الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة الحج [ وهي مكية ] بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( 1 ) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( 2 ) ) .
يقول تعالى آمرا عباده بتقواه ، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها .
وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة : هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة؟
أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟
كما قال تعالى : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها ) [ الزلزلة : 1 ، 2 ] ، وقال تعالى : ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ) [ الحاقة : 14 ، 15 ] ، وقال تعالى : ( إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا .
فكانت هباء منبثا ) [ الواقعة : 4 - 6 ] .
فقال قائلون : هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة في قوله : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ، قال : قبل الساعة .
ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري ، عن منصور والأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، فذكره .
قال : وروي عن الشعبي ، وإبراهيم ، وعبيد بن عمير ، نحو ذلك .
وقال أبو كدينة ، عن عطاء ، عن عامر الشعبي : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) الآية ، قال : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة .
وقد أورد الإمام أبو جعفر ابن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن رجل من الأنصار ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن رجل ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص ببصره إلى العرش ، ينتظر متى يؤمر " .
قال أبو هريرة : يا رسول الله ، وما الصور؟
قال : " قرن " قال : فكيف هو؟
قال : " قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات ، الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول : انفخ نفخة الفزع .
فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض ، إلا من شاء الله ، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر ، وهي التي يقول الله تعالى : ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ) فيسير الله الجبال ، فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا ، وهي التي يقول الله تعالى : ( يوم ترجف الراجفة .
تتبعها الرادفة .
قلوب يومئذ واجفة ) [ النازعات : 6 - 8 ] ، فتكون الأرض ، كالسفينة الموبقة في البحر ، تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها ، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح .
فيمتد الناس على ظهرها ، فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل .
ويشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة ، حتى تأتي الأقطار ، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها ، فترجع ، ويولي الناس مدبرين ، ينادي بعضهم بعضا ، وهو الذي يقول الله تعالى : ( يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ) [ غافر : 32 ، 33 ] فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ، فرأوا أمرا عظيما ، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به ، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ، ثم خسف شمسها وخسف قمرها ، وانتثرت نجومها ، ثم كشطت عنهم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك " قال أبو هريرة : فمن استثنى الله حين يقول : ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) [ النمل : 87 ] ؟
قال : أولئك الشهداء ، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم ، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه ، وهو الذي يقول الله : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) .
وهذا الحديث قد رواه الطبراني ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وغير واحد مطولا جدا .
والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة ، وأضيفت إلى الساعة لقربها منها ، كما يقال : أشراط الساعة ، ونحو ذلك ، والله أعلم .
وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال ، كائن يوم القيامة في العرصات ، بعد القيامة من القبور .
واختار ذلك ابن جرير .
واحتجوا بأحاديث : الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن هشام ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن عمران [ بن ] حصين; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره ، وقد تفاوت بين أصحابه السير ، رفع بهاتين الآيتين صوته : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي ، وعرفوا أنه عند قول يقوله ، فلما تأشهوا حوله قال : " أتدرون أي يوم ذاك؟
يوم ينادى آدم ، عليه السلام ، فيناديه ربه عز وجل ، فيقول : يا آدم ، ابعث بعثك إلى النار فيقول : يا رب ، وما بعث النار؟
فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار ، وواحد في الجنة " .
قال فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة ، فلما رأى ذلك قال : " أبشروا واعملوا ، فوالذي نفس محمد بيده ، إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج ، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس " قال : فسري عنهم ، ثم قال : اعملوا وأبشروا ، فوالذي نفس محمد بيده ، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو الرقمة في ذراع الدابة " .
وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما ، عن محمد بن بشار ، عن يحيى - وهو القطان - عن هشام - وهو الدستوائي - عن قتادة ، به بنحوه .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
طريق أخرى لهذا الحديث : قال الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا ابن جدعان ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) إلى قوله : ( ولكن عذاب الله شديد ) ، قال : أنزلت عليه هذه ، وهو في سفر ، فقال : " أتدرون أي يوم ذلك؟
" فقالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " ذلك يوم يقول الله لآدم : ابعث بعث النار .
قال : يا رب ، وما بعث النار؟
قال : تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة " فأنشأ المسلمون يبكون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاربوا وسددوا ، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية " قال : " فيؤخذ العدد من الجاهلية ، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين ، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة ، أو كالشامة في جنب البعير " ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبروا ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبروا ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبروا ، قال : ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟
وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة ، ثم قال الترمذي أيضا : هذا حديث حسن صحيح .
وقد روي عن سعيد بن أبي عروبة عن الحسن ، عن عمران بن الحصين .
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي ، عن عمران بن الحصين ، فذكره .
وهكذا روى ابن جرير عن بندار ، عن غندر ، عن عوف ، عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وذكر الحديث ، فذكر نحو سياق ابن جدعان ، فالله أعلم .
الحديث الثاني : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن الطباع ، حدثنا أبو سفيان - [ يعني ] المعمري - عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : نزلت : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وذكر - يعني : نحو سياق الحسن عن عمران - غير أنه قال : " ومن هلك من كفرة الجن والإنس " .
رواه ابن جرير بطوله ، من حديث معمر .
الحديث الثالث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - حدثنا هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فذكر نحوه ، وقال فيه : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة " ففرحوا ، وزاد أيضا : " وإنما أنتم جزء من ألف جزء " .
الحديث الرابع : قال البخاري عند هذه الآية : حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى يوم القيامة : يا آدم ، فيقول : لبيك ربنا وسعديك .
فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار .
قال : يا رب ، وما بعث النار؟
قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين .
فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ، ومنكم واحد ، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " .
فكبرنا ، ثم قال : " ثلث أهل الجنة " .
فكبرنا ، ثم قال : " شطر أهل الجنة " فكبرنا .
وقد رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ، ومسلم ، والنسائي في تفسيره ، من طرق ، عن الأعمش ، به .
الحديث الخامس : قال الإمام أحمد : حدثنا عمار بن محمد - ابن أخت سفيان الثوري - وعبيدة المعنى ، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا [ ينادي ] : يا آدم ، إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار ، فيقول آدم : يا رب ، من هم؟
فيقال له : من كل مائة تسعة وتسعين " .
فقال رجل من القوم : من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟
قال : " هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير " .
انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد .
الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن حاتم بن أبي صغيرة ، حدثنا ابن أبي مليكة; أن القاسم بن محمد أخبره ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا " .
قالت عائشة : يا رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟
قال : " يا عائشة ، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك " .
أخرجاه في الصحيحين .
الحديث السابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟
قال : " يا عائشة ، أما عند ثلاث فلا ، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف ، فلا .
وأما عند تطاير الكتب فإما يعطى بيمينه أو يعطى بشماله ، فلا .
وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ، ويتغيظ عليهم ، ويقول ذلك العنق : وكلت بثلاثة ، وكلت بثلاثة ، وكلت بثلاثة : وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر ، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب ، ووكلت بكل جبار عنيد " قال : " فينطوي عليهم ، ويرميهم في غمرات ، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف ، عليه كلاليب وحسك يأخذن من شاء الله ، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب ، والملائكة يقولون : رب ، سلم ، سلم .
فناج مسلم ، ومخدوش مسلم ، ومكور في النار على وجهه " .
والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا ، لها موضع آخر ، ولهذا قال تعالى : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) أي : أمر كبير ، وخطب جليل ، وطارق مفظع ، وحادث هائل ، وكائن عجيب .
والزلزال : هو ما يحصل للنفوس من الفزع ، والرعب كما قال تعالى : ( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) [ الأحزاب : 11 ] .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته فأطيعوه ولا تعصوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد.
ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوه، فقال: ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ).
واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدة، فقال بعضهم: هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: قبل الساعة.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن عامر ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ) فقال: زلزلتها: أشراطها.
الآيات ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) .
حدثنا ابن حميد: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا في الدنيا من آيات الساعة.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر (1) ، وذلك ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ.
قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟
قال: قَرْنٌ.
قال: وكيف هو؟
قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفْخاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العَالَمِينَ.
يَأْمُرُ اللهُ عَزّ وَجَلَّ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ، وَيَأْمُرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطوِّلُها، فَلا يَفْتَر، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللُه وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتُرَجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ الأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ المُوبِقَةِ فِي البَحْرِ تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا، أَوْ كَالْقَنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ تَرُجِّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيُد النَّاسُ عَلى ظُهُرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَان، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حتى تَأْتي الأقْطار، فَتَلَقَّاهَا المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، فَتَرْجِعُ وَيُوَلّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلى ذلكَ، إِذْ تَصَدَّعَت الأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرًا عظيمًا، وَأَخَذَهُم لِذَلِكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وَخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأَمْوَاتُ لا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ ، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قال: أُولَئِكَ الشُّهَداءُ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأَحْيَاءِ ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وَآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ...
إلى قوله ( وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ".
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه، قولٌ لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمعاني وحي الله وتنـزيله.
والصواب من القول في ذلك ما صح به الخبر عنه.
*ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا: حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدثه، عن عمران بن حُصين، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السَّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ".
قال: فحثُّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلكَ يَوْمَ يُنَادَى آدَمُ، يُنَادِيهِ رَبُّهُ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النَّارِ ، قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ألا اعْمَلُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي قَوْمٍ إلا كَثَّرتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِبْلِيسَ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.
قال: أَبْشِرُوا، مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقمة في جَناحِ الدَّابَّةِ".
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبي &; 18-560 &; عبد الله، عن قَتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن أبي عدي، عن هشام جميعا، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ...
الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ ذَاكُمْ ؟
قيل: الله ورسوله أعلم.
فذكر نحوه، إلا أنه زاد: وَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلا كَانَ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ مِنَ الجَاهِلِيّةِ، فَهُمْ أَهْلُ النَّارِ وَإِنَّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانيْ خَلِيقَتَينِ لا يعادّهما أحدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلا كَثَّرُوهْم، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ، وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ المُنَافِقِينَ".
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يُقَالُ لآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟
فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا ، وَتَرى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ .
قال: قُلْنَا فَأين الناجي يا رسول الله؟
قال: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ وَأَلْفا مِنْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ .
ثُمَّ قالَ: إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنةِ، فَكَبَّرْنَا وَحَمَدْنَا اللهَ.
ثم قال: " إنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنةِ ، فَكَبَّرْنَا وَحَمِدْنَا اللهَ.
ثم قال: إنّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنّة، إنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ".
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَقُول اللهُ لآدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ " ثم ذكر نحوه.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، قال: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحشر، قال: يقولُ اللهُ يومَ القِيامَةِ يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ: ابْعَثْ بَعْثا إلى النَّارِ ".
ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال: " نـزلت ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ...
حتى إلى ( عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ...
الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مسير، فرجَّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: " أتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟
هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللهُ لآدَمَ: يا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ!
" فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " سَدّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، وِإنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي شِيْءٍ قَطْ إِلا كَثَّرَتَاهُ: يَأجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ كَفَرَةِ الجِنِّ وَالإنْسِ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ابن ثور، عن معمر، عن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: دخلت على ابن مسعود بيت المال، فقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: " أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟
قلنا نعم، قال: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟
قلنا: نعم قال: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلكَ، إنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وإنَّ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ فِي الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أو كالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا يوم القيامة.
والزلزلة مصدر من قول القائل: زلزلتُ بفلان الأرض أزلزلها زلزلة وزِلزالا بكسر الزاي من الزلزال، كما قال الله إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وكذلك المصدر من كل سليم من الأفعال إذا جاءت على فِعلان فبكسر أوّله، مثل وسوس وسوسة ووِسواسا، فإذا كان اسما كان بفتح أوّله الزَّلزال والوَسواس، وهو ما وسوس إلى الإنسان، كما قال الشاعر: يَعْــرِف الجـاهِلُ المُضَلَّـلُ أَنَّ الـدَّ هْــرَ فِيــهِ النَّكْــرَاءُ والزَّلْــزَالُ (2) وقوله تعالى ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا ) يقول جلّ ثناؤه: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة تذهل من عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت، ويعني بقوله ، (تَذْهَلُ) تنسى وتترك من شدّة كربها، يقال: ذَهَلْت عن كذا أذْهَلُ عنه ذُهُولا وذَهِلْت أيضا، وهي قليلة، والفصيح: الفتح في الهاء، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحة في اللغتين، لم يسمع غير ذلك، ومنه قول الشاعر: صَحَا قَلْبُهُ يا عَزَّ أوْ كادَ يَذْهَل (3) فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه، قلت: أذهله هذا الأمر عن كذا يُذهله إذهالا.
وفي إثبات الهاء في قوله ( كُلُّ مُرْضِعَةٍ ) اختلاف بين أهل العربية وكان بعض نحويي الكوفيين يقول: إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أم الصبي المرضع، وإذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبيّ ترضعه، لأنه أريد الفعل بها.
قالوا: ولو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مُرْضع.
قال: وكذلك كل مُفْعِل أو فاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نحو: مُقْرب، ومُوقِر، ومُشْدن، وحامل، وحائض.
(4) قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك، لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به، ولو لم يكن للمذكر فيه حظ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل.
منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل: أيــا جارَتــا بِينِـي فـإنَّك طالِقـهْ كَـذَاكَ أُمُـورُ النـاسِ غـادٍ وطارِقَهْ (5) وأما فيما هو صفة، نحو قول امرئ القيس: فمثْلُـكِ حُـبْلَى قَـدْ طَـرَقْتُ وَمُرْضِعٌ فَأَلْهَيْتُهَــا عَــنْ ذِي تَمـائِمَ مُحْـوِل (6) وربما أثبتوا الهاء في الحالتين وربما أسقطوهما فيهما، غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت.
فتأويل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت.
---------------------- الهوامش : (1) لعل المراد بأن في إسناده نظرا : أن فيه رجلين مجهولين من الأنصار .
(2) البيت شاهد على أن المصدر الرباعي المضعف إذا جاء على " فعلا " فهو بكسر الفاء ، فإذا فتحت الفاء فهو اسم للمصدر ، وليس بمصدر ، كما في البيت .
قال في ( اللسان : زلل ) : والزلزلة والزلزال ( بالفتح ) : تحريك الشيء ، وقد زلزله زلزلة وزلزالا ( بكسر الزاي في الثاني ) وقد قالوا : إن الفعلال ( بالفتح ) والزلزال ( بالكسر ) مطرد في جميع مصادر المضاعف .
والاسم الزلزال ( بالفتح ) .
وليس في الكلام فعلال ، بفتح الفاء إلا في المضعف نحو الصلصال والزلزال .
وقال أبو إسحاق والزلزال بالكسر : المصدر ، والزلزال ، بالفتح : الاسم ، وكذلك الوسواس : المصدر ، والوسواس الاسم .
أه .
(3) هذا مطلع قصيدة لكثير بن عبد الرحمن الخزاعي المشهور ( بكثير عزة ) في مدح عبد الملك بن مروان ، ومصراعه الثاني * وأضحـى يريـد الصرم أو يتبدل * ( ديوانه طبع الجزائر 2 : 28 ) قال شارحه : قوله " صحا قلبه " : قال في الاقتضاب : قال ابن قتيبة : وأصحت السماء العاذلة وصحا من السكر .
أما السماء فلا يقال فيها إلا أصحت بالألف وأما السكر فلا يقال فيه إلا صحا بغير ألف وأما الإفاقة من الحب فلم أسمع فيه إلا صحا بغير الألف ، كالسكر .
وهو شاهد على الفعل تذهل في ماضيه لغتان فتح الهاء وكسرها ، والأولى أفصح اللغتين .
وقال في ( اللسان : ذهل ) : وفي التنزيل العزيز : " يوم تذهل كل مرضعة " أي تسلو عن ولدها .
ابن سيدة : ذهل الشيء وذهل عنه وذهله وذهل الكسر يذهل فيهما ذهلا وذهولا : تركه على عمد أو غفل عنه أو نسيه لشغل .
وقيل : الذهل : السلو والطيب النفس عن الإلف .
وقد أذهله الأمر ، وذهله عنه .
أه .
(4) يتأمل في هذا المقام ويراجع اللسان فإنه أبسط .
(5) البيت لأعشى بن قيس بن ثعلبة ، من قصيدة له قالها لامرأته الهزانية ( ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ، ص 263 ) والرواية فيه : يا جارتي .
قال شارحه : الجارة هنا : زوجته .
بيني : أي فارقي .
غاد وطارقة : ذكر ( غاد ) على إرادة الجمع ، وأنث ( طارقة ) على إرادة الجماعة .
والغادي : الذي يأتي عدوه في الصباح .
والطارق الذي يطرق ، أي يأتي ليلا .
وأنشده صاحب ( اللسان : طلق ) قال ابن الأعرابي : طلقت ( بضم اللام ) من الطلاق : أجود ، وطلقت بفتح اللام - جائز .
وكلهم يقول : امرأة طالق ، بغير هاء .
وأما قول الأعشى * أيـا جارتـا بيينـى فـإنك طالقه * فإن الليث قال : أراد : طالقة غدا .
قال غيره قال طالقة على الفعل ، لأنها يقال ها قد طلقت ، فبنى النعت على الفعل ، وطلاق المرأة : بينونتها عن زوجها .
وامرأة طالق من نسوة طلق ، وطالقة من نسوة طوالق وأنشد قول الأعشى : * أجارتنــا بينـي فـإنك طالقـه * .
.
.
البيت .
(6) البيت من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي ( مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ، ص 25 ) قال شارحه : طرقت : أتيت .
والتمائم : عوذ تعلق على الطفل .
ومحول : أي تم له حول ، يقال : أحول الصبي فهو محول ، ويروى : مغيل .
وهو الذي ترضعه أمه وهي حلبي ؛ يقال : أغالت المرأة ولدها ، فهي مغيل ( بكسر الغين ) ، وأغليته فهي مغيل ، ( بسكون الغين وكسر الياء ) ؛ سقته الغيل ، وهو لبن الحبلى ، والولد : مغال ومغيل .
والشاهد في البيت أن " مرضع " بدون هاء .
هو من الأوصاف الخاصة بالنساء دون الرجال ، وهو لذلك مستعين عن الهاء التي تدخل في الصفات للتفرقة بين الذكر والمؤنث فأما قوله تعالى : " يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت" بالهاء في مرضعة ، فإنما يراد به المرأة التي معها صبي ترضعه ، فهي متلبسة بالفعل ، فالفعل مراد هنا ، والصفة حينئذ تجري على الفعل في التذكير والتأنيث ، يقال أرضعت أو ترضع الأم وليدها ، فهي مرضعة له .
فأما الأنثى التي من شأنها أن تكون مرضعا ولم تتلبس بالفعل ، فإنما يقال لها مرضع بلا هاء تأنيث ، لأن هذا وصف خاص بالإناث فلا حاجة فيه إلى الهاء للفرق .
بسم الله الرحمن الرحيمتفسير سورة الحجوهي مكية ، سوى ثلاث آيات : قوله تعالى : هذان خصمان إلى تمام ثلاث آيات ؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد .
وعن ابن عباس أيضا ( أنهن أربع آيات ) ، قوله عذاب الحريق وقال الضحاك ، وابن عباس أيضا : ( هي مدنية ) - وقاله قتادة - إلا أربع آيات : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي - إلى - عذاب يوم عقيم فهن مكيات .
وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات .
وقال الجمهور : السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني .
وهذا هو الأصح ؛ لأن الآيات تقتضي ذلك ، لأن يا أيها الناس مكي ، و يا أيها الذين آمنوا مدني .
الغزنوي : وهي من أعاجيب السور ، نزلت ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ، سلميا وحربيا ، ناسخا ومنسوخا ، محكما ومتشابها ؛ مختلف العدد .قلت : وجاء في فضلها ما رواه الترمذي ، وأبو داود ، والدارقطني ، عن عقبة بن عامر قال : قلت : يا رسول الله ، فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ؟
قال : نعم ، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما .
لفظ الترمذي .
وقال : هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي .واختلف أهل العلم في هذا ؛ فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابن عمر أنهما قالا : فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين .
وبه يقول ابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
ورأى بعضهم أن فيها سجدة واحدة ؛ وهو قول سفيان الثوري .
روى الدارقطني [ ص: 4 ] عن عبد الله بن ثعلبة قال : رأيت عمر بن الخطاب سجد في الحج سجدتين ؛ قلت في الصبح ؟
قال في الصبح .بسم الله الرحمن الرحيميا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيمروى الترمذي ، عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله ولكن عذاب الله شديد قال : أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟
فقالوا : الله ورسوله أعلم ؛ قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال : يا رب ، وما بعث النار ؟
قال : تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .
فأنشأ المسلمون يبكون ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قاربوا وسددوا ، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية - قال : فيؤخذ العدد من الجاهلية ، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين ، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ، ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبروا ، ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة - فكبروا ؛ ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا .
قال : لا أدري قال الثلثين أم لا .
قال : هذا حديث حسن صحيح ، قد روي من غير وجه ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين .
وفيه : فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : اعملوا وأبشروا ، فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ومن مات من بني آدم وبني إبليس قال : فسري عن القوم بعض الذي يجدون ؛ فقال : اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو كالرقمة في ذراع الدابة قال : هذا حديث حسن صحيح .
وفي صحيح مسلم ، عن أبي سعيد [ ص: 5 ] الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله تعالى : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك - قال - يقول : أخرج بعث النار ، قال : وما بعث النار ؟
قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، قال : فذاك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد .
قال : فاشتد ذلك عليهم ؛ قالوا : يا رسول الله ، أينا ذلك الرجل ؟
فقال : أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل .
وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين .
وذكر أبو جعفر النحاس قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع ، قال حدثنا سلمة ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى ولكن عذاب الله شديد قال : نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير له ، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال : " أتدرون أي يوم هذا ؟
هذا يوم يقول الله - عز وجل - لآدم - صلى الله عليه وسلم - : يا آدم ، قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .
فكبر ذلك على المسلمين ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سددوا ، وقاربوا وأبشروا ، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار ، وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ومن هلك من كفرة الجن والإنس .قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم المراد بهذا النداء المكلفون ؛ أي اخشوه في أوامره أن تتركوها ، ونواهيه أن تقدموا عليها .
والاتقاء : الاحتراس من المكروه ؛ وقد تقدم في أول ( البقرة ) القول فيه مستوفى ، فلا معنى لإعادته .
والمعنى : احترسوا بطاعته عن عقوبته .
قوله تعالى : إن زلزلة الساعة شيء عظيم الزلزلة شدة الحركة ؛ ومنه وزلزلوا حتى يقول الرسول .
وأصل الكلمة من زل عن الموضع ؛ أي زال عنه وتحرك .
وزلزل الله قدمه ؛ أي حركها .
وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء .
وقيل : هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة ، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة ؛ هذا قول الجمهور .
وقد قيل : إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها ، فالله أعلم .
يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا أوامره، مهما استطاعوا.
ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، وهو الإخبار بأهوال القيامة، فقال: { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وكانت كثيبا مهيلا، ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج.فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب
مكية غير آيات من قوله عز وجل ( هذان خصمان ) إلى قوله ( وهدوا إلى صراط الحميد ) .
( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي احذروا عقابه بطاعته ، ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة واختلفوا في هذه الزلزلة فقال علقمة والشعبي : هي من أشراط الساعة .
[ وقيل قيام الساعة ] .
وقال الحسن والسدي : هذه الزلزلة تكون يوم القيامة .
وقال ابن عباس : زلزلة الساعة قيامها فتكون معها .
«يا أيها الناس» أي أهل مكة وغيرهم «اتقوا ربكم» أي عقابه بأن تطيعوه «إنَّ زلزلة الساعة» أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة «شيء عظيم» في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب.
يا أيها الناس احذروا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن ما يحدث عند قيام الساعة من أهوال وحركة شديدة للأرض، تتصدع منها كل جوانبها، شيء عظيم، لا يُقْدر قدره ولا يُبْلغ كنهه، ولا يعلم كيفيَّته إلا رب العالمين.
افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق - عز وجل - إلى الناس جميعاً ، يأمرهم فيه بامتثال أمره ، وباجتناب نهيه ، حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ) تعليل للأمر بالتقوى .قال القرطبى : الزلزلة شدة الحركة ، ومنه قوله - تعالى - : ( .
.
.
وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله .
.
) وأصل الكلمة من زل فلان عن الموضع ، أى : زال عنه وتحرك ، وزلزل الله قدمه ، أى : حركها وهذه اللفظة تستعمل فى تهويل الشىء " .وقال الآلوسى : " والزلزلة : التحريك الشديد ، والإزعاج العنيف ، بطريق التكرير ، بحيث يزيل الأشياء من مقارها ، ويخرجها من مراكزها .وإضافتها إلى الساعة ، من إضافة المصدر إلى فاعله ، لكن على سبيل المجاز فى النسبة كما فى قوله - تعالى - : ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) لأن المحرك حقيقة هو الله - تعالى - ، والمفعول الأرض أو الناس ، أو من إضافته إلى المفعول ، لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعاً كما فى قوله : " يا سارق الليلة أهل الدار .
.
" .والمعنى : يأيها الناس اتقوا ربكم إتقاء تاماً ، بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه ، وبأن تسارعوا إلى فعل ما يحبه ، لأن ما يحدث فى هذا الكون عند قيام الساعة ، شىء عظيم ، ترتجف لهوله القلوب ، وتخشع له النفوس .وقال - سبحانه - : ( إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ) بصيغة الإجمال والإبهام لهذا الشىء العظيم ، لزيادة التهويل والتخويف .
اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ فالمراد اتقوا عذاب ربكم.
أما قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الزلزلة شدة حركة الشيء، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ وهي الزلزلة المذكورة في قوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ .
المسألة الثانية: اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها.
وقيل هي التي تكون معها الساعة.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور: «إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام لرب العالمين، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح» وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة.
واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها، وتكون من أماراتها وأشراطها، وتصح إذا كانت فيها ومعها، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة.
المسألة الثالثة: روى أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس حزين متفكر.
فقال عليه السلام: «أتدرون أي ذلك اليوم هو؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم وما بعث النار؟
يعني من كم كم؟
فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا، وقالوا فمن ينجو يا رسول الله؟
فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب، فقال عمر سبعون ألفاً؟
قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله، فقال سبقك بها عكاشة فخاض الناس في السبعين ألفاً فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال: هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».
المسألة الرابعة: أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب، فيلزم أن تكون التقوى واجبة.
المسألة الخامسة: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيٌء عَظِيمٌ ﴾ وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء.
واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء إِنّي فَاعِلٌ ذلك غَداً ﴾ أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولاً غداً، والذي يصير مفعولاً غداً يكون معدوماً في الحال، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب: عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها، فلابد من التأويل بالاتفاق.
ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً، وهذا هو الجواب عن البواقي.
المسألة السادسة: وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد.
واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أموراً ثلاثة أحدها: قوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، فإن قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟
قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي والمرضع شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة، وقوله: ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل.
وثانيها: قوله: ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، وقال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملاً أو مرضعة تبعث حاملاً أو مرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَتَرَى الناس سكارى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ (وتري) بالضم تقول أريتك قائماً أو رأيتك قائماً والناس بالنصب والرفع، أما النصب فظاهر، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة، وقرئ (سكرى) و(سكارى)، وهو نظير جوعى وعطشى في جوعان وعطشان، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى، وعن الأعمش: سكرى وسكرى بالضم وهو غريب.
المسألة الثانية: المعنى وتراهم سكارى على التشبيه ﴿ وَمَا هُم بسكارى ﴾ على التحقيق، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم، وقال ابن عباس والحسن ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب، فإن قلت لم قيل أولا (ترون) ثم قيل (ترى) على الإفراد؟
قلنا لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة آخراً بكون الناس على حال من السكر، فلابد وأن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم.
المسألة الثالثة: إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟
قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، وليس لأحد عليه حق.
<div class="verse-tafsir"
الزلزلة: شدّة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف زليل الأشياء عن مقارّها ومراكزها ولا تخلو ﴿ الساعة ﴾ من أن تكون على تقدير الفاعلة لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله، أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] وهي الزلزلة المذكورة في قوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1] واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة وعن علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها.
أمر بني آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوّروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى، الذي لا يؤمنهم من تلك الأفزاع إلا أن يتردوا به وروي: أنّ هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً، وكانوا ما بين حزين وباك ومفكر.
<div class="verse-tafsir"
( 22 سُورَةُ الحَجِّ مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ مِن ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى ﴿ صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ وآيُها ثَمانٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ تَحْرِيكُها لِلْأشْياءِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، أوْ تَحْرِيكُ الأشْياءِ فِيها فَأُضِيفَتْ إلَيْها إضافَةً مَعْنَوِيَّةً بِتَقْدِيرِ في أوْ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ.
وَقِيلَ هي زَلْزَلَةٌ تَكُونُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وإضافَتُها إلى السّاعَةِ لِأنَّها مِن أشْراطِها.
﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ هائِلٌ عَلَّلَ أمَرَهم بِالتَّقْوى بِفَظاعَةِ السّاعَةِ لِيَتَصَوَّرُوها بِعُقُولِهِمْ ويَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُؤَمِّنُهم مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى فَيُبْقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ويَتَّقُوها بِمُلازَمَةِ التَّقْوى.
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ تَصْوِيرٌ لِهَوْلِها والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿ زَلْزَلَةَ ﴾ ، و ( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِـ ( تَذْهَلُ )، وقُرِئَ «تَذْهَلُ» و «تُذْهَلُ» مَجْهُولًا ومَعْرُوفًا أيْ تُذْهِلُها الزَّلْزَلَةُ، والذُّهُولُ الذَّهابُ عَنِ الأمْرِ بِدَهْشَةٍ، والمَقْصُودُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَوَّلَها بِحَيْثُ إذا دُهِشَتِ الَّتِي ألْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَها نَزَعَتْهُ مِن فِيهِ وذَهَلَتْ عَنْهُ، و «ما» مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ﴾ جَنِينَها.
﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ كَأنَّهم سُكارى.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فَأرْهَقَهم هَوْلُهُ بِحَيْثُ طَيَّرَ عُقُولَهم وأذْهَبَ تَمْيِيزَهم، وقُرِئَ «تَرى» مِن أُرِيتَكَ قائِمًا أوْ رُؤِيتَ قائِمًا بِنَصْبِ النّاسِ ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ نائِبٌ مَنابَ الفاعِلِ، وتَأْنِيثُهُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ وإفْرادُهُ بَعْدَ جَمْعِهِ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ يَراها الجَمِيعُ، وأثَرُ السُّكْرِ إنَّما يَراهُ كُلُّ أحَدٍ عَلى غَيْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «سَكْرى» كَعَطْشى إجْراءً لِلسُّكْرِ مَجْرى العِلَل.
<div class="verse-tafsir"
وانتصب {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} أي الزلزلة أو الساعة بقوله {تَذْهَلُ} تغفل والذهول الغفلة {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عما أرضعت} عن
الحج (٥ - ٢)
أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يحلقها من الدهشة
إذ المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ} أي حبلى {حِمْلِهَا} ولدها قبل تمامه عن الحس تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام {وَتَرَى الناس} أيه الناظر {سكارى} على التشبيه لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة الجبروت وسرادق الكبرياء حتى قال كل نبي نفسي نفسي {وَمَا هُم بسكارى} على التحقيق {ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ} فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه وعن الحسن وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب سكرى فيهما بالامالة حمة وعلى وهو كعطش في عطشان رُوي أنه نزلت الآيتان ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأهما النبي عليه السلام فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة
(سُورَةُ الحَجِّ 22 ) أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وقِيلَ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أرْبَعَ آياتٍ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ - إلى- ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ فَإنَّها مَكِّيّاتٌ، والأصَحُّ القَوْلُ بِأنَّها مُخْتَلِطَةٌ فِيها مَدَنِيٌّ ومَكِّيٌّ وإنِ اخْتُلِفَ في التَّعْيِينِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وعِدَّةُ آياتِها ثَمانٍ وتِسْعُونَ في الكُوفِيِّ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ في المَكِّيِّ وخَمْسٌ وتِسْعُونَ في البَصْرِيِّ وأرْبَعٌ وتِسْعُونَ في الشّامِيِّ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرٌ، وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟
قالَ: نَعَمْ فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» .
والرِّواياتُ في أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ مُتَعَدِّدَةٌ مَذْكُورَةٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ العُرْيانِ المُجاشِعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الحَجِّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ وهي الأوْلى كَما جاءَ في رِوايَةٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ بَعْدُ مِنَ المَوْجُودِينَ القاصِرِينَ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ الحَقِيقَةِ عِنْدَنا بَلْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ تَعْمِيمِ الحُكْمِ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ مَن لَمْ يُكَلَّفْ بَعْدُ وهو خاصٌّ بِالمُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ عِنْدَ النُّزُولِ خِلافًا لِلْحَنابِلَةِ وطائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِيِّينَ والفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى تَناوُلِهِ الجَمِيعَ حَقِيقَةً، ولا خِلافَ في دُخُولِ الإناثِ كَما قالَ الآمِدِيُّ في نَحْوِ النّاسِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ ولَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَلّامَةُ تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ وإنَّما الخِلافُ في دُخُولِهِنَّ في نَحْوِ ضَمِيرِ ( اتَّقُوا ) والمُسْلِمِينَ فَذَهَبَتِ الشّافِعِيَّةُ والأشاعِرَةُ والجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ الحَنَفِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ إلى نَفْيِهِ، وذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ وابْنُ داوُدَ وشُذُوذٌ مِنَ النّاسِ إلى إثْباتِهِ، والدُّخُولُ هُنا عِنْدَنا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقُ التَّقْوى الَّذِي هو التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ حَسْبَما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا لَكِنْ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الإيجادَ والدَّوامَ، والمُناسِبُ لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُرادَ بِالتَّقْوى المُرَتَّبَةُ الأُولى مِنها وهي التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا أيِ احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ بِذِكْرِ أمْرٍ هائِلٍ فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِ ذَلِكَ وهَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما هو مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ.
والزَّلْزَلَةُ التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَرْكَزِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في النِّسْبَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ لِأنَّ المُحَرِّكَ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى والمَفْعُولُ الأرْضُ أوِ النّاسُ أوْ مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ لَكِنْ عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى في وقَدْ أثْبَتَها بَعْضُهم وقالَ بِها في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي عِنْدَ بَعْضٍ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ وتَكُونُ عَلى ما قِيلَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقِيامِ السّاعَةِ بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ قِيامُها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ «عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ» قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ - إلى- ﴿ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَقالَ: أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ.
قالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ قالَ: يا رَبِّ وما بَعْثُ النّارِ ؟
قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ وواحِدًا إلى الجَنَّةِ فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كُمِّلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ وما مِثْلُكم في الأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا، وحَدِيثُ البَعْثِ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ كالمَذْكُورِ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّها تَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ عَلى هَذا لِكَوْنِها مِن أماراتِها، وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ كَثِيرَةٌ في حُدُوثِ زَلْزَلَةٍ عَظِيمَةٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ هي مِن أشْراطِها إلّا أنَّ في كَوْنِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ هي المُرادُ هُنا نَظَرًا إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ كَوْنَ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِمُوجِبِ أمْرِ جَمِيعِ النّاسِ بِالتَّقْوى، ثُمَّ إنَّها عَلى هَذا القَوْلِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو حَرَكَةُ الأرْضِ العَنِيفَةُ، وتَحْدُثُ هَذِهِ الحَرَكَةُ بِتَحْرِيكِ مَلَكٍ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ في الأرْضِ عُرُوقًا تَنْتَهِي إلى جَبَلِ قافٍ وهي بِيَدِ مَلَكٍ هُناكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمْرًا أنْ يُحَرِّكَ عِرْقًا فَإذا حَرَّكَهُ زُلْزِلَتِ الأرْضُ.
وعِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ وغَلُظَ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ في مَجارِيها لِشِدَّةِ اسْتِحْصافِها وتَكاثُفِها اجْتَمَعَ طالِبًا لِلْخُرُوجِ ولَمْ يُمْكِنْهُ فَزُلْزِلَتِ الأرْضُ، ورُبَّما اشْتَدَّتِ الزَّلْزَلَةُ فَخُسِفَتِ الأرْضُ فَيَخْرُجُ نارٌ لِشِدَّةِ الحَرَكَةِ المُوجِبَةِ لِاشْتِعالِ البُخارِ والدُّخانِ لا سِيَّما إذا امْتَزَجا امْتِزاجًا مُقَرَّبًا إلى الدُّهْنِيَّةِ، ورُبَّما قَوِيَتِ المادَّةُ عَلى شَقِّ الأرْضِ فَتَحْدُثُ أصْواتٌ هائِلَةٌ، ورُبَّما حَدَّثَتِ الزَّلْزَلَةُ مِن تَساقُطِ عَوالِي وهَدَأتْ في باطِنِ الأرْضِ فَيَتَمَوَّجُ بِها الهَواءُ المُحْتَقِنُ فَتُزَلْزَلُ بِهِ الأرْضُ، وقَلِيلًا ما فَتَتَزَلْزَلُ بِسُقُوطِ قُلَلِ الجِبالِ عَلَيْها لِبَعْضِ الأسْبابِ.
ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْقَوْلِ بِأنَّ سَبَبَها احْتِباسُ البُخارِ الغَلِيظِ وطَلَبُهُ لِلْخُرُوجِ وعَدَمُ تَيَسُّرِهِ لَهُ كَثْرَةُ الزَّلازِلِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ وشِدَّتُها بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ الرَّخْوَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا صَحَّ حَدِيثٌ في بَيانِ سَبَبِ الزَّلْزَلَةِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ وإلّا فَلا بَأْسَ بِالقَوْلِ بِرَأْيِ الفَلاسِفَةِ في ذَلِكَ وهو لا يُنافِي القَوْلَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كَما ظَنَّ بَعْضُهم، وهي عَلى القَوْلِ بِأنَّها يَوْمُ القِيامَةِ قالَ بَعْضُهم عَلى حَقِيقَتِها أيْضًا، وقالَ آخَرُونَ: هي مَجازٌ عَنِ الأهْوالِ والشَّدائِدِ الَّتِي تَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ.
وفي البَحْرِ أنَّ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى المَعْدُومِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ إطْلاقَهُ عَلَيْها لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها وصَيْرُورَتِها إلى الوُجُودِ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي سبعون وخمس آيات مكية وثلاث آيات مدنية قول الله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، يقول: أطيعوا ربكم، ويقال: اخشوا ربكم.
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ، يعني: قيام الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ يقول: هولها عظيم والزلزلة والزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة من قولهم: زلت قدمه، إذا زالت عن الجهة سرعة.
ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ ، أي: تشتغل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، يعني: ذات ولد رضيع.
ويقال: تحَير كل والدة عن ولدها.
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ، أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.
وروى منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال: هذا بين يدي الساعة، وقال مقاتل: وذلك قبل النفخة الأولى، ينادي ملك من السماء: يا أيها الناس أتى أمر الله، فيسمع الصوت أهل الأرض جميعاً، فيفزعون فزعاً شديداً، ويموج بعضهم في بعض، فيشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتزلزلت الأرض، وطارت القلوب.
وعن سعيد بن جبير أنه قال: إنما هو عند النفخة الأولى التي هي الفزع الأكبر، ويقال: هو يوم القيامة.
وقال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الدبيلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان قال: سمعت الحسن يقول: حدّثنا عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله في مسير، فنزلت عليه هذه يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، فقال رسول الله ، أَتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذلكَ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذلك يَوْمَ يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لآدمَ : قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ أَهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ: فيقولُ آدَمْ: وَمَا بَعْثُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟
يقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ.
قال: فَأَنْشَأَ القَوْمُ يبكون.
فقال النبيّ : إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ قَطَّ، إلاَّ كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ، فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ.
فإنْ لَمْ يَكُنْ كملَ العددُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، أخذَ من المنافقينَ.
وَمَا مَثَلُكُمْ في الأمَمِ، إلا كَمَثَلِ الرّقْمَةِ في ذِراعٍ، وَكالشَّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكبروا، ثم قال: إنَّ مَعَكُمْ الخليقتين ما كانتا في شَيْءٍ إلا كَثَّرَتَاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ ومن مات من كفرةِ الجَنَّةِ وَالإنْسِ» (١) وروى أبو سعيد الخدري، عن رسول الله أنه قال: «يَقُولُ الله تَعَالَى لآدَمَ: قُمْ فَابْعَثْ أهل النار.
فقال: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ أَهْلِ النَّارِ؟
فيقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتسعةٌ وتسعون.
فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ ما فِي بَطْنِها (٢) ثم قال عز وجل: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى من الهول أي كالسكارى وَما هُمْ بِسُكارى ، يعني: وما هم بسكارى من الشراب.
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ قرأ حمزة والكسائي وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى بغير ألف، وقرأ الباقون سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى كلاهما بالألف.
وروي عن ابن مسعود وحذيفة ما أنهما قرءا سُكارى وهو اختيار أبي عبيدة، وروي عن أبي زرعة: أنه قرأ على الربيع بن خثيم وَتَرَى بضم التاء، وقراءة العامة بالنصب.
(١) أخرجه الترمذي (3169) وقال: حديث من صحيح- وأحمد 4/ 434 وعزاه السيوطي: 6/ 4 إلى الترمذي وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم ومصححه وابن مردويه من طرق.
(٢) أخرجه البخاري (3348) و (4741) ومسلم (379) (222) وعزاه السيوطي 6/ 6 إلى البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.
<div class="verse-tafsir"
وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى.
والحَمْلُ: - بفتح الحاء- ما كان في بطن أو على رأس شجرة.
وقوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
تشبيهاً لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن «١» وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ:
«سكرى» في الموضعين «٢» .
قال سيبويه «٣» : وقوم يقولون: سكرى جعلوه مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام «٤» ، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ الله تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة «٥» ، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و «أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله:
سُورَةُ الحَجِّ * فَصْلٌ: في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، غَيْرُ آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ ، والَّتِي تَلِيها [ الحَجّ ١٢، ١٣ ] .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ.
.
.
﴾ إلى آخَرِ الأرْبَعِ [ الحَجّ: ٥٣ - ٥٧ ] .
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها [ الحَجّ: ٢٠ - ٢٢ ] .
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أوَّلُها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ وسائِرُها مَكِّيٌّ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمِيدِ ﴾ \[ الحَجّ ٢٠ - ٢٥ \] .
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ: هي مِن أعاجِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، وحَضَرِيًّا وسَفَرِيًّا، وحَرْبِيًّا وسِلْمِيًّا، ولَيْلِيًّا ونَهارِيًّا، وناسِخًا ومَنسُوخًا.
فَأمّا المَكِّيُّ: فَمِن رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها إلى آخِرِها.
وَأمّا المَدَنِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ.
وَأمّا اللَّيْلِيُّ: فَمِن أوَّلِها إلى آخَرِ خَمْسِ آياتٍ.
وَأمّا النَّهارِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسِ [ آياتٍ ] إلى رَأْسِ تِسْعٍ.
وَأمّا السَّفَرِيُّ: فَمِن رَأْسِ تِسْعٍ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَأمّا الحَضَرِيُّ: فَإلى رَأْسِ العِشْرِينَ [ مِنها ]، نُسِبَ إلى المَدِينَةِ لِقُرْبِ مُدَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْذَرُوا عِقابَهُ، ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ الزَّلْزَلَةُ: الحَرَكَةُ عَلى الحالَةِ الهائِلَةِ.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النُّشُورِ.
رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ: " ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقالَ: تَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟
فَإنَّهُ يَوْمَ يُنادِي الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النّارِ "»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِآدَمَ: قُمْ، فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النّارِ ؟
قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ المَوْلُودُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "، وقَرَأ الآيَةَ» .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها، يَعْنِي: أنَّها تُقارِبُ قِيامَ السّاعَةِ وتَكُونُ مَعَها.
وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ القِيامَةِ، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورَوى أبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ القِيامَةِ، بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَناثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَفَزِعَ الجِنُّ إلى الإنْسِ، والإنْسُ إلى الجِنِّ، واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ، فَماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَقالَتِ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ، فانْطَلَقُوا إلى البُحُورِ، فَإذا هي نارٌ تَأجَّجُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، والسَّماءُ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ جاءَتْهم الرِّيحُ فَماتُوا.
وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وذَلِكَ أنْ مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا أيُّها النّاسُ أتى أمْرُ اللَّهِ، فَيَفْزَعُونَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَيَشِيبُ الصَّغِيرُ وتَضَعُ الحَوامِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي: الزَّلْزَلَةَ، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَسْلُو عَنْ ولَدِها وتَتْرُكُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: تُشْغَلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْهِلُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ( كُلَّ ) بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ أرادَ - والله أعْلَمُ - الفِعْلَ، ولَوْ أرادَ الصِّفَةَ فِيما نَرى لَقالَ: مُرْضِعٍ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ بَعْدَ البَعْثِ لا تَكُونُ حُبْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( وتُرى ) بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْنى ﴿ سُكارى ﴾ : مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ مِنَ الشَّرابِ، والمَعْنى: تَرى النّاسَ كَأنَّهم سُكارى مِن ذُهُولِ عُقُولِهِمْ؛ لِشِدَّةِ ما يَمُرُّ بِهِمْ، يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( سَكْرى وما هم بِسَكْرى ) وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وَهُوَ وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَلْكى والجَرْحى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( سُكارى وما هم بِسُكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ والرّاءِ وإثْباتِ الألَفِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكْرَهم مِن خَوْفِ عَذابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وفِيما جادَلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَذَّبَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ أيْ: إنَّما يَقُولُهُ بِإغْواءِ الشَّيْطانِ لا بِعِلْمٍ.
﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ ما يُسَوِّلُ لَهُ، ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " المَرِيدِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ : ﴿ كُتِبَ ﴾ بِمَعْنى: قُضِيَ، والهاءُ في " عَلَيْهِ " وفي ﴿ تَوَلاهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( كَتَبَ ) بِفَتْحِ الكافِ، ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، [ ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ] .
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( إنَّهُ )، ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ السَّعِيرِ ﴾ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٠ ) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ [الحَجُّ: ١٩] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُنَّ أرْبَعُ آياتٍ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ، وقالَ الضَحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ ، فَهُنَّ مَكِّيّاتٌ، وعَدَّ النَقاشُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ عَشْرُ آياتٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: السُورَةُ مُخْتَلَطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ ومِنها مَدَنِيٌّ، وهَذا هو الأصَحُّ -واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ الآياتِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ أوَّلُ السُورَةِ في السَفَرِ عَلى رَسُولِ اللهِ فَنادى بِها فاجْتَمَعَ الناسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذا؟
فَبَهِتُوا، فَقالَ: يَوْمَ يَقُولُ اللهُ: يا آدَمُ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَيُخْرِجُ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةً وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، قالَ: فاغْتَمَّ الناسُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "أبْشِرُوا، فَمِنكم رَجُلٌ ومِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفُ رَجُلٍ...» الحَدِيثُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ﴾ صَدْرُ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِجَمِيعِ العالِمْ، ثُمْ أوجَبَ الخَبَرُ وأكَّدَهُ بِأمْرِ زَلْزَلَةِ القِيامَةِ، وهي إحْدى شَرائِطِها، سَمّاها شَيْئًا؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ مُتَيَقِّنٌ وُقُوعَها يَسْتَسْهِلُ لِذَلِكَ أنْ تُسَمّى شَيْئًا وهي مَعْدُومَةٌ؛ إذِ اليَقِينُ بِها يُشَبِّهُها بِالمَوْجُوداتِ، وأمّا عَلى المَآلِ، أيْ هي - إذا وقَعَتْ - شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الاسْمَ الآنَ، بَلِ المَعْنى: إنَّها إذا كانَتْ فَهي حِينَئِذٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
و "الزَلْزَلَةُ": التَحْرِيكُ العَظِيمُ، وذَلِكَ مَعَ نَفْخَةِ الفَزَعِ، ومَعَ نَفْخَةِ الصَعْقِ حَسْبَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ مِن ثَلاثِ نَفَخاتٍ.
ومِن لَفْظِ الزَلْزَلَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَعْرِفُ الجاهِلُ المُضَلِّلُ أنِ الدَهْـ ـرَ فِيهِ النَكْراءُ والزِلْزالُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الزَلْزَلَةُ" في الآيَةِ عِبارَةً عن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا ﴾ ، وكَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «اللهُمُ اهْزِمْهم وزَلْزِلْهم»، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ هي كالمَعْهُودَةِ في الدُنْيا إلّا أنَّها في غايَةِ الشِدَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الزَلْزَلَةِ" المَذْكُورَةِ، هَلْ هي في الدُنْيا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ القِيامَةُ، أمْ هي في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هي في الدُنْيا، والضَمِيرُ في "تَرَوْنَها" عائِدٌ عَلى الزَلْزَلَةِ، وقَوّى قَوْلَهم أنَّ الرِضاعَ والحَمْلَ إنَّما هو في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَلْزَلَةٌ" في يَوْمِ القِيامَةِ، واحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ أنَسٍ المَذْكُورِ آنِفًا؛ إذْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ الآيَةَ ثُمْ قالَ: «إنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنِ النَبِيَّ قَرَأ الآيَةَ المُتَضَمِّنَةَ ابْتِداءَ أمْرِ الساعَةِ، ثُمْ قَصَدَ في تَذْكِيرِهِ وتَخْوِيفِهِ إلى فَصْلٍ مِن فُصُولِ يَوْمِ القِيامَةِ فَنَصَّ ذِكْرَهُ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، والضَمِيرُ عِنْدَ هَذِهِ الفِرْقَةِ عائِدٌ عَلى الساعَةِ، أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ابْتِداءَها في الدُنْيا، فَيَصِحُّ لَهم بِهَذا التَأْوِيلِ ألّا يَلْزَمَهم وُجُودَ الرِضاعِ والحَمْلِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ أعادُوهُ عَلى الزَلْزَلَةِ فَسَدَ قَوْلُهم بِما يَلْزَمُهم.
عَلى أنَّ النَقاشَ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِـ "كُلِّ ذاتِ حَمْلٍ" مَن ماتَ مِنَ الإناثِ ولَدُها في جَوْفِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"الذُهُولُ": الغَفْلَةُ عَنِ الشَيْءِ بِطُرُوءِ ما يَشْغَلُ عنهُ مِن هَمٍّ أو وجَعٍ أو غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: تَتْرُكُ ولَدَها لِلْكَرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تُذْهِلُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ "كَلَّ"، وألْحَقَ الهاءَ في "مُرْضِعَةٍ" لِأنَّهُ أرادَ فاعِلاتِ ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَأجْراهُ عَلى الفِعْلِ، وأمّا إذا أخْبَرَتْ عَنِ المَرْأةِ بِأنَّ لَها طِفْلًا تُرْضِعُهُ فَإنَّما تَقُولُ: "مُرْضِعٌ" مِثْلُ "حامِلٍ"، قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذِهِ الهاءُ في "مُرْضِعَةٍ" تَرُدُّ عَلى الكُوفِيِّينَ قَوْلَهُمْ: إنَّ الهاءَ لا تَكُونُ فِيما لا تَلْبَسُ لَهُ بِالرِجالِ، وحَكى الطَبَرِيِّ أنَّ بَعْضَ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ قالَ: أُمُ الصَبِيِّ مُرْضِعَةٌ، والمُسْتَأْجَرَةٌ لَهُ مُرْضِعٌ.
و"الحَمْلُ" بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ أو عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الناسَ سُكارى ﴾ تَشْبِيهٌ لَهُمْ؛ أيْ: مِنَ الهَمِّ، ثُمْ نَفى عنهُمُ السُكْرَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مِنَ الخَمْرِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُكارى" بِضَمِّ السِينِ وثُبُوتِ الألْفِ، وكَذَلِكَ في الثانِي، وهَذا هو البابُ، فَمَرَّةً جَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ جَمْعًا، ومَرَّةً جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ بِفَتْحِ السِينِ فِيهِما، وهَذا أيْضًا قَدْ يَجِيءُ في هَذِهِ الجُمُوعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرٌ، وقالَ أبُو حاتِمْ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "سَكْرى" في المَوْضِعَيْنِ، ورَواهُ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَبِيِّ ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةٍ، وأصْحابِ عَبْدِ اللهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ "سَكْرى"، جَعَلُوهُ مِثْلَ "مَرْضى"؛ لِأنَّهُما شَيْئانِ يَدْخُلانِ عَلى الإنْسانِ، ثُمْ جَعَلُوا "رَوْبى" مِثْلَ "سَكْرى" وهُمُ المُسْتَثْقَلُونَ نَوْمًا مِن شُرْبِ الرائِبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "سَكْرى" جُمَعَ "سُكْرٍ" كَزَمَنِي وزَمَنٍ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: رَجُلٌ سَكِرٌ بِمَعْنى سَكْرانٌ، فَيَجِيءُ سَكْرى حِينَئِذٍ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَما العَلامَةُ في "طائِفَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَتَرى الناسَ سَكْرى وما هم بِسُكارى" بِالضَمِّ والألِفَ.
وحَكى المَهْدَوِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "وَتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسَكْرى"، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ في المَوْضِعَيْنِ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كالبُشْرى، وبِهَذا أفْتانِي أبُو عَلِيٍّ، وقَدْ سَألْتُهُ عن هَذا.
وقَرَأ أبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَتُرى" بِضَمِّ التاءِ، "الناسَ" بِالنَصْبِ، قالَ: وإنَّما هي بِحَسْبِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ "وَتُرى الناسُ" بِضَمِّ التاءِ والسِينِ؛ أيْ: تَرى جَماعَةَ الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
نداء للناس كلهم من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين الذين يسمعون هذه الآية من الموجودين يومَ نزولها ومن يأتون بعدهم إلى يوم القيامة، ليتلقوا الأمر بتقوى الله وخشيته، أي خشية مخالفة ما يأمرهم به على لسان رسوله، فتقوى كل فريق بحسب حالهم من التلبس بما نهى الله عنه والتفريط فيما أمر به، ليستبدلوا ذلك بضده.
وأول فريق من الناس دخولاً في خطاب ﴿ ياأيها الناس ﴾ هم المشركون من أهل مكة حتى قيل إن الخطاب بذلك خاص بهم.
وهذا يشمل مشركي أهل المدينة قبل صفائها منهم.
وفي التعبير عن الذات العلية بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى استحقاقه أن يُتَّقَى لعظمته بالخالقية، وإلى جدارة الناس بأن يتقوه لأنه بصفة تدبير الربوبية لا يأمر ولا ينهى إلا لمرعي مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.
وكلا الأمرين لا يفيده غير وصف الرب دون نحو الخالق والسيّد.
وتعليق التقوى بذات الرب يقتضي بدلالة الاقتضاء معنى اتقاء مخالفته أو عقابه أو نحو ذلك لأن التقوى لا تتعلق بالذات بل بشأننٍ لها مناسببٍ للمقام.
وأول تقواه هو تنزيهه عن النقائص، وفي مقدمة ذلك تنزيهه عن الشركاء باعتقاد وحدانيته في الإلهية.
وجملة ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ في موضع العلة للأمر بالتقوى كما يفيده حرف التوكيد الواقع في مقام خطاببٍ لا تردد للسامع فيه.
والتعليل يقتضي أن لزلزلة الساعة أثراً في الأمر بالتقوى وهو أنه وقت لحصول الجزاء على التقوى وعلى العصيان وذلك على وجه الإجمال المفصل بما بعده في قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج: 2].
والزلزلة حقيقتها: تحرك عنيف في جهة من سطح الأرض من أثر ضغط مجاري الهواء الكائن في طبقات الأرض القريبة من ظاهر الأرض.
وهي من الظواهر الأرضية المرعبة ينشأ عنها تساقط البناء وقد ينشأ عنها خسف الأشياء في باطن الأرض.
والساعة: عَلَم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء الدنيا والخلوص إلى عالم الحشر الأخروي، قال تعالى: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها إلى قوله: يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم ﴾ [الزلزلة: 16].
وإضافة ﴿ زلزلة ﴾ إلى ﴿ الساعة ﴾ على معنى (في)، أي الزلزلة التي تحدث وقت حلول الساعة.
فيجوز أن تكون الزلزلة في الدنيا أو في وقت الحشر.
والظاهر حمل الزلزلة على الحقيقة، وهي حاصلة عند إشراف العالم الدنيوي على الفناء وفساد نظامه فإضافتها إلى الساعة إضافة حقيقية فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ [الزلزلة: 1] الآية.
ويجوز أن تكون الزلزلة مجازاً عن الأهوال والمفزعات التي تحصل يوم القيامة فإن ذلك تستعار له الزلزلة، قال تعالى: ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] أي أصيبوا بالكوارث والأضرار لقوله قبله: ﴿ مستهم البأساء والضراء ﴾ [البقرة: 214].
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب: " اللهم اهزمهم وزلزلهم ".
والإتيان بلفظ ﴿ شيء ﴾ للتهويل بتوغله في التنكير، أي زلزلة الساعة لا يعرّف كنهها إلاّ بأنها شيء عظيم، وهذا من المواقع التي يحسن فيها موقع كلمة ﴿ شيء ﴾ وهي التي نبّه عليها الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة وقد ذكرناه عند قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ في [سورة البقرة: 229].
والعظيم: الضخم، وهو هنا استعارة للقوي الشديد، والمقام يفيد أنه شديد في الشرّ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مَكِّيّاتٍ، مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ إلى آخِرِ الأرْبَعِ.
وَحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ وما بَعْدَها، لِأنَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مَدَنِيٌّ و ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ مَكِّيٌّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ في زَلْزَلَتِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في الدُّنْيا، وهي أشْراطُ ظُهُورِها، وآياتُ مَجِيئِها.
والثّانِي: أنَّها في القِيامَةِ.
وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَفْخُ الصُّوَرِ لِلْبَعْثِ.
والثّانِي: أنَّها عِنْدَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلْقِ.
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي زَلْزَلَةَ السّاعَةِ.
﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْلُو كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَنْ ولَدِها، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّانِي: تَشْتَغِلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ والثّالِثُ: تَلْهُو عَنْهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ أذاهِلٌ أنْتَ عَنْ سَلْماكَ لا بَرِحَتْ ∗∗∗ أُمٌّ لَسْتُ ناسِيها ما حَنَّتِ النِّيبُ والرّابِعُ: تَنْساهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، قالَ الشّاعِرُ: تَطاوَلَتِ الأيّامُ حَتّى نَسِيتَها ∗∗∗ كَأنَّكَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ذاهِلُ ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ﴾ قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ الأُمُّ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتُلْقِي الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ.
﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هم سُكارى مِنَ الخَوْفِ، وما هم بِسُكارى مِنَ الشَّرابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن الحسن وغيره، عن عمران بن حصين قال: لما نزلت ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال: «أتدرون أي يوم ذلك» ؟
قالوا الله ورسوله أعلم!
قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار.
قال: يا رب، وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة» فانشأ المسلمون يبكون.
فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- «قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوّة قط، إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت، وإلا أكملت من المنافقين، وما مثلكم: إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا!
ثم قال:إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا!
ثم قال:إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا!
قال: فلا أدري قال الثلثين أم لا» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن مردويه، عن عمران بن حصين قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفاوت بين اصحابه في السير، فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته بهاتين الآيتين ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إن عذاب الله شديد ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذلك يوم ينادي الله تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول: يا آدم ابعث بعث النار، فيقول أي رب، وما بعث النار؟
فيقول من كل ألف تسعمائه وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد في الجنة» فتعبس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة!
فلما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي بأصحابه قال: «اعملوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، أنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا أكثرتاه؛ يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس فسري عن القوم بعض الذي يجدون قال اعملوا وابشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة» .
وأخرج ابن جرير «عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل عن غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة، قرأ ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ فذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه: لم يكن رسولان إلا أن كان بينهما فترة من الجاهلية فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثرتاه، وهم يأجوج ومأجوج وهم أهل النار، وتكمل العدة من المنافقين» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أنس قال: «نزلت ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال: أتدرون أي يوم هذا؟
هذا يوم يقول الله لآدم: يا آدم، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا أكثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن» .
وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية- وأصحابه عنده- ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ فقال: هل تدرون أي يوم ذاك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك يوم يقول الله يا آدم، قم فابعث بعث النار.
فيقول: يا رب، من كم؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة.
فشق ذلك على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ثم قال: اعملوا وأبشروا، فإنكم بين خليقتين لم تكونا مع أحد إلا أكثرتاه: يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإنما أمتي جزء من ألف جزء» .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في غزوة بني المصطلق، إذ أنزل الله: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ فلما أنزلت عليه وقف على ناقته ثم رفع بها صوته فتلاها على أصحابه، ثم قال لهم: أتدرون أي يوم ذاك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك يوم يقول الله لآدم: يا آدم، ابعث بعث النار من ولدك.
فيقول: يا رب، من كل كم؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة.
فبكى المسلمون بكاء شديداً ودخل عليهم أمر شديد.
فقال: والذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء، وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له...
فذكر نحوه.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، ابعث بعث النار.
فيقول: يا رب، وما بعث النار؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون.
فعند ذلك يشيب الوليد ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ﴾ قال: فشق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ويبقى الواحد!
فأينا ذلك الواحد؟
فقال: من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد...
وهل أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في الثور الأبيض؟
أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة في قوله: ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ قال: الزلزلة، قبل الساعة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي، أنه قرأ ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ قال: هذا في الدنيا من آيات الساعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير في الآية.
قال: هذه أشياء تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زلزلتها شرطها.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ قال: هذا بدء يوم القيامة.
وفي قوله: ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ يوم ترونها تذهل ﴾ قال: تغفل.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ قال: ذهلت عن أولادها لغير فطام ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها ﴾ قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ قال: من الخوف ﴿ وما هم بسكارى ﴾ قال: من الشراب.
وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني في كتاب الحروب، عن عمران بن حصين أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ .
وأخرج ابن مردويه وأبو الحسن الحلواني والحافظ عبد الغني بن سعيد في إيضاح الأشكال، عن أبي سعيد قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ قال الأعمش: وهي قراءتنا.
وأخرج سعيد بن منصور عن حذيفة، أنه كان يقرأ ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك، أنه قرأ ﴿ وترى الناس ﴾ يعني تحسب الناس.
قال: لو كانت منصوبة كانوا سكارى، ولكنها ﴿ ترى ﴾ تحسب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ قال: ذلك عند الساعة، يسكر الكبير ويشيب الصغير وتضع الحوامل ما في بطونها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وما هم بسكارى ﴾ قال: من الشراب.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ احذروا عقابه بطاعته (٢) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ﴾ الزلزلة: شدة الحركة على الحال الهائلة، وكأنَّ أصله من قولهم: زلَّت (٣) (٤) (٥) (٦) واختلفوا في هذه الزلزلة: فقال علقمة، والشعبي: هي من أشراط (٧) (٨) (٩) (١٠) وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء لأنه قال: يريد النفخة الأولى (١١) وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة (١٢) - قرأ هذه الآية والتي بعدها، فقال له الناس: يا رسول الله أي يوم هذا؟
قال: "هذا يوم يقول الله لآدم يا آدم قم فأبعث بعث النار" (١٣) والحديث مشهور (١٤) وقال أبو إسحاق: وقيل إنّها الزلزلة التي تكون معها الساعة (١٥) وهذا قول الكلبي، قال (١٦) (١٧) (١٨) يعني أن هذه الزلزلة تقارن قيام الساعة وتكون معها.
وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال في ﴿ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ﴾ قيام الساعة (١٩) قوله ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني أنه لا يوصف لعظمه.
وهذه الآية بيانٌ عما يوجبه شدة أهوال القيامة من التأهّب لها.
(١) ذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة، وقال: والظاهر أن قوله: "يا أيها الناس" عام.
(٢) الطبري 17/ 109.
(٣) في (د)، (ع): (زلزت).
(٤) في (أ): (أي).
(٥) في (أ): (دكدك له)، وهو خطأ.
(٦) من قوله: الزلزلة: شدة ...
إلى ضوعف.
نقلا عن الكشف والبيان للثعلبي 3/ 46 ب.
(٧) في (د)، (ع): (شرائط).
(٨) (في): ساقطة من (أ).
(٩) في (د): (قيل)، وهو خطأ.
(١٠) رواه سفيان في "تفسيره" ص 258، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 410، والطبري 17/ 109 عن علقمة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ورواه الطبري 17/ 109 عن الشعبي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.
(١١) ذكره القرطبي 12/ 4، وأبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة لأحد.
(١٢) ذكره عنهما البغوي 5/ 363، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 403.
(١٣) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" 155 أ، والترمذي في "جامعه" كتاب التفسير.
ومن سورة الحج 9/ 9 - 10، والنسائي في "تفسيره" 2/ 82، والطبري 17/ 111، والحاكم في "مستدركه" 2/ 233 من طريق، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين، نحو ما ذكر هنا لكن في سائر الروايات أن النبي - - هو القائل "أتدرون أيّ يوم ذلك".
وليس الناس كما في الرواية التي ساقها الواحدي.
وأما رواية السدي لهذا الحديث فلم أجدها.
(١٤) الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير -سورة الحج 8/ 441)، من حديث أبي سعيد الخدري - - قال: قال النبي - -: "يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ- يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك.
فينادي بصوت: == إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى الله" الحديث ..
وفط: "فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد".
الحديث.
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 409.
(١٦) قال: ساقطة من (د)، (ع).
(١٧) مثله في "تنوير المقباس" ص 205.
(١٨) في (د) زيادة بعد قوله الساعة: (يعني أن هذه الزلزلة الساعة قيام الساعة.
وهو تكرار وخطأ من الناسخ.
(١٩) ذكره عنه البغوي 5/ 363، وابن الجوزي 5/ 403.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ تكلمنا على التقوى في أول البقرة ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة ﴾ أي شدّتها وهولها كقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ [البقرة: 214، الأحزاب: 11]، أو تحريك الأرض حينئذ كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1]، والجملة تعليل للأمر بالتقوى، واختلف هل الزلزلة والشدائد المذكورة بعد ذلك في الدنيا بين يدي القيامة، أو بعد أن تقوم القيامة، والأرجح أن ذلك قبل القيامة، لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة، ووضع الحامل لا بعد القيامة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ قد ذكرنا تأويله في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: إن بين يدي السّاعة آيات تحجبن التوبة وقبول الإيمان، منها: الزلزلة التي ذكر، ومنها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجّال، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وأمثاله، وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ .
وجائز - عندنا - أن تكون هذه الآيات غاية لقبول التوبة والإيمان، يقبل إلى ذلك الوقت، ولا يقبل بعد ذلك وإن تابوا وآمنوا.
أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون لما تشغلهم تلك الآيات عن ذلك فلا يؤمنون؛ لأن تلك الآيات تعم الخلائق كلهم: المؤمن والكافر جميعاً؛ فلا يعرف المبطل والضال أنه على الضلال والباطل، فيرجع إلى الهدى والحق، ليس كعذاب ينزل على قوم خاصة؛ لأن ذلك يعرف أولئك أنه إنما ينزل بهم خاصّة؛ لما فيهم من التكذيب والعناد، وإذا كانت الآيات عامة، لم يعرف أهل الضلال أنهم على باطل، وأنه إنما ينزل بسببهم؛ لما يرونه أنه قد عمّ الخلائق كلها، فقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون، كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يكون لهم من يشفع، ليس أن يكون لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ لأنهم يشغلون عن الإيمان فلا يؤمنون، فلا ينفع لهم، على ما ذكرنا.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : قبل الساعة، وقيل: القيامة.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ هي الساعة، وصفها بالشدّة والفزع فقال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ ﴾ أي: تشغل كل مرضعة؛ لشدّة أهوالها وأفزاعها ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ هذا على قول من يقول: إن زلزلة الساعة قبل السّاعة يكون على التحقيق، أي: تذهل عما أرضعت، وتضع حملها؛ لأنها تكون في ذلك الوقت مرضعاً وحاملا؛ فتذهل - لأهوال ذلك وأفزاعه - عن ولدها، وتضع ما في بطنها، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [عبس: 34]، فذكر هؤلاء؛ لأن من أصاب شيئاً من البلاء في هذه الدنيا يفزع إلى هؤلاء، فيخبر أن في ذلك اليوم يفر بعض من بعض لشدة ذلك اليوم وهوله؛ لشغله بنفسه.
وعلى قول من يقول: إن زلزلة الساعة هي الساعة؛ فيخرج قوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...
﴾ الآية على التمثيل، أي: تذهل عما أرضعت أن لو كانت مرضعة، وتضع حملها أن لو كانت حاملا؛ لشدته وهوله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ أي: من مكن له وقوي يرى الناس كأنّهم سكارى وما هم بسكارى، وإلا لم يجز أن يراهم سكارى وليسوا هم بسكارى في الحقيقة.
وإنما قلنا: إنه يرى من مكنّ له وقوي، وإلا لو كانوا كلهم سكارى، لكان لا يراهم سكارى؛ لأن السكران لا يرى من كان في مثل حاله سكران.
أو أن يكون خاطب به رسوله، ولا يكون فيه ذلك الهول الذي يكون في غيره.
أو أن يكون ذلك على التمثيل، وليس على التحقيق.
وقول أهل التأويل: يقول لآدم في ذلك: "قم فابعث بعث النار"، فيقول: يا ربّ كم؟
فيقول: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، وواحد في الجنة" ، ويروون الأخبار في ذلك عن رسول الله ، فإن ثبت ما روي عنه في ذلك وإلا الكف عن مثله أولى؛ لأنه يحزن حيث يؤمر أن يتولى بعث ولده إلى النار من غير أن كان ما يستوجب هذه العقوبة.
قال القتبي: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي تسلو عن ولدها وتتركه.
وقال أبو عوسجة: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي: تنسى، يقال: ذهل يذهل ذهولا، وأذهلته؛ أي: أنسيته.
وقال غيره: أي: تشغل، والحمل بالنصب: ما في البطن، والحمل بالخفض: ما على الظهر، والزلزلة: الرجفة، يقال: زلزلت، أي: حركت، وتزلزلت، أي: تحركت.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الناس، اتقوا ربكم بامتثال ما أمركم به، والكفّ عما نهاكم عنه، إن ما يصاحب القيامة من زلزلة الأرض وغيرها من الأهوال أمر عظيم، يجب الاستعداد له بالعمل بما يرضي الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.JeYkm"