الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( يوم ترونها ) : هذا من باب ضمير الشأن; ولهذا قال مفسرا له : ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) أي : تشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها ، والتي هي أشفق الناس عليه ، تدهش عنه في حال إرضاعها له; ولهذا قال : ( كل مرضعة ) ، ولم يقل : " مرضع " وقال : ( عما أرضعت ) أي : عن رضيعها قبل فطامه .
وقوله : ( وتضع كل ذات حمل حملها ) أي : قبل تمامه لشدة الهول ، ( وترى الناس سكارى ) وقرئ : " سكرى " أي : من شدة الأمر الذي [ قد ] صاروا فيه قد دهشت عقولهم ، وغابت أذهانهم ، فمن رآهم حسب أنهم سكارى ، ( وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) .
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) قال: تترك ولدها للكرب الذي نـزل بها.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن ( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) قال: ذهلت عن أولادها بغير فطام ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) يقول: وتسقط كل حامل من شدة كرب ذلك حملها.
وقوله ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ) قرأت قرّاء الأمصار ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) على وجه الخطاب للواحد، كأنه قال: وترى يا محمد الناس حينئذ سُكارى وما هم بسُكارى.
وقد رُوي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير (وَتُرَى النَّاسَ) بضم التاء ونصب الناس، من قول القائل: أرِيْت تُرى، التي تطلب الاسم والفعل (7) ، كظنّ وأخواتها.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء.
واختلف القرّاء في قراءة قوله ( سُكارَى ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ( سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) .
وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة ( وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى ومَا هُمْ بِسَكْرَى) .
والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، ومعنى الكلام: وترى الناس يا محمد من عظيم ما نـزل بهم من الكرب وشدّته سُكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك : قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ) من الخوف ( وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) من الشراب.
قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) قال: ما هُم بسكارى من الشراب، ( وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) قال: ما شربوا خمرا يقول تعالى ذكره: ( وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) يقول تعالى ذكره : ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله، مع علمهم بشدة عذاب الله.
---------------------------------- الهوامش : (7) لعل الصواب : الاسم والخبر .
لأن ظن ورأى وأعلم تدخل على الجملة الاسمية من المبتدأ والخبر .
قوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدقوله تعالى : يوم ترونها الهاء في ( ترونها ) عائدة عند الجمهور على الزلزلة ؛ ويقوي هذا تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا .
وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ؛ واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : أتدرون أي يوم ذلك .
.
.
الحديث .
وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .قوله : ( تذهل ) أي تشتغل ؛ قاله قطرب .
وأنشد :ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلهوقيل : تنسى .
وقيل : تلهو ؛ وقيل : تسلو ؛ والمعنى متقارب .
عما أرضعت قال المبرد : ( ما ) بمعنى المصدر ؛ أي تذهل عن الإرضاع .
قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع .
إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول .
ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك .
ويقال : هذا كما قال الله - عز وجل - : يوما يجعل الولدان شيبا .
وقيل : تكون مع النفخة الأولى .
وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية .
ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة ؛ كما قال تعالى : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا .
وكما قال : عليه السلام - : اللهم اهزمهم وزلزلهم .
وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له ، والاستعداد بالعمل الصالح .
وتسمية الزلزلة ب شيء إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها ، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة ؛ إذ اليقين يشبه الموجودات .
وإما على المآل ؛ أي هي إذا وقعت شيء عظيم .
وكأنه لم يطلق الاسم الآن ، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ، [ ص: 7 ] ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس ؛ كما قال : وترى الناس سكارى أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع .
( وما هم بسكارى ) من الخمر .
وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى .
يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله ( وترى الناس ) بضم التاء ؛ أي تظن ويخيل إليك .
وقرأ حمزة ، والكسائي ، ( سكرى ) بغير ألف .
الباقون ( سكارى ) وهما لغتان لجمع سكران ؛ مثل كسلى وكسالى .
والزلزلة : التحريك العنيف .
والذهول .
الغفلة عن الشيء بطروء ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره .
قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها .
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها.
{ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } من شدة الفزع والهول، { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } أي: تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر، وليسوا سكارى.
{ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.
ويومئذ { يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } وهناك { يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه، وتنصب الموازين، التي يوزن بها مثاقيل الذر، من الخير والشر، وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات، من صغير وكبير، وينصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين.
{ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا* وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } ويقال لهم: { لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } وإذا نادوا ربهم ليخرجهم منها، قال: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } قد غضب عليهم الرب الرحيم، وحضرهم العذاب الأليم، وأيسوا من كل خير، ووجدوا أعمالهم كلها، لم يفقدوا منها نقيرا ولا قطميرا.
هذا، والمتقون في روضات الجنات يحبرون، وفي أنواع اللذات يتفكهون، وفيما اشتهت أنفسهم خالدون، فحقيق بالعاقل الذي يعرف أن كل هذا أمامه، أن يعد له عدته، وأن لا يلهيه الأمل، فيترك العمل، وأن تكون تقوى الله شعاره، وخوفه دثاره، ومحبة الله، وذكره، روح أعماله.
( يوم ترونها ) يعني الساعة وقيل الزلزلة ، ( تذهل ) قال ابن عباس : تشغل ، وقيل تنسى ، يقال ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره .
( كل مرضعة عما أرضعت ) أي كل امرأة معها ولد ترضعه يقال امرأة مرضع بلا هاء إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء ( وتضع كل ذات حمل حملها ) أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل ومن قال تكون في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته كقولهم أصابنا أمر يشيب فيه الوليد يريد شدته ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) قرأ حمزة والكسائي : " سكرى وما هم بسكرى " بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران مثل كسلى وكسالى قال الحسن : معناه وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب .
وقيل معناه وترى الناس كأنهم سكارى ( ولكن عذاب الله شديد ) أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي العبسي ، أخبرنا وكيع عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة يا آدم قم فابعث بعث النار قال فيقول لبيك وسعديك والخير كله في يديك يا رب وما بعث النار؟
قال فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال فحينئذ يشيب المولود وتضع كل ذات حمل حملها وترى [ الناس ] سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قال : فيقولون وأينا ذاك الواحد؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد " فقال الناس الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة قال فكبر الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض " .
وروي عن عمران بن حصين ، وأبي سعيد الخدري ، وغيرهما أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلا فنادى [ منادي ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا والناس ما بين باك أو جالس حزين متفكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتدرون أي يوم ذلك قالوا الله ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم يقول الله عز وجل لآدم قم فابعث بعث النار من ولدك فيقول آدم من كل كم فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا في الجنة ، قال فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا فمن ينجو إذا يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ثم قال إني لأرجو [ أن تكونوا ] ثلث أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب فقال عمر سبعون ألفا؟
قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت منهم فقام رجل من الأنصار فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبقك بها عكاشة " .
«يوم ترَوْنها تذُهَلُ» بسببها «كل مرضعة» بالفعل «عما أرضعت» أي تنساه «وتضع كل ذات حمل» أي حبلى «حملها وترى الناس سكارى» من شدة الخوف «وما هم بسكارى» من الشراب «ولكن عذاب الله شديد» فهم يخافونه.
يوم ترون قيام الساعة تنسى الوالدةُ رضيعَها الذي ألقمته ثديها؛ لِمَا نزل بها من الكرب، وتُسْقط الحامل حملها من الرعب، وتغيب عقول للناس، فهم كالسكارى من شدة الهول والفزع، وليسوا بسكارى من الخمر، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وإدراكهم.
ثم فصل - سبحانه - هذا الشىء العظيم تفصيلاً يزيد فى وجل القلوب فقال : ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ .
.
) .والضمير فى " ترونها " ، يعود إلى الزلزلة لأنها هى المتحدث عنها والظرف " يوم " منصوب بالفعل تذهل ، والرؤية بصرية لأنهم يرون ذلك بأعينهم .والذهول : الذهاب عن الأمر والانشغال عنه مع دهشة وحيرة وخوف ، ومنه قول عبد الله ابن رواحة - رضى الله عنه - :ضربا يُزيل الهامَ عن مَقِيله ...
ويُذْهِل الخليلَ عن خليلهأى : أن هذه الزلزلة من مظاهر شدتها ورهبتها ، أنكم ترون الأم بسببها تنسى وتترك وليدها الذى ألقمته ثديها .
وكأنها لا تراه ولا تحس به من شدة الفزع .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم قيل ( مُرْضِعَةٍ ) دون مرضع؟
قلت : المرضعة التى هى فى حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى ، والمرضع : التى من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع فى حال وصفها به ، فقيل : مرضعة ، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه ، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة ( عَمَّآ أَرْضَعَتْ ) عن إرضاعها : أو عن الذى أرضعته وهو الطفل ..
.
" .وقوله - سبحانه - : ( وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ) بيان لحالة ثانية تدل على شدة الزلزلة وعلى عنف آثارها .أى : وترونها - أيضاً - تجعل كل حاملتضع حملها قبل تمامه من شدة الفزع .ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة لللآثار التى تدل على شدة هذه الزلزلة فقال : ( وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ ) .أى : وترى - أيها المخاطب - الناس فى هذا الوقت العصيب ، هيئتهم كهيئة السكارى من قوة الرعب والفزع .
وما هم على الحقيقة بسكارى ، لأنهم لم يشربوا ما يسكرهم ولكن عذاب الله شديد .
أى : ولكن شدة عذابه - سبحانه - هى التى جعلتهم بهذه الحالة التى تشبه حالة السكارى فى الذهول والاضطراب .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال : " وتراهم سكارى على التشبيه ، وما هم بسكارى على التحقيق ، ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله ، هو الذى أذهب عقولهم ، وطير تمييزهم ، وردهم فى نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه .
.
" .وقد علق صاحب الانتصاف على عبارة صاحب الكشاف هذه فقال : قال الأحمد : والعلماء يقولون : إن من أدلة المجاز صدق نقيضه ، كقولك : زيد حمار ، إذا وصفته بالبلادة ، ثم يصدق أن تقول : وما هو بحمار ، فتنفى عنه الحقيقة ، فكذلك الآية ، بعد أن أثبت السكر المجازى نفى الحقيقة أبلغ نفى مؤكد بالباء ، والسر فى تأكيده : التنبيه على أن هذا السكر الذى هو بهم فى تلك الحالة ليس من المعهود فى شىء ، وإنما هو أمر لم يعهدوا مثله من قبل .
والاستدراك بقوله ( ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ ) راجع إلى قوله : ( وَمَا هُم بسكارى ) وكأنه تعليل لإثبات السكر المجازى ، فكأنهى قيل : إذا لم يكونوا سكارى من الخرم فما هذا السكر الغريب وما سببه؟
فقال : شدة عذاب الله - تعالى - " .هذا ، وقد اختلف العلماء فى وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا ، فمنهم من يرى أنها تكون فى آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة ومنهم من يرى أنها تكون يوم القيامة ، بعد خروج الناس من قبروهم للحساب .وقد وفى هذه المسألة حقها الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه : " قال قائلون : هذه الزلزلة كائنة فى آخر عمر الدنيا .
وأول أحوال الساعة .وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال ، كائن يوم القيامة فى العرصات ، بعد القيام من القبور .ثم ساق - رحمه الله - سبعة أحاديث استدل بها أصحاب الرأى الثانى .ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يقول الله - تعالى - يوم القيامة : يا آدم .
فيقول : لبيك ربنا وسعديك .
فيُنَادَى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار ، قال : يا رب ، وما بعث النار؟
قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد " .
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم .
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " مِن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ، ثم أنتم فى الناس كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود ، وإنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة - فكبرنا - ثم قال : ثلث أهل الجنة - فكبرنا - ثم قال : شطر أهل الجنة فكبرنا " " .وعلى الرأى الأول تكون الزلزلة بمعناها الحقيقى ، بأن تتزلزل الأرض وتضطرب ، ويعقبها طلوع الشمس من مغربها ، ثم تقوم الساعة .وعلى الرأى الثانى تكون الزلزلة المقصود بها شدة الخوف والفزع ، كما فى قوله - تعالى - فى شأن المؤمنين بعد أن أحاطت بهم جيوش الأحزاب : ( هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ) فالمقصود : أصيبوا بالفزع والخوف ، وليس المقصود أن الأرض تحركت واضطربت من تحتهم .
اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ فالمراد اتقوا عذاب ربكم.
أما قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الزلزلة شدة حركة الشيء، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ وهي الزلزلة المذكورة في قوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا ﴾ .
المسألة الثانية: اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها.
وقيل هي التي تكون معها الساعة.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور: «إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام لرب العالمين، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح» وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة.
واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها، وتكون من أماراتها وأشراطها، وتصح إذا كانت فيها ومعها، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة.
المسألة الثالثة: روى أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس حزين متفكر.
فقال عليه السلام: «أتدرون أي ذلك اليوم هو؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم وما بعث النار؟
يعني من كم كم؟
فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا، وقالوا فمن ينجو يا رسول الله؟
فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب، فقال عمر سبعون ألفاً؟
قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله، فقال سبقك بها عكاشة فخاض الناس في السبعين ألفاً فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال: هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».
المسألة الرابعة: أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب، فيلزم أن تكون التقوى واجبة.
المسألة الخامسة: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيٌء عَظِيمٌ ﴾ وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء.
واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء إِنّي فَاعِلٌ ذلك غَداً ﴾ أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولاً غداً، والذي يصير مفعولاً غداً يكون معدوماً في الحال، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب: عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها، فلابد من التأويل بالاتفاق.
ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً، وهذا هو الجواب عن البواقي.
المسألة السادسة: وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد.
واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أموراً ثلاثة أحدها: قوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، فإن قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟
قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي والمرضع شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة، وقوله: ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل.
وثانيها: قوله: ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، وقال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملاً أو مرضعة تبعث حاملاً أو مرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَتَرَى الناس سكارى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ (وتري) بالضم تقول أريتك قائماً أو رأيتك قائماً والناس بالنصب والرفع، أما النصب فظاهر، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة، وقرئ (سكرى) و(سكارى)، وهو نظير جوعى وعطشى في جوعان وعطشان، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى، وعن الأعمش: سكرى وسكرى بالضم وهو غريب.
المسألة الثانية: المعنى وتراهم سكارى على التشبيه ﴿ وَمَا هُم بسكارى ﴾ على التحقيق، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم، وقال ابن عباس والحسن ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب، فإن قلت لم قيل أولا (ترون) ثم قيل (ترى) على الإفراد؟
قلنا لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة آخراً بكون الناس على حال من السكر، فلابد وأن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم.
المسألة الثالثة: إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟
قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، وليس لأحد عليه حق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ منصوب بتذهل.
والضمير للزلزلة.
وقرئ ﴿ تذهل كل مرضعة ﴾ على البناء للمفعول: وتذهل كل مرضعة أي: تذهلها الزلزلة.
والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة فإن قلت: لم قيل: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ دون مرضع؟
قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي.
والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: مرضعة؛ ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
قرئ ﴿ وَتُرَى ﴾ بالضم من أريتك قائماً.
أو رؤيتك قائماً.
و ﴿ الناس ﴾ منصوب ومرفوع، والنصب ظاهر.
ومن رفع جعل الناس اسم ترى، وأنثه على تأويل الجماعة.
وقرئ ﴿ سكرى ﴾ و ﴿ بسكرى ﴾ وهو نظير: جوعى وعطشى، في جوعان وعطشان.
وسكارى وبسكارى، نحو كسالى وعجالى.
وعن الأعمش ﴿ سكرى ﴾ و ﴿ بسكرى ﴾ بالضم، وهو غريب.
والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردّهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه.
وقيل: وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
فإن قلت: لم قيل أوّلا: ترون، ثم قيل: ترى، على الإفراد؟
قلت لأنّ الرؤية أوّلاً علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة أخيراً بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم.
<div class="verse-tafsir"
( 22 سُورَةُ الحَجِّ مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ مِن ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى ﴿ صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ وآيُها ثَمانٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ تَحْرِيكُها لِلْأشْياءِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، أوْ تَحْرِيكُ الأشْياءِ فِيها فَأُضِيفَتْ إلَيْها إضافَةً مَعْنَوِيَّةً بِتَقْدِيرِ في أوْ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ.
وَقِيلَ هي زَلْزَلَةٌ تَكُونُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وإضافَتُها إلى السّاعَةِ لِأنَّها مِن أشْراطِها.
﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ هائِلٌ عَلَّلَ أمَرَهم بِالتَّقْوى بِفَظاعَةِ السّاعَةِ لِيَتَصَوَّرُوها بِعُقُولِهِمْ ويَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُؤَمِّنُهم مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى فَيُبْقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ويَتَّقُوها بِمُلازَمَةِ التَّقْوى.
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ تَصْوِيرٌ لِهَوْلِها والضَّمِيرُ لِلْـ ﴿ زَلْزَلَةَ ﴾ ، و ( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِـ ( تَذْهَلُ )، وقُرِئَ «تَذْهَلُ» و «تُذْهَلُ» مَجْهُولًا ومَعْرُوفًا أيْ تُذْهِلُها الزَّلْزَلَةُ، والذُّهُولُ الذَّهابُ عَنِ الأمْرِ بِدَهْشَةٍ، والمَقْصُودُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَوَّلَها بِحَيْثُ إذا دُهِشَتِ الَّتِي ألْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَها نَزَعَتْهُ مِن فِيهِ وذَهَلَتْ عَنْهُ، و «ما» مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ﴾ جَنِينَها.
﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ كَأنَّهم سُكارى.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فَأرْهَقَهم هَوْلُهُ بِحَيْثُ طَيَّرَ عُقُولَهم وأذْهَبَ تَمْيِيزَهم، وقُرِئَ «تَرى» مِن أُرِيتَكَ قائِمًا أوْ رُؤِيتَ قائِمًا بِنَصْبِ النّاسِ ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ نائِبٌ مَنابَ الفاعِلِ، وتَأْنِيثُهُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ وإفْرادُهُ بَعْدَ جَمْعِهِ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ يَراها الجَمِيعُ، وأثَرُ السُّكْرِ إنَّما يَراهُ كُلُّ أحَدٍ عَلى غَيْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «سَكْرى» كَعَطْشى إجْراءً لِلسُّكْرِ مَجْرى العِلَل.
<div class="verse-tafsir"
وانتصب {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} أي الزلزلة أو الساعة بقوله {تَذْهَلُ} تغفل والذهول الغفلة {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عما أرضعت} عن
الحج (٥ - ٢)
أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يحلقها من الدهشة
إذ المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ} أي حبلى {حِمْلِهَا} ولدها قبل تمامه عن الحس تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام {وَتَرَى الناس} أيه الناظر {سكارى} على التشبيه لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة الجبروت وسرادق الكبرياء حتى قال كل نبي نفسي نفسي {وَمَا هُم بسكارى} على التحقيق {ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ} فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه وعن الحسن وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب سكرى فيهما بالامالة حمة وعلى وهو كعطش في عطشان رُوي أنه نزلت الآيتان ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأهما النبي عليه السلام فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ( تَرَوْنَها ) لِلزَّلْزَلَةِ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها، وقِيلَ هو لِلسّاعَةِ وهو كَما تَرى، ( ويَوْمَ ) مُنْتَصِبٌ بِتَذْهَلَ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، وقِيلَ بِعَظِيمٍ، وقِيلَ: بِإضْمارِ اذْكُرْ وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن ( السّاعَةِ ) وفُتِحَ لِبِنائِهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿ يَوْمُ يَنْفَعُ ﴾ عَلى قِراءَةِ يَوْمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِن ﴿ زَلْزَلَةَ ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِهِ إنِ اغْتُفِرَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ الظَّرْفِيِّ بِالخَبَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ تَذْهَلُ ﴾ عَلى هَذِهِ الأوْجَهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ تَذْهَلُ فِيها، والذُّهُولُ شُغْلٌ يُورِثُ حُزْنًا ونِسْيانًا، والمُرْضِعَةُ هي الَّتِي في حالِ الإرْضاعِ مُلْقِمَةً ثَدْيَها وهي بِخِلافِ المُرْضِعِ بِلا هاءٍ فَإنَّها الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُرْضِعَ وإنْ لَمْ تُباشِرِ الإرْضاعَ في حالِ وصْفِها بِهِ، وخَصَّ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ أُمَّ الصَّبِيِّ بِمُرْضِعَةٍ بِالهاءِ والمُسْتَأْجَرَةَ بِمُرْضِعٍ ويَرُدُّهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ والتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ وتَفاقُمِ الهَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ والعائِدَ مَحْذُوفٌ أيْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ، والتَّعْبِيرُ بِما لِتَأْكِيدِ الذُّهُولِ وكَوْنِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِها أنَّهُ ماذا لِأنَّها تَعْرِفُ شَيْئِيَّتَهُ لَكِنْ لا تَدْرِي مَن هو بِخُصُوصِهِ، وقِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ تَذْهَلُ عَنْ إرْضاعِها، والأوَّلُ دَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وكَمالِ الِانْزِعاجِ، والكَلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ وأنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ مِرْضَعَةٌ ورَضِيعٌ لَذَهِلَتِ المُرْضِعَةُ عَنْ رَضِيعِها في حالِ إرْضاعِها إيّاهُ لِشَدَّةِ الهَوْلِ وكَذا ما بَعْدُ، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَتِ الزَّلْزَلَةُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ أُمِرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَعْثِ بَعْثِ النّارِ وبَعْثِ الجَنَّةِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُحْشَرُ عَلى حالِهِ الَّتِي فارَقَ فِيها الدُّنْيا فَنَحْشْرُ المُرْضِعَةِ مُرْضِعَةً والحامِلِ حامِلَةً كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ، وأمّا إذا قُلْنا بِذَلِكَ أوْ بِكَوْنِ الزَّلْزَلَةِ في الدُّنْيا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا يَضُرُّ في كَوْنِهِ تَمْثِيلًا أنَّ الأمْرَ إذْ ذاكَ أشَدُّ وأعْظَمُ وأهْوَلُ مِمّا وُصِفَ وأطَمُّ لِشُيُوعِ ما ذُكِرَ في التَّهْوِيلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ النَّبِيلِ.
وقُرِئَ «تُذْهَلُ» مِنَ الإذْهالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ واليَمانِيُّ «تُذْهِلُ» مِنهُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ( وكُلُ ) بِالنَّصْبِ أيْ يَوْمَ تُذْهِلُ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: السّاعَةُ كُلُّ مِرْضَعَةٍ ﴿ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ﴾ أيْ تُلْقِي كُلُّ ذاتِ جَنِينٍ جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ وتَضَعُ كُلُّ حامِلَةٍ ما حَمَلَتْ عَلى وِزانِ ما تَقَدَّمَ لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ نَصًّا في المُرادِ وهو وضْعُ الجَنِينِ بِخِلافِ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ فَإنَّهُ نَصٌّ فِيهِ لِأنَّ الحَمْلَ بِالفَتْحِ ما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ، وإطْلاقُهُ عَلى نَحْوِ الثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ لِلتَّشْبِيهِ بِحَمْلِ المَرْأةِ، ولِلتَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَمْ يَقُلْ وتَضَعُ كُلُّ حامِلَةٍ حَمْلَها كَذا قِيلَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في دَعْوى تَخْصِيصِ الحَمْلِ بِما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ الثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ لِلتَّشْبِيهِ بَحْثًا فَفي البَحْرِ الحَمْلُ بِالفَتْحِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ.
وفِي القامُوسِ الحَمْلُ ما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ جَمْعُهُ حِمالٌ وأحْمالٌ وحَمَلَتِ المَرْأةُ تَحْمِلُ عَلِقَتْ ولا يُقالُ حَمَلَتْ بِهِ أوْ قَلِيلٌ وهي حامِلٌ وحامِلَةٌ، والحَمْلُ ثَمَرُ الشَّجَرِ ويُكْسَرُ أوِ الفَتْحُ لِما بَطُنَ مِن ثَمَرِهِ والكَسْرُ لِما ظَهَرَ أوِ الفَتْحُ لِما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ والكَسْرُ لِما عَلى ظَهْرٍ أوْ رَأْسٍ أوْ ثَمَرُ الشَّجَرِ بِالكَسْرِ ما لَمْ يَكْبُرْ فَإذا كَبُرَ فَبِالفَتْحِ جَمْعُهُ أحْمالٌ وحَمُولٌ وحِمالٌ اهَـ، وقِيلَ: المُتَبادَرُ وضْعُ الجَنِينِ بِأيِّ عِبارَةٍ كانَ التَّعْبِيرُ إلّا أنَّ ذاتَ حَمْلٍ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ مِن حامِلٍ أوْ حامِلَةٍ لِإشْعارِهِ بِالصُّحْبَةِ المُشْعِرَةِ بِالمُلازَمَةِ فَيُشْعِرُ الكَلامُ بِأنَّ الحامِلَ تَضَعُ إذْ ذاكَ الجَنِينَ المُسْتَقِرَّ في بَطْنِها المُتَمَكِّنَ فِيهِ هَذا مَعَ ما في الجَمْعِ بَيْنَ ما يُشْعِرُ بِالمُصاحَبَةِ وما يُشْعِرُ بِالمُفارَقَةِ وهو الوَضْعُ مِنَ اللُّطْفِ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ.
﴿ وتَرى النّاسَ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ عَلى خِطابِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ بِرُؤْيَةِ الزَّلْزَلَةِ والِاخْتِلافُ بِالجَمْعِيَّةِ والإفْرادِ لِما أنَّ المَرْئِيَّ في الأوَّلِ هي الزَّلْزَلَةُ الَّتِي يُشاهِدُها الجَمِيعُ وفي الثّانِي حالُ مَن عَدا المُخاطَبَ مِنهم فَلا بُدَّ مِن إفْرادِ المُخاطَبِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لَكِنْ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ المُرادَ بَيانُ تَأْثِيرِ الزَّلْزَلَةِ في المَرْئِيِّ لا في الرّائِي بِاخْتِلافِ مَشاعِرِهِ لِأنَّ مَدارَهُ حَيْثِيَّةُ رُؤْيَتِهِ لِلزَّلْزَلَةِ لا لِغَيْرِها كَأنَّهُ قِيلَ وتَصِيرُ النّاسُ سُكارى إلَخْ، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في التَّنْزِيلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ ظُهُورِ تِلْكَ الحالِ فِيهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الجَلاءِ إلى حَدٍّ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ، والأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ ( والنّاسَ ) مَفْعُولَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُكارى ﴾ حالٌ مِنهُ أيْ يَراهم كُلُّ واحِدٍ مُشابِهِينَ لِلسُّكارى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما هم بِسُكارى ﴾ أيْ حَقِيقَةً حالٌ أيْضًا لَكِنَّها مُؤَكِّدَةٌ والحالُ المُؤَكِّدِ تَقْتَرِنُ بِالواوِ لا سِيَّما إذا كانَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً.
فَلا يُقالُ: إنَّهُ إذا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( تَرى النّاسَ سُكارى ) عَلى التَّشْبِيهِ يَكُونُ ﴿ وما هم بِسُكارى ﴾ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَكانِ الواوِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تَرى ) بِمَعْنى تَظُنُّ فَسُكارى مَفْعُولٌ ثانٍ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا تَأْكِيدَ هُنا، وأمْرُ إفْرادِ الخِطابِ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ بِحالَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِسُكارى ﴾ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، وأُكِّدَ بِزِيادَةِ الباءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ مِنَ المَعْهُودِ في شَيْءٍ وإنَّما هو أمْرٌ لَمْ يَعْهَدُوا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وأُشِيرَ إلَيْهِ سَبَبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ أيْ إنَّ شِدَّةَ عَذابِهِ تَعالى تَجْعَلُهم كَما تَرى، وهو اسْتِدْراكٌ عَلى ما في الِانْتِصافِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِسُكارى ﴾ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَنْ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ هَذِهِ أيِ الذُّهُولُ والوَضْعُ ورُؤْيَةُ النّاسِ سُكارى أحْوالٌ هَيِّنَةٌ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تُرِي» بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ تُرِي الزَّلْزَلَةُ الخَلْقَ جَمِيعَ النّاسِ سُكارى.
وقَرَأ الزَّعْفَرانِيُّ «تُرى» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ «النّاسُ» بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ المَجْهُولِ إلَيْهِ، والتَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ.
وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُهَيْكٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم نَصَبُوا ( النّاسَ ) وتَرى عَلى هَذا مُتَعَدٍّ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ كَما في البَحْرِ الأوَّلُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ وهو نائِبُ الفاعِلِ، والثّانِي ( النّاسَ ) والثّالِثُ ( سُكارى ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ نُهَيْكٍ ( سَكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ في المَوْضِعَيْنِ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ واحِدُهُ سَكْرانُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأ «سَكْرى» كَعَطْشى في المَوْضِعَيْنِ، وكَذَلِكَ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأصْحابِهِ وحُذَيْفَةَ وبِها قَرَأ الأخَوانِ وابْنُ سَعْدانَ ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ، وتُجْمَعُ الصِّفَةُ عَلى فَعَلى إذا كانَتْ مِنَ الآفاتِ والأمْراضِ كَقَتْلى ومَوْتى وحَمْقى، ولِكَوْنِ السُّكْرِ جارِيًا مَجْرى ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن تَعْطِيلِ القُوى والمَشاعِرِ جُمِعَ هَذا الجَمْعَ فَهو جَمْعُ سَكْرانَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ سَكِرٍ كَزَمْنى وزَمِنٍ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ رَجُلٌ سَكِرٌ بِمَعْنى سَكْرانَ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ «سُكْرى» بِضَمِّ السِّينِ فِيهِما، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو غَرِيبٌ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كالبُشْرى وبِهَذا أفْتانِي أبُو عَلِيٍّ وقَدْ سَألْتُهُ عَنْهُ انْتَهى.
وإلى كَوْنِهِ اسْمًا مُفْرَدًا ذَهَبَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ فَقالَ: فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ مِن صِفَةِ الواحِدَةِ مِنَ الإناثِ لَكِنَّها لَمّا جُعِلَتْ مِن صِفاتِ النّاسِ وهم جَماعَةٌ أُجْرِيَتِ الجَماعَةُ بِمَنزِلَةِ المُؤَنَّثِ المُوَحَّدِ، وعَنْ أبِي زُرْعَةَ «سَكْرى» بِفَتْحِ السِّينِ «بِسُكْرى» بِضَمِّها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «سَكْرى» بِفَتْحِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ( بِسُكارى ) بِالضَّمِّ والألِفِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والخِلافُ في فَعالى أهْوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ مَشْهُورٌ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي سبعون وخمس آيات مكية وثلاث آيات مدنية قول الله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، يقول: أطيعوا ربكم، ويقال: اخشوا ربكم.
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ، يعني: قيام الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ يقول: هولها عظيم والزلزلة والزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة من قولهم: زلت قدمه، إذا زالت عن الجهة سرعة.
ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ ، أي: تشتغل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، يعني: ذات ولد رضيع.
ويقال: تحَير كل والدة عن ولدها.
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ، أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.
وروى منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال: هذا بين يدي الساعة، وقال مقاتل: وذلك قبل النفخة الأولى، ينادي ملك من السماء: يا أيها الناس أتى أمر الله، فيسمع الصوت أهل الأرض جميعاً، فيفزعون فزعاً شديداً، ويموج بعضهم في بعض، فيشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتزلزلت الأرض، وطارت القلوب.
وعن سعيد بن جبير أنه قال: إنما هو عند النفخة الأولى التي هي الفزع الأكبر، ويقال: هو يوم القيامة.
وقال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الدبيلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان قال: سمعت الحسن يقول: حدّثنا عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله في مسير، فنزلت عليه هذه يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، فقال رسول الله ، أَتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذلكَ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذلك يَوْمَ يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لآدمَ : قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ أَهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ: فيقولُ آدَمْ: وَمَا بَعْثُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟
يقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ.
قال: فَأَنْشَأَ القَوْمُ يبكون.
فقال النبيّ : إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ قَطَّ، إلاَّ كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ، فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ.
فإنْ لَمْ يَكُنْ كملَ العددُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، أخذَ من المنافقينَ.
وَمَا مَثَلُكُمْ في الأمَمِ، إلا كَمَثَلِ الرّقْمَةِ في ذِراعٍ، وَكالشَّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَكبروا، ثم قال: إنَّ مَعَكُمْ الخليقتين ما كانتا في شَيْءٍ إلا كَثَّرَتَاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ ومن مات من كفرةِ الجَنَّةِ وَالإنْسِ» (١) وروى أبو سعيد الخدري، عن رسول الله أنه قال: «يَقُولُ الله تَعَالَى لآدَمَ: قُمْ فَابْعَثْ أهل النار.
فقال: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ أَهْلِ النَّارِ؟
فيقولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتسعةٌ وتسعون.
فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ ما فِي بَطْنِها (٢) ثم قال عز وجل: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى من الهول أي كالسكارى وَما هُمْ بِسُكارى ، يعني: وما هم بسكارى من الشراب.
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ قرأ حمزة والكسائي وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى بغير ألف، وقرأ الباقون سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى كلاهما بالألف.
وروي عن ابن مسعود وحذيفة ما أنهما قرءا سُكارى وهو اختيار أبي عبيدة، وروي عن أبي زرعة: أنه قرأ على الربيع بن خثيم وَتَرَى بضم التاء، وقراءة العامة بالنصب.
(١) أخرجه الترمذي (3169) وقال: حديث من صحيح- وأحمد 4/ 434 وعزاه السيوطي: 6/ 4 إلى الترمذي وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم ومصححه وابن مردويه من طرق.
(٢) أخرجه البخاري (3348) و (4741) ومسلم (379) (222) وعزاه السيوطي 6/ 6 إلى البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.
<div class="verse-tafsir"
وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى.
والحَمْلُ: - بفتح الحاء- ما كان في بطن أو على رأس شجرة.
وقوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
تشبيهاً لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن «١» وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ:
«سكرى» في الموضعين «٢» .
قال سيبويه «٣» : وقوم يقولون: سكرى جعلوه مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام «٤» ، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ الله تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة «٥» ، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و «أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله:
سُورَةُ الحَجِّ * فَصْلٌ: في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، غَيْرُ آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ ، والَّتِي تَلِيها [ الحَجّ ١٢، ١٣ ] .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ.
.
.
﴾ إلى آخَرِ الأرْبَعِ [ الحَجّ: ٥٣ - ٥٧ ] .
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها [ الحَجّ: ٢٠ - ٢٢ ] .
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أوَّلُها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ وسائِرُها مَكِّيٌّ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمِيدِ ﴾ \[ الحَجّ ٢٠ - ٢٥ \] .
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ: هي مِن أعاجِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، وحَضَرِيًّا وسَفَرِيًّا، وحَرْبِيًّا وسِلْمِيًّا، ولَيْلِيًّا ونَهارِيًّا، وناسِخًا ومَنسُوخًا.
فَأمّا المَكِّيُّ: فَمِن رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها إلى آخِرِها.
وَأمّا المَدَنِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ.
وَأمّا اللَّيْلِيُّ: فَمِن أوَّلِها إلى آخَرِ خَمْسِ آياتٍ.
وَأمّا النَّهارِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسِ [ آياتٍ ] إلى رَأْسِ تِسْعٍ.
وَأمّا السَّفَرِيُّ: فَمِن رَأْسِ تِسْعٍ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَأمّا الحَضَرِيُّ: فَإلى رَأْسِ العِشْرِينَ [ مِنها ]، نُسِبَ إلى المَدِينَةِ لِقُرْبِ مُدَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْذَرُوا عِقابَهُ، ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ الزَّلْزَلَةُ: الحَرَكَةُ عَلى الحالَةِ الهائِلَةِ.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النُّشُورِ.
رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ: " ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقالَ: تَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟
فَإنَّهُ يَوْمَ يُنادِي الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النّارِ "»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِآدَمَ: قُمْ، فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النّارِ ؟
قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ المَوْلُودُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "، وقَرَأ الآيَةَ» .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها، يَعْنِي: أنَّها تُقارِبُ قِيامَ السّاعَةِ وتَكُونُ مَعَها.
وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ القِيامَةِ، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورَوى أبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ القِيامَةِ، بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَناثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَفَزِعَ الجِنُّ إلى الإنْسِ، والإنْسُ إلى الجِنِّ، واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ، فَماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَقالَتِ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ، فانْطَلَقُوا إلى البُحُورِ، فَإذا هي نارٌ تَأجَّجُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، والسَّماءُ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ جاءَتْهم الرِّيحُ فَماتُوا.
وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وذَلِكَ أنْ مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا أيُّها النّاسُ أتى أمْرُ اللَّهِ، فَيَفْزَعُونَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَيَشِيبُ الصَّغِيرُ وتَضَعُ الحَوامِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي: الزَّلْزَلَةَ، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَسْلُو عَنْ ولَدِها وتَتْرُكُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: تُشْغَلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْهِلُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ( كُلَّ ) بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ أرادَ - والله أعْلَمُ - الفِعْلَ، ولَوْ أرادَ الصِّفَةَ فِيما نَرى لَقالَ: مُرْضِعٍ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ بَعْدَ البَعْثِ لا تَكُونُ حُبْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( وتُرى ) بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْنى ﴿ سُكارى ﴾ : مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ مِنَ الشَّرابِ، والمَعْنى: تَرى النّاسَ كَأنَّهم سُكارى مِن ذُهُولِ عُقُولِهِمْ؛ لِشِدَّةِ ما يَمُرُّ بِهِمْ، يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( سَكْرى وما هم بِسَكْرى ) وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وَهُوَ وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَلْكى والجَرْحى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( سُكارى وما هم بِسُكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ والرّاءِ وإثْباتِ الألَفِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكْرَهم مِن خَوْفِ عَذابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وفِيما جادَلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَذَّبَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ أيْ: إنَّما يَقُولُهُ بِإغْواءِ الشَّيْطانِ لا بِعِلْمٍ.
﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ ما يُسَوِّلُ لَهُ، ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " المَرِيدِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ : ﴿ كُتِبَ ﴾ بِمَعْنى: قُضِيَ، والهاءُ في " عَلَيْهِ " وفي ﴿ تَوَلاهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( كَتَبَ ) بِفَتْحِ الكافِ، ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، [ ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ] .
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( إنَّهُ )، ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ السَّعِيرِ ﴾ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٠ ) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ [الحَجُّ: ١٩] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُنَّ أرْبَعُ آياتٍ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ، وقالَ الضَحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ ، فَهُنَّ مَكِّيّاتٌ، وعَدَّ النَقاشُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ عَشْرُ آياتٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: السُورَةُ مُخْتَلَطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ ومِنها مَدَنِيٌّ، وهَذا هو الأصَحُّ -واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ الآياتِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ أوَّلُ السُورَةِ في السَفَرِ عَلى رَسُولِ اللهِ فَنادى بِها فاجْتَمَعَ الناسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذا؟
فَبَهِتُوا، فَقالَ: يَوْمَ يَقُولُ اللهُ: يا آدَمُ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَيُخْرِجُ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةً وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، قالَ: فاغْتَمَّ الناسُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "أبْشِرُوا، فَمِنكم رَجُلٌ ومِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفُ رَجُلٍ...» الحَدِيثُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ﴾ صَدْرُ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِجَمِيعِ العالِمْ، ثُمْ أوجَبَ الخَبَرُ وأكَّدَهُ بِأمْرِ زَلْزَلَةِ القِيامَةِ، وهي إحْدى شَرائِطِها، سَمّاها شَيْئًا؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ مُتَيَقِّنٌ وُقُوعَها يَسْتَسْهِلُ لِذَلِكَ أنْ تُسَمّى شَيْئًا وهي مَعْدُومَةٌ؛ إذِ اليَقِينُ بِها يُشَبِّهُها بِالمَوْجُوداتِ، وأمّا عَلى المَآلِ، أيْ هي - إذا وقَعَتْ - شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الاسْمَ الآنَ، بَلِ المَعْنى: إنَّها إذا كانَتْ فَهي حِينَئِذٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
و "الزَلْزَلَةُ": التَحْرِيكُ العَظِيمُ، وذَلِكَ مَعَ نَفْخَةِ الفَزَعِ، ومَعَ نَفْخَةِ الصَعْقِ حَسْبَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ مِن ثَلاثِ نَفَخاتٍ.
ومِن لَفْظِ الزَلْزَلَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَعْرِفُ الجاهِلُ المُضَلِّلُ أنِ الدَهْـ ـرَ فِيهِ النَكْراءُ والزِلْزالُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الزَلْزَلَةُ" في الآيَةِ عِبارَةً عن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا ﴾ ، وكَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «اللهُمُ اهْزِمْهم وزَلْزِلْهم»، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ هي كالمَعْهُودَةِ في الدُنْيا إلّا أنَّها في غايَةِ الشِدَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الزَلْزَلَةِ" المَذْكُورَةِ، هَلْ هي في الدُنْيا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ القِيامَةُ، أمْ هي في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هي في الدُنْيا، والضَمِيرُ في "تَرَوْنَها" عائِدٌ عَلى الزَلْزَلَةِ، وقَوّى قَوْلَهم أنَّ الرِضاعَ والحَمْلَ إنَّما هو في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَلْزَلَةٌ" في يَوْمِ القِيامَةِ، واحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ أنَسٍ المَذْكُورِ آنِفًا؛ إذْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ الآيَةَ ثُمْ قالَ: «إنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنِ النَبِيَّ قَرَأ الآيَةَ المُتَضَمِّنَةَ ابْتِداءَ أمْرِ الساعَةِ، ثُمْ قَصَدَ في تَذْكِيرِهِ وتَخْوِيفِهِ إلى فَصْلٍ مِن فُصُولِ يَوْمِ القِيامَةِ فَنَصَّ ذِكْرَهُ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، والضَمِيرُ عِنْدَ هَذِهِ الفِرْقَةِ عائِدٌ عَلى الساعَةِ، أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ابْتِداءَها في الدُنْيا، فَيَصِحُّ لَهم بِهَذا التَأْوِيلِ ألّا يَلْزَمَهم وُجُودَ الرِضاعِ والحَمْلِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ أعادُوهُ عَلى الزَلْزَلَةِ فَسَدَ قَوْلُهم بِما يَلْزَمُهم.
عَلى أنَّ النَقاشَ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِـ "كُلِّ ذاتِ حَمْلٍ" مَن ماتَ مِنَ الإناثِ ولَدُها في جَوْفِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"الذُهُولُ": الغَفْلَةُ عَنِ الشَيْءِ بِطُرُوءِ ما يَشْغَلُ عنهُ مِن هَمٍّ أو وجَعٍ أو غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: تَتْرُكُ ولَدَها لِلْكَرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تُذْهِلُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ "كَلَّ"، وألْحَقَ الهاءَ في "مُرْضِعَةٍ" لِأنَّهُ أرادَ فاعِلاتِ ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَأجْراهُ عَلى الفِعْلِ، وأمّا إذا أخْبَرَتْ عَنِ المَرْأةِ بِأنَّ لَها طِفْلًا تُرْضِعُهُ فَإنَّما تَقُولُ: "مُرْضِعٌ" مِثْلُ "حامِلٍ"، قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذِهِ الهاءُ في "مُرْضِعَةٍ" تَرُدُّ عَلى الكُوفِيِّينَ قَوْلَهُمْ: إنَّ الهاءَ لا تَكُونُ فِيما لا تَلْبَسُ لَهُ بِالرِجالِ، وحَكى الطَبَرِيِّ أنَّ بَعْضَ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ قالَ: أُمُ الصَبِيِّ مُرْضِعَةٌ، والمُسْتَأْجَرَةٌ لَهُ مُرْضِعٌ.
و"الحَمْلُ" بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ أو عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الناسَ سُكارى ﴾ تَشْبِيهٌ لَهُمْ؛ أيْ: مِنَ الهَمِّ، ثُمْ نَفى عنهُمُ السُكْرَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مِنَ الخَمْرِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُكارى" بِضَمِّ السِينِ وثُبُوتِ الألْفِ، وكَذَلِكَ في الثانِي، وهَذا هو البابُ، فَمَرَّةً جَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ جَمْعًا، ومَرَّةً جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ بِفَتْحِ السِينِ فِيهِما، وهَذا أيْضًا قَدْ يَجِيءُ في هَذِهِ الجُمُوعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرٌ، وقالَ أبُو حاتِمْ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "سَكْرى" في المَوْضِعَيْنِ، ورَواهُ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَبِيِّ ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةٍ، وأصْحابِ عَبْدِ اللهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ "سَكْرى"، جَعَلُوهُ مِثْلَ "مَرْضى"؛ لِأنَّهُما شَيْئانِ يَدْخُلانِ عَلى الإنْسانِ، ثُمْ جَعَلُوا "رَوْبى" مِثْلَ "سَكْرى" وهُمُ المُسْتَثْقَلُونَ نَوْمًا مِن شُرْبِ الرائِبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "سَكْرى" جُمَعَ "سُكْرٍ" كَزَمَنِي وزَمَنٍ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: رَجُلٌ سَكِرٌ بِمَعْنى سَكْرانٌ، فَيَجِيءُ سَكْرى حِينَئِذٍ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَما العَلامَةُ في "طائِفَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَتَرى الناسَ سَكْرى وما هم بِسُكارى" بِالضَمِّ والألِفَ.
وحَكى المَهْدَوِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "وَتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسَكْرى"، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ في المَوْضِعَيْنِ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كالبُشْرى، وبِهَذا أفْتانِي أبُو عَلِيٍّ، وقَدْ سَألْتُهُ عن هَذا.
وقَرَأ أبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَتُرى" بِضَمِّ التاءِ، "الناسَ" بِالنَصْبِ، قالَ: وإنَّما هي بِحَسْبِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ "وَتُرى الناسُ" بِضَمِّ التاءِ والسِينِ؛ أيْ: تَرى جَماعَةَ الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ يوم ترونها تذهل ﴾ الخ...
بيان لجملة ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ [الحج: 1] لأن ما ذكر في هذه الجملة يبيّن معنى كونها شيئاً عظيماً وهو أنه عظيم في الشرّ والرعب.
ويتعلق ﴿ يوم ترونها ﴾ بفعل ﴿ تذهل.
﴾ وتقديمُه على عامله للاهتمام بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس.
وأصل نظم الجملة: تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم تَرون زَلزلة الساعة.
فالخطاب لكلّ من تتأتّى منه رُؤية تلك الزَلزلة بالإمكان.
وضمير النصب في ﴿ ترونها ﴾ يجوز أن يعود على ﴿ زلزلة ﴾ [الحج: 1] وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأنّ الزلزلة تُسمع ولا ترى.
ويجوز أن يعود إلى الساعة.
ورؤيتُها: رؤيةُ ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ومشاهدة أهوال العذاب.
وقرينة ذلك قوله ﴿ تذهل كل مرضعة ﴾ الخ.
والذهول: نسيان ما من شأنه أن لا يُنسى لوجود مقتضى تذكره؛ إما لأنه حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه، فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان لأنه أدل على شدّة التشاغل.
قاله شيخنا الجدّ الوزير قال: وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره.
وكلّ ذلك يدل بدلالة الأوْلى على ذهول غيرها من النساء والرجال.
وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدّة الهول وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقليّة وليست لفظية.
والتحقت هاء التأنيث بوصف ﴿ مرضعة ﴾ للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل، فإن الفعل الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تَلحقه علامة التأنيث ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبّس بالإرضاع، كما يقال: هي ترضع..
ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال: كلّ مرضع، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث والمذكر خيفة اللبس.
وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة وقد تلقاها الجميع بالقبول ونظمها ابن مالك في أرجوزته «الكافية» بقوله: وما من الصفات بالأنثى يخص *** عن تاء استغنى لأنّ اللفظ نص وحيث معنى الفعل تنوي التاء زد *** كذي غدت مُرضعة طِفلاً وُلِد والمراد: أن ذلك يحصل لكلّ مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا.
فالمعنى الحقيقي مراد، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعاً، فأطلق ذهول المرضع وذات الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن عِلقه على طريقة الكناية.
وزيادة كلمة (كلّ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها.
ثمّ تقتضي هذه الكناية كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام أنه أظهر في تصوير حالة الفزع والهلع بحيث يذهل فيه من هو في حال شدّة التيقظ لوفرة دواعي اليقظة.
وذلك أن المرأة لشدّة شفقتها كثيرة الاستحضار لما تشفق عليه، وأن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها، وأنها في حال ملابسة الإرضاع أبعد شيء عن الذهول فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال دلّ ذلك على أن الهول العارض لها هول خارق للعادة.
وهذا من بديع الكناية عن شدة ذلك الهول لأن استلزام ذهول المرضع عن رضيعها لشدّة الهول يستلزم شدّة الهول لغيرها بطريق الأوْلى، فهو لزوم بدرجة ثانية، وهذا النوع من الكناية يسمى الإيماء.
و (مَا) في ﴿ عما أرضعت ﴾ موصولة ما صْدقُها الطفل الرضيع.
والعائد محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، وحذفُ مثله كثير.
والإتيان بالموصول وصلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها وهي في عمل متعلّق به وهو الإرضاع زيادة في التكني عن شدة الهول.
وقوله ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها ﴾ هو كناية أيضاً كقوله ﴿ تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ .
ووضع الحمل لا يكون إلا لشدة اضطراب نفس الحامل من فرط الفزع والخوف لأنّ الحمل في قرار مكين.
والحمل: مصدر بمعنى المفعول، بقرينة تعلقه بفعل ﴿ تضعُ ﴾ أي تضع جنينها.
والتعبير ب ﴿ ذات حمل ﴾ دون التعبير: بحامل، لأنه الجاري في الاستعمال في الأكثر.
فلا يقال: امرأة حامل، بل يقال: ذات حمل قال تعالى: ﴿ وأُولاتُ الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ [الطلاق: 4]، مع ما في هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها إياه لسبب مفظع.
والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في ﴿ تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ .
والخطاب في ﴿ ترى الناس ﴾ لغير معيّن، وهو كل من تتأتى منه الرؤية من الناس، فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله ﴿ يوم ترونها ﴾ ، وإنما أوثر الإفرادُ هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع.
وعدل عن فعل المضي إلى المضارع في قوله ﴿ وترى لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله فتثير سحاباً ﴾ [الروم: 48] وقوله ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38].
وقرأ الجمهور ﴿ سُكارى ﴾ بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف.
ووصف الناس بذلك على طريقة التشبيه البليغ.
وقوله بعده ﴿ وما هم بسكارى ﴾ قرينة على قصد التشبيه وليبنى عليه قوله بعده ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ .
وقرأه حمزة والكسائي ﴿ سَكرى ﴾ بوزن عَطشى في الموضعين.
وسُكارى وسَكرى جمع سكران.
وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر، وقياس جمعه سكارى.
وأما سَكرَى فهو محمول على نَوْكى لما في السكر من اضطراب العقل.
وله نظير وهو جمع كسلان على كُسالى وكَسلى.
وجملة ﴿ وما هم بسكارى ﴾ في موضع الحال من الناس.
و ﴿ عذاب الله ﴾ صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجَع، وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبْن ملائكة العذاب.
وجملة ﴿ وما هم بسكارى ﴾ في موضع الحال من النّاس.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مَكِّيّاتٍ، مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ إلى آخِرِ الأرْبَعِ.
وَحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ وما بَعْدَها، لِأنَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مَدَنِيٌّ و ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ مَكِّيٌّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ في زَلْزَلَتِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في الدُّنْيا، وهي أشْراطُ ظُهُورِها، وآياتُ مَجِيئِها.
والثّانِي: أنَّها في القِيامَةِ.
وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَفْخُ الصُّوَرِ لِلْبَعْثِ.
والثّانِي: أنَّها عِنْدَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلْقِ.
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي زَلْزَلَةَ السّاعَةِ.
﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْلُو كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَنْ ولَدِها، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّانِي: تَشْتَغِلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ والثّالِثُ: تَلْهُو عَنْهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ أذاهِلٌ أنْتَ عَنْ سَلْماكَ لا بَرِحَتْ ∗∗∗ أُمٌّ لَسْتُ ناسِيها ما حَنَّتِ النِّيبُ والرّابِعُ: تَنْساهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، قالَ الشّاعِرُ: تَطاوَلَتِ الأيّامُ حَتّى نَسِيتَها ∗∗∗ كَأنَّكَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ذاهِلُ ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ﴾ قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ الأُمُّ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتُلْقِي الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ.
﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هم سُكارى مِنَ الخَوْفِ، وما هم بِسُكارى مِنَ الشَّرابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن الحسن وغيره، عن عمران بن حصين قال: لما نزلت ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال: «أتدرون أي يوم ذلك» ؟
قالوا الله ورسوله أعلم!
قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار.
قال: يا رب، وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة» فانشأ المسلمون يبكون.
فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- «قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوّة قط، إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت، وإلا أكملت من المنافقين، وما مثلكم: إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا!
ثم قال:إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا!
ثم قال:إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا!
قال: فلا أدري قال الثلثين أم لا» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن مردويه، عن عمران بن حصين قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفاوت بين اصحابه في السير، فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته بهاتين الآيتين ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إن عذاب الله شديد ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذلك يوم ينادي الله تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول: يا آدم ابعث بعث النار، فيقول أي رب، وما بعث النار؟
فيقول من كل ألف تسعمائه وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد في الجنة» فتعبس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة!
فلما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي بأصحابه قال: «اعملوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، أنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا أكثرتاه؛ يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس فسري عن القوم بعض الذي يجدون قال اعملوا وابشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة» .
وأخرج ابن جرير «عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل عن غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة، قرأ ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ فذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه: لم يكن رسولان إلا أن كان بينهما فترة من الجاهلية فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثرتاه، وهم يأجوج ومأجوج وهم أهل النار، وتكمل العدة من المنافقين» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أنس قال: «نزلت ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال: أتدرون أي يوم هذا؟
هذا يوم يقول الله لآدم: يا آدم، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا وابشروا، فوالذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا أكثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن» .
وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية- وأصحابه عنده- ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ فقال: هل تدرون أي يوم ذاك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك يوم يقول الله يا آدم، قم فابعث بعث النار.
فيقول: يا رب، من كم؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة.
فشق ذلك على القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ثم قال: اعملوا وأبشروا، فإنكم بين خليقتين لم تكونا مع أحد إلا أكثرتاه: يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإنما أمتي جزء من ألف جزء» .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في غزوة بني المصطلق، إذ أنزل الله: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ فلما أنزلت عليه وقف على ناقته ثم رفع بها صوته فتلاها على أصحابه، ثم قال لهم: أتدرون أي يوم ذاك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك يوم يقول الله لآدم: يا آدم، ابعث بعث النار من ولدك.
فيقول: يا رب، من كل كم؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة.
فبكى المسلمون بكاء شديداً ودخل عليهم أمر شديد.
فقال: والذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء، وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له...
فذكر نحوه.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، ابعث بعث النار.
فيقول: يا رب، وما بعث النار؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون.
فعند ذلك يشيب الوليد ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ﴾ قال: فشق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ويبقى الواحد!
فأينا ذلك الواحد؟
فقال: من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد...
وهل أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في الثور الأبيض؟
أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة في قوله: ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ قال: الزلزلة، قبل الساعة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي، أنه قرأ ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ قال: هذا في الدنيا من آيات الساعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير في الآية.
قال: هذه أشياء تكون في الدنيا قبل يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زلزلتها شرطها.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ قال: هذا بدء يوم القيامة.
وفي قوله: ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ يوم ترونها تذهل ﴾ قال: تغفل.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴾ قال: ذهلت عن أولادها لغير فطام ﴿ وتضع كل ذات حمل حملها ﴾ قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ قال: من الخوف ﴿ وما هم بسكارى ﴾ قال: من الشراب.
وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني في كتاب الحروب، عن عمران بن حصين أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ .
وأخرج ابن مردويه وأبو الحسن الحلواني والحافظ عبد الغني بن سعيد في إيضاح الأشكال، عن أبي سعيد قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ قال الأعمش: وهي قراءتنا.
وأخرج سعيد بن منصور عن حذيفة، أنه كان يقرأ ﴿ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك، أنه قرأ ﴿ وترى الناس ﴾ يعني تحسب الناس.
قال: لو كانت منصوبة كانوا سكارى، ولكنها ﴿ ترى ﴾ تحسب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الربيع ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ قال: ذلك عند الساعة، يسكر الكبير ويشيب الصغير وتضع الحوامل ما في بطونها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وما هم بسكارى ﴾ قال: من الشراب.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ يعني (١) (٢) (٣) وانتصب ﴿ يَوْمَ ﴾ لأنه ظرف لقوله ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ﴾ أي في ذلك اليوم تذهل (٤) قال الفرَّاء: ذَهَلْتُ عن كذا.
وَذَهِلْتُ قليلة (٥) (٦) (٧) ويقال: ذَهَلَ ذَهلاً وذُهولاً، إذا ترك الشيء وتناساه [[من قوله "وتناساه" يبدأ الموجود من نسخة الظاهرية [ظ].]] على عمد أو شغله عنه شغل.
هذا معنى الذهول في اللغة (٨) فأما تفسير قوله (٩) ﴿ تَذْهَلُ ﴾ فقال الليث (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال الزجاج: تحير (١٦) وقال الكلبي: تلهى فلا تحرف ولدها صغيرًا كان أو كبيرًا، اشتغالًا بنفسها (١٧) وقال المفسرون: تنسى وتترك ولدها للكرب الذي نزل بها (١٨) وهذا قول مقاتل بن حيان (١٩) وقال ابن عباس: تُشْغل (٢٠) وقوله: ﴿ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ﴾ قال أبو إسحاق: مرضعة جاءت على الفعل على أرضعت، ويقال: امرأة موضع أي: ذات رضاع (٢١) وهذا (٢٢) (٢٣) قال المبرد: ولما (٢٤) ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ كان حق هذا مرضعه.
قوله: ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ قال الحسن في هذه الآية: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام (٢٥) وعلى هذا -وهو قول جميع المفسرين (٢٦) (٢٧) وقال المبرد: (ما) بمعنى المصدر أي: تذهل عن الإرضاع (٢٨) (٢٩) وقوله: ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ قال الكلبي: كل حبلى تضع ولدها لتمام أو غير تمام.
يعني: من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأنَّ بعد البعث لا يكون حبلى.
وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، وقد ذكرت العرب هذا في أشعارها (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) -: تضل [الحصان البكر تُلقي جنينها ...
نثا خبر فوق المُطيّ مُعلّق] (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَى النَّاسَ ﴾ قال صاحب النظم: خاطب] (٣٦) ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ ثم أفرد وترك مذهب الجمع في قوله ﴿ وَتَرَى ﴾ وذلك (٣٧) (٣٨) ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ جاز أن ينادي جميعًا ويخاطبه (٣٩) (٤٠) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ (٤١) قال الحسن: ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى ﴾ من الخوف ﴿ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ﴾ وما هم بسكارى من الشراب (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقال أهل المعاني: وترى (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) قال الفرّاء -في هذه القراءة-: وهو وجه جيّد (٥٠) وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين: أن قوله (ترى) كلمة موضوعة على الإفراد وتأويلها التشبيه، كأنَّه -عَزَّ وَجَلَّ- قال: وكأنَّ الناس سكارى.
واحتج بقول: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾ معنى ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ هاهنا للتنبيه على السؤال والإجابة، وكذلك قوله: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ وقد مرَّ.
قال: ولا ينكر أن تكون "ترى" كلمة ضمنت معنى لا يظهر في بنية صورتها (٥١) و ﴿ سُكَارَى ﴾ جمع سكران.
وقرئ (سكرى) (٥٢) قال أبو الهيثم: النعت (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال سيبريه: قالوا رجل سكران] (٦١) (٦٢) قال أبو علي: ويجوز "سكرى" من وجه آخر وهو أن سيبويه حكى رسول سَكِرٌ (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) ونحو هذا قال الفراء في قراءة من قرأ (سكرى) قال: وهو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى، والعرب تجعل فَعَلى علامة لجمع كل ذي زمانة وضرر وهلاك، ولا يبالون أكان واحده فاعلاً أم فحيلاً أم فعلان.
قال: ولو قيل "سكرى" على أن (٦٩) ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ و ﴿ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴾ (٧٠) ﴿ النَّاسَ ﴾ جماعة فجائز (٧١) أضحت بنو عامر غَضْبَى أنُوفُهم ...
أنَّى عفوت (٧٢) فقال غضبى للأنوف على ما فسَّرت لك (٧٣) وقوله: ﴿ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ دليل على سكرهم من خوف العذاب.
(١) في (ع): (معنى).
(٢) في (أ): (يرون).
(٣) استظهر هذا القول أبو حيان 6/ 249، والسمين الحلبي 8/ 222.
وقيل الضمير في قوله "ترونها" عائدٌ إلى الساعة، يعني: ترون الساعة.
وقال ابن كثير: هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: "تذهل كل مرضعة ...
" 3/ 205.
وانظر: القرطبي 12/ 4، "البحر المحيط" 6/ 349 - 350، "الدر المصون" 8/ 222.
(٤) وهذا قول الزمخشري 3/ 4، وأبي حيان 6/ 349.
وجوز أبو البقاء العكبري 2/ 139 وتبعه السمين الحلبي 8/ 222 أن يكون انتصاب (يوم) على أنه ظرف لـ"عظيم"، أو على إضمار: اذكر.
(٥) (قليلة): ساقطة من (ع).
(٦) (أنسيته): ساقطة من (أ).
(٧) ليس في المطبوع من الفراء، وفي الطبري 17/ 113 نحوه باختصار.
(٨) انظر: "ذهل" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 261، "الصحاح" للجوهري 4/ 1702، "لسان العرب" 11/ 259.
(٩) في (د)، (ع): (فأما التفسير في قوله).
(١٠) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 261 (ذهل).
وانظر: "العين" 4/ 49.
(ذهل).
(١١) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب، وذكره ابن حجر في "الفتح" 8/ 441 من رواية ابن المنذر عن الضحاك.
(١٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.
(١٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.
(١٤) هو أبو صخر، كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، الخزاعي، المدني.
شاعر == مشهور، يعرف بكثير عزة؛ لأنه تتيم بعزة بنت جميل الصخرية، وشبب بها، وهو من غلاة الرافضة القائلين بالرجعة.
مات سنة 105 هـ، وقيل 106 هـ، وقيل 107 هـ.
"طبقات فحول الشعراء" 2/ 540، "الشعر والشعراء" ص 334 - 344، "معجم الشعراء" ص 243، "سير أعلام النبلاء" 5/ 152، "شذرات الذهب" 1/ 131.
(١٥) المنشد من قول كثير هو صدر بيت له من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان، وعجزه: وأضْحى يريد الصَّرمَ أو يتبدَّل.
وهو في "ديوانه" ص 254، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44، و"الكامل" للمبرد 2/ 299.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 409.
(١٧) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون 4/ 6 مختصرًا.
(١٨) هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 113، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب.
(١٩) ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 46 ب.
(٢٠) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب.
قال القرطبي 12/ 4 بعد ذكره للأقوال المتقدمة: والمعنى متقارب.
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 409 - 410.
وفي المطبوع: ومرضحة جَارٍ على المفعل على ما أرضعت، ويقال ...
(٢٢) في (ظ)، (د)، (ع): (هذا).
(٢٣) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 635.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في "بدائع الفوائد" 4/ 21 - 22: المرضع: من لها ولد تُرضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع.
وعلى هذا فقوله تعالى "يوم ترونها ذهل كل مرضعة عما أرضعت" أبلغ من موضع في هذا المقام؛ فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرَّضاع.
(٢٤) في (ظ): (لما).
(٢٥) رواه الطبري 17/ 114.
(٢٦) انظر: الطبري 17/ 114.
(٢٧) فتكون "ما" على هذا الوجه موصولة بمعنى: الذي.
انظر "الأملاء" للعكبري 2/ 139، "البحر المحيط" 6/ 350، "الدر المصون" 8/ 224.
(٢٨) ذكره عنه القرطبي 12/ 4.
(٢٩) واستظهره أبو حيان 6/ 350 وقال: ويقويه تعدي "تضع" إلى المفعول به في قوله "حملها" لا إلى المصدر، وانظر: "الدر المصون" 8/ 224.
(٣٠) في (ظ): (أشعار).
(٣١) هو مُزَرِّد بن ضرار بن حرملة، المازني، الذبياني، العطفاني يقال: اسمه يزيد، ومزرد لقبه.
وهو فارس وشاعر جاهلي.
وكان هجاء في الجاهلية، أدرك الإسلام فأسلم.
وهو الأخ الأكبر للشماخ الشاعر.
"طبقات فحول الشعراء" 1/ 132، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 195، "معجم الشعراء" للمرزباني ص 483، "الاستيعاب" لابن عبد البر 4/ 1470، "أسد الغابة" 4/ 351، "الإصابة" 3/ 385.
(٣٢) في (د)، (ع): (أخ).
(٣٣) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٣٤) كشط في (ظ).
(٣٥) هذا البيت أحد أبيات قيلت في رثاء عمر - - كما قال الواحدي، وقد اختلف في نسبتها.
قال ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" 12/ 194: والأكثرون يروونها لمزرّد أخي الشَّمَّاخ، ومنهم من يرويها للشَّمَّاخ نفسه.
وقال التبريزي في "شرح ديوان الحماسة" 3/ 65 - معلقًا على قول أبي تمام: وقال الشَّمَّاخ يرثي عير بن الخطاب-: وقال أبو رياش: الذي عندي أنه لمزرّد أخيه، وقال أبو محمد الأعرابي: هو لُجزء بن ضرار أخيه.
والبيت في "ديوان الحماسة" لأبي تمام 1/ 541 منسوبًا للشماخ، وفي ملحق == "ديوان الشماخ" ص 448 - 449 وذكر الخلاف فيه، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 3/ 1092، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 3/ 65، و"شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد 12/ 194، والرواية عندهم: "يلقى" مكان "تُلقي"، على تقدير: يُلقى نثا خبر -يعني ظهوره- جنينها قال المرزوقي في "شرحه": الحصان العفيفة، ..
والبكر: التي حملت أول حملها، والنثا: يستعمل في الخير والشر، يقال: نثوت الكلام أنثوه نثوا، إذا أظهرته.
فيقول: ترى الحامل يسقط حملها ما ينثى من خبر سار به الركبان وتقاذفته الأقطار استفظاعًا لوقوعه واستشعارًا لكل بلاءً وخوف منه.
اهـ.
وذكر التبريزي مثل قول المرزوقي وزاد: و"نثا خبر" يجوز أن يكون مرفوعًا على أنه فاعل ومنصوبا على أنه مفعول به، وإذا كان منصوبًا يروى: تلقى -بالتاء، ومعلق نعت للخبر جعله ..
لأنَّ الراكب أخبر بقتله.
(٣٦) كشط في (ظ).
(٣٧) في (أ): (ذلك).
(٣٨) في (ظ)، (د): (أجاز).
(٣٩) في (د)، (ع): (وتخاطبه)، وفي (ظ): (مهملة).
(٤٠) في (د)، (ع): (ترجع).
(٤١) النساء: ليست في (أ).
(٤٢) رواه الطبري 17/ 115.
(٤٣) ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 23/ 4.
(٤٤) انظر الطبري 17/ 115، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 7 - 8 (٤٥) وفي (ظ): (ويرى).
(٤٦) في (ظ): (في)، وهو خطأ.
(٤٧) ذكره الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 546 باختصار، وعزاه لأهل المعاني.
(٤٨) في (ظ): (ويرى).
(٤٩) نُسبت هذه القراءة لأبي هريرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وأبي نهيك وقراءة الجمهور: "وترى" بفتح التاء.
"الشواذ" لابن خالويه ص 94، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 85، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 46 ب، القرطبي 12/ 5، "البحر المحيط" 6/ 350، "الدر المصون" 8/ 224.
(٥٠) "معانى القرآن" للفراء 2/ 215.
(٥١) العبارة في (أ): (ولا ينكر أن تكون "ترى" كلمة في معنى لا يطهر ضمنت نيه صورتها)، وهي عبارة ركيكة.
(٥٢) قرأ حمزة والكسائي: "سكرى" بفتح السين من غير ألف، وقرأ البافون: "سكارى" بضم السين وبألف بعد الكاف.
"السبعة" ص 434، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156.
(٥٣) في (ظ): (البعث)، وهو خطأ.
(٥٤) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٥٥) في (ظ): (فعال)، وهو خطأ.
(٥٦) غيارى: سا قطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى).
وغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة.
انظر: "لسان العرب" 5/ 42 "غير".
(٥٧) غيارى: ساقطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى).
وغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة.
انظر: "لسان العرب" 5/ 42 "غير".
(٥٨) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٥٩) في (أ): (بالنكوى)، هو خطأ.
والنَّوْكى: جمع أنوك، وهو: الأحمق.
"الصحاح" للجوهري 4/ 1613 (نوك).
(٦٠) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 57 (سكر).
(٦١) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٦٢) "الكتاب" لسيبويه 3/ 649.
(٦٣) "الكتاب" لسيبويه 3/ 646.
(٦٤) في (أ): (فعل)، وهو خطأ.
(٦٥) زَمن: أي مبتلى بين الزَّمانة، والزمَّانة: العاهة.
"لسان العرب" 13/ 199 (زمن).
ضمن: هو الذي به ضمانة في جسده من زمانة أو بلاء أو كسر أو غيره.
"الصحاح" للجوهري 6/ 2155، "لسان العرب" 13/ 260 (ضمن).
(٦٦) (الباضعة): مهملة في (أ).
والباضعة هي: الفرق من الغنم، أو القطعة التي انقطعت من الغنم.
"الصحاح" للجوهري 3/ 1186 (بضع)، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي 3/ 5.
(٦٧) تصحفت في المطبوع من "الحجة" إلى: الطائعة.
والطائفة من الشيء: القطعة والجزء منه.
ومنه الجماعة من الناس.
"الصحاح" للجوهري 4/ 137 (طوف)، "لسان العرب" 9/ 226 (طوف).
(٦٨) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 266 - 267.
وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 419، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 472، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 116.
(٦٩) (أنَّ): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).
(٧٠) طه: 51، القصص: 43.
(٧١) في (ظ): (فجاز).
(٧٢) في (أ): (عفرت)، وهو خطأ.
(٧٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 214 - 215.
والبيت الذي أنشده الفراء قال عنه: وأنشدني بعضهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا ﴾ العامل في الظرف تذهل، والضمير للزلزلة، وقيل: الساعة، وذلك ضعيف لما ذكرنا؛ إلا أن يريد ابتداء أمرها ﴿ تَذْهَلُ ﴾ الذهول هو الذهاب عن الشيء ثديها مع دهشة ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ إنما لم يقل مرضع، لأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقال: مرضعة ليكون ذلك أعظم في الذهول، إذ تنزع ثديها من فم الصبي حينئذ ﴿ وَتَرَى الناس سكارى ﴾ تشبيه بالسكارى من شدّة الغمّ ﴿ وَمَا هُم بسكارى ﴾ نفي لحقيقة السكر، وقرأ سَكْرى والمعنى متفق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ قد ذكرنا تأويله في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: إن بين يدي السّاعة آيات تحجبن التوبة وقبول الإيمان، منها: الزلزلة التي ذكر، ومنها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجّال، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وأمثاله، وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ .
وجائز - عندنا - أن تكون هذه الآيات غاية لقبول التوبة والإيمان، يقبل إلى ذلك الوقت، ولا يقبل بعد ذلك وإن تابوا وآمنوا.
أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون لما تشغلهم تلك الآيات عن ذلك فلا يؤمنون؛ لأن تلك الآيات تعم الخلائق كلهم: المؤمن والكافر جميعاً؛ فلا يعرف المبطل والضال أنه على الضلال والباطل، فيرجع إلى الهدى والحق، ليس كعذاب ينزل على قوم خاصة؛ لأن ذلك يعرف أولئك أنه إنما ينزل بهم خاصّة؛ لما فيهم من التكذيب والعناد، وإذا كانت الآيات عامة، لم يعرف أهل الضلال أنهم على باطل، وأنه إنما ينزل بسببهم؛ لما يرونه أنه قد عمّ الخلائق كلها، فقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون، كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يكون لهم من يشفع، ليس أن يكون لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ لأنهم يشغلون عن الإيمان فلا يؤمنون، فلا ينفع لهم، على ما ذكرنا.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : قبل الساعة، وقيل: القيامة.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ هي الساعة، وصفها بالشدّة والفزع فقال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ ﴾ أي: تشغل كل مرضعة؛ لشدّة أهوالها وأفزاعها ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ هذا على قول من يقول: إن زلزلة الساعة قبل السّاعة يكون على التحقيق، أي: تذهل عما أرضعت، وتضع حملها؛ لأنها تكون في ذلك الوقت مرضعاً وحاملا؛ فتذهل - لأهوال ذلك وأفزاعه - عن ولدها، وتضع ما في بطنها، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [عبس: 34]، فذكر هؤلاء؛ لأن من أصاب شيئاً من البلاء في هذه الدنيا يفزع إلى هؤلاء، فيخبر أن في ذلك اليوم يفر بعض من بعض لشدة ذلك اليوم وهوله؛ لشغله بنفسه.
وعلى قول من يقول: إن زلزلة الساعة هي الساعة؛ فيخرج قوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...
﴾ الآية على التمثيل، أي: تذهل عما أرضعت أن لو كانت مرضعة، وتضع حملها أن لو كانت حاملا؛ لشدته وهوله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ أي: من مكن له وقوي يرى الناس كأنّهم سكارى وما هم بسكارى، وإلا لم يجز أن يراهم سكارى وليسوا هم بسكارى في الحقيقة.
وإنما قلنا: إنه يرى من مكنّ له وقوي، وإلا لو كانوا كلهم سكارى، لكان لا يراهم سكارى؛ لأن السكران لا يرى من كان في مثل حاله سكران.
أو أن يكون خاطب به رسوله، ولا يكون فيه ذلك الهول الذي يكون في غيره.
أو أن يكون ذلك على التمثيل، وليس على التحقيق.
وقول أهل التأويل: يقول لآدم في ذلك: "قم فابعث بعث النار"، فيقول: يا ربّ كم؟
فيقول: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، وواحد في الجنة" ، ويروون الأخبار في ذلك عن رسول الله ، فإن ثبت ما روي عنه في ذلك وإلا الكف عن مثله أولى؛ لأنه يحزن حيث يؤمر أن يتولى بعث ولده إلى النار من غير أن كان ما يستوجب هذه العقوبة.
قال القتبي: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي تسلو عن ولدها وتتركه.
وقال أبو عوسجة: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي: تنسى، يقال: ذهل يذهل ذهولا، وأذهلته؛ أي: أنسيته.
وقال غيره: أي: تشغل، والحمل بالنصب: ما في البطن، والحمل بالخفض: ما على الظهر، والزلزلة: الرجفة، يقال: زلزلت، أي: حركت، وتزلزلت، أي: تحركت.
<div class="verse-tafsir"
يوم تشاهدونها تغفل كلّ مرضعة عن رضيعها، وتُسْقِط كل صاحبة حمل حملها من شدة الخوف وترى الناس من غياب عقولهم مثل السكارى من شدة هول الموقف، وليسوا سكارى من شرب الخمر، ولكن عذاب الله شديد، فقد أفقدهم عقولهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.BPJpg"