الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ذاما لمن كذب بالبعث ، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى ، معرضا عما أنزل الله على أنبيائه ، متبعا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد ، من الإنس والجن ، وهذا حال أهل الضلال والبدع ، المعرضين عن الحق ، المتبعين للباطل ، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين ، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة ، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء ، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) ، أي : علم صحيح ، ( ويتبع كل شيطان مريد)
ذكر أن هذه الآية نـزلت في النضر بن الحارث.
حدثنا القاسم، فال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) قال: النضر بن الحارث (8) .
ويعني بقوله ( مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بلي وصار ترابا، بغير علم يعلمه، بل بجهل منه بما يقول.(وَيَتَّبِعُ ) في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم ( كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ) .
---------------------- الهوامش : (8) كان النضر بن الحارث بن كلدة قد أخذ الطب والفلسفة مع أبيه في الحيرة .
قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريدقوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم قيل : المراد النضر بن الحارث ، قال : إن الله - عز وجل - غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا .
( ويتبع ) أي في قوله ذلك .
كل شيطان مريد متمرد .
أي: ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق، والحال أنهم في غاية الجهل ما عندهم من العلم شيء، وغاية ما عندهم، تقليد أئمة الضلال، من كل شيطان مريد، متمرد على الله وعلى رسله، معاند لهم، قد شاق الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار.
قوله عز وجل ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) نزلت في النضر بن الحارث كان كثير الجدل وكان يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا قوله تعالى : ( ويتبع ) أي يتبع في جداله في الله بغير علم ( كل شيطان مريد ) والمريد المتمرد المستمر في الشر
ونزل في النضر بن الحارث وجماعته «ومن الناس من يجادل في الله بغير علم» قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا «ويتبع» في جداله «كل شيطان مريد» أي متمرد.
وبعض رؤوس الكفر من الناس يخاصمون ويشككون في قدرة الله على البعث؛ جهلا منهم بحقيقة هذه القدرة، واتباعًا لأئمة الضلال من كل شيطان متمرد على الله ورسله.
وبعد هذا الافتتاح الذى يغرس الخوف فى النفوس ، ويحملها على تقوى الله وخشيته ، ساقت السورة حال نوع من الناس يجادل بالباطل ، ويتبع خطوات الشيطان ، فقال - تعالى - : ( وَمِنَ الناس .
.
) .و ( مِنَ ) فى قوله ( وَمِنَ الناس ) للتبعيض .
وقوله ( يُجَادِلُ ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المنازعة والمخاصمة والمغالبة ، مأخوذ من جدلت الحبل .
أى : أحكمت فتله ، كأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه .والمراد بالمجادلة فى الله : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته .وقوله : ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) حال من الفاعل فى يجادل .
وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد .أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون فى ذات الله وصفاته ، وفى وحيه وفى أحكامه بغير مستند من علم عقلى أو نقلى ، وبغير دليل أو ما يشبه الدليل .وقوله - سبحانه - ( وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ) معطوف على ما قبله .
والمريد والمتمرد : البالغ أقصى الغاية فى الشر والفساد ، يقال : مرد فلان على كذا - من باب نصر وظرف - إذا عتا وتجبر واستمر على ذلك .وأصل المادة للملاسة والتجرد ، ومنه قولهم : شجرة مرداء أى ملساء لا ورق لها .
وغلام أمرد .
أى : لم ينبت فى ذقنه شعر .
.
.أى : يجادل فى ذات الله وصفاته بغير علم يعلمه ، ويتبع فى جداله وتطاوله وعناده ، كل شيطان عاد عن الخير ، متجرد للفساد ، لا يعرف الحق أو الصلاح ، ولا هما يعرفانه ، وإنما هو خالص للشر والغى والمنكر من القول والفعل .وتقييد الجدال بكونه بغير علم ، يفهم منه أن الجدال بعلم لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، سائغ محمود ، ولذا قال الإمام الفخر الرازى : " هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل ، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة " ، فالمجادلة الباطلة هى المرادة من قوله - تعالى - : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً .
.
.
) والمجادلة الحقة هى المرادة من قوله : ( وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ .
.
).
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله.
ثم بين في هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا في الأول.
وأخبر عن مجادلتهم الثاني: أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها، فإن من الناس من يجادل في الله بغير علم، ثم في قوله: ﴿ وَمِنَ الناس ﴾ وجهان: الأول: أنهم الذين ينكرون البعث، ويدل عليه قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إلى آخر الآية.
وأيضاً فإن ما قبل هذه الآية وصف البعث وما بعدها في الدلالة على البعث، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة في البعث والثاني: أنها نزلت في النضر بن الحرث، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين، ويقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.
المسألة الثانية: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ .
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ ﴾ قولان: أحدهما: يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني: أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس، يقال صخرة مرداء أي ملساء، ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز حد مثله.
أما قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله والثاني: كتب عليه في أم الكتاب، واعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان، يحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد منهما، فإن رجع إلى من يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار.
وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلاً لهذا الوعيد، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال.
وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل، ويجوز أن يقضي على من يقبله بقوله، قد أضله عن الجنة وهداه إلى النار.
قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان لا وقوعه محالاً.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن المجادل في الله إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية.
المسألة الثالثة: قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في الله ليست من خلق الله تعالى وبإرادته، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان، وكان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله والجواب: المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعي.
المسألة الرابعة: قرئ (أنه) بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب والثاني عطف عليه، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما يقول كتبت أن الله هو الغني الحميد، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.
<div class="verse-tafsir"
قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان جدلاً يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم ولا يعضّ فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل ﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ في ذلك خطوات ﴿ كُلّ شيطان ﴾ عات، علم من حاله وظهر وتبين أنه من جعله ولياً له لم تثمر له ولايته إلا الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار.
وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت كل هذا دخولاً أوّلياً، بل هم أشدّ الشياطين إضلالاً وأقطعهم لطريق الحق، حيث دوّنوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا، وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، وإياهم عنى من قال: وَيَا رُبَّ مَقْفُوِّ الْخُطَا بَيْنَ قَوْمِهِ ** طَرِيقُ نَجَاةٍ عِنْدَهُمْ مُسْتَوٍ نَهْجُ وَلَوْ قَرَؤا في اللَّوْحِ مَا خُطَّ فِيهِ مِنْ ** بَيَانِ اعْوِجَاجٍ في طَرِيقَتِهِ عَجُّوا اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك، وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
والكتبة عليه مثل، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله.
وقرئ (إنه) فأنه بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب، والثاني عطف عليه.
ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت: إنّ الله هو الغني الحميد.
أو على تقدير: قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ وكانَ جَدِلًا يَقُولُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ هي تَعُمُّهُ وأضْرابَهُ.
﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ في المُجادَلَةِ أوْ في عامَّةِ أحْوالِهِ.
﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ مُتَجَرِّدٍ لِلْفَسادِ وأصْلُهُ العُرْيُّ.
﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ عَلى الشَّيْطانِ.
﴿ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ تَبِعَهُ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
﴿ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ﴾ خَبَرٌ لِمَن أوْ جَوابٌ لَهُ، والمَعْنى كُتِبَ عَلَيْهِ إضْلالُ مَن يَتَوَلّاهُ لِأنَّهُ جُبِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ لا عَلى العَطْفِ فَإنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ.
وقُرِئَ بِالكَسْرِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى حِكايَةِ المَكْتُوبِ أوْ إضْمارِ القَوْلِ أوْ تَضْمِينُ الكُتُبِ مَعْناهُ.
﴿ وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ بِالحَمْلِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله} في دين الله في دين الله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حال نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي أو هي عامة في كل من يخاصم في الدين بالهوى {وَيَتَّبِعْ} في ذلك {كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ} عاتٍ مستمر في الشر ولا وقف في مريد لأن ما بعده صفته
﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ جَدِلًا يَقُولُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولا يَقْدِرُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ عَلى إحْياءِ مَن بَلِيَ وصارَ تُرابًا، وقِيلَ في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن تَعاطى الجَدَلَ فِيما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ ولا يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ ولا بُرْهانٍ ولا نَصَفَةٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُخْرِجُها عَنِ العُمُومِ، وكانَ ذِكْرُها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِ السّاعَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ البَعْثِ لِبَيانِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَها ومَحَلُّ الجارِّ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إمّا بِحَمْلِهِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، و( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُجادِلُ ) لِإيضاحِ ما تُشْعِرُ بِهِ المُجادَلَةَ مِنَ الجَهْلِ أيْ وبَعْضُ النّاسِ أوْ بَعْضٌ كائِنٌ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَقُولُ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ مُلابِسًا الجَهْلَ ( ويَتَّبِعُ ) فِيما يَتَعاطاهُ مِنَ المُجادَلَةِ أوْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ مُتَجَرِّدٍ لِلْفَسادِ مُعَرّى مِنَ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ لا ورَقَ لَها، ومِنهُ قِيلَ: رَمْلَةٌ مَرْداءُ إذا لَمْ تُنْبِتْ شَيْئًا، ومِنهُ الأمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ الشَّعَرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ المَرِيدِ والمارِدِ المُرْتَفِعُ الأمْلَسُ وفِيهِ مَعْنى التَّجَرُّدِ والتَّعَرِّي، والمُرادُ بِهِ إمّا إبْلِيسُ وجُنُودُهُ وإمّا رُؤَساءُ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونَهم إلى الكُفْرِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ويَتْبَعُ ) خَفِيفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، يعني: يخاصم في الله، يعني: في وحدانيته ويقال: في دين الله.
بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني: بغير حجة.
ويقال: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه، وهو النضر بن الحارث وأصحابه.
وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، يعني: يطيع ويعمل بأمر كل شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد في معصية الله عز وجل.
ويقال: معناه ويتبع ما سول له الشيطان.
والمريد: الفاسد، يقال: مرد الشيء، إذا بلغ في الشر غايته.
ويقال: مرد الشيء إذا جاوز حد مثله.
ثم قال عز وجل: كُتِبَ عَلَيْهِ، أي: قضي عليه، يعني: الشيطان.
أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ، يعني: من تبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى، وَيَهْدِيهِ أي: يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، أي: إلى عمل عذاب النار.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يعني: يا كفار مكة.
إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، يعني: في شك مِنَ الْبَعْثِ بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم.
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: من آدم وآدم مِّن تُرَابٍ.
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قيل: إنما نقلناكم من حال إلى حال، من خلقة إلى خلقة، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، مثل قطعة كبد.
مُخَلَّقَةٍ، أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، يعني: غير تامة، وهو السقط.
ويقال: مصورة وغير مصورة.
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم.
ويقال: يخرج السقط من بطن أمه مصوراً أو غير مصور، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم كيف نخلقكم في بطون أمهاتكم.
ويقال: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ في القرآن أنكم كنتم كذلك.
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ فلا يكون سقطاً.
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى وقت خروجه من بطن أمه، ويقال: إلى وقت معلوم لتسعة أشهر.
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً.
وقال القتبي: لم يقل أطفالاً، لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة، ولكنه أخرجهم من أمهات شتى، فكأنه قال: يخرجكم طفلاً طِفْلاً.
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، يعني: ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة، ويقال: إلى ست وثلاثين سنة.
والأشد: هو الكمال في القوة والخير.
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يعني: من قبل أن يبلغ أشده، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يعني: أضعف العمر وهو الهرم.
ويقال: يعني، يرجع إلى أسفل العمر، يعني: يذهب عقله.
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، يعني: لكيلا يعقل بعد عقله الأول.
ثم دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، يعني: ميتة يابسة جافة ذات تراب.
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ، يعني: المطر، اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات.
كقوله عز وجل: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10] يعني: تتحرك، ويقال: اهْتَزَّتْ أي: استبشرت.
وَرَبَتْ، يعني: انتفخت بالنبات.
وأصلهُ: من ربا يربو، وهو الزيادة.
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يعني: من كل صنف من ألوان النبات.
بَهِيجٍ، أي: حسنا يُبْهَجَ به، فدلهم للبعث بإحياء الأرض، ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو الحق، وعبادته هي الحق، وغيره من الآلهة باطل.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أي قادر على كل شيء من البعث وغيره.
<div class="verse-tafsir"
وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى.
والحَمْلُ: - بفتح الحاء- ما كان في بطن أو على رأس شجرة.
وقوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
تشبيهاً لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن «١» وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ:
«سكرى» في الموضعين «٢» .
قال سيبويه «٣» : وقوم يقولون: سكرى جعلوه مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام «٤» ، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ الله تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة «٥» ، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و «أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله:
سُورَةُ الحَجِّ * فَصْلٌ: في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، غَيْرُ آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ ، والَّتِي تَلِيها [ الحَجّ ١٢، ١٣ ] .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ.
.
.
﴾ إلى آخَرِ الأرْبَعِ [ الحَجّ: ٥٣ - ٥٧ ] .
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها [ الحَجّ: ٢٠ - ٢٢ ] .
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أوَّلُها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ وسائِرُها مَكِّيٌّ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمِيدِ ﴾ \[ الحَجّ ٢٠ - ٢٥ \] .
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ: هي مِن أعاجِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، وحَضَرِيًّا وسَفَرِيًّا، وحَرْبِيًّا وسِلْمِيًّا، ولَيْلِيًّا ونَهارِيًّا، وناسِخًا ومَنسُوخًا.
فَأمّا المَكِّيُّ: فَمِن رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها إلى آخِرِها.
وَأمّا المَدَنِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ.
وَأمّا اللَّيْلِيُّ: فَمِن أوَّلِها إلى آخَرِ خَمْسِ آياتٍ.
وَأمّا النَّهارِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسِ [ آياتٍ ] إلى رَأْسِ تِسْعٍ.
وَأمّا السَّفَرِيُّ: فَمِن رَأْسِ تِسْعٍ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَأمّا الحَضَرِيُّ: فَإلى رَأْسِ العِشْرِينَ [ مِنها ]، نُسِبَ إلى المَدِينَةِ لِقُرْبِ مُدَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْذَرُوا عِقابَهُ، ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ الزَّلْزَلَةُ: الحَرَكَةُ عَلى الحالَةِ الهائِلَةِ.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النُّشُورِ.
رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ: " ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقالَ: تَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟
فَإنَّهُ يَوْمَ يُنادِي الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النّارِ "»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِآدَمَ: قُمْ، فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النّارِ ؟
قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ المَوْلُودُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "، وقَرَأ الآيَةَ» .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها، يَعْنِي: أنَّها تُقارِبُ قِيامَ السّاعَةِ وتَكُونُ مَعَها.
وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ القِيامَةِ، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورَوى أبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ القِيامَةِ، بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَناثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَفَزِعَ الجِنُّ إلى الإنْسِ، والإنْسُ إلى الجِنِّ، واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ، فَماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَقالَتِ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ، فانْطَلَقُوا إلى البُحُورِ، فَإذا هي نارٌ تَأجَّجُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، والسَّماءُ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ جاءَتْهم الرِّيحُ فَماتُوا.
وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وذَلِكَ أنْ مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا أيُّها النّاسُ أتى أمْرُ اللَّهِ، فَيَفْزَعُونَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَيَشِيبُ الصَّغِيرُ وتَضَعُ الحَوامِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي: الزَّلْزَلَةَ، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَسْلُو عَنْ ولَدِها وتَتْرُكُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: تُشْغَلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْهِلُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ( كُلَّ ) بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ أرادَ - والله أعْلَمُ - الفِعْلَ، ولَوْ أرادَ الصِّفَةَ فِيما نَرى لَقالَ: مُرْضِعٍ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ بَعْدَ البَعْثِ لا تَكُونُ حُبْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( وتُرى ) بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْنى ﴿ سُكارى ﴾ : مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ مِنَ الشَّرابِ، والمَعْنى: تَرى النّاسَ كَأنَّهم سُكارى مِن ذُهُولِ عُقُولِهِمْ؛ لِشِدَّةِ ما يَمُرُّ بِهِمْ، يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( سَكْرى وما هم بِسَكْرى ) وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وَهُوَ وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَلْكى والجَرْحى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( سُكارى وما هم بِسُكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ والرّاءِ وإثْباتِ الألَفِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكْرَهم مِن خَوْفِ عَذابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وفِيما جادَلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَذَّبَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ أيْ: إنَّما يَقُولُهُ بِإغْواءِ الشَّيْطانِ لا بِعِلْمٍ.
﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ ما يُسَوِّلُ لَهُ، ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " المَرِيدِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ : ﴿ كُتِبَ ﴾ بِمَعْنى: قُضِيَ، والهاءُ في " عَلَيْهِ " وفي ﴿ تَوَلاهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( كَتَبَ ) بِفَتْحِ الكافِ، ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، [ ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ] .
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( إنَّهُ )، ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ السَّعِيرِ ﴾ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٠ ) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنَ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنَ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مِنَ يُتَوَفّى ومِنكم مِنَ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمْ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ.
و "المُجادَلَةُ": المُحاجَّةُ، والمادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الجَدَلِ" وهو الفَتْلُ، والمَعْنى: "يُجادِلُ" في قُدْرَةِ اللهِ وصِفاتِهِ.
وكانَ سَبَبُ الآيَةِ كَلامَ مَن ذَكَرَ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لا يَبْعَثُ المَوْتى، ولا يُقِيمُ الأجْسادَ مِنَ القُبُورِ.
و"الشَيْطانُ" هُنا هو مُغْوِيهِمْ مِنَ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَيْطانُ مِنَ الإنْسِ، والإنْحاءُ عَلى مُتَّبِعِيهِ.
و "المُرِيدُ": المُتَجَرِّدُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَرِّ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وشَجَرَةٌ مَرْداءٌ أيْ عارِيَةٌ مِنَ الوَرَقِ، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ أيْ مُمَلَّسٌ مِن زُجاجٍ، وصَخْرَةٌ مَرْداءُ أيْ مَلْساءُ.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الشَيْطانِ"، قالَهُ قُتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "المُجادِلِ".
و "أنَّهُ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و "أنَّهُ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى مُؤَكَّدَةٌ مِثْلُها، وقِيلَ: هي مُكَرِّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، وهو مُعْتَرِضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُؤَكِّدُ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ وتَمامُ "أنَّهُ" الأولى إنَّما هو بِصِلَتِها في قَوْلِهِ: "السَعِيرِ"، وكَذَلِكَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولِسِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا أنَّهُ بَدَلٌ، وقِيلَ "أنَّهُ" الثانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ، وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: فَلَهُ أنْ يُضِلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُظْهِرُ لِي أنَّ الضَمِيرَ في "أنَّهُ" الأولى لِلشَّيْطانِ، وفي الثانِيَةِ لـ "مَنِ" الَّذِي هو المُتَوَلِّي.
وقَوْلُهُ: "وَيَهْدِيهِ" بِمَعْنى: يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ ذَلِكَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "إنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ" بِالكَسْرِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ الآيَةُ.
هَذا احْتِجاجٌ عَلى العالَمِ بِالبَدْأةِ الأُولى، وضَرَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلَيْنِ إذا اعْتَبَرَهُما الناظِرُ جَوَّزَ في العَقْلِ البِعْثَةَ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ ورَدَ خَبَرُ الشَرْعِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ.
و "الرَيْبُ": الشَكُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ مُضَمِّنُهُ التَوْفِيقَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البَعْثَ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ في "البَعْثِ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهي عِنْدُ الكُوفِيِّينَ تَخْفِيفُ "بَعَثَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يُرِيدُ آدَمُ، ثُمْ سَلَّطَ الفِعْلَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرِيدُ المَنِيَّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ البَشَرِ، و "النُطْفَةُ" تَقَعُ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وقالَ النَقاشُ: المُرادُ نُطْفَةُ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الدَمِ تَعُودُ النُطْفَةُ إلَيْهِ في الرَحِمْ، أوِ المُقارِنُ لِلنُّطْفَةِ، و "العَلَقُ": الدَمُ العَبِيطُ، وقِيلَ: "العَلَقُ": الشَدِيدُ الحُمْرَةُ، فَسُمِّيَ الدَمُ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "ثُمْ مِن مُضْغَةٍ" يُرِيدُ بِضْعَةَ لَحْمٍ عَلى قَدْرِ ما يُمْضَغُ، وقَوْلُهُ: "مُخَلَّقَةٍ" مَعْناهُ: مُتَمَّمَةُ البِنْيَةِ "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ مُتَمَّمَةِ، أيِ الَّتِي تَسْقُطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشَعْبِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، فاللَفْظَةُ بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن "خَلَقَ"، ولَمّا كانَ الإنْسانُ فِيهِ أعْضاءٌ مُتَبايِنَةٌ وكُلٌّ مِنها مُخْتَصٌّ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، في جُمْلَتِهِ تَضْعِيفُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ خُلُقًا كَثِيرَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُخَلَّقَةً" بِالنَصْبِ "وَغَيْرَ" بِالنَصْبِ في الراءِ.
وَيَتَّصِلُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أُمُ الوَلَدِ إذا أسْقَطَتْ بِضْعَةً لَمْ تُصَوَّرْ، هَلْ تَكُونُ أمَّ ولَدٍ بِذَلِكَ؟
فَقالَ مالِكُ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُما: هي أمُّ ولَدٍ بِالمُضْغَةِ إذا عُلِمْ أنَّها مُضْغَةُ الوَلَدِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقٌ ولَوْ عُضْوٌ واحِدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ أمْرَ البَعْثِ، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِالرَفْعِ في "نُقِرُّ"، المَعْنى: ونَحْنُ نُقِرُّ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِنُبَيِّنَ لَكُمْ" مَعْناهُ: تَكُونُ المُضْغَةُ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ وطَرَحَ النِساءُ إيّاها، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّ المَناقِلَ في الرَحِمْ هي هَكَذا، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: "وَنُقِرَّ" بِالنَصْبِ، وكَذَلِكَ قَرَأتْ: "نُخْرِجَكُمْ" بِالنَصْبِ، وهي رِوايَةُ المُفَضَّلِ عن عاصِمْ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي أنَّ رِوايَةَ المُفَضَّلِ هَذِهِ هي بِالياءِ في "يُقِرُّ" "وَيُخْرِجُكُمْ"، والرَفْعُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ شائِعٌ، ولا يَجُوزُ النَصْبُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما نَشاءُ" بِكَسْرِ النُونِ.
و "الأجَلُ المُسَمّى" هو مُخْتَلِفٌ بِحَسْبَ جَنِينٍ جَنِينٍ، فَثَمَّ مَن يَسْقُطُ، وثَمَّ مَن يُكْمَلُ أمْرُهُ ويَخْرُجُ حَيًّا.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشَدِّ" مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، إلى ثَلاثِينَ، إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، إلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، إلى أرْبَعِينَ، إلى خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ، واللَفْظُ تُقالُ بِاشْتِراكٍ، فَأشَدُّ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ غَيْرُ أشَدِّ اليَتِيمِ الَّذِي هو الِاحْتِلامُ.
و "الأشَدُّ" في الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ هو حُصُولُ الإنْسانِ في زَمانَهِ واخْتِلالُ قُوَّتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ الطاعاتِ، واخْتِلالُ عَقْلِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ المُعْتَقَداتِ، وهَذا أبَدًا يُلْحَقُ مَعَ الكِبَرِ، وقَدْ يَكُونُ أرْذَلِ العُمُرِ في قَلِيلٍ مِنَ السِنِّ بِحَسَبِ شَخْصٍ ما لَحِقَتُهُ زَمانَةٌ، وقَدْ ذُكِرَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسَةٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وإنْ صَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلا يَتَوَجَّهُ إلّا أنْ يُرِيدَ: عَلى الأكْثَرِ، فَقَدْ نَرى كَثِيرًا أبْناءَ ثَمانِينَ سَنَةً لَيْسُوا في أرْذَلِ العُمُرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "العُمُرَ" مُشَبَّعَةً، وقَرَأ نافِعٌ: "العُمُرَ" مُخَفِّفَةَ المِيمِ، واخْتَلَفَ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ ﴾ أيْ: لِيَنْسى مَعارِفَهُ وعِلْمَهُ الَّذِي كانَ مَعَهُ فَلا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَهَذا مِثالٌ واحِدٌ يَقْضِي لِلْمُعْتَدِّ بِهِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ المَناقِلِ المُتْقِنَ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ تِلْكَ الأجْسادِ الَّتِي أوجَدَها بِهَذِهِ المَناقِلِ إلى حالِها الأُولى.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ياأيها الناس اتقوا ربكم ﴾ [الحج: 1]، أي الناس فريقان: فريق يمتثل الأمر فيتقي الله ويخشى عذابه، وفريق يعرض عن ذلك ويعارضه بالجدل الباطِل في شأن الله تعالى من وحدانيته وصفاته ورسالته.
وهذا الفريق هم أيمة الشرك وزعماء الكفر لأنهم الذين يتصدّون للمجادلة بما لهم من أغاليط وسفسطة وما لهم من فصاحة وتمويه.
والاقتصارُ على ذكرهم إيماء إلى أنهم لولا تضليلهم قومَهم وصدهم إياهم عن متابعة الدين لاتّبع عامة المشركين الإسلام لظهور حجته وقبولها في الفطرة.
وقيل: أريد ب ﴿ من يجادل في الله ﴾ النضر بن الحارث أو غيره كما سيأتي، فتكون (مَن) الموصولة صادقة على متعدد عامة لكل مَن تصدق عليه الصلة.
والمجادلة: المخاصمة والمحاجّة.
والظرفية مجازية، أي يجادل جدلاً واقعاً في شأن الله.
ووصف الجدل بأنه بغير علم، أي جدلاً ملتبساً بمغايرة العلم، وغير العلم هو الجهل، أي جدلاً ناشئاً عن سوء نظر وسوء تفكير فلا يعلم ما تقتضيه الألوهية من الصفات كالوحدانية والعلم وفعل ما يشاء.
واتباع الشيطان: الانقياد إلى وسوسته التي يجدها في نفسه والتي تلقاها بمعتاده والعمل بذلك دون تردد ولا عَرض على نظر واستدلال.
وكلمة (كل) في قوله ﴿ كل شيطان ﴾ مستعملة في معنى الكثرة.
كما سيأتي قريباً عند قوله تعالى: ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ [الحج: 27] في هذه السورة.
وتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ في [سورة البقرة: 145].
والمَرِيد: صفة مُشبهة مِن مَرُد بضم الراء على عمل، إذا عتا فيه وبلغ الغاية التي تتجاوز ما يكون عليه أصحاب ذلك العمل، وكأنه مُحول مِن مَرَد بفتح الراء بمعنى مَرَن إلى ضم الراء للدلالة على أن الوصف صار له سجية، فالمريد صفة مشبهة، أي العاتي في الشيطنة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُخاصَمَ في الدِّينِ بِالهَوى، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنْ يَرِدَ النَّصُّ بِالقِياسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ﴾ قال: نزلت في النضر بن الحارث.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ويتبع كل شيطان مريد ﴾ قال: تمرد على معاصي الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ كتب عليه ﴾ قال: كتب على الشيطان.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كتب عليه ﴾ قال: على الشيطان ﴿ أنه من تولاه ﴾ قال: اتبعه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ ﴾ قال المفسرون: نزلت في النَّضْر بن الحارث، كان كثير (١) (٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة (٣) والمعني: أنه يخاصم (٤) ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يعني أنه لا علم له في ذلك إنما (٥) (٦) ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴾ أي يتبع ما يسول له الشيطان قال ابن عباس] (٧) (٨) وقال (٩) (١٠) أحدهما: أنه المتجرد للفساد.
والثاني: أنَّه العاري من الخير.
وذلك أن أصله في اللغة: الإملاس، والمريد (١١) ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ .
(١) في (ظ): (كبير).
(٢) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 أ.
(٣) لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي 4/ 6، وابن الجوزي 5/ 405 عن ابن عباس أنها نزلت في النَّضر بن الحارث.
والصواب أنه لم يثبت أنها نزلت في واحد من هؤلاء بعينه، بل هي نازلة فيمن جادل في الله بغير علم ومنهم هؤلاء المذكورون، ثم هي بعد عامة في كل من اتصف بهذه الصفة.
انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 226، "البحر المحيط" 6/ 351.
(٤) في (أ): (فخاصم).
(٥) في (ظ): (وإنّما).
(٦) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٧) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).
(٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 206.
(٩) في (ظ): (قال).
(١٠) انظر: (مرد) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 118 - 119، "لسان العرب" لابن منظور 3/ 400 - 401.
(١١) في (ظ): (فالمريد).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله ﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وقيل في أبي جهل، وهي تتناول كل من اتصف بذلك ﴿ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ أي شديد الإغواء، ويحتمل أن يريد شيطان الجن أو الإنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ذكر المجادلة في الله، ولم يبين فيم جادلوا؟
وقد كانت مجادلتهم من وجوه: منهم من جادل في مشيئة الله تبارك وتعالى.
ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟
ومنهم من جادل في وحدانية الله : واجد أو عدد؟
ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل.
ومنهم من جادل في إنزال الكتب.
ومنهم من جادل في دين الله - - المدعو إليه.
وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ لأنهم لو تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم منشئاً، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، وعرفوا أيضاً أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم [لم] يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ : الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه.
وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ ، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ قيل: فعيل بمعنى فاعل، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴾ قال بعضهم: كل متمرد في العناد والمكابرة، فهو مارد.
وقال بعضهم: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ستنبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ﴾ قال بعضهم: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله ﴿ وَيَهْدِيهِ ﴾ أي: يدعوه ﴿ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقال بعضهم: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه.
وقوله: قيل: حكم.
وقيل: قضى.
و ﴿ كُتِبَ ﴾ يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...
﴾ الآية.
تأويله - والله أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم تراباً وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم تراباً؟
أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثاً؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صيرّ خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً، فعلى ذلك الأوّل.
أو أن يكون تأويله - والله أعلم -: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...
﴾ إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا، ولا معنى البشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب يوجد فيه، ولا أثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
وقوله: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ : أي مخلوقة خلقا، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ : أي غير مخلوقة خلقا، نطفة على حالها.
وقال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ أي: تامة، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ أي: غير تامة خلقاً، وهو الأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه قال: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: غير تامة خلقا، بل ناقصة.
وقوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى...
﴾ كأن قوله: ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ ﴾ موصولا بقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ثم ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : من ستة أشهر إلى سنتين، أو ما شاء الله ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ﴾ من الأرحام بعد الإقرار فيها ﴿ طِفْلاً ﴾ قال بعضهم: ثم نخرج كلا منكم طفلا.
وقال بعضهم: واسم الطفل يجمع ويفرد.
﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقال بعضهم: هو من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم يحتمل قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة ...
ثم إلى آخر ما ذكر لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا تراباً.
أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال إلى حال في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.
أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه وصار به بشراً ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.
وقوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، [و]هذا لا يرجى منه ولا يؤمل منه العاقبة، كلما مرّ عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك الصغير، وهو ما قال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ .
قال القتبي: ﴿ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ : أي: الخرف والهرم.
وقوله: ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه شيئاً.
ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ﴾ قال بعضهم: ميتة، وقيل: مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية.
وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ قال الزجاج: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ : من الزيادة والنماء، وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 50\].
ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها.
أو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر.
وقوله: ﴿ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر على إحياء الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا تراباً.
وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي: من كل جنس حسن ﴿ بَهِيجٍ ﴾ أي: يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج.
وقال أبو عوسجة: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد أيضاً: الخامد، خمدت النار تخمد خموداً.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: أضعفت النبات.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض بعد ما كانت هامدة - هو الحق.
﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ هذا كله يدل أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، عالم [بذاته].
وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا الآلهة التي يعبدونها، ﴿ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ \[أي: قدير\] على ما يشاء، وهو ما أخبرنا.
وقال الحسن: هو اسم من أسماء الله سمي به؛ لأنه يحكم بالحق.
<div class="verse-tafsir"
ومن الناس من يخاصم في قدرة الله على بعث الأموات دون علم يستند إليه، ويتّبع في اعتقاده وقوله كل متمرّد على ربه من الشياطين، ومن أئمة الضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.d6lV9"