الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٦٧ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ، إخبارا عن يعقوب ، عليه السلام : إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر ، ألا يدخلوا كلهم من باب واحد ، وليدخلوا من أبواب متفرقة ، فإنه كما قال ابن عباس ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي : إنه خشي عليهم العين ، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ، ومنظر وبهاء ، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم; فإن العين حق ، تستنزل الفارس عن فرسه .
وروى ابن أبي حاتم ، عن إبراهيم النخعي في قوله : ( وادخلوا من أبواب متفرقة ) قال : علم أنه سيلقى إخوته في بعض الأبواب .
وقوله : ( وما أغني عنكم من الله من شيء ) أي : هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه ; فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع ( إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه لما أرادُوا الخروج من عنده إلى مصر ليمتاروا الطعام: يا بني لا تدخلوا مصر من طريق واحد , وادخلوا من أبواب متفرقة.
* * * وذكر أنه قال ذلك لهم , لأنهم كانوا رجالا لهم جمال وهيأة , (7) فخاف عليهم العينَ إذا دخلوا جماعة من طريق واحدٍ، وهم ولد رجل واحد , فأمرهم أن يفترقوا في الدخول إليها .
كما:- 19487- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا يزيد الواسطي , عن جويبر , عن الضحاك: (لا تدخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) ، قال: خاف عليهم العينَ .
19488- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد , عن قتادة قوله: (يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد) خشي نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم العينَ على بنيه، كانوا ذوي صُورة وجَمال.
19489- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (وادخلوا من أبواب متفرقة) ، قال: كانوا قد أوتوا صورةً وجمالا فخشي عليهم أنفُسَ الناس.
19490- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) ، قال: رهب يعقوب عليه السلام عليهم العينَ.
19491- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان , قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (لا تدخلوا من باب واحد) ، خشي يعقوب على ولده العينَ.
19492- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب , عن أبي معشر , عن محمد بن كعب: (لا تدخلوا من باب واحد) ، قال: خشي عليهم العين.
19493- ...
قال، حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي قال: خاف يعقوب صلى الله عليه وسلم على بنيه العين , فقال: (يا بني لا تدخلوا من باب واحد) .
فيقال: هؤلاء لرجل واحدٍ!
ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة.
19494- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما أجمعوا الخروجَ ، يعني ولد يعقوب ، قال يعقوب: (يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) ، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم , وأنهم لرجل واحدٍ.
* * * وقوله: (وما أغني عنكم من الله من شيء) ، يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من قضاء الله الذي قد قضاه عليكم من شيء صغير ولا كبير , لأن قضاءه نافذ في خلقه (8) ، (إن الحكم إلا لله) ، يقول: ما القضاء والحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء , فإنه يحكم في خلقه بما يشاء , فينفذ فيهم حكمه , ويقضي فيهم، ولا يُرَدّ قضاؤه ، (عليه توكلت) ، يقول: على الله توكلت فوثقت به فيكم وفي حفظكم عليّ، حتى يردكم إليّ وأنتم سالمون معافون , لا على دخولكم مصر إذا دخلتموها من أبواب متفرقة ، (وعليه فليتوكل المتوكلون) ، يقول: وإلى الله فليفوِّض أمورَهم المفوِّضون .
(9) ---------------------- الهوامش: (7) في المطبوعة :" وهيبة" ، لأنها في المخطوطة :" وهمة" ، غير منقوطة ، وستأتي كذلك بعد ، وسأصححها دون أن أشير هذا التصحيح في سائر المواضع .
(8) انظر تفسير" أغنى" فيما سلف 15 : 472 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(9) انظر تفسير" التوكل" فيما سلف 15 : 545 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون[ ص: 197 ] فيه سبع مسائل :الأولى : لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين ; فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد ، وكانت مصر لها أربعة أبواب ; وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد ; وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة ; قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم .الثانية : إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين ، والعين حق ; وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر .
وفي تعوذه - عليه السلام - : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ما يدل على ذلك .
وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول : اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخزار فنزع جبة كانت عليه ، وعامر بن ربيعة ينظر ، قال : وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء !
فوعك سهل مكانه واشتد وعكه ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبر أن سهلا وعك ، وأنه غير رائح معك يا رسول الله ; فأتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر ; فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق ، توضأ له ، فتوضأ عامر ، فراح سهل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس به بأس ; في رواية ( اغتسل ) فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه ; فراح سهل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس به بأس .
وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة فقالت : إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين ; فرجع إلى منزله فسقط ، فبلغه ما قالت المرأة ، فأرسل إليها فغسلت له ; ففي هذين الحديثين أن العين حق ، وأنها تقتل كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وهذا قول [ ص: 198 ] علماء الأمة ، ومذهب أهل السنة ; وقد أنكرته طوائف من المبتدعة ، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة ، وبما يشاهد من ذلك في الوجود ; فكم من رجل أدخلته العين القبر ، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر ، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله .
قال الأصمعي : رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال : أيتهن هذه ؟
فقالوا : الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها ، فهلكتا جميعا ، المورى بها والمورى عنها .
قال الأصمعي .
وسمعته يقول : إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني .الثالثة : واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك ; فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ; ألا ترى قوله - عليه السلام - لعامر : ألا بركت فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن ، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك .
والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين !
اللهم بارك فيه .الرابعة : العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ، ويجبر على ذلك إن أباه ; لأن الأمر على الوجوب ، لا سيما هذا ; فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه .الخامسة : من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره ; وقد قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته ; وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به ، ويكف أذاه عن الناس .
وقد قيل : إنه ينفى ; وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال ; فإنه - عليه السلام - لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي ، بل قد يكون الرجل الصالح عائنا ، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به ; ومن قال : يحبس ويؤمر بلزوم بيته .
فذلك احتياط ودفع ضرر ، والله أعلم .السادسة : روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما : ما لي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما : يا رسول الله !
إنه تسرع إليهما العين ، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر سبقته العين .
وهذا [ ص: 199 ] الحديث منقطع ، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة متصلة صحاح ; وفيه أن الرقى مما يستدفع به البلاء ، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه ، أي تضعفه وتنحله ; وذلك بقضاء الله تعالى وقدره .
ويقال : إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار ، والله أعلم .السابعة : أمر - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين ، وأمر هنا بالاسترقاء ; قال علماؤنا : إنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن ; وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة ، والله أعلم .قوله تعالى : وما أغني عنكم من الله من شيء أي من شيء أحذره عليكم ; أي لا ينفع الحذر مع القدر ." إن الحكم " أي الأمر والقضاء .إلا لله عليه توكلت أي اعتمدت ووثقت .
وعليه فليتوكل المتوكلون .
ثم لما أرسله معهم وصاهم، إذا هم قدموا مصر، أن { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ } وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب.
{ وَ } إلا فـ { مَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } فالمقدر لا بد أن يكون، { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب، { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } فإن بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب.
( وقال ) لهم يعقوب لما أرادوا الخروج من عنده ( يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ) وذلك أنه خاف عليهم العين; لأنهم كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة ، وكانوا ولد رجل واحد ، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين ، فإن العين حق ، وجاء في الأثر : " إن العين تدخل الرجل القبر ، والجمل القدر " .
وعن إبراهيم النخعي : أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق .
والأول أصح .
ثم قال : ( وما أغني عنكم من الله من شيء ) معناه : إن كان الله قضى فيكم قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين ، فإن المقدور كائن والحذر لا ينفع من القدر ( إن الحكم ) ما الحكم ( إلا لله ) هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله ( عليه توكلت ) اعتمدت ( وعليه فليتوكل المتوكلون ) .
«وقال يا بني لا تدخلوا» مصر «من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة» لئلا تصيبكم العين «وما أغني» أدفع «عنكم» بقولي ذلك «من الله من» زائدة «شيء» قدَّره عليكم وإنما ذلك شفقة «إن» ما «الحكم إلا لله» وحده «عليه توكلت» به وثقت «وعليه فليتوكل المتوكلون».
وقال لهم أبوهم: يا أبنائي إذا دخلتم أرض "مصر" فلا تدخلوا مِن باب واحد، ولكن ادخلوها من أبواب متفرقة، حتى لا تصيبكم العين، وإني إذ أوصيكم بهذا لا أدفع عنكم شيئًا قضاه الله عليكم، فما الحكم إلا لله وحده، عليه اعتمدت ووثقت، وعليه وحده يعتمد المؤمنون.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما وصى به يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال ( وَقَالَ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ .
.
.
) .أى : وقال يعقوب - الأب العطوف - لأبنائه وهو يودعهم : يا بنى إذا وصلتم إلى مصر ، فلا تدخلوا كلكم من باب واحد ، وأنتم أحد عشر رجلاً بل ادخلوا من أبوابها المتفرقة ، بحيث يدخل كل اثنين أو ثلاثة من باب .قالوا : وكانت أبواب مصر فى ذلك الوقت أربعة أبواب .وقد ذكر المفسرون أسباباً متعددة لوصية يعقوب هذه لأبنائه ، وأحسن هذه الأسباب ما ذكره الآلوسى فى قوله : نهاهم عن الدخول من باب واحد ، حذراً من إصابة العين ، أى من الحسد ، فإنهم كانوا ذوى جمال وشارة حسنة .
.
فكانوا مظنة لأن يعانوا - أى لأن يحسدوا - إذا ما - دخلوا كوكبة واحدة .
.
.ثم قال : والعين حق ، كما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح أيضاً بزيادة " ولو كان شئ يسبق القدر سبقته العين " .وقد ورد أيضاً : " إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر " .وقيل : إن السبب فى وصية يعقوب لأبنائه بهذه الوصية ، خوفه عليهم من أن يسترعى عددهم حراس مدينة مصر إذا ما دخلوا من باب واحد ، فيترامى فى أذهانهم أنهم جواسيس أو ما شابه ذلك ، فربما سجنوهم ، أو حالوا بينهم وبين الوصول إلى يوسف - عليه السلام - .
.
.وقوله ( وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ ) اعتراف منه - عليه السلام - بأن دخولهم من الأبواب المتفرقة ، لن يحول بينهم وبين ما قدره - تعالى - وأراده لهم ، وإنما هو أمرهم بذلك من باب الأخذ بالأسباب المشروعة .أى : وإنى بقولى هذا لكم ، لا أدفع عنكم شيئا قدره الله عليكم ، ولو كان هذا الشئ قليلا .( إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ) أى : ما الحكم فى كل شئ إلى لله - تعالى - وحده لا ينازعه فى ذلك منازع .
ولا يدافعه مدافع .( وعليه ) وحده ( توكلت ) فى كل أمورى .( وعليه ) وحده ( فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون ) أى المريدون للتوكل الحق ، والاعتماد الصدق الذى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب التى شرعها الله وأمر بها .إذ أن كلا من التوكل والأخذ بالأسباب مطلوب من العبد ، إلا أن العاقل عندما يأخذ فى الأسباب يجزم بأن الحكم لله وحده فى كل الأمور ، وأن الأسباب ما هى إلا أمور عادية ، يوجد الله - تعالى - معها ما يريد إيجاده ، ويمنع ما يريد منعه ، فهو الفعال لما يريد .ويعقوب - عليه السلام - عندما أوصى أبناءه بهذه الوصية ، أرادبها تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه ، مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدباً مع الله - تعالى - واضع الأسباب ومشرعها .
.
.
اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر.
وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ ﴾ وفيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا هاهنا مقامان.
المقام الأول: إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه: الأول: إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك.
والثاني: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: «أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» ويقول هكذا كان يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق صلوات الله عليهم.
والثالث: ما روى عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى فقال: «إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك» قال فأفقت.
والرابع: روي أن بني جعفر ابن أبي طالب كانوا غلمناً بيضاً فقالت أسماء: يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين فقال لها: «نعم».
والخامس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين فقال: «أفلا تسترقون له من العين».
والسادس: قوله عليه السلام: «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر».
والسابع: قالت عائشة رضي الله عنها: كن يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب بالعين.
المقام الثاني: في الكشف عن ماهيته فنقول: إن أبا علي الجبائي أنكر هذا المعنى إنكاراً بليغاً ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلاً عن حجة، وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوهاً: الأول: قال الحافظ: إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفاً في جهة التأثير لهذه الأشياء قال القاضي: وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه إذا استحسن شيئاً فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه، وقد يكره بقاءه أيضاً كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه، فإن كان الأول فإنه يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جداً، ويحصل في الروح الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني: فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه.
والحزن أيضاً يوجب انحصار الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة، فثبت أن عند الاستحسان القوي تسخن الروح جداً فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين، ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال.
الوجه الثاني: قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقاً، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحساناً كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقاً به، فهذا المعنى غير ممتنع، ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق.
الوجه الثالث: وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعاً على الأرض، قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعاً فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة، وأيضاً أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذياً له حصل في قلبه غضب، ويسخن مزاجه جداً فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان.
فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضاً جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك.
وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده.
القول الثاني: وهو قول أبي علي الجبائي: أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم.
فقال: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ ﴾ تلك المدينة ﴿ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه، ونقل عن الحسن أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ ثم رجع إلى علمه وقال: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيء ﴾ وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول: ليس في قوله: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيء ﴾ إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره.
القول الثالث: أنه عليه السلام كان عالماً بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال: ﴿ لا * تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ ﴾ وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، وهذا قول إبراهيم النخعي، فأما قوله: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيء ﴾ فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضاً بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر، فإن الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة، والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ ﴾ فهو إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيء ﴾ إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوء الله تعالى وقول القائل: كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين، فهذا السؤال غير مختص به، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لابد من إقامة الطاعات، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في بطن أمه، وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا هاهنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله تعالى، فكذا هاهنا، فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام، بل هو بحث عن سر مسألة الجبر والقدر، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلابد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى، فقال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ .
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكماً لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون ﴾ ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب.
<div class="verse-tafsir"
وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوي بهاء وشارة حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع.
ويقال: هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم؛ ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس.
فإن قلت: هل للإصابة بالعين وجه تصحّ عليه؟
قلت: يجوز أن يحدث الله عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به، نقصاناً فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحاناً لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق: هذا فعل الله، ويقول الحشوي: هو أثر العين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [المدثر: 31] الآية.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كل عين لامّة، ومن كل شيطان وهّامة» ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيْء ﴾ يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ أي متفرقين ﴿ مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ ﴾ رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً قط، حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم ﴿ إِلاَّ حَاجَةً ﴾ استثناء منقطع.
على معنى: ولكن حاجة ﴿ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ يعني قوله: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ ﴾ وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وأُبَّهَةٍ مُشْتَهِرِينَ في مِصْرَ بِالقُرْبَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُوصِهِمْ بِذَلِكَ في الكَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ حِينَئِذٍ، أوْ كانَ الدّاعِي إلَيْها خَوْفَهُ عَلى بِنْيامِينَ.
ولِلنَّفْسِ آثارٌ مِنها العَيْنُ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَوْذَتِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضى عَلَيْكم بِما أشَرْتُ بِهِ إلَيْكم فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ.
﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ يُصِيبُكم لا مَحالَةَ إنْ قَضى عَلَيْكم سُوءًا ولا يَنْفَعُكم ذَلِكَ.
﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لَتَقَدُّمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ كَأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ والفاءَ لِإفادَةِ التَّسَبُّبِ، فَإنَّ فِعْلَ الأنْبِياءِ سَبَبٌ لِأنَّ يُقْتَدى بِهِمْ.
﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ ﴾ أيْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ في البَلَدِ.
﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ رَأْيُ يَعْقُوبَ واتِّباعُهم لَهُ.
﴿ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَسُرِقُوا وأُخِذَ بِنْيامِينُ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعَفَتِ المُصِيبَةُ عَلى يَعْقُوبَ.
﴿ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ حاجَةً في نَفْسِهِ، يَعْنِي شَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ وحَرازَتَهُ مِن أنْ يُعانُوا.
﴿ قَضاها ﴾ أظْهَرَها ووَصّى بِها.
﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الحُجَجِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولَمْ يَغْتَرَّ بِتَدْبِيرِهِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ سِرَّ القَدَرِ وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ} الجمهور على أنه خاف عليهم العين لحمالهم وجلالة أمرهم ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى فالعين حق عندنا ووجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء والاعجاب به نقصانا فيه وخللا وكان النبى صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضى الله عنهما فيقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة ومن كل عين لامة وأنكر الجبائي العين وهو
مردود بما ذكرنا وقيل إنه أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم {وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء} أي إن كان الله أراد بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة {إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه
﴿ وقالَ ﴾ ناصِحًا لَهم لَمّا عَزَمَ عَلى إرْسالِهِمْ جَمِيعًا ﴿ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا ﴾ مِصْرَ ﴿ مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ نَهاهم عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن إصابَةِ العَيْنِ فَإنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ وقَدِ اشْتَهَرُوا بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ بِالزُّلْفى والكَرامَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ عِنْدَ المَلِكِ فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يُعانُوا إذا دَخَلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً وحَيْثُ كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِسَبَبِ أنَّ فِيهِمْ مَحْبُوبَهُ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في المَرَّةِ الأُولى فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ والقَوْلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِتَقَدُّمِ قَوْلِ أنْتُمْ جَواسِيسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ طَمَعًا أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ «والعَيْنُ حَقٌّ» كَما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصَحَّ أيْضًا بِزِيادَةٍ «ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابِقَ القَدَرِ سَبَقَتْهُ العَيْنُ وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْتَسِلُوا» وقَدْ ورَدَ أيْضًا «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ» «وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِقَوْلِهِ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ وكانَ يَقُولُ: كانَ أبُوكُما يُعَوِّذُ بِهِما إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
ولِبَعْضِهِمْ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُفَصَّلٌ مَبْسُوطٌ لا بَأْسَ بِاطِّلاعِكَ عَلَيْهِ وهو أنَّ تَأْثِيرَ شَيْءٍ في آخَرَ إمّا نَفْسانِيٌّ أوْ جُسْمانِيٌّ وكُلٌّ مِنهُما إمّا في نَفْسانِيٍّ أوْ جُسْمانِيٍّ فالأنْواعُ أرْبَعَةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَها ضُرُوبُ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ والكَراماتِ والإلْهاماتِ والمَناماتِ وأنْواعِ السِّحْرِ والأعْيُنِ والنِّيرَنْجاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ أعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسانِيِّ في مِثْلِهِ فَكَتَأْثِيرِ المَبادِئِ العالِيَةِ في النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ بِإفاضَةِ العُلُومِ والمَعارِفِ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ صِنْفانِ: أحَدُهُما ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ الحَقِيقِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى النَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ لِذَلِكَ كَما العِلْمُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ تَعْلِيمٍ وتَعَلُّمٍ حَتّى تُحِيطَ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ كَما أُلْقِيَ إلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُلُومُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَتْلُو مِن قَبْلُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ.
وثانِيهِما ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّخَيُّلِ القَوِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى مَن يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لَهُ ما يَقْوى بِهِ عَلى تَخَيُّلاتِ الأُمُورِ الماضِيَةِ والِاطِّلاعِ عَلى المُغَيَّباتِ المُسْتَقْبَلَةِ والمَناماتِ والإلْهاماتُ داخِلَةٌ أيْضًا تَحْتَ هَذا النَّوْعِ وقَدْ يَدْخُلُ تَحْتَهُ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ وهو تَأْثِيرُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ القَوِيَّةِ فِيها قُوَّتا التَّخَيُّلِ والوَهْمِ في نُفُوسٍ بَشَرِيَّةٍ أُخْرى ضَعِيفَةٌ فِيها هاتانِ القُوَّتانِ كَنُفُوسِ البُلْهِ والصِّبْيانِ والعَوامِّ الَّذِينَ لَمْ تَقْوَ قُوَّتُهُمُ العَقْلِيَّةُ فَتَتَخَيَّلُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الخارِجِ مَوْجُودًا فِيهِ وما هو مَوْجُودٌ فِيهِ عَلى ضِدِّ الحالِ الَّذِي هو عَلَيْها وقَدْ يُسْتَعانُ في هَذا القِسْمِ مِنَ السِّحْرِ بِأفْعالٍ وحَرَكاتٍ يَعْرِضُ مِنها لِلْحِسِّ حَيْرَةٌ ولِلْخَيالِ دَهْشَةٌ ومِن ذَلِكَ الِاسْتِهْتارُ في الكَلامِ والتَّخْلِيطُ فِيهِ وأمّا النَّوْعُ الثّانِي أعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسانِيِّ في الجُسْمانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ في الأبْدانِ مِن تَغْذِيَتِها وإنْمائِها وقِيامِها وقُعُودِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ ومِن هَذا القَبِيلِ صِنْفٌ مِنَ المُعْجِزاتِ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ المُحَرِّكَةِ لِلنَّفْسِ بِأنْ تَبْلُغَ قُوَّتُها إلى حَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ في العالَمِ تَمَكُّنُها مِنَ التَّصَرُّفِ في بَدَنِها كَتَدْمِيرِ قَوْمٍ بِرِيحٍ عاصِفَةٍ أوْ صاعِقَةٍ أوْ زَلْزَلَةٍ أوْ طُوفانٍ ورُبَّما يُسْتَعانُ فِيهِ بِالتَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ إلى المَبادِئِ العالِيَةِ كَأنْ يَسْتَقِيَ لِلنّاسِ فَيُسْقَوْنَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَيَهْلَكُونَ ولَهم فَيَنْجُونَ ويَنْدَرِجُ في هَذا صِنْفٌ مِنَ السِّحْرِ أيْضًا كَما في بَعْضِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَقْوى فِيها القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كالرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ مَثَلًا فَيُسَلِّطُها صاحِبُها عَلى التَّأْثِيرِ فِيمَن أرادَهُ بِتَوَجُّهٍ تامٍّ وعَزِيمَةٍ صادِقَةٍ إلى أنْ يَحْصُلَ المَطْلُوبُ الَّذِي هو تَأثُّرُهُ بِنَحْوِ مَرَضٍ وذُبُولِ جِسْمٍ ويَصِلُ ذَلِكَ إلى الهَلاكِ وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ وهو تَأْثِيرُ الجُسْمانِيِّ في الجُسْمانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الأدْوِيَةِ والسُّمُومِ في الأبْدانِ ويَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ النَّيْرَنْجاتِ والطَّلْسَماتِ فَإنَّها بِتَأْثِيرِ بَعْضِ المُرَكَّباتِ الطَّبِيعِيَّةِ في بَعْضٍ بِسَبَبِ خَواصَّ فِيها كَجَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ واخْتِطافِ الكَهْرَباءِ التِّبْنَ وقَدْ يُسْتَعانُ في ذَلِكَ بِتَحْصِينِ المُناسَباتِ بِالأجْرامِ العَلَوِيَّةِ المُؤَثِّرَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ كَما يُشاهَدُ في صُوَرِ أشْكالٍ مَوْضُوعَةٍ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى أوْضاعٍ مَعْلُومَةٍ في مُقابَلَةِ بَعْضِ الجِهاتِ ومُسامَتَةِ بَعْضِ الكَواكِبِ يَسْتَدْفِعُ بِها كَثِيرٌ مِن أذِيَّةِ الحَيَواناتِ وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ وهو تَأْثِيرُ الجُسْمانِيِّ في النَّفْسانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الصُّوَرِ المُسْتَحْسَنَةِ أوِ المُسْتَقْبَحَةِ في النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ مِنَ اسْتِمالَتِها إلَيْها وتَنْفِيرِها عَنْها وعُدَّ مِن ذَلِكَ تَأْثِيرُ أصْنافِ الأغانِي والرَّقْصِ والمَلاهِي في بَعْضِ النُّفُوسِ وتَأْثِيرُ البَيانِ فِيمَن لَهُ ذَوْقٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» إذا تَمَهَّدَ هَذا فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في إصابَةِ العَيْنِ فَأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنْكَرَها إنْكارًا بَلِيغًا ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ وأثْبَتَها غَيْرُهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ فَقالَ الجاحِظُ: إنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ العَيْنِ أجْزاءٌ فَتَصِلُ بِالشَّخْصِ المُسْتَحْسَنِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْثِيرَ السُّمِّ في الأبْدانِ فالتَّأْثِيرُ عِنْدَهُ مِن تَأْثِيرِ الجُسْمانِيِّ في الجُسْمانِيِّ.
وضَعَّفَ ذَلِكَ القاضِي بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَوَجَبَ أنْ تُؤَثِّرَ العَيْنُ في الشَّخْصِ الَّذِي لا يُسْتَحْسَنُ كَتَأْثِيرِها فِيما يُسْتَحْسَنُ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ تَضْعِيفُ ضَعِيفٍ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا اسْتَحْسَنَ العائِنُ شَيْئًا فَإمّا أنْ يُحِبَّ بَقاءَهُ كَما إذا اسْتَحْسَنَ ولَدَهُ مَثَلًا وإمّا أنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ كَما إذا أحَسَّ بِذَلِكَ المُسْتَحْسَنُ عِنْدَ عَدُوِّهِ الحاسِدِ هو لَهُ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن زَوالِهِ وهو يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ فَحِينَئِذٍ يَسْخُنُ القَلْبُ والرُّوحُ جِدًّا ويَحْصُلُ في الرُّوحِ الباصِرِ كَيْفِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُسَخِّنَةٌ وإنْ كانَ الثّانِي فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ هَمٌّ شَدِيدٌ وحُزْنٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ المُسْتَحْسَنِ لِعَدُوِّهِ وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ وحُصُولَ الكَيْفِيَّةِ القَوِيَّةِ المُسَخِّنَةِ وفي الصُّورَتَيْنِ يَسْخُنُ شُعاعُ العَيْنِ فَيُؤَثِّرُ ولا كَذَلِكَ في عَدَمِ الِاسْتِحْسانِ فَبانَ الفَرْقُ ولِذَلِكَ السَّبَبِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ العائِنَ بِالوُضُوءِ ومَن أُصِيبَ بِالِاغْتِسالِ.
اهَـ.
وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ العائِنَ قَدْ يُصِيبُ ولَدَهُ مَثَلًا مِمّا شَهِدَتْ لَهُ التَّجْرِبَةُ لَكِنْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وقالَ الهَيْثَمِيُّ: رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ يَضُرُّها الشَّيْطانُ وحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» وظاهِرُهُ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الأمْرِ بِالوُضُوءِ والِاغْتِسالِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أنْ يَغْسِلَ العائِنُ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَرْفِقَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ وأطْرافَ رِجْلَيْهِ وداخِلَ إزارِهِ أيْ ما يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الإزارِ وقِيلَ وِرْكَيْهِ: وقِيلَ: مَذاكِيرَهُ ويَصُبُّ الغُسالَةَ عَلى رَأْسِ المَعِينِ وقَدْ مَرَّ إذا اسْتُغْسِلْتُمْ فاغْسِلُوا وهو خِطابٌ لِلْعائِنِينَ أيْ إذا طُلِبَ مِنكم ما اعْتِيدَ مِنَ الغُسْلِ فافْعَلُوا والأمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ بَعْضٍ وقالَ الماوَرْدِيُّ تَبَعًا لِلْجَماعَةِ: لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلى العائِنِ أنْ يَغْسِلَ ثُمَّ يُعْطِي الغُسالَةَ لِلْمَعِينِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأمْرِ ولِأنَّهُ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ وعُلِمَ البُرْءُ بِهِ فَفِيهِ تَخْلِيصٌ مِنَ الهَلاكِ كَإطْعامِ المُضْطَرِّ وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وهو مُخالِفٌ لِما أشارَ إلَيْهِ الإمامُ مِن كَوْنِ الحِكْمَةِ فِيهِ تَبْرِيدَ تِلْكَ السُّخُونَةِ وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ حَيْثُ قالَ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأنَّهُ كَما يُؤْخَذُ دِرْياقٌ لِسُمِّ الحَيَّةِ مِن لَحْمِها يُؤْخَذُ عِلاجُ هَذا الأمْرِ مِن أثَرِ الشَّخْصِ العائِنِ وأثَرُ تِلْكَ العَيْنِ كَشُعْلَةِ نارٍ أصابَتِ الجَسَدَ فَفي الِاغْتِسالِ إطْفاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ وهو عَلى عِلّاتِهِ أوْفى مِن كَلامِ الإمامِ ويُرَدُّ عَلى ما قَرَّرَهُ في الِانْتِصارِ لِلْجاحِظِ أنَّهُ لا يَسُدُّ عَنْهُ بابُ الِاعْتِراضِ عَلى ما ذَكَرَهُ في كَيْفِيَّةِ إصابَةِ العَيْنِ إذْ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ مِن أنَّ بَعْضَ العائِنِينَ قَدْ يُصِيبُ ما يُوصَفُ لَهُ ويُمَثَّلُ ولَوْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَراسِخُ والتِزامُ امْتِدادِ تِلْكَ الأجْزاءِ إلى حَيْثُ المُصابِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنٍ وقالَ الحُكَماءُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ النَّفْسانِيِّ بِالجُسْمانِيِّ وبَنَوْهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المُؤَثِّرِ أنْ يَكُونَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ أعْنِي الحَرارَةَ والبُرُودَةَ والرُّطُوبَةَ واليُبُوسَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ نَفْسِيًّا مَحْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّوْحَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ عَرْضٍ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ يَقْدِرُ كُلُّ إنْسانٍ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ ولَوْ كانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ جِدارَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ لَمْ يَقْدِرْ كُلُّ أحَدٍ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ وما ذاكَ إلّا لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ السُّقُوطِ مِنهُ يُوجِبُ السُّقُوطَ وأيْضًا إنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ أنَّ فُلانًا مُؤْذِيًا لَهُ حَصَلَ في قَلْبِهِ غَضَبٌ وتَسَخَّنَ مِزاجُهُ فَمَبْدَأُ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا التَّصَوُّرُ النَّفْسانِيُّ بَلْ مَبْدَأُ الحَرَكاتِ البَدَنِيَّةِ مُطْلَقًا لَيْسَ إلّا التَّصَوُّراتُ النَّفْسانِيَّةُ ومَتى ثَبَتَ أنَّ تَصَوُّرَ النَّفْسِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ بَدَنِهِ الخاصِّ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تَتَعَدّى تَأْثِيراتُها إلى سائِرِ الأبْدانِ وأيْضًا جَواهِرُ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَدَنِ حَيَوانٍ آخَرَ بِشَرْطِ أنْ تَراهُ أوْ تَرى مِثالَهُ عَلى ما نُقِلَ وتَتَعَجَّبَ مِنهُ ومَتى ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وكانَتِ التَّجارِبُ شاهِدَةً بِوُقُوعِهِ وجَبَ القَوْلُ بِهِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ ولِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ عِنْدَ إعْمالِ العَيْنِ والنَّظَرِ بِها إلى الشَّيْءِ نُسِبَ التَّأْثِيرُ إلى العَيْنِ وإلّا فالمُؤَثِّرُ إنَّما هو النَّفْسُ ونِسْبَةُ التَّأْثِيرِ إلَيْها كَنِسْبَةِ الإحْراقِ إلى النّارِ والرَّيِّ إلى الماءِ ونَحْوِ ذَلِكَ والفاعِلُ لِلْآثارِ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ بِالإجْماعِ لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى عَلى خَلْقِها بِالأسْبابِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَقْلِيٍّ عَلَيْها كَما يَظُنُّ جَهَلَةُ الفَلاسِفَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ أوْ عِنْدَ الأسْبابِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى ما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العَيْنُ حَقٌّ» أنَّ إصابَةَ النَّفْسِ بِواسِطَتِها أمْرٌ كائِنٌ مَقْضِيٌّ بِهِ في الوَضْعِ الإلَهِيِّ لا شُبْهَةَ في تَحَقُّقِهِ وهو كَسائِرِ الآثارِ المُشاهَدَةِ لِنَحْوِ النّارِ والماءِ والأدْوِيَةِ مَثَلًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَدارَ كُلِّ شَيْءٍ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وحِكْمَةُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى التَّأْثِيرَ في مَسْألَةِ العَيْنِ أمْرٌ مَجْهُولٌ لَنا وزَعَمَ أبُو هاشِمٍ وأبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَصْلَحَةِ التَّكْلِيفِ قالا: لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حَقًّا عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ اسْتِحْسانًا كانَ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُتَعَلِّقًا بِهِ ثُمَّ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ رَبَّهُ عِنْدَ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَلَ عَنِ الإعْجابِ وسَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بَقاءَ ذَلِكَ تَتَغَيَّرُ المَصْلَحَةُ فَيُبْقِيهِ اللَّهُ تَعالى ولا يُفْنِيهِ وهو كَما تَرى ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ مِن نَفْعِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقٌّ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الأدْعِيَةَ والرُّقى مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ لِدَفْعِ أذى العَيْنِ بَلْ إنَّ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَدِّ سَهْمِ العائِنِ إلَيْهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ أنَّ سَعِيدَ السّاحِيَّ قِيلَ لَهُ: احْفَظْ ناقَتَكَ مِن فُلانٍ العائِنِ فَقالَ: لا سَبِيلَ لَهُ إلَيْها فَعانَها فَسَقَطَتْ تَضْطَرِبُ فَأُخْبِرَ السّاحِيُّ فَوَقَفَ عَلَيْها فَقالَ: حَبْسُ حابِسٍ وشِهابٍ قابِسٍ رَدَدْتَ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ وعَلى كَبِدِهِ وكُلْيَتَيْهِ رَشِيقُ وفي مالِهِ يَلِيقُ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تُرى مِن فُطُورٍ الآيَةَ فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ وسَلِمَتِ النّاقَةُ.
ويَدُلُّ عَلى نَفْعِ الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ مَشْرُوعِيَّتُها كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ وقَدْ جاءَ في بَعْضِها أنَّهُ قالَ: «لا رُقْيَةَ إلّا مِن عَيْنٍ أوْ حُمَّةٍ» والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ لا رُقْيَةَ أوْلى وأنْفَعَ مِن رُقْيَةِ العَيْنِ والحُمَّةِ وإلّا فَقَدْ رَقى بَعْضَ أصْحابِهِ مَن غَيْرِهِما ويَنْبَغِي لِمَن عَلِمَ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ ذُو عَيْنٍ أنْ لا يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ إعْجابٍ وأنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُسْتَحْسَنُ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُجَرِّبِينَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ ونَقَلَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ يُنْدَبُ أنَّهُ يُعَوِّذُ المَعِينَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ بارِكْ فِيهِ ولا تَضُرَّهُ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وفي تُحْفَةِ المُحْتاجِ أنَّ مِن أدْوِيَتِها أيِ العَيْنِ المُجَرَّبَةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ بِها أنْ يَتَوَضَّأ العائِنُ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ آنِفًا وأنْ يَدْعُوَ لِلْمَعِينِ وأنْ يَقُولَ المَعِينُ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ حَصَّنْتُ نَفْسِي بِالحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لا يَمُوتُ أبَدًا ودَفَعْتُ عَنْها السُّوءَ بِألْفِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ويُسَنُّ عِنْدَ القاضِي لِمَن رَأى نَفْسَهُ سَلِيمَةً وأحْوالَهُ مُعْتَدِلَةً أنْ يَقُولَ ذَلِكَ وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ العُلَماءِ أنَّهُ عَلى السُّلْطانِ مَنعُ مَن عُرِفَ بِذَلِكَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ ويَرْزُقَهُ مِن بَيْتِ المالِ إنْ كانَ فَقِيرًا فَإنَّ ضَرَرَهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ المَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ ورَأيْتُ لِبَعْضِ أصْحابِنا أيْضًا القَوْلَ بِنَدْبِ ذَلِكَ وأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى عائِنٍ قِيلَ: لِأنَّ العَيْنَ لا تُعَدُّ مُهْلِكًا عادَةً عَلى أنَّ التَّأْثِيرَ يَقَعُ عِنْدَها لا بِها حَتّى بِالنَّظَرِ لِلظّاهِرِ وهَذا بِخِلافِ السّاحِرِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ يُقْتَلُ إذا أقَرَّ أنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غالِبًا ونُقِلَ عَنِ المالِكِيَّةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ السّاحِرِ والعائِنِ فَيُقْتُلانِ إذا قَتَلا ثُمَّ إنَّ العَيْنَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرّازِيِّ لا تُؤَثِّرُ مِمَّنْ لَهُ نَفْسٌ شَرِيفَةٌ لِما في ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْظامِ لِلشَّيْءِ وفِيما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ ما يُؤَيِّدُ المُدَّعِيَ واعْتُرِضَ بِما رَواهُ القاضِي أنَّ نَبِيًّا اسْتَكْثَرَ قَوْمَهُ فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ مِائَةُ ألْفٍ فَشَكا ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّكَ اسْتَكْثَرْتَهم فَعِنَتَهم هَلّا حَصَّنَتْهم إذا اسْتَكْثَرْتَهم فَقالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أُحَصِّنُهم قالَ: تَقُولُ حَصَّنْتُكم بِالحَيِّ القَيُّومِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ وقَدْ يُجابُ بِأنَّ ما ذَكَرَ الرّازِيُّ هو الأغْلَبُ بَلْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذا إنْ صَحَّ بِأنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ عِنْدَ الِاسْتِكْثارِ عُوتِبَ فِيهِمْ لِيَسْألَ فَيَعْلَمَ فَهو كالإصابَةِ بِالعَيْنِ لا أنَّهُ عانٍ حَقِيقَةً هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ بَيانًا لِلْمُرادِ بِهِ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلدُّخُولِ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وفي دُخُولِهِمْ مِن بابَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ بَعْضُ ما في الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ مِن نَوْعِ اجْتِماعٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِ المَحْذُورِ وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا الأمْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ المُرادُ بِالأمْرِ المَذْكُورِ لا تَحْقِيقَ شَيْءٍ آخَرَ ﴿ وما أُغْنِي عَنْكُمْ ﴾ أيْ لا أنْفَعُكم ولا أدْفَعُ عَنْكم بِتَدْبِيرِي ﴿ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن قَضائِهِ تَعالى عَلَيْكم شَيْئًا فَإنَّهُ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ ولَمْ يُرِدْ بِهَذا عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ إلْغاءَ الحَذَرِ بِالمَرَّةِ كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ وقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ بَلْ أرادَ بَيانَ أنَّ ما وصّاهم بِهِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ المُرادَ لا مَحالَةَ بَلْ هو تَدْبِيرٌ وتَشَبُّثٌ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ الَّتِي لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُدافِعَةٍ لِلْقَدَرِ بَلْ هو اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وهَرَبٌ مِنهُ إلَيْهِ ﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ أيْ ما الحُكْمُ مُطْلَقًا ﴿ إلا لِلَّهِ ﴾ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ سُبْحانَهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ في كُلِّ ما آتِي بِهِ وأذَرُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَرْتِيبَ الأسْبابِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالتَّوَكُّلِ وفي الخَبَرِ اعْقِلْها وتَوَكَّلْ.
﴿ وعَلَيْهِ ﴾ عَزَّ سُلْطانُهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
(67) .
أيِ المُرِيدُونَ لِلتَّوَكُّلِ قِيلَ: جَمَعَ بَيْنَ الواوِ والفاءِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ مَعَ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ لِيُفِيدَ بِالواوِ عَطْفَ فِعْلِ غَيْرِهِ مِن تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ وبِالفاءِ سَبَبِيَّةُ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا لِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنَ المُقْتَدِينَ بِهِ وهي عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهم زائِدَةٌ حَيْثُ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِزِيادَةِ الفاءِ وإفادَتِها السَّبَبِيَّةَ ويَلْتَزِمُ أنَّ الزّائِدَ قَدْ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى غَيْرَ التَّوْكِيدِ وذُكِرَ أنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِالفاءِ وحْدَها وقِيلَ: فَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ ..
إلَخْ أفادَ تَسَبُّبَ الِاخْتِصاصِ لا أصْلَ التَّوَكُّلِ وهو المَقْصُودُ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ جِيءَ بِالفاءِ إفادَةً لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ كَما هو الأمْرُ الشّائِعُ في الحُرُوفِ الزّائِدَةِ فَتَدَبَّرْ وأيًّا ما كانَ فَيَدْخُلُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُمُومِ الأمْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفي هَذا الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى مِن حُسْنِ هِدايَتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى التَّوَكُّلِ فِيما هم بِصَدَدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ عَلى ما وصّاهم بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني: أوعيتهم وجواليقهم وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ يعني: دراهمهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا لأبيهم يا أَبانا مَا نَبْغِي يعني: ما نكذب، إنه ألطف علينا وأكرمنا هذِهِ بِضاعَتُنا أي: دراهمنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا يعني: نمتار لأهلنا، يعني: مار أهله، وأمار لأهله، إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده، يعني: ابعثه معنا لكي نحمل الطعام لأهلنا وَنَحْفَظُ أَخانا من الضيعة وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي: حمل بعير من أجله.
روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان يقرأ رُدَّتْ إِلَيْنا بكسر الراء، لأن أصله رددت، فأدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ونقل الكسر إلى الراء، وهي قراءة شاذة.
ثم قال: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ يعني: سريع، لا حبس فيه إن أرسلته معنا ويقال: ذلك أمر هين الذي نسأل منك.
قالَ لهم يعقوب لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: تعطوني عهداً وثيقاً من الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال الكلبي: إلا أن ينزل بكم أمر من السماء، أو من الأرض.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
وقال مجاهد: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ يعني: تهلكوا جميعاً.
وقال الفراء: إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم.
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ يعني: أعطوه عهودهم قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني: كفيلاً.
ويقال: شهيداً.
ثم قال تعالى: قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ يعني: قال يعقوب لبنيه حين أرادوا الخروج: يا بني لا تدخلوا من باب واحد، يعني: إذا دخلتم مصر، فلا تدخلوا من سكة واحدة، ومن طريق واحد.
ويقال: من درب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ يعني: من سكك متفرقة، ومن طرق شتى، لكي لا يظن بكم أحد أنكم جواسيس.
ويقال: خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم وقوتهم، وهم كلهم بنو رجل واحد.
فإن قيل: أليس هذا بمنزلة الطيرة، وقد نهي عن الطيرة؟
قيل له: لا، ولكن أمر العين حق.
وروي عن رسول الله : «أنه كان يرقي من العين، ويتعوذ منها للحسن والحسين» .
ثم قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: من قضاء الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ إن شاء أصابكم العين، وإن شاء لم يصبكم.
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري وأمركم إليه وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يعني: فليثق الواثقون.
<div class="verse-tafsir"
يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بالحقّ، إذا جهل أمره، والخزائن:
لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ: الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ «١» ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره «٢» ، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ:
هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها، ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين.
وقوله: «لِيُوسُفَ» : أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ.
انتهى.
وقوله عز وجل: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، قال السدِّيُّ «١» وغيره: سبب مجيئهم أنَّ المجاعة اتصلت ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ: «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ» ، فاحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا: نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيراً، فقال لهم يوسف: ولِمَ تخلَّفَ أحدكم؟
قالوا: لمحبَّة أبينا فيه، قال:
فأتوا بهذا الأخِ حتى/ أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ واستأذنوا على العزيز، وانتسبوا في الاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّماً أبداً سَتْراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف: صَدَقْتم، فلما قالوا: وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال: كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال:
أراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي ليظهر صدْقُهم في ذلك في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ.
وقوله: بِأَخٍ لَكُمْ ص: نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى.
وقول يوسف: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ...
الآية: يرغِّبهم في نفسه آخرا
ويؤنّسهم ويستميلهم، والْمُنْزِلِينَ: يعني: المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ، أي: في المستأنف، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَباً شَيْخاً» ، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهاراً لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ استوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها: يريد: لعلَّهم يعرفون لها يداً وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه: «لَعَلَّ» وقيل: قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجباً عليه، وقيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه فرَدَّ البضاعة إِليهم لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل: جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد الاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ» : «نَكْتَئِل» ، وقولهم: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ: ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل: أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ عليه السلام:
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ...
الآية: «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ/ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره «١» : «خَيْرٌ حِفْظاً» ، وقرأ حمزة وغيره: «خَيْرٌ حَافِظاً» ، ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى: أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فاستسلم يعقوبُ عليه
السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم: مَا نَبْغِي: يحتمل أنْ تكون «ما» استفهاما قاله قتادة: ونَبْغِي: من البُغْية، أي: ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج «١» : ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أن تكون أيضا نافية، ونَبْغِي من البَغْيِ، أي: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة «٢» : «ما تَبْغِي» على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بَعِيرَ أخيهم إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر لغيب صاحبه، وقولهم: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: قيل: معناه: يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه.
وقال السدِّيَّ: يَسِيرٌ، أي: سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ «٣» .
وقوله تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ الآية: أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله: اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، و «الوكيلُ» : القيِّم الحافظُ الضَّامن.
وقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ: لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وانظر أنَّ يعقوبَ عليه السلام قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء عليهم السلام، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه: وقد اشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها: التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها: عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالى يعقوب عليه الصلاة والسلام في كتابه، فقال: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٦٨] لأنه عمل الأسباب، واجتهد/ في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، واستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...
الآية، فأثنى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ يَعْنِي أوْعِيَةَ الطَّعامِ ﴿ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ﴾ الَّتِي حَمَلُوها ثَمَنًا لِلطَّعامِ " رُدَّتْ " قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ " رُدِدَتْ "، فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وبَقِيَتِ الرّاءُ مَضْمُومَةً.
ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ جَعَلَ كَسْرَتَها مَنقُولَةً مِنَ الدّالِ، كَما فُعِلَ ذَلِكَ في: قِيلَ، وبِيعَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أصْلَ الدّالِ الكَسْرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَبْغِي ﴾ في " ما " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ، المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وقَدْ رُدَّتْ بِضاعَتُنا إلَيْنا ؟
والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ، المَعْنى: ما نَبْغِي شَيْئًا، أيْ: لَسْنا نَطْلُبُ مِنكَ دَراهِمَ نَرْجِعُ بِها إلَيْهِ، بَلْ تَكْفِينا هَذِهِ في الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأرادُوا بِذَلِكَ تَطْيِيبَ قَلْبِهِ لِيَأْذَنَ لَهم بِالعَوْدِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " ما تَبْغِي " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَعْقُوبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ: نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: مارَ أهْلَهُ يَمِيرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ لِأهْلِهِ: إذا حَمَلَ إلَيْهِمْ أقْواتَهم مِن غَيْرِ بَلَدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَحْفَظُ أخانا بِنْيامِينَ الَّذِي تُرْسِلُهُ مَعَنا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: ونَحْفَظُ أخانا شَمْعُونَ الَّذِي أخَذَهُ رَهِينَةً عِنْدَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أيْ: وِقْرَ بَعِيرٍ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَصِيبَ أخِيهِمْ، لِأنَّ يُوسُفَ كانَ لا يُعْطِي الواحِدَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَلِكَ كَيْلٌ سَرِيعٌ، لا حَبْسَ فِيهِ، يَعْنُونَ إذا جاءَ مَعَنا، عَجَّلَ المَلِكُ لَنا الكَيْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ سَهْلٌ عَلى الَّذِي نَمْضِي إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: ذَلِكَ الَّذِي جِئْناكَ بِهِ كَيْلٌ يَسِيرٌ لا يُقْنِعُنا، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تُعْطُونِي عَهْدًا أثِقُ بِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَحْلِفُوا لِي بِاللَّهِ ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ أيْ: لَتَرُدُّنَّهُ إلَيَّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ اللّامُ جَوابٌ لِمُضْمَرٍ، تَلْخِيصُهُ: وتَقُولُوا: واللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَهْلَكَ جَمِيعُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنْ يُحالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ أيْ: أعْطَوْهُ العَهْدَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَلَفُوا لَهُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ ومَنزِلَتِهِ مِن رَبِّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّهِيدُ.
والثّانِي: كَفِيلٌ بِالوَفاءِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ، قالَ لَهم يَعْقُوبُ: " لا تَدْخُلُوا " يَعْنِي مِصْرَ ﴿ مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِهَذا البابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بابًا مِن أبْوابِ مِصْرَ، وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الطُّرُقَ لا الأبْوابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ورَوى نَحْوَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي ما أرادَ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، وكانُوا أُولِي جَمالٍ وقُوَّةٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يُغْتالُوا لِما ظَهَرَ لَهم في أرْضِ مِصْرَ مِنَ التُّهْمَةِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ أنْ يَلْقَوْا يُوسُفَ في خَلْوَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: لَنْ أدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ، فَإنَّهُ إنْ شاءَ أهْلَكَكم مُتَفَرِّقِينَ، ومِصْداقُهُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم كَذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ حاجَةٌ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " قَضاها " أيْ: أبْداها وتَكَلَّمَ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إنَّهُ حافِظٌ لِما عَلَّمْناهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ أنَّ دُخُولَهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: وإنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ العَمَلُ عِلْمًا، لِأنَّ العِلْمَ أوَّلُ أسْبابِ العَمَلِ.
والرّابِعُ: وإنَّهُ لَمُتَيَقِّنٌ لِوَعْدِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: وإنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: وإنَّهُ لَعالِمٌ بِما عَلَّمْناهُ، أنَّهُ لا يُصِيبُ بَنِيهِ إلّا ما قَضاهُ اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْم لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللهِ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عنكم مِن اللهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ أرادَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَتَوَثَّقَ مِنهُمْ، والمَوْثِقُ "مَفْعِلُ" مِنَ الوَثاقَةِ، فَلَمّا عاهَدُوهُ أشْهَدَ اللهَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ، والوَكِيلُ: القَيِّمُ الحافِظُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تُؤْتُونِي" بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ أنَّهُ وصَلَ بِياءٍ ووَقَفَ دُونَها، والباقُونَ تَرَكُوا الياءَ في الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ ، قِيلَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ لِكَوْنِهِمْ أحَدَ عَشَرَ لِرَجُلٍ واحِدٍ، وكانُوا أهْلَ جَمالٍ وبَسْطَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
والعَيْنُ حَقٌّ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ".» وفي تَعُّوُّذِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ السَلامُ: « "أعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، وكُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ"،» وقِيلَ: خَشِيَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِقَوْلِ يُوسُفَ قَبْلُ: "أنْتُمْ جَواسِيسُ"، ويُضْعِفُ هَذا ظُهُورُهم قَبْلُ بِمِصْرَ، وقِيلَ: طَمِعَ بِافْتِراقِهِمْ أنْ يَسْتَمِعُوا أو يَتَطَلَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ، وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ ﴿ وَما أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَتَرَكَّبُ عَلى هَذا المَقْصِدِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الغَلَبَةِ والقَسْرِ، والمَعْنى: تَعُمُّكُمُ الغَلَبَةُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا تَكُونَ لَكم حِيلَةً ولا وجْهَ تَخَلُّصٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ قَتادَةُ: إلّا ألّا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُرَجِّحُهُ لَفْظُ الآيَةِ.
وانْظُرْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ تَوَثَّقَ في هَذِهِ القِصَّةِ، وأشْهَدَ اللهَ تَعالى، ووَصّى بَنِيهِ، وأخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَوَكُّلِهِ، فَهَذا تَوَكُّلٌ مَعَ تَسَبُّبٍ، وهو تَوَكُّلُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلّا مَن شَذَّ في رَفْضِ السَعْيِ، وقَنِعَ بِماءٍ وبَقْلِ البَرِّيَّةِ ونَحْوِهُ، فَتِلْكَ غايَةُ التَوَكُّلِ، وعَلَيْها بَعْضُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والشارِعُونَ مِنهم مُثْبِتُونَ سُنَنَ التَسَبُّبِ الجائِزِ، وما تَجاوَزَ ذَلِكَ مِنَ الإلْقاءِ بِاليَدِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِهِ، وقَدْ فَضَّلَهُ بَعْضُ المُجِيزِينَ لَهُ، ولا أقُولُ بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقال يا بني ﴾ عطف على جملة ﴿ قال الله على ما نقول وكيل ﴾ [يوسف: 66].
وإعادة فعل ﴿ قال ﴾ للإشارة إلى اختلاف زمن القولين وإن كانا معاً مسبّبَيْن على إيتاء موثقهم، لأنه اطمأن لرعايتهم ابنَه وظهرت له المصلحة في سفرهم للإمتار، فقوله: ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد ﴾ صادر في وقت إزمَاعهم الرحيل.
والمقصود من حكاية قوله هذا العبرة بقوله: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ الخ.
والأبواب: أبواب المدينة.
وتقدم ذكر الباب آنفاً.
وكانت مدينة (منفيس) من أعظم مدن العالم فهي ذات أبواب.
وإنما نهاهم أن يدخلوها من باب واحد خشية أن يسترعي عددهم أبصارَ أهل المدينة وحُراسها وأزياؤهم أزياء الغرباء عن أهل المدينة أن يُوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة فربما سجنوهم أو رصدوا الأعين إليهم، فيكون ذلك ضرّاً لهم وحائلاً دون سرعة وصولهم إلى يوسف عليه السلام ودون قضاء حاجتهم.
وقد قيل في الحكمة: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
ولما كان شأن إقامة الحراس والأرصاد أن تكون على أبواب المدينة اقتصر على تحذيرهم من الدخول من باب واحد دون أن يحذرهم من المشي في سكة واحدة من سكك المدينة، ووثق بأنهم عارفون بسكك المدينة فلم يخش ضلالهم فيها، وعلم أن (بنيامِين) يكون في صحبة أحد إخوته لئلا يضل في المدينة.
والمتفرقة أراد بها المتعددة لأنه جعلها في مقابلة الواحد.
ووجه العدول عن المتعددة إلى المتفرقة الإيماء إلى علة الأمر وهي إخفاء كونهم جماعة واحدة.
وجملة ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ معترضة في آخر الكلام، أي وما أغني عنكم بوصيتي هذه شيئاً.
و ﴿ من الله ﴾ متعلق ب ﴿ أغني ﴾ ، أي لا يكون ما أمرتكم به مُغنياً غَنَاء مبتدِئاً من عند الله بل هو الأدب والوقوف عندما أمر الله، فإنْ صادف ما قدره فقد حصل فائدتان، وإن خالف ما قَدّره حصلت فائدة امتثال أوامره واقتناع النفس بعدم التفريط.
وتقدم وجه تركيب ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً ﴾ في سورة العقود (41).
وأراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدباً مع واضع الأسباب ومقدّر الألطاف في رعاية الحالين، لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها.
وهذا سرّ مسألة القدر كما أشار إليه قول النبي اعمَلوا فكلٌ ميسّر لما خلق له، وفي الأثر إذا أراد الله أمراً يَسّر أسبابه قال الله تعالى: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ [سورة الإسراء: 19].
ذلك أن شأن الأسباب أن تحصُل عندها مسبباتها.
وقد يتخلف ذلك بمعارضة أسباب أخرى مضادة لتلك الأسباب حاصلة في وقت واحد، أو لكون السبب الواحد قد يكون سبباً لأشياء متضادة باعتبارات فيخطئ تعَاطي السبب في مصادفة المسبّب المقصود، ولولا نظام الأسباب ومراعاتها لصار المجتمع البشري هملاً وهمجاً.
والإغناء: هنا مشتق من الغَناء بفتح الغين وبالمدّ، وهو الإجزاء والاضطلاع وكفاية المهم، وأصله مرادف الغِنى بكسر الغين والقصر وهما معاً ضد الفقر، وكثر استعمال الغناء المفتوح الممدود في الإجزاء والكفاية على سبيل المجاز المرسل لأن من أجزأ وكفى فقد أذهب عن نفسه الحَاجة إلى المغنين وأذهب عمن أجزأ عنه الاحتياج أيضاً، وشاع هذا الاستعمال المجازي حتى غلب على هذا الفعل، فلذلك كثر في الكلام تخصيص الغَناء بالفتح والمد بهذا المعنى، وتخصيص الغِنى بالكسر والقصر في معنى ضد الفقر ونحوه حتى صار الغَناء الممدود لا يكاد يسمع في معنى ضد الفقر.
وهي تفرقة حسنة من دقائق استعمالهم في تصاريف المترادفات.
فما يوجد في كلام ابن بري من قوله: إن الغناء مصدر ناشئ عن فعل أغنى المهموز بحذف الزائد الموهم أنه لا فِعل له مجرّد فإنما عَنى به أن استعمال فِعل غَنِيَ في هذا المعنى المجازي متروك مُمات لا أنه ليس له فعل مجرد.
ولذلك فمعنى فعل (أغنى) بهذا الاستعمال معنى الأفعال القاصرة، ولم يفده الهمز تعديةً، فلعل همزته دالة على الصيرورة ذا غنى، فلذلك كان حقه أن لا ينصب المفعول به بل يكون في الغالب مرادفاً لِمفعول مطلق كقول عمرو بن معديكرب: أُغْني غَناء الذاهب *** ين أُعَدُّ للحدثان عَدّا ويقولون: أغنى فلان عن فلان، أي في أجزاه عوضه وقام مقامه، ويأتون بمنصوب فهو تركيب غريب، فإن حرف (عن) فيه للبدلية وهي المجاوزة المجازية.
جعل الشيء البدل عن الشيء مجاوزاً له لأنه حلّ محلّه في حال غيبته فكأنه جاوزه فسموا هذه المجاوزة بدلية وقالوا: إنّ (عن) تجيء للبدلية كما تجيء لها الباء.
فمعنى ما أغني عنكم} لا أجزي عنكم، أي لا أكفي بدلاً عن إجزائكم لأنفسكم.
و ﴿ من شيء ﴾ نائب مناب شيئاً، وزيدت ﴿ من ﴾ لتوكيد عموم شيء في سياق النفي، فهو كقوله تعالى: ﴿ لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ﴾ [سورة يس: 23] أي من الضرّ.
وجوز صاحب الكشاف في مثله أن يكون شيئاً } مفعولاً مطلقاً، أي شيئاً من الغناء وهو الظاهر، فقال في قوله تعالى: ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ [سورة البقرة: 48]، قال: أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ ولا يظلمون شيئاً ﴾ لكنه جوز أن يكون ﴿ شيئاً ﴾ مفعولاً به وهو لا يستقيم إلا على معنى التوسع بالحذف والإيصال، أي بنزع الخافض.
وجملة ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ في موضع التعليل لمضمون ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ .
والحكم: هنا بمعنى التصرف والتقدير، ومعنى الحصر أنه لا يتم إلا ما أراده الله، كما قال تعالى: ﴿ إن الله بالغٌ أمره ﴾ [سورة الطلاق: 3].
وليس للعبد أن ينازع مراد الله في نفس الأمر ولكن واجبه أن يتطلب الأمور من أسبابها لأن الله أمر بذلك، وقد جمع هذين المعنيين قوله: وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء } .
وجملة ﴿ عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ في موضع البيان لِجملة ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ ليبين لهم أن وصيته بأخذ الأسباب مع التنبيه على الاعتماد على الله هو معنى التوكّل الذي يَضل في فهمه كثير من الناس اقتصاراً وإنكاراً، ولذلك أتى بجملة ﴿ وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ أمراً لهم ولغيرهم على معنى أنه واجب الحاضرين والغائبين، وأن مقامه لا يختص بالصدّيقين بل هو واجب كل مؤمن كامل الإيمان لا يخلط إيمانه بأخطاء الجاهليات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ يَعْنِي لا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِن بابٍ واحِدٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن بابٍ واحِدٍ مِن أبْوابِها.
﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: مِن طَرِيقٍ واحِدٍ مِن طُرُقِها.
﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ أيْ طُرُقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِيما خافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي صُوَرٍ وجَمالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ المَلِكَ أنْ يَرى عَدَدَهم وقُوَّتَهم فَيَبْطِشَ بِهِمْ حَسَدًا أوْ حَذَرًا، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ أحْذَرُهُ عَلَيْكم فَأشارَ عَلَيْهِمْ في الأوَّلِ، وفَوَّضَ إلى اللَّهِ في الآخِرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لا يَرُدُّ حَذَرُ المَخْلُوقِ قَضاءَ الخالِقِ.
﴿ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ وهو حَذَرُ المُشْفِقِ وسُكُونُ نَفْسٍ بِالوَصِيَّةِ أنْ يَتَفَرَّقُوا خَشْيَةَ العَيْنِ.
﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لَمُتَيَقِّنٌ بِوَعْدِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: إنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد...
﴾ قال: رهب يعقوب عليهم العين.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خشي عليهم العين.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خشي يعقوب على ولده العين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خاف عليهم العين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: كانوا قد أوتوا صوراً وجمالاً، فخشي عليهم أنفس الناس.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ قال: أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ﴾ قال: خيفة العين على بنيه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ قال: إنه لعامل بما علم، ومن لا يعمل لا يكون عالماً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ لما أراد بنوه الخروج من عنده قال لهم: لا تدخلوا من باب واحد يعني مصر (١) ﴿ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
أمرهم بالتفرق حذرًا من العين عليهم، إذ كانت العين حقًّا، وكانوا أولي جمال وكمال، وأبناء رجل واحد يجتمعون في الحسن الظاهر والجمال البارع.
وهذا قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن الأنباري (٧) ﴿ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ تفويض الأمر إلى الله تعالى وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأمر العين حق قد رويت فيه أخبار كثيرة، وكان رسول الله يعوذ الحسن والحسين ما فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" ويقول: هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحق، صلوات الله عليهم أجمعين (٨) (١) في (أ)، (ب)، (ج) تكرار (يعني مصر وادخلوا).
(٢) الطبري 13/ 13، وابن أبي حاتم 7/ 2168 كما في الدر 4/ 49، و"زاد المسير" 4/ 254، والقرطبى 9/ 226.
(٣) الطبري 13/ 13، عبد الرزاق 2/ 325، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2169 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 49، و"زاد المسير" 4/ 254، والقرطبي 9/ 226.
(٤) الطبري 13/ 13، والقرطبي 9/ 226.
(٥) الطبري 13/ 13 وابن أبي حاتم 7/ 2168.
(٦) الرازي 18/ 174.
(٧) "زاد المسير" 4/ 254، البغوي 4/ 258.
(٨) (أجمعين) زيادة من (ج).
والحديث أخرجه البخاري (3371) كتاب أحاديث الأنبياء، 10 - باب، وأخرجه أبو داود في "سننه" (4737) كتاب السنن باب في القرآن من حديث ابن عباس والترمذي (2061) كتاب الطب، باب ما جاء أن العين حق والغسل لها.
وابن ماجه في "سننه" (3525) كتاب الطب، باب ما عوذ بالنبي وما عوذ به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ واحد ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة ﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله ﴿ إِلاَّ حَاجَةً ﴾ استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم ﴿ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ أي ضمه ﴿ قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي لا تحزن فهو من البؤس ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف وأخيه، ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك ﴿ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق له.
﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ أي نادى مناد ﴿ أَيَّتُهَا العير ﴾ أي أيتها الرفقة ﴿ إِنَّكُمْ لسارقون ﴾ خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾ أي لمن وجده ورده حِملُ بعير من طعام على وجه الجُعلْ ﴿ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ أي ضامن لحمل البعير لمن ردّ الصواع، وهذا من كلام المنادي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.
الباقون بالنون.
﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.
الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.
وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.
والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.
روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.
فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.
﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.
وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.
يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.
قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.
ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.
أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.
قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟
قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟
فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.
والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.
وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.
قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.
عن ابن عباس أن النبي قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.
ووصف نفسه بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.
﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.
﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.
﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.
وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.
والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.
﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.
﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.
وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.
قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
يروى.
أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.
فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.
فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.
وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟
قال: الرأي رأيك.
قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.
وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.
وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.
وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.
وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.
﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.
قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.
قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.
وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟
وما شأنكم فإني أنكركم.
قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.
فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟
قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.
قال: كم أنتم؟
قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.
فقال: فكم أنتم ههنا؟
قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟
قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.
قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟
قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.
قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.
فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.
وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.
فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.
وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟
فقالوا: بل بقي عنده واحد.
فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟
قالوا: لا بل لزيادة محبته.
فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.
ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.
والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.
ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.
﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.
والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.
وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.
أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.
وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.
﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.
﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.
والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.
وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.
أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.
المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.
﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.
ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.
قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.
ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.
يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.
وقال مقاتل.
ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.
واختاره الزجاج.
وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.
قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.
وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.
وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.
فقال: إن جبرائيل أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.
"وروي أنه دخل رسول الله بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.
قال: أفلا تسترقون له من العين؟
وعنه : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.
المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.
قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.
واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.
وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.
وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.
وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.
أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.
وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.
واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.
وقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله .
وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.
وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.
ثم مدحه الله بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.
وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.
وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.
وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.
التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.
كما قال النبي : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .
وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله .
﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.
﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.
وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال : "نية المؤمن خير من عمله" .
وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.
ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ ﴾ .
فيما يستقبل ويستأنف لقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .
﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ ﴾ بالنون؛ وبالياء: (يكتل)، وبالنون أقرب؛ لأنهم قالوا: منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل؛ نحن، يشبه: ويكتل هو إن أرسلته.
﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
لا يحتمل أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك: من خوف خاف عليه أبوهم من ناحيتهم، وقد اتهمهم؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم، خاف عليه أن يضيعوه أو إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر، ولسنا ندري ما ذلك المعنى والله أعلم بذلك.
﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود : (هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل).
في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر، يجوز أن يتهم فيما لم يظهر منه شيء؛ حيث اتهمهم يعقوب في بنيامين بخيانة كانت منهم في يوسف؛ وإن لم يظهر له منهم في أخيه شيء، وهو حجة لأصحابنا: أن من ظهر فسقه في شيء أو كذبه في أمر، صار مجروح الشهادة في غيره.
وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
أي: إن أرسلته فإنما أعتمد على حفظ الله، وإليه أكل في حفظه؛ لست أعتمد على حفظكم.
﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
أي: هو بكل مكروب وملهوف أرحم من كل راحم؛ لأن كل من يرحم إنما يرحمه برحمة نالها منه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ .
هذا قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ هذا يحتمل: ما نبغي سوى الثمن؛ فقد رد إلينا دراهمنا أو يكون قوله: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ وراء هذا كبير شيء؛ إنما نبغي ثمن بعير واحد وثمن بعير واحد يسير؛ لأنه قدر ردت بضاعتنا؛ وهو ثمن عشرة أبعرة.
﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ .
لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حِمْل بعير واحد، ولا يعطي أكثر من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله.
﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: سريع لا حبس فيه: وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ بقوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه.
والله أعلم.
ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: حتى تأتوني بمواثيق من الله؛ وبعهود منه.
﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه وإن قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ واعتمد في الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من الله، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على الله وإليه يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق.
﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ .
أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعاً؛ فعند ذلك تكونون معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا.
والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ حيث طلب منهم أن يأتوه به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ﴾ يعقوب: ﴿ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: الله له حفيظ؛ كما قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ﴾ .
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: إن يعقوب خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ذوي صور وجمال وبهاء؛ فخشي عليهم العين؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا متفرقين.
وقال بعضهم: خشي عليهم البيات والهلاك؛ لأنهم كانوا أهل قوة ومنعة؛ فيخافهم أهل البلد ويفرقون منهم السرقة؛ فأمرهم بالتفرق، وهو قول ابن عباس؛ فإذا كانوا متفرقين فلا يهلكون الكل؛ وإنما يهلك بعضهم وينجو بعض أو لا يدرى ما أراد بهذا.
وقال بعضهم: علم يعقوب أنهم لا يهلكون؛ لما رأى يوسف من الرؤيا أن يسجد له إخوته، ولكن خاف عليهم أن تصيبهم النكبة؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، أو من سكك متفرقة، أو من طرق متفرقة، أو ما قالوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
أي لا أدفع عنكم من الله من شيء؛ إن أصابكم نكبة أو عين، فإن قيل: لو كان أمره إياهم بالتفرق؛ لخوف العين؛ أو لخوف أهل البلد منهم السرقة والإغارة، كيف لم يأمرهم [بذلك] في المرة الأولى؛ وخوف العين؟
لم يخش ذلك لما قد يقع الاجتماع ما ذكر ابن عباس : أنه يخافهم أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين أنهم لصوص وأنهم كذا، ولكن جائز أن يكون في المرة الأولى لم يخش ذلك؛ لما قد يقع الاجتماع في أمثال أولئك من الرفقاء والصحابة، فلا يكون في ذلك الخوف الذي ذكروا.
وإذا عادوا في المرة الثانية؛ قد يحتمل ذلك الخوف من العين؛ وغيره، إذا علم أهل البلد أن ذلك العدد تحت أب واحد، أو أمرهم بالتفرق على الأبواب؛ بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا نحتاج إليه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم [من الله من شيء إن أصابكم نكبة أو عين وإن تفرقتم إن الحكم إلا لله، هذا تفسير قوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم] بما أحتال ما قدر الله وقضاه؛ أن يصيبكم؛ [فيصيبكم] لا محالة [وينزل بكم ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ أي: ما الحكم في ذلك إلا لله ما في حكمه وقضائه أن يصيبكم فيصيبكم لا محالة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
هذا أصل كل أمر يخاف المرء، وأن يأخذ بالحذر، ويتوكل - مع ذلك - على الله؛ على ما أمر يعقوب - - بنيه بالحذر في ذلك، ثم توكل على الله في ذلك.
والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ من أبواب متفرقة.
﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
أي: ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أن يصيبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ .
الحاجة في النفس: أحد شيئين: إما الرغبة، وإما الرهبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً ﴾ فعلى ذلك حاجة يعقوب، لا تخلو: إما أن كانت رغبة منه؛ في تفرقهم، أو رهبة في اجتماعهم؛ قضى تلك الحاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة ما قال يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ أي: وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق؛ والنهي عن الاجتماع.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
ما أراد بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
وعن ابن عباس ما: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ : من السكك المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئاً إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها.
﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ يقول: حافظاً لما علمناه، وقيل: حافظاً له؛ عالماً به، وقيل: ﴿ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ ﴾ لم ينتفعوا بما علموا.
ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: ما أصابه من الحزن؛ بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك، لم يعمل فيه ولم يؤثر.
وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ قال: أما والله ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك.
وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ أي: خيفة العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا عدداً من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال لهم أبوهم موصيًا إياهم: لا تدخلوا مصر من باب واحد مجتمعين، لكن ادخلوا من أبواب متفرقة، فذلك أسلم من أن يعمّكم أحد بضرر إن أرادوه بكم، ولا أقول لكم ذلك لأدفع عنكم ضررًا أراده الله بكم، ولا لأجلب لكم نفعًا لم يرده الله، فالقضاء ليس إلا قضاء الله، والأمر ليس إلا أمره، عليه وحده توكلت في كل أموري، وعليه وحده فليتوكل المتوكلون في أمورهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.70vYQ"