تفسير الآية ١ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١ من سورة الحج

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 54 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الحج [ وهي مكية ] بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( 1 ) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( 2 ) ) .

يقول تعالى آمرا عباده بتقواه ، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها .

وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة : هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة؟

أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟

كما قال تعالى : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها ) [ الزلزلة : 1 ، 2 ] ، وقال تعالى : ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ) [ الحاقة : 14 ، 15 ] ، وقال تعالى : ( إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا .

فكانت هباء منبثا ) [ الواقعة : 4 - 6 ] .

فقال قائلون : هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة في قوله : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ، قال : قبل الساعة .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري ، عن منصور والأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، فذكره .

قال : وروي عن الشعبي ، وإبراهيم ، وعبيد بن عمير ، نحو ذلك .

وقال أبو كدينة ، عن عطاء ، عن عامر الشعبي : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) الآية ، قال : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة .

وقد أورد الإمام أبو جعفر ابن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن رجل من الأنصار ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن رجل ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه ، شاخص ببصره إلى العرش ، ينتظر متى يؤمر " .

قال أبو هريرة : يا رسول الله ، وما الصور؟

قال : " قرن " قال : فكيف هو؟

قال : " قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات ، الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول : انفخ نفخة الفزع .

فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض ، إلا من شاء الله ، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر ، وهي التي يقول الله تعالى : ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ) فيسير الله الجبال ، فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا ، وهي التي يقول الله تعالى : ( يوم ترجف الراجفة .

تتبعها الرادفة .

قلوب يومئذ واجفة ) [ النازعات : 6 - 8 ] ، فتكون الأرض ، كالسفينة الموبقة في البحر ، تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها ، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح .

فيمتد الناس على ظهرها ، فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل .

ويشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة ، حتى تأتي الأقطار ، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها ، فترجع ، ويولي الناس مدبرين ، ينادي بعضهم بعضا ، وهو الذي يقول الله تعالى : ( يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ) [ غافر : 32 ، 33 ] فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ، فرأوا أمرا عظيما ، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به ، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ، ثم خسف شمسها وخسف قمرها ، وانتثرت نجومها ، ثم كشطت عنهم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك " قال أبو هريرة : فمن استثنى الله حين يقول : ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) [ النمل : 87 ] ؟

قال : أولئك الشهداء ، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم ، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه ، وهو الذي يقول الله : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) .

وهذا الحديث قد رواه الطبراني ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وغير واحد مطولا جدا .

والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة ، وأضيفت إلى الساعة لقربها منها ، كما يقال : أشراط الساعة ، ونحو ذلك ، والله أعلم .

وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال ، كائن يوم القيامة في العرصات ، بعد القيامة من القبور .

واختار ذلك ابن جرير .

واحتجوا بأحاديث : الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن هشام ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن عمران [ بن ] حصين; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره ، وقد تفاوت بين أصحابه السير ، رفع بهاتين الآيتين صوته : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي ، وعرفوا أنه عند قول يقوله ، فلما تأشهوا حوله قال : " أتدرون أي يوم ذاك؟

يوم ينادى آدم ، عليه السلام ، فيناديه ربه عز وجل ، فيقول : يا آدم ، ابعث بعثك إلى النار فيقول : يا رب ، وما بعث النار؟

فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار ، وواحد في الجنة " .

قال فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة ، فلما رأى ذلك قال : " أبشروا واعملوا ، فوالذي نفس محمد بيده ، إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج ، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس " قال : فسري عنهم ، ثم قال : اعملوا وأبشروا ، فوالذي نفس محمد بيده ، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو الرقمة في ذراع الدابة " .

وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما ، عن محمد بن بشار ، عن يحيى - وهو القطان - عن هشام - وهو الدستوائي - عن قتادة ، به بنحوه .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

طريق أخرى لهذا الحديث : قال الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا ابن جدعان ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) إلى قوله : ( ولكن عذاب الله شديد ) ، قال : أنزلت عليه هذه ، وهو في سفر ، فقال : " أتدرون أي يوم ذلك؟

" فقالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " ذلك يوم يقول الله لآدم : ابعث بعث النار .

قال : يا رب ، وما بعث النار؟

قال : تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة " فأنشأ المسلمون يبكون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاربوا وسددوا ، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية " قال : " فيؤخذ العدد من الجاهلية ، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين ، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة ، أو كالشامة في جنب البعير " ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبروا ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبروا ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبروا ، قال : ولا أدري أقال الثلثين أم لا؟

وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة ، ثم قال الترمذي أيضا : هذا حديث حسن صحيح .

وقد روي عن سعيد بن أبي عروبة عن الحسن ، عن عمران بن الحصين .

وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي ، عن عمران بن الحصين ، فذكره .

وهكذا روى ابن جرير عن بندار ، عن غندر ، عن عوف ، عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وذكر الحديث ، فذكر نحو سياق ابن جدعان ، فالله أعلم .

الحديث الثاني : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن الطباع ، حدثنا أبو سفيان - [ يعني ] المعمري - عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : نزلت : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وذكر - يعني : نحو سياق الحسن عن عمران - غير أنه قال : " ومن هلك من كفرة الجن والإنس " .

رواه ابن جرير بطوله ، من حديث معمر .

الحديث الثالث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - حدثنا هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فذكر نحوه ، وقال فيه : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " ، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة " ففرحوا ، وزاد أيضا : " وإنما أنتم جزء من ألف جزء " .

الحديث الرابع : قال البخاري عند هذه الآية : حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى يوم القيامة : يا آدم ، فيقول : لبيك ربنا وسعديك .

فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار .

قال : يا رب ، وما بعث النار؟

قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين .

فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ، ومنكم واحد ، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " .

فكبرنا ، ثم قال : " ثلث أهل الجنة " .

فكبرنا ، ثم قال : " شطر أهل الجنة " فكبرنا .

وقد رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ، ومسلم ، والنسائي في تفسيره ، من طرق ، عن الأعمش ، به .

الحديث الخامس : قال الإمام أحمد : حدثنا عمار بن محمد - ابن أخت سفيان الثوري - وعبيدة المعنى ، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا [ ينادي ] : يا آدم ، إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار ، فيقول آدم : يا رب ، من هم؟

فيقال له : من كل مائة تسعة وتسعين " .

فقال رجل من القوم : من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟

قال : " هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير " .

انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد .

الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن حاتم بن أبي صغيرة ، حدثنا ابن أبي مليكة; أن القاسم بن محمد أخبره ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا " .

قالت عائشة : يا رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟

قال : " يا عائشة ، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك " .

أخرجاه في الصحيحين .

الحديث السابع : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟

قال : " يا عائشة ، أما عند ثلاث فلا ، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف ، فلا .

وأما عند تطاير الكتب فإما يعطى بيمينه أو يعطى بشماله ، فلا .

وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ، ويتغيظ عليهم ، ويقول ذلك العنق : وكلت بثلاثة ، وكلت بثلاثة ، وكلت بثلاثة : وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر ، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب ، ووكلت بكل جبار عنيد " قال : " فينطوي عليهم ، ويرميهم في غمرات ، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف ، عليه كلاليب وحسك يأخذن من شاء الله ، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب ، والملائكة يقولون : رب ، سلم ، سلم .

فناج مسلم ، ومخدوش مسلم ، ومكور في النار على وجهه " .

والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا ، لها موضع آخر ، ولهذا قال تعالى : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) أي : أمر كبير ، وخطب جليل ، وطارق مفظع ، وحادث هائل ، وكائن عجيب .

والزلزال : هو ما يحصل للنفوس من الفزع ، والرعب كما قال تعالى : ( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) [ الأحزاب : 11 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته فأطيعوه ولا تعصوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد.

ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوه، فقال: ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ).

واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدة، فقال بعضهم: هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: قبل الساعة.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن عامر ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ) فقال: زلزلتها: أشراطها.

الآيات ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) .

حدثنا ابن حميد: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا في الدنيا من آيات الساعة.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر (1) ، وذلك ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ.

قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟

قال: قَرْنٌ.

قال: وكيف هو؟

قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفْخاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العَالَمِينَ.

يَأْمُرُ اللهُ عَزّ وَجَلَّ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ، وَيَأْمُرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطوِّلُها، فَلا يَفْتَر، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللُه وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتُرَجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ الأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ المُوبِقَةِ فِي البَحْرِ تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا، أَوْ كَالْقَنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ تَرُجِّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيُد النَّاسُ عَلى ظُهُرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَان، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حتى تَأْتي الأقْطار، فَتَلَقَّاهَا المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، فَتَرْجِعُ وَيُوَلّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلى ذلكَ، إِذْ تَصَدَّعَت الأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرًا عظيمًا، وَأَخَذَهُم لِذَلِكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وَخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأَمْوَاتُ لا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ ، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قال: أُولَئِكَ الشُّهَداءُ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأَحْيَاءِ ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وَآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ...

إلى قوله ( وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ".

وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه، قولٌ لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمعاني وحي الله وتنـزيله.

والصواب من القول في ذلك ما صح به الخبر عنه.

*ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا: حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدثه، عن عمران بن حُصين، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السَّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ".

قال: فحثُّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: ذلكَ يَوْمَ يُنَادَى آدَمُ، يُنَادِيهِ رَبُّهُ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النَّارِ ، قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ألا اعْمَلُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي قَوْمٍ إلا كَثَّرتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِبْلِيسَ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.

قال: أَبْشِرُوا، مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقمة في جَناحِ الدَّابَّةِ".

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبي &; 18-560 &; عبد الله، عن قَتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن أبي عدي، عن هشام جميعا، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ...

الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ ذَاكُمْ ؟

قيل: الله ورسوله أعلم.

فذكر نحوه، إلا أنه زاد: وَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلا كَانَ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ مِنَ الجَاهِلِيّةِ، فَهُمْ أَهْلُ النَّارِ وَإِنَّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانيْ خَلِيقَتَينِ لا يعادّهما أحدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلا كَثَّرُوهْم، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ، وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ المُنَافِقِينَ".

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يُقَالُ لآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟

فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ.

فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا ، وَتَرى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ .

قال: قُلْنَا فَأين الناجي يا رسول الله؟

قال: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ وَأَلْفا مِنْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ .

ثُمَّ قالَ: إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنةِ، فَكَبَّرْنَا وَحَمَدْنَا اللهَ.

ثم قال: " إنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنةِ ، فَكَبَّرْنَا وَحَمِدْنَا اللهَ.

ثم قال: إنّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنّة، إنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ".

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَقُول اللهُ لآدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ " ثم ذكر نحوه.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، قال: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحشر، قال: يقولُ اللهُ يومَ القِيامَةِ يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ: ابْعَثْ بَعْثا إلى النَّارِ ".

ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال: " نـزلت ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ...

حتى إلى ( عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ...

الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مسير، فرجَّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: " أتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟

هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللهُ لآدَمَ: يا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ!

" فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " سَدّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، وِإنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي شِيْءٍ قَطْ إِلا كَثَّرَتَاهُ: يَأجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ كَفَرَةِ الجِنِّ وَالإنْسِ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ابن ثور، عن معمر، عن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: دخلت على ابن مسعود بيت المال، فقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: " أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟

قلنا نعم، قال: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟

قلنا: نعم قال: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلكَ، إنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وإنَّ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ فِي الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أو كالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ ".

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا يوم القيامة.

والزلزلة مصدر من قول القائل: زلزلتُ بفلان الأرض أزلزلها زلزلة وزِلزالا بكسر الزاي من الزلزال، كما قال الله إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وكذلك المصدر من كل سليم من الأفعال إذا جاءت على فِعلان فبكسر أوّله، مثل وسوس وسوسة ووِسواسا، فإذا كان اسما كان بفتح أوّله الزَّلزال والوَسواس، وهو ما وسوس إلى الإنسان، كما قال الشاعر: يَعْــرِف الجـاهِلُ المُضَلَّـلُ أَنَّ الـدَّ هْــرَ فِيــهِ النَّكْــرَاءُ والزَّلْــزَالُ (2) وقوله تعالى ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا ) يقول جلّ ثناؤه: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة تذهل من عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت، ويعني بقوله ، (تَذْهَلُ) تنسى وتترك من شدّة كربها، يقال: ذَهَلْت عن كذا أذْهَلُ عنه ذُهُولا وذَهِلْت أيضا، وهي قليلة، والفصيح: الفتح في الهاء، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحة في اللغتين، لم يسمع غير ذلك، ومنه قول الشاعر: صَحَا قَلْبُهُ يا عَزَّ أوْ كادَ يَذْهَل (3) فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه، قلت: أذهله هذا الأمر عن كذا يُذهله إذهالا.

وفي إثبات الهاء في قوله ( كُلُّ مُرْضِعَةٍ ) اختلاف بين أهل العربية وكان بعض نحويي الكوفيين يقول: إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أم الصبي المرضع، وإذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبيّ ترضعه، لأنه أريد الفعل بها.

قالوا: ولو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مُرْضع.

قال: وكذلك كل مُفْعِل أو فاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نحو: مُقْرب، ومُوقِر، ومُشْدن، وحامل، وحائض.

(4) قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك، لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به، ولو لم يكن للمذكر فيه حظ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل.

منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل: أيــا جارَتــا بِينِـي فـإنَّك طالِقـهْ كَـذَاكَ أُمُـورُ النـاسِ غـادٍ وطارِقَهْ (5) وأما فيما هو صفة، نحو قول امرئ القيس: فمثْلُـكِ حُـبْلَى قَـدْ طَـرَقْتُ وَمُرْضِعٌ فَأَلْهَيْتُهَــا عَــنْ ذِي تَمـائِمَ مُحْـوِل (6) وربما أثبتوا الهاء في الحالتين وربما أسقطوهما فيهما، غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت.

فتأويل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت.

---------------------- الهوامش : (1) لعل المراد بأن في إسناده نظرا : أن فيه رجلين مجهولين من الأنصار .

(2) البيت شاهد على أن المصدر الرباعي المضعف إذا جاء على " فعلا " فهو بكسر الفاء ، فإذا فتحت الفاء فهو اسم للمصدر ، وليس بمصدر ، كما في البيت .

قال في ( اللسان : زلل ) : والزلزلة والزلزال ( بالفتح ) : تحريك الشيء ، وقد زلزله زلزلة وزلزالا ( بكسر الزاي في الثاني ) وقد قالوا : إن الفعلال ( بالفتح ) والزلزال ( بالكسر ) مطرد في جميع مصادر المضاعف .

والاسم الزلزال ( بالفتح ) .

وليس في الكلام فعلال ، بفتح الفاء إلا في المضعف نحو الصلصال والزلزال .

وقال أبو إسحاق والزلزال بالكسر : المصدر ، والزلزال ، بالفتح : الاسم ، وكذلك الوسواس : المصدر ، والوسواس الاسم .

أه .

(3) هذا مطلع قصيدة لكثير بن عبد الرحمن الخزاعي المشهور ( بكثير عزة ) في مدح عبد الملك بن مروان ، ومصراعه الثاني * وأضحـى يريـد الصرم أو يتبدل * ( ديوانه طبع الجزائر 2 : 28 ) قال شارحه : قوله " صحا قلبه " : قال في الاقتضاب : قال ابن قتيبة : وأصحت السماء العاذلة وصحا من السكر .

أما السماء فلا يقال فيها إلا أصحت بالألف وأما السكر فلا يقال فيه إلا صحا بغير ألف وأما الإفاقة من الحب فلم أسمع فيه إلا صحا بغير الألف ، كالسكر .

وهو شاهد على الفعل تذهل في ماضيه لغتان فتح الهاء وكسرها ، والأولى أفصح اللغتين .

وقال في ( اللسان : ذهل ) : وفي التنزيل العزيز : " يوم تذهل كل مرضعة " أي تسلو عن ولدها .

ابن سيدة : ذهل الشيء وذهل عنه وذهله وذهل الكسر يذهل فيهما ذهلا وذهولا : تركه على عمد أو غفل عنه أو نسيه لشغل .

وقيل : الذهل : السلو والطيب النفس عن الإلف .

وقد أذهله الأمر ، وذهله عنه .

أه .

(4) يتأمل في هذا المقام ويراجع اللسان فإنه أبسط .

(5) البيت لأعشى بن قيس بن ثعلبة ، من قصيدة له قالها لامرأته الهزانية ( ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ، ص 263 ) والرواية فيه : يا جارتي .

قال شارحه : الجارة هنا : زوجته .

بيني : أي فارقي .

غاد وطارقة : ذكر ( غاد ) على إرادة الجمع ، وأنث ( طارقة ) على إرادة الجماعة .

والغادي : الذي يأتي عدوه في الصباح .

والطارق الذي يطرق ، أي يأتي ليلا .

وأنشده صاحب ( اللسان : طلق ) قال ابن الأعرابي : طلقت ( بضم اللام ) من الطلاق : أجود ، وطلقت بفتح اللام - جائز .

وكلهم يقول : امرأة طالق ، بغير هاء .

وأما قول الأعشى * أيـا جارتـا بيينـى فـإنك طالقه * فإن الليث قال : أراد : طالقة غدا .

قال غيره قال طالقة على الفعل ، لأنها يقال ها قد طلقت ، فبنى النعت على الفعل ، وطلاق المرأة : بينونتها عن زوجها .

وامرأة طالق من نسوة طلق ، وطالقة من نسوة طوالق وأنشد قول الأعشى : * أجارتنــا بينـي فـإنك طالقـه * .

.

.

البيت .

(6) البيت من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي ( مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ، ص 25 ) قال شارحه : طرقت : أتيت .

والتمائم : عوذ تعلق على الطفل .

ومحول : أي تم له حول ، يقال : أحول الصبي فهو محول ، ويروى : مغيل .

وهو الذي ترضعه أمه وهي حلبي ؛ يقال : أغالت المرأة ولدها ، فهي مغيل ( بكسر الغين ) ، وأغليته فهي مغيل ، ( بسكون الغين وكسر الياء ) ؛ سقته الغيل ، وهو لبن الحبلى ، والولد : مغال ومغيل .

والشاهد في البيت أن " مرضع " بدون هاء .

هو من الأوصاف الخاصة بالنساء دون الرجال ، وهو لذلك مستعين عن الهاء التي تدخل في الصفات للتفرقة بين الذكر والمؤنث فأما قوله تعالى : " يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت" بالهاء في مرضعة ، فإنما يراد به المرأة التي معها صبي ترضعه ، فهي متلبسة بالفعل ، فالفعل مراد هنا ، والصفة حينئذ تجري على الفعل في التذكير والتأنيث ، يقال أرضعت أو ترضع الأم وليدها ، فهي مرضعة له .

فأما الأنثى التي من شأنها أن تكون مرضعا ولم تتلبس بالفعل ، فإنما يقال لها مرضع بلا هاء تأنيث ، لأن هذا وصف خاص بالإناث فلا حاجة فيه إلى الهاء للفرق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمتفسير سورة الحجوهي مكية ، سوى ثلاث آيات : قوله تعالى : هذان خصمان إلى تمام ثلاث آيات ؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد .

وعن ابن عباس أيضا ( أنهن أربع آيات ) ، قوله عذاب الحريق وقال الضحاك ، وابن عباس أيضا : ( هي مدنية ) - وقاله قتادة - إلا أربع آيات : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي - إلى - عذاب يوم عقيم فهن مكيات .

وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات .

وقال الجمهور : السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني .

وهذا هو الأصح ؛ لأن الآيات تقتضي ذلك ، لأن يا أيها الناس مكي ، و يا أيها الذين آمنوا مدني .

الغزنوي : وهي من أعاجيب السور ، نزلت ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ، سلميا وحربيا ، ناسخا ومنسوخا ، محكما ومتشابها ؛ مختلف العدد .قلت : وجاء في فضلها ما رواه الترمذي ، وأبو داود ، والدارقطني ، عن عقبة بن عامر قال : قلت : يا رسول الله ، فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ؟

قال : نعم ، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما .

لفظ الترمذي .

وقال : هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي .واختلف أهل العلم في هذا ؛ فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابن عمر أنهما قالا : فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين .

وبه يقول ابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

ورأى بعضهم أن فيها سجدة واحدة ؛ وهو قول سفيان الثوري .

روى الدارقطني [ ص: 4 ] عن عبد الله بن ثعلبة قال : رأيت عمر بن الخطاب سجد في الحج سجدتين ؛ قلت في الصبح ؟

قال في الصبح .بسم الله الرحمن الرحيميا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيمروى الترمذي ، عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله ولكن عذاب الله شديد قال : أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟

فقالوا : الله ورسوله أعلم ؛ قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال : يا رب ، وما بعث النار ؟

قال : تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .

فأنشأ المسلمون يبكون ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قاربوا وسددوا ، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية - قال : فيؤخذ العدد من الجاهلية ، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين ، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ، ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبروا ، ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة - فكبروا ؛ ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا .

قال : لا أدري قال الثلثين أم لا .

قال : هذا حديث حسن صحيح ، قد روي من غير وجه ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين .

وفيه : فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : اعملوا وأبشروا ، فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ومن مات من بني آدم وبني إبليس قال : فسري عن القوم بعض الذي يجدون ؛ فقال : اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو كالرقمة في ذراع الدابة قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي صحيح مسلم ، عن أبي سعيد [ ص: 5 ] الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله تعالى : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك - قال - يقول : أخرج بعث النار ، قال : وما بعث النار ؟

قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، قال : فذاك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد .

قال : فاشتد ذلك عليهم ؛ قالوا : يا رسول الله ، أينا ذلك الرجل ؟

فقال : أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل .

وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين .

وذكر أبو جعفر النحاس قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع ، قال حدثنا سلمة ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى ولكن عذاب الله شديد قال : نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير له ، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال : " أتدرون أي يوم هذا ؟

هذا يوم يقول الله - عز وجل - لآدم - صلى الله عليه وسلم - : يا آدم ، قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .

فكبر ذلك على المسلمين ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سددوا ، وقاربوا وأبشروا ، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار ، وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ومن هلك من كفرة الجن والإنس .قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم المراد بهذا النداء المكلفون ؛ أي اخشوه في أوامره أن تتركوها ، ونواهيه أن تقدموا عليها .

والاتقاء : الاحتراس من المكروه ؛ وقد تقدم في أول ( البقرة ) القول فيه مستوفى ، فلا معنى لإعادته .

والمعنى : احترسوا بطاعته عن عقوبته .

قوله تعالى : إن زلزلة الساعة شيء عظيم الزلزلة شدة الحركة ؛ ومنه وزلزلوا حتى يقول الرسول .

وأصل الكلمة من زل عن الموضع ؛ أي زال عنه وتحرك .

وزلزل الله قدمه ؛ أي حركها .

وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء .

وقيل : هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة ، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة ؛ هذا قول الجمهور .

وقد قيل : إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها ، فالله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا أوامره، مهما استطاعوا.

ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، وهو الإخبار بأهوال القيامة، فقال: { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وكانت كثيبا مهيلا، ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج.فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية غير آيات من قوله عز وجل ( هذان خصمان ) إلى قوله ( وهدوا إلى صراط الحميد ) .

( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي احذروا عقابه بطاعته ، ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة واختلفوا في هذه الزلزلة فقال علقمة والشعبي : هي من أشراط الساعة .

[ وقيل قيام الساعة ] .

وقال الحسن والسدي : هذه الزلزلة تكون يوم القيامة .

وقال ابن عباس : زلزلة الساعة قيامها فتكون معها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة وغيرهم «اتقوا ربكم» أي عقابه بأن تطيعوه «إنَّ زلزلة الساعة» أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة «شيء عظيم» في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس احذروا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن ما يحدث عند قيام الساعة من أهوال وحركة شديدة للأرض، تتصدع منها كل جوانبها، شيء عظيم، لا يُقْدر قدره ولا يُبْلغ كنهه، ولا يعلم كيفيَّته إلا رب العالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة الحج بهذا النداء الموجه من الخالق - عز وجل - إلى الناس جميعاً ، يأمرهم فيه بامتثال أمره ، وباجتناب نهيه ، حتى يفوزوا برضاه يوم القيامة .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ) تعليل للأمر بالتقوى .قال القرطبى : الزلزلة شدة الحركة ، ومنه قوله - تعالى - : ( .

.

.

وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله .

.

) وأصل الكلمة من زل فلان عن الموضع ، أى : زال عنه وتحرك ، وزلزل الله قدمه ، أى : حركها وهذه اللفظة تستعمل فى تهويل الشىء " .وقال الآلوسى : " والزلزلة : التحريك الشديد ، والإزعاج العنيف ، بطريق التكرير ، بحيث يزيل الأشياء من مقارها ، ويخرجها من مراكزها .وإضافتها إلى الساعة ، من إضافة المصدر إلى فاعله ، لكن على سبيل المجاز فى النسبة كما فى قوله - تعالى - : ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) لأن المحرك حقيقة هو الله - تعالى - ، والمفعول الأرض أو الناس ، أو من إضافته إلى المفعول ، لكن على إجرائه مجرى المفعول به اتساعاً كما فى قوله : " يا سارق الليلة أهل الدار .

.

" .والمعنى : يأيها الناس اتقوا ربكم إتقاء تاماً ، بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه ، وبأن تسارعوا إلى فعل ما يحبه ، لأن ما يحدث فى هذا الكون عند قيام الساعة ، شىء عظيم ، ترتجف لهوله القلوب ، وتخشع له النفوس .وقال - سبحانه - : ( إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ) بصيغة الإجمال والإبهام لهذا الشىء العظيم ، لزيادة التهويل والتخويف .

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الزلزلة: شدّة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف زليل الأشياء عن مقارّها ومراكزها ولا تخلو ﴿ الساعة ﴾ من أن تكون على تقدير الفاعلة لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله، أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] وهي الزلزلة المذكورة في قوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1] واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة وعن علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها.

أمر بني آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوّروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى، الذي لا يؤمنهم من تلك الأفزاع إلا أن يتردوا به وروي: أنّ هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً، وكانوا ما بين حزين وباك ومفكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

(سُورَةُ الحَجِّ 22 ) أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وقِيلَ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ  ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أرْبَعَ آياتٍ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ الحَرِيقِ  ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ - إلى- ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ فَإنَّها مَكِّيّاتٌ، والأصَحُّ القَوْلُ بِأنَّها مُخْتَلِطَةٌ فِيها مَدَنِيٌّ ومَكِّيٌّ وإنِ اخْتُلِفَ في التَّعْيِينِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وعِدَّةُ آياتِها ثَمانٍ وتِسْعُونَ في الكُوفِيِّ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ في المَكِّيِّ وخَمْسٌ وتِسْعُونَ في البَصْرِيِّ وأرْبَعٌ وتِسْعُونَ في الشّامِيِّ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرٌ، وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟

قالَ: نَعَمْ فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» .

والرِّواياتُ في أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ مُتَعَدِّدَةٌ مَذْكُورَةٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ العُرْيانِ المُجاشِعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الحَجِّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ وهي الأوْلى كَما جاءَ في رِوايَةٍ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ بَعْدُ مِنَ المَوْجُودِينَ القاصِرِينَ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ الحَقِيقَةِ عِنْدَنا بَلْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ تَعْمِيمِ الحُكْمِ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ مَن لَمْ يُكَلَّفْ بَعْدُ وهو خاصٌّ بِالمُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ عِنْدَ النُّزُولِ خِلافًا لِلْحَنابِلَةِ وطائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِيِّينَ والفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى تَناوُلِهِ الجَمِيعَ حَقِيقَةً، ولا خِلافَ في دُخُولِ الإناثِ كَما قالَ الآمِدِيُّ في نَحْوِ النّاسِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ ولَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَلّامَةُ تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ وإنَّما الخِلافُ في دُخُولِهِنَّ في نَحْوِ ضَمِيرِ ( اتَّقُوا ) والمُسْلِمِينَ فَذَهَبَتِ الشّافِعِيَّةُ والأشاعِرَةُ والجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ الحَنَفِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ إلى نَفْيِهِ، وذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ وابْنُ داوُدَ وشُذُوذٌ مِنَ النّاسِ إلى إثْباتِهِ، والدُّخُولُ هُنا عِنْدَنا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقُ التَّقْوى الَّذِي هو التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ حَسْبَما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا لَكِنْ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الإيجادَ والدَّوامَ، والمُناسِبُ لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُرادَ بِالتَّقْوى المُرَتَّبَةُ الأُولى مِنها وهي التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا أيِ احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ بِذِكْرِ أمْرٍ هائِلٍ فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِ ذَلِكَ وهَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما هو مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ.

والزَّلْزَلَةُ التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَرْكَزِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في النِّسْبَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ  ﴾ لِأنَّ المُحَرِّكَ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى والمَفْعُولُ الأرْضُ أوِ النّاسُ أوْ مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ لَكِنْ عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى في وقَدْ أثْبَتَها بَعْضُهم وقالَ بِها في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي عِنْدَ بَعْضٍ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها  ﴾ وتَكُونُ عَلى ما قِيلَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقِيامِ السّاعَةِ بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ قِيامُها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ «عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ» قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ - إلى- ﴿ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَقالَ: أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟

قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ قالَ: يا رَبِّ وما بَعْثُ النّارِ ؟

قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ وواحِدًا إلى الجَنَّةِ فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كُمِّلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ وما مِثْلُكم في الأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا، وحَدِيثُ البَعْثِ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ كالمَذْكُورِ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّها تَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ عَلى هَذا لِكَوْنِها مِن أماراتِها، وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ كَثِيرَةٌ في حُدُوثِ زَلْزَلَةٍ عَظِيمَةٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ هي مِن أشْراطِها إلّا أنَّ في كَوْنِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ هي المُرادُ هُنا نَظَرًا إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ كَوْنَ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِمُوجِبِ أمْرِ جَمِيعِ النّاسِ بِالتَّقْوى، ثُمَّ إنَّها عَلى هَذا القَوْلِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو حَرَكَةُ الأرْضِ العَنِيفَةُ، وتَحْدُثُ هَذِهِ الحَرَكَةُ بِتَحْرِيكِ مَلَكٍ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ في الأرْضِ عُرُوقًا تَنْتَهِي إلى جَبَلِ قافٍ وهي بِيَدِ مَلَكٍ هُناكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمْرًا أنْ يُحَرِّكَ عِرْقًا فَإذا حَرَّكَهُ زُلْزِلَتِ الأرْضُ.

وعِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ وغَلُظَ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ في مَجارِيها لِشِدَّةِ اسْتِحْصافِها وتَكاثُفِها اجْتَمَعَ طالِبًا لِلْخُرُوجِ ولَمْ يُمْكِنْهُ فَزُلْزِلَتِ الأرْضُ، ورُبَّما اشْتَدَّتِ الزَّلْزَلَةُ فَخُسِفَتِ الأرْضُ فَيَخْرُجُ نارٌ لِشِدَّةِ الحَرَكَةِ المُوجِبَةِ لِاشْتِعالِ البُخارِ والدُّخانِ لا سِيَّما إذا امْتَزَجا امْتِزاجًا مُقَرَّبًا إلى الدُّهْنِيَّةِ، ورُبَّما قَوِيَتِ المادَّةُ عَلى شَقِّ الأرْضِ فَتَحْدُثُ أصْواتٌ هائِلَةٌ، ورُبَّما حَدَّثَتِ الزَّلْزَلَةُ مِن تَساقُطِ عَوالِي وهَدَأتْ في باطِنِ الأرْضِ فَيَتَمَوَّجُ بِها الهَواءُ المُحْتَقِنُ فَتُزَلْزَلُ بِهِ الأرْضُ، وقَلِيلًا ما فَتَتَزَلْزَلُ بِسُقُوطِ قُلَلِ الجِبالِ عَلَيْها لِبَعْضِ الأسْبابِ.

ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْقَوْلِ بِأنَّ سَبَبَها احْتِباسُ البُخارِ الغَلِيظِ وطَلَبُهُ لِلْخُرُوجِ وعَدَمُ تَيَسُّرِهِ لَهُ كَثْرَةُ الزَّلازِلِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ وشِدَّتُها بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ الرَّخْوَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا صَحَّ حَدِيثٌ في بَيانِ سَبَبِ الزَّلْزَلَةِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ وإلّا فَلا بَأْسَ بِالقَوْلِ بِرَأْيِ الفَلاسِفَةِ في ذَلِكَ وهو لا يُنافِي القَوْلَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كَما ظَنَّ بَعْضُهم، وهي عَلى القَوْلِ بِأنَّها يَوْمُ القِيامَةِ قالَ بَعْضُهم عَلى حَقِيقَتِها أيْضًا، وقالَ آخَرُونَ: هي مَجازٌ عَنِ الأهْوالِ والشَّدائِدِ الَّتِي تَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ.

وفي البَحْرِ أنَّ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى المَعْدُومِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ إطْلاقَهُ عَلَيْها لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها وصَيْرُورَتِها إلى الوُجُودِ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نداء للناس كلهم من المؤمنين وأهل الكتاب والمشركين الذين يسمعون هذه الآية من الموجودين يومَ نزولها ومن يأتون بعدهم إلى يوم القيامة، ليتلقوا الأمر بتقوى الله وخشيته، أي خشية مخالفة ما يأمرهم به على لسان رسوله، فتقوى كل فريق بحسب حالهم من التلبس بما نهى الله عنه والتفريط فيما أمر به، ليستبدلوا ذلك بضده.

وأول فريق من الناس دخولاً في خطاب ﴿ ياأيها الناس ﴾ هم المشركون من أهل مكة حتى قيل إن الخطاب بذلك خاص بهم.

وهذا يشمل مشركي أهل المدينة قبل صفائها منهم.

وفي التعبير عن الذات العلية بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المخاطبين إيماء إلى استحقاقه أن يُتَّقَى لعظمته بالخالقية، وإلى جدارة الناس بأن يتقوه لأنه بصفة تدبير الربوبية لا يأمر ولا ينهى إلا لمرعي مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم.

وكلا الأمرين لا يفيده غير وصف الرب دون نحو الخالق والسيّد.

وتعليق التقوى بذات الرب يقتضي بدلالة الاقتضاء معنى اتقاء مخالفته أو عقابه أو نحو ذلك لأن التقوى لا تتعلق بالذات بل بشأننٍ لها مناسببٍ للمقام.

وأول تقواه هو تنزيهه عن النقائص، وفي مقدمة ذلك تنزيهه عن الشركاء باعتقاد وحدانيته في الإلهية.

وجملة ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ في موضع العلة للأمر بالتقوى كما يفيده حرف التوكيد الواقع في مقام خطاببٍ لا تردد للسامع فيه.

والتعليل يقتضي أن لزلزلة الساعة أثراً في الأمر بالتقوى وهو أنه وقت لحصول الجزاء على التقوى وعلى العصيان وذلك على وجه الإجمال المفصل بما بعده في قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج: 2].

والزلزلة حقيقتها: تحرك عنيف في جهة من سطح الأرض من أثر ضغط مجاري الهواء الكائن في طبقات الأرض القريبة من ظاهر الأرض.

وهي من الظواهر الأرضية المرعبة ينشأ عنها تساقط البناء وقد ينشأ عنها خسف الأشياء في باطن الأرض.

والساعة: عَلَم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء الدنيا والخلوص إلى عالم الحشر الأخروي، قال تعالى: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها إلى قوله: يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم ﴾ [الزلزلة: 16].

وإضافة ﴿ زلزلة ﴾ إلى ﴿ الساعة ﴾ على معنى (في)، أي الزلزلة التي تحدث وقت حلول الساعة.

فيجوز أن تكون الزلزلة في الدنيا أو في وقت الحشر.

والظاهر حمل الزلزلة على الحقيقة، وهي حاصلة عند إشراف العالم الدنيوي على الفناء وفساد نظامه فإضافتها إلى الساعة إضافة حقيقية فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ [الزلزلة: 1] الآية.

ويجوز أن تكون الزلزلة مجازاً عن الأهوال والمفزعات التي تحصل يوم القيامة فإن ذلك تستعار له الزلزلة، قال تعالى: ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ [البقرة: 214] أي أصيبوا بالكوارث والأضرار لقوله قبله: ﴿ مستهم البأساء والضراء ﴾ [البقرة: 214].

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب: " اللهم اهزمهم وزلزلهم ".

والإتيان بلفظ ﴿ شيء ﴾ للتهويل بتوغله في التنكير، أي زلزلة الساعة لا يعرّف كنهها إلاّ بأنها شيء عظيم، وهذا من المواقع التي يحسن فيها موقع كلمة ﴿ شيء ﴾ وهي التي نبّه عليها الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة وقد ذكرناه عند قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ في [سورة البقرة: 229].

والعظيم: الضخم، وهو هنا استعارة للقوي الشديد، والمقام يفيد أنه شديد في الشرّ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ احذروا عقابه بطاعته (٢) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ﴾ الزلزلة: شدة الحركة على الحال الهائلة، وكأنَّ أصله من قولهم: زلَّت (٣) (٤) (٥) (٦) واختلفوا في هذه الزلزلة: فقال علقمة، والشعبي: هي من أشراط (٧) (٨) (٩) (١٠) وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء لأنه قال: يريد النفخة الأولى (١١) وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة (١٢)  - قرأ هذه الآية والتي بعدها، فقال له الناس: يا رسول الله أي يوم هذا؟

قال: "هذا يوم يقول الله لآدم يا آدم قم فأبعث بعث النار" (١٣) والحديث مشهور (١٤) وقال أبو إسحاق: وقيل إنّها الزلزلة التي تكون معها الساعة (١٥) وهذا قول الكلبي، قال (١٦) (١٧) (١٨) يعني أن هذه الزلزلة تقارن قيام الساعة وتكون معها.

وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال في ﴿ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ﴾ قيام الساعة (١٩) قوله ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ يعني أنه لا يوصف لعظمه.

وهذه الآية بيانٌ عما يوجبه شدة أهوال القيامة من التأهّب لها.

(١) ذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة، وقال: والظاهر أن قوله: "يا أيها الناس" عام.

(٢) الطبري 17/ 109.

(٣) في (د)، (ع): (زلزت).

(٤) في (أ): (أي).

(٥) في (أ): (دكدك له)، وهو خطأ.

(٦) من قوله: الزلزلة: شدة ...

إلى ضوعف.

نقلا عن الكشف والبيان للثعلبي 3/ 46 ب.

(٧) في (د)، (ع): (شرائط).

(٨) (في): ساقطة من (أ).

(٩) في (د): (قيل)، وهو خطأ.

(١٠) رواه سفيان في "تفسيره" ص 258، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 410، والطبري 17/ 109 عن علقمة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ورواه الطبري 17/ 109 عن الشعبي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.

(١١) ذكره القرطبي 12/ 4، وأبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة لأحد.

(١٢) ذكره عنهما البغوي 5/ 363، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 403.

(١٣) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" 155 أ، والترمذي في "جامعه" كتاب التفسير.

ومن سورة الحج 9/ 9 - 10، والنسائي في "تفسيره" 2/ 82، والطبري 17/ 111، والحاكم في "مستدركه" 2/ 233 من طريق، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين، نحو ما ذكر هنا لكن في سائر الروايات أن النبي -  - هو القائل "أتدرون أيّ يوم ذلك".

وليس الناس كما في الرواية التي ساقها الواحدي.

وأما رواية السدي لهذا الحديث فلم أجدها.

(١٤) الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير -سورة الحج 8/ 441)، من حديث أبي سعيد الخدري -  - قال: قال النبي -  -: "يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ- يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك.

فينادي بصوت: == إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى الله" الحديث ..

وفط: "فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد".

الحديث.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 409.

(١٦) قال: ساقطة من (د)، (ع).

(١٧) مثله في "تنوير المقباس" ص 205.

(١٨) في (د) زيادة بعد قوله الساعة: (يعني أن هذه الزلزلة الساعة قيام الساعة.

وهو تكرار وخطأ من الناسخ.

(١٩) ذكره عنه البغوي 5/ 363، وابن الجوزي 5/ 403.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ تكلمنا على التقوى في أول البقرة ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة ﴾ أي شدّتها وهولها كقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ [البقرة: 214، الأحزاب: 11]، أو تحريك الأرض حينئذ كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1]، والجملة تعليل للأمر بالتقوى، واختلف هل الزلزلة والشدائد المذكورة بعد ذلك في الدنيا بين يدي القيامة، أو بعد أن تقوم القيامة، والأرجح أن ذلك قبل القيامة، لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة، ووضع الحامل لا بعد القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، اتقوا ربكم بامتثال ما أمركم به، والكفّ عما نهاكم عنه، إن ما يصاحب القيامة من زلزلة الأرض وغيرها من الأهوال أمر عظيم، يجب الاستعداد له بالعمل بما يرضي الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.JeYkm"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله