الآية ٤٦ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤٦ من سورة يوسف

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال : ( يوسف أيها الصديق أفتنا ) وذكر المنام الذي رآه الملك ، فعند ذلك ذكر له يوسف ، عليه السلام ، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به ، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وذلك: " فأرسلوه، فأتى يوسف ، فقال له ": يا يوسف، يا أيها الصديق، (8) كما:- 19366 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قال الملك للملأ حوله: إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ، الآية ، وقالوا له ما قال ، وسمع نبو من ذلك ما سمع ومسألته عن تأويلها، (9) ذكر يوسف وما كان عبَرَ له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، قال: (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) يقول الله : (وادّكر بعد أمة) ، أي حقبة من الدهر ، فأتاه فقال: يا يوسف، إن الملك قد رأى كذا وكذا ، فقصّ عليه الرؤيا ، فقال فيها يوسف ما ذكر الله لنا في الكتاب، فجاءهم مثلَ فلق الصبح تأويلُها ، فخرج نبوا من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك ، وأخبره بما قال.

* * * وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال: " أرسلوني" ، لأن السجن لم يكن في المدينة .

* ذكر من قال ذلك: 19367 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: (وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة ، فانطلق الساقي إلى يوسف ، فقال: (أفتنا في سبع بقرات سمان) الآيات.

* * * قوله: (أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)، فإن معناه: أفتنا في سبع بقرات سمان رُئين في المنام، يأكلهن سبعٌ منها عجاف ، وفي سبع سنبلات خضر رئين أيضًا ، وسبع أخر منهن يابسات .

فأما " السمان من البقر "، فإنها السنون المخصبة، كما:- 19368 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف)، قال: أما السمان فسنون منها مخصبة ، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا.

19369- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (أفتنا في سبع بقرات سمان)، فالسمان المخاصيب ، والبقرات العجاف: هي السنون المحُول الجُدُوب.

* * * قوله: (وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)، أما(الخضر) فهن السنون المخاصيب وأما(اليابسات) فهن الجدوب المحول.

و " العِجاف " جمع " عَجِف " وهي المهازيل.

* * * وقوله: (لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون)، يقول: كي أرجع إلى الناس فأخبرهم ، (لعلهم يعلمون) يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا .

---------------------- الهوامش: (8) انظر تفسير" الصديق" فيما سلف 8 : 530 - 532 / 10 : 485 .

(9) في المطبوعة والمخطوطة :" سمع" بغير" واو" ، والصواب إثباتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

" يوسف " نداء مفرد ، وكذا الصديق أي الكثير الصدق ." أفتنا " أي فأرسلوه ، فجاء إلى يوسف فقال : أيها الصديق !

وسأله عن رؤيا الملك .لعلي أرجع إلى الناس أي إلى الملك وأصحابه .

لعلهم يعلمون التعبير ، أو لعلهم يعلمون مكانك من الفضل والعلم فتخرج .

ويحتمل أن يريد بالناس الملك وحده تعظيما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك فقال: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله.

{ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فإنهم متشوقون لتعبيرها، وقد أهمتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال : ( يوسف ) يعني : يا يوسف ( أيها الصديق ) والصديق الكثير الصدق ( أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ) فإن الملك رأى هذه الرؤيا ( لعلي أرجع إلى الناس ) أهل مصر ( لعلهم يعلمون ) تأويل الرؤيا .

وقيل : لعلهم يعلمون منزلتك في العلم .

فقال لهم يوسف معبرا ومعلما : أما البقرات السمان والسنبلات الخضر : فسبع سنين مخاصيب ، والبقرات العجاف والسنبلات [ اليابسات ] فالسنون المجدبة ، فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

يا «يوسف أيها الصدّيق» الكثير الصدق «أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس» أي الملك وأصحابه «لعلهم يعلمون» تعبيرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعندما وصل الرجل إلى يوسف قال له: يوسف أيها الصديق فسِّر لنا رؤيا مَن رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات؛ لعلي أرجع إلى الملك وأصحابه فأخبرهم؛ ليعلموا تأويل ما سألتك عنه، وليعلموا مكانتك وفضلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا .

.

.

) من بديع الإِيجاز بالحذف فى القرآن الكريم ، لأن المحذوف لا يتعلق بذكره غرض .والتقدير : قال لهم أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عند العلم بذلك ، فأرسلوه فجاء إلى يوسف فى السجن فقال له : يا يوسف يأيها الصديق .والصديق : هو الإِنسان الذى صار الصدق دأبه وشيمته فى كل أحواله ، ووصفه بذلك لأنه جرب منه الصدق التام أيام أن كان معه فى السجن .وقوله " أفتنا " أى فسر لنا تلك الرؤيا التى رآها الملك ، والتى عجز الناس عن تفسيرها ، وهى أن الملك رأى فى منامه ( سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ) .وقوله ( لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) تعليل لطلب الفتوى ، وبيان لأهميتها بالنسبة له وليوسف - عليه السلام .أى : فسر لنا هذه الرؤيا ( لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس ) تعليل لطلب الفتوى ، وبيان لأهميتها بالنسبة له وليوسف - عليه السلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب قال الشرابي إن في الحبس رجلاً فاضلاً صالحاً كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف فإن أذنت مضيت إليه وجئتك بالجواب.

فهذا هو قوله: ﴿ بعالمين وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ فنقول: سيجيء اذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿ مِن مُّدَّكِرٍ  ﴾ في سورة القمر قال صاحب الكشاف ﴿ وادكر ﴾ بالدال هو الفصيح عن الحسن ﴿ واذكر ﴾ بالذال أي تذكر، وأما الأمة ففيه وجوه: الأول: ﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين، وذلك لأن الحين إنما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم فالحين كان أمة من الأيام والساعات والثاني: قرأ الأشهب العقيلي ﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ بكسر الهمزة والإمة النعمة قال عدي: ثم بعد الفلاح والملك والإمـ *** ـة وارتهم هناك القبور والمعنى: بعدما أنعم عليه بالنجاة.

الثالث: قرئ ﴿ بَعْدَ أُمُّهُ ﴾ أي بعد نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي والصحيح أنها بفتح الميم وذكره أبو عبيدة بسكون الميم، وحاصل الكلام أنه إما أن يكون المراد وادكر بعد مضي الأوقات الكثيرة من الوقت الذي أوصاه يوسف عليه السلام بذكره عند الملك، والمراد وادكر بعد وجدان النعمة عند ذلك الملك أو المراد وادكر بعد النسيان.

فإن قيل: قوله: ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ يدل على أن الناسي هو الشرابي وأنتم تقولون الناسي هو يوسف عليه السلام.

قلنا: قال ابن الأنباري: اذكر بمعنى ذكر وأخبر وهذا لا يدل على سبق النسيان فلعل الساقي إنما لم يذكره للملك خوفاً من أن يكون ذلك اذكاراً لذنبه الذي من أجله حبسه فيزداد الشر ويحتمل أيضاً أن يقال: حصل النسيان ليوسف عليه السلام وحصل أيضاً لذلك الشرابي.

وأما قوله: ﴿ فَأَرْسِلُونِ ﴾ خطاب إما للملك والجمع أو للملك وحده على سبيل التعظيم، أما قوله: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ ففيه محذوف، والتقدير: فأرسل وأتاه وقال أيها الصديق، والصديق هو البالغ في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه لم يجرب عليه كذباً وقيل: لأنه صدق في تعبير رؤياه وهذا يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئاً فإنه يجب عليه أن يعظمه، وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ثم إنه أعاد السؤال بعين اللفظ الذي ذكره الملك ونعم ما فعل، فإن تعبير الرؤيا قد يختلف بسبب اختلاف اللفظ كما هو مذكور في ذلك العلم.

أما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ فالمراد لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لعلهم يعلمون فضلك وعلمك وإنما قال لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضاً عنها، فلهذا السبب قال: ﴿ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المعنى فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فقال ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوّل، ولذلك كلمه كلام محترز فقال ﴿ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لأنه ليس على يقين من الرجوع، فربما اخترم دونه ولا من علمهم فربما لم يعلموا، أو معنى ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما ﴾ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ وهو الشَّرّابِيُّ.

﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ وتَذَكَّرَ يُوسُفَ بَعْدَ جَماعَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُجْتَمِعَةٍ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً.

وقُرِئَ « إمَّةٍ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي النِّعْمَةُ أيْ بَعْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، و « أُمَّهْ» أيْ نِسْيانٍ يُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ ومَقُولُ القَوْلِ.

﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ أيْ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ أوْ إلى السِّجْنِ.

﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ أيْ فَأرْسَلَ إلى يُوسُفَ فَجاءَهُ فَقالَ يا يُوسُفُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالصِّدِّيقِ وهو المُبالِغُ في الصِّدْقِ لِأنَّهُ جَرَّبَ أحْوالَهُ وعَرَفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ.

﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ.

﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أعُودُ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إذْ قِيلَ إنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ تَأْوِيلَها أوْ فَضْلَكَ ومَكانَكَ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ فِيهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جازِمًا بِالرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ ولا يُعْلِمُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق} أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاءكما

يوسف (٤٦ _ ٥٠)

أوَّل

{أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس} إلى الملك وأتباعه {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأرْسَلُوهُ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ حَسْبَما عَلِمَهُ وجَرَّبَ أحْوالَهُ في مُدَّةِ إقامَتِهِ مَعَهُ في السَّجْنِ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يُعَظِّمَ المُفْتِي، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُما لَمْ يَكْذِبا عَلى يُوسُفَ في مَنامِهِما وأنَّهُما كَذَبا في قَوْلِهِما: كَذَبْنا إنْ ثَبَتَ.

﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ حَيْثُ إنَّ مِثْلَهُ لا يَقَعُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، والمَعْنى بَيِّنَ لَنا مَآلَ ذَلِكَ وحُكْمَهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا ﴿ نَبِّئْنا) بِتَأْوِيلِهِ ﴾ -تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ عايَنَ رُتْبَتَهُ في الفَضْلِ- ولَمْ يَقُلْ: أفْتِنِي مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارًا بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ، ولِذا لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ، ويُؤْذِنُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ فَأُنَبِّئُهم بِما أفْتَيْتَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصُ مِنهُ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى الأوَّلِ كالتَّعْلِيلِ لِلرُّجُوعِ، وعَلى الثّانِي كالتَّعْلِيلِ -لِأفْتِنا- وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ بَلْ قالَ: (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ: فَبَيْنَما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ إذا هو الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأعاصِيرُ ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ اعْتِمادِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وهو الساقي وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يعني: تذكر بعد حين، أي بعد سبع سنين.

وقال الزجاج: أصل ادَّكَرَ إدتكر.

ولكن التاء أبدلت بالدال وأدغم الدال في الدال.

وقال القتبي: الأمة الصنف من الناس والجماعة كقوله تعالى: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38] ثم تستعمل الأمة في الأشياء المختلفة.

يقال للإمام: أمة كقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: 120] لأنه سبب للاجتماع.

ويسمى الدين أمة كقوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: 22] أي: على دين، لأن القوم يجتمعون على دين واحد، فيقام ذلك اللفظ مقامه.

ويسمى الحين أمة كقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ وكقوله: إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: 8] وإنما سمي الحين أيضا أمة، لأن الأمة من الناس ينقرضون في حين، فيقام الأمة مقام الحين.

وقرأ بعضهم وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يعني: بعُدَ نسيانٍ يقال: أمَهْتُ أي: نسيت.

وقال الفراء: يقال رجل مأموه، كأنه ليس معه عقل.

فلما تذكر الساقي حال يوسف، جاء وجثا بين يدي الملك، وقال: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ يعني: بتأويل ما رأيت من الرؤيا.

وروي عن الحسن: أنه كان يقرأ: أنا آتيكم بِتَأْوِيلِهِ، وقراءة العامة أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فقال: وما يدريك يا غلام، ولست بمعبّر ولا كاهن؟

فقصَّ عليه أمره الذي كان وقت كونه في السجن برؤيته الرؤيا، وتعبير يوسف لها، وصدق تعبيره على نحو ما وصفه له، وأخبره بحال يوسف وحكمته وعلمه وفهمه، قال: فَأَرْسِلُونِ يعني: أرسلني أيها الملك إلى يُوسُفُ خاطبه بلفظ الجماعة، كما يخاطب الملوك.

فأرسله الملك، فلما جاء إلى يوسف في السجن، فدخل عليه، واعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه، وقال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ يعني: يا يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق، والصِّدِّيقُ الكثير الصدق: يعني: أيها الصادق فيما عبرت لنا أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ أي يبتلعهنّ سَبْعٌ عِجافٌ هزلى وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يعني: إلى أهل مصر لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَدْرك ومنزلتك.

ويقال: أَرْجِعُ إِلَى الناس، يعني: إلى الملك لكي يعلم مكانك، فيكون ذلك سبباً لخلاصك إذا علم تعبير رؤياه.

فعبر يوسف رؤياه وهو في الحبس، فقال: أما السبع البقرات السمان فهي سبع سنين خصب، أما السبع العجاف فهي سبع سنين شدة وقحط، ولا يكون في أرض مصر البر.

وأما السبع السنبلات الخضر فهي الخصب، واليابسات هي القحط.

قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً يعني: ازرعوا سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً يعني: دائماً فَما حَصَدْتُمْ من الزرع فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ يعني: في كعبرته.

فهو أبقى لكم لكي لا يأكله السوس إذا كانت في الكعبرة، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ يعني: تدرسون بقدر ما تحتاجون إليه، فتأكلون.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الخصب سَبْعٌ شِدادٌ يعني: القحط سنين مجدبات يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ يعني: ما وراء السبع السنين.

ويقال: مَا قَدَّمْتُمْ يعني: ما جمعتم لهنّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ يعني: تدّخرون، وتخزنون.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ القحط عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ يعني: يمطر الناس، والغيث: المطر.

ويقال: هو من الإغاثة يعني: يغاثون بسعة الرزق وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يعني: ينجون من الشدة، ويقال: يعصرون العنب والزيتون.

قرأ حمزة والكسائي: تَعْصِرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.

يعني: الناس.

وقرأ بعضهم يَعْصِرُونَ بضم الياء، ونصب الصاد، يعني: يمطرون من قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَآءً ثَجَّاجاً [النبأ: 14] فرجع الساقي إلى الملك وأخبره بذلك.

قال تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ قال بعضهم: كان الملك رأى الرؤيا ونسيها، فأتاه يوسف فأخبره بما رأى، وأخبره بتفسيره.

ولكن في ظاهر الآية، دليل أن الملك كان ذاكراً لرؤياه، وأن يوسف عبّر رؤياه وهو في السجن، قبل أن ينتهي إلى الملك وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ يعني: بيوسف فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ برسالة الملك: أنَّ الملك يدعوك قالَ يوسف للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعني: إلى سيدك وهو الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يعني: سله حتى يتبيّن له أني مظلوم في حبسي، أو ظالم إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ يعني: إن سيدي وخالقي عالم بما كان منهن.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا إبراهيم الدبيلي.

- قال: حدّثنا أبو عبيد الله، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله  : (١) (٢) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحسن بْنُ أَبي الحسن «١» : «أَنَا آتِيكُمْ» ، وكذلك في مُصْحَف أُبيٍّ.

وقوله: فَأَرْسِلُونِ: استئذان في المضيّ.

وقوله: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا: المعنى: فجاء الرسُولُ، وهو الساقِي، إِلى يوسُفَ، فقال له: يوسُفُ أيها الصديق، وسمَّاه صِدِّيقاً من حيث كانَ جَرَّب صَدقه في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهو بناء مبالغة مِنَ الصِّدْق، ثم قال له: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ، أي: فيمَنْ رأَى في المنامِ سَبْعَ بقراتٍ.

وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، أي: تأويل هذه الرؤيا، فيزولَ هَمُّ المَلِكِ لذلك، وهَمُّ الناس، وقيل: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مكانَتَك من العلْمِ، وكُنُهَ فضلك فيكونَ ذلك سببا لتخلّصك ودَأَباً: معناه: ملازمةً لعادَتِكم في الزِّراعة.

وقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِشارة برَأْي نافعٍ بحسب طعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِهَا التي لا تبقَى عامين بوجْهٍ إِلا بحيلةِ إِبقائها في السُّنْبُلِ، والمعنَى: اتركوا الزرْعَ في السُّنبُلِ إِلا ما لا غِنَى عنه للأكْلِ فيجتمع الطَّعام هكذا، ويتركَّب ويؤكَل الأَقْدَمُ فالأقدم، وروي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لَمَّا خَرَجَ وَوَصَفَ هذا الترتيبَ للمَلِكِ، وأعجبه أمره، قال له المَلِكُ: قَدْ أسْنَدتُّ إِليك تولِّيَ هذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هذه السنينَ المُقْبِلَة، فكان هذا أوَّلَ ما ولي يوسف، وتُحْصِنُونَ معناه: تحرزون وتحزنون قاله ابن عباس «٢» ، وهو مأخوذٌ من الحِصْنِ، وهو الحِرْز والمَلْجَأُ ومنه: تحصُّن النساءِ لأنه بمعنى التحرُّز.

وقوله: يُغاثُ النَّاسُ: جائز أنْ يكون من الغَيث، وهو قول ابن عبَّاس «٣» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما ﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.

فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وادَّكَرَ ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ.

وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿ فَأرْسِلُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿ وَلا تَقْرَبُونِ  ﴾ ﴿ أنْ تُفَنِّدُونِ  ﴾ يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ.

والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ.

والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ.

والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ.

وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .

والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ.

واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ.

وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ.

فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟

فَقالَ: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأكْثَرُ في " دَأبَ " الإسْكانُ، ولَعَلَّ الفَتْحَ لُغَةٌ، ومَعْنى " دَأبًا " أيْ: زِراعَةً مُتَوالِيَةً عَلى عادَتِكم، والمَعْنى: تَزْرَعُونَ دائِبِينَ.

فَنابَ " دَأبَ " عَنْ " دائِبِينَ " .

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: تَدْأبُونَ دَأبًا، ودَلَّ عَلى تَدْأبُونَ " تَزْرَعُونَ " والدَّأْبُ: المُلازَمَةُ لِلشَّيْءِ والعادَةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ بِعِلْمِ الغَيْبِ، فَقالَ: ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ ؟

فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: أنَّهُ بَنى عَلى عِلْمِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الحَقِّ، فَلَمْ يَشُكَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أضْمَرَ " إنْ شاءَ اللَّهُ " كَما أضْمَرَ إخْوَتُهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا  ﴾ فَأضْمَرُوا الِاسْتِثْناءَ في نِيّاتِهِمْ لِأنَّهم عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ مِمّا وعَدُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كالآمِرِ لَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: ازْرَعُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ، وأبْعَدُ مِنَ الفَسادِ، والشِّدادُ: المُجْدِباتُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.

" يَأْكُلْنَ " أيْ: يُذْهِبْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ في السِّنِينَ المُخْصِباتِ، فَوَصَفَ السِّنِينَ بِالأكْلِ، وإنَّما يُؤْكَلُ فِيها، كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ أيْ: تُحْرِزُونَ وتَدَّخِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى الناسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ الناسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ المَعْنى: فَجاءَ الرَسُولُ -وَهُوَ الساقِي- إلى يُوسُفَ فَقالَ لَهُ: يا يُوسُفُ، ﴿ أيُّها الصِدِّيقُ ﴾ ، وسَمّاهُ صِدِّيقًا مِن حَيْثُ كانَ جَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ شَيْءٍ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن (صَدَقَ)، وسُمِّيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ صِدِّيقًا مِن (صَدَّقَ غَيْرَهُ) إذْ مَعَ كُلِّ تَصْدِيقٍ صِدْقٌ، فالمُصَدِّقُ بِالحَقائِقِ صادِقٌ أيْضًا، وعَلى هَذا الأساسِ سُمِّيَ المُؤْمِنُونَ صِدِّيقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ  ﴾ .

ثُمَّ قالَ: ﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ ﴾ أيْ: فِيمَن رَأى في المَنامِ سَبْعَ بَقَراتٍ، وحَكى النَقّاشُ حَدِيثًا رَوى فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ في السِجْنِ وبَشَّرَهُ بِعَطْفِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِنَ السَجْنِ، وأنَّهُ قَدْ أحْدَثَ لِلْمَلِكِ مَنامَةً جَعَلَها سَبَبًا لِفَرَجِ يُوسُفَ، ويُرْوى أنَّ المَلِكَ كانَ يَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَخْرُجْنَ مِنَ النَهْرِ، وتَخْرُجُ وراءَها سَبْعٌ عِجافٌ، فَتَأْكُلُ العِجافُ السِمانَ، فَكانَ يُعْجَبُ كَيْفَ غَلَبَتْها؟

وكَيْفَ وسِعَتِ السِمانَ في بُطُونِ العِجافِ؟

وكانَ يَرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وقَدِ التَفَّتْ بِها سَبْعٌ يابِساتٌ حَتّى كانَتْ تُغَطِّي خُضْرَتَها فَعَجِبَ أيْضًا لِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: تَأْوِيلَ هَذِهِ الرُؤْيا فَيَزُولُ هَمُّ المَلِكِ لِذَلِكَ وهَمُّ الناسِ، وقِيلَ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ مَكانَتَكَ مِنَ العِلْمِ وكُنْهَ فَضْلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَخَلُّصِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ ﴾ الآيَةُ.

تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ: أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى وبِاللَفْظِ.

والثانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمْرٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ ، والثالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ هَذا ألّا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الجَدْبِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْطَعُهُ إلّا خَصْبٌ شافٍ، كَما أعْطى أنَّ النَهْرَ مِثالٌ لِلزَّمانِ؛ إذْ هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ فَجاءَتِ البَقَراتُ مِثالًا لِلسِّنِينَ.

و"دَأبًا" مَعْناهُ: مُلازَمَةً لِعادَتِكم في الزِراعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ...........

البَيْتُ وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "دَأْبًا" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "دَأبًا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وأبُو عَمْرٍو يُسَهِّلُ الهَمْزَةَ عِنْدَ دَرْجِ القِراءَةِ، وهُما مِثْلُ: نَهْرٍ ونَهَرٍ، والناصِبُ لِقَوْلِهِ: "دَأبًا" "تَزْرَعُونَ" عِنْدَ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ؛ إذْ في قَوْلِهِ: "تَزْرَعُونَ" تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ: (قَعَدَ القُرْفُصاءَ)، و(اشْتَمَلَ الصَمّاءَ) وسِيبَوَيْهَ يَرى نَصْبَ هَذا كُلِّهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الظاهِرُ، كَأنَّهُ قالَ: "تَزْرَعُونَ تَدْأبُونَ دَأبًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ ﴾ هي إشارَةٌ بِرَأْيٍ نَبِيلٍ نافِعٍ بِحَسْبَ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُنْبُلِ؛ فَإنَّ الحَبَّةَ إذا بَقِيَتْ في خِبائِها انْحَفَظَتْ والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَرْعَ في السُنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عنهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَعامُ هَكَذا ويَتَرَكَّبُ، ويُؤَكِّلُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ، فَإذا جاءَتِ السُنُونَ الجَدْبَةُ تَقَوَّتَ الناسُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وادَّخَرُوا أيْضًا الشَيْءَ الَّذِي يُصابُ في أعْوامِ الجَدْبِ عَلى قِلَّتِهِ، وحَمَلَتِ الأعْوامُ بَعْضُها بَعْضًا حَتّى يَتَخَلَّصَ الناسُ، وإلى هَذِهِ السِنِينَ أشارَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في دُعائِهِ عَلى قُرَيْشٍ: « "اللهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "،» فابْتَدَأ ذَلِكَ بِهِمْ، ونَزَلَتْ سَنَةً حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى دَعا لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فارْتَفَعَ ذَلِكَ عنهم ولَمْ يَتَمادَ سَبْعَ سِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا خَرَجَ ووَصَفَ هَذا التَرْتِيبَ لِلْمَلِكِ وأعْجَبَهُ أمْرُهُ، قالَ لَهُ المَلِكُ، قَدْ أسْنَدْتُ إلَيْكَ تَوَلِّي هَذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هَذِهِ السِنِينَ المُقْبِلَةَ، فَكانَ هَذا أوَّلُ ما ولِيَ يُوسُفُ.

وأسْنَدَ الأكْلَ إلى السِنِينَ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلْنَ" اتِّساعًا مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ فِيها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا  ﴾ ، وكَما قالَ: (نَهارُكَ بَطّالٌ ولَيْلُكَ قائِمٌ)، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمّى فِعْلُ الجَدْبِ وإيباسِ البالاتِ أكْلًا، وفي الحَدِيثِ: « "فَأصابَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ"» وقالَ الأعْرابِيُّ في السَنَةِ: (جَمَشَتِ النَجْمَ، وألْحَبَتِ اللَحْمَ، وأحْجَنَتِ العَظْمَ).

و"تُحْصِنُونَ" مَعْناهُ: تُحْرِزُونَ وتُخَزِّنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ، وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، ومِنهُ تَحَصُّنُ النِساءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَحَرُّزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:" يُغاثُ" جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ - وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَمُجاهِدٍ، وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أيْ: يُمْطَرُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن (أغاثَهُمُ اللهُ) إذا فَرَّجَ عنهُمْ، ومِنهُ الغَوْثُ وهو الفَرَجُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "يَعْصِرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الصادِ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ ذَلِكَ بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي مِن عَصْرِ النَباتاتِ كالزَيْتُونِ والعِنَبِ والقَصَبِ والسِمْسِمِ والفُجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، والحَلْبُ مِنهُ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضَّرْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ والعُصْرِ وهو المَلْجَأُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ ومِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: وصاحِبِي وهْوَةٌ مُسْتَوْهِلٌ زَعِلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ يَحُولُ بَيْنَ حِمارِ الوَحْشِ والعَصَرِ وَمِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: فَباتَ وأسْرى القَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وما كانَ وقّافًا بِغَيْرِ مُعْصَّرِ أيْ: بِغَيْرِ مُلْتَجَأٍ، فالآيَةُ عَلى مَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "يُعْصَرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصادِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، أيْ: يُؤْتُونَ بِعُصْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: عَصَرَتِ السَحابُ ماءَها عَلَيْهِمْ، قالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناها: يُمْطَرُونَ، وحَكى النِقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ: "يُعَصِّرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها وجَعْلِها مِن عَصْرِ البَلَلِ، ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى مَن جَعَلَ اللَفْظَةَ مِنَ العُصْرَةِ رَدًّا كَثِيرًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الخطاب بالنداء مؤذن بقول محذوف في الكلام، وأنه من قول الذي نجا وادكر بعد أمة.

وحُذف من الكلام ذكر إرساله ومشيه ووصوله، إذ لا غرض فيه من القصة.

وهذا من بديع الإيجاز.

و ﴿ الصدّيق ﴾ أصله صفةُ مبالغة مشتقة من الصّدْق، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأمه صدّيقةٌ ﴾ في سورة العقود (75)، وغلب استعمال وصف الصدّيق استعمال اللقب الجامع لمعاني الكمال واستقامة السلوك في طاعة الله تعالى، لأن تلك المعاني لا تجتمع إلا لمن قوي صدقه في الوفاء بعهد الدين.

وأحسنُ ما رأيت في هذا المعنى كلمة الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن قال: «الصديقون هم دُوَيْن الأنبياء».

وهذا ما يشهد به استعمال القرآن في آيات كثيرة مثل قوله: ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين ﴾ [سورة النساء: 69] الآية، وقوله: ﴿ وأمه صدّيقة ﴾ [سورة المائدة: 75].

ومنه ما لَقّب النبيءُ أبا بكر بالصدّيق في قوله في حديث رجف جبل أحُد أُسْكُنْ أُحُد فإنما عليك نبيء وصدّيق وشهيدان.

من أجل ذلك أجمع أصحاب رسول الله ومنهم علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الأمة بعد النبي.

وقد جَمع الله هذا الوصف مع صفة النبوءة في قوله: ﴿ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبياً ﴾ في سورة مريم (56).

وقد يطلق الصدّيق على أصل وصفه، كما في قوله تعالى: ﴿ والذين آمنوا بالله ورُسله أولئك هم الصدّيقون ﴾ [سورة الحديد: 19] على أحد تأويلين فيها.

فهذا الذي استفتَى يوسف عليه السّلام في رؤيا الملِك وَصَف في كلامه يوسف عليه السّلام بمعنى يدل عليه وصف الصدّيق في اللسان العربي، وإنما وصفه به عن خبرة وتجربة اكتسبها من مخالطة يوسف عليه السّلام في السجن.

فضمّ ما ذكرناه هنا إلى ما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأمه صدّيقةٌ ﴾ في سورة العقود (75)، وإلى قوله: ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين ﴾ في سورة النساء (69).

وإعادة العِبارات المحكية عن الملك بعينها إشارة إلى أنه بلّغ السؤال كما تلقاه، وذلك تمام أمانة الناقل.

و ﴿ الناس ﴾ تقدم في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ في سورة البقرة (8).

والمراد ب ﴿ الناس ﴾ بعضهم، كقوله تعالى: ﴿ الذينَ قال لهم النّاس إن النّاس قد جمعوا لكم ﴾ [سورة آل عمران: 173].

والناس هنا هم الملك وأهل مجلسه، لأن تأويل تلك الرؤيا يهمهم جميعاً ليعلم الملك تأويل رؤياه ويعلم أهل مجلسه أن ما عجزوا عن تأويله قد علمه من هو أعلم منهم.

وهذا وجه قوله: لعلهم يعلمون } مع حذف معمول ﴿ يعلمون ﴾ لأن كل أحد يعلم ما يفيده علمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ الآيَةِ.

وَهَذِهِ الرُّؤْيا رَآها المَلِكُ الأكْبَرُ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ وفِيها لُطْفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن سِجْنِهِ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ نَذِيرًا بِجَدْبٍ أخَذُوا أُهْبَتَهُ وأعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ.

﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا لَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ نادى بِها في قَوْمِهِ لِيَسْمَعَ بِها مَن يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِها فَيَعْبُرُها لَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلاطُ أحْلامٍ، قالَهُ مَعْمَرٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: ألْوانُ أحْلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أهاوِيلُ أحْلامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أكاذِيبُ أحْلامٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِيهِ خامِسٌ: شُبْهَةُ أحْلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأضْغاثُ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَضِغْثِ حُلْمٍ عَزَّ مِنهُ حالِمُهُ.

وَرَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إذا تَقارَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ)» .

وفي تَقارُبِ الزَّمانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِواءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ اعْتِدالٍ تَنْفَتِقُ فِيهِ الأنْوارُ وتَطْلَعُ فِيهِ الثِّمارُ فَكانَ أصْدَقَ الزَّمانِ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

الثّانِي: أنَّهُ آخِرُ الزَّمانِ وعِنْدَ انْتِهاءِ أمَدِهِ.

والأضْغاثُ جَمْعٌ واحِدُهُ ضِغْثٌ والضِّغْثُ الحُزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ المَجْمُوعِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وقِيلَ هو مَلْءُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ وقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: خَوْذٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالِ والأحْلامُ جَمْعُ حُلْمِ، والحُلْمُ الرُّؤْيا في النَّوْمِ، وأصْلُهُ الأناةُ، ومِنهُ الحِلْمُ ضِدُّ الطَّيْشِ فَقِيلَ لِما يُرى في النَّوْمِ حُلْمٌ لِأنَّها حالُ أناةٍ وسُكُونٍ.

﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّأْوِيلُ الأوَّلُ مِمّا تُئَوَّلُ بِهِ الرُّؤْيا هو الحَقُّ المَحْكُومُ بِهِ لِأنَّ يُوسُفَ عَرَّفَهم تَأْوِيلَها بِالحَقِّ، وإنَّما قالَ يُوسُفُ لِلْغُلامَيْنِ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ لِأنَّهُ مِنهُ نَذِيرُ نُبُوَّةٍ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا لُطْفًا بِيُوسُفَ لِيَتَذَكَّرَ الَّذِي نَجا مِنهُما حالَهُ فَتَدْعُوهُمُ الحاجَةُ إلَيْهِ فَتَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَعْدَ حِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَعْدَ نِسْيانٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الحَسَنُ: أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً وجُمِعَ لَهُ شَمْلُهُ فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقُرِئَ وادَّكَرَ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، والأمَةُ: بِالتَّخْفِيفِ النِّسْيانُ.

﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِمَن عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لَهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنِ السِّجْنُ بِالمَدِينَةِ فانْطَلَقَ إلى يُوسُفَ حِينَ أُذِنَ لَهُ وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ فِراقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا ﴾ احْتَمَلَ تَسْمِيَتُهُ بِالصِّدِّيقِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِصِدْقِهِ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُما.

الثّانِي: لِعِلْمِهِ بِنُبُوَّتِهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الصّادِقِ والصِّدِّيقِ أنَّ الصّادِقَ في قَوْلِهِ بِلِسانِهِ، والصَّدِّيقَ مَن تَجاوَزَ صِدْقُهُ لِسانَهُ إلى صِدْقِ أفْعالِهِ في مُوافَقَةِ حالِهِ، لا يَخْتَلِفُ سِرُّهُ وجَهْرُهُ، فَصارَ كُلُّ صِدِّيقٍ صادِقًا ولَيْسَ كُلُّ صادِقٍ صِدِّيقًا.

﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُخَصَّباتُ.

﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُجْدَباتُ.

﴿ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ والخُضْرُ الخِصْبُ لِأنَّ الأرْضَ بِنَباتِها خَضْراءُ، واليابِساتُ هي الجَدْبُ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ يابِسَةٌ، كَما أنَّ ماشِيَةَ الخِصْبِ سِمانٌ، وماشِيَةَ الجَدْبِ عِجافٌ.

﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أيْ لِكَيْ أرْجِعَ إلى النّاسِ وهو المَلِكُ وقَوْمُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلِكَ وحْدَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنّاسِ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ لِأنَّهُ طَمِعَ أنْ يَعْلَمُوا وأشْفَقَ أنْ لا يَعْلَمُوا، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي تَأْوِيلَها.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ شَكًّا في عِلْمِ يُوسُفَ.

لِأنَّهُ قَدْ وقَرَ في نَفْسِهِ عِلْمُهُ وصَدَّقَهُ، ولَكِنْ تَخَوَّفَ أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا كاذِبَةً، وإمّا ألّا يُصَدِّقُوا تَأْوِيلَها لِكَراهَتِهِمْ لَهُ فَيَتَأخَّرُ الأمْرُ إلى وقْتِ العِيانِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تِباعًا مُتَوالِيَةً.

الثّانِي: يَعْنِي العادَةَ المَأْلُوفَةَ في الزِّراعَةِ.

﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ يَعْنِي فَيَخْرُجُ مِن سُنْبُلِهِ لِأنَّ ما في السُّنْبُلِ مُدَّخَرٌ لا يُؤْكَلُ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ أمْرٌ، والأوَّلُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا أنْ يَأْمُرَ بِالمَصالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الأوَّلُ أيْضًا أمْرًا وإنْ كانَ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ خَبَرٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ ﴾ يَعْنِي المُجْدَباتِ لِشِدَّتِها عَلى أهْلِها.

وَحَكى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ أنَّ يُوسُفَ كانَ يَصْنَعُ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى رَجُلٍ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمًا قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ، فَقالَ يُوسُفُ: هَذا أوَّلُ يَوْمِ السَّبْعِ الشِّدادِ.

﴿ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي تَأْكُلُونَ فِيهِنَّ ما ادَّخَرْتُمُوهُ لَهُنَّ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِمّا تَدَّخِرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِمّا تُخَزِّنُونَ في الحُصُونِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: إلّا قَلِيلًا مِمّا تَبْذُرُونَ لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُغاثُونَ بِنُزُولِ الغَيْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتُونَ مِن خِصْبِ الثِّمارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أيْ فِيهِ يَجْلِبُونَ المَواشِيَ مِن خِصْبِ المَراعِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يَعْصِرُونَ السَّحابَ بِنُزُولِ الغَيْثِ وكَثْرَةِ المَطَرِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا  ﴾ .

قالَهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ.

الرّابِعُ: تَنْجُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثِ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ الخامِسُ: تُحْسِنُونَ وتُفَضِّلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَوْ كانَ في أمْلاكِنا مَلِكٌ ∗∗∗ يَعْصِرُ فِينا مِثْلَ ما تَعْصِرْ أيْ يُحْسِنُ: وهَذا القَوْلُ مِن يُوسُفَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وإنَّما هو اسْتِئْنافُ خَبَرٍ أطْلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه الصلاة والسلام للساقي ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ أي الملك الأعظم، ومظلمتي وحبسي في غير شيء.

قال: أفعل.

فلما خرج الساقي، رد على ما كان عليه رضي عنه صاحبه، وانساه الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف عليه السلام أن يذكره له، فلبث يوسف عليه السلام بعد ذلك في السجن بضع سنين، ثم إن الملك ريان بن الوليد، رأى رؤياه التي أري فيها فهالته وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها فقال للملأ حوله من أهل مملكته ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ﴾ فلما سمع نبوا من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها، ذكر يوسف عليه السلام وما كان عبر له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، فقال: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أضغاث أحلام ﴾ قال: من الأحلام الكاذبة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه مثله.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أضغاث أحلام ﴾ قال: أخلاط أحلام.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ قال: بعد حين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله بن كثير والسدي ﴿ رضي الله تعالى عنهم ﴾ مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ يقول: بعد سنين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ يقول: بعد سنين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ قال: بعد أمة من الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ وادكر بعد أمة ﴾ بالفتح والتخفيف، يقول بعد نسيان.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك- رضي الله عنهم- أنهم قرأوا ﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد نسيان.

وأخرج ابن جرير عن حميد رضي الله عنه قال: قرأ مجاهد رضي الله عنه ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ مجزومة مخففة.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال في قراءة أبي بن كعب ﴿ أنا آتيكم بتأويله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ أنا آتيكم بتأويله ﴾ فقيل له: أنا انبئكم.

قال: أهو كان ينبئهم؟

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفتنا في سبع بقرات...

﴾ الآية.

قال: أما السمان، فسنون فيها خصب.

وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة.

وسبع سنبلات خضر، هي السنون المخاصيب، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها.

وأخر يابسات، المحول الجدوب لا تنبت شيئاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ﴾ قال أهل المعاني (١) ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ والصديق قال أبو إسحاق (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ﴾ قال ابن عباس (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد كي يعقلوا.

قال ابن الأنباري (٨) (١) الطبري 12/ 229، و"زاد المسير" 4/ 231.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.

(٣) ابن عطية 7/ 524.

(٤) الثعلبي 7/ 286.

(٥) الثعلبي 7/ 86 أ، البغوي 4/ 235.

(٦) في "تفسير مقاتل" 154 ب (يعني أهل مصر)، القرطبي 9/ 202.

(٧) "زاد المسير" 4/ 232.

(٨) "زاد المسير" 4/ 232.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ هو ساقي الملك ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ يقدر قبله محذوف لابد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿ دَأَباً ﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ هذا بأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازاً ﴿ مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ أي تخزنون وتخبئون ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به ﴿ قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلماً، فذكر طرفاً من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبراً وحلماً، إذا لم يُجِبْ إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعياً لذمام زوجها وستراً لها، بل ذكر النسوة التي قطعن أيديهنّ ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿ قُلْنَ حاش للَّهِ ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء ﴿ الآن حَصْحَصَ الحق ﴾ اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .

ذكر أنه رأى، وليس فيه ذكر أنه رأى في المنام، ولكن ذكر في آخر الرؤيا؛ دل أنه رأى في المنام بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

وفيه: أن من الرؤيا ما هو حق ولها حقيقة، ومنها باطل لا حقيقة لها؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ فكأن، الرؤيا هي حق، ولها حقيقة؛ بتأويل عواقبها، وأضغاث أحلام: لا حقيقة لها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .

أما البقرات: هي السنون، والسمان: هي المخصبات الواسعات.

﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ .

العجاف: هي المجدبات.

﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ ﴾ .

السنبلات: سنبلات: وخضر: عبارة عما يحصد.

﴿ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .

عبارة عما لا يحصد أي: لا يكون فيه ما يحصد.

فيه دلالة أن في الرؤيا ما يكون مصرحاً مشاراً إليه يعلم بالبديهة، ومنها ما يكون كناية مبهماً غير مفسر؛ لا يعلم إلا بالنظر فيها والتفكر والتأمل؛ لأنه قال: ﴿ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾ ، وسبع: هو سبع لا غير، وبقرات: هن كناية عن السنين، وسمان: كناية عن الخصب والسعة، يأكلهن على حقيقة الأكل لا غير.

وكذلك ﴿ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ السبع: هو سبع، والعجاف: كناية عن الشدة والجدب، وسبع سنبلات: هنّ عَيْن السنبلات، وخضر: هي كناية عما يحصد، ويابسات: كناية عما لا يكون فيه ما يحصد.

ففيه: أن من الخطاب ما لا يكون مصرحاً مبيناً مشاراً إليه؛ يفهم المراد منه بالبديهة وقت قرع الخطاب السمع، ومنه ما يكون مبهماً غير مفسر؛ فهو على وجهين: منه ما يفهم بالنظر فيه والتفكر.

والثاني: لا يفهم بالبديهة ولا بالنظر فيه والتفكر، إلا ببيان يقرن به سوى ذلك، على هذا تخرج المخاطبات فيما بين الله وبين الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

خاطب الأشراف من قومه والعلماء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم أن الملأ: هو اسم للأشراف منهم والرؤساء، وهكذا العادة في الملوك؛ أنهم إذا خاطبوا إنما يخاطبون أعقلهم وأعظمهم منزلة عندهم وأكرم مثواهم.

دلّ قوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أنه إنما رأى ذلك في المنام والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ...

﴾ الآية.

كأنه نهاهم أن يتكلفوا التعبير للرؤيا التي رآها؛ إذا لم يكن لهم بها علم، وكذلك الواجب على كل من سئل عن شيء لا يُعلم ألا يشتغل به، ولا يتكلف علمه؛ إذا لم يكن له به علم؛ حيث قال: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ .

قال بعضهم: أباطيل أحلام كاذبة وقال بعضهم: أخلاط أحلام؛ مثل أضغاث النبات تجمع فيكون فيها ضروب مختلفة، وهو كما قيل في قوله: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ أي: جماعة من أغصان الشجر.

وقال بعضهم: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ : الضغث، والأضغاث: ما لا يكون له تأويل، ويقال لنوع من الكلأ: ضغث وهو الحلفا؛ يشبه البردي وغيره.

وقيل: إن الضغث والأحلام: هما اسمان لشيء لا معنى له، ولا تأويل، وهما واحد، وأصل الأحلام: كأن مخرجه من وجهين: أحدهما: العقول؛ دليله: قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ  ﴾ أي: عقولهم ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

والثاني: من الاحتلام، وهو [ما ذكرنا] من الحلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ...

 ﴾ : الآية فيشبه أن يكون يخرج على هذا؛ لأن الصبي ما لم يعقل لا يلعب به الشيطان، ولا يحتلم؛ لأن الاحتلام هو من لعب الشيطان به، فسمى الرؤيا الباطلة الكاذبة أحلاماً؛ لأنها من لعب الشيطان به، كما سمى احتلام الصبي حلماً؛ لأنه إذا بلغ العقل لعب به الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ .

يحتمل قوله  : ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لما لا تأويل لها؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا شفيع لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لها تأويل، ولكن نحن لا نعلمها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ .

من الهلاك، وهو الساقي الذي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ .

أي: تذكر بعد أُمّة، قال الأُمّة - هاهنا -: الحين، أي: ذكر بعد حين ووقت؛ كقوله  : ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ  ﴾ قيل: حين ووقت معدود، وقال الحسن: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي: بعد أمّة من الناس.

ويقرأ (بعد أمه) قال أبو عَوْسجة: الأمه: النسيان والسهو؛ أي: تذكر بعد نسيان وسهو؛ كقوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ  ﴾ يقال منه في الكلام: أمه يأمه أمها؛ فهو آمه، وأمه؛ أي: نسي.

والأمة: من الأمم والقرون التي مضت.

والأمة: النعمة، والأمم جمع.

والأمة أيضاً: الدِّين والسُّنة؛ كقوله  : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ أي: على دين.

ويقال: الأمة: القامة أيضاً؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، ويقال: الأمم: القريب.

فهو يحتمل هاهنا الوجهين اللذين ذكرناهما؛ أي: ذكر بعد حين ووقت، أو بعد نسيان؛ من قرأه بالنصب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

معناه: أي أنا أنبئكم ببيان تأويلها لا أنه كان ينبئهم هو بنفسه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَرْسِلُونِ ﴾ .

﴿ يُوسُفُ ﴾ فيه إضمار؛ كأنه قال: فأرسلوني إلى يوسف، وليس في تلاوة الآية أنه أرسل إليه، ولا إتيانه إليه، ولكن فيه دليل أنه أرسل إليه فأتاه؛ فلما أتاه قال له: ﴿ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ ﴾ .

قيل: الصدّيق: هو كثير الصدق؛ كما يقال: شِرِّيب وفِسِّيق وسِكّير؛ إذا كثر ذلك منه، والصديق: هو الذي لم يؤخذ عليه كذب قط، أو سماه صديقاً لما عرف أنه رسول الله، وهو ما قال في إبراهيم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً  ﴾ .

أو يقول: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أي: أنا أتعلم منه؛ فأنبئكم بتأويله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .

فأفتاها له وعبرها عليه؛ وهو ما قال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .

هذا تفسير رؤيا الملك للذي سأله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: يعلمون أن هذه الرؤيا حق ولها حقيقة؛ ليس كما قال أولئك: أضغاث أحلام.

والثاني: يعلمون فضلك على غيرك من الناس، أو يعلمون أنك تصلح لحاجاتهم التي في حال يقظتهم؛ فيرفعونها إليك؛ كما أصلحت ما كان لهم في حال نومهم، ثم علمهم الزراعة، وجمع الطعام والادخار أن كيف يدّخر حتى يبقى إلى ذلك الوقت، فقال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ قال بعضهم: أي: دائماً؛ أي: تداومون الزراعة فيها.

وقال أبو عوسجة: دأبا: من الدوب؛ من الجدّ والتعب.

وقال القتبي: دأبا: أي: جدّاً في الزراعة ومتابعة.

وكله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ .

لا تنقوه؛ لأن ذلك أبقى له من إذا نقي وميز، إلا قليلا مما تأكلون؛ فتنقونه إن شئتم؛ أي: قدر ما تأكلون.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ .

قيل: مجدبات من الشدة.

﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ .

أي: ما ادخرتم لهن.

﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تدخرون.

وقال بعضهم: تحرزون.

قال أبو عوسجة: أحصنته، أي: ادخرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ ﴾ .

قال بعضهم: هو من الغيث؛ وهو المطر؛ أي: يمطرون.

وقيل: يغاثون بالمطر؛ من الإغاثة والغوث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هو من عصر الأعناب والدهن والزيت وغيره؛ إنما هو إخبار عن الخصب والسعة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ أي: ينجون؛ يقول: من العصر يعني الملجأ: أي يلجئون إلى الغيث، والعصرة المنجاة؛ وهو قول أبي عبيدة.

وأمّا قول غيره من أهل الأدب والتأويل: فهو من العصر؛ يعني: عصر العنب وغيره والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما وصل الناجي إلى يوسف قال له: يا يوسف، أيها الصدِّيق، أخبرنا عن تأويل من رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى سبع سنبلات خضر، ورأى سبع سنبلات يابسات؛ لعلي أرجع إلى الملك ومن عنده لعلهم يعلمون تعبير رؤيا الملك، ويعلمون فضلك ومكانتك.

<div class="verse-tafsir" id="91.e3xWd"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد