الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٦٣ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يقول : ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ) أي : بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية ، كما قال : ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) [ النحل : 16 ] ، وقال تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) الآية [ الأنعام : 97 ] .
( ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) أي : بين يدي السحاب الذي فيه مطر ، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين ، ( أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (1) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير, أم الذي يهديكم في ظلمات البرّ والبحر إذا ضللتم فيهما الطريق, فأظلمت عليكم السبل فيهما؟
كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج قوله: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) والظُّلماتِ في البر ضلاله الطريق, والبحر, ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه.
قوله: (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) يقول: والذي يرسل الرياح بُشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته, يعني: قدام الغيث الذي يحيي موات الأرض.
وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول تعالى ذكره: أإله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه, أو تشركوه في عبادتكم إياه (تعالى الله) يقول: لله العلوّ والرفعة عن شرككم الذي تشركون به, وعبادتكم معه ما تعبدون.
------------------------ الهوامش : (1) (في اللسان: نشر) وقوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) نشرا بضم النون والشين وقرئ نشرًا ونشرًا بضم النون وفتحها وسكون الشين والقراءة المشهورة نشرًا، بضم وسكون
قوله تعالى : أمن يهديكم أي يرشدكم الطريق في ظلمات البر والبحر إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار .
وقيل : وجعل مفاوز البر التي لا أعلام لها ، ولجج البحار كأنها ظلمات ; لأنه ليس لها علم يهتدى به .
ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي أي قدام المطر باتفاق أهل التأويل .
أإله مع الله يفعل ذلك ويعينه عليه .
تعالى الله عما يشركون من دونه .
أي: من هو الذي يهديكم حين تكونون في ظلمات البر والبحر، حيث لا دليل ولا معلم يرى ولا وسيلة إلى النجاة إلا هدايته لكم، وتيسيره الطريق وجعل ما جعل لكم من الأسباب التي تهتدون بها، { وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي: بين يدي المطر، فيرسلها فتثير السحاب ثم تؤلفه ثم تجمعه ثم تلقحه ثم تدره، فيستبشر بذلك العباد قبل نزول المطر.
{ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } فعل ذلك؟
أم هو وحده الذي انفرد به؟
فلم أشركتم معه غيره وعبدتم سواه؟
{ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تعاظم وتنزه وتقدس عن شركهم وتسويتهم به غيره.
( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ) إذا سافرتم ، ( ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) أي : قدام المطر ، ( أإله مع الله تعالى الله عما يشركون )
«أمَّن يهديكم» يرشدكم إلى مقاصدكم «في ظلمات البر والبحر» بالنجوم ليلاً وبعلامات الأرض نهاراً «ومن يرسل الرياح بُشراً بين يديْ رحمته» قدام المطر «أَإِله مع الله تعالى الله عما يشركون» به غيره.
أعبادة ما تشركون بالله خير أم الذي يرشدكم في ظلمات البر والبحر إذا ضللتم فأظلمت عليكم السبل، والذي يرسل الرياح مبشرات بما يرحم به عباده مِن غيث يحيي موات الأرض؟
أمعبود مع الله يفعل بكم شيئًا من ذلك فتدعونه من دونه؟
تنزَّه الله وتقدَّس عما يشركون به غيره.
ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى - : ( أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر ) .أى : وقولوا لنا - أيها المشركون- : من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه ، عندما تلتبس عليكم الطرق ، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه ، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها .وقولوا لنا : ( وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أى : ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر ، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط؟( أإله مَّعَ الله ) هو الذى فعل ذلك ، كلا ، فما فعل ذلك أحد سواه .وقوله - سبحانه - : ( تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء .أى : تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين ، فهو الواحد الأحد فى ذاته ، وفى صفاته ، وفى أفعاله .
النوع الرابع ما يتعلق أيضاً باحتياج الخلق ولكنه حاجة خاصة في وقت خاص: اعلم أنه تعالى نبه في هذه الآية على أمرين: الأول: قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ ﴾ والمراد يهديكم بالنجوم في السماء والعلامات في الأرض إذا جن الليل عليكم مسافرين في البر والبحر الثاني: قوله: ﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرياح ﴾ فإنه سبحانه هو الذي يحرك الرياح فتثير السحاب ثم تسوقه إلى حيث يشاء، فإن قيل لا نسلم أنه تعالى هو الذي يحرك الرياح، فإن الفلاسفة قالت الرياح إنما تتولد عن الدخان وليس الدخان كله هو الجسم الأسود المرتفع مما احترق بالنار، بل كل جسم أرضي يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة النار أو حرارة الشمس فهو دخان قالوا وتولد الرياح من الأدخنة على وجهين أحدهما أكثري، والآخر أقلي، أما الأكثري فهو أنه إذا صعدت أدخنة كثيرة إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء أو لا ينكسر فإن انكسر فلا محالة يثقل وينزل فيحصل من نزولها تموج الهواء فتحدث الريح، وإن لم ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء فلابد وأن يتصاعد إلى أن يصل إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك وحينئذ لا يتمكن من الصعود بسبب حركة النار فترجع تلك الأدخنة وتصير ريحاً، لا يقال لو كان اندفاع هذه الأدخنة بسبب حركة الهواء العالي لما كانت حركتها إلى أسفل بل إلى جهة حركة الهواء العالي لأنا نقول الجواب من وجهين: أحدهما: أنه ربما أوجبت هيئة صعود تلك الأدخنة وهيئة لحوق المادة بها أن يتحرك إلى خلاف جهة المتحرك المانع، كالسهم يصيب جسماً متحركاً فيعطفه تارة إلى جهته إن كان الحابس كما يقدر على صرف المتحرك عن متوجهه يقدر أيضاً على صرفه إلى جهة حركة نفسه وتارة إلى خلاف تلك الجهة إذا كان المفارق يقدر على الحبس ولا يقدر على الصرف الثاني: أنه ربما كان صعود بعض الأدخنة من تحت مانعاً للأدخنة النازلة من فوق إلى أن يتسفل ذلك فلأجل هذا السبب يتحرك إلى سائر الجوانب، واعلم أن لأهل الإسلام هاهنا مقامين: الأول: أن يقيم الدلالة على فساد هذه العلة وبيانه من وجهين: الأول: أن الأجزاء الدخانية أرضية فهي أثقل من الأجزاء البخارية المائية، ثم إن البخار لما يبرد ينزل على الخط المستقيم مطراً فالدخان لما برد فلماذا لم ينزل على الخط المستقيم بل ذهب يمنة ويسرة؟
الثاني: أن حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعية وحركتها يمنة ويسرة عرضية والطبيعية أقوى من العرضية، وإذا لم يكن أقوى فلا أقل من المساواة، ثم إن الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربما تقوى على قلع الأشجار ورمي الجدار بل الجبال، فتلك الأجزاء الدخانية عندما تحركت حركتها الطبيعية التي لها وهي الحركة إلى السفل وجب أن تهدم السقف، ولكنا نرى الغبار الكثير ينزل من الهواء ويسقط على السقف ولا يحس بنزوله فضلاً عن أن يهدمه فثبت فساد ما ذكروه المقام الثاني: هب أن الأمر كما ذكروه ولكن الأسباب الفاعلية والقابلية لها مخلوقة لله سبحانه وتعالى، فإنه لولا الشمس وتأثيرها في تصعيد الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء، وإلا لما حدثت هذه الأمور، ومعلوم أن من وضع أسباباً فأدته إلى منافع عجيبة وحكم بالغة فذلك الواضع هو الذي فعل تلك المنافع، فعلى جميع الأحوال لابد من شهادة هذه الأمور على مدبر حكيم واجب لذاته، قطعاً لسلسلة الحاجات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَهْدِيكُمْ ﴾ بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض: إذا جنّ الليل عليكم مسافرين في البر والبحر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ﴾ المُضْطَرُّ الَّذِي أحْوَجَهُ شِدَّةُ ما بِهِ إلى اللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاضْطِرارِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ إجابَةُ كُلِّ مُضْطَرٍّ.
﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ ويَدْفَعُ عَنِ الإنْسانِ ما يَسُوءُهُ.
﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ خُلَفاءَ فِيها بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها مِمَّنْ قَبْلَكم.
﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ الَّذِي خَصَّكم بِهَذِهِ النِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ.
﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُونَ آلاءَهُ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، وما مَزِيدَةٌ والمُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ أوِ الحَقارَةُ المُزِيحَةُ لِلْفائِدَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ورُوحٌ بِالياءِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الذّالِ.
﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ بِالنُّجُومِ وعَلاماتِ الأرْضِ، والـ ( ظُلُماتِ ) ظُلُماتُ اللَّيالِي وإضافَتُها إلى البَرِّ والبَحْرِ لِلْمُلابَسَةِ، أوْ مُشْتَبَهاتُ الطُّرُقِ يُقالُ طَرِيقَةٌ ظَلْماءُ وعَمْياءُ لِلَّتِي لا مَنارَ بِها.
﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، ولَوْ صَحَّ أنَّ السَّبَبَ الأكْثَرَ في تَكَوُّنِ الرِّياحِ مُعاوَدَةُ الأدْخِنَةِ الصّاعِدَةِ مِنَ الطَّبَقَةِ البارِدَةِ لِانْكِسارِ حَرِّها وتَمْوِيجِها الهَواءَ فَلا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ الفاعِلِيَّةَ والقابِلِيَّةَ لِذَلِكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والفاعِلُ لِلسَّبَبِ فِعْلٌ لِلْمُسَبِّبِ.
﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
﴿ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَعالى اللَّهُ القادِرُ الخالِقُ عَنْ مُشارَكَةِ العاجِزِ المَخْلُوقِ.
<div class="verse-tafsir"
{أم من يَهْدِيكُمْ} يرشدكم بالنجوم {فِى ظلمات البر والبحر} ليلاً وبعلامات في الأرض نهاراً {وَمَن يُرْسِلُ الرياح} الريح مكي وحمزة وعلى {بُشرا} من البشارة وقد مرّ في الأعراف {بَيْنَ يَدَىْ رحمته} قدام المطر {أإله مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ}
﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ أيْ يُرْشِدُكم في ظُلُماتِ اللَّيالِي في البَرِّ والبَحْرِ بِالنُّجُومِ ونَحْوِها مِنَ العَلاماتِ، وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِلْمُلابَسَةِ وكَوْنَها فِيهِما، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالظُّلُماتِ الطُّرُقُ المُشَبَّهاتُ مَجازًا فَإنَّها كالظُّلُماتِ في إيجابِ الحَيْرَةِ.
﴿ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ تَعالى وتَنَزَّهَ بِذاتِهِ المُنْفَرِدَةِ بِالأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ، المُقْتَضِيَةِ لِكَوْنِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مَقْهُورَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ عَنْ وُجُودِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ إلَهًا وشَرِيكًا لَهُ تَعالى، أوْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شَرِكَةٍ أوْ مُقارَنَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وقُرِئَ «عَمّا تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَنْبَتْنا بِهِ يعني: بالمطر حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ يعني: البساتين، واحدها حديقة، وإنما سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان.
وقال بعضهم: إذا كانت ذا شجر يقال لها: حديقة سواء كان لها حائط أو لا.
ذاتَ بَهْجَةٍ، يعني: ذات حسن مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يعني: ما كان لمعبودكم قوة.
ويقال: ما كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها.
ويقال: ما قدرتم عليه، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: أَمَّا يُشْرِكُونَ بالياء على معنى الخبر.
وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد.
ثم قال: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإنكار والزجر بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون الأصنام.
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً يعني: مستقراً لا تميد بأهلها.
ويقال: قَراراً أي لا تتحرك وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وجَعَلَ يعني: خلقا لها.
يعني: فجر بنواحي الأرض أنهاراً.
ويقال: شقّ بينهما أنهاراً وَجَعَلَ لَها أي خلق للأرض رَواسِيَ أي: الجبال الثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً يعني: العذب والمالح حاجزاً يعني: ستراً مانعا من قدرته لا يختلطان بعضهما في بعض أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله عز وجل.
ثم قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ يعني: أمن يستجيب في البلاء للمضْطَّر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ يعني: ومن يكشف الضر وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض بعد هلاك أهلها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين يذكرون بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال وقرأ الباقون: بالتشديد.
وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية قالون: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بالهمز والمد، وقرأ الباقون: بغير مد بهمزتين.
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من يرشدكم في أهوال البر والبحر.
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهِ أي: تعظم الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: خلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم يعيدهم في الآخرة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ يعني: المطر وَالْأَرْضِ يعني: النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم وعذركم، بأنه صنع شيئاً من هذا غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.
<div class="verse-tafsir"
ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.
وقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ...
الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢» ، رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «سلاح المؤمن» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه.
قال «صاحب السلاح» : ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى.
والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى.
و «الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
﴿ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.
والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا.
﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.
وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالى اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلِ هم في شَكٍّ مِنها بَلِ هم مِنها عَمُونَ ﴾ وقَّفَهم في هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعانِي الَّتِي يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ ولا لِوَثَنٍ فِيها، فَهي عِبَرٌ ونِعَمٌ، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ بِها مِنَ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ مَعْناهُ: بِشَرْطِ أنْ يَشاءَ عَلى المُعْتَقَدِ في الإجابَةِ، لَكِنَّ المُضْطَرَّ لا يُجِيبُهُ مَتى أُجِيبُ إلّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، و"السُوءَ" عامٌ في كُلِّ ضُرٍّ يَكْشِفُهُ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَجْعَلُكُمْ" بِياءٍ عَلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِنُونٍ.
وكُلُّ قَرْنٍ خَلَفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.
و"الظُلُماتُ" عامٌ لِظُلْمَةِ اللَيْلِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ في اللُغَةِ، ولِظُلْمِ الجَهْلِ والضَلالِ والخَوْفِ الَّتِي هي مَجازاتٌ وتَشْبِيهاتٌ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَجَلَّتْ عَماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا وَكَما تَقُولُ: أظْلَمَ الأمْرُ وأنارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: "بُشْرًا"، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشْرِكُونَ" عَلى المُخاطَبِ.
و"بَدْءُ الخَلْقِ" اخْتِراعُهُ وإيجادُهُ، و"الخَلْقَ": هُنا المَخْلُوقُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرِ الإعادَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الخَلْقَ" مَصْدَرُ: خَلَقَ يَخْلُقُ، ويَكُونُ "يَبْدَأُ" و"يُعِيدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا وكَذا، أيْ يُتْقِنُهُ.
و"الرِزْقُ" مِنَ السَماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَباتِ، هَذا مَشْهُورٌ ما يُحِسُّهُ البَشَرُ، وكَمْ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ.
ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أنَّ الغَيْبَ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ غَيْبًا لِغَيْبِهِ عَنِ المَخْلُوقِينَ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ سَألُوا وألَحُّوا عن وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي يَعِدُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالتَسْلِيمِ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ التَحْدِيدِ، وأعْلَمُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ وقْتَ الساعَةِ سِواهُ، فَجاءَ بِلَفْظٍ يَعُمُ السامِعَ وغَيْرَهُ، وأخْبَرَ عَنِ البَشَرِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها عَلى قَوْلِها: ومَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ.
والمَكْتُوبَةُ في قَوْلِهِ: " إلّا اللهُ " بَدَلٌ مِن "مَن".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "إيّانَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلِ ادّارَكَ"، أصْلُهُ: تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ بَعْدَ أنْ أُبْدِلَتْ، ثُمُ احْتِيجَ إلى ألْفِ الوَصْلِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "تَدارَكَ" فِيما رُوِيَ عنهُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بَلِ ادَّرَكَ" عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وهي بِمَعْنى تَفاعَلَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: "بَلَ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ الامِ ولا هَمْزَ، وبِتَشْدِيدِ الدالِّ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "بَلْ أدْرَكَ" وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بَلَ أدْرَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "بَلْ آدّارَكَ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بَلْ آدَّرَكَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ، ونَسَبَها أبُو عَمْرُو الدانِي إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
فَأمّا قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ فَهي عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ، والتَقْرِيرُ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عنهُمْ، أيْ: أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمَهُمْ؟
وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ، أيْ: تَناهى، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَباتُ وغَيْرُهُ، وكَما تَقُولُ: هَذا ما أدْرَكَ عَلْمِي مِن كَذا وكَذا، فَهَذا قَدْ تَتابَعَ وتَناهى عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ، أو ألّا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وكَذَلِكَ ادّارَكَ وتَدارَكَ وسِواها، وإنْ حَمَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى التَوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ ساغَ، وجاءَ إنْكارًا لَأنْ أدْرَكُوا شَيْئًا نافِعًا، والمَعْنى الثانِي: بَلْ أدْرَكَ بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ أنَّهم في الآخِرَةِ يُدْرِكُ عِلْمَهم وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوُا العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُنْيا فَلا.
وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجاجُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ظَرْفٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ في بِمَعْنى الباءِ، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: عِلْمِي يَزِيدُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعِلْمِي بِأسْوامِ المِياهِ ∗∗∗............
البَيْتُ ثُمْ وصَفَهم عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهم في شَكٍّ مِنها، ثُمْ أرَدَفَهم بِصِفَةٍ أبْلَغَ مِنَ الشَكِّ وهي العَمى بِالجُمْلَةِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، و"عَمُونَ" أصْلُهُ "عَمِيُونَ" فَعِلَوْنَ كَحَذِرُونَ وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
(بل) لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان.
ذكر الهداية في ظلمات الليل في البرّ والبحر.
وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى (في).
والهُدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴾ [الأنعام: 97].
فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك، وبأن ركّب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها، وهداهم أيضاً بمهاب الرياح، وخوّلهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها، وحرارتها وبردها.
وبهذه المناسبة أُدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعنيّ برحمة الله.
وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ نُشُرا ﴾ بضمتين وبالنون.
وقرأه ابن عامر بالنون بضم فسكون.
وقرأ عاصم ﴿ بُشْراً ﴾ بالموحدة وبسكون الشين مع التنوين.
وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين.
وقد تقدم في سورة الفرقان (48) ﴿ وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته ﴾ وتقدم في سورة الأعراف (57) ﴿ وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته ﴾ ، وتوجيه هذه القراءات هنالك.
وذُيّل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرْشِدُكم مِن مَسالِكِ البَرِّ والبَحْرِ.
الثّانِي: يُخَلِّصُكم مِن أهْوالِ البَرِّ والبَحْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي ﴿ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَرَّ الأرْضُ والبَحْرَ الماءُ.
الثّانِي: أنَّ البَرَّ بادِيَةُ الأعْرابِ والبَحْرَ الأمْصارُ والقُرى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُبَشِّرَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالباءِ.
الثّانِي: مُنْشِرَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالنُّونِ.
الثّالِثُ: مُلَقِّحاتٍ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ وهو المَطَرُ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ عَمّا أشْرَكَ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني عن رجل من بلجهم قال: قلت يا رسول الله إلام تدعو قال: «أدعو إلى الله وحده الذي إن نزل بك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابك سنة فدعوته أنزل لك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويكشف السوء ﴾ قال: الضر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سحيم بن نوفل قال: بينما نحن عند عبد الله إذ جاءت وليدة إلى سيدها فقالت: ما يحبسك وقد لفع فلان مهرك بعينه فتركه يدور في الدار كأنه في فلك؟
قم فابتغ راقياً فقال عبد الله: لا تبتغ راقياً، وانفث في منخره الأيمن أربعاً، وفي الأيسر ثلاثاً، وقل: لا بأس اذهب البأس رب الناس.
اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت قال: فذهب ثم رجع إلينا فقال: فعلت ما أمرتني فما جئت حتى راث وبال وأكل.
وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ فالخلافة من الله عز وجل فإن كان خيراً فهو يذهب به، وإن كان شراً فهو يؤخذ به، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله تعالى به» .
وأخرج البغوي في معجمه عن اياد بن لقيط قال: قال جعدة بن هبيرة لجلسائه: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، أنه سيجيء بعد هذا- يعني معاوية- أمراء ليس من رجاله ولا من ضربائه، وليس فيهم أصغر أو أبتر حتى تقوم الساعة.
هذا السلطان سلطان الله جعله وليس أنتم تجعلونه.
ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حقاً، فأدوا إليهم حقهم، فإن ظلموكم فكلوهم إلى الله فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة؛ وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا.
ثم قرأ ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ﴾ [ الأعراف: 6] حتى بلغ ﴿ والوزن يومئذ القسط ﴾ [ الأعراف: 8] هكذا قرأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ قال: خلفاً بعد خلف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ قال: خلفاً لمن قبلكم من الأمم.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج ﴿ أمن يهديكم في ظلمات البر ﴾ قال: ضلال الطريق ﴿ والبحر ﴾ قال: ضلالة طرقه وموجه وما يكون فيه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أي: يرشدكم (١) ﴿ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ \[قال ابن عباس: يريد إلى البلاد التي يتوجهون إليها في البر والبحر.
وهذا كقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ \] (٢) (١) "تفسير مقاتل" 61 ب.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُجِيبُ المضطر ﴾ قيل هو المجهود، وقيل الذي لا حول له ولا قوّة، واللفظ مشتق من الضرر: أي الذي أصابه الضّر أو من الضرورة أي الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء ﴿ خُلَفَآءَ الأرض ﴾ أي خلفاء فيها تتوارثون سكناها ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ ﴾ يعني الهداية بالنجوم والطرقات ﴿ بُشْرَاً ﴾ ذكر في [الأعراف: 75] ﴿ مِّنَ السمآء والأرض ﴾ الرزق من السماء: المطر ومن الأرض: النبات ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ تعجيز للمشركين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.
وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.
الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.
الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.
الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.
﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.
"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.
والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.
والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.
قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.
والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.
وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.
وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.
ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.
عن ابن عباس: كان النبي قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.
﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.
والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.
وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.
قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.
ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.
قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.
يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.
وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.
من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.
وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".
وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.
القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.
أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.
وقيل: أمر لنبينا بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.
ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.
قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.
قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.
عن رسول الله أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.
ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.
ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.
والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.
والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.
وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.
ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.
قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.
قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.
ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.
وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.
والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.
والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".
ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.
والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله ، وإنه افتعال من الضر.
وعن ابن عباس: هو المجهود.
وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.
وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.
والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".
وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.
والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.
واعلم أن الله ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.
قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.
وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.
قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.
قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.
وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.
وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.
وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.
وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.
ومن هنا قال : "بئس خطيب القوم أنت" .
لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.
والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.
عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.
قال المفسرون: سال المشركون رسول الله عن وقت الساعة فنزلت.
وأيان بمعنى متى.
إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.
ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.
ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.
وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.
ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.
وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.
وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.
وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.
قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.
التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.
والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.
وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق .
ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.
فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.
ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.
وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.
وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.
ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.
وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.
أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.
ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟
يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!
وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.
وكذلك روي في الخبر عن رسول الله - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!
والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!
وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.
وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.
وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.
وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.
وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.
وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.
﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.
والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.
﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.
وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!
﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.
والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟
فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.
أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!
والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.
﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.
وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.
وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.
وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!
يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.
ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.
ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.
والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.
ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.
وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...
﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.
أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.
وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.
وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .
ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.
فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.
أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.
وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.
وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.
﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟
﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.
وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.
وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.
﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.
وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.
<div class="verse-tafsir"
أمْ مَنْ يهديكم في ظلمات البر وظلمات البحر بما ينصبه لكم من معالم ونجوم، ومن يبعث الرياح مبشرات بقرب نزول المطر الَّذي يرحم به عباده، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟!
تنزه الله، وتقدس عما يشركون به من مخلوقاته.
من فوائد الآيات لجوء أهل الباطل للعنف عندما تحاصرهم حجج الحق.
رابطة الزوجية دون الإيمان لا تنفع في الآخرة.
ترسيخ عقيدة التوحيد من خلال التذكير بنعم الله.
كل مضطر من مؤمن أو كافر فإن الله قد وعده بالإجابة إذا دعاه.
<div class="verse-tafsir" id="91.8yOnP"