الآية ٦٨ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٦٨ من سورة يوسف

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٨ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٨ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قالوا : هي دفع إصابة العين لهم ، ( وإنه لذو علم لما علمناه ) قال قتادة والثوري : لذو عمل بعلمه .

وقال ابن جرير : لذو علم لتعليمنا إياه ، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما دخل ولد يعقوب (من حيث أمرهم أبوهم، وذلك دخولهم مصر من أبواب متفرقة ، (ما كان يغني) ، دخولهم إياها كذلك ، (عنهم) من قضاء الله الذي قضاه فيهم فحتمه ,(من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب بدخولهم لا من طريق واحد خوفًا من العين عليهم , فاطمأنت نفسه أن يكونوا أوتوا من قبل ذلك أو نالهم من أجله مكروه .

كما:- 19495- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ، خيفة العين على بنيه.

19496- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19497- ...

قال: أخبرنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19498- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ، قال: خشية العين عليهم.

19499- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قوله: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ، قال: ما تخوَّف على بنيه من أعين الناس لهيأتهم وعِدّتهم.

* * * وقوله: (وإنه لذو علم لما علمناه) ، يقولُ تعالى ذكره: وإن يعقوب لذو علم لتعليمنا إياه .

* * * وقيل: معناه وإنه لذو حفظٍ لما استودعنا صدره من العلم .

* * * واختلف عن قتادة في ذلك: 19500- فحدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وإنه لذو علم لما علمناه) : أي: مما علمناه.

19501- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير , عن سفيان , عن ابن أبي عروبة عن قتادة: (وإنه لذو علم لما علمناه) ، قال: إنه لعامل بما عَلم.

19502- ...

قال: المثنى قال إسحاق قال عبد الله قال سفيان: (إنه لذو علم)، مما علمناه.

وقال: من لا يعمل لا يكون عالمًا.

* * * ، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ، يقول جل ثناؤه: ولكن كثيرًا من الناس غير يعقوب , لا يعلمون ما يعلمه , لأنَّا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم أي من أبواب شتى .ما كان يغني عنهم من الله من شيء إن أراد إيقاع مكروه بهم ." إلا حاجة " استثناء ليس من الأول .في نفس يعقوب قضاها أي خاطر خطر بقلبه ; وهو وصيته أن يتفرقوا ; قال مجاهد : خشية العين ، وقد تقدم القول فيه .

وقيل : لئلا يرى الملك عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسدا أو حذرا ; قاله بعض المتأخرين ، واختاره النحاس ، وقال : ولا معنى للعين هاهنا .

ودلت هذه الآية على أن المسلم يجب عليه أن يحذر أخاه مما يخاف عليه ، ويرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة ; فإن الدين النصيحة ، والمسلم أخو المسلم .قوله تعالى : " وإنه " يعني يعقوب .

لذو علم لما علمناه أي بأمر دينه .

ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ ص: 200 ] أي لا يعلمون ما يعلم يعقوب - عليه السلام - من أمر دينه .وقيل : " لذو علم " أي عمل ; فإن العلم أول أسباب العمل ، فسمي بما هو بسببه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَمَّا } ذهبوا و { دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ } ذلك الفعل { يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره.

وليس هذا قصورا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } أي: لصاحب علم عظيم { لِمَا عَلَّمْنَاهُ } أي: لتعليمنا إياه، لا بحوله وقوته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } عواقب الأمور ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم منهم، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ) أي : من الأبواب المتفرقة .

وقيل : كانت المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب ، فدخلوها من أبوابها ( ما كان يغني ) يدفع ( عنهم من الله من شيء ) صدق الله تعالى يعقوب فيما قال ( إلا حاجة ) مرادا ( في نفس يعقوب قضاها ) أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم وجرى الأمر عليه ( وإنه ) يعني : يعقوب عليه السلام ( لذو علم ) يعني : كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل ( لما علمناه ) أي : لتعليمنا إياه .

وقيل : إنه لعامل بما علم .

قال سفيان : من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما .

وقيل : وإنه لذو حفظ لما علمناه .

( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ما يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم .

وقال ابن عباس : لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال تعالى: «ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم» أي متفرقين «ما كان يغني عنهم من الله» أي قضائه «من» زائدة «شيء إلا» لكن «حاجة في نفس يعقوب قضاها» وهي إرادة دفع العين شفقة «وإنه لذو علم لما علمناه» لتعليمنا إياه «ولكن أكثر الناس» وهم الكفار «لا يعلمون» إلهام الله لأصفيائه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما دخلوا من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم، ما كان ذلك ليدفع قضاء الله عنهم، ولكن كان شفقة في نفس يعقوب عليهم أن تصيبهم العين، وإن يعقوب لصاحب علمٍ عظيم بأمر دينه علَّمه الله له وحْيًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وما يعلمه يعقوب -عليه السلام- مِن أمر دينه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الأبناء قد امتثلوا أمر أبيهم لهم فقال : ( وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ) .والمراد بالحاجة هنا : نصيحته لأبنائه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ، خوفاً عليهم من الحسد .

ومعنى ( قضاها ) أظهرها ولم يستطع كتمانها يقال : قضى فلان حاجة لنفسه إذا أظهر ما أضمره فيها .أى : وحين دخل أبناء يعقوب من الأبواب المتفرقة التى أمرهم أبوهم بالدخول منها ، ( ما كان ) هذا الدخول ( يُغْنِي عَنْهُمْ ) أى يدفع عنهم من قدر ( الله مِن شَيْءٍ ) قدره عليهم ، ولكن الذى حمل يعقوب على أمرهم بذلك ، حاجة أى رغبة خطرت فى نفسه ( قضاها ) أى : أظهرها ووصاهم بها ولم يستطع إخفاءها لشدة حبه لهم مع اعتقاده بأن كل شئ بقضاء الله وقدره .وقوله - سبحانه - ( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ) ثناء من الله - تعالى - على يعقوب بالعلم وحسن التدبير .أى : وإن يعقوب - عليه السلام - لذو علم عظيم ، للشئ الذى علمناه إياه عن طريق وحينا ، فهو لا ينسى منه شيئاً إلا ما شاء الله .وقوله ( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) أى : لا يعلمون ما يعلمه يعقوب - عليه السلام - من أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على الله - تعالى - أو : ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما أعطاه الله - تعالى - لأنبيائه وأصفيائه من العلم والمعرفة وحسن التأتى للأمور .وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد فصلت الحديث عما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم فى شأن سفر أخيهم معهم .

.

.

فماذا كان بعد ذلك؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: لما قال يعقوب: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيء  ﴾ صدقه الله في ذلك فقال: وما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمراً قدره الله.

وقال الزجاج: إن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون.

وقال ابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم، وهذه الكلمات متقاربة، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر.

البحث الثاني: قوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية.

أما الأول: فهو كقوله: ما رأيت من أحد، والتقدير: ما رأيت أحداً، فكذا هاهنا تقدير الآية: أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئاً، أي ذلك التفرق ما كان يخرج شيئاً من تحت قضاء الله تعالى.

وأما الثاني: فكقولك: ما جاءني من أحد، وتقديره ما جاءني أحد فكذا هاهنا التقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ فقال الزجاج: إنه استثناء منقطع، والمعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، يعني أن الدخول على صفة التفرق قضاء حاجة في نفس يعقوب قضاها، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوهاً: أحدها: خوفه عليهم من إصابة العين.

وثانيها: خوفه عليهم من حسد أهل مصر.

وثالثها: خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر.

ورابعها: خوفه عليهم من أن لا يرجعوا إليه، وكل هذه الوجوه متقاربة.

وأما قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ فقال الواحدي: يحتمل أن يكون ﴿ مَا ﴾ مصدرية والهاء عائدة إلى يعقوب، والتقدير: وإنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه، ويمكن أن تكون ﴿ مَا ﴾ بمعنى الذي والهاء عائدة إليها، والتأويل وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه، يعني أنا لما علمناه شيئاً حصل له العلم بذلك الشيء وفي الآية قولان آخران: الأول: أن المراد بالعلم الحفظ، أي أنه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له والثاني: لذو علم لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وهو إشارة إلى كونه عاملاً بما علمه، ثم قال: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علم يعقوب.

والثاني: لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم، والمراد بأكثر الناس المشركون، فإنهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوي بهاء وشارة حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع.

ويقال: هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم؛ ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس.

فإن قلت: هل للإصابة بالعين وجه تصحّ عليه؟

قلت: يجوز أن يحدث الله عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به، نقصاناً فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحاناً لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق: هذا فعل الله، ويقول الحشوي: هو أثر العين، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [المدثر: 31] الآية.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كل عين لامّة، ومن كل شيطان وهّامة» ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيْء ﴾ يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ أي متفرقين ﴿ مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ ﴾ رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً قط، حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم ﴿ إِلاَّ حَاجَةً ﴾ استثناء منقطع.

على معنى: ولكن حاجة ﴿ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ يعني قوله: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ ﴾ وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وأُبَّهَةٍ مُشْتَهِرِينَ في مِصْرَ بِالقُرْبَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُوصِهِمْ بِذَلِكَ في الكَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ حِينَئِذٍ، أوْ كانَ الدّاعِي إلَيْها خَوْفَهُ عَلى بِنْيامِينَ.

ولِلنَّفْسِ آثارٌ مِنها العَيْنُ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَوْذَتِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .

﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضى عَلَيْكم بِما أشَرْتُ بِهِ إلَيْكم فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ.

﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ يُصِيبُكم لا مَحالَةَ إنْ قَضى عَلَيْكم سُوءًا ولا يَنْفَعُكم ذَلِكَ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لَتَقَدُّمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ كَأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ والفاءَ لِإفادَةِ التَّسَبُّبِ، فَإنَّ فِعْلَ الأنْبِياءِ سَبَبٌ لِأنَّ يُقْتَدى بِهِمْ.

﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ ﴾ أيْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ في البَلَدِ.

﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ رَأْيُ يَعْقُوبَ واتِّباعُهم لَهُ.

﴿ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَسُرِقُوا وأُخِذَ بِنْيامِينُ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعَفَتِ المُصِيبَةُ عَلى يَعْقُوبَ.

﴿ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ حاجَةً في نَفْسِهِ، يَعْنِي شَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ وحَرازَتَهُ مِن أنْ يُعانُوا.

﴿ قَضاها ﴾ أظْهَرَها ووَصّى بِها.

﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الحُجَجِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولَمْ يَغْتَرَّ بِتَدْبِيرِهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ سِرَّ القَدَرِ وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)

{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي متفرقين {مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ} دخولهم من أبواب متفرقة {مّنَ الله مِن شَىْء} أي شيئا قط حيث أصابهم ماساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم {إلا حاجة}

يوسف (٦٨ _ ٧٣)

استثناء منقطع أي ولكن حاجة {فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} وهي شفقته عليهم {وَإِنَّهُ لَذُو علم} يعنى قوله ما اعنى عنكم وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر {لّمَا عَلَّمْنَاهُ} لتعليمنا إياه {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ ﴾ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ البَلَدِ قِيلَ: كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ فَدَخَلُوا مِنها وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِهِ لِاسْتِلْزامِهِ الِانْتِهاءَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ وحاصِلُهُ لَمّا دَخَلُوا مُتَفَرِّقِينَ ﴿ ما كانَ ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ والجُمْلَةُ قِيلَ: جَوابُ ( لَمّا ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ المُقارَنَةِ الواجِبَةِ بَيْنَ جَوابِ ( لَمّا ) ومَدْخُولِها فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ بِالفِعْلِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ نُزُولِ المَحْذُورِ لا وقْتَ الدُّخُولِ وإنَّما المُتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ ما أفادَهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الدُّخُولِ مُغْنِيًا فِيما سَيَأْتِي ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ سَبَبِيَّةِ الدُّخُولِ لِعَدَمِ الإغْناءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا ﴾ فَإنَّ مَجِيءَ النَّذِيرِ هُناكَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ نُفُورِهِمْ بَلْ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّتِهِ لِلْإغْناءِ مَعَ كَوْنِها مُتَوَقَّعَةً في بادِئِ الرَّأْيِ حَيْثُ أنَّهُ وقَعَ حَسْبَما وصّاهم بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: حَلَفَ أنْ يُعْطِيَ حَقِّيَ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَلَمّا حَلَّ لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَإنَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّةِ حُلُولِ الأجَلِ لِلْإعْطاءِ مَعَ كَوْنِها مَرْجُوَّةً بِمُوجِبِ الحَلِفِ لا بَيانَ سَبَبِيَّتِهِ لِعَدَمِ الإعْطاءِ فالمَآلُ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ المَقْصُودِ عَلى التَّدْبِيرِ المَعْهُودِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ لا بَيانَ تَرَتُّبِ عَدَمِهِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ وصِيَّتِهِ مِن أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم تَدْبِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا فَعَلُوا ما وصّاهم بِهِ لَمْ يُفِدْهِمْ ذَلِكَ شَيْئًا ووَقَعَ الأمْرُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَقُوا ما لَقُوا فَيَكُونُ مِن بابِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ.

اهَـ.

وإلى كَوْنِ الجَوابِ ما ذُكِرَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّ فِيهِ حُجَّةً لِمَن زَعَمَ أنَّ لَمّا حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَما بَعْدَ ( ما ) النّافِيَةِ ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ظَرْفِيَّتِها يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في جَوابِ ( لَمّا ) وجْهانِ أحَدُهُما أنَّهُ ﴿ آوى ﴾ وهو جَوابُ ( لَمّا ) الأُولى والثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: لَمّا جِئْتُكَ وكَلَّمْتُكَ أجَبْتَنِي وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ دُخُولَهم عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَقَّبَ دُخُولَهم مِنَ الأبْوابِ والثّانِي أنَّهُ مَحْذُوفٌ أيِ امْتَثَلُوا أوْ قَضَوْا حاجَةَ أبِيهِمْ وإلى الوَجْهِ الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّهُ عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ تَرْتَفِعُ غائِلَةُ تَوْجِيهِ أمْرِ التَّرَتُّبِ وما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ القِيلِ في ثانِي وجْهَيْهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ هَذا مِنهُ تَعالى تَصْدِيقٌ لِما أشارَ إلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ .

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى التَّدْبِيرِ بِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ إلّا دَفْعَ إصابَةِ العَيْنِ لَهم وقَدْ تَحَقَّقَ بِدُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ وهو وارِدٌ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الأخِيرِ كَما لا يَخْفى وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِدَفْعِ العَيْنِ أنْ لا يَمَسَّهم سُوءٌ ما وإنَّما خُصَّتْ إصابَةُ العَيْنِ لِظُهُورِها وقِيلَ: إنَّ ما أصابَهم مِنَ العَيْنِ أيْضًا فَلَمْ يَتَرَتَّبِ الغَرَضُ عَلى التَّدْبِيرِ بَلْ تَخَلَّفَ ما أرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَدْبِيرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَيْنِ فَأصابَهم شَرٌّ آخَرُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ فَلَمْ يُفِدْ دَفْعُ ما خافَهُ شَيْئًا وحِينَئِذٍ يُدَّعى أنَّ دُخُولَهم مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم كانَ مُفِيدًا لَهم مِن حَيْثُ أنَّهُ دَفَعَ العَيْنَ عَنْهم إلّا أنَّهُ لَمّا أصابَهم ما أصابَهم مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ مَعَ أخِيهِمْ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعُفِ المُصِيبَةِ عَلى أبِيهِمْ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ فائِدَةً فَكَأنَّ دُخُولَهم لَمْ يُفِدْهم شَيْئًا واعْتُرِضَ أيْضًا ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إفادَةُ الِاسْتِمْرارِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وظاهِرُ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِيلَ: وإذا كانَ الغَرَضُ هُنا ذاكَ احْتَمَلَ الكَلامُ وجْهَيْنِ نَفْيُ اسْتِمْرارِ الإغْناءِ واسْتِمْرارُ نَفْيِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ جِدًّا هَذا وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن زِيادَةِ ( مِن ) في المَنصُوبِ هو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الرّازِيُّ في الآيَةِ ثانِيهُما جَوازُ كَوْنِها زائِدَةً في المَرْفُوعِ وحِينَئِذٍ لَيْسَ في الكَلامِ ضَمِيرُ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى قِيلَ: ولَوِ اعْتُبِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنَ مَرْفُوعٍ كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَمْ يَبْعُدْ أيْ ما كانَ الشَّأْنُ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ حاجَةً ﴿ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ أيْ أظْهَرَها ووَصّاهم بِها دَفْعًا لِلْخَطْرَةِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ تَأْثِيرًا في تَغْيِيرِ التَّقْدِيرِ والمُرادُ بِالحاجَةِ شَفَقَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَرازَتُهُ مِن أنْ يُعانُوا.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحاجَةَ إلى الشَّيْءِ الفَقْرُ إلَيْهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ وجَمْعُهُ حاجٌ وحاجاتٌ وحَوائِجُ وحاجَ يَحُوجُ احْتاجَ ثُمَّ ذَكَرَ الآيَةَ وأنْكَرَ بَعْضُهم مَجِيءَ الحَوائِجِ جَمِيعًا لَها وهو مَحْجُوجٌ بِوُرُودِهِ في الفَصِيحِ وفي التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشْعارٌ بِالتَّعَطُّفِ والشَّفَقَةِ والتَّرَحُّمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ اشْتَهَرَ بِالحُزْنِ والرِّقَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ قَضاها ﴾ لِلدُّخُولِ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ قَضى حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فالمَعْنى ما كانَ ذَلِكَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا لَكِنْ قَضى حاجَةً حاصِلَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا وجُمْلَةُ ﴿ قَضاها ﴾ صِفَةُ ﴿ حاجَةً ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ﴿ إلا ﴾ لِأنَّها بِمَعْنى لَكِنْ وهي يَكُونُ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ فَإذا أُوِّلَتْ بِها فَقَدْ يُقَدَّرُ خَبَرُها وقَدْ يُصَرَّحُ بِهِ كَما نَقَلَهُ القُطْبُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ وفِيهِ أنَّ عَمَلَ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ عَمَلُها مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا عَلى أنَّهُ مِن بابِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ فالمَعْنى ما أغْنى عَنْهم ما وصّاهم بِهِ أبُوهم شَيْئًا إلّا شَفَقَتَهُ الَّتِي في نَفْسِهِ ومِنَ الضَّرُورَةِ أنَّ شَفَقَةَ الأبِ مَعَ قَدَرِ اللَّهِ تَعالى كالهَباءِ فَإذَنْ ما أغْنى عَنْهم شَيْئًا أصْلًا ﴿ وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ جَلِيلٍ ﴿ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ أيْ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعْتَقِدْ أنَّ الحَذَرَ يَدْفَعُ القَدَرَ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخَلَلُ في رَأْيِهِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الأثَرِ أوْ حَيْثُ بَتَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكانَتِ الحالُ كَما قالَ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجُوِّزَ كَوْنُ ( ما ) مَوْصُولًا اسْمِيًّا والضَّمِيرُ لَها واللّامُ صِلَةُ عِلْمٍ والمُرادُ بِهِ الحِفْظُ أيْ إنَّهُ لَذُو حِفْظٍ ومُراقَبَةٍ لِلَّذِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِفَوائِدِ الَّذِي عَلَّمْناهُ وحُسْنِ إثارَةٍ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عامِلًا بِما عَلِمَهُ وما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا هو الأوْلى ويُؤَيِّدُ التَّعْلِيلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ ( مِمّا عَلِمْناهُ ) وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِإنَّ واللّامِ وتَنْكِيرِ ﴿ عِلْمٍ ﴾ وتَعْلِيلِهِ بِالتَّعْلِيمِ المُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وفَخامَتِهِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .

(68) .

سِرَّ القَدَرِ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ وقِيلَ: المُرادُ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ إيجابَ الحَذَرِ مَعَ أنَّهُ لا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ القَدَرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ تَخَلُّفِ المَطْلُوبِ عَنِ المَبادِي.

وقِيلَ: المُرادُ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ العِلْمِ ويُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ حِينَئِذٍ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ أرْشَدَ أوْلِياءَهُ إلى العُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ.

وجَعَلَ المَفْعُولَ سِرَّ القَدَرِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وقَدْ سَعى في بَيانِ المُرادِ مِنهُ وتَحْقِيقِ إلْغاءِ الحَذِرِ بَعْضُ أفاضِلِ المُتَأخِّرِينَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: إنَّ لَنا قَضاءً وقَدَرًا وسِرَّ قَدَرٍ وسِرَّ سِرِّهِ وبَيانُهُ أنَّ المُمْكِناتِ المَوْجُودَةَ وإنْ كانَتْ حادِثَةً بِاعْتِبارِ وجُودِها العَيْنِيِّ لَكِنَّها قَدِيمَةٌ بِاعْتِبارِ وجُودِها العِلْمِيِّ وتُسَمّى بِهَذا الِاعْتِبارِ مُهَيِّئاتِ الأشْياءِ والحُرُوفَ العالِيَةَ والأعْيانَ الثّابِتَةَ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأعْيانَ الثّابِتَةَ صُوَرٌ نِسْبِيَّةٌ وظِلالُ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ لِحَضْرَةِ الواجِبِ تَعالى فَكَما أنَّ الواجِبَ تَعالى والشُّؤُونَ الذّاتِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ مُقَدَّسَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّغَيُّرِ أزَلًا وأبَدًا كَذَلِكَ الأعْيانُ الثّابِتَةُ الَّتِي هي ظِلالُها وصُوَرُها يَمْتَنِعُ عَلَيْها أنْ تَتَغَيَّرَ عَنِ الأحْكامِ الَّتِي هي عَلَيْها في حَدِّ نَفْسِها فالقَضاءُ هو الحُكْمُ الكُلِّيُّ عَلى أعْيُنِ المَوْجُوداتِ بِأحْوالٍ جارِيَةٍ وأحْكامٍ طارِئَةٍ عَلَيْها مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ والقَدَرُ تَفْصِيلُ هَذا الحُكْمِ الكُلِّيِّ بِتَخْصِيصِ إيجادِ الأعْيانِ وإظْهارِها بِأوْقاتٍ وأزْمانٍ يَقْتَضِي اسْتِعْدادُها الوُقُوعَ فِيها وتَعْلِيقُ كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِها بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ وسَبَبٍ مَخْصُوصٍ وسِرُّ القَدَرِ هو أنْ يَمْتَنِعَ أنْ يَظْهَرَ عَيْنٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ وسِرُّ سِرِّ القَدَرِ هو أنَّ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ أزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ بِجَعْلِ الجاعِلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الأعْيانِ ظِلالَ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنِ الجَعْلِ والِانْفِعالِ ولا شَكَّ أنَّ الحُكْمَ الكُلِّيَّ عَلى المَوْجُوداتِ تابِعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأعْيانِها الثّابِتَةِ وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِتِلْكَ الأعْيانِ تابِعٌ لِنَفْسِ تِلْكَ الأعْيانِ إذْ لا أثَرَ لِلْعِلْمِ الأزَلِيِّ في المَعْلُومِ بِإثْباتِ أمْرٍ لَهُ لا يَكُونُ ثابِتًا أوْ بِنَفْيِ أمْرٍ عَنْهُ يَكُونُ ثابِتًا بَلْ عِلْمُهُ تَعالى بِأمْرٍ ما إنَّما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ هو في حَدِّ ذاتِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وأمّا الأعْيانُ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّها ظِلالٌ لِأُمُورٍ أزَلِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنْ شَوائِبِ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ أزَلًا فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ بِها كَما كانَتْ وقَضى وحَكَمَ كَما عَلِمَ وقَدَّرَ وأوْجَدَ كَما قَضى وحَكَمَ فالقَدَرُ تابِعٌ لِلْقَضاءِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ التّابِعِ لِما هو ظِلٌّ لَهُ فَإلَيْهِ سُبْحانَهُ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ خِلافَ ما عَلِمَ فَلِذا يَلْغُو الحَذَرُ لَكِنْ أمَرَ بِهِ رِعايَةً لِلْأسْبابِ فَإنَّ تَعْطِيلَها مِمّا يُفَوِّتُ انْتِظامَ أمْرِ هَذِهِ النَّشْأةِ ولِذا ورَدَ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرَكَ تَعاطِيَ أسْبابِ تَحْصِيلِ الغِذاءِ وقالَ: لا أسْعى في طَلَبِ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى هو المُتَكَفِّلُ بِرِزْقِي ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ ما لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي فَبَقِيَ أيّامًا عَلى ذَلِكَ حَتّى كادَتْ تَغِيظُ نَفْسُهُ مِمّا كابَدَهُ فَأوْحى إلَيْهِ سُبْحانَهُ يا فُلانُ لَوْ بَقِيتَ كَذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ تَتَعاطَ سَبَبًا ما رَزَقْتُكَ أتُرِيدُ أنْ تُعَطِّلَ أسْبابِيَ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ سَبَبَ إيجابِ الحَذَرِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ قَضى مُعَلَّقًا ونِيطَ تَحْصِيلُهُ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْبَشَرِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ ودَفْعِ مَوانِعِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحِفْظُ عَنِ المَكْرُوهِ مِن جُمْلَةِ ما نِيطَ بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ وهو الحَذَرُ وهو لا يَأْبى ما قُلْناهُ كَما لا يَخْفى هَذا.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ القَدَرَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الذّاتِ والمَظاهِرِ ومَن عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلِمَهُ ومَن جَهَلَّهُ سُبْحانَهُ جَهِلَهُ واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لا يُعْلَمُ فالقَدَرَ أيْضًا لا يُعْلَمُ وإنَّما طَوى عِلْمَهُ حَتّى لا يُشارَكَ الحَقُّ في عِلْمِ حَقائِقِ الأشْياءِ مِن طَرِيقِ الإحاطَةِ بِها إذْ لَوْ عَلِمَ أيَّ مَعْلُومٍ كانَ بِطَرِيقِ الإحاطَةِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ كَما يَعْلَمُهُ الحَقُّ لَما تَمَيَّزَ عِلْمُ الحَقِّ عَنْ عِلْمِ العَبْدِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا الِاسْتِواءِ فِيما عُلِمَ مِنهُ فَإنَّ الكَلامَ فِيما عُلِمَ كَذَلِكَ فَإنَّ العَبْدَ جاهِلٌ بِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ العِلْمِ مُطْلَقًا بِمَعْلُومِهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ الِاشْتِراكُ مَعَ الحَقِّ في العِلْمِ بِمَعْلُومٍ ما ومِنَ المَعْلُوماتِ العِلْمُ بِالعِلْمِ وما مِن وجْهٍ مِنَ المَعْلُوماتِ إلّا ولِلْقَدَرِ فِيهِ حُكْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ فَلَوْ عُلِمَ القَدَرُ عُلِمَتْ ولَوْ عُلِمَتْ أحْكامُهُ لاسْتَقَلَّ العَبْدُ في العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وما احْتاجَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ وكانَ لَهُ الغِنى عَلى الإطْلاقِ وسِرُّ القَدَرِ عَيْنُ تَحَكُّمِهِ في الخَلائِقِ وأنَّهُ لا يَنْكَشِفُ لَهم هَذا السِّرُّ حَتّى يَكُونَ الحَقُّ بَصَّرَهم.

وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ عِلْمِ القَدَرِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عُزَيْرًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ عَنْهُ إلى أنْ قالَ الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ: يا عُزَيْرُ لَئِنْ سَألْتَ عَنْهُ لَأمْحُوَنَّ اسْمَكَ مِن دِيوانِ النُّبُوَّةِ ويَقْرُبُ مِن ذَلِكَ السُّؤالِ عَنْ عِلَلِ الأشْياءِ في مَكْنُوناتِها فَإنَّ أفْعالَ الحَقِّ لا يَنْبَغِي أنْ تُعَلَّلَ فَإنَّ ما ثُمَّ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِتَكْوِينِ شَيْءٍ إلّا عَيْنُ وُجُودِ الذّاتِ وقَبُولُ عَيْنِ المُمْكِنِ لِظُهُورِ الوُجُودِ والأزَلِ لا يَقْبَلُ السُّؤالَ عَنِ العِلَلِ والسُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ جاهِلٍ بِاللَّهِ تَعالى فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ من السكك المتفرقة مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: حذرهم لا يغني من قضاء الله مِن شَىْء، يعني: إن العين لو قدرت أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم وهم مجتمعون.

ثمّ قال: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ يعني: حزازة في قلبه، وهي الحزن قَضاها يعني: أبداها وتكلم بها.

ويقال: معناه لكن لحاجة في نفس يعقوب قضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ يعني: علم يعقوب أنه لا يصيبهم إلا ما أراد الله تعالى وقدر عليهم.

وعلم أن دخولهم في سكك متفرقة لا ينفعهم من قضاء الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ.

ويقال: معناه أنه عالم بما علمناه، ويقال: لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي: لتعليمنا إياه.

ويقال: لذو حظ لما علمناه.

ثم قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنه لا يصيبهم إلا ما قدر الله تعالى عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اللَّه تعالَى عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ جمعه بَيْن هاتين الحَالَتَيْنِ العظيمتين.

وقوله: لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ: قيل: خَشِيَ عليهم العَيْنَ، لكونهم أحَدَ عَشَر لرجلٍ واحدٍ، وكانوا أهْلَ جمالٍ وبسطة قاله ابن عباس وغيره «١» .

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)

وقوله سبحانه: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ، روي أنه لَمَّا ودَّعوا أباهم، قال لهم: بَلِّغوا مَلِكَ مِصْر سَلاَمِي، وقولُوا له: إِنَّ أَبانا يصلِّي عليك، ويَدْعُو لك، ويَشْكُر صنيعك مَعَنَا، وفي كتاب أبي مَنْصُورٍ المهرانيِّ أنه خاطَبَه بكتابٍ قُرِىءَ على يوسف، فبكَى.

وقوله سبحانه: مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها: بمثابة قولهم: لم يكُنْ في ذلك دَفْعُ قَدَرِ اللَّه، بل كان أرَباً ليعقُوبَ قضاه، فالاستثناء ليس من الأولِ، والحاجةُ هي أنْ يكون طَيِّب النفْس بدخولهم من أبواب متفرِّقة خَوْفَ العين، ونظير هذا الفعْلِ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سَدَّ كُوَّةً في قَبْرٍ بِحَجَرٍ، وقال: «إِنَّ هَذَا لاَ يُغْنِي شَيْئاً، ولكِنَّهُ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِ الحَيِّ» ، ثم أثنى اللَّه عزَّ وجلَّ على يعقوب بأنه لُقِّنَ ما علَّمه اللَّه من هذا المَعْنى، وأن أكثر الناس لَيْسَ كذلك، وقال قتادة: معناه: لَعَامِلٌ بما علَّمناه «٢» ، وقال سفيان: من لا يعمل لاَ يَكُونُ عالماً «٣» .

قال ع «٤» : وهذا لا يعطيه اللفْظُ، أمَّا أنَّه صحيحٌ في نفسه يرجِّحه المعنى وما تقتضيه منزلةُ يعقُوبَ عليه السلام.

وقوله: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال ابنُ إِسحاق وغيره: أخبره بأنه أخوهُ حقيقةً، واستكتمه، وقال له: لا تبال بكلِّ ما تراه من المَكْروه في تحيّلي في أخذك منهم، وكان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ يَعْنِي أوْعِيَةَ الطَّعامِ ﴿ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ﴾ الَّتِي حَمَلُوها ثَمَنًا لِلطَّعامِ " رُدَّتْ " قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ " رُدِدَتْ "، فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وبَقِيَتِ الرّاءُ مَضْمُومَةً.

ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ جَعَلَ كَسْرَتَها مَنقُولَةً مِنَ الدّالِ، كَما فُعِلَ ذَلِكَ في: قِيلَ، وبِيعَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أصْلَ الدّالِ الكَسْرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَبْغِي ﴾ في " ما " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ، المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وقَدْ رُدَّتْ بِضاعَتُنا إلَيْنا ؟

والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ، المَعْنى: ما نَبْغِي شَيْئًا، أيْ: لَسْنا نَطْلُبُ مِنكَ دَراهِمَ نَرْجِعُ بِها إلَيْهِ، بَلْ تَكْفِينا هَذِهِ في الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأرادُوا بِذَلِكَ تَطْيِيبَ قَلْبِهِ لِيَأْذَنَ لَهم بِالعَوْدِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " ما تَبْغِي " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ: نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: مارَ أهْلَهُ يَمِيرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ لِأهْلِهِ: إذا حَمَلَ إلَيْهِمْ أقْواتَهم مِن غَيْرِ بَلَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَحْفَظُ أخانا بِنْيامِينَ الَّذِي تُرْسِلُهُ مَعَنا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ونَحْفَظُ أخانا شَمْعُونَ الَّذِي أخَذَهُ رَهِينَةً عِنْدَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أيْ: وِقْرَ بَعِيرٍ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَصِيبَ أخِيهِمْ، لِأنَّ يُوسُفَ كانَ لا يُعْطِي الواحِدَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَلِكَ كَيْلٌ سَرِيعٌ، لا حَبْسَ فِيهِ، يَعْنُونَ إذا جاءَ مَعَنا، عَجَّلَ المَلِكُ لَنا الكَيْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ سَهْلٌ عَلى الَّذِي نَمْضِي إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: ذَلِكَ الَّذِي جِئْناكَ بِهِ كَيْلٌ يَسِيرٌ لا يُقْنِعُنا، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تُعْطُونِي عَهْدًا أثِقُ بِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَحْلِفُوا لِي بِاللَّهِ ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ أيْ: لَتَرُدُّنَّهُ إلَيَّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ اللّامُ جَوابٌ لِمُضْمَرٍ، تَلْخِيصُهُ: وتَقُولُوا: واللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَهْلَكَ جَمِيعُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنْ يُحالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ أيْ: أعْطَوْهُ العَهْدَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَلَفُوا لَهُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ  ومَنزِلَتِهِ مِن رَبِّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّهِيدُ.

والثّانِي: كَفِيلٌ بِالوَفاءِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ، قالَ لَهم يَعْقُوبُ: " لا تَدْخُلُوا " يَعْنِي مِصْرَ ﴿ مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِهَذا البابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بابًا مِن أبْوابِ مِصْرَ، وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الطُّرُقَ لا الأبْوابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ورَوى نَحْوَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي ما أرادَ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، وكانُوا أُولِي جَمالٍ وقُوَّةٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يُغْتالُوا لِما ظَهَرَ لَهم في أرْضِ مِصْرَ مِنَ التُّهْمَةِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ أنْ يَلْقَوْا يُوسُفَ في خَلْوَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: لَنْ أدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ، فَإنَّهُ إنْ شاءَ أهْلَكَكم مُتَفَرِّقِينَ، ومِصْداقُهُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم كَذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ حاجَةٌ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " قَضاها " أيْ: أبْداها وتَكَلَّمَ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إنَّهُ حافِظٌ لِما عَلَّمْناهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ أنَّ دُخُولَهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: وإنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ العَمَلُ عِلْمًا، لِأنَّ العِلْمَ أوَّلُ أسْبابِ العَمَلِ.

والرّابِعُ: وإنَّهُ لَمُتَيَقِّنٌ لِوَعْدِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: وإنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: وإنَّهُ لَعالِمٌ بِما عَلَّمْناهُ، أنَّهُ لا يُصِيبُ بَنِيهِ إلّا ما قَضاهُ اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْم لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عنهم مِن اللهِ مِن شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا ودَّعُوا أباهم قالَ لَهُمْ: "بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي، وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ، ويَدْعُو لَكَ ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا".

وفي كِتابِ أبِي مَنصُورٍ المِهْرانِيِّ: أنَّهُ خاطَبَهُ بِكِتابٍ قُرِئَ عَلى يُوسُفَ فَبَكى.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما كانَ يُغْنِي عنهم مِنَ اللهِ مِنَ شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَفْعُ قَدَرِ اللهِ، بَلْ كانَ أرَبًا لِيَعْقُوبَ قَضاهُ، وطَيِّبًا لِنَفْسِهِ تَمَسَّكَ بِهِ وأمَرَ بِحَبْسِهِ، فَجَوابُ "لَمّا" في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ يُغْنِي عنهم مِنَ اللهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ ، وَ ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والحاجَةُ هي أنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَفْسِ بِدُخُولِهِمْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ خَوْفَ العَيْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: الحاجَةُ: خِيفَةُ العَيْنِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وفي عِبارَتِهِما تَجَوُّزٌ، ونَظِيرُ هَذا الفِعْلِ «أنَّ النَبِيَّ  سَدَّ كُوَّةً في قَبْرٍ بِحَجَرٍ وقالَ: "إنَّ هَذا لا يُغْنِي شَيْئًا ولَكِنَّهُ تَطَيُّبٌ لِنَفْسِ الحَيِّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ -عِنْدِي-: ﴿ ما كانَ يُغْنِي عنهم مِنَ اللهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: ما يَرُدُّ عنهم قَدَرًا، لِأنَّهُ لَوْ قُضِيَ أنْ تُصِيبَهم عَيْنٌ لَأصابَتْهم مُفْتَرِقِينَ أو مُجْتَمِعِينَ، وإنَّما طَمِعَ يَعْقُوبُ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ قَدْرَ السَلامَةِ فَوَصّى، وقَضى -بِذَلِكَ- حاجَةَ نَفْسِهِ في أنْ يَتَنَعَّمَ بِرَجائِهِ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ القَدَرَ في سَلامَتِهِمْ.

ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى يَعْقُوبَ بِأنَّهُ لُقِّنَ ما عَلَّمَهُ اللهُ مِن هَذا المَعْنى، وانْدَرَجَ غَيْرُ ذَلِكَ في العُمُومِ، وقالَ: إنَّ أكْثَرَ الناسِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ لِعامِلٌ بِما عَلِمْناهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ سُفْيانٌ: مَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، أمّا إنَّهُ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ فَيُرَجِّحُهُ المَعْنى وما تَقْتَضِيهِ مَنزِلَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عن دُخُولِهِمْ أنَّهُ ﴿ ما كانَ يُغْنِي ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى أنَّهُ لَمّا دَخَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ ورَأى أخاهُ شُكْرَ ذَلِكَ لَهم -عَلى ما رُوِيَ- وضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ وآواهُ إلى نَفْسِهِ، ومِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: المَأْوى، وكانَيامِينُ شَقِيقَ يُوسُفَ فَآواهُ.

وصُورَةُ ذَلِكَ -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ- أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ صاحِبَ ضِيافَتِهِ أنْ يُنْزِلَهم رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، فَبَقِيَ يامِينُ وحْدَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: أنا أُنْزِلُ هَذا مَعَ نَفْسِي، فَفَعَلَ وباتَ عِنْدَهُ، وقالَ لَهُ: ﴿ إنِّي أنا أخُوكَ ﴾ ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا اللَفْظِ -فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ وَغَيْرُهُ: أخْبَرَهُ بِأنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِ بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهُمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما عَمِلَهُ الإخْوَةُ قَدِيمًا.

وقالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّما أخْبَرَهُ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ لَهُ الأمْرَ بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ.

و”تَبْتَئِسْ" تَفْتَعِلْ، مِنَ البُؤْسِ، أيْ: لا تَحْزَنْ ولا تَهْتَمَّ، وهَكَذا عَبَّرَ المُفَسِّرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة، والواو اعتراضية.

ودلت ﴿ حيث ﴾ على الجهة، أي لمّا دخلوا من الجهات التي أمرهم أبوهم بالدخول منها.

فالجملة التي تضاف إليها ﴿ حيثُ ﴾ هي التي تُبين المراد من الجهة.

وقد أغنت جملة ﴿ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ﴾ عن جمل كثيرة، وهي أنهم ارتحلوا ودخلوا من حيث أمرهم أبوهم، ولما دخلوا من حيث أمرهم سَلموا مما كان يخافه عليهم.

وما كان دخولهم من حيث أمرهم يُغني عنهم من الله من شيء لوْ قدّر الله أن يحاط بهم، فالكلام إيجاز.

ومعنى ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ أنه ما كان يرد عنهم قضاء الله لولا أن الله قدر سلامتهم.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ حاجةً ﴾ منقطع لأن الحاجة التي في نفس يعقوب عليه السلام ليست بعضاً من الشيء المنفي إغناؤه عنهم من الله، فالتقدير: لكن حاجة في نفس يعقوب عليه السلام قضاها.

والقضاء: الإنفاذ، ومعنى قضاها أنفذها.

يقال: قضى حاجة لنفسه، إذا أنفذ ما أضمره في نفسه، أي نصيحة لأبنائه أداها لهم ولم يدخرها عنهم ليطمئن قلبه بأنه لم يترك شيئاً يظنه نافعاً لهم إلاّ أبلغه إليهم.

والحاجة: الأمر المرغوب فيه.

سمي حاجة لأنه محتاج إليه، فهي من التسمية باسم المصدر.

والحاجة التي في نفس يعقوب عليه السلام هي حرصه على تنبيههم للأخطار التي تعرض لأمثالهم في مثل هذه الرحلة إذا دخلوا من باب واحد، وتعليمُهم الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.

وجملة ﴿ وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ﴾ الخ وبين جملة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

وهو ثناء على يعقوب عليه السلام بالعلم والتدبير، وأنّ ما أسْداه من النصح لهم هو من العلم الذي آتاه الله وهو من علم النبوءة.

وقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ استدراك نشأ عن جملة ﴿ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ﴾ الخ.

والمعنى أن الله أمر يعقوب عليه السلام بأخذ أسباب الاحتياط والنصيحة مع علمه بأن ذلك لا يغني عنهم من الله من شيء قدره لهم، فإن مراد الله تعالى خفيّ عن الناس، وقد أمر بسلوك الأسباب المعتادة، وعَلِم يعقوب عليه السلام ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون تطلب الأمرين فيهملون أحدهما، فمنهم من يهمل معرفة أن الأسباب الظاهرية لا تدفع أمراً قَدّره الله وَعَلِم أنه واقع، ومنهم من يهمل الأسباب وهو لا يعلم أن الله أراد في بعض الأحوال عدم تأثيرها.

وقد دلّ ﴿ وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ بصريحه على أن يعقوب عليه السلام عمل بما علّمه الله، ودلّ قوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ بتعريضه على أن يعقوب عليه السلام من القليل من الناس الذين علموا مراعاة الأمرين ليتقرر الثناء على يعقوب عليه السلام باستفادته من الكلام مرتين: مرة بالصراحة ومرة بالاستدراك.

والمعنى: أن أكثر الناس في جهالة عن وضع هاته الحقائق موضعها ولا يخلون عن مُضيع لإحداهما، ويفسر هذا المعنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا أمر المسلمين بالقفول عن عَمواس لَمّا بلغه ظهور الطاعون بها وقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله فقال عمر رضي الله عنه: لو غَيْرُك قالها يا أبَا عبيدة ألسنا نفرّ من قدر الله إلى قدر الله...

إلى آخر الخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ يَعْنِي لا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِن بابٍ واحِدٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن بابٍ واحِدٍ مِن أبْوابِها.

﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: مِن طَرِيقٍ واحِدٍ مِن طُرُقِها.

﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ أيْ طُرُقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفِيما خافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي صُوَرٍ وجَمالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ المَلِكَ أنْ يَرى عَدَدَهم وقُوَّتَهم فَيَبْطِشَ بِهِمْ حَسَدًا أوْ حَذَرًا، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ أحْذَرُهُ عَلَيْكم فَأشارَ عَلَيْهِمْ في الأوَّلِ، وفَوَّضَ إلى اللَّهِ في الآخِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لا يَرُدُّ حَذَرُ المَخْلُوقِ قَضاءَ الخالِقِ.

﴿ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ وهو حَذَرُ المُشْفِقِ وسُكُونُ نَفْسٍ بِالوَصِيَّةِ أنْ يَتَفَرَّقُوا خَشْيَةَ العَيْنِ.

﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لَمُتَيَقِّنٌ بِوَعْدِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّالِثُ: إنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد...

﴾ قال: رهب يعقوب عليهم العين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خشي عليهم العين.

وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خشي يعقوب على ولده العين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: خاف عليهم العين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ قال: كانوا قد أوتوا صوراً وجمالاً، فخشي عليهم أنفس الناس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ قال: أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ﴾ قال: خيفة العين على بنيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ قال: إنه لعامل بما علم، ومن لا يعمل لا يكون عالماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ﴾ ، قال المفسرون (١) وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، قال ابن عباس (٢) (٣) ﴿ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين، وقال ابن الأنباري: معناه لم يسبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع، فكان تفرقهم كاجتماعهم.

وعلى ما ذكر من التأويل يكون التقدير: ما كان يغني عنهم ذلك الدخول من الأبواب المتفرقة من الله شيئًا لو قَضَى وقدر فـ"من" في قوله ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ دخلت على المفعول كقولك: ما رأيت من أحد.

وفي الآية محذوف وهو (لو قَضَى) على ما ذكرنا، وذكر أبو إسحاق (٤) (٥) ﴿ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ قال الزجاج (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ قال ابن عباس (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ يمكن أن يكون "ما" مصدرًا والهاء عائدة على يعقوب، ويكون التقدير: لأنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه.

ويكون اللام على هذا كهي في قوله ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ يعني به من أجل حب المال لبخيل.

وهذا معنى قول قتادة (١٣) (١٤) ﴿ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ علم أن الحذر لا ينفع من القدر وأن المقدور كائن.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر في هذا قولين: أحدهما (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يريد المشركين لا يعلمون ما قد ألهم أولياءه.

(١) الثعلبي 7/ 95 أ، و"زاد المسير" 4/ 253.

(٢) "تنوير المقباس" ص 152 بنحوه.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.

(٥) الثعلبي 95/ 7 أ.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.

(٧) الثعلبي 7/ 95 أ.

(٨) انظر: "زاد المسير" 4/ 254.

(٩) انظر: "زاد المسير" 4/ 254، القرطبي 9/ 229، ابن كثير 2/ 531.

(١٠) الطبري 13/ 14، الثعلبي 7/ 95 أ، "زاد المسير" 4/ 254، ابن عطية 8/ 24، ابن أبي حاتم 7/ 2169، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 49.

(١١) الطبري 13/ 15، الثعلبي 7/ 95 أ، البغوي 4/ 259، ابن عطية 8/ 24.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 354 مختصرًا.

(١٣) وهو قول الزجاج في "معانيه" 3/ 119، والفراء 2/ 50.

(١٤) هذا القول ذكره الفراء في "معانيه" 2/ 50.

(١٥) ذكره الثعلبي 7/ 95 أ، الطبري 13/ 14.

(١٦) في (أ)، (ج): (علمه).

(١٧) الرازي 18/ 177.

(١٨) الرازي 18/ 177.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ واحد ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة ﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله ﴿ إِلاَّ حَاجَةً ﴾ استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم ﴿ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ أي ضمه ﴿ قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي لا تحزن فهو من البؤس ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف وأخيه، ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك ﴿ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق له.

﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ أي نادى مناد ﴿ أَيَّتُهَا العير ﴾ أي أيتها الرفقة ﴿ إِنَّكُمْ لسارقون ﴾ خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾ أي لمن وجده ورده حِملُ بعير من طعام على وجه الجُعلْ ﴿ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ أي ضامن لحمل البعير لمن ردّ الصواع، وهذا من كلام المنادي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.

الباقون بالنون.

﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.

الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله  ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.

وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.

والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.

روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.

فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.

﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.

وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.

يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.

قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.

ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.

أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.

قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟

قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟

فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.

والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.

وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.

قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله  عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.

وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.

ووصف نفسه  بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.

﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.

﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.

﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.

وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله  ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.

والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.

﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.

﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.

وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.

قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.

يروى.

أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.

فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.

فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.

وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟

قال: الرأي رأيك.

قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.

وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.

وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله  : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.

وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.

وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.

﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.

قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.

قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.

وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟

وما شأنكم فإني أنكركم.

قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.

فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟

قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.

قال: كم أنتم؟

قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.

فقال: فكم أنتم ههنا؟

قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟

قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.

قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟

قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.

قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.

فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.

وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.

فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.

وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟

فقالوا: بل بقي عنده واحد.

فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟

قالوا: لا بل لزيادة محبته.

فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.

ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.

والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.

ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.

﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.

والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.

وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.

أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.

وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.

وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.

﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.

﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.

والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.

وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.

أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.

المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.

﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.

ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.

قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.

ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.

يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.

وقال مقاتل.

ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.

واختاره الزجاج.

وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.

﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.

قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.

وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله  كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.

وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله  في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.

فقال: إن جبرائيل  أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.

"وروي أنه دخل رسول الله  بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.

قال: أفلا تسترقون له من العين؟

وعنه  : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.

المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.

قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.

واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.

وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي  العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.

وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.

وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.

أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.

وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله  لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.

واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.

وقد صدقه الله  في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله  .

وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.

وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.

ثم مدحه الله  بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.

وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.

وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.

وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله  كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.

التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.

كما قال النبي  : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .

وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال  : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله  في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله  .

﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.

﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.

وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال  ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم  ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال  : "نية المؤمن خير من عمله" .

وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.

ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ ﴾ .

فيما يستقبل ويستأنف لقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ ﴾ .

﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ ﴾ بالنون؛ وبالياء: (يكتل)، وبالنون أقرب؛ لأنهم قالوا: منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل؛ نحن، يشبه: ويكتل هو إن أرسلته.

﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

لا يحتمل أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك: من خوف خاف عليه أبوهم من ناحيتهم، وقد اتهمهم؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم، خاف عليه أن يضيعوه أو إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر، ولسنا ندري ما ذلك المعنى والله أعلم بذلك.

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود  : (هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل).

في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر، يجوز أن يتهم فيما لم يظهر منه شيء؛ حيث اتهمهم يعقوب في بنيامين بخيانة كانت منهم في يوسف؛ وإن لم يظهر له منهم في أخيه شيء، وهو حجة لأصحابنا: أن من ظهر فسقه في شيء أو كذبه في أمر، صار مجروح الشهادة في غيره.

وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

أي: إن أرسلته فإنما أعتمد على حفظ الله، وإليه أكل في حفظه؛ لست أعتمد على حفظكم.

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

أي: هو بكل مكروب وملهوف أرحم من كل راحم؛ لأن كل من يرحم إنما يرحمه برحمة نالها منه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ .

هذا قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ هذا يحتمل: ما نبغي سوى الثمن؛ فقد رد إلينا دراهمنا أو يكون قوله: ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ وراء هذا كبير شيء؛ إنما نبغي ثمن بعير واحد وثمن بعير واحد يسير؛ لأنه قدر ردت بضاعتنا؛ وهو ثمن عشرة أبعرة.

﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ .

لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حِمْل بعير واحد، ولا يعطي أكثر من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله.

﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: سريع لا حبس فيه: وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ بقوله: ﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ  فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ  ﴾ فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه.

والله أعلم.

ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: حتى تأتوني بمواثيق من الله؛ وبعهود منه.

﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه وإن قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ واعتمد في الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من الله، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على الله وإليه يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق.

﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ .

أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعاً؛ فعند ذلك تكونون معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا.

والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ حيث طلب منهم أن يأتوه به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ﴾ يعقوب: ﴿ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: الله له حفيظ؛ كما قال: ﴿ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ﴾ .

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .

قال بعضهم من أهل التأويل: إن يعقوب خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ذوي صور وجمال وبهاء؛ فخشي عليهم العين؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا متفرقين.

وقال بعضهم: خشي عليهم البيات والهلاك؛ لأنهم كانوا أهل قوة ومنعة؛ فيخافهم أهل البلد ويفرقون منهم السرقة؛ فأمرهم بالتفرق، وهو قول ابن عباس؛ فإذا كانوا متفرقين فلا يهلكون الكل؛ وإنما يهلك بعضهم وينجو بعض أو لا يدرى ما أراد بهذا.

وقال بعضهم: علم يعقوب أنهم لا يهلكون؛ لما رأى يوسف من الرؤيا أن يسجد له إخوته، ولكن خاف عليهم أن تصيبهم النكبة؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، أو من سكك متفرقة، أو من طرق متفرقة، أو ما قالوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

أي لا أدفع عنكم من الله من شيء؛ إن أصابكم نكبة أو عين، فإن قيل: لو كان أمره إياهم بالتفرق؛ لخوف العين؛ أو لخوف أهل البلد منهم السرقة والإغارة، كيف لم يأمرهم [بذلك] في المرة الأولى؛ وخوف العين؟

لم يخش ذلك لما قد يقع الاجتماع ما ذكر ابن عباس  : أنه يخافهم أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين أنهم لصوص وأنهم كذا، ولكن جائز أن يكون في المرة الأولى لم يخش ذلك؛ لما قد يقع الاجتماع في أمثال أولئك من الرفقاء والصحابة، فلا يكون في ذلك الخوف الذي ذكروا.

وإذا عادوا في المرة الثانية؛ قد يحتمل ذلك الخوف من العين؛ وغيره، إذا علم أهل البلد أن ذلك العدد تحت أب واحد، أو أمرهم بالتفرق على الأبواب؛ بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا نحتاج إليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم [من الله من شيء إن أصابكم نكبة أو عين وإن تفرقتم إن الحكم إلا لله، هذا تفسير قوله: ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أي: لا أدفع عنكم] بما أحتال ما قدر الله وقضاه؛ أن يصيبكم؛ [فيصيبكم] لا محالة [وينزل بكم ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ أي: ما الحكم في ذلك إلا لله ما في حكمه وقضائه أن يصيبكم فيصيبكم لا محالة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .

هذا أصل كل أمر يخاف المرء، وأن يأخذ بالحذر، ويتوكل - مع ذلك - على الله؛ على ما أمر يعقوب -  - بنيه بالحذر في ذلك، ثم توكل على الله في ذلك.

والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ من أبواب متفرقة.

﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

أي: ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أن يصيبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ .

الحاجة في النفس: أحد شيئين: إما الرغبة، وإما الرهبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً  ﴾ فعلى ذلك حاجة يعقوب، لا تخلو: إما أن كانت رغبة منه؛ في تفرقهم، أو رهبة في اجتماعهم؛ قضى تلك الحاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة ما قال يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ أي: وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق؛ والنهي عن الاجتماع.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ما أراد بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .

وعن ابن عباس  ما: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ﴾ : من السكك المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئاً إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها.

﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ يقول: حافظاً لما علمناه، وقيل: حافظاً له؛ عالماً به، وقيل: ﴿ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ ﴾ لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ أي: ما أصابه من الحزن؛ بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك، لم يعمل فيه ولم يؤثر.

وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ قال: أما والله ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك.

وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: ﴿ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ أي: خيفة العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا عدداً من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فارتحلوا ومعهم أخوه الشقيق، ولما دخلوا من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم ما كان يدفع عنهم دخولهم من أبواب متفرقة شيئًا مما قدره الله عليهم، إنما هي شفقة يعقوب على أولاده، أظهرها، ووصاهم بها، وهو يعلم أن لا قضاء إلا قضاء الله، فهو عالم بما علَّمناه من الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.3oVjE"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله