الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١١٥ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٥ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) قال : يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وقال الحسن - في رواية - وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم : هي الصبح والعصر .
وقال مجاهد : هي الصبح في أول النهار ، والظهر والعصر من آخره .
وكذا قال محمد بن كعب القرظي ، والضحاك في رواية عنه .
وقوله : ( وزلفا من الليل ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وغيرهم : يعني صلاة العشاء .
وقال الحسن ، في رواية ابن المبارك ، عن مبارك بن فضالة ، عنه : ( وزلفا من الليل ) يعني المغرب والعشاء قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هما زلفتا الليل : المغرب والعشاء " .
وكذا قال مجاهد ، ومحمد بن كعب ، وقتادة ، والضحاك : إنها صلاة المغرب والعشاء .
وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء; فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها .
وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ في حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضا ، في قول ، والله أعلم .
وقوله : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) يقول : إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال : كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من مسلم يذنب ذنبا ، فيتوضأ ويصلي ركعتين ، إلا غفر له " .
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان : أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : هكذا رأيت رسول الله يتوضأ ، وقال : " من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .
وروى الإمام أحمد ، وأبو جعفر بن جرير ، من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد : أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه ، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنه سيكون فيه قدر مد ، فتوضأ ، ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وضوئي هذا ، ثم قال : " من توضأ وضوئي هذا ، ثم قام فصلى صلاة الظهر ، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح ، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر ، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر ، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب ، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء ، وهن الحسنات يذهبن السيئات " .
وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ، هل يبقي من درنه شيئا ؟
" قالوا : لا يا رسول الله : قال : " وكذلك الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الذنوب والخطايا " .
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا حدثنا ابن وهب ، عن أبي صخر : أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه ، عن أبي هريرة; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، أن أبا رهم السمعي كان يحدث : أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة " وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبي ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " جعلت الصلوات كفارات لما بينهن; فإن الله قال : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) .
وقال البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود; أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأنزل الله : (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) فقال الرجل : إلى هذا يا رسول الله ؟
قال : " لجميع أمتي كلهم " .
هكذا رواه في كتاب الصلاة ، وأخرجه في التفسير عن مسدد ، عن يزيد بن زريع ، بنحوه ورواه مسلم ، وأحمد ، وأهل السنن إلا أبا داود ، من طرق عن أبي عثمان النهدي ، واسمه عبد الرحمن بن مل ، به .
وروى الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير - وهذا لفظه - من طرق : عن سماك بن حرب : أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود ، عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني وجدت امرأة في بستان ، ففعلت بها كل شيء ، غير أني لم أجامعها ، قبلتها ولزمتها ، ولم أفعل غير ذلك ، فافعل بي ما شئت .
فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، فذهب الرجل ، فقال عمر : لقد ستر الله عليه ، لو ستر على نفسه .
فأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصره ثم قال : " ردوه علي " .
فردوه عليه ، فقرأ عليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال معاذ ، وفي رواية عمر : يا رسول الله ، أله وحده ، أم للناس كافة ؟
فقال : " بل للناس كافة " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من أحب .
فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه " .
قال : قلنا : وما بوائقه يا نبي الله ؟
قال : " غشه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : كان فلان ابن معتب رجلا من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله ، إلا أني لم أجامعها فلم يدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجيبه ، حتى نزلت هذه الآية : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فدعاه رسول الله ، فقرأها عليه .
وعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار .
وقال مقاتل : هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري ، وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر : كعب بن عمرو .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس وعفان قالا حدثنا حماد - يعني : ابن سلمة - عن علي بن زيد - قال عفان : أنبأنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس; أن رجلا أتى عمر قال : امرأة جاءت تبايعه ، فأدخلتها الدولج ، فأصبت منها ما دون الجماع ، فقال : ويحك .
لعلها مغيبة في سبيل الله ؟
قال : أجل .
قال : فأت أبا بكر فاسأله قال : فأتاه فسأله ، فقال : لعلها مغيبة في سبيل الله ؟
فقال مثل قول عمر ، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له مثل ذلك ، قال : " فلعلها مغيبة في سبيل الله " .
ونزل القرآن : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) إلى آخر الآية ، فقال : يا رسول الله ، ألي خاصة أم للناس عامة ؟
فضرب - يعني : عمر - صدره بيده وقال : لا ولا نعمة عين ، بل للناس عامة .
فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " صدق عمر " .
وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع ، عن عثمان بن موهب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال : أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرا ، فقلت : إن في البيت تمرا أطيب وأجود من هذا ، فدخلت ، فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت عمر فسألته ، فقال : اتق الله ، واستر على نفسك ، ولا تخبرن أحدا .
فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته ، فقال : اتق الله ، واستر على نفسك ، ولا تخبرن أحدا .
قال : فلم أصبر حتى أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : " أخلفت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ؟
" حتى ظننت أني من أهل النار ، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ .
فأطرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ، فنزل جبريل ، فقال : " [ أين ] أبو اليسر ؟
" .
فجئت ، فقرأ علي : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) إلى ( ذكرى للذاكرين ) فقال إنسان : يا رسول الله ، أله خاصة أم للناس عامة ؟
قال " للناس عامة " .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل; أنه كان قاعدا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله ، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصاب منها ، غير أنه لم يجامعها ؟
فقال له النبي ، صلى الله عليه وسلم : " توضأ وضوءا حسنا ، ثم قم فصل " قال : فأنزل الله عز وجل هذه الآية ، يعني قوله : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) فقال معاذ : أهي له خاصة أم للمسلمين عامة ؟
قال : " بل للمسلمين عامة " .
ورواه ابن جرير من طرق ، عن عبد الملك بن عمير ، به .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة; أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه لحاجة ، فأذن له ، فذهب يطلبها فلم يجدها ، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمطر ، فوجد المرأة جالسة على غدير ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها ، فصار ذكره مثل الهدبة ، فقام نادما حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما صنع ، فقال له : " استغفر ربك ، وصل أربع ركعات " .
قال : وتلا عليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) الآية .
وقال ابن جرير : حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم ، عن الزبيدي ، عن سليم بن عامر; أنه سمع أبا أمامة يقول : إن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أقم في حد الله - مرة أو ثنتين - فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أقيمت الصلاة ، فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة قال : " أين هذا الرجل القائل : أقم في حد الله ؟
" قال : أنا ذا : قال : " أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا ؟
" قال : نعم .
قال : " فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك ، ولا تعد " .
وأنزل الله على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن أبي عثمان قال : كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة ، فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقة ، ثم قال : يا أبا عثمان ، ألا تسألني لم أفعل هذا ؟
فقلت : لم تفعله ؟
قال : هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه تحت شجرة ، فأخذ منها يابسا فهزه حتى تحات ورقة ، فقال : " يا سلمان ، ألا تسألني : لم أفعل هذا ؟
" .
قلت : ولم تفعله ؟
فقال : " إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس ، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق .
وقال : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن معاذ ، رضي الله عنه; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " يا معاذ ، أتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " .
وقال الإمام أحمد ، رضي الله عنه : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن أبي ذر; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " .
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن أشياخه ، عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، أوصني .
قال : " إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها " .
قال : قلت : يا رسول الله ، أمن الحسنات : لا إله إلا الله ؟
قال : " هي أفضل الحسنات " .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني ، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري ، من ولد سعد بن أبي وقاص ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما قال عبد : لا إله إلا الله ، في ساعة من ليل أو نهار ، إلا طلست ما في الصحيفة من السيئات ، حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات " .
عثمان بن عبد الرحمن ، يقال له : الوقاصي .
فيه ضعف .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا حدثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا مستور بن عباد ، عن ثابت ، عن أنس; أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما تركت من حاجة ولا داجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟
" .
قال : بلى .
قال : " فإن هذا يأتي على ذلك " .
تفرد به من هذا الوجه مستور .
القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر ، يا محمد ، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه ، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره ، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.
* * *
قوله تعالى : واصبر أي على الصلاة ; كقوله : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها .
وقيل : المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى .فإن الله لا يضيع أجر المحسنين يعني المصلين .
{ وَاصْبِرْ ْ} أي: احبس نفسك على طاعة الله، وعن معصيته، وإلزامها لذلك، واستمر ولا تضجر.
{ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ْ} بل يتقبل الله عنهم أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم، بأحسن ما كانوا يعملون، وفي هذا ترغيب عظيم، للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله، كلما وَنَتْ وفَتَرَتْ.
( واصبر ) يا محمد على ما تلقى من الأذى .
وقيل : على الصلاة ، ونظيره ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) ( طه - 132 ) ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) في أعمالهم .
.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني المصلين .
«واصبر» يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» بالصبر على الطاعة.
واصبر -أيها النبي- على الصلاة، وعلى ما تَلْقى من الأذى من مشركي قومك؛ فإن الله لا يضيع ثواب المحسنين في أعمالهم.
هذا ، ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله ( واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ) .أى : واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق التكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها ، فإنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب .قال الآلوسى : ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بافعال الخير أفردت للنبى - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت عامة فى المعنى ، والمناهى جمعت للأمة ، للدالالة على عظم منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ربه .
اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: رأيت في بعض كتب القاضي أبي بكر الباقلاني أن الخوارج تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الواجب ليس إلا الفجر والعشاء من وجهين.
الوجه الأول: أنهما واقعان على طرفي النهار والله تعالى أوجب إقامة الصلاة طرفي النهار، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً.
فإن قيل: قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ يوجب صلوات أخرى.
قلنا: لا نسلم فإن طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفاً من الليل فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف إلا أن ذلك كثير في القرآن والشعر.
الوجه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ وهذا يشعر بأن من صلى طرفي النهار كان إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال إن سائر الصلوات واجبة إلا أن إقامتهما يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات.
واعلم أن هذا القول باطل بإجماع الأمة فلا يلتفت إليه.
المسألة الثانية: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس والطرف الثاني منه غروب الشمس فالطرف الأول هو صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر.
إذا عرفت هذا كانت الآية دليلاً على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن التنوير بالفجر أفضل، وفي أن تأخير العصر أفضل وذلك لأن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس، والزمان الثاني لغروبها، وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية، فوجب حمله على المجاز، وهو أن يكون المراد: أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار، لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى، فثبت أن ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين.
وأما قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها، وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب في حق غيره لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ فالذي هو قبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ ﴾ وهو نظير قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ .
المسألة الثالثة: قال المفسرون: نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليتوضأ وضوءاً حسناً ثم ليقم وليصل» فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا له خاصة، فقال: «بل هو للناس عامة» وقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ قال الليث: زلفة من أول الليل طائفة، والجمع الزلف.
قال الواحدي: وأصل الكلمة من الزلفى والزلفى هي القربى، يقال: أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب.
المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ زلفاً ﴾ بضمتين و ﴿ زلفاً ﴾ بإسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو: يسر في يسر، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من نحو: يسر في يسر، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل، وقيل في تفسير قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ وقرباً من الليل، ثم قال: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الحسنات قولان: الأول: قال ابن عباس: المعنى أن الصلوات الخمس كفارات لسائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر.
والثاني: روي عن مجاهد أن الحسنات هي قول العبد سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
المسألة الثانية: احتج من قال إن المعصية لا تضر مع الإيمان بهذه الآية وذلك لأن الإيمان أشرف الحسنات وأجلها وأفضلها.
ودلت الآية على أن الحسنات يذهبن السيئات، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السيئات درجة كان أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم المؤبد.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك ذكرى لِلذكِرِينَ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ إلى آخرها ﴿ ذكرى لِلذكِرِينَ ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشدين.
ثم قال: ﴿ واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ قيل على الصلاة وهو كقوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ثم كرّ إلى التذكير بالصبر بعد ما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال: وعليك بما هو أهمّ مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به ﴿ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ جاء بما هو مشتمل على الاستقامة وإقامة الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من الحسنات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.
﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ وساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ وهو جَمْعُ زُلْفَةٍ، وصَلاةُ الغَداةِ صَلاةُ الصُّبْحِ لِأنَّها أقْرَبُ الصَّلاةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ.
وقُرِئَ « زُلُفًا» بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسُرٍ وبُسْرٍ في بُسْرَةٍ و « زُلْفى» بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَقُرْبِي وقِرْبَةٍ.
﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ يُكَفِّرْنَها.
(وَفِي الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وفي سَبَبِ النُّزُولِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ فَقالَ إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنَ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها فَنَزَلَتْ» .
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ فاسْتَقِمْ ﴾ وما بَعْدَهُ وقِيلَ إلى القُرْآنِ.
﴿ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ.
﴿ واصْبِرْ ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ عُدُولٌ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ الصَّلاةَ والصَّبْرَ إحْسانٌ وإيماءٌ بِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِما دُونَ الإخْلاصِ.
<div class="verse-tafsir"
{واصبر} على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه الابه {فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله {فاستقم} إلى قوله {واصبر} وغير ذلك من الحسنات
﴿ واصْبِرْ ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ امْتِثالِ ما كُلِّفْتَ بِهِ، في الكَشّافِ إنَّ هَذا كُرُورٌ مِنهُ تَعالى إلى التَّذْكِيرِ بِالصَّبْرِ بَعْدَ ما جاءَ بِما هو خاتِمَةٌ لِلتَّذْكِيرِ لِفَضْلِ خُصُوصِيَّةٍ ومَزِيَّةٍ وتَنْبِيهٍ عَلى مَكانِ الصَّبْرِ ومَحَلِّهِ كَأنَّهُ قالَ: وعَلَيْكَ بِما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِّرْتَ بِهِ وأحَقُّ بِالتَّوْصِيَةِ وهو الصَّبْرُ عَلى امْتِثالِ ما أُمِرْتَ بِهِ والِانْتِهاءُ عَمّا نُهِيتَ عَنْهُ فَلا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِهِ، انْتَهى.
ووَجْهُ كَوْنِهِ كَرِيرًا إلى ما ذَكَرَ بِأنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِقامَةِ أمْرٌ بِالثَّباتِ قَوْلًا وفِعْلًا وعَقْدًا وهو الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ضَرُورَةً عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ كُلَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِالصَّبْرِ، فَفي ضِمْنِ الأمْرِ بِهِ أمَرَ بِالصَّبْرِ، واعْتَرَضَ اعْتِبارَ الِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ مِن مُتَعَلِّقاتِ الصَّبْرِ إذْ لا مَشَقَّةَ في ذَلِكَ، واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِما نَهى عَنْهُ مِنَ الطُّغْيانِ والرُّكُونِ ما لا يُمْكِنُ عادَةً خُلُوُّ البَشَرِ عَنْهُ مِن أدْنى مَيْلٍ بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ مِن الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها ومِن يَسِيرِ مَيْلٍ بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ، فَإنَّ في الِاحْتِرازِ عَنْ أمْثالِهِ مِنَ المَشَقَّةِ ما لا يَخْفى، وتَعَقَّبَ بِأنَّ ما هو مِن تَوابِعِ الطَّبِيعَةِ لا يَكُونُ مِن مُتَعَلِّقاتِ النَّهْيِ، ولِهَذا ذَكَرُوا أنَّ حُبَّ المُسْلِمِ لِوَلَدِهِ الكافِرِ مَثَلًا لا إثْمَ فِيهِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ وُجُودَ المَشَقَّةِ في امْتِثالِ مَجْمُوعِ ما كُلِّفَ بِهِ يَكْفِي في الغَرَضِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ المُداوَمَةُ عَلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقِمِ الصَّلاةَ أيْ أدِّها تامَّةً وداوِمْ عَلَيْها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها ﴾ ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ يُوَفِّيهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ أصْلًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الإضاعَةِ بَيانًا لِكَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ حِرْمانِهِمْ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَعَ إفادَةِ فائِدَةٍ عامَّةٍ لِكُلٍّ مَن يَتَّصِفُ بِذَلِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الإحْسانِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ فَسَّرَ الإحْسانَ هُنا بِالإخْلاصِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُحْسِنُونَ المُصَلُّونَ وكَأنَّهُ نَظَرَ إلى سِياقِ الكَلامِ، هَذا ومِنَ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ الأوامِرَ بِأفْعالِ الخَيْرِ أُفْرِدَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَتْ عامَّةً في المَعْنى، والمَناهِي جُمِعَتْ لِلْأُمَّةِ، وما أعْظَمَ شَأْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ قال قتادة: ولا ترجعوا إلى الشرك فتمسكم النار، يعني: تصيبكم النار، وقال أبو العالية: ولا ترضوا بأعمال أهل البدع.
والركون: هو الرضا.
ويقال: ولا تميلوا إلى دين الذين كفروا.
ويقال: ولا ترضوا قول الذين ظلموا.
وروى أبو هريرة، عن النبيّ ، أنه قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلِ» (١) ثم قال تعالى: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يعني: حين تمسكم النار، لم يكن لكم من عذاب الله مِنْ أَوْلِياءَ يعني: من أقرباء ينفعونكم، ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ يعني: لا تمنعون من العذاب.
قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: واستقم كما أمرت، وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي: أتمّ الصلاة، طَرَفَيِ النَّهارِ أي: صلاة الفجر والظهر والعصر، وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ يعني: دخولاً من الليل ساعة بعد ساعة، واحدها: زلفة، وهي صلاة المغرب، والعشاء، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني: الصلوات الخمس يكفرن السيئات فيما دون الكبائر، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ يعني: الصلوات الخمس توبة للتائبين.
قال الكلبي: نزلت الآية في عمرو بن غزية الأنصاري، ويقال: نزلت في شأن أبي اليسر، كان يبيع التمر، فجاءته امرأة تشتري تمراً، فأدخلها في الحانوت، وفعل بها كل شيء إلا الجماع، ثم ندم فأخبر بذلك النبيّ ، فنزلت هذه الآية.
ويقال: نزلت في شأن أبي مقبل التمار.
وروي عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: «جاء رجل إلى النبيّ ، فقال: إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إليَّ وقبلتها وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت عنه النبي ، فنزلت هذه الآية.
فدعا رسول الله الرجل، وقرأها عليه، فقال عمر: «أله خاصة أم للناس كافة؟» قال: «بل للناس كافة» (٢) وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد قال: عن أبي عثمان، قال: كنت مع سلمان، فأخذ غصناً من شجرة يابسة فحته، ثم قال: سمعت رسول الله يقول: «مَنْ تَوَضّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتّ هذا الوَرَقُ» (٣) ثم قال تعالى: وَاصْبِرْ نفسك يا محمد على التوحيد، ولا تركن إلى الظلمة، وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ ويقال: وَاصْبِرْ أي أقم على هذه الصلوات الخمس، حتى لا تترك منها شيئاً، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني: ثواب الموحِّدين المخلصين.
ويقال: المقيمين على الصّلوات.
(١) حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي: (2378) بلفظ) «الرجل» فقال: حديث حسن غريب.
وأبو داود (4833) وصححه الحاكم 4/ 170 ووافقه الذهبي.
(٢) حديث ابن مسعود: أخرجه البخاري (526) و (4687) وأخرجه مسلم (2763) (40) (41) (42) والترمذي (3112) وأبو داود (4468) والبيهقي: 8/ 8/ 241 وابن خزيمة (312) وابن ماجة (4254) .
(٣) حديث سلمان.
عزاه السيوطي 4/ 484 إلى الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه وابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: أي: اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك.
وقال ص: «فيه» : الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: «في» بمعنى «على» ، أي: عليه، انتهى.
والكلمة هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: وَإِنَّ كُلًّا، وقرأ نافع «١» وابن كثير: «وإِنْ كُلاًّ لَمَا» وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد «إِنَّ» ، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد «إِنَّ» ، وتشديد «لَمَّا» ، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف «إِنَّ» فيهما على بابها، و «كُلاًّ» ، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر «إِنَّ» ، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب «ما» هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفّى في عمله.
وقوله عز وجل: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستقامة، / وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» ، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟
فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٢» .
قال ع «٣» : والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مثل ذلك شيّبه عليه السلام.
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
وقوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...
الآية: الرُّكُون: السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية: الركُونُ: الرِّضَا.
قال ابنُ زَيْد: الرُّكُون: الادهان «١» .
قال ع «٢» : فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التّغيير عليهم مع القدرة، والَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي.
وقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ...
الآية: لا خلاف أنَّ الصَّلاةَ في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل:
الطَّرَف الأوَّل: الصُّبْح، والثَّاني: الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف: المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره «٣» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ: «هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ» «٤» وقيل:
الطَرَفُ الأوَّل: الصبحُ، والثاني: العصر قاله الحسن وقتادة «٥» ، والزُّلَف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها.
قال ع «٦» : والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ «٧» القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف: الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ.
وقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد: الْحَسَناتِ:
قول الرجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ «١» .
قال ع «٢» : وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات بقوله عليه السلام: «مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» ، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل: اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالة عمر، فقلق الرجل، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال: اقض فيَّ ما شئت فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟!» قَالَ: نعم، فوبّخه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «مَا أَدْرِي» ، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً؟
فَقَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» «٣» .
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤» : وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى.
قال ع «٥» : ورُوِيَ: أن الآية قدْ كَانَتْ نزلت قبل ذلك، واستعملها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ:
«الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا إِنِ اجتنبت الكبائر» «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ ﴾ فِيما أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِما يَلْقاهُ مِن أذى قَوْمِهِ.
والثّانِي: الصَّلاةُ.
وَفِي المُرادِ بِالمُحْسِنِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُصَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المُخْلِصُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُحْسِنُونَ في أعْمالِهِمْ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أمْرُ النَبِيِّ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ.
والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟
قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ : « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أُمِرْتَ ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِمْ ﴾ ، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ كَما أُمِرْتَ ﴾ .
و ﴿ وَلا تَطْغَوْا ﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ طَغى الماءُ ﴾ ، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ.
لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ.
والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها.
وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ.
وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ : لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟
قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ.
ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ.
وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فلا تك في مرية ممّا يعبد هؤلاء ﴾ [هود: 109] الآيات، لأنّها سيقت مساق التّثبيت من جرّاء تأخير عقاب الذين كذبوا.
ومناسبة وقوع الأمر بالصّبر عقب الأمر بالاستقامة والنّهي عن الركون إلى الذين ظلموا، أنّ المأمورات لا تخلو عن مشقة عظيمة ومخالفة لهوى كثير من النفوس، فناسب أن يكون الأمر بالصبر بعد ذلك ليكون الصبر على الجميع كلّ بما يناسبه.
وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويه به.
والمقصود هو وأمته بقرينة التعليل بقوله: ﴿ فإنّ الله لا يُضيع أجر المحسنين ﴾ لما فيه من العموم والتفريع المقتضي جمعهما أنّ الصبر من حسنات المحسنين وإلا لَمَا كان للتفريع موقع.
وحرف التأكيد مجلوب للاهتمام بالخبر.
وسمّي الثواب أجراً لوقوعه جزاء على الأعمال وموعوداً به فأشبه الأجر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ أمّا الطَّرَفُ الأوَّلُ فَصَلاةُ الصُّبْحِ بِاتِّفاقٍ وأمّا الطَّرَفُ الثّانِي فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى صَلاةَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ وحْدَها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ والزُّلَفُ جَمْعُ زُلْفَةٍ، والزُّلْفَةُ المَنزِلَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ ومَنازِلَ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ ساعاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ مُزْدَلِفَةُ مِن ذَلِكَ لِأنَّها مَنزِلٌ بَعْدَ عَرَفَةَ، وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِلافِ آدَمَ مِن عَرَفَةَ إلى حَوّاءَ وهي بِها، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ بَعِيرٍ: ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طِيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا وَفِي مَعْنى ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِيَةُ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ والآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ ورَواهُ مَرْفُوعًا.
﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ في هَذِهِ الحَسَناتِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: هي قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ قالَ عَطاءٌ: وهُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ.
الثّالِثُ: أنَّ الحَسَناتِ المَقْبُولَةَ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ المَغْفُورَةَ.
الرّابِعُ: أنَّ الثَّوابَ الطّاعاتُ يُذْهِبْنَ عِقابَ المَعاصِي.
﴿ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَوْبَةٌ لِلتّائِبِينَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بَيانٌ لِلْمُتَّعِظِينَ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (وَأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها)،» وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى الأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في بَعْضِ أقْطارِ المَدِينَةِ فَأصَبْتُ مِنها دُونَ أنْ أمَسَّها وأنا هَذا فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ.
فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلى نَفْسِكَ.
وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ شَيْئًا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ ﴾ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَهُ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ كافَّةً؟
فَقالَ: (بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً)» قالَ أبُو مُوسى طَمَّحانُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ أبُو اليَسَرِ الأنْصارِيُّ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هو عَمْرُو بْنُ غَزِيَّةَ الأنْصارِيُّ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ قال: صلاة المغرب والغداة ﴿ وزلفا من الليل ﴾ قال: صلاة العتمة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ قال: الفجر والعصر ﴿ وزلفاً من الليل ﴾ قال: هما زلفتان صلاة المغرب وصلاة العشاء.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما زلفتا الليل» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ قال: صلاة الفجر وصلاتي العشاء يعني الظهر والعصر ﴿ وزلفاً من الليل ﴾ قال: المغرب والعشاء.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وزلفاً من الليل ﴾ قال: ساعة بعد ساعة، يعني صلاة العشاء الآخرة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس.
أنه كان يستحب تأخير العشاء، ويقرأ ﴿ وزلفاً من الليل ﴾ .
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال: الصلوات الخمس ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود قال: «قال رجل: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إلي وقبلتها وباشرتها وفعلت بها كل شيء إلا أني لم أجامعها؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه، فقال عمر: يا رسول الله أله خاصة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل للناس كافة» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن حبان عن ابن مسعود «أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها؟
فأنزلت عليه ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ فقال: يا رسول الله ألي هذه؟
قال: هي لمن عمل بها من أمتي» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في البستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فذهب الرجل فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه.
فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال ردوه عليه.
فردوه فقرأ عليه ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار...
﴾ الآية.
فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟
فقال: بل للناس كافة» .
وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي اليسر قال: «أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه.
فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له قال: استر على نفسك وتب.
فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً.
فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: اخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟
حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحى الله إليه ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ﴾ إلى قوله: ﴿ للذاكرين ﴾ قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصة؟
قال: بل للناس كافة» .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه.
أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقم في حد الله مرة أو مرتين.
فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ قال «أين الرجل؟
قال: أنا ذا.
قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟
قال: نعم.
قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد، وأنزل الله حينئذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ الآية» .
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قام: رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتى فيها غير أنه لم يجامعها، فأنزل الله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار...
﴾ الآية.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «توضأ وضوءاً حسناً، ثم قم فصل.
قال معاذ: فقلت يا رسول الله: أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟
قال: للمؤمنين عامة» .
وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امراة جاءت تبايعني فأدخلتها فأصبت منها ما دون الجماع فقال: لعلها مغيبة في سبيل الله؟
قال: أظن.
قال: ادخل.
فدخل فنزل القرآن ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل...
﴾ الآية.
فقال الرجل: ألي خاصة أم للمؤمنين عامة؟
فضرب عمر في صدره وقال: لا، ولا نعمة عين ولكن للمؤمنين عامة.
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: صدق عمر هي للمؤمنين عامة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نلت من امرأة ما دون نفسها، فأنزل الله: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ الآية.
وأخرج البزار وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أن رجلاً كان يحب امرأة، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأذن له فانطلق في يوم مطير، فإذا هو بالمرأة على غدير ماء تغتسل، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة ذهب يحرك ذكره فإذا هو كأنه هدبة فندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «صل أربع ركعات» ، فأنزل الله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال: «جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة وكانت امرأة حسناء جميلة، فلما نظر إليها أعجبته وقال: ما أرى عندي ما أرضى لك ههنا، ولكن في البيت حاجتك، فأنطلقت معه حتى إذا دخلت راودها على نفسها فأبت، وجعلت تناشده فأصاب منها من غير أن يكون أفضى إليها، فانطلق الرجل وندم على ما صنع حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال: ما حملك على ذلك؟
قال: الشيطان.
فقال له: صل معنا، ونزل ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ يقول: صلاة الغداة والظهر والعصر ﴿ وزلفاً من الليل ﴾ المغرب والعشاء ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ فقال الناس: يا رسول الله لهذا خاصة أم للناس عامة؟
قال: بل هي للناس عامة» .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: أقبلت امرأة حتى جاءت إنساناً يبيع الدقيق لتبتاع منه، فدخل بها البيت فلما خلا له قبلها فسقط في يده، فانطلق إلى أبي بكر فذكر ذلك له فقال: انظر لا تكون امرأة رجل غاز.
فبينما هم على ذلك نزل في ذلك ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ﴾ قيل لعطاء: المكتوبة هي؟
قال: نعم.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: «جاء فلان بن مقيب رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها، فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار ﴾ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليه» .
وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال: ضرب رجل على كفل امرأة، ثم أتى إلى أبي بكر وعمر فسألهما عن كفارة ذلك فقال كل منهما: لا أدري، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟
فقال: «لا أدري، حتى أنزل الله: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان.
أن رجلاً من بني تميم دخلت عليه امرأة فقبلها ووضع يده على دبرها، فجاء إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ وأقم الصلاة ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ فلم يزل الرجل الذي قبل المرأة يذكر، فذلك قوله: ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن يحيى بن جعدة.
أن رجلاً أقبل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر، فوجد امرأة جالسة على غدير فدفع صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع فقال له «استغفر ربك وصل أربع ركعات، وتلا عليه ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار...
﴾ الآية» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه وابن مردويه عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصناً يابساً من شجرة فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: «إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، ثم تلا هذه الآية ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار...
﴾ الآية.
إلى قوله: ﴿ للذاكرين ﴾ » .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت الصلوات كفارات لما بينهن، فأن الله تعالى قال: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة» .
وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن عثمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم قال «من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما كان بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما كان بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات يا عثمان؟
قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً؟
قالوا: لا يا رسول الله.
قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا» .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن السيء بالحسن» .
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لم أر شيئاً أحسن طلباً ولا أحسن إدراكاً من حسنة حديثة لسيئة قديمة ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ .
وأخرج أحمد عن معاذ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها» .
وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أوصني.
قال: «اتق الله إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها.
قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟
قال: هي أفضل الحسنات» .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما قال عبد لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست ما في الصحيفة من السيئآت حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات» .
وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه «أن رجلاً قال يا رسول الله: ما تركت من حاجة ولا داجة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟
قال: نعم.
قال: فإن هذا يأتي على ذلك» .
وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل الذي يعمل الحسنات على أثر السيئآت كمثل رجل عليه درع من حديد ضيقة تكاد تخنقه، فكلما عمل حسنة فك حتى يحل عقده كلها» .
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إن الصلاة من الحسنات وكفارة ما بين الأولى إلى العصر صلاة العصر، وكفارة ما بين صلاة العصر إلى المغرب صلاة المغرب، وكفارة ما بين المغرب إلى العتمة صلاة العتمة، ثم يأوي المسلم إلى فراشه لا ذنب له ما اجتنبت الكبائر، ثم قرأ ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن علي رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام الرجل فأعاد القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أليس قد صليت معنا هذه الصلاة، وأحسنت لها الطهور؟
قال: بلى.
قال: فإنها كفارة ذلك» .
وأخرج مالك وابن حبان عن عثمان بن عفان أنه قال: لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها.
قال مالك: أراه يريد هذه الآية ﴿ أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ » .
وأخرج ابن حبان عن واثلة بن الأسقع قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي.
فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة، فلما سلم قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل توضأت ثم أقبلت؟
قال: نعم.
قال: وصليت معنا؟
قال: نعم.
قال: فاذهب فإن الله قد غفر لك» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي.
فلم يسأله عنه، وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الصلاة قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم عليّ كتاب الله.
قال «أليس قد صليت معنا؟
قال: نعم.
قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك» .
وأخرج البزار وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار عذب غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟
قال: ودرنه إثمه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فما يبقى من درنه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم، فماذا يبقين من الدرن» .
وأخرج أحمد وابن خزيمة ومحمد بن نصر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت سعداً وناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: كان رجلان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما وعمر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الأوّل على الآخر قال «ألم يكن يصلي؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يدريكم ما بلغت به صلاته؟
ثم قال عند ذلك: إنما مثل الصلوات كمثل نهر جار بباب أحدكم غمر عذب يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقى من درنه؟» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري عند باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الدرن؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي برزة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما صليت صلاة إلا وأنا أرجو أن تكون كفارة لما أمامها» .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي فيحسن الصلاة إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه» .
وأخرج البزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلوات الخمس كفارة ما بينها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو أن رجلاً كان يعتمل وكان بين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء الله فأصابه الوسخ أو العرق، فكلما مر بهر اغتسل ما كان يبقى من درنه؟
فكذلك الصلاة كلما عمل خطيئة صلى صلاة فدعا واستغفر الله غفر الله له ما كان قبلها» .
وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى ملكاً ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فاطفئوها» .
وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم قوموا فاطفئوا عنكم ما أقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذا حضرت العتمة فمثل ذلك، فينامون فيغفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة الباهلي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلاة المكتوبة تكفر ما قبلها إلى الصلاة الأخرى، والجمعة تكفر ما قبلها إلى الجمعة الأخرى، وشهر رمضان يكفر ما قبله إلى شهر رمضان، والحج يكفر ما قبله إلى الحج» .
وأخرج الطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» .
وأخرج البزار والطبراني عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه فيفرغ من صلاته وقد تحاتت عنه خطاياه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا قام يصلي جمعت ذنوبه على رقبته، فإذا ركع تفرقت» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ثم يصلي ركعتين أو أربعاً مفروضة أو غير مفروضة، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً والبزار والطبراني عنه مرفوعاً قال: «الصلوات الحقائق كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: مثل الصلوات الخمس مثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقين بعد عليه من درنه؟.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء.
مثل الصلوات الخمس مثل رجل على بابه نهر يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى ذلك من درنه؟.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: تكفير كل لحاء ركعتان.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: يحترقون فإذا صلوا الظهر غسلت، ثم يحترقون فإذا صلوا العصر غسلت، ثم يحترقون فإذا صلوا المغرب غسلت، حتى ذكر الصلوات كلهن.
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب حتى تستيقظوا» .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عبيدة بن الجراح.
أنه قال: بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم أخطأ ما بينه وبين السماء والأرض ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تقهرهن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئاً اذهب لسيئة قديمة من حسنة حديثة، وتصديق ذلك في كتب الله تعالى ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ قال: هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزع الذي قبل المرأة تذكر، فذلك قوله: ﴿ ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ ﴾ قيل (١) (٢) (٣) (١) الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 170.
(٢) ما بين المعقوفتين: بياض في (ب).
(٣) الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 170، القرطبي 9/ 113.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة ﴿ وَأَقِمِ الصلاوة ﴾ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، رُوي أن رجلاً قبل امرأة ثم ندم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة؛ فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل، فقال هذا انذا؛ فقال قد غُفر لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة، فقال للمسلمين عامة، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.
الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.
الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.
قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.
الباقون بالتشديد.
﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".
الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.
الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.
﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.
قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.
والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.
أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.
أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.
﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.
فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.
والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.
والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.
وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.
ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .
وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.
وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.
وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.
ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.
ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.
قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.
أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.
والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.
وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.
وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.
وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.
وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.
وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.
وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.
ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.
أما القرآن فقوله : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.
الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.
وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.
وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.
والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.
وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.
وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.
وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".
و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".
ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.
وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.
فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.
وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.
وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.
ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.
وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.
وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.
وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.
فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.
وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.
وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.
وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.
أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.
ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.
ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.
والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.
﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.
وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.
قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.
فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.
وعاد السؤال.
فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً.
ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.
﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.
ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.
ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".
ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".
ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.
والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.
ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.
وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.
منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.
ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق .
معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.
ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.
وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.
وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.
وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.
ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.
وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.
والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.
ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.
ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.
أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.
وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.
وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.
﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.
وفيه إقناط كلي.
وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.
قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.
فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟
عن رسول الله "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.
وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.
ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟
فقال: لا.
فقيل له: يموت.
فقال: دعه يموت.
ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.
غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.
وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.
وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".
والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".
وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.
وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.
وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.
هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.
ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.
ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.
واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.
فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.
فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة.
وروي أنه قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .
﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.
وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.
﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.
ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.
ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.
يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.
ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".
وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.
ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.
قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.
ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟
فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.
قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.
تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.
السبب الثاني.
في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.
ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.
والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.
وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.
وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.
ثم بين أنه ما ينبغي له أن يهلك القرى بظلم.
قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.
ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.
وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.
ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.
والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.
﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.
وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.
وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.
ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.
والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.
وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.
وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.
ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.
ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.
﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.
﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.
واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.
ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.
وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.
ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.
فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.
﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.
وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.
﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.
وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.
﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ قال بعضهم قوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ الاستقامة هو التوحيد؛ أي: استقم عليه حتى تأتي به ربك؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك حتى أتوا على الله به.
وقال بعضهم: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بما تضمن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ لأن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ إقرار منه له بالربوبية، فيجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويجعل في نفسه العبودية له؛ هذه هي الاستقامة التي ذكر، والله أعلم، أن يجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويأتي ما يجب [أن يؤتى، وينتهي عما يجب أن ينتهي]، ويتبع جميع أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ ﴾ لرسول الله، يحتمل على تبليغ الرسالة إليهم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: استقم على ما أمرت ومن آمن معك - أيضاً - يستقيم على ما أمروا.
والثاني: يقول: امض إلى ما أمرت حرف ﴿ كَمَآ ﴾ يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما على ما أمرت، وإلى ما أمرت.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ من الشرك، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا وأدّوا بلسانهم ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ قال بعضهم الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ هذا وعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قال الحسن: هو صلة قوله: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار.
قال الحسن: بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة.
الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.
﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في دفع العذاب عنهم، أو إحداث نفع لهم.
﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ لا ناصر لهم دونه، ولا مانع، والله أعلم.
وتأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في ظلمهم ﴿ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسّه النار، وكأنه إنما خاطب به الأتباع؛ يقول: لا تركنوا إلى الكبراء منهم والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار.
وقال بعض أهل التأويل نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في رسول الله حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه؛ يقول: ولا تميلوا إلى أهل الشرك، ولا تلحقوا بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : صلاة المغرب، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث: صلاة الفجر في الطرف الأوّل، وصلاة العصر في الطرف الأخير ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ [صلاة المغرب؛ لأنه ذكر زلفاً من الليل، والزلف هي القرب منه؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة إليه؛ فيكون قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ ] أي: قريباً من طرفي النهار من الليل، وهو المغرب، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ذكر دلوك الشمس، وهو زوال الشمس، وغسق الليل: العشاء، أو في قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : صلاة العصر، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : صلاة العشاء ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : صلاة الظهر، وليس لصلاة المغرب ذكر في الآية، لكنها ذكرت في قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : هو ساعات الليل، إلا أن بعض أهل التأويل صرفوها إلى الصلوت الخمس، وقالوا: قوله: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : صلاة الصبح والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ المغرب والعشاء.
وقال الحسن: هما زلفتان من الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى ذلك جاءت الآثار في قوله ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الحسنات هي الصلوات الخمس.
وروي "أن رجلا أصاب من امرأة كل شيء إلا الجماع، فندم على ذلك، فأتى رسول الله، فسأله، فقال رسول الله : ما أدري ما أرد عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله.
قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت الصلاة، فلما فرغ من صلاته نزل عليه جبريل بتوبته فقال: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ غدوة وعشية، صلاة الغداة والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ .
﴿ ذٰلِكَ ﴾ : يعني: الصلوات الخمس ﴿ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ قال: توبة للتائبين، فقرأ رسول الله فقال عمر: يا رسول الله، أخاص له أم عام؟
قال، لا، بل عام للناس كلهم" فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك.
وعن عثمان - في بعض الأخبار - أنه سمع النبي يقول: "الصلوات الخمس الحسنات يذهبن السيئات فقالوا: فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟
فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "الصلوات كفارات الخطايا، واقرءوا إن شئتم: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ " وعن ابن عباس: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وعن جابر قال: قال رسول الله : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" والأخبار في هذا كثيرة.
وقال بعضهم: فيه ذكر أربع صلوات، يقول: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : الفجر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : المغرب والعشاء.
وقد جاءت الآثار في أن الحسنات هن خمس صلوات.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال بعضهم: فعل الصلوات نفسها، وهو ما ذكرنا من الأخبار إن ثبت.
وقال بعضهم: نفس الصلاة لا تكفر، ولكن تذكر ما ارتكب من الذنوب فيندم عليها؛ فذلك يكفر، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ...
﴾ الآية، أخبر أن الصلاة تنهى، ولا تنهى إلا بعد أن تذكر ذلك.
وقال بعضهم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ؛ أي: تمنع عن الفحشاء؛ أي: ما دام فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الصلوات وغيرها من الحسنات؛ فيه إخبار أن من الحسنات [ما يكفر] شيئاً من السيئات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الذي سبق ذكره ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ عظة للمتعظين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ظاهر ما ذكر من الكلام أن يقول: فإن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ لأنه ذكر الصبر بقوله: ﴿ ٱصْبِر ﴾ لكن يحتمل قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ عن الشرور كلها وأحسن، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم.
أو يقول: اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات، أو تبليغ ما كلفت التبليغ إليهم.
ويحتمل وجهاً آخر: اصبر على أذاهم ولا تكافئهم [فإذا لم تكافئهم] فقد أحسنت إليهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أو يقول هو له: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ والله أعلم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : ساعات من الليل.
وقال: الزلفة: المرحلة، والزلفة: القربة؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ أي: لقربة.
وقال أبو عبيدة: الزلف: [جمع] زلفة، وهي الساعة، وهي المنزلة [على ما قلناه].
<div class="verse-tafsir"
واصبر على فعل ما أمرت به من الاستقامة وغيرها، وعلى ترك ما نهيت عنه من الطغيان والركون إلى الظلمة، إن الله لا يبطل ثواب المحسنين، بل يتقبل منهم أحسن الَّذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
<div class="verse-tafsir" id="91.lR6jn"