الآية ٨٧ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨٧ من سورة النمل

وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ ٨٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٧ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨٧ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور ، وهو كما جاء في الحديث : " قرن ينفخ فيه " .

وفي حديث ( الصور ) أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى ، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها ، وذلك في آخر عمر الدنيا ، حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء ، فيفزع من في السموات ومن في الأرض ( إلا من شاء الله ) ، وهم الشهداء ، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون .

قال الإمام مسلم بن الحجاج : حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم : سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي ، سمعت عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنه ، وجاءه رجل فقال : ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا ؟

فقال : سبحان الله - أو : لا إله إلا الله - أو كلمة نحوهما - لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا ، إنما قلت : إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يخرب البيت ، ويكون ويكون .

ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - [ لا أدري أربعين ] يوما ، أو أربعين شهرا ، أو أربعين عاما - فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود ، فيطلبه فيهلكه .

ثم يمكث الناس سبع سنين ، ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته ، حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه " .

قال : سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع ، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟

فيقولون : فما تأمرنا ؟

فيأمرهم بعبادة الأوثان ، وهم في ذلك دار رزقهم ، حسن عيشهم .

ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا [ ورفع ليتا ] .

قال : " وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله " .

قال : " فيصعق ويصعق الناس ، ثم يرسل الله - أو قال : ينزل الله مطرا كأنه الطل - أو قال : الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس ، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون .

ثم يقال : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، وقفوهم إنهم مسئولون .

ثم يقال : أخرجوا بعث النار .

فيقال : من كم ؟

فيقال : من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين " .

قال : " فذلك يوم يجعل الولدان شيبا ، وذلك يوم يكشف عن ساق " .

وقوله : ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا " الليت : هو صفحة العنق ، أي : أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدا .

فهذه نفخة الفزع .

ثم بعد ذلك نفخة الصعق ، وهو الموت .

ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين ، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق ; ولهذا قال : ( وكل أتوه داخرين ) - قرئ بالمد ، وبغيره على الفعل ، وكل بمعنى واحد - و ( داخرين ) أي : صاغرين مطيعين ، لا يتخلف أحد عن أمره ، كما قال تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) [ الإسراء : 52 ] ، وقال ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) [ الروم : 25 ] .

وفي حديث الصور : أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح ، فتوضع في ثقب في الصور ، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها ، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح ، تتوهج أرواح المؤمنين نورا ، وأرواح الكافرين ظلمة ، فيقول الله ، عز وجل : وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها .

فتجيء الأرواح إلى أجسادها ، فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ ، ثم يقومون فينفضون التراب من قبورهم ، قال الله تعالى : ( يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ) [ المعارج : 43 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) وقد ذكرنا اختلافهم فيما مضى, وبيَّنا الصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده, غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم يذكر هناك من الأخبار, فقال بعضهم: هو قرن يُنفخ فيه.

*ذكر بعض من لم يُذكر فيما مضى قبل من الخبر عن ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (ويوم يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) قال كهيئة البوق.

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: الصور: البوق قال: هو البوق صاحبه آخذ به يقبض قبضتين بكفيه على طرف القرن، بين طرفه وبين فيه قدر قبضة أو نحوها, قد برك على ركبة إحدى رجليه, فأشار, فبرك على ركبة يساره مقعيًا على قدمها عقبها تحت فخذه وأليته وأطراف أصابعها في التراب.

قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي بكر بن عبد الله, قال: الصور كهيئة القرن قد رفع إحدى ركبتيه إلى السماء, وخفض الأخرى, لم يلق جفون عينه على غمض منذ خلق الله السموات مستعدًا مستجدًا, قد وضع الصور على فيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن إسماعيل بن رافع المدني, عن يزيد بن زياد - قال أبو جعفر: والصواب: يزيد بن أبي زياد - عن محمد بن كعب القرظي, عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله, ما الصور؟

قال: " قَرنٌ", قال: وكيف هو؟

قال: " قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ, والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ, والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِلهِ رَبِّ العَالَمينَ, يَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى, فيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وأَهْلُ الأرْضِ, إلا مَنْ شاءَ اللهُ, وَيأْمُرُهُ اللهُ فَيَمُدُّ بِها ويطوِّلهَا, فَلا يَفْتُرُ, وَهيَ الَّتي يَقُولُ اللهُ: وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبالَ, فَتَكُون سَرَابا, وَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رجا, وهي التي يقول الله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ الأرضُ كالسَّفِينَةِ المُوثَقَةِ فِي البَحْرِ, تَضْرِبُها الأمْوَاجُ, تُكْفأ بأَهْلِها, أوْ كالقِنْدِيِل المُعَلَّقِ بالوَتَر, تُرَجِّحُهُ الأرْياحُ, فَتَمِيدُ النَّاسُ على ظَهْرها, فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ, وَتَضَعُ الحَوَامِلُ, وَتَشِيبُ الولْدَانُ, وَتَطِيرُ الشَّياطِينُ هارِبَةً, حَتَّى تَأتِي الأقْطار, فَتَتَلَقَّاهَا المَلائِكَةُ, فَتَضْرِبُ وُجُوهَها, فَتَرْجِعُ, وَيُوَلي النَّاسُ مُدْبِرينَ يُنادي بَعْضُهُمْ بَعْضًا, وَهُوَ الَّذِي يَقُوُل اللهُ: يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ, فَرَأوَا أمْرًا عَظِيما, فَأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِنَ الكَرْب ما اللهُ أعْلَمُ بِهِ, ثُمَّ نَظَرُوا إلى السَّماءِ, فإذَا هِي كَالمُهْلِ, ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُها, وانْتَثَرتْ نُجُومُها, ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والأمْوَاتُ لا يعْلَمُون بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ" , فقال أبو هريرة: يا رسول الله, فمن استثنى الله حين يقول: ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: " أولَئِكَ الشُّهَدَاءُ, وإنَّمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ, أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ, وَقاهُمُ اللهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَومِ وآمَنَهُمْ, وَهُوَ عَذَابُ اللهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرارِ خَلْقِه ".

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا إسماعيل بن رافع, عن محمد بن كعب القرظي, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله تَبارَكَ وتَعالى لَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ, خَلَقَ الصُّورَ‍ فَأعْطاهُ مَلَكًا, فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ, شَاخِصٌ بِبَصَرِه إلى العَرْشِ, يَنْتَظِرُ مَتى يُؤمَرُ".

قال: قُلْتُ: يا رسول الله, وما الصُّورُ؟

قال: " قَرْنٌ", قلت: فكيف هو؟

قال: " عَظِيمٌ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ, إنَّ عِظَمَ دائِرَةٍ فيه, لَكَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ والأرْض, يَأْمُرُهُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فَيفْزَعُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ إلا مَنْ شاءَ اللهِ", ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث أبي كُرَيب عن المحاربي, غير أنه قال في حديثه " كالسفينة المرفأة في البحر ".

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ونفخ في صور الخلق.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) أي في الخلق.

قوله: (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) يقول: ففزع من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من الجن والإنس والشياطين, من هول ما يعاينون ذلك اليوم.

فإن قال قائل: وكيف قيل: (فَفَزِعَ), فجعل فزع وهي فعل مردودة على ينفخ, وهي يَفْعُلُ؟

قيل: العرب تفعل ذلك في المواضع التي تصلح فيها إذا, لأن إذا يصلح معها فعل ويفعل, كقولك: أزورك إذا زرتني, وأزورك إذا تزورني, فإذا وضع مكان إذا يوم أجرى مجرى إذا.

فإن قيل: فأين جواب قوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ ) ؟

قيل: جائز أن يكون مضمرا مع الواو, كأنه قيل: ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون, وذلك يوم ينفخ في الصور.

وجائز أن يكون متروكا اكتفي بدلالة الكلام عليه منه, كما قيل: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فترك جوابه.

وقوله: ( إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قيل: إن الذين استثناهم الله في هذا الموضع من أن ينالهم الفزع يومئذ الشهداء, وذلك أنهم أحياء عند ربهم يُرزقون, وإن كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا, وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد ذكرناه في الخبر الماضي.

وحدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام عمن حدثه, عن أبي هريرة, أنه قرأ هذه الآية: (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: هم الشهداء.

وقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) يقول: وكلّ أتوه صاغرين.

وبمثل الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) يقول: صاغرين.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) قال: صاغرين.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) قال: الداخر: الصاغر الراغم, قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه, قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا, فلم يكن لهم من الله منجى.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار : " وَكُل آتَوهُ" بمدّ الألف من أتوه على مثال فاعلوه (2) سوى ابن مسعود, فإنه قرأه: " وكُلٌّ أتُوهُ" على مثال فعلوه, واتبعه على القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة, واعتلّ الذين قرءوا ذلك على مثال فاعلوه بإجماع القراء على قوله: ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ ) قالوا: فكذلك قوله: "آتَوهُ" في الجمع.

وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله, فإنهم ردوه على قوله: ( فَفَزِعَ ) كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض, وأتوه كلهم داخرين, كما يقال في الكلام: رأى وفر وعاد وهو صاغر.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, ومتقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

------------------------ الهوامش: (2) آتوه: جمع آتى بوزن فاعل.

وأصله آتيوه، نقلت الضمة من الياء لاستثقالها إلى التاء، ثم حذفت الياء، لسكونها وسكون الواو بعدها فصار آتوه على وزن فاعلوه.

ووزنها قبل حذف الياء فاعلوه، وهو الذي أراده المؤلف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويوم ينفخ في الصور أي واذكر يوم ، أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور .

ومذهب الفراء أن المعنى : وذلكم يوم ينفخ في الصور ; وأجاز فيه الحذف والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل قال مجاهد : كهيئة البوق .

وقيل : هو البوق بلغة أهل اليمن وقد مضى في ( الأنعام ) بيانه وما للعلماء في ذلك .

ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لما فرغ من خلق السماوات خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة .

قلت : يا رسول الله ما الصور ؟

قال : قرن - والله - عظيم ، والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات : النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية [ ص: 222 ] نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين وذكر الحديث .

ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم ، وصححه ابن العربي .

وقد ذكرته في كتاب ( التذكرة ) وتكلمنا عليه هنالك ، وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث ، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لهما ; أي فزعوا فزعا ماتوا منه ; أو إلى نفخة البعث .

وهو اختيار القشيري وغيره ; فإنه قال في كلامه على هذه الآية : والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين يقولون : من بعثنا من مرقدنا ; ويعاينون من الأمور ما يهولهم ويفزعهم ; وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء .

قاله قتادة وقال الماوردي : ويوم ينفخ في الصور هو يوم النشور من القبور ، قال : وفي هذا الفزع قولان : أحدهما أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم : فزعت إليك في كذا : إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك .

والقول الثاني : إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن ; لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا .

وهذا أشبه القولين .قلت : والسنة الثابتة من حديث أبى هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث ; خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب ( التذكرة ) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان ; قال الله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما واحدة .

وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بين النفختين أربعون سنة ، الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي الله بها كل ميت فإن قيل : فإن قوله تعالى : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة إلى أن قال : فإنما هي زجرة واحدة وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث .

قيل له : ليس كذلك ، وإنما المراد بالزجرة : النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم ; كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم .

قال مجاهد : هما صيحتان أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله ، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله .

وقال عطاء : ( الراجفة ) : القيامة و ( الرادفة ) : البعث .

وقال ابن زيد : ( الراجفة ) : الموت و ( الرادفة ) : الساعة .

والله أعلم .

إلا من شاء الله اختلف في هذا المستثنى من هم .

[ ص: 223 ] ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون .

إنما يصل الفزع إلى الأحياء ; وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش وقال القشيري : الأنبياء داخلون في جملتهم ; لأن لهم الشهادة مع النبوة .

وقيل : الملائكة .

قال الحسن : استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين .

قال مقاتل : يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت .

وقيل : الحور العين .

وقيل : هم المؤمنون ، لأن الله تعالى قال عقب هذا : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون وقال بعض علمائنا : والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل .قلت : خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي فليعول عليه ، لأنه نص في التعيين ، وغيره اجتهاد .

والله أعلم .

وقيل غير هذا على ما يأتي في ( الزمر ) وقوله ففزع من في السماوات ماض و ( ينفخ ) مستقبل فيقال : كيف عطف ماض على مستقبل ؟

فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى ; لأن المعنى : إذا نفخ في الصور ففزع .

إلا من شاء الله نصب على الاستثناء .

وكل أتوه داخرين قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير : ( آتوه ) جعلوه فعلا مستقبلا .

وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم : ( وكل أتوه ) مقصورا ، على الفعل الماضي ، وكذلك قرأه ابن مسعود وعن قتادة ( وكل أتاه داخرين ) قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات من قرأ : ( وكل أتوه ) وحده على لفظ ( كل ) ومن قرأ : ( أتوه ) جمع على معناها ، وهذا القول غلط قبيح ; لأنه إذا قال : ( وكل أتوه ) فلم يوحد وإنما جمع ، ولو وحد لقال : ( أتاه ) ولكن من قال : ( أتوه ) جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنه رده إلى ( ففزع ) ومن قرأ ( وكل آتوه ) حمله على المعنى أيضا وقال : ( آتوه ) لأنها جملة منقطعة من الأول قال ابن نصر : قد حكي عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم يقله ، ونص أبي إسحاق : وكل أتوه داخرين ويقرأ : ( آتوه ) فمن وحد فللفظ ( كل ) ومن جمع فلمعناها .

يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر ( كل ) فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى ; فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى قال المهدوي : ومن قرأ وكل أتوه داخرين فهو فعل من الإتيان وحمل على معنى ( كل ) دون لفظها ، ومن قرأ ( وكل آتوه داخرين ) فهو اسم الفاعل من أتى .

يدلك على ذلك قوله تعالى : وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ومن قرأ ( وكل أتاه ) حمله على لفظ ( كل ) دون معناها وحمل ( داخرين ) على المعنى ، ومعناه صاغرين ، عن ابن عباس وقتادة .

وقد مضى في ( النحل ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخوف تعالى عباده ما أمامهم من يوم القيامة وما فيه من المحن والكروب، ومزعجات القلوب فقال: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ } بسبب النفخ فيه { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } أي: انزعجوا وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفا مما هو مقدمة له.

{ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع.

{ وَكُلٌّ } من الخلق عند النفخ في الصور { أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } صاغرين ذليلين، كما قال تعالى: { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } ففي ذلك اليوم يتساوى الرؤساء والمرءوسون في الذل والخضوع لمالك الملك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل ، وقال الحسن : الصور هو القرن ، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا الأجساد .

وقوله : ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) أي : فصعق ، كما قال في آية أخرى : " فصعق من في السماوات ومن في الأرض " ( الزمر - 68 ) ، أي : ماتوا ، والمعنى أنهم يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا .

وقيل : ينفخ إسرافيل في الصور .

ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام لرب العالمين .

قوله : ( إلا من شاء الله ) اختلفوا في هذا الاستثناء ، روي عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل عن قوله : ( إلا من شاء الله ) قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش .

وروى سعيد بن جبير ، وعطاء عن ابن عباس : هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم .

وفي بعض الآثار : " الشهداء ثنية الله - عز وجل - " أي : الذين استثناهم الله تعالى .

وقال الكلبي ، ومقاتل : يعني جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة ، ثم يقبض الله روح ميكائيل ، ثم روح إسرافيل ، ثم روح ملك الموت ، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتا جبريل عليه السلام .

.

ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت : خذ نفس إسرافيل ، ثم يقول : من بقي يا ملك الموت ؟

فيقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت ، فيقول : خذ نفس ميكائيل ، فيأخذ نفسه ، فيقع كالطود العظيم ، فيقول : من بقي ؟

فيقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت ، بقي جبريل وملك الموت ، فيقول : مت يا ملك الموت ، فيموت ، فيقول : يا جبريل من بقي ؟

فيقول : تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني ، قال : فيقول يا جبريل لا بد من موتك ، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه فيروى أن فضل خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب .

ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش فيقبض روح جبريل وميكائيل ، ثم أرواح حملة العرش ، ثم روح إسرافيل ، ثم روح ملك الموت .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يرفع رأسه ، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أكان ممن استثنى الله - عز وجل - أم رفع رأسه قبلي ؟

ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب " قال الضحاك : هم رضوان ، والحور ، ومالك ، والزبانية .

وقيل : عقارب النار وحياتها .

قوله - عز وجل - : ( وكل ) أي : الذين أحيوا بعد الموت ، ( أتوه ) قرأ الأعمش ، وحمزة ، وحفص : " أتوه " مقصورا بفتح التاء على الفعل ، أي : جاءوه ، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى : " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " ( مريم - 95 ) ، ( داخرين ) صاغرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويوم ينفخ في الصور» القرن النفخة الأولى من إسرافيل «ففزع من في السماوات ومن في الأرض» خافوا الخوف المفضي إلى الموت كما في آية أخرى فصعق، والتعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه «إلا من شاء الله» أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وعن ابن عباس هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم يرزقون «وكل» تنوينه عوض عن المضاف إليه، أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة «أتوه» بصيغة الفعل واسم الفاعل «داخرين» صاغرين والتعبير في الإتيان بالماضي لتحقق وقوعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- يوم يَنفخ الملَك في "القرن" ففزع مَن في السموات ومَن في الأرض فزعًا شديدًا مِن هول النفخة، إلا مَنِ استثناه الله ممن أكرمه وحفظه من الفزع، وكل المخلوقات يأتون إلى ربهم صاغرين مطيعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله .

.

) معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً ) والصور ، القرن الذى ينفخ فيه نفخة الصَّعْق والبعث ، وذلك يكون عند النفخة الثانية .

.

.

والنافخ : إسرافيل - عليه السلام - .قال القرطبى ما ملخصه : والصحيح فى الصور أنه قرن من نور ، ينفخ فيه إسرافيل .والصحيح - أيضا - فى النفخ فى الصور أنهما نفختان .

وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما .

.

والمراد - هنا النفخة الثانية - أى : يحيون فزعين ، يقولون : " من بعثنا من مرقدنا " ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم .والمعنى واذكر - أيها العاقل - يوم ينفخ إسرافيل فى الصور بإذن الله - تعالى - وأمره ( فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ) أى : خافوا وانزعجوا ، وأصابهم الرعب ، لشدة ما يسمعون ، وهول ما يشاهدون ، فى هذا اليوم الشديد .وقوله : ( إِلاَّ مَن شَآءَ الله ) اسثناء ممن يصيبهم الفزع .أى : ونفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله - تعالى - لهم عدم الفزع والخوف .والمراد بهؤلاء الذين لا يفزعون ، قيل : الأنبياء ، وقيل : الشهداء ، وقيل : الملائكة .ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم ، ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه ، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم .وقوله - سبحانه - : ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) أى : وكل واحد من هؤلاء الفزعين المبعوثين عند النفخة ، أتوا إلى موقف الحشر ، للوقوف بين يدى الله - تعالى - ( دَاخِرِينَ ) أى : صاغرين أذلاء .يقال : دخر فلان - كمنع وفرح - دخرا ودخورا .إذا صغر وذل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو العلامة الثانية لقيام القيامة.

أما قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه شيء شبيه بالقرن، وأن إسرافيل عليه السلام ينفخ فيه بإذن الله تعالى، فإذا سمع الناس ذلك الصوت وهو في الشدة بحيث لا تحتمله طبائعهم يفزعون عنده ويصعقون ويموتون وهو كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور  ﴾ وهذا قول الأكثرين.

وثانيها: يجوز أن يكون تمثيلاً لدعاء الموت فإن خروجهم من قبورهم كخروج الجيش عند سماع صوت الآلة.

وثالثها: أن الصور جمع الصور وجعلوا النفخ فيها نفخ الروح والأول أقرب لدلالة الظاهر عليه ولا مانع يمنع منه.

أما قوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه إنما قال (ففزع) ولم يقل فيفزع للإشعار بتحقيق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعاً به والمراد فزعهم عند النفخة الأولى.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ فالمراد إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت، وقيل الشهداء، وعن الضحاك الحور وخزنة النار وحملة العرش، وعن جابر موسى منهم لأنه صعق مرة ومثله قوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله  ﴾ وليس فيه خبر مقطوع، والكتاب إنما يدل على الجملة.

أما قوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين ﴾ فقرئ (أتوه) و(أتاه) ودخرين وداخرين فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ والداخر والدخر الصاغر، وقيل معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية، ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمر الله وانقيادهم له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: لم قيل: ﴿ فَفَزِعَ ﴾ دون فيفزع؟

قلت: لنكتة وهي الإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض؛ لأنّ الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعاً به.

والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت- عليهم السلام.

وقيل: الشهداء.

وعن الضحاك: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش.

وعن جابر: منهم موسى عليه السلام، لأنه صعق مرّة.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآء الله ﴾ [الزمر: 68] .

وقرئ: ﴿ أتوه ﴾ .

﴿ وأتاه ﴾ ﴿ ودخرين ﴾ ، فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ.

والداخر والدخر: الصاغر.

وقيل: مع الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ في الصُّوَرِ أوِ القَرْنِ، وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِانْبِعاثِ المَوْتى بِانْبِعاثِ الجَيْشِ إذا نُفِخَ في البُوقِ.

﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ مِنَ الهَوْلِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.

﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يَفْزَعَ بِأنْ يُثَبِّتَ قَلْبَهُ.

قِيلَ هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ وعَزْرائِيلُ، وقِيلَ الحُورُ والخَزَنَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ، وقِيلَ الشُّهَداءُ، وقِيلَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ صُعِقَ مَرَّةً ولَعَلَّ المُرادَ ما يَعُمُّ ذَلِكَ.

﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ ﴾ حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، أوْ راجِعُونَ إلى أمْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ﴿ أتَوْهُ ﴾ عَلى الفِعْلِ، وقُرِئَ «أتاهُ» عَلى التَّوْحِيدِ لِلَفْظِ الكُلِّ.

﴿ داخِرِينَ ﴾ صاغِرِينَ وقُرِئَ «دَخِرِينَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَوْمَ} واذكر يوم {يُنفَخُ فِى الصور} وهو قرن أو جمع سورة والنافخ إسرافيل عليه السلام {فَفَزِعَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض} اختير فزع على يفزع للإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون {إِلاَّ مَن شَاء الله} إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا لهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام وقيل الشهداء وقيل الحور وخزنة النار وحملة العرش وعن جابر رضي الله عنه منهم موسى عليه السلام لأنه صعق مرة ومثله وَنُفِخَ فِى الصور فصعق من في السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} حمزة وحفص وخلف اتوه غيرهم وأصله آتيوه {داخرين} حال أي صاغرين ومعنى الإتيان حضورهم الموقف ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ﴾ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ، والصُّورُ- عَلى ما في التَّذْكِرَةِ- قَرْنٌ مِن نُورٍ، وذَكَرَ البُخارِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كالبُوقِ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: ««جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: «ما الصُّورُ؟

قالَ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»،» والمَشْهُورُ أنَّ صاحِبَ الصُّورِ هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ الأُمَمَ مُجَمَّعَةٌ عَلى ذَلِكَ وهو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ««كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّورِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ واسْتَمَعَ الإذْنَ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ؟!

فَكَأنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««ما أطْرَقَ صاحِبُ الصُّورِ مُذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدًّا بِحِذاءِ العَرْشِ مَخافَةَ أنْ يُؤْمَرَ بِالصَّيْحَةِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ طَرْفُهُ كَأنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبانِ دُرِّيانِ»».

وجاءَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ««إنَّ أعْظَمَ دائِرَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ»» وهَذا مِمّا يُؤْمِنُ بِهِ وتُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وقِيلَ: إنَّ الصَّوْرَ بِسُكُونِ الواوِ بِمَعْنى الصُّوَرِ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ الواوِ جَمْعَ صُورَةٍ- وعَلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ- والكَلامُ في الوَجْهَيْنِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ هَيْئَةَ انْبِعاثِ المَوْتى مِنَ القُبُورِ إلى المَحْشَرِ إذا نُودُوا بِالقِيامِ بِهَيْئَةِ قِيامِ جَيْشٍ نُفِخَ لَهم في المِزْمارِ المَعْرُوفِ وسَيْرِهِمْ إلى مَحَلٍّ عُيِّنَ لَهُمْ، والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ- وعَلَيْهِ المِعْوَلُ- لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ الصُّورَ لَيْسَ جَمْعَ صُورَةٍ وإلّا لَقالَ سُبْحانَهُ: فِيها بَدَلَ فِيهِ، وارْتِكابُ التَّأْوِيلِ بِجَعْلِ الكَلامِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ظاهِرٌ في إنْكارِ أنْ يَكُونَ هُناكَ صُورٌ حَقِيقَةً، وهو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ، وقَدْ قالَ أبُو الهَيْثَمِ عَلى ما نَقَلَ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الصُّورُ قَرْنًا فَهو كَمَن أنْكَرَ العَرْشَ والصِّراطَ والمِيزانَ وطَلَبَ لَها تَأْوِيلاتٍ، وهَذا النَّفْخُ قِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ الغَنِيّانِ، واخْتارَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وقالَ: الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ذَلِكَ، وأنَّ المُرادَ بِالفَزَعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ ما يَعْتَرِي الكُلَّ عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ مِنَ الرُّعْبِ والتَّهَيُّبِ الضَّرُورِيَّيْنِ الجَبَلِيَّيْنِ بِمُشاهَدَةِ الأُمُورِ الهائِلَةِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْخِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وبِالفَزَعِ هو الَّذِي يَسْتَتْبِعُ المَوْتَ لِغايَةِ شِدَّةِ الهَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ فَيَخْتَصُّ أثَرُها بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها دُونَ مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ النَّفْخَةِ الفَزَعُ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ وشَنَّعَ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ بِما هو مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِهِ.

وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: الحَقُّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ ﴾ هو النَّفْخَةُ الأُولى، وقَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ وكُلٌّ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ النَّفْخَةِ فَقِيلَ: ثَلاثٌ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ ، ونَفْخَةُ البَعْثِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ، ونَفْخَةُ الفَزَعِ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ.

وقِيلَ: اثْنَتانِ، ونَفْخَةُ الفَزَعِ هي نَفْخَةُ الصَّعْقِ لِأنَّ الأمْرَيْنِ: الفَزَعُ بِمَعْنى الخَوْفِ.

والصَّعْقُ بِمَعْنى المَوْتِ لا زَمانَ لَها، قالَ القُرْطُبِيُّ: والسُّنَّةُ كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وهو طَوِيلٌ مِنهُ مَعَ حَذْفٍ ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَأوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَهُ فَيُصْعَقُ ثُمَّ يُصْعَقُ النّاسُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ.

تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْخَ مَرَّتانِ لا ثَلاثَةٌ وهو الصَّحِيحُ، ونَفْخُ الفَزَعِ هو نَفْخُ الصَّعْقِ بِعَيْنِهِ لِاتِّحادِ الِاسْتِثْناءِ في آيَتَيْهِما.

وتُعُقِّبَ في الرِّسالَةِ المُسَمّاةِ بِشَرْحِ العَشْرِ في مَعْشَرِ الحَشْرِ المَنسُوبَةِ لِابْنِ الكَمالِ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في الحَدِيثِ عَلى عَدَمِ النَّفْخَةِ الثّالِثَةِ، غايَتُهُ أنَّهُ وسائِرُ الأحادِيثِ الوارِدَةِ عَلى نَسَقِهِ ساكِتٌ عَنْها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُها، وكَذا لا دَلالَةَ في اتِّحادِ الِاسْتِثْناءِ في الآيَتَيْنِ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ فِيهِما نَفْخَةً واحِدَةً، وهَذا ظاهِرٌ، ثُمَّ قالَ: والصَّحِيحُ عِنْدِي ما في القَوْلِ الأوَّلِ، مِن أنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ غَيْرُ نَفْخَةِ الصَّعْقِ.

فَإنَّ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ «لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ فَإذا أنا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آخُذُ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ، فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أوْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ:» صَرِيحٌ في أنَّ الصَّعْقَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنْ لا مَوْتَ فِيهِ فَهو فَزَعٌ بِلا مَوْتٍ، فَمَن قالَ: هي ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ثُمَّ نَفْخَةُ الصَّعْقِ وهو المَوْتُ، ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ فَقَدْ أصابَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَفْخَةِ الفَزَعِ ونَفْخَةِ الصَّعْقِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُصِبْ في زَعْمِهِ أنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ.

كَيْفَ وقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ المَذْكُورُ عَلى عُمُومِ حُكْمِ نَفْخَةِ الفَزَعِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ أيِ المَوْتِ، قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ نَفْخَةَ الفَزَعِ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ والأرْضُ، فَظَهَرَ أنَّ النَّفَخاتِ ثَلاثٌ بَلْ أرْبَعٌ: نَفْخَةٌ يُمِيتُ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِها كَما جاءَ في الحَدِيثِ وعِنْدَ ذَلِكَ يُنادِي سُبْحانَهُ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ.

ويُنادِي عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ .

ونَفْخَةُ البَعْثِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ونَفْخَةُ الصَّعْقِ وهي نَفْخَةُ الفَزَعِ بِعَيْنِها وقَدْ سَمِعْتُ آيَتَيْهِما، ونَفْخَةٌ لِلْإفاقَةِ كَما قالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ نَفْخَةِ الصَّعْقِ ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ ما في زَعْمِ أنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ بِعَيْنِها فَتَدَبَّرِ انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ عَلى القَوْلِ بِالمُغايِرَةِ بَيْنَ نَفْخَةِ الفَزَعِ ونَفْخَةِ الصَّعْقِ أنْ تَكُونَ النَّفَخاتُ خَمْسًا ولَمْ نَسْمَعْ مُتَنَفَّسًا يَقُولُ بِذَلِكَ، وأيْضًا فِيهِ القَوْلُ بِأنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ بَعْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ، ويَأْباهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فَأرْفَعُ رَأْسِي فَإذا مُوسى مُتَعَلِّقٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَما أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى» فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ لا مَحالَةَ فَإذا عَقِبَهُ رَفْعُ رَأْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُفاجَأةُ كَوْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقًا بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَأيْنَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ.

ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ النَّفَخاتِ خَمْسًا لَمْ يُسْمَعْ هو الغالِبُ عَلى الظَّنِّ ويَتَوَقَّفُ قَبُولُ ما ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخَبَرِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِما تَقَدَّمَ مِن وراءِ المَنعِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّ النَّفَخاتِ ثَلاثٌ: الأُولى نَفْخَةُ الصَّعْقِ بِمَعْنى المَوْتِ كَما هو أحَدُ مَعْنَيَيْهِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ ، والثّانِيَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ والثّالِثَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِما هُنا وهي عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ القاضِي عِياضٍ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ والأرْضُ.

وأصْلُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الشَّخْصَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ والمُرادُ بِهِ الرُّعْبُ الشَّدِيدُ، ولَعَلَّ الصَّعْقَ المَذْكُورَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ هو غَشْيٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ وعَلى النَّفْخِ بِواسِطَتِهِ وقَدْ نَصَّ في الأساسِ عَلى هَذا المَعْنى لَهُ قالَ يُقالُ صَعِقَ الرَّجُلُ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ مِن هَدَّةٍ أوْ صَوْتٍ شَدِيدٍ يَسْمَعُهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الغَشْيِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ»» لِأنَّ الإفاقَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الغَشْيِ دُونَ المَوْتِ ولَمْ يُعَبِّرْ هُنا بِالصَّعْقِ مُرادًا بِهِ الغَشْيُ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ إرادَةُ مَعْنى المَوْتِ مِنهُ لِخُلُوِّهِ هُنا عَنِ القَرِينَةِ الَّتِي في الحَدِيثِ واقْتِرانِهِ بِما يُلائِمُ ذَلِكَ.

وقَدْ يَخْتارُ ما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ النَّفْخَةَ اثْنَتانِ ويُجابُ عَمّا يُشْعِرُ بِالزِّيادَةِ فالنَّفْخَةُ الأُولى نَفْخَةُ الصَّعْقِ بِمَعْنى المَوْتِ بِحالٍ هائِلَةٍ فَبِها يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الأحْياءِ قُبَيْلَ ذَلِكَ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْها آيَةُ: ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ إلَخْ، والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ نَفْخَةُ البَعْثِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِآيَةِ ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ وبَيْنَهُما في المَشْهُورِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أرْبَعُونَ» بِدُونِ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ فَقِيلَ أرْبَعُونَ يَوْمًا فَقالَ أبُو هُرَيْرَةٍ: أبَيْتُ فَقِيلَ أرْبَعُونَ شَهْرًا فَقالَ أبَيْتُ فَقِيلَ أرْبَعُونَ سَنَةً فَقالَ أبَيْتُ، ونَفْخَةُ الفَزَعِ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفِ هي هَذِهِ النَّفْخَةُ بِعَيْنِها ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يُنْفَخُ في الصُّورِ لِلْبَعْثِ فَيُبْعَثُ الخَلْقُ ويُنْشَرُونَ فَإذا تَحَقَّقُوا يَوْمَ القِيامَةِ وشاهَدُوا آثارَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَزِعُوا ورُعِبُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَرَتَّبَ الفَزَعُ عَلى النَّفْخِ بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ الزَّمانِ الفاصِلِ لِسُرْعَةِ تَحَقُّقِهِمْ ومُشاهَدَتِهِمْ ما ذَكَرَ، والإضافَةُ في قَوْلِنا نَفْخَةُ البَعْثِ وقَوْلِنا نَفْخَةُ الفَزَعِ مِن إضافَةِ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ إلّا أنَّ سَبَبِيَّةَ النَّفْخِ لِلْبَعْثِ بِلا واسِطَةٍ وسَبَبِيَّتَهُ لِلْفَزَعِ بِواسِطَةٍ، وحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ ««لا تُخَيِّرُونِي مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ»» إلَخْ لَيْسَ فِيهِ سِوى إثْباتِ الصَّعْقِ بِمَعْنى الغَشْيِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ذِكْرُ الإفاقَةِ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ ولا تَعَرُّضَ لَهُ لِنَفْخٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، نَعَمِ التَّعْبِيرُ بِالصَّعْقِ عَلى ما ذَكَرُوا في مَعْناهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ هَدَّةٌ أوْ صَوْتٌ شَدِيدٌ يَسْمَعُهُ مَن يَسْمَعُهُ فَيُغْشى عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لا يُعَيِّنُ النَّفْخَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن صَوْتٍ حادِثٍ مِنِ انْشِقاقِ السَّماواتِ الكائِنِ بَعْدَ البَعْثِ والفَزَعِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وما شاهَدُوا مِن أهْوالِهِ.

ومَنَعَ بَعْضُهُمُ اقْتِضاءَهُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِهِ الغَشْيُ لِحُدُوثِ أمْرٍ عَظِيمٍ مِن أُمُورِ يَوْمِ القِيامَةِ غَيْرِ النَّفْخِ، وقِيلَ: هو مِن فُرُوعِ النَّفْخِ لِلْبَعْثِ وذَلِكَ أنَّهُ يُنْفَخُ فَتُبْعَثُ الخَلائِقُ فَيَتَحَقَّقُونَ ما يَتَحَقَّقُونَ ويُشاهِدُونَ ما يُشاهِدُونَ فَيَفْزَعُونَ فَيُغْشى عَلَيْهِمْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ مِمّا لا يَأْبى ذَلِكَ واحْتِياجُ الإفاقَةِ لِنَفْخَةٍ أُخْرى في حَيِّزِ المَنعِ وقِيلَ: فِي بَيانِ اتِّحادِ نَفْخَةِ البَعْثِ ونَفْخَةِ الفَزَعِ أنَّ المُرادَ بِالفَزَعِ الإجابَةُ والإسْراعُ لِلْقِيامِ لِرَبِّ العالَمِينَ وقَدْ صَرَّحَتِ الآياتُ بِإسْراعِ النّاسِ عِنْدَ البَعْثِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ واحْتِياجُ تَوْجِيهِ الِاسْتِثْناءِ بَعُدَ عَلَيْهِ إلى تَكَلُّفٍ فالأوْلى أنْ يُوَجَّهَ الِاتِّحادُ بِما سَبَقَ فَتَأمَّلْ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي مَعَ كَوْنِ المَعْطُوفِ أعْنِي يُنْفَخُ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ ووَجْهُ تَأْخِيرِ بَيانِ الأحْوالِ الواقِعَةِ في ابْتِداءِ هَذِهِ النَّفْخَةِ عَنْ بَيانِ ما يَقَعُ بَعْدُ مِن حَشْرِ المُكَذِّبِينَ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ كَما هو الظّاهِرُ مِن مَن ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُفْزَعَ، والمُرادُ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ وتُعُقَّبَ بِأنَّ الفَزَعَ في تِلْكَ الآيَةِ غَيْرُ الفَزَعِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَفَزِعَ ﴾ إلَخْ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واخْتَلَفَ الَّذِينَ حَمَلُوا النَّفْخَ هُنا عَلى النَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي تَكُونُ لِلصَّعْقِ- أيِ المَوْتِ- في تَعْيِينِهِمْ فَقِيلَ هم جِبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ وعِزْرائِيلُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الوِلْدانُ والحُورُ العِينُ وخَزَنَةُ الجَنَّةِ وحَمَلَةُ العَرْشِ.

وحَكى بَعْضُهم هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في المُرادِ بِالمُسْتَثْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالنَّفْخِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ وبِالفَزَعِ الخَوْفُ والرُّعْبُ وأوْرَدَ عَلَيْهِما أنْ حَمَلَةَ العَرْشِ لَيْسُوا مِن سُكّانِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ السَّماواتِ في داخِلِ الكُرْسِيِّ ونِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ حَلَقَةٍ في فَلاةٍ ونِسْبَةُ الكُرْسِيِّ إلى العَرْشِ كَهَذِهِ النِّسْبَةِ أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ حَمَلَتُهُ في السَّماواتِ وكَذا الوِلْدانُ والحُورُ وخَزَنَةُ الجَنَّةِ لِأنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهم في الجَنَّةِ والجِنانُ جَمِيعُها فَوْقَ السَّماواتِ ودُونَ العَرْشِ عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سَقْفُ الجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ»» فَما فِيها مِنَ الوِلْدانِ والحُورِ والخَزَنَةِ لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهم مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وأمّا جِبْرائِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهم مِنَ الصّافِّينَ المُسَبِّحِينَ حَوْلَ العَرْشِ وإذا كانَ العَرْشُ فَوْقَ السَّماواتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفافُ حَوْلَهُ في السَّماواتِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماواتِ ما يَعُمُّ العَرْشَ والكُرْسِيَّ وغَيْرَهُما مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ فَإنَّهُ الألْيَقُ بِالمَقامِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عِنْدَ إرادَةِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ.

وقِيلَ: لا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّماواتِ عَلى السَّماواتِ السَّبْعِ والتِزامِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُنْقَطِعًا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وعَدَّ بَعْضُهم مِمَّنِ اسْتُثْنِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَكادُ يَصِحُّ إلّا إذا أُرِيدَ بِالفَزَعِ الصَّعْقُ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، أمّا إذا أُرِيدَ بِهِ ما يَكُونُ في الدُّنْيا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى فَلا، عَلى أنَّ عَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ لا يُصْعَقُ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ السّابِقِ «فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أوْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ وارِدٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّهُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».

وصَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وبِهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ ولَفْظُهُ هُمُ الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفَ حَوْلَ العَرْشِ وكَذا ذَهَبَ إلَيْهِ الحَلِيمِيُّ وقالَ: هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثُمَّ ضَعَّفَ غَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ.

وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ مَن شاءَ اللَّهُ في آيَةِ الصَّعْقِ وبَعْضٌ آخَرُ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ في آيَةِ الفَزَعِ فَتَدَبَّرْ.

﴿ وكُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفازِعِينَ المَبْعُوثِينَ عِنْدَ النَّفْخَةِ ﴿ أتَوْهُ ﴾ أيْ حَضَرُوا المَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ لِلسُّؤالِ والجَوابِ والمُناقَشَةِ والحِسابِ، وقِيلَ: أيْ رَجَعُوا إلى أمْرِهِ تَعالى وانْقادُوا.

وضَمِيرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (كُلٌّ) وقَرَأ قَتادَةُ أتاهُ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا لِضَمِيرِ (كُلٌّ) عَلى لَفْظِها.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ آتَوْهُ اسْمَ فاعِلٍ ﴿ داخِرِينَ ﴾ أيْ أذِلّاءَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ دَخِرِينَ بِغَيْرِ ألِفٍ وهو عَلى القِراءَتَيْنِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (كُلٌّ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل  فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع.

ويقال: ماتوا.

وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت.

وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي أحياء عند ربهم.

وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة.

وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.

روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص.

وقرأ الباقون بالمد والضم.

ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: متواضعين.

ومن قرأ بغير مد يعني: يأتون الله عز وجل.

وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة.

قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.

ثم قال عز وجل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء.

ويقال: الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.

قوله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.

أي: خير من الحسنة.

يعني: أكثر منها للواحد عشرة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.

ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم.

قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.

وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني: قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.

قال عز وجل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.

يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم  وحرم فيها القتل والصيد.

قال بعضهم: كان حراماً أبداً.

قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته.

وقد روي عن النبي  أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» .

ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.

ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد  فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته.

يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.

ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.

وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)

وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً: هو تذكيرٌ بيومِ القيامةِ، والفوجُ:

الجماعة الكثيرة، ويُوزَعُونَ معناه: يكفّون في السوق، يَحْبِسُ أولُهُم عَلى آخرهم «١» قاله قتادة، ومنه وَازَع الجيشَ، ثم أخبر- تعالى- عن توقيفِه الكفرةَ يومَ القيامةِ وسؤالِهم على جهة التوبيخ: أَكَذَّبْتُمْ ...

الآية، ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على معنى استيفاء الحُجَجِ، أي: إن كان لكم عملٌ أو حُجَّةٌ فهاتوها.

ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي:

نفوذُ العذابِ وحَتْمُ القَضَاءِ وأنهم لا ينطقونَ بحجَّةٍ، وهذا في موطن من مواطِنِ القيامةِ.

ولما تكلَّم المحاسِبيُّ على أهوال القيامة، قال: واذكر الصراط بدقّته وهوله وزلَّتِه وعَظِيم خطره وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له مِنْ مَنظرٍ ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهُ، فتَوهَّمْ ذلِكَ بقلبٍ فارغٍ، وعقلٍ جامعٍ، فإن أهوالَ يومِ القيامةِ إنما خَفَّتْ علَى الذِينَ تَوَهَّمُوهَا في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيَا الهُمُومَ خَوْفاً مِن مَقامِ رَبِّهِمْ، فَخَفَّفَها مَوْلاَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْهم، انتهى من «كتاب التوهم» .

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهو القَرْنُ في قول جمهور الأمة، وصاحب الصور هو ٥٥ أإسرافيل- عليه السلام-، وهذه النفخةُ المذكورة هنا هي نفخة/ الفَزَع، ورَوى أبو هريرةَ «٢» أنها ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفَزَعِ، وهو فزع حياةِ الدُّنيَا وليْسَ بالفَزَع الأكْبَرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيام من القبور.

وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ في نفخةٍ وَاحِدَةٍ مستدلين بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ...

الآية [الزمر: ٦٨] .

قالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية.

قال ع «٣» : والأول أصحُّ، وأخرى يقال في الثالثةِ، ومنه قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى.

[النجم: ٢٠] .

وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناءٌ فيمن قَضَى الله سبحانه مِنْ ملائكتِه، وأنبيائه، وشهداءِ عبيدِه أن لا ينالهم فزعُ النَّفْخِ في الصورِ، حَسَبَ ما ورد في ذلك من الآثار.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ النَّفْخَةُ الأُولى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ \[قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ\]، والمُرادُ أنَّهم ماتُوا، بَلَغَ بِهِمُ الفَزَعُ إلى المَوْتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ مَن في النّارِ، لِأنَّهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ بْنَ شاقِلا مِن أصْحابِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ ﴾ أيْ: مِنَ الأحْياءِ الَّذِينَ ماتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا ﴿ آتَوْهُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أتَوْهُ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ مَقْصُورَةً، أيْ: يَأْتُونَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ داخِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: صاغِرِينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلٌّ " لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ في مَوْضِعِ جَمْعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الجِبالَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا يَكُونُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ، تُجْمَعُ الجِبالُ وتُسَيَّرُ، فَهي لِكَثْرَتِها تُحْسَبُ ﴿ جامِدَةً ﴾ أيْ: واقِفَةً ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ ﴾ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ السَّحابِ، وكَذَلِكَ كَلُّ جَيْشٍ عَظِيمٍ يَحْسَبُهُ النّاظِرُ مِن بَعِيدٍ واقِفًا وهو يَسِيرُ، لِكَثْرَتِهِ، قالَ الجَعْدِيُّ يَصِفُ جَيْشًا: بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ دَلِيلٌ عَلى الصَّنْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ.

فَأمّا الإتْقانُ، فَهو في اللُّغَةِ: إحْكامٌ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَفْعَلُونَ " بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في آَخِرِ (الأنْعامِ: ١٦٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها يَصِلُ إلَيْهِ، وهو الثَّوابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: فَلَهُ أفْضَلُ مِنها، لِأنَّهُ يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيُعْطى عَشْرَ أمْثالِها قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ " مُضافًا.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " مِن فَزَعٍ " بِالتَّنْوِينِ " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

وقالَ الفَرّاءُ: الإضافَةُ أعْجَبُ إلَيَّ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ فَزَعٌ مَعْلُومٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ فَصَيَّرَهُ مَعْرِفَةً، فَإذا أضَفْتَ مَكانَ المَعْرِفَةِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ.

واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ التَّنْوِينِ وقالَ: هي أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ فَزَعِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إذا نَوَّنَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةَ الألْفاظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ  ﴾ ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ، القِراءَتانِ سَواءٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةَ، فَهو شامِلٌ لِكُلِّ فَزَعٍ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الواحِدَ، فَهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: إذا أطْبَقَتِ النّارُ عَلى أهْلِها فَزِعُوا فَزْعَةً لَمْ يَفْزَعُوا مِثْلها، وأهْلُ الجَنَّةِ آَمِنُونَ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الشِّرْكُ ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ يُقالُ: كَبَّبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتُهُ لِوَجْهِهِ؛ وتَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَفَزِعَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، و"نَحْشُرُ": نَجْمَعُ، و ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ يُرِيدُ: مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الناسِ مُتَقَدِّمٍ؛ لِأنَّ كُلَّ عَصْرٍ لَمْ يَخْلُ مِن كَفَرَةٍ بِاللهِ مِن لَدُنْ تَفَرُّقِ بَنِي آدَمَ، و"الفَوْجُ": الجَماعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الناسِ، والمَعْنى: مِمَّنْ حالُهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِآياتِنا، و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يُكَفُّونَ في السَوْقِ، أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ وازِعِ الجَبْشِ، وفِيهِ يَقُولُ عَبْدُ الشارِفِ بْنُ عَبْدِ العُزّى: فَجاؤُوا عارِضًا بَرِدًا وحِينًا كَمِثْلِ السَيْلِ تَرْكَبُ وازِعِينا ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن تَوْقِيفِهِ الكَفَرَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وسُؤالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: ﴿ حَتّى إذا ﴾ الآيَةُ، ثُمْ قالَ، ﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى مَعْنى اسْتِيفاءِ الحُجَجِ، أيْ: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أو حُجَّةٌ فَهاتُوها.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ.

ثُمْ أخْبَرَ عن وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، أيْ نُفُوذِ العَذابِ وحَتْمِ القَضاءِ، وأنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ لَهُمْ، وهَذا في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، وفي فَرِيقٍ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ في اللَيْلِ وكَوْنِهِ وقْتَ سُكُونٍ ووَداعَةِ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ، والمُهِمْ في ذَلِكَ بَنُو آدَمَ، وكَوْنِ النَهارِ مُبْصِرًا، أيْ: ذا إبْصارٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمْ ونَهارٌ صائِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ: يُقامُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: يُبْصَرُ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ: ذا إبْصارٍ، ثُمْ تَجُوزُ بِأنْ قِيلَ: "مُبْصِرًا"، فَهو عَلى النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، والآياتُ في ذَلِكَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، هي آيَةٌ لِجَمِيعِهِمْ في نَفْسِها، لَكِنْ مِن حَيْثُ الِانْتِفاعِ بِها والنَظَرِ النافِعِ إنَّما هو لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِكْرِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى يَوْمَ النَفْخِ في الصُوَرِ، وهو القَرْنُ في قَوْلِ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وهو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ وجَمْرَةٍ وجَمْرٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وفي الأحادِيثِ المُتَداوَلَةِ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو صاحِبُ الصُوَرِ، وأنَّهُ قَدْ جَثا عَلى رُكْبَتِهِ الواحِدَةِ وأقامَ الأُخْرى وأمالَ خَدَّهُ والتَقَمَ القَرْنَ يَنْتَظِرُ مَتّى يُؤْمَرُ ويُؤْذَنُ لَهُ بِالنَفْخِ، وهَذِهِ النَفْخَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ المَلَكَ لَهُ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي نَفْخَتانِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَعْقَ في نَفْخَةٍ واحِدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ  ﴾ ، وقالُوا: أُخْرى لا تُقالُ إلّا في الثانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، وأُخْرى تُقالُ في الثالِثَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ مَقْرُومٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مِن ثُمامَهْ فَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ثانِيًا أو ثالِثًا فَلا حُجَّةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ ﴾ -وَهُوَ أمْرٌ لَمْ يَقَعْ- يُعَدُّ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وهَذا مَعْنى وضْعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ فِيمَن قَضى اللهُ تَعالى مِن مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وشُهَداءِ عَبِيدِهِ ألّا يَنالُهم فَزَعُ النَفْخِ في الصُوَرِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هي في الشُهَداءِ، وذَكَرَ الرُمّانِيُّ أنَّهُ النَبِيُّ  ، وقالَ مُقاتِلُ: هي في جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكِ المَوْتِ، وإذا كانَ الأكْبَرُ لا يَنالُهم فَهم حَرِيُّونَ ألّا يَنالُهم هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذا في وقْتِ تَرَقُّبٍ وذَلِكَ في وقْتِ أمْنٍ؛ إذْ هو إطْباقُ جَهَنَّمَ عَلى أهْلِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَكُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ" عَلى وزْنِ فاعِلُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "أتَوْهُ" عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "أتاهُ" عَلى الإفْرادِ اتِّباعًا لِلَّفْظِ "كُلٌّ"، وإلى هَذِهِ القِراءَةِ أشارَ الزَجاجُ ولَمْ يَذْكُرْها.

و"الداخِرُ": المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: الداخِرُ: الصاغِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "دَخِرِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الشُهَداءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهم أهْلٌ لِلْفَزَعِ لِأنَّهم بَشَرٌ لَكِنَّهم فُضِّلُوا بِالأمْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ [النمل: 83]، عاد به السياق إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا ب«يوم يحشرون إلى النار» ذكروا أيضاً بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور، تسجيلاً عليهم بإثبات وقوع البعث وإنذاراً بما يعقبه مما دل عليه قوله ﴿ ءاتوه داخرين ﴾ وقوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ .

والنفخ في الصور تقدم في قوله ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور ﴾ في سورة الأنعام (73) وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى ﴿ ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68]، وذلك هو يوم الحساب.

وأما النفخة الأولى فهي نفخة يعنى بها الإحياء، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة الدنيا فهم يصعقون، ولهذا فرع عليه قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض ﴾ ، أي عقبه حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات العذاب، فكل أحد يخشى أن يكون معذباً، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو فزعاً من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات.

والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون ﴾ [النمل: 89] وقوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ إلى قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ [الأنبياء: 101 103] وذلك بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة.

قال تعالى ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ [الأنبياء: 103] وقال ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ [يونس: 64].

وجيء بصيغة الماضي في قوله ﴿ ففزع ﴾ مع أن النفخ مستقبل، للإشعار بتحقق الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1] لأن المضي يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق، وقرينة الاستقبال ظاهرة من المضارع في قوله ﴿ ينفخ ﴾ .

والداخرون: الصاغرون.

أي الأذلاء، يقال: دَخِرَ بوزن منع وفرِح والمصدر الدخر بالتحريك والدخور.

وضمير الغيبة الظاهر في ﴿ ءاتوه ﴾ عائد إلى اسم الجلالة، والإتيان إلى الله الإحضار في مكان قضائه ويجوز أن يعود الضمير على ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ على تقدير: ءاتون فيه والمضاف إليه (كل) المعوض عنه التنوين، تقديره: من فزع ممن في السموات والأرض آتوه داخرين.

وأما من استثنى الله بأنه شاء أن لا يفزعوا فهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.

وقرأ الجمهور ﴿ آتوه ﴾ بصيغة اسم الفاعل من أتى.

وقرأ حمزة وحفص ﴿ أتوه ﴾ بصيغة فعل الماضي فهو كقوله ﴿ ففزع ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ وهو يَوْمُ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ، والنَّفْخُ فِيها إعادَةُ الأرْواحِ إلَيْها.

الثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ يُنْفَخُ فِيهِ كالبُوقِ يَخْرُجُ مِنهُ صَوْتٌ يَحْيا بِهِ المَوْتى.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإحْياءِ المَوْتى في وقْتٍ واحِدٍ بِخُرُوجِهِمْ فِيهِ كَخُرُوجِ الجَيْشِ إذا أُنْذِرُوا بِنَفْخِ البُوقِ فاجْتَمَعُوا في الخُرُوجِ وقْتًا واحِدًا.

﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وفي هَذا الفَزَعِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإجابَةُ والإسْراعُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِكَ فَزِعْتُ إلَيْهِ مِن كَذا إذا أسْرَعْتَ إلى نِدائِهِ في مَعُونَتِكَ قالَ الشّاعِرُ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الإجابَةِ والإسْراعِ إلى النّارِ.

وَيَحْتَمِلُ مَن أُرِيدَ بِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُخِّرُوا عَنْ هَذِهِ النَّفْخَةِ.

الثّانِي: البَهائِمُ الَّتِي تَصِيرُ إنْ أُعِيدَتْ تُرابًا.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفَزَعَ هُنا هو الفَزَعُ المَعْهُودُ مِنَ الخَوْفِ والحَذَرِ لِأنَّهم أُزْعِجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَفَزِعُوا وخافُوا وهَذا أشْبَهُ القَوْلَيْنِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُثَبِّتُ اللَّهُ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُمُ الشُّهَداءُ» ولَوْلا هَذا النَّصُّ لَكانَ الأنْبِياءُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّهم لا يُقْصِرُونَ عَنْ مَنازِلِ الشُّهَداءِ وإنْ كانَ في هَذا النَّصِّ تَنْبِيهٌ عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ إنَّ إسْرافِيلَ هو النّافِخُ في الصُّورِ.

﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: راغِمِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: صاغِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ مَن فَزِعَ ومَنِ اسْتُثْنِيَ مِنَ الفَزَعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَكُونُ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والفَزَعُ بِالنَّفْخَةِ الأُولى، ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ عامًا» .

قَوْلُهُ ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ أيْ واقِفَةً.

﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ أيْ لا يُرى سَيْرُها لِبُعْدِ أطْرافِها كَما لا يُرى سَيْرُ السَّحابِ إذا انْبَسَطَ لِبُعْدِ أطْرافِهِ وهَذا مَثَلٌ، وفِيمَ ضُرِبَ لَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلدُّنْيا يَظُنُّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ كالجِبالِ وهي آخِذَةٌ بِحَظِّها مِنَ الزَّوالِ كالسَّحابِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإيمانِ، تَحْسَبُهُ ثابِتًا في القَلْبِ وعَمَلُهُ صاعِدٌ إلى السَّماءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ والرُّوحُ تَسِيرُ إلى القُدْسِ.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ فِعْلَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.

وَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أحْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أحْسَنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أوْثَقَ، واخْتُلِفَ فِيها فَقالَ الضَّحّاكُ: هي كَلِمَةٌ سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هي عَرَبِيَّةٌ مَأْخُوذٌ مِن إتْقانِ الشَّيْءِ إذا أُحْكِمَ وأُوثِقَ، وأصْلُها مِنَ التَّقْنِ وهو ما ثَقُلَ مِنَ الحَوْضِ مِن طِينَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أداءُ الفَرائِضِ كُلِّها.

الثّانِي: أفْضَلُ مِنها لِأنَّهُ يُعْطى بِالحَسَنَةِ عَشْرًا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: فَلَهُ مِنها خَيْرٌ لِلثَّوابِ العائِدِ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهم مِن فَزَعِ يَوْمِ القِيامَةِ آمِنُونَ في الجَنَّةِ.

الثّانِي: وهم مِن فَزَعِ المَوْتِ في الدُّنْيا آمِنُونَ في الآخِرَةِ.

﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ الشِّرْكِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن أبي هريرة في قوله: ﴿ ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قال: هم الشهداء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عاصم أنه قرأ ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ ممدودة مرفوعة التاء على معنى فاعلوه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ خفيفة بنصب التاء على معنى جاؤوه.

يعني بلا مد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النمل ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ على معنى جاؤوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ داخرين ﴾ قال: صاغرين.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ﴿ الداخر ﴾ : الصاغر الراهب، لأن المرء إذا فرع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، فلما نفخ في الصور فزعوا فلم يكن لهم من الله منجا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ (١) (٢) وقال الفراء: جعل: فَعَل، مردودًا على: يَفْعَل؛ لأن المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع، ألا ترى أن قولك: أقوم يوم تقوم، كقولك: أقوم إذا تقوم، فأجبْتَ بفَعَل؛ لأن فَعَل ويَفْعَل تصلحان مع: إذا، فإن قلت: إذا قدرت هذا التقدير، فأين جواب إذا؟

قلت: قد يكون في فَعَل مضمر مع الواو، كأنه قيل: وذلك يقع يوم ينفخ في الصور، وإذا نفخ في الصور يعني وقوع القول عليهم، وإن شئت قلت: جوابه متروك كقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ  ﴾ (٣) ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ﴾ الآية [النمل: 83]، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى (٤) قوله: ﴿ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فمات ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ من شدة الخوف والفزع (٥) ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ  ﴾ أي: مات.

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: الشهداء لا يموتون فهم أحياء عند ربهم يرزقون؛ وروي ذلك عن النبي -  - مرفوعًا في حديث أبي هريرة (٦) وقال الكلبي ومقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (٧) ﴿ وَكُلٌّ ﴾ أي من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا ﴿ أَتَوْهُ ﴾ يأتون الله يوم القيامة.

وقرأ حمزة: ﴿ أَتَوْهُ ﴾ [[قرأ حمزة وحفص عن عاصم: [أَتَوْهُ]، مقصورة مفتوحة التاء، وقرأ الباقون: [آتوهُ] ممدودة مضمومة التاء على معنى: جاءوه، وفي رواية أبي بكر عن عاصم كذلك مثل الباقين.

"السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 339.]] على الفعل وهم فعلوه من الإتيان، وحجته: قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ  ﴾ فذكر بلفظ الفعل.

وحجة قراءة العامة قوله: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  ﴾ فكما أن ﴿ آتِيهِ ﴾ فاعله حمل على لفظ: كل، كذلك: ﴿ آتَوْهُ ﴾ فاعلوه محمول على معنى كل (٨) وقوله: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: صاغرين (٩) ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ  ﴾ (١٠) ﴿ أَتَوْهُ ﴾ في الآخرة صاغرين (١١) (١) عن عبد الله بن عمرو  ما، قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟

قال: "قَرْن يُنفخ فيه".

أخرجه الترمذي 4/ 536، كتاب صفة القيامة، رقم: 2430، وقال: حديث حسن.

وأبو داود 5/ 107، كتاب السنة، رقم: 4742.

وهو في "صحيح سنن أبي داود" 3/ 898.

(٢) "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 222.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 301.

وذكره ابن جرير 20/ 20، ولم ينسبه.

(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه، ثم قال: وعلى هذا أكثر المفسرين.

ونفخة الفزع هي النفخة الأولى، ثم بعد ذلك نفخة الصعق؛ وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين؛ فعل هذا هي ثلاث نفخات، ذهب إلى هذا البغوي 6/ 181، وتبعه على ذلك ابن كثير 6/ 216، والصواب -والله تعالى أعلم-.

أنهما نفختان؛ الأولى: نفخة الفزع والصعق، والثانية: نفخة القيام لله تعالى، ويشهد == لذلك قوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ  ﴾ ورجح هذا القول القرطبي 13/ 240؛ قال: الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفحة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما؛ أي: فزعوا فزعًا ماتوا منه ..

والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو تدل على أنهما نفختان لا ثلاث.

ويعني به حديث أبي هريرة عن النبي -  -، قال: "ما بين النفختين أربعون".

قالوا: يا رسول الله: أربعون يومًا؟

قال: "أَبيتُ".

قال: أربعون سنة؟

قال: "أَبيتُ"، قال: أربعون شهرًا؟

قال: "أَبيتُ، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْب ذَنَبه".

أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4814، "فتح الباري" 8/ 551، وأخرجه مسلم 4/ 2270، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم: 2955.

(٥) "تفسير مقاتل" 62 ب.

و"تنوير المقباس" 322.

(٦) يعني به حديث أبي هريرة، أن رسول الله -  -، سأل جبريل -  - عن هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟

قال: "هم الشهداء متقلدون سيوفهم حول العرش" أخرجه == الواحدي في "الوسيط" 3/ 593، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه.

وأخرجه ابن جرير 20/ 18، بسياق آخر مطولًا من طريق إسماعيل بن رافع عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة يرفعه، ومن الطريق نفسه رواه الطبراني، "الأحاديث الطوال" 266، رقم 36، وأخرجه أيضًا ابن جرير 20/ 19، من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة.

وأخرجه مطولاً من الطريق نفسه الثعلبي 8/ 137 أ، وصححه، وقال عنه: حديث صحيح جامع.

فمدار الحديث على إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري، القاص، وهو ضعيف الحفظ.

"تقريب التهذيب" 139، رقم: 446.

وقال الذهبي: ضعفوه جدًّا، وقال الدارقطني: متروك.

المغني في "الضعفاء" للذهبي 1/ 132.

فلعل الصواب وقف هذا الحديث على أبي هريرة كما أخرجه من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة، ابنُ جرير 20/ 19، وابن أبي حاتم 9/ 2930.

والله أعلم.

(٧) "تفسير مقاتل" 62 ب.

و"تنوير المقباس" 322.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 407.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 130.

(٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 86، عن قتادة.

وأخرجه ابن جرير 20/ 20، عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2932، عن ابن عباس، وابن زيد، وقال: روي عن الحسن، وقتادة والثوري مثل ذلك.

و"مجاز القرآن" 2/ 96.

(١٠) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ أي: صاغرون؛ وهذا لفظ المفسرين.

يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَارَا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو أبى، قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة.

(١١) "تفسير مقاتل" 62 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي يساقون بعنف ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أم استفهامية، والمعنى إقامة الحجة عليهم، كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها ﴿ وَوَقَعَ القول عَلَيهِم ﴾ أي حق العذاب عليهم أو قامت الحجة عليهم ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ إنما يسكتون لأن الحجة قد قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن ﴿ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ ذكر في [يونس: 6] ﴿ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ ذكر في [الكهف: 99] ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ قيل: هم الشهداء، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين متذللين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ﴾ : يجمع القادة منهم والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعاً؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ...

﴾ الآية [الزمر: 71]؛ وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ  ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُو ﴾ أي: حتى إذا جاءوا جميعاً واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: ﴿ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ ، يحتمل ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ أي: قد أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ يجوز أن يتكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز في القرآن كثير.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات.

وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا حجة، ولا برهان.

﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم ﴾ : أي: وجب القول بالعذاب، ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ : أي في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون.

ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا وتراباً.

أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا هم.

ثم تلك المنافع تكون من وجهين: أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به قوام أنفسهم وأبدانهم أبداً؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما جميعاً للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ .

والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا للبعض دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول للراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم أبدانهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتاً للراحة للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم.

وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن لم يكن ولكن جريا على سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد.

ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتيّاً وحكمة ذاتية، لا علما مكتسباً مستفاداً كعلم الخلق.

وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص من الآخر لم يقدر عليه.

أو إن اجتمعوا جميعاً على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء.

ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا يعجزه شيء.

ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثاً لا حكمة فيه؛ لأن من بنى بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثاً غير حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة.

والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا لهم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اختلف في النفخ ما هو؟

وفي عدده؟

واختلف في الصور أيضاً ما هو؟

وكيف هو؟!

أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفة قيام القيامة على الله؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ شبه أمرها بلمح البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند قيامها لخفته على الخلق.

ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها، إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على الله أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ، ليس أنه ينفخ فيه نفخاً، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا.

ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ؛ فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحاناً منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟

ومتى يكون وأي شيء يكون؟

وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ  تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ  ﴾ ، أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضاً: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء.

ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه.

وأمّا اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك الواو - على ما ذكر في الآية: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ .

ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا.

لكنا لا نفسر شيئاً مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول الله  فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور على ما جاء ولا نفسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض الحديث أنه قال: "ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين الصلاة" وقال بعضهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.

وقال بعضهم: هم الأنبياء والرسل.

لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول الله  فنقول به.

وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ ﴾ : قرئ بالمد ﴿ أَتَوْهُ ﴾ وتطويله مضموم التاء فيه على مثال (فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً  ﴾ ، و ﴿ أَتَوْهُ ﴾ جمع (أتى) وهو من سيأتون.

وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه.

وقوله: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ : قال بعضهم: وهي تمر مر كذا؛ لكثرتها وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال.

وقال بعضهم: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها جامدة، ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ لشدة ذلك اليوم وفزعه.

وقال بعضهم: لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمرّ مر السحاب وسيره؛ كقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا وينزجروا.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أحكم وأبرم.

وقال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أي: أحسن كل شيء.

قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ولا يجوز أن يقال: الله خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات؟!

فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحاً، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحاً، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسناً متقناً محكماً، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحاً باطلا سفها جورا - أعني: من الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفهاً وجوراً كان غير مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحاً سفهاً باطلا، وهذا كما نصفه على الإطلاق: أنه رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ويا رب الأقذار ونحوه، إن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذم له؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : على أثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك لحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ : وعيد لهم.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان.

وقوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ : قيل فيه بوجوه: أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه [يوم] البعث فله خير منها، ومجيئه ربه بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له جميع الخيرات في الآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ  ﴾ كذا.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت.

وقال بعضهم: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في الحكمة والعقل وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل الله خير مما هو غيره.

لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان [سبيل] وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ ، أي: في طباعكم ووهمكم ذلك الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله.

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ أي: بالشرك، ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ : المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ما تجزون إلا بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول-: يوم ينفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية، ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من استثناه الله من الفزع؛ تفضُّلًا منه، وكل من مخلوقات الله يأتونه في ذلك اليوم مطيعين ذليلين.

<div class="verse-tafsir" id="91.rDqVL"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده