الآية ٣٨ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣٨ من سورة يوسف

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) يقول : هجرت طريق الكفر والشرك ، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى ، واتبع المرسلين ، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلمه ، ويجعله إماما يقتدى به في الخير ، وداعيا إلى سبيل الرشاد .

( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ) هذا التوحيد ، وهو الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ( من فضل الله علينا ) أي : أوحاه إلينا ، وأمرنا به ) وعلى الناس ) إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) أي : لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم ، بل ( بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) [ إبراهيم : 28 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس; أنه كان يجعل الجد أبا ، ويقول : والله فمن شاء لاعناه عند الحجر ، ما ذكر الله جدا ولا جدة ، قال الله تعالى - يعني إخبارا عن يوسف : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) قال أبو جعفر : يعني بقوله: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب)، واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك ، (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء)، يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته ، بل الذي علينا إفراده بالألُوهة والعبادة ، (ذلك من فضل الله علينا)، يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام ، وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ، من فضل الله الذي تفضّلَ به علينا ، فأنعم إذ أكرمنا به ، (وعلى الناس)، يقول: وذلك أيضًا من فضل الله على الناس ، إذ أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته ، (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)، يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه ، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضِّل به .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19287 - حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (ذلك من فضل الله علينا)، أن جعلنا أنبياء ، (وعلى الناس) ، يقول: أن بعثنا إليهم رسلا.

19288 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس)، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةِ غيرِ منعم عليه لا يدري، وربّ حامل فقه غيرِ فقيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أنبياء على الحق ." ما كان " أي ما ينبغي .لنا أن نشرك بالله من شيء " من " للتأكيد ، كقولك : ما جاءني من أحد .ذلك من فضل الله علينا إشارة إلى عصمته من الزنا ." وعلى الناس " أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك .

وقيل : ذلك من فضل الله علينا إذ جعلنا أنبياء ، وعلى الناس إذ جعلنا الرسل إليهم .ولكن أكثر الناس لا يشكرون على نعمة التوحيد والإيمان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ثم فسر تلك الملة بقوله: { مَا كَانَ لَنَا } أي: ما ينبغي ولا يليق بنا { أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة.

{ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل.

{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتيين لما تقرر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال -وأنه محسن معلم- ذكر لهما أن هذه الحالة التي أنا عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، فبهذا وصلت إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلكا ما سلكت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) أظهر أنه من ولد الأنبياء ( ما كان لنا ) ما ينبغي لنا ( أن نشرك بالله من شيء ) معناه : أن الله قد عصمنا من الشرك ( ذلك ) التوحيد والعلم ( من فضل الله علينا وعلى الناس ) ما بين لهم من الهدى ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ثم دعاهما إلى الإسلام فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان» ينبغي «لنا أن نشرك بالله من» زائدة «شيء» لعصمتنا «ذلك» التوحيد «من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس» وهم الكفار «لا يشكرون» الله فيشركون ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واتبعت دين آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب فعبدت الله وحده، ما كان لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته، ذلك التوحيد بإفراد الله بالعبادة، مما تفضل الله به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمة التوحيد والإيمان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم ، يقتضى دخلو فى ملة قوم آخرين ، تراهيصرح بالملة التى اتبعها فيقولك ( واتبعت مِلَّةَ آبآئي ) الكرام المؤمنين بوحدانية الله وبالآخرة وما فيها من حساب وجزاء .( إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) وسماهم آباء جميعا ، لأن الأجداد آباء ، وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب ، لكون إبراهيم هو أصل تلك الملة التى اتبعها ، ثم تلقاها عنه إسحاق ، ثم تلقاها عن إسحاق يعقوب - عليهم السلام - .وفى هذه الجملة الكريمة ، بيان منه - عليه السلام - لرفيقيه فى السجن ، بأنه من سلسلة كريمة ، كلها أنبياء ، فحصل له بذلك الشرف الذى ليس بعده شرف ، وقوله ( مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ ) تنزه عن الشرك بأبلغ وجه .أى : ما صح وما استقام لنا أن نشرك بالله - تعالى - أى شئ من الإِشراك ، فنحن أهل بيت النبوة الذين عصمهم الله - تعالى - عن ذلك .و " من " فى قوله " من شئ " لتأكيد النفى وتعميمه .

أى : ما كان لنا أهل هذا البيت الكريم أن نشرك بالله شيئا من الإِشراك ، قليلا ذلك الشئ أو حقيرا .وقوله ( ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس .

.

.

) اعتراف منه - عليه السلام - برعاية الله - تعالى - له ولآبائه .واسم الإِشارة .

يعود إلى الإيمان بالله - تعالى - المدلول عليه بنفى الشرك .أى : ذلك الإِخلاص لله - تعالى - فى العبادة ، كائن من فضله - سبحانه - علينا معاشر هذا البيت ، وعلى غيرنا من الناس ، الذين هداهم إلى الإِيمان الحق .وقوله : ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ) إنصاف للقلة الشاكرة لله - تعالى - .أى : ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله - تعالى - على نعمه الجزيلة وآلائه التى لا تحصى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلابد هاهنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة.

الثاني: لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقاً على كل الناس في علم التعبير كان أولى، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقاً في علم التعبير واصلاً فيه إلى ما لم يصل غيره، والثالث: قال السدي: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ﴾ في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره، ولذلك قال: ﴿ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ الرابع: لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله: فأورد عليهما ما دل على كونه رسولاً من عند الله تعالى، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا، والخامس: لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر، ولا يستوجب العقاب الشديد ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ  ﴾ والسادس: قوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ محمول على اليقظة، والمعنى: أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو، وأي لون هو، وكم هو، وكيف يكون عاقبته؟

أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم، وفيه وجه آخر، قيل: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً فأرسله إليه، فقال يوسف لا يأتيكما طعام ألا أخبرتكما أن فيه سماً أم لا، هذا هو المراد من قوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب، وهو يجري مجرى قوله عيسى عليه السلام، ﴿ وأُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ  ﴾ فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقاً في علم التعبير، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبياً صادقاً من عند الله تعالى.

فإن قيل: كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة؟

قلنا: إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لابد وأن يقال: إنه كان قد ذكره، وأيضاً ففي قوله: ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى ﴾ وفي قوله: ﴿ واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي ﴾ ما يدل على ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى ﴾ أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله.

ثم قال: ﴿ إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: في قوله: ﴿ إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة.

فنقول جوابه من وجوه: الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضاً فيه.

والثاني: وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبداً لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفاً منهم على سبيل التقية، ثم إنه أظهره في هذا الوقت، فكان هذا جارياً مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر.

المسألة الثانية: تكرير لفظ ﴿ هُمْ ﴾ في قوله: ﴿ وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون ﴾ لبيان اختصاصهم بالكفر، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد.

واعلم أن قوله: ﴿ إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ إشارة إلى علم المبدأ.

وقوله: ﴿ وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون ﴾ إشارة إلى علم المعاد، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد، وإن ما وراء ذلك عبث.

ثم قال تعالى: ﴿ واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر هذا الكلام.

الجواب: أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله، فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه، وأيضاً فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمراً مشهوراً في الدنيا، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال، فكان انقيادهم له أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل.

السؤال الثاني: لما كان نبياً فكيف قال: إني اتبعت ملة آبائي، والنبي لابد وأن يكون مختصاً بشريعة نفسه.

قلنا: لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير، وأيضاً لعله كان رسولاً من عند الله، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيء ﴾ وحال كل المكلفين كذلك؟

والجواب: ليس المراد بقوله: ﴿ مَا كَانَ لَنَا ﴾ أنه حرم ذلك عليهم، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر، ونظيره قوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ .

السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ .

الجواب: أن أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة، فقوله: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيء ﴾ رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق، وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله.

ثم قال: ﴿ ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ﴾ وفيه مسألة.

وهي أنه قال: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيء ﴾ .

ثم قال: ﴿ ذلك مِن فَضْلِ الله ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من عدم الإشراك، فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله.

ثم بين أن الأمر كذلك في حقه بعينه، وفي حق الناس.

ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان، حكي أن واحداً من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر، وقال: هل تشكر الله على الإيمان أم لا.

فإن قلت: لا، فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلاً له، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل والآلة، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة، فأما أن نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلاً له، فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال: إنا لا نشكر الله على الإيمان، بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ أولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا  ﴾ فقال بشر: لما صعب الكلام سهل.

واعلم أن الذين ألزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية، وذلك لأنه تعالى بين أن عدم الإشراك من فضل الله، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، وإنما ذكره على سبيل الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الإيمان وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة.

قال القاضي قوله: ﴿ ذلك ﴾ إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد فهو من فضل الله تعالى لأنه إنما حصل بألطافه وتسهيله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النبوة.

والجواب: أن ذلك إشارة إلى المذكور السابق، وذاك هو ترك الإشراك فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى، والقاضي يصرفه إلى الألطاف والتسهيل، فكان هذا تركاً للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد، لأن اللفظ الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات وهو هاهنا عدم الإشراك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، وفيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده- وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين- لم يكن من باب التزيكة ﴿ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ ببيان ماهيته وكيفيته؛ لأنّ ذلك يشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه ﴿ ذلكما ﴾ إشارة لهما إلى التأويل، أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ﴿ مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى ﴾ وأوحي به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجم ﴿ إِنّى تَرَكْتُ ﴾ يجوزأن يكون كلاماً مبتدأ، وأن يكون تعليلاً لما قبله.

أي علمني ذلك وأوحي إليّ؛ لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قوماً مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء، ويجوز أن يكون فيه تعريض بما مني به من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأنّ ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما أنه من بيت النبوّة بعد أن عرّفهما أنه نبيّ يوحى إليه، بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله: ﴿ مَا كَانَ لَنَا ﴾ ما صحّ لنا معشر الأنبياء ﴿ أَن نُّشْرِكَ بالله ﴾ أي شيء كان من ملك أو جنيّ أو إنسيّ، فضلاً عن أن نشرك به صنماً لا يسمع ولا يبصر، ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ﴾ أي على الرسل وعلى المرسل إليهم؛ لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس ﴾ المبعوث إليهم ﴿ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ فضل الله فيشركون ولا ينتبهون وقيل: إنَّ ذلك من فضل الله علينا لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدلّ بها.

وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يستدلون اتباعاً لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ، أوْ بِتَأْوِيلِ الطَّعامِ يَعْنِي بَيانَ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّهُ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ ويُرْشِدَهُما إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ قَبْلَ أنْ يُسْعِفَ إلى ما سَألاهُ مِنهُ كَما هو طَرِيقَةُ الأنْبِياءِ والنّازِلِينَ مَنازِلَهم مِنَ العُلَماءِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدَّمَ ما يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ لِيَدُلَّهُما عَلى صِدْقِهِ في الدَّعْوَةِ والتَّعْبِيرِ.

﴿ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ.

﴿ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ بِالإلْهامِ والوَحْيِ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّكَهُّنِ أوِ التَّنْجِيمِ.

﴿ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ.

﴿ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِتَمْهِيدِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والوُثُوقِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ لِلْحامِلِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ حَتّى يُعْرَفَ فَيُقْتَبَسُ مِنهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ.

﴿ ما كانَ لَنا ﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ.

﴿ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيِّ شَيْءٍ كانَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ.

﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ بِالوَحْيِ.

﴿ وَعَلى النّاسِ ﴾ وعَلى سائِرِ النّاسِ يَبْعَثُنا لِإرْشادِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.

﴿ لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذا الفَضْلَ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَتَنَبَّهُونَ، أوْ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها فَيُلْغُونَها كَمَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} وهى الملة الحنيفية وتكريرهم للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه {ما كان لنا} ماصح لنا معشر الأنبياء {أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء} أي شيء كان صنماً أو غيره ثم قال {ذلك} التوحيد {مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} فضل الله فيشركون به ولا ينتهون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما فُزْتُ بِما فُزْتُ بِسَبَبِ أنِّي لَمْ أتَّبِعْ مِلَّةَ قَوْمٍ كَفَرُوا بِالمَبْدَأِ والمَعادِ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي الكِرامِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَرْغِيبًا لِصاحِبَيْهِ في الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وتَنْفِيرًا لَهُما عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقَدَّمَ ذِكْرَ تَرْكِهِ لِمِلَّتِهِمْ عَلى ذِكْرِ اِتِّباعِهِ لِمِلَّةِ آبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَعْلِيلٌ وإنَّما الجُمْلَةُ الأُولى مُسْتَأْنِفَةٌ ذُكِرَتْ تَمْهِيدًا لِلدَّعْوَةِ، والثّانِيَةُ إظْهارًا لِأنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى الرَّغْبَةُ فِيهِ، وفي كَلامِ أبِي حَيّانَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ الظّاهِرُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ والكُوفِيُّونَ (آبائِي) بِإسْكانِ الياءِ وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ما كانَ) ما صَحَّ وما اسْتَقامَ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ (لَنا) مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لِقُوَّةِ نُفُوسِنا، وقِيلَ: أيْ أهْلُ هَذا البَيْتِ لِوُفُورِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِنا ﴿ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا أيَّ شَيْءٍ كانَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنِ الصَّنَمِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ -فَمِن- زائِدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا فَيُرادُ مِن (شَيْءٍ) المَصْدَرُ وأمْرُ العُمُومِ بِحالِهِ، ويَلْزَمُ مِن عُمُومِ ذَلِكَ عُمُومُ المُتَعَلِّقاتِ (ذَلِكَ) أيِ التَّوْحِيدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِنَفْيِ صِحَّةِ الشِّرْكِ ﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ أيْ ناشِئٌ مِن تَأْيِيدِهِ لَنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ بِأقْسامِهِ، والمُرادُ أنَّهُ فَضْلٌ عَلَيْنا بِالذّاتِ ﴿ وعَلى النّاسِ ﴾ بِواسِطَتِنا ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لا يُوَحِّدُونَ، وحَيْثُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِذَلِكَ العُنْوانِ عَبَّرَ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يُوجِبُهُ بِالشُّكْرِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن آثارِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ شُكْرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى النّاسِ لِزِيادَةِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ، ولِقَطْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى مَجْمُوعِ النّاسِ وما كُنِّيَ عَنْهُ -بِنا- المُوهِمُ لِعَدَمِ اِخْتِصاصِ غَيْرِ الشّاكِرِ بِالنّاسِ، وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ التَّوْحِيدُ ناشِئٌ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حَيْثُ نَصَبَ لَنا أدِلَّةً نَنْظُرُ فِيها ونَسْتَدِلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ نَصَبَ مِثْلَ تِلْكَ الأدِلَّةِ لِسائِرِ النّاسِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ فَيَبْقَوْنَ كافِرِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ، والفَضْلُ عَلى هَذا عَقْلِيٌّ، وعَلى الأوَّلِ سَمْعِيٌّ، وجَوَّزَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ أنْ يُقالَ: المَعْنى ذَلِكَ التَّوْحِيدُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حَيْثُ أعْطانا عُقُولًا ومَشاعِرَ نَسْتَعْمِلُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي مَهَّدَها في الأنْفُسِ والآفاقِ، وقَدْ أعْطى سائِرَ النّاسِ أيْضًا مِثْلَها ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ أيْ لا يَصْرِفُونَ تِلْكَ القُوى والمَشاعِرَ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ ولا يَسْتَعْمِلُونَها فِيما ذَكَرَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ انْتَهى، ولَكَ أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ -بِذَلِكُما- ويُرادُ ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ مِن عِلْمِهِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ أوَّلًا بِأنَّهُ مِمّا عَلَّمَهُ إيّاهُ رَبُّهُ، وثانِيًا بِأنَّهُ بَعْضُ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آبائِهِ بِالذّاتِ وعَلى النّاسِ بِواسِطَتِهِمْ لِأنَّهم يَعْبُرُونَ لَهم رُؤْياهم فَيَكْشِفُونَ ما أُبْهِمَ عَلَيْهِمْ ويُزِيلُونَ عَنْهم ما أشْغَلَ أذْهانَهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا نائِمٌ أوْ مُتَناوِمٌ، ومَن وقَفَ عَلى ما تَرَتَّبَ عَلى تَعْبِيرِ رُؤْيا المَلِكِ مِنَ النَّفْعِ الخاصِّ والعامِّ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ فَضْلَ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا أوْ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ مَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في تَعْبِيرِ رُؤْياهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ لِمَن سَألَكَ عَنْ زَيْدٍ: ذَلِكَ أخِي ذَلِكَ حَبِيبِي، لَكِنَّهُ وسَّطَ هَهُنا ما وسَّطَ وتَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ فَأتى بِاسْمِ الإشارَةِ أوَّلًا مَقْرُونًا بِخِطابِهِما ولَمْ يَأْتِ بِهِ ثانِيًا كَذَلِكَ، وأتى بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ أوَّلًا وبِالِاسْمِ الجَلِيلِ ثانِيًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ في المَوْضِعَيْنِ الإخْبارَ بِالمَغِيباتِ مُطْلَقًا، والكَلامُ في سائِرِ الآيَةِ عَلَيْهِ لا أظُنُّهُ مُشْكِلًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يُنافِي تَعْلِيلُ نَيْلِ تِلْكَ الكَرامَةِ -بِتَرْكِهِ مِلَّةَ الكَفَرَةِ واتِّباعِهِ مِلَّةَ آبائِهِ الكِرامِ- الإخْبارَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى مَن مَعَهُ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ إنَّ حَمْلَ الإشارَةِ عَلى ما ذُكِرَ وتَوْجِيهَ الآيَةِ عَلَيْهِ بِما وُجِّهَتْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى النُّبُوَّةِ وفِيهِ ما فِيهِ أيْضًا، هَذا وأوْجَبَ الإمامُ كَوْنَ المُرادِ في قَوْلِهِ: ( لا يَشْكُرُونَ ) لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: وحَكى أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ فَقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ أمْ لا؟

فَإنْ قُلْتَ: لا فَقْدَ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ؟!

فَقالَ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنْ أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، وأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ فَذَلِكَ باطِلٌ، وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ، فَقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَشْكُرُهُ عَلَيْنا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ ، فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ الَّذِي التَزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ وهو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيها أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ لِئَلّا يَدْخُلَ في الذَّمِّ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ اهـ.

ولَعَلَّ الوَجْهَ في الآيَةِ ما تَقَدَّمَ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ يعني: اتبعت دينهم مَا كانَ لَنا أي: ما جاز لنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من الآلهة ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني: ويقال ذلك الإرسال الذي أرسل إليه بالنبوة من فضل الله عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ يعني: المؤمنين وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني: أهل مصر لاَ يَشْكُرُونَ النعمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام.

وقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.

وقوله: وَاتَّبَعْتُ ...

الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.

وقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ» : هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.

وقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله عزّ وجلّ.

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)

وقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ

متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.

وقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.

وقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ...

الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.

قال ع «٢» : وقول يوسف عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.

وقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ ﴾ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في اليَقَظَةِ إلّا أخْبَرْتُكُما بِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْكُما، لِأنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِما غابَ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في المَنامِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما في اليَقَظَةِ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقالا لَهُ: وكَيْفَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَسْتَ بِساحِرٍ، ولا عَرّافٍ، ولا صاحِبِ نُجُومٍ؛ فَقالَ: ﴿ ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: هَذا كُلُّه لَيْسَ بِجَوابِ سُؤالِهِما، فَأيْنَ جَوابُ سُؤالِهِما ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ، دَعاهُما إلى نَصِيبِهِما مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الجَوابِ لِما فِيهِ مِنَ المَكْرُوهِ لِأحَدِهِما، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ابْتَدَأ بِدُعائِهِما إلى الإيمانِ قَبْلَ جَوابِ السُّؤالِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ظَنَّهُما كاذِبَيْنِ في رُؤْياهُما، فَعَدَلَ عَنْ جَوابِهِما لِيُعْرِضا عَنْ مُطالَبَتِهِ بِالجَوابِ، فَلَمّا ألَحّا أجابَهُما، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَأمّا المِلَّةُ فَهي الدِّينُ.

وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: " هم " لِلتَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: أنَّ اللَّهَ عَصَمَنا مِنَ الشِّرْكِ ﴿ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ أيِ: اتِّباعُنا الإيمانَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.

﴿ وَعَلى النّاسِ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ بِأنْ دَلَّهم عَلى دِينِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ أنْ جَعَلَنا أنْبِياءَ ﴿ وَعَلى النّاسِ ﴾ أنْ بَعَثَنا إلَيْهِمْ، ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ مِن أهْلِ مِصْرَ ﴿ لا يَشْكُرُونَ ﴾ نِعَمَ اللَّهِ فَيُوَحِّدُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ " خَيْرٌ " أيْ: أعْظَمُ صِفَة ًفي المَدْحِ ﴿ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أحَقُّ بِالإلَهِيَّةِ مِنَ الأصْنامِ ؟

.

فَأمّا الواحِدُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وحْدَهُ، وقِيلَ: هو المُنْقَطِعُ القَرِينِ المَعْدُومُ الشَّرِيكِ، والنَّظِيرِ ولَيْسَ كَسائِرِ الآحادِ مِنَ الأجْسامِ المُؤَلِّفَةِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ يُدْعى واحِدًا مِن جِهَةٍ، غَيْرَ واحِدٍ مِن جِهاتٍ، والواحِدُ لا يُثَنّى مِن لَفْظِهِ، لا يُقالُ: واحِدانِ.

والقَهّارُ: الَّذِي قَهَرَ الجَبابِرَةَ مِن عُتاةِ خَلْقِهِ بِالعُقُوبَةِ.

وقَهَرَ الخَلْقَ كُلَّهم بِالمَوْتِ.

وقالَ غَيْرُهُ: القَهّارُ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ فَذَلَّـلَهُ، فاسْتَسْلَمَ وذَلَّ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ ﴿ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ رُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَلِمَ شِدَّةَ تَعْبِيرِ مَنامَةِ رائِي الخُبْزِ وأنَّها تُؤْذِنُ بِقَتْلِهِ ذَهَبَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ عَسى ألّا يُطالِباهُ بِالتَعْبِيرِ، فَقالَ لَهُما -مُعْلِمًا بِعَظِيمِ عِلْمِهِ لِلتَّعْبِيرِ-: إنَّهُ لا يَجِيئُكُما طَعامٌ في نَوْمِكُما تَرَيانِ أنَّكُما رُزِقْتُماهُ إلّا أعْلَمْتُكُما بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الطَعامِ، أيْ: بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في اليَقَظَةِ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ التَأْوِيلُ الَّذِي أُعْلِمُكُما بِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا: ومِن أيْنَ لَكَ ما تَدَّعِيهِ مِنَ العِلْمِ وأنْتَ لَسْتَ بِكاهِنٍ ولا مُنَجِّمٍ؟

فَقالَ لَهُما: ﴿ ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ ، ثُمَّ نَهَضَ يُنْحِي لَهُما عَلى الكُفْرِ ويُحَسِّنُ لَهُما الإيمانَ بِاللهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَصَدَ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: تَنْسِيَتُهُما أمْرَ تَعْبِيرِ ما سَألا عنهُ؛ إذْ في ذَلِكَ النِذارَةُ بِقَتْلِ أحَدِهِما، والآخَرِ: الطَماعِيَةُ في إيمانِهِما؛ لِيَأْخُذَ المَقْتُولُ بِحَظِّهِ مِنَ الإيمانِ وتَسْلُمُ لَهُ آخِرَتُهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجَ: أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ في اليَقَظَةِ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما مِنهُ بِعِلْمٍ، وبِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكَ المَآلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما أعْلَمَهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ مُغَيَّباتٍ لا تَعَلُّقَ لَها بِرُؤْيا، وقَصَدَ بِذَلِكَ أحَدَ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وهَذا عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهُ نُبِّئَ في السِجْنِ، فَإخْبارُهُ كَإخْبارِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجَ: كانَتْ عادَةَ ذَلِكَ المَلِكِ إذا أرادَ قَتْلَ أحَدٍ مِمَّنْ في سِجْنِهِ بَعَثَ إلَيْهِ طَعامًا يَجْعَلُهُ عَلامَةً لِقَتْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ولا يَنْهَضُ بِهِ إسْنادُ.

وقَوْلُهُ: "تَرَكْتُ" مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِها -جائِزٌ صَحِيحٌ، وذَلِكَ أنَّهُ عَبَّرَ عن تَجَنُّبِهِ مِن أوَّلَ بِالتَرْكِ، وساقَ لَفْظَةَ التَرْكِ اسْتِجْلابًا لَهُما عَسى أنْ يَتَوَكَّأ التَرْكُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي هو بَعْدَ الأخْذِ في الشَيْءِ، والقَوْمُ المَتْرُوكُ مِلَّتُهُمِ: المَلِكُ وأتْباعَهُ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: "وَهُمْ" عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفاصِلَةِ الَّتِي بَيْنَهُما.

وقَوْلُهُ: "واتَّبَعْتُ" الآيَةُ.

تَمادٍ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ في دُعائِهِما إلى المِلَّةِ الحَنِيفَةِ، وزَوالٌ عن مُواجَهَةِ (مجلث) لِما تَقْتَضِيهِ رُؤْياهُ.

وقَرَأ "ءاباءِي?" بِالإسْكانِ في الياءِ، الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ وأبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آبائِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما حَسَنَتانِ فاقْرَأْ كَيْفَ شِئْتَ، وأمّا طَرْحُ الهَمْزَةِ فَلا يَجُوزُ، ولَكِنَّ تَخْفِيفَها جَيِّدٌ، فَتَصِيرُ ياءً مَكْسُورَةً بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ أو مَفْتُوحَةٍ.

وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى مِلَّتِهِمْ وشَرْعِهِمْ، وكَوْنِ ذَلِكَ فَضْلًا عَلَيْهِمْ بَيِّنٌ؛ إذْ خَصَّهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، وجَعَلَهم أنْبِياءَ، وكَوْنُهُ فَضْلًا عَلى الناسِ هو إذْ يَدْعَوْنَ بِهِ إلى الدِينِ، ويُساقُونَ إلى النَجاةِ مِن عَذابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: " مِن شَيْءٍ " هي "مِنِ" الزائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الجَحْدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَشْكُرُونَ ﴾ يُرِيدُ الشُكْرَ التامَّ الَّذِي فِيهِ الإيمانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ قال لا يأتيكما ﴾ جواب عن كلامهما ففصلت على أسلوب حكاية جمل التحاور.

أراد بهذا الجواب أن يفترص إقبالَهما عليه وملازمة الحديث معه إذ هما يترقبان تعبيره الرؤيا فيدمج في ذلك دعوتهما إلى الإيمان الصحيح مع الوعد بأنّه يعبّر لهما رؤياهما غير بعيد، وجعل لذلك وقتاً معلوماً لهم، وهو وقت إحضار طعام المساجين إذ ليس لهم في السجن حوادث يوقتون بها، ولأن انطباق الأبواب وإحاطة الجدران يحول بينهم وبين رؤية الشمس، فليس لهم إلا حوادث أحوالهم من طعام أو نوم أو هبوب منه.

ويظهر أن أمد إتيان الطعام حينئذٍ لم يكن بعيداً كما دل عليه قوله: ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ من تعجيله لهما تأويل رؤياهما وأنه لا يتريث في ذلك.

ووصف الطعام بجملة ﴿ ترزقانه ﴾ تصريح بالضبط بأنه طعام معلوم الوقت لا ترقب طعام يهدى لهما بحيث لا ينضبط حصوله.

وحقيقة الرزق: مَا به النفع، ويطلق على الطعام كقوله: ﴿ وجَد عندها رزقا ﴾ [سورة آل عمران: 37] أي طعاماً، وقوله في سورة الأعراف (50) ﴿ أو ممّا رزقكم الله ﴾ وقوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ [سورة مريم: 62].

ويطلق على الإنفاق المتعارف كقوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ [سورة النساء: 5].

ومن هنا يطلق على العطاء الموقت، يقال: كان بنو فلان من مرتزقة الجند، ورزق الجند كذا كل يوم.

وضمير بتأويله } عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ بتأويله ﴾ [سورة يوسف: 36] الأول، وهو المرئي أو المنام.

ولا ينبغي أن يعود إلى طعام إذ لا يحسن إطلاق التأويل عن الأنباء بأسماء أصناف الطعام خلافاً لما سلكه جمهور المفسرين.

والاستثناء في قوله: إلاّ نَبّأتكما بتأويله} استثناء من أحوال متعددة تناسب الغرض، وهي حال الإنباء بتأويل الرؤيا وحال عدمه، أي لا يأتي الطعام المعتاد إلا في حال أني قد نبأتكما بتأويل رؤياكما، أي لا في حال عدمه.

فالقصر المستفاد من الاستثناء إضافي.

وجردت جملة الحال من الواو (وقَد) مع أنها مَاضية اكتفاء بربط الاستثناء كقوله تعالى: ﴿ ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ﴾ [سورة التوبة: 121].

وجملة ذلكما مما علمني ربي} استئناف بياني، لأنّ وعده بتأويل الرؤيا في وقت قريب يثير عجب السائلين عن قوة علمه وعن الطريقة التي حصل بها هذا العلم، فيجيب بأن ذلك مما علمه الله تخلصاً إلى دعوتهما للإيمان بإلهٍ واحد.

وكان القبط مشركين يدينون بتعدد الآلهة.

وقوله: ﴿ ممّا علمني ربي ﴾ إيذان بأنّه علّمه علوماً أخرى، وهي علوم الشريعة والحكمة والاقتصاد والأمانة كما قال: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ [سورة يوسف: 55].

وزاد في الاستيناف البياني جملة إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} لأن الإخبار بأن الله علّمه التّأويل وعلوماً أخرى مما يثير السؤال عن وسيلة حصول هذا العلم، فأخبر بأن سبب عناية الله به أنّه انفرد في ذلك المكان بتوحيد الله وترك ملة أهل المدينة، فأراد الله اختياره لديهم، ويجوز كون الجملة تعليلاً.

والملة: الدين، تقدم في قوله: ﴿ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ في سورة الأنعام (161).

وأراد بالقوم الذين لا يؤمنون بالله ما يشمل الكنعانيين الذين نشأ فيهم والقبط الذين شبّ بينهم، كما يدلّ عليه قوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ [سورة يوسف: 39]، أو أراد الكنعانيين خاصة، وهم الذين نشأ فيهم تعريضاً بالقبط الذين ماثلوهم في الإشراك.

وأراد بهذا أن لا يواجههم بالتشنيع استنزالاً لطائر نفورهم من موعظته.

وزيادة ضمير الفصل في قوله: هم كافرون} أراد به تخصيص قوم منهم بذلك وهم الكنعانيون، لأنهم كانوا ينكرون البعث مثل كفار العرب.

وأراد بذلك إخراج القبط لأن القبط وإن كانوا مشركين فقد كانوا يثبتون بعث الأرواح والجزاء.

والترك: عدم الأخذ للشيء مع إمكانه.

أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط مع حلوله بينهم، وكون مولاه متديناً بها.

وذكر آباءه تعليماً بفضلهم، وإظهاراً لسابقية الصلاح فيه، وأنه متسلسل من آبائه، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علّمه ربّه فحصل له بذلك الشرف العظامي والشرف العصامي.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكرم الناس: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيء ابن نبيء ابن نبيء ابن نبيء».

ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف عليه السّلام إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة، أو إذا كان إخوة يوسف عليه السّلام غير أنبياء على رأي فريق من العلماء.

وأراد باتّباع ملّة آبائه اتباعَها في أصولها قبل أن يعطى النبوءة إذا كان فيما أوحي إليه زيادة على ما أوحي به إلى آبائه من تعبير الرؤيا والاقتصاد؛ أو أن نبوءته كانت بوحي مثل ما أوحي به إلى آبائه، كقوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً إلى قوله أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه ﴾ [سورة الشورى: 13].

وذكر السلف الصالح في الحقّ يزيد دليل الحقّ تمكّناً، وذكر ضدهم في الباطل لقصد عدم الحجة بهم بمجردهم.

كما في قوله الآتي: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ﴾ [سورة يوسف: 40].

وجملة ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } في قوة البيان لما اقتضته جملة ﴿ واتّبعتُ ملة آبائي ﴾ من كون التوْحيد صار كالسجية لهم عرف بها أسلافه بين الأمم، وعرّفهم بها لنفسه في هذه الفرصة.

ولا يخفى ما تقتضيه صيغة الجحود من مبالغة انتفاء الوصف على الموصوف، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ في سورة آل عمران (79)، وعند قوله تعالى: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ ﴾ في آخر سورة العقود (116).

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ مِن شيء ﴾ مزيدة لتأكيد النفي.

وأدخلت على المقصود بالنفي.

وجملة ﴿ ذلك من فضل الله علينا ﴾ زيادة في الاستئناف والبيان لقصد الترغيب في اتباع دين التوحيد بأنه فضل.

وقوله: ﴿ وعلى الناس ﴾ أي الذين يتبعونهم، وهو المقصود من الترغيب بالجملة.

وأتَى بالاستدراك بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ للتصريح بأن حال المخاطبين في إشراكهم حال من يكفر نعمة الله، لأن إرسال الهداة نعمة ينبغي أن ينظر الناس فيها فيعلموا أن ما يدعونَهم إليه خير وإنقاذ لهم من الانحطاط في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولأن الإعراض عن النظر في أدلة صدق الرسل كفر بنعمة العقل والنظر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في النَّوْمِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما في اليَقَظَةِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في اليَقَظَةِ إلّا نَبَّأتْكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَكُما لِأنَّهُ كانَ يُخْبَرُ بِما غابَ مِثْلَ عِيسى، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلِكَ كانَ مِن عادَتِهِ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْرُوفًا وأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَكَرِهَ يُوسُفُ تَعْبِيرَ رُؤْيا السُّوءِ قَبْلَ الإياسِ مِن صاحِبِها لِئَلّا يُخَوِّفَهُ بِها فَوَعَدَهُ بِتَأْوِيلِها عِنْدَ وُصُولِ الطَّعامِ إلَيْهِ، فَلَمّا ألَحَّ عَلَيْهِ عَبَّرَها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَكَذَلِكَ رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (مَن رَأى رُؤْيا فَلا يَقُصَّها إلّا عَلى حَبِيبٍ أوْ لَبِيبٍ)» .

﴿ ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ يَعْنِي تَأْوِيلَ الرُّؤْيا.

﴿ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ وإنَّما عَدَلَ عَنْ تَأْوِيلِ ما سَألاهُ عَنْهُ لِما كانَ فِيها مِنَ الكَرامَةِ، وأخْبَرَ بِتَرْكِ مِلَّةِ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ثُبُوتِهِ وحَثًّا لَهم عَلى طاعَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أنْ جَعَلَنا أنْبِياءَ، وعَلى النّاسِ أنْ بَعَثَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا في أنْ بَرَّأنا مِنَ الزِّنا، وعَلى النّاسِ مِن أنْ خَلَّصَهم مِن مَأْثَمِ القَذْفِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام» .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: فاخر أسماء بن خارجة الفزاري رجلاً فقال: أنا من الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأخرج الحاكم عن عمر رضي الله عنه؛ أنه استأذن عليه رجل فقال: استأذنوا لابن الأخيار، فقال عمر: ائذنوا له، فلما دخل قال: من أنت؟

قال: فلان ابن فلان ابن فلان، قعدّ رجالاً من أشراف الجاهلية، فقال له عمر رضي الله عنه: أنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؟!

قال: لا.

قال: ذاك من الأخيار، وأنت في الأشرار، إنما تَعُدّ لي جبال أهل النار.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يجعل الجد أباً ويقول: من شاء لاعناه عند الحجر ما ذكر الله جداً ولا جدة، قال الله إخباراً عن يوسف عليه السلام ﴿ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذلك من فضل الله علينا ﴾ قال: إن جعلنا أنبياء ﴿ وعلى الناس ﴾ قال: إن جعلنا رسلاً إليهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ﴾ قال: إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما في الناس من نعمة الله، ذكر لنا أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول: يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا ﴾ قال أبو إسحاق (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى النَّاسِ ﴾ قال الكلبي (٤) (٥) ﴿ وَعَلَى النَّاسِ ﴾ بأن دلهم على دينه المؤدي إلى صلاحهم، وروي عن ابن عباس (٦) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ .

قال ابن عباس (٧) (٨) (١) "زاد المسير" 4/ 225.

(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.

(٤) "تنوير المقباس" ص 149، و"زاد المسير" 4/ 225.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.

(٦) الطبري 12/ 218، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2145، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 35، و"زاد المسير" 4/ 225.

(٧) "زاد المسير" 4/ 225.

(٨) في (ب): (بعث) بباء واحدة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ ﴾ أي شابان، وقيل: هنا محذوف لابد منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وكذلك سأله الفتيان عن منامهما، وقيل: إنهما استعملاها ليجرباه، وقيل رأيا ذلك حقاً ﴿ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ قيل فيه: سمى العنب خمراً بما يؤول إليه وقيل: هي لغة ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ قيل: معناه في تأويل الرؤيا، وقيل: إحسانه إلى أهل السجن ﴿ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ﴾ الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم، ليجعل ذلك وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل مايأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي ﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟

فقال: ذلكما مما علمني ربي ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلاً لما قبله من قوله: علمني ربي أو يكون استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ .

قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.

﴿ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ .

وقال بعضهم: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمراً باسم سببه وباسم أصله، [وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله].

﴿ وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ﴾ كان أحدهما خبازاً للملك، والآخر ساقيه.

﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضي، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربّه.

هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسناً لذلك.

ويشبه أن يكون قالوا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسناً لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه.

والآخر كان خبّازاً؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائماً منتصباً، فأول على ما كان أمره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من الله  للرسل عليهم السلام.

وقوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أنه ترك: ﴿ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذاً بغيره؛ وهو كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها.

وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا  ﴾ ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة.

وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها.

فعلى ذلك الأول.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .

قال في الآية الأولى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله، وهو ليس بكافر.

ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر.

﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، وصرف العبادة إليه.

وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملّة كفر، وملة إسلام.

وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر.

ثم خص بذكر هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام.

والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .

أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم.

وقول الله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه؛ فقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ ، وقال: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟

لأنه إذا عبد بعضاً واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعاً، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.

والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ .

من الأصنام والأوثان.

﴿ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .

آلهة.

﴿ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ﴾ .

ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض.

﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .

أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان.

﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ .

أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ليس كما تقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ يقول: ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله].

أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ  ﴾ أي: له الخلق وله الأمر في الخلق.

و ﴿ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .

حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .

أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان.

والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: المستقيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به.

أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل.

وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب والقتل: لم أر شيئاً؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ وانتهى، لكن هذا لا يعلم: أقالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عَبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ .

قال بعضهم: ظن الذي صدق [يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج.

وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان الذي ظن] هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ  ﴾ .

ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه، وهو على التقديم والتأخير.

وقوله - عز وجل: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله [وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله]؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على يديه، وأنه بقي فيه منسيّاً؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، أو لينقطع ذلك الخبر [عن ألسن] الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكّره؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله.

وهكذا جعل الله  أمور الدنيا كلها بأسباب.

وعلى ذلك تعبّد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ومن عنده يُنصرون.

وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ  ﴾ وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ذكرناه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في حبسه؛ فقال لذلك ما قال.

والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد؛ حيث قال: ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ذكر ربه، وهذا أشبه، والأوّل بعيد؛ لأنه قال في آخره: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ ، أي: بعد حين ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ  ﴾ دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حيناً.

وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمداً؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضباً عليه، فتركه عمداً إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله  أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: خمس سنين.

وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك.

ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى [أنه] لبث فيه حيناً.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ ٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ﴾ \[سماهم: أصحاب السجن؛ لأنه كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن\] بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن.

وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .

قيل: فرغ.

وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [الإسراء: 4].

وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ كأنه بلغ إليهما وحياً أوحي إليه وأمر به؛ أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واتبعت دين آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهو دين التوحيد لله، ما يصحّ لنا أن نشرك بالله غيره، وهو المنفرد بالوحدانية، ذلك التوحيد والإيمان الَّذي أنا عليه وآبائي هو من فضل الله علينا أن وفقنا له، ومن فضله على الناس جميعًا حين بعث إليهم الأنبياء به، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على نعمه، بل يكفرونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.k5qVj"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله