ أي أقم على هذه الصلوات الخمس، حتى لا تترك منها شيئاً، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني: ثواب الموحِّدين المخلصين.

ويقال: المقيمين على الصّلوات.

(١) حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي: (2378) بلفظ) «الرجل» فقال: حديث حسن غريب.

وأبو داود (4833) وصححه الحاكم 4/ 170 ووافقه الذهبي.

(٢) حديث ابن مسعود: أخرجه البخاري (526) و (4687) وأخرجه مسلم (2763) (40) (41) (42) والترمذي (3112) وأبو داود (4468) والبيهقي: 8/ 8/ 241 وابن خزيمة (312) وابن ماجة (4254) .

(٣) حديث سلمان.

عزاه السيوطي 4/ 484 إلى الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: أي: اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك.

وقال ص: «فيه» : الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: «في» بمعنى «على» ، أي: عليه، انتهى.

والكلمة هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: وَإِنَّ كُلًّا، وقرأ نافع «١» وابن كثير: «وإِنْ كُلاًّ لَمَا» وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد «إِنَّ» ، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد «إِنَّ» ، وتشديد «لَمَّا» ، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف «إِنَّ» فيهما على بابها، و «كُلاًّ» ، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر «إِنَّ» ، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب «ما» هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفّى في عمله.

وقوله عز وجل: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستقامة، / وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» ، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟

فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٢» .

قال ع «٣» : والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مثل ذلك شيّبه عليه السلام.

وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)

وقوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...

الآية: الرُّكُون: السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية: الركُونُ: الرِّضَا.

قال ابنُ زَيْد: الرُّكُون: الادهان «١» .

قال ع «٢» : فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التّغيير عليهم مع القدرة، والَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي.

وقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ...

الآية: لا خلاف أنَّ الصَّلاةَ في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل:

الطَّرَف الأوَّل: الصُّبْح، والثَّاني: الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف: المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره «٣» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ: «هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ» «٤» وقيل:

الطَرَفُ الأوَّل: الصبحُ، والثاني: العصر قاله الحسن وقتادة «٥» ، والزُّلَف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها.

قال ع «٦» : والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ «٧» القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف: الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ.

وقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد: الْحَسَناتِ:

قول الرجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ «١» .

قال ع «٢» : وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات بقوله عليه السلام: «مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» ، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل: اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالة عمر، فقلق الرجل، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال: اقض فيَّ ما شئت فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟!» قَالَ: نعم، فوبّخه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «مَا أَدْرِي» ، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً؟

فَقَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» «٣» .

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤» : وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى.

قال ع «٥» : ورُوِيَ: أن الآية قدْ كَانَتْ نزلت قبل ذلك، واستعملها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ:

«الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا إِنِ اجتنبت الكبائر» «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " تَرْكَنُوا " بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ.

ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو " تَرْكَنُوا " بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الكافِ.

ورَوى مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " تَرْكَنُوا " بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِ الكافِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَرْكَنُوا " بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الكافِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وفي المُرادِ بِهَذا الرُّكُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَمِيلُوا إلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: لا تَلْحَقُوا بِالمُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: لا تُداهِنُوا الظَّلَمَةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَتُصِيبَكُمُ النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَيَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمُهم كَما تَتَعَدّى النّارُ إلى إحْراقِ ما جاوَرَها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم أعْوانٌ يَمْنَعُونَكم مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أمْرُ النَبِيِّ  بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ.

والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ  في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟

قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ  : « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أُمِرْتَ ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِمْ ﴾ ، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما أُمِرْتَ ﴾ .

و ﴿ وَلا تَطْغَوْا ﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ طَغى الماءُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ.

لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ.

والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها.

وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ.

وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ  فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ  : لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟

قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ  في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ.

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ.

وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ.

وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الرّكُون: الميل والموافقة، وفعله كعَلِم.

ولعلّه مشتق من الرُكْن بضم فسكون وهو الجنب، لأنّ المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه.

وهو هنا مستعار للموافق، فبعد أن نهاهم عن الطغيان نهاهم عن التقارب مِن المشركين لئلاّ يضلوهم ويزلوهم عن الإسلام.

و ﴿ الذين ظلموا ﴾ هم المشركون.

وهذه الآية أصل في سدّ ذرائع الفساد المحقّقة أو المظنونة.

والمسّ: مستعمل في الإصابة كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان ﴾ في آخر الأعراف (201)، والمراد: نار العذاب في جهنّم.

وجملة وما لكم من دون الله من أولياء} حال، أي لا تجدون من يسعى لما ينفعكم.

و ﴿ ثمّ ﴾ للتّراخي الرتبي، أي ولا تجدون من ينصركم، أي من يخفّف عنكم مسّ عذاب النّار أو يخرجكم منها.

و ﴿ من دون الله ﴾ متعلّق بأولياء لتضمينه معنى الحُماة والحائلين.

وقد جمع قوله: ﴿ ولا تطغوا ﴾ [هود: 112] وقوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ أصلي الدّين، وهما: الإيمان والعمل الصالح، وتقدّم آنفاً قول الحسن: «جعل الله الدين بين لاَئين ﴿ ولا تطغوا ﴾ ، ولا تركنوا».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَمِيلُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا تَدْنُوا، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: لا تَدْهُنُوا لَهم في القَوْلِ وهو أنْ يُوافِقَهم في السِّرِّ ولا يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ في الجَهْرِ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَيَمَسَّكم عَذابُ النّارِ لِرُكُونِكم إلَيْهِمْ.

الثّانِي: فَيَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمُهم كَما تَتَعَدّى النّارُ إلى إحْراقِ ما جاوَرَها، ويَكُونُ ذِكْرُ النّارِ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرًا ووَعِيدًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت...

﴾ الآية.

قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمره ولا يطغى في نعمته.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ قال: استقم على القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ﴾ قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ومن تاب معك ﴾ قال: آمن.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ﴾ قال: لم يرد به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إنما على الذين يجيئون من بعدهم.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ولا تطغوا ﴾ يقول: لا تظلموا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الطغيان خلاف أمره وركوب معصيته.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ قال: يعني الركون إلى الشرك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تركنوا ﴾ قال: لا تميلوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تركنوا ﴾ قال: لا تذهبوا.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ قال: لا ترضوا أعمالهم.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره، الطغيان في النعمة والركون إلى الظلم، ثم تلا هذه الآية ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا ﴾ ، يقال: ركِن يركَن ركونا، ومعنى الركون السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، ونقيضه النفور عنه، ولغة أخرى ركَن يركُن.

قال الأزهري (١) وقال الكسائي (٢) (٣) ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا ﴾ بضم الكاف.

قال ابن عباس (٤) ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ، قال: لا تميلوا؛ يريد في المحبة ولين الكلام والمودة.

وقال السدي وابن زيد (٥) وقال أبو العالية (٦) (٧) وقال قتادة (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ ، قال ابن عباس: هو أدب للمؤمنين ليس كمثل عقوبة الكفار، يريد أن قوله: ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ ، قال ابن عباس (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ استئناف كقوله: ﴿ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ (١١) (١) "تهذيب اللغة" (ركن) 2/ 1463.

(٢) "البحر" 5/ 269، "الدر المصون" 4/ 144.

(٣) قراءة "تركُنوا"، بضم الكاف، قرأ بها عبد الوارث عن أبي عمرو، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرِّف.

انظر: "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108 وطلحة بن مصرف هو: طلحة بن مصرف بن عمرو الهمداني ثقة حجة، أحد القراء الكبار، وأقرأ أهل زمانه، أدرك أنسًا ولم يسمع منه.

توفي 12 اهـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 473، "تهذيب التهذيب" 2/ 243، "غاية النهاية" 1/ 343.

(٤) رواه الطبري بمعناه عن بعض المفسرين 12/ 172، الثعلبي 4/ 103، البغوي 2/ 404، "زاد المسير" 4/ 165.

(٥) روى عنهما الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165، وانظر: البغوي 2/ 304 عن السدي، والطبري 12/ 127 عن ابن زيد، وكذا القرطبي 9/ 108.

(٦) الطبري 12/ 127، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108.

(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب) (٨) الطبري 12/ 127، قال: لا تلحقوا بالشرك، الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165.

(٩) ساقط من (ي).

(١٠) الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، من غير نسبة.

(١١) آل عمران/ 111.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة ﴿ وَأَقِمِ الصلاوة ﴾ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، رُوي أن رجلاً قبل امرأة ثم ندم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة؛ فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل، فقال هذا انذا؛ فقال قد غُفر لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة، فقال للمسلمين عامة، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.

الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.

قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.

الباقون بالتشديد.

﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".

الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.

الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.

﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.

قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.

والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.

أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.

أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.

﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى  ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون  ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.

فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.

والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.

والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.

وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.

ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك  ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .

وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.

وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله  : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.

ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.

ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.

قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.

أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.

والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.

وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.

وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.

وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.

وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.

وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.

ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.

أما القرآن فقوله  : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.

الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.

وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله  ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.

وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.

والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.

وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات  ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.

وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.

وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".

و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".

ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.

وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.

فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.

وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.

وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.

ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا  ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.

وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.

وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه  يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.

وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.

فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.

وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.

وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.

وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.

أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.

ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله  بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.

ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.

والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.

﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.

وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.

قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.

فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.

وعاد السؤال.

فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً.

ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله  فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.

﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.

ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.

ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".

ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".

ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.

والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.

ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.

ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.

وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.

منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.

ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق  .

معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.

ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.

وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.

وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.

وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.

ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.

وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.

والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.

ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله  آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال  : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.

ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.

أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده  ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.

وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.

وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.

﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.

وفيه إقناط كلي.

وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.

قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.

فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟

عن رسول الله  "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .

وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.

وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.

ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟

فقال: لا.

فقيل له: يموت.

فقال: دعه يموت.

ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.

غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.

وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.

وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".

والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".

وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.

وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.

وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.

هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.

ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.

ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.

واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي  في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي  يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.

فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله  فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.

فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة.

وروي أنه  قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.

وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.

﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.

ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.

ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.

يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.

ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".

وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.

ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.

قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.

ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟

فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.

قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.

تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.

السبب الثاني.

في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.

ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.

والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.

وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.

وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.

ثم بين أنه ما ينبغي له  أن يهلك القرى بظلم.

قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله  مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.

ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.

وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.

ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.

والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.

﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.

وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.

ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.

والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.

وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.

وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.

ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.

ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.

﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.

﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.

واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.

ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.

وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.

ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.

فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.

﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.

﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي  ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.

وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.

﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ  ﴾ قال بعضهم قوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ الاستقامة هو التوحيد؛ أي: استقم عليه حتى تأتي به ربك؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ على ذلك حتى أتوا على الله به.

وقال بعضهم: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ بما تضمن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ لأن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ إقرار منه له بالربوبية، فيجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويجعل في نفسه العبودية له؛ هذه هي الاستقامة التي ذكر، والله أعلم، أن يجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويأتي ما يجب [أن يؤتى، وينتهي عما يجب أن ينتهي]، ويتبع جميع أوامره ونواهيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ ﴾ لرسول الله، يحتمل على تبليغ الرسالة إليهم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: استقم على ما أمرت ومن آمن معك - أيضاً - يستقيم على ما أمروا.

والثاني: يقول: امض إلى ما أمرت حرف ﴿ كَمَآ ﴾ يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما على ما أمرت، وإلى ما أمرت.

وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ من الشرك، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا وأدّوا بلسانهم ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ قال بعضهم الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ هذا وعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قال الحسن: هو صلة قوله: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار.

قال الحسن: بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة.

الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.

﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في دفع العذاب عنهم، أو إحداث نفع لهم.

﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ لا ناصر لهم دونه، ولا مانع، والله أعلم.

وتأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في ظلمهم ﴿ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسّه النار، وكأنه إنما خاطب به الأتباع؛ يقول: لا تركنوا إلى الكبراء منهم والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار.

وقال بعض أهل التأويل نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في رسول الله  حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه؛ يقول: ولا تميلوا إلى أهل الشرك، ولا تلحقوا بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : صلاة المغرب، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث: صلاة الفجر في الطرف الأوّل، وصلاة العصر في الطرف الأخير ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ [صلاة المغرب؛ لأنه ذكر زلفاً من الليل، والزلف هي القرب منه؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة إليه؛ فيكون قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ ] أي: قريباً من طرفي النهار من الليل، وهو المغرب، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ  ﴾ ذكر دلوك الشمس، وهو زوال الشمس، وغسق الليل: العشاء، أو في قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : صلاة العصر، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : صلاة العشاء ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : صلاة الظهر، وليس لصلاة المغرب ذكر في الآية، لكنها ذكرت في قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : هو ساعات الليل، إلا أن بعض أهل التأويل صرفوها إلى الصلوت الخمس، وقالوا: قوله: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : صلاة الصبح والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ المغرب والعشاء.

وقال الحسن: هما زلفتان من الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى ذلك جاءت الآثار في قوله ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الحسنات هي الصلوات الخمس.

وروي "أن رجلا أصاب من امرأة كل شيء إلا الجماع، فندم على ذلك، فأتى رسول الله، فسأله، فقال رسول الله  : ما أدري ما أرد عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله.

قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت الصلاة، فلما فرغ من صلاته نزل عليه جبريل بتوبته فقال: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ غدوة وعشية، صلاة الغداة والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ .

﴿ ذٰلِكَ ﴾ : يعني: الصلوات الخمس ﴿ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ قال: توبة للتائبين، فقرأ رسول الله  فقال عمر: يا رسول الله، أخاص له أم عام؟

قال، لا، بل عام للناس كلهم" فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك.

وعن عثمان - في بعض الأخبار - أنه سمع النبي  يقول: "الصلوات الخمس الحسنات يذهبن السيئات فقالوا: فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟

فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]" .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "الصلوات كفارات الخطايا، واقرءوا إن شئتم: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ " وعن ابن عباس: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وعن جابر قال: قال رسول الله  : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" والأخبار في هذا كثيرة.

وقال بعضهم: فيه ذكر أربع صلوات، يقول: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : الفجر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : المغرب والعشاء.

وقد جاءت الآثار في أن الحسنات هن خمس صلوات.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال بعضهم: فعل الصلوات نفسها، وهو ما ذكرنا من الأخبار إن ثبت.

وقال بعضهم: نفس الصلاة لا تكفر، ولكن تذكر ما ارتكب من الذنوب فيندم عليها؛ فذلك يكفر، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ...

 ﴾ الآية، أخبر أن الصلاة تنهى، ولا تنهى إلا بعد أن تذكر ذلك.

وقال بعضهم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ ؛ أي: تمنع عن الفحشاء؛ أي: ما دام فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الصلوات وغيرها من الحسنات؛ فيه إخبار أن من الحسنات [ما يكفر] شيئاً من السيئات، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الذي سبق ذكره ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ عظة للمتعظين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ظاهر ما ذكر من الكلام أن يقول: فإن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ لأنه ذكر الصبر بقوله: ﴿ ٱصْبِر  ﴾ لكن يحتمل قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ عن الشرور كلها وأحسن، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم.

أو يقول: اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات، أو تبليغ ما كلفت التبليغ إليهم.

ويحتمل وجهاً آخر: اصبر على أذاهم ولا تكافئهم [فإذا لم تكافئهم] فقد أحسنت إليهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أو يقول هو له: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ والله أعلم.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : ساعات من الليل.

وقال: الزلفة: المرحلة، والزلفة: القربة؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ  ﴾ أي: لقربة.

وقال أبو عبيدة: الزلف: [جمع] زلفة، وهي الساعة، وهي المنزلة [على ما قلناه].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تميلوا إلى الكفار الظالمين بمداهنة أو مودّة، فتصيبكم النار بسبب ذلك الميل، وليس لكم من دون الله أولياء ينقذونكم منها، ثم لا تجدون من ينصركم.

<div class="verse-tafsir" id="91.mVKO7"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله