الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٩٠ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( أئنك لأنت يوسف ) ؟
وقرأ أبي بن كعب : " أو أنت يوسف " ، وقرأ ابن محيصن : " إنك لأنت يوسف " .
والقراءة المشهورة هي الأولى; لأن الاستفهام يدل على الاستعظام ، أي : إنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر ، وهم لا يعرفونه ، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه ، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام : ( أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي ) ( قد من الله علينا ) أي : بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ، ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:قال إخوة يوسف له حين قال لهم ذلك يوسف: ( إنك لأنت يوسف)؟
، فقال:نعم أنا يوسف ، (وهذا أخي قد مَنَّ الله علينا) بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا ، ( إنه من يتق ويصبر ) ، يقولإنه من يتق الله فيراقبه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، (ويصبر) ، يقول: ويكفّ نفسه ، فيحبسها عما حرَّم الله عليه من قول أو عمل عند مصيبةٍ نـزلتْ به من الله (22) ، ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ، يقول:فإن الله لا يُبْطل ثواب إحسانه وجزاء طاعته إيَّاه فيما أمره ونهاه .
* * * وقد اختلف القرأة في قراءة قوله: ( أإنك لأنت يوسف ) .
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( أَإِنّكَ ) ، على الاستفهام .
* * * وذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب: " أَوَأَنْتَ يُوسُفُ.
* * * وروي عن ابن محيصن أنه قرأ: " إِنَّكَ لأَنْتَ يُوُسُفُ" ، على الخبر ، لا على الاستفهام .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءةُ من قرأه بالاستفهام ، لإجماع الحجّة من القرأة عليه .
* * * 19791- حدثنا ابن حميد ، قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال، لما قال لهم ذلك ، يعني قوله: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ، كشف الغِطاء فعرفوه ، فقالوا: ( أإنك لأنت يوسف )، الآية.
19792- حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني من سمع عبد الله بن إدريس يذكر ، عن ليث ، عن مجاهد ، قوله: ( إنه من يتق ويصبر ) ، يقول:من يتق معصية الله، ويصبر على السِّجن.
* * * ---------------------- الهوامش: (22) انظر تفسير" التقوى" ، و" الصبر" فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) ، ( صبر ) .
قوله تعالى : قالوا أئنك لأنت يوسف لما دخلوا عليه فقالوا : مسنا وأهلنا الضر فخضعوا له وتواضعوا رق لهم ، وعرفهم بنفسه ، فقال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه فتنبهوا فقالوا : أئنك لأنت يوسف قاله ابن إسحاق .
وقيل : إن يوسف تبسم فشبهوه بيوسف واستفهموا قال ابن عباس لما قال لهم : هل علمتم ما فعلتم بيوسف الآية ، ثم تبسم يوسف - وكان إذا تبسم كأن ثناياه اللؤلؤ المنظوم - فشبهوه بيوسف ، فقالوا له على جهة الاستفهام : أئنك لأنت يوسف .
وعن ابن عباس أيضا : أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه ، وكان في قرنه علامة ، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة ، فلما قال لهم : هل علمتم ما فعلتم بيوسف رفع التاج عنه فعرفوه ، فقالوا : أئنك لأنت يوسف .
وقال ابن عباس : كتب يعقوب إليه يطلب رد ابنه ، وفي الكتاب : من يعقوب صفي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر - أما بعد - فإنا أهل بيت بلاء ومحن ، ابتلى الله جدي [ ص: 224 ] إبراهيم بنمروذ وناره ، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح ، ثم ابتلاني بولد كان لي أحب أولادي إلي حتى كف بصري من البكاء ، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا والسلام .
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله ، واقشعر جلده ، وأرخى عينيه بالبكاء ، وعيل صبره فباح بالسر .
وقرأ ابن كثير " إنك " على الخبر ، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله : وتلك نعمة .قال أنا يوسف أي أنا المظلوم والمراد قتله ، ولم يقل أنا هو تعظيما للقصة .قد من الله علينا أي بالنجاة والملك .إنه من يتق ويصبر أي يتق الله ويصبر على المصائب ، وعن المعاصي .فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أي الصابرين في بلائه ، القائمين بطاعته .
وقرأ ابن كثير : " إنه من يتقي " بإثبات الياء ; والقراءة بها جائزة على أن تجعل " من " بمعنى الذي ، وتدخل يتقي في الصلة ، فتثبت الياء لا غير ، وترفع " ويصبر " .
وقد يجوز أن تجزم " ويصبر " على أن تجعل " يتقي " في موضع جزم و " من " للشرط ، وتثبت الياء ، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل ; كما قال :ثم نادي إذا دخلت دمشقا يا يزيد بن خالد بن يزيدوقال آخر :ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زيادوقراءة الجماعة ظاهرة ، والهاء في " إنه " كناية عن الحديث ، والجملة الخبر .
فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: { أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ } أي: يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } فإن هذا من الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
( قالوا أئنك لأنت يوسف ) قرأ ابن كثير ، وأبو جعفر : " إنك " على الخبر ، وقرأ الآخرون على الاستفهام .
قال ابن إسحاق : كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلما قال يوسف : هل علمتم ما فعلتم ، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب ، فعرفوه .
وقال الضحاك عن ابن عباس : لما قال هذا القول تبسم يوسف فرأوا ثناياه كاللؤلؤ المنظوم فشبهوه بيوسف فقالوا استفهاما : أئنك لأنت يوسف .
وقال عطاء ، عن ابن عباس : إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه ، وكان له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ، ولإسحاق مثلها ، ولسارة مثلها شبه الشامة ، فعرفوه فقالوا : أئنك لأنت يوسف .
وقيل : قالوه على التوهم حتى ( قال : أنا يوسف وهذا أخي ) بنيامين ( قد من الله علينا ) أنعم علينا بأن جمع بيننا .
( إنه من يتق ) بأداء الفرائض واجتناب المعاصي ( ويصبر ) عما حرم الله عز وجل عليه .
قال ابن عباس : يتقي الزنى ويصبر عن العزوبة .
وقال مجاهد : يتقي المعصية ويصبر على السجن ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) .
«قالوا» بعد أن عرفوه لما ظهر من شمائله متثبتين «أإنك» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين «لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منَّ» أنعم «الله علينا» بالاجتماع «إنه من يتق» يخف الله «ويصبر» على ما يناله «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» فيه وضع الظاهر موضع المضمر.
قالوا: أإنَّك لأنت يوسف؟
قال: نعم أنا يوسف، وهذا شقيقي، قد تفضَّل الله علينا، فجمع بيننا بعد الفرقة، إنه من يتق الله، ويصبر على المحن، فإن الله لا يذهب ثواب إحسانه، وإنما يجزيه أحسن الجزاء.
وهنا عود إلى الإِخوة صوابهم ، وتلوح لهم سمات أخيهم يوسف ، وفيقولون له فى دهشة وتعجب ( قالوا أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ) ؟فرد عليهم بقوله ( قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ) الذى تتحدثون عنه .والذى فعلتم معه ما فعلتم .
.
.
( وهذا أَخِي ) بنيامين الذى ألهمنى الله الفعل الذى عن طريقه احتجزته عندى ، ولم أرسله معكم .
.
.( قَدْ مَنَّ الله ) - تعالى - ( علينا ) حيث جمعنا بعد فراق طويل ، وبدل أحوالنا من عسر إلى يسر ومن ضيق إلى فرج .
.
.ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه فى قوله ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ) .أى : إن من شأن الإِنسان الذى يتقى الله - تعالى - ويصون نفسه عن كل ما لا يرضاه ، ويصبر على قضائه وقدره ، فإنه - تعالى - يرحمه برحمته ، ويكرمه بكرمه ، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وتلك سنته - سبحانه - التى لا تتخلف .
.
.
اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هاهنا محذوفاً والتقدير: أن يعقوب لما قال لبنيه: ﴿ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له: ﴿ هُوَ القوى العزيز ﴾ .
فإن قيل: إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل؟
قلنا: لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا: نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا.
فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا: ﴿ هُوَ القوى العزيز ﴾ والعزيز هو الملك القادر المنيع ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ﴾ وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: معنى الإزجاء في اللغة، الدفع قليلاً قليلاً ومثله التزجية يقال الريح تزجي السحاب.
قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً ﴾ وزجيت فلاناً بالقول دافعته، وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة.
والبحث الثاني: إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لهما جميعاً والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن: البضاعة المزجاة القليلة، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، وقيل: خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة، وقيل: متاع الأعراب الصوف والسمن.
وقيل: الحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: النعال والأدم، وقيل: سويق المقل، وقيل: صوف المعز، وقيل: إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤا بها ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس.
البحث الثالث: في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟
وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام.
الثاني: قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها قال وهي من الأزجاء، والأزجاء عند العرب السوق والدفع.
الثالث: ببضاعة مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا ينفق مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها.
الرابع: قال الكلبي: مزجاة لغة العجم، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوباً إلى القبط.
البحث الرابع: قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالإمالة، لأن أصله الياء، والباقون بالنصب والتفخيم.
واعلم أن حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها أو لنقصانها أو لمجموعها ولما وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الكيل ﴾ والمراد أن يساهلهم إما بإن يقيم الناقص مقام الزائد أو يقيم الرديء مقام الجيد، ثم قالوا: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ والمراد المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسع بالجيد، واختلف الناس في أنه هل كان ذلك طلباً منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وعلى هذا التقدير، كأنهم طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة، وأنكر الباقون ذلك وقالوا حال الأنبياء وحال أولاد الأنبياء ينافي طلب الصدقة لأنهم يأنفون من الخضوع للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغاثة به عمن سواه، وروي عن الحسن ومجاهد: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي، قالوا: لأن الله لا يتصدق إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، وإنما يقول: اللهم أعطني أو تفضل، فعلى هذا التصدق هو إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي، وأجاز الليث أن يقال للسائل: متصدق وأباه الأكثرون.
وروي أنهم لما قالوا: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر ﴾ وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ وقيل: دفعوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر.
أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها برداً وسلاماً عليه، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من البكاء عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك ثم رجعوا وقالوا: إنه قد سرق وإنك حبسته عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك.
فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف.
ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده ولان قلبه وكثر بكاؤه وصرح بأنه يوسف.
وقيل: إنه لما رأى إخوته تضرعوا إليه ووصفوا ما هم عليه من شدة الزمان وقلة الحيلة أدركته الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف، وقوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة، ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه، وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وعل تعرف من خالفت؟
واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وأما قوله: ﴿ وَأَخِيهِ ﴾ فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وأيضاً كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه: ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جاهلون ﴾ فهو يجري مجرى العذر كأنه قال: أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور، يعني والآن لستم كذلك، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴾ قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جارياً مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا هاهنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفاً للأمر عليهم.
ثم إن إخوته قالوا: ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ قرأ ابن كثير ﴿ إِنَّكَ ﴾ على لفظ الخبر، وقرأ نافع ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ ﴾ بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو ﴿ آينك ﴾ بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع، والباقون ﴿ أئنك ﴾ بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام، وقرأ أبي ﴿ أَوْ أَنتَ يُوسُفَ ﴾ فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر.
أما الأولون فقالوا: إن يوسف لما قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ وتبسم فأبصروا ثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف، فقالوا له استفهاماً ﴿ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ ﴾ ويدل على صحة الاستفهام أنه ﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه.
وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لاَنتَ يُوسُفَ ﴾ ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله: ﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: اللام لام الابتداء، وأنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر إن.
البحث الثاني: أنه إنما صرح بالاسم تعظيماً لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من الظفر والنصر؛ فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون، ولهذا قال: ﴿ وهذا أَخِى ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول: وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت ثم إنه صار منعماً عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ ﴾ معناه: من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس ﴿ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ والمعنى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين.
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف بكونه متقياً ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا القول كذباً منه وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء.
المسألة الثانية: قال الواحدي روي عن ابن كثير في طريق قنبل: ﴿ إِنَّهُ مِنَ يَتَّقِى ﴾ بإثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل من بمنزلة الذي فلا يوجب الجزم ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ وَيِصْبِرْ ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذف الرفع طلباً للتخفيف كما يخفف في عضد وشمع والباقون بحذف الياء في الحالين.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أئنك ﴾ على الاستفهام.
وأنك، على الإيجاب وفي قراءة أبيّ: ﴿ أئنك أو أنت يوسف ﴾ ، على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات فإن قلت: كيف عرفوه؟
قلت: رأوا في روائه وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر.
وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم.
وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء.
فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟
عن أن أخاه كان معلوماً لهم.
قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه ﴿ مَن يَتَّقِ ﴾ من يخف الله وعقابه ﴿ وَيِصْبِرْ ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات ﴿ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ ﴾ أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين ﴿ لَقَدْ ءَاثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ أي فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين.
وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ لا تأنيب عليكم ولا عتب.
وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش.
ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه.
فإن قلت بم تعلق اليوم؟
قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ من معنى الاستقرار.
أو بيغفر.
والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال ﴿ يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم.
يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، ومنه قول المشمت (يهديكم الله ويصلح بالكم) و ﴿ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ ﴾ بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم.
وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟
قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم؛ وقد قدرت فقال: أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم.
وروي: أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك ولمن علمك» ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي.
وأني من حفدة إبراهيم ﴿ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا ﴾ قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أمره جبريل عليه السلام أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ يصر بصيراً، كقولك: جاء البناء محكماً، بمعنى صار.
ويشهد له ﴿ فارتد بَصِيرًا ﴾ [يوسف: 96] أو يأت إليّ وهو بصير.
وينصره قوله ﴿ وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي يأتني أبي، ويأتني آله جميعاً وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته، وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ حُقِّقَ بِأنَّ ودُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الإيجابِ.
قِيلَ عَرَفُوهُ بِرَوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ.
وقِيلَ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ وكانَتْ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها.
﴿ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ مِن أبِي وأُمِّي ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا لِنَفْسِهِ بِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وإدْخالًا لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيْ بِالسَّلامَةِ والكَرامَةِ.
﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ﴾ أيْ يَتَّقِ اللَّهَ.
﴿ وَيَصْبِرْ ﴾ عَلى البَلِيّاتِ أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُحْسِنَ مَن جَمَعَ بَيْنَ التَّقْوى والصَّبْرِ.
﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ اخْتارَكَ عَلَيْنا بِحُسْنِ الصُّورَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ.
﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ والحالُ أنَّ شَأْنَنا إنّا كُنّا مُذْنِبِينَ بِما فَعَلْنا مَعَكَ.
<div class="verse-tafsir"
{قالوا أئنك} بهمزتين كوفي وشامي {لأَنتَ يُوسُفُ} اللام لام الابتداء وأنت مبتدأ ويوسف خبره والجملة خبر إن {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِى} وإنما ذكر أخاه وهم قد سألوه عن نفسه لأنه كان في ذكر
أخيه بيان لما سألوه عنه {قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا} بالألفة بعد الفرقة وذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة ولم يبدأ بالملامة {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} الفحشاء {وَيِصْبِرْ} عن المعاصي وعلى الطاعة {فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} أي أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين وقيل من يتق مولاه ويصبر على بلواه لا يضيع أجره في دنياه وعقباه
﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِإنَّ واللّامِ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي التَّحَقُّقَ المُنافِيَ لِلِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ ولَعَلَّهم قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( إنَّكَ ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ وهو الظّاهِرُ فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ ونُسِبَ كُلٌّ إلى المَجْمُوعِ أمْكَنَ وهو مَعَ ذَلِكَ بِعِيدٌ و( أنْتَ ) في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ و( يُوسُفُ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرُ ( إنَّ ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ وقَرَأ أُبَيٌّ أإنَّكَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ المُحْتَسِبِ عَلى حَذْفِ خَبَرِ إنَّ وقَدَّرَهُ أإنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ قَدَّرَهُ أإنَّكَ يُوسُفُ أوْ أنْتَ يُوسُفُ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَلامٌ مُتَعَجَّبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِيثاقَ قالَ في الكَشْفِ: وما قَدَّرَهُ أوْلى لِقِلَّةِ الإضْمارِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ وإنْ كانَ الأوَّلُ أجْرى عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُقَدَّرَ أإنَّكَ أنْتَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ تَجْهِيلًا لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةُ يُوسُفَ أيْ أإنَّكَ المَعْرُوفُ عَزِيزُ مِصْرَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ العَزِيزُ يُوسُفَ أوْ يُوسُفَ عَزِيزًا وفِيهِ قِلَّةُ الإضْمارِ أيْضًا مَعَ تَغايُرِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ والجَرْيِ عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ زِيادَةِ الفائِدَةِ مِن إيهامِ البُعْدِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ذاكَ أوْفَقُ لِلْمَشْهُورِ لِقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو يُجابُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الأوْجُهِ كُلِّها أنَّ الِاسْتِفْهامَ غَيْرُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ التَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مُخاطِبَهُمُ المَعْرُوفَ وكَوْنِهِ يُوسُفَ شَدِيدُ الدَّلالَةِ أيْضًا مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ ذِكْرِ مُوجِبِ اسْتِبْعادِهِمْ وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ وكانَ قَدْ أدْناهم إلَيْهِ ولَمْ يُدْنِهِمْ مِن قَبْلُ وقِيلَ: كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ فَلَمّا أرادَ التَّعَرُّفَ إلَيْهِمْ رَفَعَهُ فَعَرَفُوهُ وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ وكانَ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَنَظَرُوا إلى عَلامَةٍ بِقَرْنِهِ كانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ وسارَةَ مِثْلُها تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ ويَنْضَمُّ إلى كُلِّ ذَلِكَ عِلْمُهم أنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن سِنْخِ إبْراهِيمَ لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُمُ إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهَذا جَوابٌ عَنْ مُساءَلَتِهِمْ وزادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ وهَذا أخِي ﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهم سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ عَنْ كَوْنِهِ يُوسُفَ مُحَقِّقِينَ لِذَلِكَ مُخَيِّلِينَ لِشِدَّةِ التَّعَجُّبِ أنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ فَأجابَهم بِما يُحَقِّقُ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا ولِهَذا لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى أوْ أنا هو فَأعادَ صَرِيحَ الِاسْمِ ﴿ وهَذا أخِي ﴾ بِمَنزِلَةِ أنا يُوسُفُ لا شُبْهَةَ فِيهِ عَلى أنَّ فِيهِ ما يَبْنِيهِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ أنْتَ يُوسُفُ أجابَ لا تَسْألُوا عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ ولَكِنِ اسْألُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِكَ مِنَ الِامْتِنانِ والإعْزازِ وكَذَلِكَ بِأخِي ولَيْسَ مِن ذَلِكَ في شَيْءٍ كَما لا يَخْفى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في زِيادَةِ الجَوابِ مُبالَغَةً وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ الأخِ وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ حَسْبَما يُفِيدُهُ ﴿ قَدْ مَنَّ ﴾ ..
إلَخْ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ فَأنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالخَلاصِ عَمّا ابْتُلِيناهُ والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ طَلَبِهِمْ لَرَدِّ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخِي لا أخُوكم فَلا وجْهَ لِطَلَبِكُمُ.
انْتَهى.
وفِيهِ ما فِيهِ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ مَنَّ ﴾ ..
إلَخْ عِنْدَ أبِي البَقاءِ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: حالٌ مِن يُوسُفَ و ﴿ أخِي ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ حِينَئِذٍ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى واحِدٍ و ﴿ عَلَيْنا ﴾ راجِعٌ إلَيْهِما جَمِيعًا ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ مَن يَتَّقِ ﴾ أيْ يَفْعَلُ التَّقْوى في جَمِيعِ أحْوالِهِ أوْ يَقِ نَفْسَهُ عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعَذابَهُ ﴿ ويَصْبِرْ ﴾ عَلى البَلايا والمِحَنِ أوْ عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ أوْ عَنِ المَعاصِي الَّتِي لا تَسْتَلِذُّها النَّفْسُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
(90) .
أيْ أجْرَهم وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْمَنِّ واخْتارَ أبُو حَيّانَ عَدَمَ التَّخْصِيصِ في التَّقْوى والصَّبْرِ وقالَ مُجاهِدٌ المُرادُ مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ والنَّخَعِيُّ مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ وقِيلَ: مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ مَن يَخَفِ اللَّهَ تَعالى ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ فِيهِ حَمْلَ مَن يَتَّقِ عَلى المَجازِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ والعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: مَن يَتَّقِ مَن يَحْتَرِزْ عَنْ تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ وارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ ويَصْبِرْ في المَكارِهِ وذَلِكَ بِاخْتِيارِهِ وهَذا بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ فَهو مُحْسِنٌ وذِكْرُ الصَّبْرِ بَعْدَ التَّقْوى مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الثَّباتِ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَتَّقِ ويَثْبُتْ عَلى التَّقْوى.
انْتَهى.
والوَجْهُ الأوَّلُ مَيْلٌ لِما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وتَعْرِيضٌ بِإخْوَتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَخافُوا عِقابَهُ تَعالى ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى طاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وطاعَةِ أبِيهِمْ وعَنِ المَعْصِيَةِ إذْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا فَيَكُونُ المُرادُ بِالِاتِّقاءِ الخَوْفَ وبِالصَّبْرِ الصَّبْرَ عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ ورُدَّ بِأنَّ التَّعْرِيضَ حاصِلٌ في التَّفْسِيرِ الآخَرِ فَكَأنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ الصَّبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ قُنْبُلٌ ( مَن يَتَّقِي ) بِإثْباتِ الياءِ فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وهَذِهِ ياءُ إشْباعٍ وقِيلَ: جَزْمُهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ وقَدْ حَكَمُوا ذَلِكَ لُغَةً وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ و( مَن ) مَوْصُولٌ وعُطِفَ المَجْزُومُ عَلَيْهِ عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ ( مَن ) شُرْطِيَّةٌ و ﴿ يَتَّقِي ﴾ مَجْزُومٌ وقِيلَ: إنَّ ( يَصْبِرُ ) مَرْفُوعٌ كَيَتَّقِي إلّا أنَّهُ سُكِّنَتِ الرّاءُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ في كَلِمَتَيْنِ كَما سُكِّنَتْ في ( يَأْمُرْكم ) و( يُشْعِرْكم ) ونَحْوِهِما أوْ لِلْوَقْفِ وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ يَتَّقِي مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً وقَوْلُ أبِي عَلِيٍّ: إنَّهُ لا يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ حَكَوْهُ لُغَةً نَظْمًا ونَثْرًا <div class="verse-tafsir"
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرأ ابن كثير إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ بهمزة واحدة، وكسر الألف، يعني: حققوا أنه يوسف.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: أإنّك بهمزتين على معنى الاستفهام.
يعني: إنك يوسف أم لا؟
وقرأ نافع وأبو عمرو، آينك بهمزة واحدة مع المد.
ومعناه: مثل الأول على معنى الاستفهام قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: أنعم علينا بالصبر إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله تعالى وَيَصْبِرْ على البلاء فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي: ثواب الصابرين.
قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: إخوة يوسف اعتذروا إليه فقالوا: لقد فضلك الله علينا، واختارك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ يقول: وقد كنا لعاصين لله تعالى فيما صنعنا بك قالَ يوسف لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يعني: لا تعيير عليكم اليوم، ولا عيب، ولا عار عليكم.
وأصل التثريب: الإفساد.
ويقال: ثرب الأمر علينا علينا إذا أفسد.
ثم قال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيما فعلتم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ من غيره.
ثم قال تعالى: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا وروي عن وهب بن منبه قال: كان القميص من الجنة، وهو القميص الذي ألبس جبريل لإبراهيم، حين ألقي في النار، فبردت عليه النار، فصار عند إسحاق، ثم صار عند يعقوب، فجعله يعقوب في عوذة، وعلقه في عنق يوسف، فكان معه حين ألقي في الجب، ونزع عنه قميصه، فبشره جبريل، وألبسه في الجبّ، وكان القميص معه، وقال لإخوته: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي: يعود إليه بصره.
وذلك أنه سألهم فقال: ما فعل أبي بعدي؟
قالوا: لما فارقه بنيامين، عمي من الحزن.
قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فألقوه على وجه أبى، يأت بصيراً، كما كان أول مرة.
ثم قال: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ فاختلفوا فيما بينهم، فقال كل واحد منهم: أنا أذهب به، فقال يوسف: يذهب به الذي ذهب بقميصي الأول.
فقال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص الأول، وهو ملطخ بالدم وأخبرته بأنه قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص فأخبره أنه حي وأفرحه كما أحزنته.
وأمر لهم بالهدايا والدواب والرواحل، فتوجهوا نحو كنعان.
<div class="verse-tafsir"
وبالجملة فمَنْ يسوق شيئاً، ويتلطَّف في تسييره، فقد أزجاه، فإِذا كانَتِ الدراهمُ مدفوعةً نازلةَ القَدْر، تحتاج أنْ يُعْتَذَرَ معها، ويُشْفَعَ لها، فهي مزجاةٌ، فقيل: كان ذلك لأنها كانَتْ زيوفاً، قاله ابن عباس «١» .
وقيل: كانَتْ بضاعتهم عروضاً، وقولهم: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: معناه ما بَيْنَ الدراهم الجيادَ وبَيْنَ هذه المُزْجَاة، قاله السُّدِّيُّ وغيره «٢» وقال الداوديّ عن ابن جريجٍ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: قال: اردد علينا أخانا، انتهى «٣» ، وهو حسن.
وقوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، روي أنَّ يوسُف عليه السلام لما قال له إخوته: مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف: ٨٨] ، واستعطفوه رَقَّ ورحمهم، قال ابنُ إِسحاق: وارفض دمعه باكياً، فَشَرَعَ في كَشْفِ أمره إِليهم، فروي أنه حَسَرَ قناعه، وقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ...
«٤» الآية، وما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ: أي:
التَّفْريق بينَهُما في الصِّغَر وما نالهما بسَبَبِكُم من المِحَن إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، نسبهم إِمَّا إِلى جَهْلِ المعصيةِ، وإِما إِلى جَهْلِ الشَبَابِ وقلَّةِ الحُنْكَة، فلمَّا خاطبهم هذه المخاطبة، تنبَّهوا، ووقَعَ لهم من الظَّنِّ القويِّ وقرائنِ الحال أنه يوسُفُ فقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ مستفهمين، فأجابهم يوسف كاشفاً عن أمره، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ: هذا منهم استنزال ليوسُفَ، وإِقرار بالذنْبِ في ضِمْنه استغفار منه، وآثَرَكَ: لفظ يعمّ جميع التفضيل.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا إلى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَـ ﴿ قالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ وكانُوا يُسَمُّونَ مِلِكَهم بِذَلِكَ، ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ يَعْنُونَ الفَقْرَ والحاجَةَ ﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ .
وَفِي ماهِيَّةٍ تِلْكَ البِضاعَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ دَراهِمَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَتاعًا رَثًّا كالحَبْلِ والغِرارَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: كانَتْ أقِطًا، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: كانَتْ نِعالًا وأدَمًا، رَواهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ.
والخامِسُ: كانَتْ سَوِيقَ المُقْلِ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.
والسّادِسُ: حَبَّةُ الخَضْراءِ وصَنَوْبَرٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والسّابِعُ: كانَتْ صُوفًا وشَيْئًا مِن سَمْنٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ.
وَفِي المُزْجاةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها القَلِيلَةُ.
رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَراهِمُ غَيْرُ طائِلَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ التَّزْجِيَةَ: الشَّيْءُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى: جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما نُدافِعُ بِها ونَتَقَوَّتُ، ولَيْسَتْ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها.
والثّانِي: أنَّها الرَّدِيئَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ: السَّوْقُ والدَّفْعُ، وأنْشَدَ: لِيَبْكِ عَلى مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا أيْ: تَسُوقُهُ.
والثّالِثُ: الكاسِدَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: الرَّثَّةُ، وهي المَتاعُ الخَلَقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: النّاقِصَةُ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ: أتِمَّهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِرَداءَةِ بِضاعَتِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِما بَيْنَ سِعْرِ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الَّذِي سَألُوهُ مِنَ المُسامَحَةِ يُشْبِهُ التَّصَدُّقَ، ولَيْسَ بِهِ.
والثّانِي: بِرَدِّ أخِينا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، والصَّدَقَةُ لا تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ.
والثّالِثُ: وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِالزِّيادَةِ عَلى حَقِّنا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وذَهَبَ إلى أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كانَتْ تَحِلُّ لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ نَبِيِّنا ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وأبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ، وأبُو يَعْلى بْنُ الفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أيْ: بِالثَّوابِ.
قالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْنا، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِ لَهم هَذا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَ إلَيْهِمْ نُسْخَةَ الكِتابِ الَّذِي كَتَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِبَيْعِهِ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ، وفي آخِرِ الكِتابِ: " وكَتَبَ يَهُوذا " فَلَمّا قَرَؤُوا الكِتابَ اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ وقالُوا: هَذا كِتابٌ كَتَبْناهُ عَلى أنْفُسِنا عِنْدَ بَيْعِ عَبْدٍ كانَ لَنا، فَقالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّكم تَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ، وأمَرَ بِهِمْ لِيُقْتَلُوا، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ فاعِلًا، فاذْهَبْ بِأمْتِعَتِنا إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ أقْبَلَ يَهُوذا عَلى بَعْضِ إخْوَتِهِ، وقالَ: قَدْ كانَ أبُونا مُتَّصِلَ الحُزْنِ لِفَقْدِ واحِدٍ مِن ولَدِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا أُخْبِرَ بِهُلْكِنا أجْمَعِينَ ؟
فَرَقَّ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وكَشَفَ لَهم أمَرَهُ، وقالَ لَهم هَذا القَوْلَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا قالُوا: " ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ أدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَقالَ لَهم هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا: إنْ رَدَدْتَ ولَدِي، وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَبَكى، وقالَ لَهم هَذا.
وَفِي هَلْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ لِتَعْظِيم القِصَّةِ لا يُرادُ بِهِ نَفْسُ الِاسْتِفْهامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ، وما أسْمَجَ ما آثَرْتُمْ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتَضْيِيعِ الحَقِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِيِّ: أتَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟
هَلْ تَعْرِفُ مَن عادَيْتَ ؟
لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ، ولَكِنْ يُرِيدُ تَفْظِيعَ الأمْرِ، قالَ الشّاعِرُ: أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي لَمْ يُرِدِ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما أرادَ أنَّ هَذا غَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَهم.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ عَلِمْتُمْ عُقْبى ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ مِن تَسْلِيمِ اللَّهِ لَهُما مِنَ المَكْرُوهِ ؟
وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ: " لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ " .
والثّانِي: أنَّ " هَلْ " بِمَعْنى " قَدْ " ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ.
فَإنْ قِيلَ: فالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَعْلُومٌ، فَما الَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ، وما سَعَوْا في حَبْسِهِ ولا أرادُوهُ ؟
فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَنَغَّصُوا عَيْشَهُ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم آذَوْهُ بَعْدَ فَقْدِ يُوسُفَ.
والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ لَمّا قُذِفَ بِسَرِقَةِ الصّاعِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إذْ أنْتُمْ صِبْيانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُذْنِبُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: جاهِلُونَ بِعُقُوقِ الأبِ، وقَطْعِ الرَّحِمِ، ومُوافَقَةِ الهَوى.
والرّابِعُ: جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ، وقَرَأهُ آخَرُونَ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وأدْخَلَ بَعْضُهم بَيْنَهُما ألِفًا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ عَرَفُوهُ، أمْ شَبَّهُوهُ ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ.
والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وفي سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ، فَشَبَّهُوا ثَناياهُ بِثَنايا يُوسُفَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ عَلامَةٌ كالشّامَةِ في قَرْنِهِ، وكانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُها، ولِإسْحاقَ مِثْلُها، ولِسارَّةَ مِثْلُها، فَلَمّا وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، عَرَفُوهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَشَفَ الحِجابَ، فَعَرَفُوهُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ: أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ، المُرادُ قَتْلُهُ، فَكَفى ظُهُورُ الِاسْمِ مِن هَذِهِ المَعانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿ وَهَذا أخِي ﴾ وهم يَعْرِفُونَهُ، وإنَّما قَصَدَ: وهَذا المَظْلُومُ كَظُلْمِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والثّانِي: بِالجَمْعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ.
والثّالِثُ: بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَة قُنْبُلٍ: " مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى البَلاءِ.
والثّانِي: مَن يَتَّقِ الزِّنى ويَصْبِرْ عَلى العَزْبَةِ.
والثّالِثُ: مَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الأقْوالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: يَتَّقِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى السِّجْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ: أجْرَ مَن كانَ هَذا حالَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيِ: اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ.
وَبِماذا عَنَوْا أنَّهُ فَضَّلَهُ فِيهِ ؟
أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِالمُلْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِالصَّبْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بِالحِلْمِ والصَّفْحِ عَنّا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والرّابِعُ: بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحُسْنِ وسائِرِ الفَضائِلِ الَّتِي أعْطاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمُذْنِبِينَ آثِمِينَ في أمْرِكَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولِهَذا اِخْتِيرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " وإنْ كانَ " أخَطَأ " عَلى ألْسُنِ النّاسِ أكْثَرَ مِن " خَطِئَ يَخَطَأُ " لِأنَّ مَعْنى خَطِئَ يَخَطَأُ، فَهو خاطِئٌ: آثِمٌ، ومَعْنى أخْطَأ يُخْطِئُ، فَهو مُخْطِئٌ: تَرَكَ الصَّوابَ ولَمْ يَأْثَمْ، قالَ الشّاعِرُ: عِبادُكَ يَخْطَأُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ أرادَ: يَأْثَمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آثَرَ " خاطِئِينَ " عَلى " مُخْطِئِينَ " لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآياتِ، لِأنَّ " خاطِئِينَ " أشْبَهُ بِما قَبْلَها.
وَذَكَرَ الفَرّاءُ في مَعْنى " إنْ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما وقَدْ كُنّا خاطِئِينَ.
والثّانِي: وما كُنّا إلّا خاطِئِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا أُعَيِّرُكم بَعْدَ اليَوْمِ بِهَذا أبَدًا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعُ عُقُوبَةً.
وقالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَعْيِيرَ عَلَيْكم بَعْدَ هَذا اليَوْمِ بِما صَنَعْتُمْ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ: الإفْسادُ، يُقالُ: ثَرَّبَ عَلَيْنا إذا أفْسَدَ، وفي الحَدِيثِ: " «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ» " أيْ: لا يُعَيِّرْها بِالزِّنى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهم في حِلٍّ، وسَألَ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لَهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا عَرَّفَهم نَفْسَهُ، سَألَهم عَنْ أبِيهِ، فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، وقالَ: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ وهَذا القَمِيصُ كانَ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ مُعَلَّقًا في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ [يُوسُفَ:١٨،٢٥،٢٦،٢٧،٢٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَعُودُ مُبْصِرًا.
فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ قَطَعَ عَلى الغَيْبِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالوَحْيِ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ ﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ ﴾ واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ".
وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ ﴾ ، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.
وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -: وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ".
وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ : ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ الآيَةَ.» والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.
ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ﴾ ، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ.
وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.
<div class="verse-tafsir"
الاستفهام مستعمل في التوبيخ.
و ﴿ هل ﴾ مفيدة للتحْقيق لأنها بمعنى ﴿ قد ﴾ في الاستفهام.
فهو توبيخ على ما يعلمونه محققاً من أفعالهم مع يوسف عليه السلام وأخيه، أي أفعالهم الذميمة بقرينة التوبيخ، وهي بالنسبة ليوسف عليه السلام واضحة، وأما بالنسبة إلى بنيامين فهي ما كانوا يعاملونه به مع أخيه يوسف عليه السلام من الإهانة التي تنافيها الأخوة، ولذلك جعل ذلك الزمن زمن جهالتهم بقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ .
وفيه تعريض بأنهم قد صلح حالهم من بعد.
وذلك إما بوحي من الله إن كان صار نبيئاً أو بالفراسة لأنه لما رآهم حريصين على رغبات أبيهم في طلب فداء (بنيامين) حين أُخذ في حكم تهمة السرقة وفي طلب سراحه في هذا الموقف مع الإلحاح في ذلك وكان يعرف منهم معاكسة أبيهم في شأن بنيامين علم أنهم ثابوا إلى صلاح.
وإنما كاشفهم بحاله الآن لأن الاطلاع على حاله يقتضي استجلاب أبيه وأهله إلى السكنى بأرض ولايته، وذلك كان متوقفاً على أشياء لعلها لم تتهيأ إلا حينئذٍ.
وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ﴾ [يوسف: 79] فقد صار يوسف عليه السلام جِدّ مكين عند فرعون.
وفي الإصحاح (45) من سفر التكوين أن يوسف عليه السلام قال لإخوته حينئذٍ وهو أي الله قد جعلني أباً لفرعون وسيداً لكل بيته ومتسلطاً على كل أرض مصر.
فالظاهر أن الملك الذي أطلق يوسف عليه السلام من السجن وجعله عزيز مصر قد توفّي وخلفه ابن له فجبه يوسفُ عليه السلام وصار للملك الشاب بمنزلة الأب، وصار متصرّفاً بما يريد، فرأى الحال مساعداً لجلب عشيرته إلى أرض مصر.
ولا تعرف أسماء ملوك مصر في هذا الزمن الذي كان فيه يوسف عليه السلام لأن المملكة أيامئذٍ كانت منقسمة إلى مملكتين: إحداهما ملوكها من القبط وهم الملوك الذين يُقسهم المؤرخون الإفرنج إلى العائلات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة، وبعض الثامنة عشرة.
والمملكة الثانية ملوكها من الهكسوس، ويقال لهم: العمالقة أو الرعاة وهم عَرب.
ودام هذا الانقسام خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة من سنة (2214) قبل المسيح إلى سنة (1703) قبل المسيح.
وقولهم: أإنك لأنت يوسف } يدل على أنهم استشعروا من كلامه ثم من ملامحه ثم من تفهم قَول أبيهم لهم: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ إذ قد اتضح لهم المعنى التعريضي من كلامه فعرفوا أنه يتكلم مريداً نفسه.
وتأكيد الجملة ب ﴿ إنّ ﴾ ولام الابتداء وضمير الفصل لشدة تحققهم أنه يوسف عليه السلام.
وأدخل الاستفهام التقريري على الجملة المؤكّدة لأنهم تطلبوا تأييده لعلِمهم به.
وقرأ ابن كثير ﴿ إنك ﴾ بغير استفهام على الخبرية، والمراد لازم فائدة الخبر، أي عرفناك، ألا ترى أن جوابه ب ﴿ أنَا يوسف ﴾ مجرد عن التأكيد لأنهم كانوا متحققين ذلك فلم يبق إلا تأييده لذلك.
وقوله: ﴿ وهذا أخي ﴾ خبر مستعمل في التعجيب من جمع الله بينهما بعد طول الفرقة، فجملة ﴿ قد من الله علينا ﴾ بيان للمقصود من جملة ﴿ وهذا أخي ﴾ .
وجملة ﴿ إنه من يتق ويصبر ﴾ تعليل لجملة ﴿ منَّ الله علينا ﴾ .
فيوسف عليه السلام اتّقى الله وصبر وبنيامين صَبر ولم يعْص الله فكان تقياً.
أراد يوسف عليه السلام تعليمهم وسائل التعرض إلى نعم الله تعالى، وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر تعريضاً بأنهم لم يتقوا الله فيه وفي أخيه ولم يصبروا على إيثار أبيهم إياهما عليهم.
وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة، وهي فرصة تأثر السامع وانفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته.
وذكر المحسنين وضعٌ للظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال: فإن الله لا يضيع أجرهُم.
فعدل عنه إلى المحسنين للدلالة على أن ذلك من الإحسان، وللتعميم في الحكم ليكون كالتذييل، ويدخل في عمومه هو وأخوه.
ثم إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء لأنه من التبليغ كقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنّي لأتقاكم لله وأعلمكم به».
والإيثار: التفضيل بالعطاء.
وصيغة اليمين مستعملة في لازم الفائدة، وهي علمهم ويقينهم بأن ما ناله هو تفضيل من الله وأنهم عرفوا مرتبتَه، وليس المقصود إفادة تحصيل ذلك لأن يوسف عليه السلام يعلمه.
والمراد: الإيثار في الدنيا بما أعطاه الله من النعم.
واعترفوا بذنبهم إذ قالوا: ﴿ وإنّ كنا لخاطئين ﴾ .
والخاطئ: فاعل الخطيئة، أي الجريمة، فنفعت فيهم الموعظة.
ولذلك أعلمهم بأن الذنب قد غفر فرفع عنهم الذم فقال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ .
والتثريب: التوبيخ والتقريع.
والظاهر أن منتهى الجملة هو قوله: ﴿ عليكم ﴾ ، لأن مثل هذا القول مِمّا يجري مجرى المثل فيُبنى على الاختصار فيكتفي ب ﴿ لا تثريب ﴾ مثل قولهم: لا بأس، وقوله تعالى: ﴿ لا وزر ﴾ [القيامة: 11].
وزيادة عليكم } للتأكيد مثل زيادة ﴿ لَك ﴾ بعد (سقياً ورعياً)، فلا يكون قوله: ﴿ اليوم ﴾ من تمام الجملة ولكنه متعلق بفعل ﴿ يغفر الله لكم ﴾ .
وأعقب ذلك بأن أعلمهُم بأن الله يغفر لهم في تلك الساعة لأنها ساعة توبة، فالذنب مغفور لإخبار الله في شرائعه السالفة دون احتياج إلى وحي سوى أن الوحي لمعرفة إخلاص توبتهم.
وأطلق ﴿ اليوم ﴾ على الزمن، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ في أول سورة العقود (3).
وقوله: اذهبوا بقميصي هذا} يدل على أنه أعطاهم قميصاً، فلعلّه جعل قميصه علامة لأبيه على حياته، ولعلّ ذلك كان مصطلحاً عليه بينهما.
وكان للعائلات في النظام القديم علامات يصطلحون عليها ويحتفظون بها لتكون وسائل للتعارف بينهم عند الفتن والاغتراب، إذ كانت تعتريهم حوادث الفقد والفراق بالغزو والغارات وقطع الطريق، وتلك العلامات من لباس ومِن كلمات يتعارفون بها وهي الشعار، ومن علامات في البَدن وشَامات.
وفائدة إرساله إلى أبيه القميصَ أن يثق أبوه بحياته ووجوده في مصر، فلا يظن الدعوة إلى قدومه مكيدة من ملك مصر، ولقصد تعجيل المسرة له.
والأظهر أنه جعل إرسال قميصه علامة على صدق إخوته فيما يبلغونه إلى أبيهم من أمر يوسف عليه السلام بجلبه فإنّ قمصان الملوك والكبراء تنسج إليهم خصيصاً ولا توجد أمثالها عند الناس وكان الملوك يخلعونها على خاصتهم، فجعل يوسف عليه السلام إرسال قميصه علامة لأبيه على صدق إخوته أنهم جاءوا من عند يوسف عليه السلام بخبر صدق.
ومن البعيد مَا قيل: إن القميص كان قميص إبراهيم عليه السلام مع أن قميص يوسف قد جاء به إخوته إلى أبيهم حين جاءوا عليه بدم كذب.
وأما إلقاء القميص على وجه أبيه فلقصد المفاجأة بالبُشرى لأنه كان لا يبصر من بعيد فلا يتبين رفعة القميص إلا من قرب.
وأما كونه يصير بصيراً فحصل ليوسف عليه السلام بالوحي فبشرهم به من ذلك الحين.
ولعل يوسف عليه السلام نُبيءَ ساعتئذٍ.
وأدمج الأمر بالإتيان بأبيه في ضمن تبشيره بوجوده إدماجاً بليغاً إذ قال: ﴿ يأت بصيراً ﴾ ثم قال: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ لقصد صلة أرحام عشيرته.
قال المفسرون: وكانت عشيرة يعقوب عليه السلام ستا وسبعين نفساً بين رجال ونساء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ ﴾ أيْ قَدْ عَلِمْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ أيْ قَدْ أتى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ رَحِمَهم ورَقَّ لَهم، فَقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ؟
وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ ما صَنَعُوا بِهِما.
﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي جَهْلَ الصِّغَرِ.
الثّانِي: جَهْلَ المَعاصِي.
الثّالِثُ: الجَهْلُ بِعَواقِبِ أفْعالِهِمْ.
فَحِينَئِذٍ عَرَفُوهُ.
﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ وحَكى الضَّحّاكُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا أخِي وبَيْنِي وبَيْنَهُ قُرْبى ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ يَعْنِي بِالسَّلامَةِ ثُمَّ بِالكَرامَةِ، ويَحْتَمِلُ بِالِاجْتِماعِ بَعْدَ طُولِ الفِرْقَةِ.
﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَّقِي الزِّنا ويَصْبِرُ عَلى العُزُوبَةِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّانِي: يَتَّقِي اللَّهَ تَعالى ويَصْبِرُ عَلى بَلْواهُ.
وَهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا.
الثّانِي: في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الإيثارِ، وهو إرادَةُ تَفْضِيلِ أحَدِ النَّفْسَيْنِ عَلى الآخَرِ، قالَ الشّاعِرُ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًا مُبارَكا آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا ﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ أيْ فِيما صَنَعُوا بِيُوسُفَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آثِمِينَ.
الثّانِي: مُخْطِئِينَ.
والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ آثِمٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ كانُوا عِنْدَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِهِ صِغارًا تُرْفَعُ عَنْهُمُ الخَطايا.
قِيلَ لَمّا كَبِرُوا واسْتَدامُوا إخْفاءَ ما صَنَعُوا صارُوا حِينَئِذٍ خاطِئِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أرْبَعَةِ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَغْيِيرَ عَلَيْكم، وهو قَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
الثّانِي: لا تَأْنِيبَ فِيما صَنَعْتُمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّالِثُ: لا إباءَ عَلَيْكم في قَوْلِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: لا عِقابَ عَلَيْكم وقالَ الشّاعِرُ: فَعَفَوْتُ عَنْهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرِّبِ ∗∗∗ وتَرَكْتُهم لِعِقابِ يَوْمٍ سَرْمَدِ ﴿ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَوْبَتِهِمْ بِالِاعْتِرافِ والنَّدَمِ.
الثّانِي: لِإحْلالِهِ لَهم بِالعَفْوِ عَنْهم.
﴿ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في صُنْعِهِ بِي حِينَ جَعَلَنِي مَلِكًا.
الثّانِي: في عَفْوِهِ عَنْكم عَمّا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن الأعمش رضي الله عنه قال: قرأ يحيى بن وثاب- رضي الله عنه ﴿ أنك لأنت يوسف ﴾ بهمزة واحدة.
وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: في حرف عبدالله ﴿ قال: أنا يوسف وهذا أخي ﴾ بيني وبينه قربى ﴿ قد منّ الله علينا ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ في قوله: ﴿ إنه من يتق ﴾ الزنا ﴿ ويصبر ﴾ على العزوبة فإن الله ﴿ لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: مكتوب في الكتاب الأول، أن الحاسد لا يضر بحسده إلا نفسه، ليس ضاراً من حسد.
وإن الحاسد ينقصه حسده، وإن المحسود إذا صبر، نجاه الله بصبره؛ لأن الله يقول ﴿ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قول تعالى: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ﴾ قرأه أكثر (١) (٢) (٣) ﴿ أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ﴾ ويدل على صحة الاستفهام قوله تعالى: ﴿ أَنَا يُوسُفُ ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، وقرأ ابن كثير: إنك على الخبر، وحجته ما روى عطاء عن ابن عباس (¬3): أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان له في قرنه علامة، وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: إنك لأنت يوسف، (وقال ابن إسحاق (٤) (٥) (٦) ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ ﴾ (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ﴾ قال ابن الأنباري (٩) (١٠) (١١) لا أَرَى المَوْتَ يسبق المَوْت شَيء وقوله تعالى: ﴿ قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا ﴾ قال ابن عباس (١٢) (١٣) ﴿ مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ قال ابن عباس (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن عباس (١٧) (١٨) قال أبو علي (١٩) (٢٠) ألَمْ يَأتِك والأنْبَاءُ تَنْمِي ولا يحمل على هذا لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام، والآخر: أن يجعل بمنزلة الذي لا يوجب الجزم، ويحمل المعطوف على المعنى؛ لأن الذي يتقي بمعنى الجزاء الجازم كأنه من يتق، والحمل على المعنى كثير، وقد ذكرنا نظائره، ويجوز على هذا الوجه أن يكون: (ويصبر) في موضع الرفع إلا أنه حذفت الضمة للاستحقاق كما حذف نحو: عَضُد وسجُع، وجاز هذا في حركة الإعراب جوازه في حركة البناء، كما زعم أبو الحسن أنه سمع: ﴿ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ ﴾ (٢١) ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ لا تَخَفْ دركا ﴾ بالجزم و ﴿ وَلَا تَخْشَى ﴾ بالرفع، وهناك تشرح المسألة إن شاء الله.
(١) قرأ جميع القراء بالاستفهام، غير ابن كثير فقرأ: (إنك لأنت يوسف) على الخير، واختلفوا في الهمز، فكان حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر يهمزون همزتين (أئنك) والباقون يهمزون همزة واحدة.
انظر: "السبعة" ص 351، "إتحاف" ص 267، الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66.
(٢) الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66، و"البحر" 5/ 342، و"المحتسب" 1/ 349.
(٣) الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281، البغوي 4/ 273، القرطبي 9/ 256.
(٤) الطبري 13/ 55، و"زاد المسير" 4/ 281.
(٥) ما بين القوسين مكرر في (أ).
(٦) من هنا يبدأ النقل عن كتاب "الحجة" 4/ 447.
(٧) "الشعراء" 22.
(٨) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 447.
(٩) "زاد المسير" 4/ 281.
(١٠) في (أ)، (ج): (وهذه).
(١١) سبق تخريجه.
(١٢) الرازي 18/ 204، و"زاد المسير" 4/ 280.
(١٣) الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281.
(١٤) "زاد المسير" 4/ 282، القرطبي 9/ 256.
(١٥) "تفسير مقاتل" 157 أ.
(١٦) الثعلبي 7/ 108أ، و"زاد المسير" 4/ 281.
(١٧) "زاد المسير" 4/ 282.
(١٨) انظر: "السبعة" ص 351، و"إتحاف" 267، وابن عطية 8/ 67.
(١٩) "الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.
(٢٠) سبق تخريجه.
(٢١) بإسكان اللام من (رسلنا) وقرأ بها حمزة ويعقوب، و"إتحاف" ص 387، و"البدور الزاهرة" 351.
(٢٢) قرأ حفص بإسكان القاف وكسر الهاء، انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 503.
(٢٣) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.
(٢٤) انظر: "الغاية" لابن مهران 258، و"السبعة" ص 421، و"التيسير" / 152، و"النشر" 3/ 184، و"إتحاف" ص 306.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ لما شكوا إليه رقَّ لهم وعرّفهم بنفسه، ورُوِي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما في الصغر، ومضرتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل بقبح ما فعلوه أو جهل الشبابُ ﴿ قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم توهموا أنه هو ولم يحققوه ﴿ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ قيل إنه أراد من يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن، واللفظ أعم من ذلك ﴿ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ أي فضلك ﴿ لخاطئين ﴾ أي عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ عفو جميل، والتثريب التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدر في عليكم من معنى الاستقرار؛ وقيل: إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكم على الله؛ وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.
﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.
﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.
﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.
الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.
﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.
﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.
التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.
والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.
والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.
وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟
الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.
قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.
قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.
وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.
روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.
وعن رسول الله أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟
وجد سبعين ثكلى.
قال: فما كان له من الأجر؟
قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
ونقل أن جبريل دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.
فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.
وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.
وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟
وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
ومما يدل على أن يعقوب أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.
والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.
ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.
يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟
قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.
عن النبي : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.
وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.
﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.
وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.
قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.
والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.
فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.
فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.
وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا "أعوذ بك منك" .
ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.
يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.
فقال: الذي بي لكثرة غمومي.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟
فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.
فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.
وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.
واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟!
أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.
وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟
قال: لا يا نبي الله.
ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.
وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.
وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.
وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.
ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.
وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.
قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.
ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.
قال الكلبي.
هي من لغة العجم.
وقيل: لغة القبط.
والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.
قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.
وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.
وقيل: سويق المقل والأقط.
وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.
﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.
﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.
واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟
فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد .
وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.
وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.
كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.
فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.
أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.
وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.
وفيه تصديق لقوله : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.
وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.
وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.
ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.
ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.
وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.
﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.
ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.
قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.
وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".
والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.
قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.
واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.
سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.
وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.
وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.
وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.
وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.
ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.
وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.
يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.
فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.
عن رسول الله أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟
قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.
فقال : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .
قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.
وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.
وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.
روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.
وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.
﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.
قال أهل التحقيق: إن الله أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.
والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.
﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ .
وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.
قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.
﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.
والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟
فقال: هو ملك مصر.
قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟
قال: على دين الإسلام.
قال: الآن تمت النعمة.
ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.
قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.
وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.
وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.
وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.
فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.
روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.
فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.
واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟
قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟
قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.
ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.
قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.
وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.
قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.
وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.
وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.
﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟
وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله فمن أين جاز سجدة أبويه له؟
والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.
وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.
واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.
بأن الخرور قد يعني به المرور قال .
﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ أي لم يمروا.
وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.
ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.
وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.
وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.
﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.
﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.
مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.
قال ابن الأنباري.
بدا موضع معروف هنالك.
روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.
قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.
وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.
﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.
﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.
يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!
قال: أمرني جبريل.
قال: أو ما تسأله؟
قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ قال: فهلا خفتني.
ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.
فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.
ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.
قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟
والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.
وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟
أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.
ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.
سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.
فما الفائدة في الطلب؟
الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.
وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.
وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.
قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.
وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.
ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.
ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.
وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.
ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.
وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.
ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.
فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.
وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ فليتذكر.
قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.
وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله أعلم بحقائق الأمور.
التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ بل أول ملامتي هو الله حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.
فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .
يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف ﴿ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ ﴾ سموه عزيزاً، لما لعلهم يسمّون كل ملك عزيزاً، أو سمعوه عزيزاً؛ لما كان عند ذلك عزيزاً؛ بقوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أو لما كان بالناس إليه حاجة بالطعام الذي في يده؛ وهو كان غنيّاً عما في أيديهم والله أعلم.
قولهم: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ .
قال أهل التأويل: أصابنا الشدة والبلاء من الجوع.
﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ .
قيل: دراهم نُفَاية مبهرجة لا تنفق في الطعام؛ كاسدة؛ لأنه كان في عزّة؛ وتُنفَق في غيره.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ ﴾ أي قليلة.
وكذلك قال القتبي: أي قليلة.
وقال ابن عباس: هي الورق الرّديئة التي لا تنفق حتى يوضع منها.
وقال أبو عبيد: الإزجاء في كلام العرب: الدفع والسَّوق؛ وهو كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ أي يسوق ويدفع.
وقال بعضهم: ناقصة.
وقال بعضهم: جاءوا بسمن وصوف.
وقيل: جاءوا بصنوبر وحبة الخضراء، وأمثال هذا.
قالوا: ويشبه أن يكون ﴿ مُّزْجَاةٍ ﴾ من التزجية: كما يقال: نزجي يوماً بيوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ .
قال بعضهم: أوف لنا الكيل بسعر الجياد؛ وتأخذ النُّفَاية وتكيل لنا الطعام بسعر الجياد.
لكن قوله: ﴿ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ ﴾ أي سلم لنا الكيل تامّاً؛ لأن الإيفاء هو التسليم على الوفاء؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وتصدق علينا بفضل ما بين الثمنين في الوزن.
وقيل: ما بين الكيلين.
وقال بعضهم: وتصدق علينا: أي زد لنا شيئاً يكون ذلك صدقة لنا منك.
لكن يشبه على ما قالوا: وطلبوا منه الصدقة؛ حط الثمن؛ لأن الصدقة لا تحل للأنبياء، ويجوز الحط لهم، ويجوز حطّ من لا يجوز صدقته؛ نحو العبد المأذون له في التجارة؛ يجوز حطه ولا يجوز صدقته، وكذلك نبي الله كان يجوز [له الشراء] بدون ثمنه؛ ولا تحل له الصدقة.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ ﴾ بذهاب بصر أبيهم؛ مسهم بذلك وأهلهم الضر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .
أي رُدَّ علينا بنيامين؛ لعل الله يرد بصره عليه.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن الله يجزي المتصدقين إن كانوا على دين الإسلام؛ كأنهم ظنوا أنه ليس على دين الإسلام؛ ولو أنهم ظنوا أنه مسلم؛ لقالوا: إن الله يجزيك بالصدقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
هو ظاهر لا يحتاج إلى ذكره وأما ما فعلوه بأخيه: قال أهل التأويل: هو ما قالوا إنه سرق؛ لكنهم لم يقولوا إلا قدر ما ظهر عندهم؛ فلم يلحقهم بذلك القول فضل تعيير؛ لكن يشبه أن يكونوا آذوه بأنواع الأذى، ولا شك أنهم كانوا يبغضون يوسف وأخاه؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ .
وقوله: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .
قد كانوا علموا هم ما فعلوا بيوسف لكنه [كأنه] قال: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف؛ أو أنتم جاهلون ذلك؛ ناسون؟
يقول لهم: اذكروا ما فعلتم بيوسف، وتوبوا إلى الله عن ذلك، ولا تكونوا جاهلين عن ذلك.
أو يقول لهم: هل رجعتم وتبتم عن ذلك؟، أو أنتم بعد فيه؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ أي: مذنبون؛ ولكن إذ أنتم جاهلون قدر يوسف ومنزلته، لأنهم لو علموا ما قدر يوسف عند الله؛ وما منزلته ما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ وما خطئوا أباهم في حبّه إياه حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وما فعلوا به ما فعلوا.
والله أعلم.
﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ .
كأنهم عرفوا أنه يوسف؛ بقول يوسف لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [أو عرفوا بقول أبيهم؛ حيث قال: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ] لما ذكر أخاه ورأوه معه عرفوا أنه يوسف؛ لذلك قالوا.
والله أعلم.
﴿ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ .
يحتمل: من يتّق معاصيه، ويصبر على بلاياه.
أو اتقى مناهيه؛ وصبر على أداء ما أمر به.
أو من اتقى وصبر؛ فقد أحسن.
أو يقول: إنه من يتق الجَفاء؛ ويصبر على البلاء؛ فقد أحسن.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ .
أي رُدَّ أخانا علينا، وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ .
﴿ تَٱللَّهِ ﴾ قسم قد اعتادوه في فحوى كلامهم؛ على غير إرادة يمين بذلك؛ هكذا عادة العرب؛ وإلا كان يعلم يوسف أن الله قد آثره عليهم.
ويشبه أن يكون يخرج القسم هاهنا على تأكيد معرفتهم فضله ومنزلته؛ أي: لم تزل كنت مُؤْثَراً مفضّلا علينا.
﴿ وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ .
أي: وقد كنا خاطئين؛ فيما كان منا إليك من الصنيع.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ ؛ فيما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ أي لما كان يؤثرهما عليهم؛ فقالوا: كنت مؤثَراً على ما كان أبونا يؤثرك علينا وقد كنا ﴿ لَخَاطِئِينَ ﴾ ؛ فقال يوسف.
﴿ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ .
قال القتبي: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ ﴾ : أي لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم؛ بما صنعتم.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ أي: لا تنغيث عليكم.
وقيل: أصل التثريب: الإفساد؛ يقال: ثرب علينا الأمر: أي أفسده.
وقال أبو عوسجة: التثريب: الملامة؛ يقول: لا لوم عليكم في صنيعكم.
وقال ابن عباس - رضي لله عنه -: لا تثريب عليكم: أي لا أعيّركم بعد هذا اليوم أبداً؛ ولا أعيره عليكم.
وهو يحتمل هذين الوجهين: أحدهما: لا تعيير عليكم ولا ملامة؛ أي ليس عليكم في العقل تعيير ولا ملامة؛ إذا تبتم وأقررتم بالخطأ، وهكذا كل من أذنب ذنباً أو ارتكب كبيرة؛ ثم انتزع عنها وتاب منها؛ لا يعيَّر - هو - عليه ولا يلام.
وكذلك قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ ذكر أنهم كانوا يعيَّرون أهل الكفر في كفرهم؛ وينابزونهم؛ ثم أسلموا؛ فنهوا أن ينابزوهم؛ ويصنعوا بهم مثل صنيعهم بهم في حال كفرهم، ولو وجب التعيير والملامة بعد الانتزع عنه والتوبة؛ أو يجوز ذلك لكان أصحاب رسول الله معيَّرين ملامين؛ لأنهم كانوا أهل الكفر في الابتداء، فهذا مما لا يحل في العقل.
والثاني: قوله: ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ : لا أعيَّركم؛ على ما قال ابن عباس - - أي: لا أذكر ما كان منكم إلينا؛ أمنهم عن أن يذكر شيئاً مما كان منهم إليه؛ ولذلك قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ﴾ .
ذكر أن الشيطان هو الذي فعل ما كان بينه وبين إخوته؛ وكذلك فعل؛ حيث قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ﴾ أضاف ذلك إلى الشيطان، ولم يضف إلى إخوته.
وقوله - عز جل -: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .
قطع فيه القول بالمغفرة لهم؛ حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا، وهكذا كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه؛ أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة.
وقوله: ﴿ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ يخرج على الدعاء لهم بالمغفرة، أو على الإخبار بالوحي أنه يغفر لهم، أو قد غفر لهم، أو يقول: استغفروا الله؛ الذي كان بين الله وبينكم يغفر لكم.
﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ لأن كل من يرحم من الخلائق؛ إنما يرحم برحمة منه إليه؛ فهو أرحم الراحمين؛ بما قلنا؛ على ما قلنا في قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ لأن من يحكم من الخلائق بحكم يجوز إنما يحكم بحكم ناله منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ﴾ .
دل هذا من يوسف؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيراً؛ إنه عن وحي قال هذا لا عن رأي منه واجتهاد؛ إذ قطع القول فيه أنه إذا ألقى على وجهه يصير بصيراً.
وقوله: ﴿ يَأْتِ بَصِيراً ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يصير بصيراً على ما ذكرنا.
والثاني: يأتيني بصيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
أراد - والله أعلم - حيث أمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمع - أن يبرّهم ويكرمهم؛ حين تابوا عما فعلوا به؛ وأقروا له بالخطأ في أمره.
<div class="verse-tafsir"
فتفاجؤوا، وقالوا: أإنك أنت يوسف؟!
قال لهم يوسف: نعم أنا يوسف، وهذا الذي ترون معي: أخي الشقيق، قد تفضَّل الله علينا بالخلاص مما كنا فيه، وبرفع القَدْر، إنه من يتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويصبر على البلاء؛ فإن عمله من الإحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين، بل يحفظه لهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.MyYPM"