تفسير الآية ١١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١١ من سورة النحل

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ١١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١١ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ) أي : يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد ، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها ; ولهذا قال : ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) أي : دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله ، كما قال تعالى : ( أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ) [ النمل : 60 ] ثم قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يُنبت لكم ربكم بالماء الذي أنـزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونخيلكم وأعنابكم ، ( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) يعني من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقا لكم وأقواتا وإداما وفاكهة، نعمة منه عليكم بذلك وتفضّلا وحُجة على من كفر به منكم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول جلّ ثناؤه: إن في إخراج الله بما ينـزل من السماء من ماء ما وصف لكم ( لآيَةً ) يقول: لدلالة واضحة ، وعلامة بينة ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله ، ويتفكَّرون في حججه، فيتذكرون وينيبون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون قوله تعالى : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات قرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون على التعظيم .

العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم ; يقال : نبتت الأرض وأنبتت بمعنى ، ونبت البقل وأنبت بمعنى .

وأنشد الفراء :رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا بها حتى إذا أنبت البقلأي نبت .

وأنبته الله فهو منبوت ، على غير قياس .

وأنبت الغلام نبتت عانته .

ونبت الشجر غرسه ; يقال : نبت أجلك بين عينيك .

ونبت الصبي تنبيتا ربيته .

والمنبت موضع النبات ; يقال : ما أحسن نابتة بني فلان ; أي ما ينبت عليه أموالهم وأولادهم .

ونبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نشء صغار .

وإن بني فلان لنابتة شر .

والنوابت من الأحداث الأغمار .

والنبيت حي من اليمن .

والينبوت شجر ; كله عن الجوهري .

والزيتون جمع زيتونة .

ويقال للشجرة نفسها : زيتونة ، وللثمرة زيتونة .

وقد مضى في سورة " الأنعام " حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى للإعادة .إن في ذلك أي الإنزال والإنبات .لآية أي دلالة لقوم يتفكرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 10 و11:ـ بذلك على كمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته حيث جعل فيه ماء غزيرا منه يشربون وتشرب مواشيهم ويسقون منه حروثهم فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ينبت لكم به ) أي : ينبت الله لكم به ، يعني بالماء الذي أنزل ، وقرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون .

( الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك» المذكور «لآية» دالة على وحدانيته تعالى «لقوم يتفكرون» في صنعه فيؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يُخرج لكم من الأرض بهذا الماء الواحد الزروع المختلفة، ويُخرج به الزيتون والنخيل والأعناب، ويُخرج به كل أنواع الثمار والفواكه.

إن في ذلك الإخراج لدلالةً واضحة لقوم يتأملون، فيعتبرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب وَمِن كُلِّ الثمرات .

.

) تفصيل لأهم منافع الماء .أى : يخرج لكم من الأرض ، بسبب الماء الذى أنزله عليها من السماء ( الزرع ) الذى هو أصل أغذيتكم ، وعماد معاشكم ، كالقمح والشعير وغيرهما ( والزيتون ) الذى تستعملونه إداما فى أغذيتكم ( والنخيل والأعناب ) اللذين فيهما الكثير من الفوائد ، ومن التلذذ عند أكل ثمارها .وأخرج لكم - أيضا - بسبب هذا الماء ( مِن كُلِّ الثمرات ) التى تشتهونها وتنتفعون بها ، والتى تختلف فى أنواعها ، وفى مذاقها ، وفى روائحها ، وفى ألوانها ، مع أن الماء الذى سقيت به واحد ، والأرض التى نبتت فيها متجاورة .ولا شك أن فى هذا الانبات بتلك الطريقة ، أكبر دليل على قدرة الله - تعالى - ، لأنه لا يقدر على ذلك سواء - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات، فلما قرر الله تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات.

واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً، والحاصل: أن ماء المطر قسمان: أحدهما: هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي، وهو المراد بقوله: ﴿ لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ ﴾ وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حيّ  ﴾ .

فإن قيل: أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره، وهو الماء الموجود في قعر الأرض؟

أجاب القاضي: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره.

ولقائل أن يقول: ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره.

إذا ثبت هذا فنقول: لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض  ﴾ ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ إلى آخر الآية، وفيه مباحث: البحث الأول: ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب، وهاهنا قولان: القول الأول: قال الزجاج: كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد: يطعمها اللحم إذا عز الشجر *** يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، هكذا قال المفسرون، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى: ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه.

القول الثاني: أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول.

البحث الثاني: قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي تسوم سوماً إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة.

وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقال غيره: لأنها تعلم للإرسال في المرعى، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿ والخيل المسومة  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان: أحدهما: معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات، وهو المراد من قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ .

والثاني: ما كان مخلوقاً لأكل الإنسان وهو المراد من قوله: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون ﴾ .

فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم  ﴾ فما الفائدة فيه؟

قلنا: أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».

البحث الثاني: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ ننبت ﴾ بالنون على التفخيم والباقون بالياء، قال الواحدي: والياء أشبه بما تقدم.

البحث الثالث: اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات.

والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب.

وفواكه، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون.

والنخيل.

والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ فكذلك هاهنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات ﴾ تنبيهاً على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وهاهنا بحثان: البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء.

ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان.

إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة.

ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة.

البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً...

يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ .

ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟

وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَّكُم ﴾ متعلق بأنزل، أو بشراب، خبراً له.

والشراب ما يشرب ﴿ شَجَرٌ ﴾ يعني الشجر الذي ترعاه المواشي.

وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت.

يعني الكلأ ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ من سامت الماشية إذا رعت، فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض.

وقرئ: ﴿ ينبت ﴾ ، بالياء والنون.

فإن قلت: لم قيل ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات ﴾ ؟

قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته.

والآية: الدلالة الواضحة.

وعن بعضهم: ينبت بالتشديد.

وقرأ أبيّ بن كعب: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ، بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ.

﴿ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ وبَعْضِ كُلِّها إذا لَمْ يَنْبُتْ في الأرْضِ كُلُّ ما يُمْكِنُ مِنَ الثِّمارِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يُسامُ فِيهِ عَلى ما يُؤْكَلُ مِنهُ لِأنَّهُ سَيَصِيرُ غِذاءً حَيَوانِيًّا هو أشْرَفُ الأغْذِيَةِ، ومِن هَذا تَقْدِيمُ الزَّرْعِ والتَّصْرِيحُ بِالأجْناسِ الثَّلاثَةِ وتَرْتِيبُها.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ أنَّ الحَبَّةَ تَقَعُ في الأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها، فَيَنْشَقُّ أعْلاها ويَخْرُجُ مِنهُ ساقُ الشَّجَرَةِ، ويَنْشَقُّ أسْفَلُها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقُها.

ثُمَّ يَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ والثِّمارُ، ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنها عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والطِّباعِ مَعَ اتِّحادِ المَوادِّ ونِسْبَةِ الطَّبائِعِ السُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ إلى الكُلِّ، عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ مُقَدَّسٍ عَنْ مُنازَعَةِ الأضْدادِ والأنْدادِ ولَعَلَّ فَصَّلَ الآيَةَ بِهِ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والاعناب وَمِن كُلِّ الثمرات} ولم يقل كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض من كلها للتذكرة {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته والآية الدلالة الواضحة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ وجَوَّزَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ أيْ مِن جِهَتِهِ أوْ مِن سَقْيِهِ شَجَرٌ وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ أيْ ومِنهُ شَرابُ شَجَرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ أيْ حُبَّهُ اهـ وهو بَعِيدٌ وإنْ قِيلَ: الإضْمارُ أوْلى مِنَ المَجازِ لا العَكْسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصَحَّحَ المُساواةَ لِاحْتِياجِ كُلٍّ مِنهُما إلى قَرِينَةٍ.

﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أيْ تَرْعَوْنَ يُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ وسَوامُّ رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ السُّومَةُ وهي كالسِّمَةِ العَلامَةُ لِأنَّ المَواشِيَ تُؤَثِّرُ عَلاماتٍ في الأرْضِ والأماكِنِ الَّتِي تَرْعاها.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ فَإنْ سُمِعَ سامَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو وأسامَ بِمَعْنًى وإلّا فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ تُسِيمُ مَواشِيَكم ﴿ يُنْبِتُ ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءَ وأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَنبُوتٌ وقِياسُ هَذا مُنْبَتٌ، وقِيلَ: يُقالُ: أنْبَتَ الشَّجَرَ لازِمًا وأنْشَدَ الفَرّاءُ: رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ أيْ نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ مَجِيءَ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «نُنْبِتُ» بِنُونِ العَظْمَةِ، والزُّهْرِيُّ « ﴿ يُنْبِتُ ﴾ » بِالتَّشْدِيدِ وهو لِلتَّكْثِيرِ في قَوْلٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ «يَنْبِتُ» بِفَتْحِ الياءِ ورَفْعِ المُتَعاطِفاتِ بَعْدُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وجُمْلَةُ يُنْبِتُ ﴿ لَكم بِهِ ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴿ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى- لِـ ماءً- وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: وهَلْ لَهُ مَنافِعُ أُخَرُ؟

فَقِيلَ: يُنْبِتُ لَكم بِهِ إلَخْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وأنَّ الإنْباتَ سُنَّتُهُ سُبْحانَهُ الجارِيَةُ عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ أوْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مَعَ ما في تَقْدِيمِ أوَّلِهِما مِنَ الاهْتِمامِ بِهِ لِإدْخالِ المَسَرَّةِ ابْتِداءً، وتَقْدِيمِ الزَّرْعِ عَلى ما عَداهُ قِيلَ: لِأنَّهُ أصْلُ الأغْذِيَةِ وعَمُودُ المَعاشِ وقُوتُ أكْثَرِ العالَمِ وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْكَلَأِ المَرْعى، ثُمَّ الزَّيْتُونُ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إدامٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ لَهُ مَنافِعَ جَمَّةً، وذُكِرَ غَيْرُ يَسِيرٍ مِنها في التَّذْكِرَةِ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ واحِدُهُ زَيْتُونَةٌ وأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّجَرِ المَخْصُوصِ وعَلى ثَمَرَتِهِ.

واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الأوَّلُ وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، وأكْثَرُ ما يُنْبِتُ في المَواضِعِ الَّتِي زادَ عَرْضُها عَلى المَيْلِ واشْتَدَّ بَرْدُها وكانَتْ جَبَلِيَّةً ذاتَ تُرْبَةٍ بَيْضاءَ أوْ حَمْراءَ، ثُمَّ النَّخِيلُ عَلى الأعْنابِ لِظُهُورِ دَوامِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها فَإنَّ الواحِدَةَ مِنها كَثِيرًا ما تَتَجاوَزُ مِائَةَ سَنَةٍ وشَجَرَةُ العِنَبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، نَعَمِ الزَّيْتُونَةُ أكْثَرُ دَوامًا مِنهُما فَإنَّ الشَّجَرَةَ مِنهُ قَدْ تَدُومُ ألْفَ سَنَةٍ مَعَ أنَّ ثَمَرَتَها كَثِيرًا ما يُقْتاتُ بِها حَتّى جاءَ فِي الخَبَرِ ««ما جاعَ بَيْتٌ وفِيهِ تَمْرٌ»».

وأكْثَرُ ما تَنْبُتُ في البِلادِ الحارَّةِ اليابِسَةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَيْها الرَّمْلُ كالمَدِينَةِ المُشَرَّفَةِ والعِراقِ وأطْرافِ مِصْرَ، وهي عَلى ما قالَ الرّاغِبُ جَمْعُ نَخْلٍ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُقالُ لِلْواحِدَةِ: نَخْلَةٌ، وأمّا الأعْنابُ فَجَمْعُ عِنَبَةٍ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ النُّونِ والباءِ وقَدْ جاءَتْ ألْفاظٌ مُفْرَدَةٌ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرَ قَلِيلَةٍ.

وقَدْ ذُكِرَ في القامُوسِ عِدَّةٌ مِنها، ونَسَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا البِناءَ في الواحِدِ نادِرٌ وجاءَ مِنهُ العِنَبَةُ والتِّوَلَةُ والحِبَرَةُ والطِّيَبَةُ والخِيَرَةُ ولا أعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّهُ إنْ أرَدْتَ جَمْعَهُ في أدْنى العَدَدِ جَمَعْتَهُ بِالتّاءِ وقُلْتَ: عِنَباتٌ وفي الكَثِيرِ: عِنَبٌ وأعْنابٌ اهـ، ولْيُنْظْرَ هَذا مَعَ عَدِّهِمْ أفْعالًا مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، ويُطْلَقُ العِنَبُ كَما قالَ الرّاغِبُ عَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ وعَلى الكَرْمِ نَفْسِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هو الثّانِي.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في وجْهِ تَأْخِيرِ الأعْنابِ أنَّ ثَمَرَتَها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِثَمَرَتِها العِنَبَ ما دامَ طَرِيًّا قَبْلَ أنْ يَتَزَبَّبَ فَيُمْكِنُ أنْ يُسَلَّمَ وإنْ أرادَ بِهِ المُتَزَبِّبَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وفي كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ في بَحْثِ زَكاةِ الفِطْرِ أنَّ في الزَّبِيبِ اقْتِياتًا بَلْ ظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّهُ في ذَلِكَ بَعْدَ التَّمْرِ وقَبْلَ الأُرْزِ، والباحِثُ في هَذا لا يَنْفِي الِاقْتِياتَ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلى البَحْثِ، وفي جَمْعِ ﴿ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ثِمارَها مُخْتَلِفَةُ الأصْنافِ فَفي التَّذْكِرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ التَّمْرِ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ كَثِيرُ الأنْواعِ كالعِنَبِ حَتّى سَمِعْتُ أنَّهُ يَزِيدُ عَلى خَمْسِينَ صِنْفًا، وعِنْدَ ذِكْرِ العِنَبِ أنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الكِبَرِ والِاسْتِطالَةِ وغِلَظِ القِشْرِ وعَدَمِ العَجَمِ وكَثْرَةِ الشَّحْمِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كالتَّمْرِ اهـ، وأنا قَدْ سَمِعْتُ مِن والِدِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ سُمِعَ في مِصْرَ حِينَ جاءَها بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الحَجِّ لِزِيارَةِ أخِيهِ المُهاجِرِ إلَيْها لِطَلَبِ العِلْمِ أنَّ في نَواحِيها مِن أصْنافِ التَّمْرِ ما يَقْرُبُ مِن ثَلاثِمِائَةِ صِنْفٍ والعُهْدَةُ عَلى مَن سَمِعَ مِنهُ هَذا، ولِلْعَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ هُنا ما يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِالغَفْلَةِ وسُبْحانَ مَن لا يَغْفُلُ وكانَ الظّاهِرُ تَقْدِيمَ غِذاءِ الإنْسانِ لِشَرَفِهِ عَلى غِذاءِ ما يُسامُ لَكِنْ قُدِّمَ ذاكَ- عَلى ما قالَ الإمامُ- لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ وأنْ يَكُونَ اهْتِمامُ الإنْسانِ بِمَن تَحْتَ يَدِهِ أقْوى مِنِ اهْتِمامِهِ بِنَفْسِهِ، والعَكْسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ  ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ وإنْ كانَ مِنَ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وهو عَلى طِبْقِ ما ورَدَ في الخَبَرِ ««ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ»» وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا دَخْلَ لِلْخَلائِقِ فِيهِ بِبَذْرٍ وغَرْسٍ فالِامْتِنانُ بِهِ أقْوى، وقِيلَ: لِأنَّ أكْثَرَ المُخاطَبِينَ مِن أصْحابِ المَواشِي ولَيْسَ لَهم زَرْعٌ ولا شَيْءٌ مِمّا ذَكَرَ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ في وجْهِ ذَلِكَ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ الحَيَواناتِ المَأْكُولَةِ والمَرْكُوبَةِ ناسَبَ تَعْقِيبُها بِذِكْرِ مَشْرَبِها ومَأْكَلِها لِأنَّهُ أقْوى في الِامْتِنانِ بِها إذْ خَلْقُها ومَعاشُها لِأجْلِهِمْ فَإنَّ مَن وهَبَ دابَّةً مَعَ عَلَفِها كانَ أحْسَنَ، كَما قِيلَ: مِنَ الظَّرْفِ هِبَةُ الهَدِيَّةِ مَعَ الظَّرْفِ اهـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

والأوْلى عَلَيْهِ أنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ ما يُشْرَبُ، وأمّا ما قِيلَ: إنْ ما قُدِّمَ مِنَ الغِذاءِ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةٍ فَإنَّهُ غِذاءٌ لِغِذائِهِ الحَيَوانِيِّ فَلا يَدْفَعُ السُّؤالَ لِأنَّهُ يُقالُ بَعْدُ: كانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ ما كانَ غِذاءً لَهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، لا يُقالُ: هَذا السُّؤالُ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ المَذْكُوراتِ ثَمَراتُها لا ما يَحْصُلُ مِنها الثَّمَراتُ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ غِذاءَ الإنْسانِ لِأنّا نَقُولُ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها إلّا الِامْتِنانَ بِثَمَراتِها إلّا أنَّها ذُكِرَتْ عَلى نَمَطِ سابِقِها المَذْكُورِ في غِذاءِ الماشِيَةِ ويُرْشِدُ إلى أنَّ الِامْتِنانَ بِثَمَراتِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ وإرادَةُ الثَّمَراتِ مِنها مِن أوَّلِ الأمْرِ بِارْتِكابِ نَوْعٍ مِنَ المَجازِ في بَعْضِها لِهَذا إهْمالٌ لِرِعايَةِ غَيْرِ أمْرٍ يَحْسُنُ لَهُ حَمْلُها عَلى ما قُلْنا دُونَ ذَلِكَ، مِنهُ ﴿ يُنْبِتُ ﴾ إذْ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بِنَفْسِ الشَّجَرَةِ لا بِثَمَرَتِها فَلْيُعْمَلْ بِما يَقْتَضِيهِ في صَدْرِ الكَلامِ وإنِ اقْتَضى آخِرُهُ اعْتِبارَ نَحْوِ ما قِيلَ فِي: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا.

كَذا قِيلَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَ الإنْباتِ مِمّا يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ المَذْكُورَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ ﴿ وعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ ﴿ وزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ ﴿ وفاكِهَةً وأبًّا  ﴾ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ المَلْحُوظُ فِيما عُدَّ مُجَرَّدَ الغِذائِيَّةِ بَلْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها عَلى مَعْنى يُنْبِتُ بِهِ لِنَفْعِكم ما ذَكَرَ والنَّفْعُ يَكُونُ بِما فِيهِ غِذاءٌ وغَيْرُهُ، ( ومِن ) لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى ويُنْبِتُ لَكم بَعْضَ كُلِّ الثَّمَراتِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلٍّ لِلتَّذْكِرَةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بَعْضٌ مِمّا في بِقاعِ الإمْكانِ مِن ثَمَرِ القُدْرَةِ الَّذِي لَمْ تَجْنِهِ راحَةُ الوُجُودِ، وهو أظْهَرُ وأشْمَلُ وأنْسَبُ بِما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَما عَقَّبَ ذِكْرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ عَقَّبَ ذِكْرَ الثَّمَراتِ المُنْتَفَعِ بِها بِمِثْلِهِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورَ مِن إنْزالِ الماءِ وإنْزالِ ما فَصَّلَ ﴿ لآيَةً ﴾ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في أنَّ الحَبَّةَ والنَّواةَ تَقَعُ في الأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها فَيَنْشَقُّ أسْفَلُها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقٌ تَنْبَسِطُ في الأرْضِ ورُبَّما انْبَسَطَتْ فِيها وإنْ كانَتْ صُلْبَةً ويَنْشَقُّ أعْلاها وإنْ كانَتْ مُنْتَكِسَةً في الوُقُوعِ فَيَخْرُجُ مِنها ساقٌ فَيَنْمُو فَيَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والحُبُوبُ والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والألْوانِ والخَواصِّ والطَّبائِعِ وعَلى نَواةٍ قابِلَةٍ لِتَوْلِيدِ الأمْثالِ عَلى النَّمَطِ المُحَرَّرِ لا إلى نِهايَةٍ مَعَ اتِّحادِ الماءِ والأرْضِ والهَواءِ وغَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ آثارُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُشارِكَهُ في أخَصِّ صِفاتِهِ الَّتِي هي الأُلُوهِيَّةُ واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ أخَسُّ الأشْياءِ كالجَمادِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: تَأمَّلْ في رِياضِ الوَرْدِ وانْظُرْ ∗∗∗ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ ∗∗∗ عَلى أهْدابِها ذَهَبٌ سَبِيكُ ؎عَلى قَضْبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يقول: من ماء الرجل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يقول: جدل باطل ظاهر الخصومة، وهو أبي بن خلف، حيث أخذ عظماً بالياً فَفَتَّهُ بيده، وقال: عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً، وإنا نعاد خلقاً جديداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77] الآية.

ثم بيّن النعمة فقال تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ أي: ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها، والذي يتخذ منه البيوت من الشعر والوبر والصوف.

وأما المنافع، فظهورها التي تحمل عليها، وألبانها.

ويقال: الدفء الصغار من الإبل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي: في نسل كل دابة وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من لحمها.

قوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي: ولكم يا بني آدم في الأنعام، جَمالٌ حسن المنظر، حِينَ تُرِيحُونَ أي: حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي: تسرح إلى الرعي أول النهار وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي: أمتعتكم وزادكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ قال: هي مكة.

ويقال: هذا الخطاب لأهل مكة، كانوا يخرجون إلى الشام، وإلى اليمن، ويحملون أثقالهم على الإبل.

إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ إذ لم يعجلكم بالعقوبة.

ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها لكم لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً أي: جمالاً ومنظرا حسنا.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه سئل عن لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يعني: إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة لا للأكل وسائر الأنعام خلقت للركوب وللأكل، كما قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وبه كان يقول أبو حنيفة: «إن لحم الخيل مكروه» .

وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي: خلق أشياء تعلمون، وخلق أشياء مما لا تعلمون.

وروي عن النبي  أنه قال: «إن الله خَلَقَ أَرْضَاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاثِينَ مَرَّةً، مَحْشُوَّةً خلقا من خلق الله تَعَالَى، لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله تَعَالَى يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ» قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آَدَمَ» .

قالوا: فأين إبليس منهم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ إِبْلِيسَ» ، ثم قرأ رسول الله  «وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (١) قوله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: بيان الهدى، ويقال: هداية الطريق وَمِنْها جائِرٌ أي: من الطرق ما هو مائل من طريق الهدى إلى طريق اليهودية والنصرانية.

وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني: بيان الهدى، وَمِنْها جائِرٌ أي: سبيل الضلالة.

وقال قتادة: في قراءة عبد الله بن مسعود وَمِنْها جائِرٌ أي: مائلا عن طريق الهدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي: لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلاً للتوحيد لهداهم.

ويقال: لو شاء الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 113 إلى ابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ ﴿ وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ "الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.

و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.

و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ مَعْناهُ: حِينَ تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ.

و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.

و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها  ﴾ ، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى بَلَدٍ ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ.

و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ أيْ: مِن مَشَقَّتِها.

ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿ بِشِقِّ الأنْفُسِ ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ.

ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ.

وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.

وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ  ﴾ ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ ينبت ﴾ حال من ضمير ﴿ أنزل ﴾ [سورة النحل: 10]، أي ينبت الله لكم.

وإنما لم يعطف هذا على جملة ﴿ لكم منه شراب ﴾ [سورة النحل: 10] لأنّه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بدّ معه من زرع وغرس.

وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربّانية، فالغرض منه الاستدلال ممزوجاً بالتذكير بالنّعمة، كما دلّ عليه قوله: لكم } على وزان ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ﴾ [سورة النحل: 5] الآية، وقوله تعالى: ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ [سورة النحل: 8] الآية.

وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيهاً للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم، ولذلك قال: إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق.

وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام.

والتفكّر تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصيرأفلا تتفكرون ﴾ في سورة الأنعام (50).

وإقحام لفظ قوم للدلالة على أن التفكّر من سجاياهم، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

ومن كل الثمرات } عطف على ﴿ الزرع والزيتون ﴾ ، أي وينبت لكم به من كل الثمرات مما لم يذكر هنا.

والتعريف تعريف الجنس.

والمراد: أجناس ثمرات الأرض التي ينبتها الماء، ولكل قوم من الناس ثمرات أرضهم وجَوّهم.

و ﴿ من ﴾ تبعيضية قصد منها تنويع الامتنان على كل قوم بما نالهم من نعم الثمرات.

وإنما لم تدخل على الزرع وما عطف عليه لأنها من الثمرات التي تنبت في كل مكان.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ تذييل.

والآية: الدلالة على أنه تعالى المبدع الحكيم.

وتلك هي إنبات أصناف مختلفة من ماء واحد، كما قال: ﴿ تسقى بماء واحد ﴾ في سورة الرعد (4).

ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج.

وهو تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرّد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون.

وقرأ الجمهور ﴿ ينبت ﴾ بياء الغيبة.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الخَلْقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: في عَيْنٍ تَحْتَ العَرْشِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّها أرْضٌ بَيْضاءُ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ ثَلاثِينَ يَوْمًا.

مَشْحُونَةٌ خَلْقًا لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُعْصى في الأرْضِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ إبْلِيسُ عَنْهُمْ؟

قالَ (لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ إبْلِيسَ) ثُمَّ تَلا ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكم فيها دفء ﴾ قال: الثياب ﴿ ومنافع ﴾ قال: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكم فيها دفء ومنافع ﴾ قال: نسل كل دابة.

وأخرج الديلمي عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البركة في الغنم، والجمال في الإبل» .

وأخرج ابن ماجة عن عروة البارقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الابل عزّ لأهلها، والغنم بركة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون ﴾ قال: إذا راحت كأعظم ما يكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعاً ﴿ وحين تسرحون ﴾ قال: إذا سرحت لرعيها.

قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإِبل فقال: «هي عز لأهلها» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد ﴾ قال يعني مكة ﴿ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ قال: لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا بشق الأنفس ﴾ قال: مشقة عليكم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: «اركبوا هذه الدواب سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبه خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله تعالى منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن دينار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي لأحاديثكم، فرب راكب مركوبة هي خير منه وأطوع لله منه وأكثر ذكراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن حبيب قال: كان يكره طول الوقوف على الدابة، وأن تضرب وهي محسنة.

وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثير» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لتركبوها وزينة ﴾ قال: جعلها لتركبوها وجعلها زينة لكم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة: أن أبا عياض كان يقرؤها ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ يقول: جعلها زينة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فذللها الله لإِسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه قال: بلغني أن الله لما أراد أن يخلق الفرس قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً، أجعله عزاً لأوليائي، ومذلة لأعدائي، وحمى لأهل طاعتي، فقبض من الريح قبضة، فخلق منها فرساً، فقال: سميتك فرساً وجعلتك عربياً، الخير معقود بناصيتك والغنائم محازة على ظهرك، والغنى معك حيث كنت، ارعاك لسعة الرزق على غيرك من الدواب، وجعلتك لها سيداً، وجعلتك تطير بلا جناحين، فأنت للطلب، وأنت للهرب، وسأحمل عليك رجالاً يسبحوني، فتسبحني معهم إذا سبحوا، ويهللوني، فتهللني معهم إذا هللوا، ويكبروني، فتكبرني معهم إذا كبروا، فلما صهل الفرس؛ قال: باركت عليك، أرهب بصهيلك المشركين، أملأ منه آذانهم، وأرعب منه قلوبهم، وأذل به أعناقهم، فلما عرض الخلق على آدم وسماهم، قال الله تعالى: يا آدم، اختر من خلقي من أحببت، فاختار الفرس، فقال الله اخترت عزك، وعز ولدك باق فيهم ما بقوا، وينتج منه أولادك أولاداً، فبركتي عليك وعليهم، فما من تسبيحة ولا تهليلة ولا تكبيرة تكون من راكب الفرس إلا والفرس تسمعها وتجيبه مثل قوله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عباس، عن أكل لحوم الخيل، فكرهها وقرأ ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل ويقول: قال الله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ فهذه للأكل ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ فهذه للركوب.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه سئل عن لحوم الخيل؟

فقال: ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحكم في قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ فجعل منه الأكل، ثم قرأ ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ﴾ قال: لم يجعل لكم فيها أكلاً وكان الحكم يقول: الخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله.

وأخرج أبو عبيد وأبو داود والنسائي وابن المنذر، عن خالد بن الوليد قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير» .

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: طعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية.

وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنهم ذبحوا يوم خيبر الحمير والبغال والخيل، فنهاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الحمير والبغال، ولم ينههم عن الخيل.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء، عن جابر قال: كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: والبغال؟

قال: أما البغال فلا.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر، عن أسماء قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً، فأكلناه.

وأخرج أحمد، عن دحية الكلبي قال: «قلت يا رسول الله، أحمل لك حماراً على فرس، فينتج لك بغلاً وتركبها؟

قال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .

وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال البراذين.

وأخرج ابن عساكر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال السوس في الثياب.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما خلق الله لأرضاً من لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها، في تلك الأرض ملك قد ملأ شرقها وغربها، له ستمائة رأس، في كل رأس ستمائة وجه، في كل وجه ستون ألف فم.

في كل فم ستون ألف لسان، يثني على الله ويقدسه ويهلله ويكبره، بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة، فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله، فيقول وعزتك ما عبدتك حق عبادتك» فذلك قوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن الشعبي قال إن لله عباداً من وراء الأندلس، كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت، وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم، وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن وهب أنه قيل له: أخبرنا من أتى سعالة الريح، وانه رأى بها أربع نجوم كأنها أربعة أقمار؟

فقال وهب: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ ﴾ قراءة العامة بالتاء (١) (٢) (٣) (٤) (٥) حتى إذا أنبت البَقْلُ (٦) متّهمة (٧) وقوله تعالى: ﴿ الزَّرْعَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الحبوب (٨) ﴿ وَالزَّيْتُونَ ﴾ جمع زيتونة، يقال: الشجرة نفسُها زيتونة، ولثمرها زيتونة، والمجميع الزيتون، ﴿ وَالنَّخِيلَ ﴾ يقال: نخلة ونخل ونخيل.

وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ ، أي: وينبت من كل الثمرات، فحُذف لأن ما سبق يدل عليه.

(١) انظر: "السبعة" ص370، و"علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة للقراء" 5/ 54، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 34.

(٢) أي: (نُنْبِتُ)، انظر: المصادر السابقة.

(٣) وقد رجحه الأزهري فقال: والياء أجودهما، وقال ابن خالويه: فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر به عن الله عز وجل لتقدم اسمه أول الكلام، والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عز وجل عن نفسه بنون الملكوت.

انظر: "علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة في القراءات" ص 209، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 34.

(٤) في (ش)، (ع): (أنبت)، والصحيح المثبت ليستقيم السياق، وهو موافق للمصدر.

(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).

(٦) البيت كما في الديوان ص 41: رأيتُ ذَوِي الحاجاتِ حولَ بُيوتِهم ...

قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقْلُ أي: نبت.

(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (نبت) 4/ 3491، بمعناه، و"الحجة للقراء" 5/ 54، بنصه.

(٨) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 433، والخازن 3/ 108، بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ينبت الله لكم بذلك الماء الزروعَ التي تأكلون منها، وينبت لكم به الزيتون والنخل والأعناب، وينبت لكم من جميع الثمرات، إن في ذلك الماء وما ينشأ عنه لدلالة على قدرة الله لقوم يتفكرون في خلقه، فيستدلون به على عظمته سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.9YAKW"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل