الآية ١٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠ من سورة النحل

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر سبحانه ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب ، شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء - وهو العلو - مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم ، فقال : ( لكم منه شراب ) أي : جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه ، ولم يجعله ملحا أجاجا .

( ومنه شجر فيه تسيمون ) أي : وأخرج لكم به شجرا ترعون فيه أنعامكم .

كما قال ابن عباس ، وعكرمة والضحاك ، وقتادة وابن زيد في قوله : ( فيه تسيمون ) أي : ترعون .

ومنه الإبل السائمة ، والسوم : الرعي .

وروى ابن ماجه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السوم قبل طلوع الشمس .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والذي أنعم عليكم هذه النعم ، وخلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم، هو الربّ الذي أنـزل من السماء ماء، يعني: مطرا لكم من ذلك الماء ، شراب تشربونه ، ومنه شراب أشجاركم ، وحياة غروسكم ونباتها( فِيهِ تُسِيمُونَ ) يقول: في الشجر الذي ينبت من الماء الذي أنـزل من السماء تسيمون، ترعون، يقال منه: أسام فلان إبله يسيمها إسامة ، إذا أرعاها، وسومها أيضا يسومها، وسامت هي: إذ رعت، فهي تسوم، وهي إبل سائمة ومن ذلك قيل للمواشي المطلقة في الفلاة وغيرها للرعي، سائمة.

وقد وجَّه بعضهم معنى السوم في البيع إلى أنه من هذا، وأنه ذهاب كلّ واحد من المتبايعين فيما ينبغي له من زيادة ثمن ونقصانه، كما تذهب سوائم المواشي حيث شاءت من مراعيها ، ومنه قول الأعشى: وَمَشَـى القَـوْمُ بالعمـادِ إلـى المَـرْ عَـى وأعْيـا المُسِـيمَ أيْـنَ المَسـاقُ (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن النضْر بن عربي، عن عكرمة ( وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) قال: ترعون.

حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قرة بن عيسى، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، في قوله ( فِيهِ تُسِيمُونَ ) قال: ترعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ترعون.

حدثني بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) يقول: شجر يرعون فيه أنعامهم وشاءهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ( فِيهِ تُسِيمُونَ ) قال: ترعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: فيه ترعون.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله ( تُسِيمُونَ ) يقول: ترعون أنعامكم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن أبي طلحة القناد، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: فيه ترعون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) يقول: ترعون.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: ترعون.

حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله ( شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) قال: تَرْعون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) قال: تَرْعون.

قال: الإسامة: الرّعية.

وقال الشاعر: مثــلَ ابـنِ بَزْعَـةَ أو كـآخَرَ مِثْلِـهِ أوْلــى لَـكَ ابـنَ مُسِـيمةِ الأجْمـالِ (5) قال: يا ابن راعية الأجمال.

------------------------ الهوامش: (4) البيت للأعشى بن ثعلبة : ميمون بن قيس ( ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص 213 ) من قصيدة له قالها بنجران يتشوق إلى قومه مفتخرًا بهم .

والرواية فيه " إلى الرزحى " بدل " إلى المرعى " يقول : هزل الإبل الجوع ، فسقطت على الأرض من الإعياء ، ومشى الناس إليها ، يضعون الأعمدة تحت بطونها ، ليعينوها على الوقوف .

وأعيا الراعي أن يجد المراعي لاستحكام الجدب .

والرزحى : الإبل ، تهزل ، فلا تستطيع المشي ، فتسقط ، وهي جمع رازح يضعون العماد تحت بطونها ، ثم يرفعونها والميم : اسم فاعل من آسام الماشية : أرعاها في المرعى .

وقال أبو عبيدة ، في مجاز القرآن : ( 1 : 357 ) يقال : أسمت إبلي ، وسامت هي : أي رعيتها .

(5) البيت تقدم الاستشهاد به في الجزء الثالث من هذا التفسير ( ص 204 ) فارجع إلى شرحنا له في ذلك الموضع وهو هنا شاهد على أن معنى " تسيمون " : ترعون : أي تخرجونها إلى المرعى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون الشراب ما يشرب ، والشجر معروف .

أي ينبت من الأمطار أشجارا وعروشا ونباتا .

[ ص: 76 ] وتسيمون ترعون إبلكم ; يقال : سامت السائمة تسوم سوما أي رعت ، فهي سائمة .

والسوام والسائم بمعنى ، وهو المال الراعي .

وجمع السائم والسائمة سوائم .

وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرعي ، فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة .

قال :أولى لك ابن مسيمة الأجمالوأصل السوم الإبعاد في المرعى .

وقال الزجاج : أخذ من السومة وهي العلامة ; أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها ، أو لأنها تعلم للإرسال في المرعى .قلت : والخيل المسومة تكون المرعية .

وتكون المعلمة .

وقوله : مسومين قال الأخفش تكون معلمين وتكون مرسلين ; من قولك : سوم فيها الخيل أي أرسلها ، ومنه السائمة ، وإنما جاء بالياء والنون لأن الخيل سومت وعليها ركبانها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 10 و11:ـ بذلك على كمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته حيث جعل فيه ماء غزيرا منه يشربون وتشرب مواشيهم ويسقون منه حروثهم فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ) تشربونه ، ( ومنه شجر ) أي من ذلك الماء شرب أشجاركم ، وحياة نباتكم ، ( فيه ) يعني : في الشجر ، ( تسيمون ) ترعون مواشيكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب» تشربونه «ومنه شجر» ينبت بسببه «فيه تسيمون» ترعون دوابكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي أنزل لكم من السحاب مطرًا، فجعل لكم منه ماءً تشربونه، وأخرج لكم به شجرًا تَرْعَوْن فيه دوابّكم، ويعود عليكم دَرُّها ونفْعُها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالسماء : السحاب المرتفع فى طبقات الجو ، حيث ينزل منه الماء بقدرة الله - تعالى - والشراب : اسم للمشروب الذى يشربه الإِنسان والحيوان وغيرهما .والشجر : يطلق على النبات ذى الساق الصلبة على سبيل الحقيقة ، ويطلق على العشب والكلأ على سبيل المجاز ، وهو المراد هنا ، لأنه هو الذى ترعاه الأنعام .والضمير فى قوله - سبحانه - ( ومنه شجر ) يعود على الماء ، باعتباره السبب فى وجود الشجر .قال الآلوسى : قوله - سبحانه - ( ومنه شجر ) أى : نبات مطلقا سواء أكان له ساق أم لا ، كما نقل عن الزجاج ، وهو حقيقة فى الأول ، ومن استعماله فى الثانى قول الراجز :نعلفها اللحم إذا عز الشجر ...

والخيل فى إطعامها اللحم ضررفإنه قيل : الشجر فيه بمعنى الكلأ ، لأنه الذى يعلف .

.

.وقوله : ( تسيمون ) من الإسامة ، بمعنى إطلاق الإِبل وغيرها للسوم ، أى الرعى .

يقال : أسام فلان إبله للرعى إسامة ، إذا أخرجها إلى المرعى .

وسامت هى تسوم سوما ، إذا رعت حيث شاءت وأصل السوم : الإبعاد فى المرعى .والمعنى : هو - سبحانه - وحده وليس غيره : الذى غمركم بنعمه ، حيث أنزل لكم من السحاب ماء كثيرا ، هذا الماء الكثير المنزل بقدر معلوم ، منه تأخذون ما تشربونه وما تنتفعون فى حوائجكم الأخرى ، وبسببه تخرج المراعى التى ترعون فيها دوابكم .فالآية الكريمة دليل آخر من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وبديع خلقه ، حيث أنزل - سبحانه - المطر من السماء ، ولو شاء لأمسكه ، أو لأنزله غير صالح للشراب .قال - تعالى - : ( أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ ) وأتى - سبحانه - بلفظ " فى " المفيدة للظرفية ، فى قوله - تعالى - ( فيه تسيمون ) ؛ للإِشارة إلى أن الرعى فى هذا الشجر ، قد يكون عن طريق أكل الدواب منه ، وقد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات، فلما قرر الله تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات.

واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً، والحاصل: أن ماء المطر قسمان: أحدهما: هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي، وهو المراد بقوله: ﴿ لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ ﴾ وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حيّ  ﴾ .

فإن قيل: أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره، وهو الماء الموجود في قعر الأرض؟

أجاب القاضي: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره.

ولقائل أن يقول: ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره.

إذا ثبت هذا فنقول: لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض  ﴾ ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ إلى آخر الآية، وفيه مباحث: البحث الأول: ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب، وهاهنا قولان: القول الأول: قال الزجاج: كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد: يطعمها اللحم إذا عز الشجر *** يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، هكذا قال المفسرون، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى: ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه.

القول الثاني: أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول.

البحث الثاني: قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي تسوم سوماً إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة.

وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقال غيره: لأنها تعلم للإرسال في المرعى، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿ والخيل المسومة  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان: أحدهما: معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات، وهو المراد من قوله: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ .

والثاني: ما كان مخلوقاً لأكل الإنسان وهو المراد من قوله: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون ﴾ .

فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم  ﴾ فما الفائدة فيه؟

قلنا: أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».

البحث الثاني: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ ننبت ﴾ بالنون على التفخيم والباقون بالياء، قال الواحدي: والياء أشبه بما تقدم.

البحث الثالث: اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات.

والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب.

وفواكه، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون.

والنخيل.

والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ فكذلك هاهنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات ﴾ تنبيهاً على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وهاهنا بحثان: البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء.

ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان.

إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة.

ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة.

البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً...

يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ .

ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟

وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَّكُم ﴾ متعلق بأنزل، أو بشراب، خبراً له.

والشراب ما يشرب ﴿ شَجَرٌ ﴾ يعني الشجر الذي ترعاه المواشي.

وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت.

يعني الكلأ ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ من سامت الماشية إذا رعت، فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض.

وقرئ: ﴿ ينبت ﴾ ، بالياء والنون.

فإن قلت: لم قيل ﴿ وَمِن كُلّ الثمرات ﴾ ؟

قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته.

والآية: الدلالة الواضحة.

وعن بعضهم: ينبت بالتشديد.

وقرأ أبيّ بن كعب: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ، بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ.

﴿ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ ما تَشْرَبُونَهُ، و ﴿ لَكُمْ ﴾ صِلَةُ ﴿ أنْزَلَ ﴾ أوْ خَبَرُ ﴿ شَرابٌ ﴾ و ﴿ مِنَ ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وتَقْدِيمُها يُوهِمُ حَصْرَ المَشْرُوبِ فِيهِ ولا بَأْسَ بِهِ لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والآبارِ مِنهُ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ ﴾ .

﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ومِنهُ يَكُونُ شَجَرٌ يَعْنِي الشَّجَرَ الَّذِي تَرْعاهُ المَواشِي.

وقِيلَ كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ شَجَرٌ قالَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ.

.

.

والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ تَرْعُونَ، مِن سامَتِ الماشِيَةُ وأسامَها صاحِبُها، وأصْلُهُ السُّومَةُ وهي العَلامَةُ لِأنَّها تُؤَثِّرُ بِالرَّعْيِ عَلاماتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم منه شراب} لكم متعلق بإنزال أو خبر لشراب وهو ما يشرب {وَمِنْهُ شَجَرٌ} يعني الشجر الذي ترعاه المواشي {فِيهِ تُسِيمُونَ} من سامت الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهو من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالمرعى علامات في الأرض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ شُرُوعٌ في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ مِنَ الماءِ نَوْعٌ مِنهُ وهو المَطَرُ، ومِنَ السَّماءِ إمّا السَّحابُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازُ المُرْسَلُ، وإمّا الجِرْمُ المَعْرُوفُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن جانِبِ السَّماءِ أوْ جِهَتِها وحَمْلُها عَلى ذَلِكَ بِدُونِ هَذا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ ولا أقُولُ بِهِ، ( ومِنَ ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ابْتِدائِيَّةٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنْهُ لِيَظْمَأ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَيَتَمَكَّنَ أتَمَّ تَمَكُّنٍ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ شَرابٌ ﴾ أيْ ما تَشْرَبُونَ وهو مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوْ هو فاعِلٌ بِالظَّرْفِ الأوَّلِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ ماءً ( ومِنَ ) تَبْعِيضِيَّةٌ ولَيْسَ في تَقْدِيمِها إيهامُ حَصْرٍ، ومِن تَوَهَّمَهُ قالَ: لا بَأْسَ بِهِ لِأنَّ جَمِيعَ المِياهِ العَذْبَةِ المَشْرُوبَةِ بِحَسَبِ الأصْلِ مِنهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ  ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ  ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ (ومِنهُ شَرابٌ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ شَرابٌ فاعِلٌ بِالظَّرْفِ والجُمْلَةِ ومِن كَما تَقَدَّمَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَوْسِيطَ المَنصُوبِ بَيْنَ المَجْرُورَيْنِ وتَوْسِيطَ الثّانِي مِنهُما بَيْنَ الماءِ وصِفَتِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وهو كَذَلِكَ ﴿ ومِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ نَباتٌ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ أمْ لا كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وهو حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في الثّانِي قَوْلُ الرّاجِزِ: نَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ فَإنَّهُ قِيلَ: الشَّجَرُ فِيهِ بِمَعْنى الكَلَأِ لِأنَّهُ الَّذِي يَعْلِفُ، وكَذا فَسَّرَهُ في النِّهايَةِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَّجَرِ فَإنَّهُ سُحْتٌ»» ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ مَنعِ فَضْلِ الماءِ كَمَنعِ فَضْلِ الكَلَأِ وتَشارُكِ النّاسِ في الماءِ والكَلَأِ والنّارِ، وأبْقاهُ بَعْضُهم عَلى حَقِيقَتِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَجازًا شامِلًا، ( ومِنَ ) إمّا لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا لِأنَّ الشَّجَرَ لَمّا كانَ حاصِلًا بِسَقْيِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ مِنهُ كَقَوْلِهِ: أسْنِمَةُ الإبالِ في رَبابِهِ.

يَعْنِي بِهِ المَطَرَ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ ما تَأْكُلُهُ الإبِلُ فَتَسْمَنُ أسْنِمَتُها، وإمّا لِلِابْتِداءِ أيْ وكائِنٌ مِنهُ شَجَرٌ، والأوَّلُ أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَهُ.

وقالَ أبُو البَقاءِ هي سَبَبِيَّةٌ أيْ وبِسَبَبِهِ إنْباتُ شَجَرٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وهو ما يستقر في الأرض من الغدران، وتشربون منه، وتسقون أنعامكم وَمِنْهُ شَجَرٌ أي: ومن الماء ما يتشرّب في الأرض، فينبت منه الشجر والنبات فِيهِ تُسِيمُونَ أي: ترعون أنعامكم.

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ أي: يخرج لكم بالمطر الزرع، وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ أي: الكروم وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من ألوان الثمرات.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ننبت لَكُمْ بالنون.

وقرأ الباقون بالياء، ومعناهما واحد.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: فيما ذكر من نزول المطر وخروج النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في آياته.

ثم قال عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي ذلّل لكم الليل والنهار لمعايشكم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: خلق الشمس والقمر وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ أي: مذللات بإذنه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعبرات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لمن له ذهن الإنسانية.

ثم قال عز وجل: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: وما خلق لكم في الأرض من الدواب والأشجار والثمار مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي في اختلاف ألوانها لعبرة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: يتعظون.

قرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم كلها بالرفع على معنى الابتداء.

وقرأ عاصم في رواية حفص وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب على معنى البناء، أي: سخر لكم الشمس والقمر.

ثم ابتدأ فقال: وَالنُّجُومُ بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون الثلاثة كلها بالنصب، ويكون بمعنى المفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.

و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ.

وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ  ﴾ ، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ وكَما قالَ الشاعِرُ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب ونعمة الطعام للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم.

وصيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر، أي هُوَ لا غيرُه.

وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر، لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك ولا يدّعون له شريكاً في ذلك، ولكنهم لما عَبدوا أصناماً لم تنعم عليهم بذلك كان حالهم كحال من يدّعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النّعم، فنزلوا منزلة من يدّعي الشركة لله في الخلق، فكان القصر قصر إفراد تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر.

وإنزال الماء من السماء تقدم معناه عند قوله تعالى: ﴿ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ في سورة البقرة (22).

وذكرَ في الماء منّتين: الشّراب منه، والإنبات للشجر والزّرع.

وجملة ﴿ لكم منه شراب ﴾ صفة ل ﴿ ماء ﴾ ، و ﴿ لكم ﴾ متعلق ب ﴿ شراب ﴾ قدم عليه للاهتمام، و ﴿ منه ﴾ خبر مقدم كذلك، وتقديمه سوّغ أن يكون المبتدأ نكرة.

والشراب: اسم للمشروب، وهو المائع الذي تشتفّه الشفتان وتُبلغه إلى الحلق فيبلعَ دون مضغ.

و (من) تبعيضية.

وقوله تعالى: ﴿ ومنه شجر ﴾ نظير قوله: ﴿ منه شراب ﴾ .

وأعيد حرف (من) بعد واو العطف لأن حرف (من) هنا للابتداء، أو للسببية فلا يحسن عطف ﴿ شجر ﴾ على ﴿ شراب ﴾ .

والشجرَ: يطلق على النبات ذي الساق الصُلبة، ويطلق على مطلق العُشب والكلأ تغليباً.

وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في أرضهم، فهم يرعون الشعاري والغابات.

وفي حديث «ضالة الإبل تَشرب الماء وتَرعى الشجر حتى يأتيا ربّها».

ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف (في) الظرفية، فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب.

والإسامة: إطلاق الإبل للسّوْم وهو الرعي.

يقال: سامت الماشية فهي سائمة وأسامها ربّها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.

الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقولون البيان ﴿ ومنها جائر ﴾ قال الأهواء المختلفة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقول: على الله يبين الهدى والضلالة، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال السبيل المتفرقة.

واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الحق على الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال: على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ومنكم جائر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ فمنكم جائر ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الهدى، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: من السبل جائر عن الحق، وقرأ ﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [ الأنعام: 153] ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ لقصد السبيل الذي هو الحق وقرأ ﴿ ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ [ يونس: 99] ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ [ السجدة: 13] والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال ترعون فيه أنعامكم.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال فيه ترعون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: ومشى القوم بالعماد إلى الدو ** حاء أعماد المسيم بن المساق وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ قال ما خلق لكم في الأرض مختلفاً: من الدواب، والشجر، والثمار.

نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله عز وجل، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ، قال أهل اللغة: الشجر أصناف، فأما جِلُّ الشجر فعظامه التي تبقى على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فصنفان: أحدهما يبقى له أَرُومَةٌ (١) (٢) (٣) والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرْ "ديوانه" ص 355، وفيه (عَسَرْ) بدل (ضَررْ)، وورد في "الشعر والشعراء" ص 191 (الشحم) بدل (اللحم) الأولى، و"الأغاني" 22/ 279، و"اللسان" (هشش) 8/ 4667، وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (لحم) 4/ 3248، "اللسان" (علف) 5/ 3070، و"تفسير الألوسي" 14/ 105، في الأخيرين برواية: (نعلفها) بدل (نطعمها)، وورد صدره في "تفسير الرازي" 19/ 233، والخازن 3/ 108، وأبي حيان 5/ 478، وسمى اللبن لحماً؛ لأنها تسمن على اللبن.]] ويعني أنهم يُسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ، أي: في الشجر تَرْعَون مواشيكم، يقال: أَسِمْت الماشية إذا خليتها ترعى، وسَامَت هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حيثُ شاءت، فهي سَوَامٌ وسَائِمَةٌ (٧) (٨) (٩) (١٠) (١) الأرُومَةُ: أصلُ كلِّ شجرة، والجميعُ الأرُومُ والأرُومَات، وأرَمْتُ الشيءَ: ذهبتُ بأرُومَته وقَلَعْتُه.

انظر: "المحيط في اللغة" (أرم) 10/ 290.

(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (شجر) 2/ 1830، بنحوه، وانظر: (شجر) في: "جمهرة اللغة" 1/ 458، و "مقاييس اللغة" 3/ 246، و"اللسان" 4/ 2198.

(٣) في جميع النسخ: (يعظمها) ولا معنى لها، والصحيح أنها تصحيف من (نطعمها) كما في بعض المصادر.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بنحوه.

(٥) "الغريب" لابن قتيبة ص 243، بلفظه.

(٦) "إصلاح المنطق" ص 309، بنصه، وانظر: (شجر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1831 بنصه، و"الصحاح" 2/ 694، بنصه.

(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1602، بنحوه، وانظر: (سوم) في "جمهرة اللغة" 2/ 862، و"المحيط في اللغة" 8/ 403، و"الصحاح" 5/ 1955.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بنصه.

(٩) في "تفسير الفخر الرازي" 19/ 234، و"تفسير القرطبي" 10/ 82 (للإرسال)، وهو قريب من الأول.

(١٠) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 234، و"تفسير القرطبي" 10/ 82.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ﴾ موصول بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ ﴾ .

يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء [لنا]؛ ثم أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر.

ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة جميعاً؛ وجميع الأشياء.

ويحتمل ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ الماء خاصة.

﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ : الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش وما ينبسط على وجه الأرض شجراً، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ذكر شجراً ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ : أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها.

وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أبو عبيدة: أسمت سائمتي: أي: رعيتها: وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ  ﴾ أي: الراعية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس كغيره من الدوابّ؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ظاهراً؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد وموافقته.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟

لكنه ذكر أنه آية لقوم يتفكرون؛ بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ ﴾ وما ذكر.

ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل في النهار معاشاً للخلق؛ وتقلباً فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكناً، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا.

ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا.

ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ : أي: كونها في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

قال في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جعل الله  التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، [والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة] لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلاً للعقول إلى إدراك المغيب عنها.

ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الثانية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي الرابعة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ و ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله  ، ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له [السلطان والقدرة] لا لهم، وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ينشيء مثله بعد أن لم يبق من الأوّل شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب أثرهم.

وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير تقديم ولا تأخير بل جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت [ولا تفاضل] ولا اختلاف.

دلّ أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفاً متفاوتاً، فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غيرٍ خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي: مختلفاً أصنافه وجواهره.

يخبر - عز وجل - [عن] قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها.

أما سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير أسباب، ومن شيء ومن لا شيء.

ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها.

ويحتمل قوله: ﴿ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي آية ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، و ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ  ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره.

ويحتمل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : أي: لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها.

وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .

وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه: من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدوابّ: السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .

يحتمل السمك خاصة.

ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ؛ من نوع ما لو كان بريّاً أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها.

وقوله  : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ .

يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ حِلْيَةً ﴾ : أي: ما يتخذ منه حلية.

وهذا جائز؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب.

أو يسمى حلية؛ لأنه زينة.

ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة وجمالاً، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى [ما في] قعر البحر وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر.

ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه.

وفي ذلك دلالات: إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص [في البحر] يخاطر بنفسه؛ وروحه، وكذلك راكب السفن؛ فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ قال الحسن، والأصم: المواخر: السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منّته التي منّ بها عليهم؛ حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ما سبيلها التسفّل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة.

وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد تجري [على الماء] إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكداً ساكناً فلا سبيل إلى ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح.

وقال [بعضهم]: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي: جواري تشق الماء شقّاً وتخرقه، يقال: مخرت السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي.

وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء.

وقال أبو عوسجة: المواخر: المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها.

وقال أبو عبيدة: مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: يستدبرها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمنّ عليهم بذلك؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ؛ بقوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ  ﴾ .

أو قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: من ألوان النعم والمنافع؛ من أوّل السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره.

وفي قوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .

أي ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم [؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ لئلا تميد بكم] لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقرّ بأهلها، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء؛ إلا أن يقال: [إن] الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو، فعند ذلك يحتمل ما ذكروا.

والله أعلم.

ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم بذلك.

وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ﴾ يخرج ذكر ذلك منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها.

وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهاراً جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، [ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضي حوائجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل]، لكنه بفضله ومنّه بيَّن لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضي حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهاراً جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك كله بمنّه وفضله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج.

ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ هذا أيضاً يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاماً في البحار والبراري يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري.

ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم؛ [يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح] يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم.

وكذلك بالنجم يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل.

ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ : [أي]: إن صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم.

والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدّها لكثرتها.

والثاني: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ ﴾ : وإن تكلفتم واجتهدتم كلّ جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم [ومنّ] وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن تقوموا للكل.

والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ فضلا أن تقوموا لشكره.

وقال الحسن في قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ : لا تعرفوا كل النعم؛ لأنه كم من النعم ما لا يعرفه الخلق؛ كقوله: ﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  ﴾ فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ : أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ لكنّه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم.

أو ذكر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ على أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذلّ.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو سبحانه الذي أنزل لكم من السحاب ماء، لكم من ذلك الماء شراب تشربونه وتشربه أنعامكم، ومنه ما يحصل به نبات الشجر الذي فيه ترعون مواشيكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.BYM76"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله