الآية ٦٥ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٦٥ من سورة يوسف

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولما فتح إخوة يوسف متاعهم ، وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم ، فلما وجدوها في متاعهم ( قالوا ياأبانا ما نبغي ) ؟

أي : ماذا نريد ؟

( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) كما قال قتادة .

ما نبغي وراء هذا ؟

إن بضاعتنا ردت إلينا وقد أوفي لنا الكيل .

( ونمير أهلنا ) أي : إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا ، ( ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ) وذلك أن يوسف ، عليه السلام ، كان يعطي كل رجل حمل بعير .

وقال مجاهد : حمل حمار .

وقد يسمى في بعض اللغات بعيرا ، كذا قال .

( ذلك كيل يسير ) هذا من تمام الكلام وتحسينه ، أي : إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما فتح إخوة يوسف متاعَهم الذي حملوه من مصر من عند يوسف ، (وجدوا بضاعتهم) , وذلك ثمن الطعام الذي اكتالوه منه ، رُدّت إليهم، (قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا) يعني أنهم قالوا لأبيهم: ماذا نبغي؟

هذه بضاعتنا ردت إلينا !

تطييبًا منهم لنفسه بما صُنع بهم في ردِّ بضاعتهم إليهم .

(1) * * * وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا المعنى، كانت " ما " استفهامًا في موضع نصب بقوله: (نبغي) .

* * * وإلى هذا التأويل كان يوجِّهه قتادة .

19476-حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (ما نبغي) يقول: ما نبغي وراء هذا , إن بضاعتنا ردت إلينا , وقد أوفى لنا الكيل.

* * * وقوله: (ونمير أهلنا) ، يقول: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم.

* * * يقال منه: " مارَ فلانٌ أهلهَ يميرهم مَيْرًا " , ومنه قول الشاعر: (2) بَعَثْتُــكَ مَــائِرًا فَمَكَــثْتَ حَـوْلا مَتَــى يَــأْتِي غِيَـاثُكَ مَـنْ تُغِيـثُ * * * (ونحفظ أخانا) ، الذي ترسله معنا(ونـزداد كيل بعير) ، يقول: ونـزداد على أحمالنا [من] الطعام حمل بعير (3) يكال لنا ما حمل بعير آخر من إبلنا ، (ذلك كيل يسير) ، يقول: هذا حمل يسير .

كما:- 19477-حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا حجاج , عن ابن جريج: (ونـزداد كيل بعير) قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير , فقالوا: أرسل معنا أخانا نـزداد حمل بعير ، وقال ابن جريج: قال مجاهد: (كيل بعير) حمل حمار .

قال: وهي لغة ، قال القاسم: يعني مجاهد: أن " الحمار " يقال له في بعض اللغات: " بعير ".

19478- حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد , عن قتادة قوله: (ونـزداد كيل بعير) ، يقول: حمل بعير.

19479- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (ونـزداد كيل بعير) نَعُدّ به بعيرًا مع إبلنا ، (ذلك كيل يسير).

---------------------- الهوامش: (1) في المطبوعة :" ردت إليه" ، والجيد ما أثبت .

(2) لم أعرف قائله ، ولم أجد البيت في مكان ، وإن كنت أخالني أعرفه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما فتحوا متاعهم الآية ليس فيها معنى يشكل .ما نبغي " ما " استفهام في موضع نصب ; والمعنى : أي شيء نطلب وراء هذا ؟

!

وفى لنا الكيل ، ورد علينا [ ص: 196 ] الثمن ; أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم .

وقيل : هي نافية ; أي لا نبغي منك دراهم ولا بضاعة ، بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردت إلينا .

وروي عن علقمة " ردت إلينا " بكسر الراء ; لأن الأصل ، رددت ; فلما أدغم قلبت حركة الدال على الراء .وقوله : ونمير أهلنا أي نجلب لهم الطعام ; قال الشاعر :بعثتك مائرا فمكثت حولا متى يأتي غياثك من تغيثوقرأ السلمي بضم النون ، أي نعينهم على الميرة .ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير أي حمل بعير لبنيامين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم إنهم { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } هذا دليل على أنه قد كان معلوما عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها.

فـ { قَالُوا } لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم -: { يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي } أي: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفَّى لنا الكيل، ورد علينا بضاعتنا على الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟

{ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببا لكيله لنا، فمرنا أهلنا، وأتينا لهم، بما هم مضطرون إليه من القوت، { وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } بإرساله معنا، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير، { ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي: سهل لا ينالك ضرر، لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبينت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولما فتحوا متاعهم ) الذي حملوه من مصر ( وجدوا بضاعتهم ) ثمن الطعام ( ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي ) أي : ماذا نبغي وأي شيء نطلب ؟

وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم ، وحثوه على إرسال بنيامين معهم ، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة ( هذه بضاعتنا ردت إلينا ) أي شيء نطلب بالكلام ، فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام ، أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن .

أرادوا تطييب نفس أبيهم ( ونمير أهلنا ) أي : نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم .

يقال : مار أهله يمير ميرا : إذا حمل إليهم الطعام من بلد [ إلى بلد آخر ] .

ومثله : امتار يمتار امتيارا .

( ونحفظ أخانا ) بنيامين أي : مما تخاف عليه .

( ونزداد ) على أحمالنا ( كيل بعير ) أي : حمل بعير يكال لنا من أجله ، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير ( ذلك كيل يسير ) [ أي : ما حملناه قليل لا يكفينا وأهلنا .

وقيل : معناه نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ] لا مؤنة فيه ولا مشقة .

وقال مجاهد : البعير ها هنا هو الحمار .

كيل بعير ، أي : حمل حمار ، وهي لغة ، يقال للحمار : بعير .

وهم كانوا أصحاب حمر ، والأول أصح أنه البعير المعروف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي» ما استفهامية أي أيَّ نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا وقرئ بالفوقانية خطابا ليعقوب وكانوا ذكروا له إكرامه لهم «هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا» تأتي بالميرة لهم وهي الطعام «ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير» لأخينا «ذلك كيل يسير» سهل على الملك لسخائه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما فتحوا أوعيتهم وجدوا ثمن بضاعتهم الذي دفعوه قد رُدَّ إليهم قالوا: يا أبانا ماذا نطلب أكثر من هذا؟

هذا ثمن بضاعتنا ردَّه العزيز إلينا، فكن مطمئنًا على أخينا، وأرسله معنا؛ لنجلب طعامًا وفيرًا لأهلنا، ونحفظ أخانا، ونزداد حِمْلَ بعير له؛ فإن العزيز يكيل لكل واحد حِمْلَ بعير، وذلك كيل يسير عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم اتجه الأبناء بعد هذه المحاورة مع أبيهم إلى أمتعتهم ليفتحوها ويخرجوا ما بها من زاد حضروا به من مصر ، فكانت المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله :( وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ .

.

.

)أى : وحين فتحوا أوعيتهم التى بداخلها الطعام الذى اشتروهن من عزيز مصر .

فوجئوا بوجود أثمان هذا الطعام قد رد إليهم معه ، ولم يأخذها عزيز مصر ، بل دسها داخل أوعيتهم دون أن يشعروا ، فدهشوا وقالوا لأبيهم متعجبين :( ياأبانا مَا نَبْغِي هذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ) أى : يا أبانا ماذا نطلب من الإِحسان والكرم أكثر من هذا الذى فعله معنا عزيز مصر؟

لقد أعطانا الطعام الذى نريده ، ثم رد إلينا ثمنه الذى دفعناه له دون أن يخبرنا بذلك .فما فى قوله ( مَا نَبْغِي ) استفهامية ، والاستفهام للتعجب من كرم عزيز مصر ، وهى مفعول نبغى ، ونبغى من البُغَاء - بضم الباء - وهو الطلب .والمراد ببضاعتهم : الثمن الذى دفعوه للعزيز فى مقابل ما أخذوه منه من زاد .وجملة ( هذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ) مستأنفة لتوضيح ما دل عليه الاستفهام من التعجب ، بسبب ما فعله معهم عزيز مصر من مروءة وسخاء .فكأنهم قالوا لأبيهم : كيف لا نعجب وندهش ، وهذه بضاعتنا ردت إلينا من حيث لا ندرى ومعها الأحمال التى اشتريناها من عزيز مصر لم ينقص منها شئ؟وقوله ( وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ) معطوف على مقدر يفهم من الكلام ، أى : ( هذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ) فننتفع بها فى معاشنا ، ونمير أهلنا ، أى : نجلب لهم الميرة - بكسر الميم وسكون الياء - وهى الزاد الذى يؤتى به من مكان إلى آخر .( وَنَحْفَظُ أَخَانَا ) عند سفره معنا من أى مكروه .( وَنَزْدَادُ ) بوجوده معنا عند الدخول على عزيز مصر .( كَيْلَ بَعِيرٍ ) أى : ويعطينا العزيز حمل بعير من الزاد ، زيادة على هذه المرة نظراً لوجود أخينا معنا .ولعل قولهم هذا كان سببه أن يوسف - عليه السلام - كان يعطى من الطعام على عدد الرءوس ، حتى يستطيع أن يوفر القوت للجميع فى تلك السنوات الشداد .واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - ( ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ ) يعود إلى الزاد الذى أحضروه من مصر أى : ذلك الطعام الذى أعطانا إياه عزيز مصر طعام يسير ، لا يكفينا إلا لمدة قليلة من الزمان ، ويجب أن نعود إلى مصر لنأتى بطعام آخر .وفى هذه الجمل المتعددة التى حكاها القرآن عنهم ، تحريض واضح منهم لأبيهم على أن يسمح لهم باصطحاب " بنيامين " معهم فى رحلتهم القادمة إلى مصرومن مظاهر هذا التحريض : مدحهم لعزيز مصر الذى رد لهم أثمان مشترياتهم ، وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد ، وتعهدهم بحفظ أخيهم وازدياد الأطعمة بسبب وجودهم معهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء، ويجوز أن يراد به هاهنا الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام.

ثم قال: ﴿ وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ واختلف القراء في ﴿ رُدَّتْ ﴾ فالأكثرون بضم الراء، وقرأ علقمة بكسر الراء.

قال صاحب الكشاف: كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع.

وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا: ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد.

وأما قوله: ﴿ مَا نَبْغِى ﴾ ففي كلمة ﴿ مَا ﴾ قولان: القول الأول: أنها للنفي، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا: إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب لمافعل ذلك، فقولهم: ﴿ مَا نَبْغِى ﴾ أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذباً ولا ذكر شيء لم يكن.

الثاني: أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا.

الثالث: المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإن هذه التي معنا كافية لنا.

والقول الثاني: أن كلمة ما هاهنا للاستفهام، والمعنى: لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا: ما نبغي بعد هذا، أي أعطانا الطعام، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟

واعلم أنا إذا حملنا ما على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا.

قال الأصمعي: يقال ماره يميره ميراً إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال: ما عنده خير ولا مير وقوله: ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ معناه: أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلابد وأن يزداد ذلك الحمل، وأما إذا حملنا كلمة ما على النفي كان المعنى لا نبغي شيئاً آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني، ثم نفعل كذا وكذا.

وأما قوله: ﴿ ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال مقاتل: ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج.

والثاني: ذلك كيل يسير، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير.

والثالث: أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ ردت إلينا ﴾ بالكسر، على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء، كما في: قيل وبيع، وحكى قطرب ضرب زيد.

على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد ﴿ مَا نَبْغِى ﴾ للنفي، أي: ما نبغي في القول، وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته.

أو ما نبتغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان.

أو على الاستفهام، بمعنى أي شيء نطلب وراء هذا؟

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ما تبغي ﴾ ، بالتاء على مخاطبة يعقوب، معناه: أي شيء تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الشاهد على صدقنا؟

وقيل: معناه ما نريد منك بضاعة أخرى.

وقوله ﴿ هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾ جملة مستأنفة موضحة لقوله: ﴿ مَا نَبْغِى ﴾ والجمل بعدها معطوفة عليها، على معنى: إن بضاعتنا ردّت إلينا، فنستظهر بها ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا ﴾ فما يصيبه شيء مما تخافه، ونزداد باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا، فأي شيء نبتغي وراء هذه المباغي التي نستصلح بها أحوالنا ونوسع ذات أيدينا: وإنما قالوا: ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ لما ذكرنا أنه كان لا يزيد للرجل على حمل بعير للتقسيط فإن قلت: هذا إذا فسرت البغي بالطلب، فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول، كانت الجملة الأولى وهي قوله: ﴿ هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾ بياناً لصدقهم وانتفاء التزيد عن قيلهم، فما تصنع بالجمل البواقي؟

قلت: أعطفها على قوله: ﴿ مَا نَبْغِى ﴾ على معنى: لا نبغي فيما نقول ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ ونفعل كيت وكيت.

ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، كقولك: وينبغي أن نمير أهلنا، كما تقول: سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه.

ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر.

ويجوز أن يراد: ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا، ثم قالوا: هذه بضاعتنا نستظهر بها ونمير أهلنا ونفعل ونصنع.

بياناً لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح ﴿ ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم.

فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم.

أو يكون ذلك إشارة إلى كيل بعير، أي ذلك الكيل شيء قليل يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه، أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه.

ويجوز أن يكون من كلام يعقوب، وأن حمل بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، كقوله ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ ﴾ [يوسف: 52] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ ﴾ وقُرِئَ « رِدَّتْ» بِنَقْلِ كَسْرَةِ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ نَقْلَها في بِيعَ وقِيلَ.

﴿ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ ماذا نَطْلُبُ هَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى ذَلِكَ أكْرَمَنا وأحْسَنَ مَثْوانا وباعَ مِنّا ورَدَّ عَلَيْنا مَتاعَنا.

أوْ لا نَطْلُبُ وراءَ ذَلِكَ إحْسانًا أوْ لا نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَزِيدُ فِيما حَكَيْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ.

وَقُرِئَ « ما تَبْغِي» عَلى الخِطابِ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُ وراءَ هَذا مِنَ الإحْسانِ، أوْ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِنا ؟

﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِقَوْلِهِ ﴿ ما نَبْغِي ﴾ .

﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ رُدَّتْ إلَيْنا فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ.

﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ عَنِ المَخاوِفِ في ذَهابِنا وإيابِنا.

﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ وسْقَ بَعِيرٍ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، هَذا إذا كانَتْ ﴿ ما ﴾ اسْتِفْهامِيَّةً فَأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً احْتَمَلَ ذَلِكَ واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمَلُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ ، أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ﴾ .

﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أيْ مَكِيلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، اسْتَقَلُّوا ما كِيلَ لَهم فَأرادُوا أنْ يُضاعِفُوهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ ويَزْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَيْلِ بَعِيرٍ أيْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ ولا يَتَعاظَمُهُ، وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ ومَعْناهُ، إنَّ حِمْلَ بِعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالوا يا أبانا مَا نَبْغِى} ما للنفي أي ما نبغي فى القول ولا نتجاوز الحق أو ما نبغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو للاستفهام أيْ أيّ شيء نطلب وراء هذا {هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا} جملة مستأنفة موضحة لقوله ما نبغي والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي طعام يحمل من غير بلدك {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخافه {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} نزداد وسق

بعير

يوسف (٦٥ _ ٦٨)

باستصحاب أخينا {ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ} سهل عليه متيسر لا يتعاظمه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ قالَ الرّاغِبُ: المَتاعُ كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ عَلى وجْهٍ وهو في الآيَةِ الطَّعامُ وقِيلَ: الوِعاءُ وكِلاهُما مَتاعٌ وهُما مُتَلازِمانِ فَإنَّ الطَّعامَ كانَ في الوِعاءِ والمَعْنى عَلى أنَّهم لَمّا فَتَحُوا أوْعِيَةَ طَعامِهِمْ ﴿ وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ﴾ الَّتِي كانُوا أعْطَوْها ثَمَنًا لِلطَّعامِ ﴿ رُدَّتْ إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تَفَضُّلًا وقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِما مَرَّ مِن دَلالَةِ الحالِ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( رِدَّتْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ وحَكى قُطْرُبٌ النَّقْلَ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرِ المُدْغَمِ نَحْوَ ضِرِبَ زَيْدٌ.

﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَئِذٍ فَقِيلَ: قالُوا لِأبِيهِمْ ولَعَلَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ الفَتْحِ ﴿ يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ إذا فُسِّرَ البَغْيُّ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ فَما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِنَبْغِي فالمَعْنى ماذا نَطْلُبُ وراءَ ما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ والمُراجَعَةِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ وقَدْ كانُوا أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّا قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ وأنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا وهَذِهِ بِضاعَتُنا رَدَّها إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي بَعْدَ ما مَنَّ عَلَيْنا بِما يُثْقِلُ الكَواهِلَ مِنَ المِنَنِ العِظامِ وهَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى هَذا فَنَطْلُبُهُ ومُرادُهم بِهِ أنَّ ذَلِكَ كافٍ في اسْتِيجابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ في اسْتِجْلابِ المَزِيدِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ كافٍ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي التَّقاعُدُ عَنْ طَلَبِ نَظائِرِهِ وهو ظاهِرٌ.

وجُمْلَةُ ﴿ رُدَّتْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ بِضاعَتُنا ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَرى وُجُوبَها في أمْثالِ ذَلِكَ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وجَعْلُها خَبَرَ ﴿ هَذِهِ ﴾ و ﴿ بِضاعَتُنا ﴾ بَيانًا لَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَمالِ الإحْسانِ النّاشِئِ عَنْ كَمالِ الإخْفاءِ المَفْهُومِ مِن كَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ ولا بِفاعِلِهِ وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وفِيهِ مِن مَدْحِهِ أيْضًا ما فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ نَجْلِبُ لَهُمُ المِيرَةَ وهي بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ طَعامٌ يَمْتارُهُ الإنْسانُ أيْ يَجْلِبُهُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وحاصِلُهُ نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ مِن عِنْدِ المَلِكِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ رَدُّ البِضاعَةِ أيْ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونُمَيْرُ أهْلَنا ﴿ ونَحْفَظُ أخانا ﴾ مِنَ المَكارِهِ حَسْبَما وعَدْنا وتَفَرُّعُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى إحْسانِ المَلِكِ فَإنَّهُ مِمّا يُعِينُ عَلى الحِفْظِ ﴿ ونَزْدادُ ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ ولِذَلِكَ وسَّطَ الإخْبارَ بِهِ بَيْنَ الأصْلِ والمَزِيدِ ﴿ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أيْ وسْقَ بَعِيرٍ زائِدًا عَلى أوَساقِ أباعِرِنا عَلى قَضِيَّةِ التَّقْسِيطِ المَعْهُودِ مِنَ المَلِكِ والبَعِيرُ في المَشْهُورِ مُقابِلُ النّاقَةِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها وتُكْسَرُ في لُغَةٍ باؤُهُ ويُجْمَعُ عَلى أبْعِرَةٍ وبِعِرانٍ وأباعِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالحِمارِ وذُكِرَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ لِلْحِمارِ بَعِيرٌ وهو شاذٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ ﴾ أيْ مَكِيلٌ ﴿ يَسِيرٌ ﴾ .

(65) .

أيْ قَلِيلٌ لا يَقُومُ بِأوَدِنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما كِيلَ لَهم أوَّلًا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِها لِلْجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ لَهم: قَدْ صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ ولَكِنْ ما الحاجَةُ إلى التِزامِ ذَلِكَ وقَدْ جِئْتُمْ بِالطَّعامِ فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ ما جِئْنا بِهِ غَيْرُ كافٍ لَنا فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ مَرَّةً أُخْرى وأخْذِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ ولا يَكُونُ ذَلِكَ بِدُونِ اسْتِصْحابِ أخِينا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما تَحْمِلُهُ أباعِرُهم والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ مِنَ الِازْدِيادِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى الِازْدِيادِ فَقِيلَ: إنَّ ما تَحْمِلُهُ أباعِرُنا قَلِيلٌ لا يَكْفِينا وقِيلَ: المَعْنى إنَّ ذَلِكَ الكَيْلَ الزّائِدَ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ أوْ سَهْلٌ عَلَيْهِ لا يَتَعاظَمُهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ ما يُقالُ: لَعَلَّ المَلِكَ لا يُعْطِيكم فَوْقَ العَشَرَةِ شَيْئًا ويَرى ذَلِكَ كَثِيرًا أوْ صَعْبًا عَلَيْهِ وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الكَيْلِ الَّذِي هم بِصَدَدِهِ وتَضَمُّنُهُ كَلامُهم وهو المُنْضَمُّ إلَيْهِ كَيْلُ البَعِيرِ الحاصِلُ بِسَبَبِ أخِيهِمُ المُتَعَهَّدِ بِحِفْظِهِ كَأنَّهم لَمّا ذَكَرُوا ما ذَكَرُوا وصَرَّحُوا بِما يُفْهَمُ مِنهُ مُبالَغَةٌ في اسْتِنْزالِ أبِيهِمْ فَقالُوا: ذَلِكَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ كَيْلٌ سَهْلٌ لا مَشَقَّةَ فِيهِ ولا مِحْنَةَ تَتْبَعُهُ وقَدْ يَبْقى الكَيْلُ عَلى مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ والكَلامُ عَلى هَذا الطَّرْزِ إلّا يَسِيرًا.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والإشارَةُ إلى كَيْلِ البَعِيرِ أيْ كَيْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ قالَ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا ذِكْرَهُ مَعَ كَلامِهِ السّابِقِ أوِ اللّاحِقِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ أيَّ مَطْلَبٍ نَطْلُبُ مِن مُهِمّاتِنا والجُمَلُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَوْضِيحٌ وبَيانٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الإنْكارُ مِن كَوْنِهِمْ فائِزِينَ بِبَعْضِ المَطالِبِ أوْ مُتَمَكِّنِينَ مِن تَحْصِيلِهِ فَكَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا مِنَ المَكْرُوهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِهِ غَيْرَ ما نَكْتالُهُ لِأنْفُسِنا كَيْلَ بَعِيرٍ فَأيُّ شَيْءٍ نَبْغِي وراءَ هَذِهِ المُباغِي وما ذَكَرْنا مِنَ العَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ هو المَشْهُورُ وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ ( نَمِيرُ ) وما تَلاهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ﴿ ما نَبْغِي ﴾ والمَعْنى اجْتِماعُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنهم في الوُجُودِ ولا يَحْتاجُ إلى جامِعٍ وراءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِما مَحْكِيَّيْنِ قَوْلًا لَهم عَلى أنَّهُ حاصِلٌ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في كَوْنِهِ لِاسْتِنْزالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَأْيِهِ وأنَّ المَلِكَ إذا كانَ مُحْسِنًا كانَ الحِفْظُ أهْوَنَ شَيْءٍ والِاسْتِفْهامُ لِرُجُوعِهِ إلى النَّفْيِ لا يَمْنَعُ العَطْفَ ووافَقَهُ في ذَلِكَ بَعْضُهم.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو حَيْوَةَ ( ما تَبْغِي ) بِتاءِ الخِطابِ ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والخِطابُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ وراءَ هَذِهِ المُباغِي المُشْتَمِلَةِ عَلى سَلامَةِ أخِينا وسِعَةِ ذاتِ أيْدِينا أوْ وراءَ ما فَعَلَ المَلِكُ مِنَ الإحْسانِ داعِيًا إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ مُوَضِّحَةٌ أيْضًا لِذَلِكَ أوْ أيُّ شَيْءٍ تَبْغِي شاهِدًا عَلى صِدْقِنا فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ الشّاهِدِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الإنْكارِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً ومَفْعُولُ ﴿ نَبْغِي ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ ما نَبْغِي شَيْئًا غَيْرَ ما رَأيْناهُ مِن إحْسانِ المَلِكِ في وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ أوْ ما نَبْغِي غَيْرَ هَذِهِ المُباغِي والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى ما نَبْغِي مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى نَشْتَرِي بِها ضَعِيفٌ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ وأمّا إذا فُسِّرَ البَغْيُ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ فَما نافِيَةٌ فَقَطْ والمَعْنى ما نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَكْذِبُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرْمِهِ المُوجِبِ لِما ذُكِرَ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ لِبَيانِ ما ادَّعَوْا مِن عَدَمِ البَغْيِ وقَوْلُهُ: ﴿ ونَمِيرُ ﴾ ..

إلَخْ عَطْفٌ عَلى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ونُمَيْرُ ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ فاجْتَمَعَ أسْبابُ الإذْنِ في الإرْسالِ والأوَّلُ كالتَّمْهِيدِ والمُقَدَّمَةُ لِلْبَواقِي والتَّناسُبُ مِن هَذا الوَجْهِ لِأنَّ الكُلَّ مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَطْلُوبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها بِوَجْهٍ ما عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الِاجْتِماعِ في المَقُولِيَّةِ لَكَفى عَلى ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الكَشْفِ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَلامًا ما مُبْتَدَأً أيْ جُمْلَةٌ تُذْيِيلِيَّةٌ اعْتِراضِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحَقُّ أبْلَجُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ نَمِيرَ ووَجْهُ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّذْيِيلُ أنَّ المَعْنى أنَّ المَلِكَ مُحْسِنٌ ونَحْنُ مُحْتاجُونَ فَفِيمَ التَّوَقُّفُ في الإرْسالِ وقَدْ تَأكَّدَ مُوَجِباهُ وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّما صَحَّ التَّأْكِيدُ والتَّذْيِيلُ لِأنَّ الكَلامَ في الِامْتِيارِ وكُلٌّ مِنَ الجُمَلِ بِمَعْناهُ أوِ المَعْنى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ في الرَّأْيِ وما نَعْدِلُ عَنِ الصَّوابِ فِيما نُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ مِن إرْسالِ أخِينا مَعَنا والجُمَلُ كُلُّها لِلْبَيانِ أيْضًا إلّا أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ نَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَصْنَعُ كَيْتَ وذَيْتَ وهو عَلى ما قِيلَ: وجْهٌ واضِحٌ حَسَنٌ يُلائِمُ ما كانُوا فِيهِ مَعَ أبِيهِمْ فَتَأمَّلْ هَذا وقَرَأتْ عائِشَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ﴿ ونَمِيرُ ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ جاءَ مارَ عِيالَهُ وأمارَهم بِمَعْنًى كَما في القامُوسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني: أوعيتهم وجواليقهم وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ يعني: دراهمهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا لأبيهم يا أَبانا مَا نَبْغِي يعني: ما نكذب، إنه ألطف علينا وأكرمنا هذِهِ بِضاعَتُنا أي: دراهمنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا يعني: نمتار لأهلنا، يعني: مار أهله، وأمار لأهله، إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده، يعني: ابعثه معنا لكي نحمل الطعام لأهلنا وَنَحْفَظُ أَخانا من الضيعة وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي: حمل بعير من أجله.

روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان يقرأ رُدَّتْ إِلَيْنا بكسر الراء، لأن أصله رددت، فأدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ونقل الكسر إلى الراء، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ يعني: سريع، لا حبس فيه إن أرسلته معنا ويقال: ذلك أمر هين الذي نسأل منك.

قالَ لهم يعقوب لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: تعطوني عهداً وثيقاً من الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال الكلبي: إلا أن ينزل بكم أمر من السماء، أو من الأرض.

وروى معمر عن قتادة أنه قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.

وقال مجاهد: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ يعني: تهلكوا جميعاً.

وقال الفراء: إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم.

فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ يعني: أعطوه عهودهم قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني: كفيلاً.

ويقال: شهيداً.

ثم قال تعالى: قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ يعني: قال يعقوب لبنيه حين أرادوا الخروج: يا بني لا تدخلوا من باب واحد، يعني: إذا دخلتم مصر، فلا تدخلوا من سكة واحدة، ومن طريق واحد.

ويقال: من درب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ يعني: من سكك متفرقة، ومن طرق شتى، لكي لا يظن بكم أحد أنكم جواسيس.

ويقال: خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم وقوتهم، وهم كلهم بنو رجل واحد.

فإن قيل: أليس هذا بمنزلة الطيرة، وقد نهي عن الطيرة؟

قيل له: لا، ولكن أمر العين حق.

وروي عن رسول الله  : «أنه كان يرقي من العين، ويتعوذ منها للحسن والحسين» .

ثم قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: من قضاء الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ إن شاء أصابكم العين، وإن شاء لم يصبكم.

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري وأمركم إليه وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يعني: فليثق الواثقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بالحقّ، إذا جهل أمره، والخزائن:

لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ: الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ «١» ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره «٢» ، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ:

هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها، ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين.

وقوله: «لِيُوسُفَ» : أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ.

انتهى.

وقوله عز وجل: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، قال السدِّيُّ «١» وغيره: سبب مجيئهم أنَّ المجاعة اتصلت ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ: «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ» ، فاحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا: نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيراً، فقال لهم يوسف: ولِمَ تخلَّفَ أحدكم؟

قالوا: لمحبَّة أبينا فيه، قال:

فأتوا بهذا الأخِ حتى/ أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ واستأذنوا على العزيز، وانتسبوا في الاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّماً أبداً سَتْراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف: صَدَقْتم، فلما قالوا: وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال: كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال:

أراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي ليظهر صدْقُهم في ذلك في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ.

وقوله: بِأَخٍ لَكُمْ ص: نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى.

وقول يوسف: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ...

الآية: يرغِّبهم في نفسه آخرا

ويؤنّسهم ويستميلهم، والْمُنْزِلِينَ: يعني: المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ، أي: في المستأنف، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَباً شَيْخاً» ، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهاراً لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ استوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى.

وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها: يريد: لعلَّهم يعرفون لها يداً وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه: «لَعَلَّ» وقيل: قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجباً عليه، وقيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه فرَدَّ البضاعة إِليهم لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل: جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد الاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ» : «نَكْتَئِل» ، وقولهم: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ: ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل: أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ عليه السلام:

هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ...

الآية: «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ/ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره «١» : «خَيْرٌ حِفْظاً» ، وقرأ حمزة وغيره: «خَيْرٌ حَافِظاً» ، ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى: أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فاستسلم يعقوبُ عليه

السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم: مَا نَبْغِي: يحتمل أنْ تكون «ما» استفهاما قاله قتادة: ونَبْغِي: من البُغْية، أي: ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج «١» : ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أن تكون أيضا نافية، ونَبْغِي من البَغْيِ، أي: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة «٢» : «ما تَبْغِي» على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بَعِيرَ أخيهم إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر لغيب صاحبه، وقولهم: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: قيل: معناه: يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه.

وقال السدِّيَّ: يَسِيرٌ، أي: سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ «٣» .

وقوله تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ الآية: أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله: اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، و «الوكيلُ» : القيِّم الحافظُ الضَّامن.

وقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ: لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وانظر أنَّ يعقوبَ عليه السلام قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء عليهم السلام، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه: وقد اشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها: التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها: عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالى يعقوب عليه الصلاة والسلام في كتابه، فقال: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٦٨] لأنه عمل الأسباب، واجتهد/ في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، واستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...

الآية، فأثنى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ يَعْنِي أوْعِيَةَ الطَّعامِ ﴿ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ﴾ الَّتِي حَمَلُوها ثَمَنًا لِلطَّعامِ " رُدَّتْ " قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ " رُدِدَتْ "، فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وبَقِيَتِ الرّاءُ مَضْمُومَةً.

ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ جَعَلَ كَسْرَتَها مَنقُولَةً مِنَ الدّالِ، كَما فُعِلَ ذَلِكَ في: قِيلَ، وبِيعَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أصْلَ الدّالِ الكَسْرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَبْغِي ﴾ في " ما " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ، المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وقَدْ رُدَّتْ بِضاعَتُنا إلَيْنا ؟

والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ، المَعْنى: ما نَبْغِي شَيْئًا، أيْ: لَسْنا نَطْلُبُ مِنكَ دَراهِمَ نَرْجِعُ بِها إلَيْهِ، بَلْ تَكْفِينا هَذِهِ في الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأرادُوا بِذَلِكَ تَطْيِيبَ قَلْبِهِ لِيَأْذَنَ لَهم بِالعَوْدِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " ما تَبْغِي " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ: نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: مارَ أهْلَهُ يَمِيرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ لِأهْلِهِ: إذا حَمَلَ إلَيْهِمْ أقْواتَهم مِن غَيْرِ بَلَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَحْفَظُ أخانا بِنْيامِينَ الَّذِي تُرْسِلُهُ مَعَنا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ونَحْفَظُ أخانا شَمْعُونَ الَّذِي أخَذَهُ رَهِينَةً عِنْدَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أيْ: وِقْرَ بَعِيرٍ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَصِيبَ أخِيهِمْ، لِأنَّ يُوسُفَ كانَ لا يُعْطِي الواحِدَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَلِكَ كَيْلٌ سَرِيعٌ، لا حَبْسَ فِيهِ، يَعْنُونَ إذا جاءَ مَعَنا، عَجَّلَ المَلِكُ لَنا الكَيْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ سَهْلٌ عَلى الَّذِي نَمْضِي إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: ذَلِكَ الَّذِي جِئْناكَ بِهِ كَيْلٌ يَسِيرٌ لا يُقْنِعُنا، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تُعْطُونِي عَهْدًا أثِقُ بِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَحْلِفُوا لِي بِاللَّهِ ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ أيْ: لَتَرُدُّنَّهُ إلَيَّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ اللّامُ جَوابٌ لِمُضْمَرٍ، تَلْخِيصُهُ: وتَقُولُوا: واللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَهْلَكَ جَمِيعُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنْ يُحالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ أيْ: أعْطَوْهُ العَهْدَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَلَفُوا لَهُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ  ومَنزِلَتِهِ مِن رَبِّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّهِيدُ.

والثّانِي: كَفِيلٌ بِالوَفاءِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ، قالَ لَهم يَعْقُوبُ: " لا تَدْخُلُوا " يَعْنِي مِصْرَ ﴿ مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِهَذا البابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بابًا مِن أبْوابِ مِصْرَ، وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الطُّرُقَ لا الأبْوابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ورَوى نَحْوَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي ما أرادَ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، وكانُوا أُولِي جَمالٍ وقُوَّةٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يُغْتالُوا لِما ظَهَرَ لَهم في أرْضِ مِصْرَ مِنَ التُّهْمَةِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ أنْ يَلْقَوْا يُوسُفَ في خَلْوَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: لَنْ أدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ، فَإنَّهُ إنْ شاءَ أهْلَكَكم مُتَفَرِّقِينَ، ومِصْداقُهُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم كَذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ حاجَةٌ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " قَضاها " أيْ: أبْداها وتَكَلَّمَ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إنَّهُ حافِظٌ لِما عَلَّمْناهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ أنَّ دُخُولَهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: وإنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ العَمَلُ عِلْمًا، لِأنَّ العِلْمَ أوَّلُ أسْبابِ العَمَلِ.

والرّابِعُ: وإنَّهُ لَمُتَيَقِّنٌ لِوَعْدِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: وإنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: وإنَّهُ لَعالِمٌ بِما عَلَّمْناهُ، أنَّهُ لا يُصِيبُ بَنِيهِ إلّا ما قَضاهُ اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْم لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلَ يَسِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ: "هَلْ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، وتَألُّمُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن فُرْقَةِ يامِينَ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِمَنعِهِمْ مِن حَمْلِهِ لِما رَأى في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ، لَكِنَّهُ أعْلَمَهم بِقِلَّةِ طُمَأْنِينَتِهِ إلَيْهِمْ، وأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِ مِن كَيْدِهِمْ، ولَكِنْ ظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهم كانُوا أنابُوا إلى اللهِ وانْتَقَلَتْ حالُهم فَلَمْ يَخَفْ كَمِثْلِ ما خافَ عَلى يُوسُفَ مِن قَبْلُ، لَكِنْ أعْلَمَ بِأنَّ في نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِلَّهِ تَعالى، بِخِلافِ عِبارَتِهِ في قِصَّةِ يُوسُفَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "خَيْرٌ حِفْظًا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وحَفْصَةُ -عن عاصِمٍ - "خَيْرٌ حافِظًا"، ونَصْبُ ذَلِكَ -فِي القِراءَتَيْنِ- عَلى التَمْيِيزِ، وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ "حافِظًا" عَلى الحالِ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٌّ الفارِسِيُّ؛ لِأنَّها حالٌ لا بُدَّ لِلْكَلامِ والمَعْنى مِنها، وذَلِكَ بِخِلافِ شَرْطِ الحالِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ حافِظَ اللهِ خَيْرٌ مِن حافِظِكم.

ومَن قَرَأ: "حِفْظًا" فَهو مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ ، ومَن قَرَأ: "حافِظًا" فَهو مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ  ﴾ .

فاسْتَسْلَمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ لِلَّهِ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فاللهُ خَيْرُ حافِظٍ وهو خَيْرُ الحافِظِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا بُعْدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ سَمّى المَشْدُودَ المَرْبُوطَ بِجُمْلَتِهِ مَتاعًا فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَتْحُ فِيهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رُدَّتْ" بِضَمِّ الراءِ عَلى اللُغَةِ الفاشِيَةِ عِنْدَ العَرَبِ، وتَلِيها لُغَةُ مَن يُشِمُّ، وتَلِيها لُغَةُ مَن يَكْسِرُ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابِ: "رِدَّتْ" بِكَسْرِ الراءِ عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ، وهي في بَنِي ضَبَّةَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وأمّا المُعْتَلُّ نَحْوَ قِيلَ وبِيعَ فالفاشِي فِيهِ الكَسْرُ، ثُمَّ الإشْمامُ، ثُمَّ الضَمُّ، فَيَقُولُونَ: قُولَ وبُوعَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ: ..................

وقُولَ لا أهْلَ لَهُ ولا مال قالَ الزَجّاجُ: مَن قَرَأ: "رِدَّتْ" بِكَسْرِ الراءِ جَعَلَها مَنقُولَةً مِنَ الدالِ، كَما فَعَلَ في قِيلَ وبِيعَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ أصْلَ الدالِ الكَسْرَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما نَبْغِي ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا، قالَهُ قَتادَةُ، و"نَبْغِي" مِنَ البُغْيَةِ، أيْ: ما نَطْلُبُ بَعْدَ هَذِهِ التَكْرِمَةِ؟

هَذا مالُنا رُدَّ إلَيْنا مَعَ مِيرَتِنا.

قالَ الزَجّاجُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: ما بَقِيَ لَنا ما نَطْلُبُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ نافِيَةً و"نَبْغِي" مِنَ البَغْيِ، أيْ: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا عَلى هَذا المَلِكِ ولا في وصْفِ إجْمالِهِ وإكْرامِهِ، هَذِهِ البِضاعَةُ مَرْدُودَةٌ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ما تَبْغِي" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ يَعْقُوبَ، وهي بِمَعْنى: ما تُرِيدُ؟

وما تَطْلُبُ؟

قالَ المَهْدَوِيُّ: ورَوَتْها عائِشَةُ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَمِيرُ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن: مارَ يَمِيرُ إذا جَلَبَ الخَيْرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: بِعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ يا مَن تُغِيثُ؟

وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "وَنُمِيرُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي مِن قِراءَةِ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ، وعَلى هَذا يُقالُ: مارَ وأمارَ بِمَعْنًى.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ يُرِيدُونَ بَعِيرِ أخِيهِمْ، إذْ كانَ يُوسُفُ إنَّما حَمَلَ لَهم عَشَرَةُ أبْعِرَةٍ ولَمْ يَحْمِلِ الحادِي عَشَرَ لِغَيْبَةِ صاحِبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "كَيْلَ بَعِيرٍ" أرادَ: كَيْلَ حِمارٍ، قالَ: وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ لِلْحِمارِ: بَعِيرٌ.

وهَذا شاذٌّ.

وَقَوْلُهُمْ: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ تَقْرِيرٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، أيْ: أذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ في مِثْلِ هَذا العامِ فَيُهْمَلُ أمْرُهُ؟

وقِيلَ: مَعْناهُ: يَسِيرٌ عَلى يُوسُفَ أنْ يُعْطِيَهُ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: وقَدْ كانَ يُوسُفُ وعَدَهم أنْ يَزِيدَهم حِمْلُ بَعِيرٍ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: كَيْلٌ يَسِيرٌ أيْ سَرِيعٌ لا نُحْبَسُ فِيهِ ولا نُمْطَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهم -عَلى هَذا- آنَسُوهُ بِقُرْبِ العَوْدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أصل المتاع ما يتمتع به من العروض والثياب.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ في سورة النساء (102).

وأطلق هنا على إعدال المتاع وإحماله من تسمية الشيء باسم الحالّ فيه.

وجملة قالوا يا أبانا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لترقب السامع أن يعلم ماذا صدر منهم حين فجأهم وجدان بضاعتهم في ضمن متاعهم لأنه مفاجأة غريبة، ولهذه النكتة لم يعطف بالفاء.

و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ ما نبغي ﴾ يجوز أن يكون للاستفهام الإنكاري بتنزيل المخاطب منزلة من يتطلب منهم تحصيل بغية فينكرون أن تكون لهم بغية أخرى، أي ماذا نطلب بعد هذا.

ويجوز كون ﴿ ما ﴾ نافية، والمعنى واحد لأن الاستفهام الإنكاري في معنى النفي.

وجملة ﴿ هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ مبينة لجملة ﴿ ما نبغي ﴾ على الاحتمالين.

وإنما علموا أنها رُدّت إليهم بقرينة وَضْعها في العِدل بعد وضع الطعام وهم قد كانوا دفعوها إلى الكيالين، أو بقرينة ما شاهدوا في يوسف عليه السلام من العطف عليهم، والوعد بالخير إن هم أتوا بأخيهم إذ قال لهم ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ [سورة يوسف: 59].

وجملة ونمير أهلنا } معطوفة على جملة ﴿ هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ ، لأنها في قوة هذا ثمن ما نحتاجه من الميرة صَار إلينا ونمير به أهلنا، أي نأتيهم بالميرة.

والميرة بكسر الميم بعدها ياء ساكنة: هي الطعام المجلوب.

وجملة ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ونمير أهلنا ﴾ ، لأن المير يقتضي ارتحالاً للجلب، وكانوا سألوا أباهم أن يكون أخوهم رفيقاً لهم في الارتحال الذكور، فكانت المناسب بين جملة ﴿ ونمير أهلنا ﴾ وجملة ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ بهذا الاعتبار، فذكروا ذلك تطميناً لخاطر فيهم.

وجملة ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ زيادةٌ في إظهار حرصهم على سلامة أخيهم لأن في سلامته فائدة لهم بازدياد كيل بعير، لأن يوسف عليه السلام لا يعطي الممتارَ أكثر من حمل بعير من الطعام، فإذا كان أخوهم معهم أعطاه حِمل بعير في عداد الإخوة.

وبه تظهر المناسبة بين هذه الجملة والتي قبلها.

وهذه الجمل مرتبة ترتيباً بديعاً لأن بعضها متولد عن بعض.

والإشارة في ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ إلى الطعام الذي في متاعهم.

وإطلاق الكيل عليه من إطلاق المصدر على المفعول بقرينة الإشارة.

قيل: إن يعقوب عليه السلام قال لهم: لعلهم نسوا البضاعة فإذا قدمتم عليهم فأخبروهم بأنكم وجدتموها في رحالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ ﴾ أيْ وجَدُوا الَّتِي كانَتْ بِضاعَتَهم وهو ما دَفَعُوهُ في ثَمَنِ الطَّعامِ الَّذِي امْتارُوهُ.

﴿ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى ما نَبْغِي بَعْدَ هَذا الَّذِي قَدْ عامَلَنا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ ما نَبْغِي بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ عَنِ المَلِكِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ لَهُ تَعْرِيفًا واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ تَرْغِيبًا، وهو أظْهَرُ الِاحْتِمالَيْنِ.

﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ نَأْتِيهِمْ بِالمِيرَةِ، وهي الطَّعامُ المُقْتاتُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ.

﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ مَحْضٌ لِيَعْقُوبَ.

﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ وهَذا اسْتِنْزالٌ.

﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ وهو تَرْغِيبٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَيْلُ البَعِيرِ نَحْمِلُ عَلَيْهِ أخانا.

والثّانِي: كَيْلُ بَعِيرٍ هو نَصِيبُ أخِينا؛ لِأنَّ يُوسُفَ قَسَّطَ الطَّعامَ بَيْنَ النّاسِ فَلا يُعْطى الواحِدُ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ.

﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي جِئْناكَ بِهِ كَيْلٌ يَسِيرٌ لا يَنْفَعُنا.

والثّانِي: أنَّ ما نُرِيدُهُ يَسِيرٌ عَلى مَن يَكِيلُ لَنا، قالَهُ الحَسَنُ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ اسْتِعْطافًا، وعَلى الثّانِي تَسْهِيلًا.

وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وفاءٌ لِيُوسُفَ فِيما بَذَلُوهُ مِن مُراوَدَةٍ في اجْتِذابِ أخِيهِمْ لِأنَّهم قَدْ راوَدُوهُ مِن سائِرِ جِهاتِ المُراوَدَةِ تَرْغِيبًا واسْتِنْزالًا واسْتِعْطافًا وتَسْهِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ في هَذا المَوْثِقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشْهادُهُمُ اللَّهَ عَلى أنْفُسِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ حَلِفُهم بِاللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كَفِيلٌ يَتَكَفَّلُ بِهِمْ ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلّا أنْ يَهْلِكَ جَمِيعُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلى أمْرِكم، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ائتوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال: يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال: خير من يضيف بمصر.

وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال: خير المضيفين.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأنا خير المنزلين ﴾ قال يوسف عليه السلام: أنا خير من يضيف بمصر.

وأخرج سعيد بن منصور، عن إبراهيم أنه كان يقرأ ﴿ وقال لفتيته ﴾ أي لغلمانه ﴿ اجعلوا بضاعتهم ﴾ أي أوراقهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن إسحاق قال: كان منزل يعقوب وبنيه فيما ذكر لي، بعض أهل العلم بالعربات، من أرض فلسطين بغور الشام.

وبعض كان يقول بالأدلاج، من ناحية شعب أسفل من جسمي، وما كان صاحب بادية له بها شاء وإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن المغيرة، عن أصحاب عبد الله ﴿ فأرسل معنا أخانا نكتل ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج، رضي الله عنه- ﴿ فأرسل معنا أخانا ﴾ يكتل له بعيراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مغيرة، عن أصحاب عبد الله رضي الله عنه ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد وابن المنذر، عن علقمة أنه كان يقرأ ﴿ ردت إلينا ﴾ بكسر الراء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ يقول: ما نبغي هذه أوراقنا ردت إلينا، وقد أوفي لنا الكيل ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ أي حمل بعير.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ قال: حمل حمار.

قال: وهي لغة.

قال أبو عبيد يعني مجاهد أن الحمار، يقال له في بعض اللغات، بعير.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الا أن يحاط بكم ﴾ قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ ﴾ الآية.

المتاع ما يصلح للاستمتاع عامًّا في كل شيء وهاهنا يجوز أن يراد به ذلك الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام.

وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ﴾ ذكر الفراء (١) (٢) (٣) (٤) الوجه الثاني: أن يكون "ما" نفيًا، كأنهم قالوا: ما نبغي شيئًا هذه بضاعتنا.

وقال الفراء (٥) (٦) ﴿ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾ والإشارة إلى البضاعة تحتمل معنيين أحدهما: أنهم لم يثقوا بمعرفة أبيهم لها، فعرفوها بإشارتهم إليها، والآخر: أن معنى الإشارة هاهنا التقريب (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ عطف على قوله ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ كأنهم قالوا: ما نبغي منك في هذا الوجه شيئًا تصرفنا به، ومع ذلك نمير أهلنا أي نجلب إليهم الطعام، قال الأصمعي (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أي نزيد حمل بعير من الطعام.

قال الزجاج (١٢) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ قال الحسن (١٣) (١٤) ونحو هذا قال مقاتل (١٥) (١٦) (١٧) (١) "معاني القرآن" 2/ 49.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.

(٣) "الوقف والابتداء" 2/ 725، 726، و"زاد المسير" 4/ 252.

(٤) الطبري 13/ 11، وابن أبي حاتم 7/ 2166 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 48.

(٥) "معاني القرآن" 2/ 49.

(٦) "زاد المسير" 4/ 252.

(٧) في (أ)، (ب): (للتقريب).

(٨) الثعلبي 7/ 94 أ، البغوي 4/ 257، و"زاد المسير" 4/ 252.

(٩) في (أ)، (ج): وإن سأل).

(١٠) "تهذيب اللغة" (مار) 4/ 3325، الرازي 8/ 171.

(١١) مثل يضرب لمن ليس عنده خير عاجل، ولا يرجى مه أن يأتي بخير.

مجمع الأمثال للميداني 3/ 282، كتاب الأمثال لأبي عبيد 306.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.

(١٣) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 276.

(١٤) في (ب).

(مبشر).

(١٥) "تفسير مقاتل" 155 ب، قال: سريع لا حبس فيه، الرازي 18/ 171.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.

(١٧) هذا القول نسبه في "زاد المسير" 4/ 253 إلى مقاتل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ لفتيانه ﴾ جمع فتى وهو الخادم سواء كان حراً أو عبداً ﴿ اجعلوا بضاعتهم فِي رِحَالِهِمْ ﴾ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ ﴾ أي لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد برد البضاعة إليه مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم ﴿ مُنِعَ مِنَّا الكيل ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ﴾ فهو خوف من المنع في المستقبل ﴿ نَكْتَلْ ﴾ وزنه نفتعل من الكيل ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي شيء نطلبه بعد هذه الكرامة وهي ردّ البضاعة مع الطعام ويحتمل أن تكون ما نافية ونبغي من البغي: أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ أي نسوق لهم الطعام ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطى إلا كيل بعير من الطعام لكل إنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي.

والبعير الجمل ﴿ ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي قليل عنده أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه ﴿ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ الله ﴾ أراد أن يحلفوا له ولتأتنني به جواب اليمين ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي إلا تغلبوا فلا تطيقون الإيتان به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.

الباقون بالنون.

﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.

الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله  ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.

وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.

والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.

روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.

فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.

﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.

وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.

يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.

قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.

ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.

أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.

قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟

قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟

فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.

والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.

وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.

قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله  عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.

وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.

ووصف نفسه  بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.

﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.

﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.

﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.

وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله  ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.

والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.

﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.

﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.

وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.

قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.

يروى.

أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.

فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.

فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.

وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟

قال: الرأي رأيك.

قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.

وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.

وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله  : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.

وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.

وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.

﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.

قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.

قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.

وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟

وما شأنكم فإني أنكركم.

قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.

فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟

قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.

قال: كم أنتم؟

قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.

فقال: فكم أنتم ههنا؟

قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟

قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.

قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟

قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.

قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.

فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.

وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.

فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.

وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟

فقالوا: بل بقي عنده واحد.

فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟

قالوا: لا بل لزيادة محبته.

فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.

ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.

والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.

ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.

﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.

والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.

وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.

أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.

وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.

وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.

﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.

﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.

والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.

وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.

أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.

المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.

﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.

ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.

قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.

ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.

يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.

وقال مقاتل.

ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.

واختاره الزجاج.

وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.

﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.

قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.

وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله  كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.

وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله  في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.

فقال: إن جبرائيل  أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.

"وروي أنه دخل رسول الله  بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.

قال: أفلا تسترقون له من العين؟

وعنه  : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.

المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.

قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.

واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.

وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي  العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.

وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.

وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.

أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.

وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله  لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.

واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.

وقد صدقه الله  في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله  .

وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.

وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.

ثم مدحه الله  بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.

وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.

وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.

وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله  كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.

التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.

كما قال النبي  : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .

وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال  : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله  في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله  .

﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.

﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.

وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال  ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم  ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال  : "نية المؤمن خير من عمله" .

وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.

ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ ﴾ .

فيما يستقبل ويستأنف لقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .

﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ ﴾ بالنون؛ وبالياء: (يكتل)، وبالنون أقرب؛ لأنهم قالوا: منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل؛ نحن، يشبه: ويكتل هو إن أرسلته.

﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

لا يحتمل أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك: من خوف خاف عليه أبوهم من ناحيتهم، وقد اتهمهم؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم، خاف عليه أن يضيعوه أو إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر، ولسنا ندري ما ذلك المعنى والله أعلم بذلك.

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود  : (هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل).

في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر، يجوز أن يتهم فيما لم يظهر منه شيء؛ حيث اتهمهم يعقوب في بنيامين بخيانة كانت منهم في يوسف؛ وإن لم يظهر له منهم في أخيه شيء، وهو حجة لأصحابنا: أن من ظهر فسقه في شيء أو كذبه في أمر، صار مجروح الشهادة في غيره.

وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

أي: إن أرسلته فإنما أعتمد على حفظ الله، وإليه أكل في حفظه؛ لست أعتمد على حفظكم.

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

أي: هو بكل مكروب وملهوف أرحم من كل راحم؛ لأن كل من يرحم إنما يرحمه برحمة نالها منه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ .

هذا قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ هذا يحتمل: ما نبغي سوى الثمن؛ فقد رد إلينا دراهمنا أو يكون قوله: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ وراء هذا كبير شيء؛ إنما نبغي ثمن بعير واحد وثمن بعير واحد يسير؛ لأنه قدر ردت بضاعتنا؛ وهو ثمن عشرة أبعرة.

﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ .

لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حِمْل بعير واحد، ولا يعطي أكثر من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله.

﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: سريع لا حبس فيه: وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ بقوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ  فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ  ﴾ فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه.

والله أعلم.

ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: حتى تأتوني بمواثيق من الله؛ وبعهود منه.

﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه وإن قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ واعتمد في الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من الله، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على الله وإليه يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق.

﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ .

أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعاً؛ فعند ذلك تكونون معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا.

والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ حيث طلب منهم أن يأتوه به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ﴾ يعقوب: ﴿ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: الله له حفيظ؛ كما قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ﴾ .

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: إن يعقوب خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ذوي صور وجمال وبهاء؛ فخشي عليهم العين؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا متفرقين.

وقال بعضهم: خشي عليهم البيات والهلاك؛ لأنهم كانوا أهل قوة ومنعة؛ فيخافهم أهل البلد ويفرقون منهم السرقة؛ فأمرهم بالتفرق، وهو قول ابن عباس؛ فإذا كانوا متفرقين فلا يهلكون الكل؛ وإنما يهلك بعضهم وينجو بعض أو لا يدرى ما أراد بهذا.

وقال بعضهم: علم يعقوب أنهم لا يهلكون؛ لما رأى يوسف من الرؤيا أن يسجد له إخوته، ولكن خاف عليهم أن تصيبهم النكبة؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، أو من سكك متفرقة، أو من طرق متفرقة، أو ما قالوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

أي لا أدفع عنكم من الله من شيء؛ إن أصابكم نكبة أو عين، فإن قيل: لو كان أمره إياهم بالتفرق؛ لخوف العين؛ أو لخوف أهل البلد منهم السرقة والإغارة، كيف لم يأمرهم [بذلك] في المرة الأولى؛ وخوف العين؟

لم يخش ذلك لما قد يقع الاجتماع ما ذكر ابن عباس  : أنه يخافهم أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين أنهم لصوص وأنهم كذا، ولكن جائز أن يكون في المرة الأولى لم يخش ذلك؛ لما قد يقع الاجتماع في أمثال أولئك من الرفقاء والصحابة، فلا يكون في ذلك الخوف الذي ذكروا.

وإذا عادوا في المرة الثانية؛ قد يحتمل ذلك الخوف من العين؛ وغيره، إذا علم أهل البلد أن ذلك العدد تحت أب واحد، أو أمرهم بالتفرق على الأبواب؛ بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا نحتاج إليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم [من الله من شيء إن أصابكم نكبة أو عين وإن تفرقتم إن الحكم إلا لله، هذا تفسير قوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم] بما أحتال ما قدر الله وقضاه؛ أن يصيبكم؛ [فيصيبكم] لا محالة [وينزل بكم ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ أي: ما الحكم في ذلك إلا لله ما في حكمه وقضائه أن يصيبكم فيصيبكم لا محالة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .

هذا أصل كل أمر يخاف المرء، وأن يأخذ بالحذر، ويتوكل - مع ذلك - على الله؛ على ما أمر يعقوب -  - بنيه بالحذر في ذلك، ثم توكل على الله في ذلك.

والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ من أبواب متفرقة.

﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

أي: ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أن يصيبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ .

الحاجة في النفس: أحد شيئين: إما الرغبة، وإما الرهبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً  ﴾ فعلى ذلك حاجة يعقوب، لا تخلو: إما أن كانت رغبة منه؛ في تفرقهم، أو رهبة في اجتماعهم؛ قضى تلك الحاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة ما قال يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ أي: وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق؛ والنهي عن الاجتماع.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ما أراد بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .

وعن ابن عباس  ما: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ : من السكك المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئاً إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها.

﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ يقول: حافظاً لما علمناه، وقيل: حافظاً له؛ عالماً به، وقيل: ﴿ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ ﴾ لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: ما أصابه من الحزن؛ بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك، لم يعمل فيه ولم يؤثر.

وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ قال: أما والله ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك.

وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ أي: خيفة العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا عدداً من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما فتحوا أوعية طعامهم الذي جلبوه وجدوا ثمنه رد إليهم، فقالوا لأبيهم: أي شيء نطلب من هذا العزيز بعد هذا الإكرام؛ وهذا ثمن طعامنا رده العزيز تفضلًا منه علينا، ونجلب الطعام لأهلنا، ونحفظ أخانا مما تخافه عليه، ونزداد كيل بعير بسبب اصطحابه، فزيادة كيل بعير أمر سهل عند العزيز.

<div class="verse-tafsir" id="91.eazDw"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد