الآية ٩٣ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٩٣ من سورة النمل

وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ) ، أي : لله الحمد الذي لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، والإعذار إليه ; ولهذا قال : ( سيريكم آياته فتعرفونها ) كما قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) [ فصلت : 53 ] .

وقوله : ( وما ربك بغافل عما تعملون ) أي : بل هو شهيد على كل شيء .

قال ابن أبي حاتم : ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر : حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد ، سمعت أبا هريرة يقول : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أيها الناس ، لا يغترن أحدكم بالله ; فإن الله لو كان غافلا شيئا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة " .

[ قال أيضا ] : حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا نصر بن علي ، قال أبي : أخبرني خالد بن قيس ، عن مطر ، عن عمر بن عبد العزيز قال : فلو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم .

وقد ذكر عن الإمام أحمد ، رحمه الله ، أنه كان ينشد هذين البيتين ، إما له أو لغيره : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب آخر تفسير سورة النمل ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحق الذي أنتم عنه عمون, سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه, فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم, ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) قال: في أنفسكم, وفي السماء والأرض والرزق.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) قال: في أنفسكم والسماء والأرض والرزق.

وقوله: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون, ولكن لهم أجل هم بالغوه, فإذا بلغوه فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا يحزنك تكذيبهم إياك, فإني من وراء إهلاكهم, وإني لهم بالمرصاد, فأيقن لنفسك بالنصر, ولعدوّك بالذلّ والخزي.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقل الحمد لله أي على نعمه وعلى ما هدانا سيريكم آياته أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم .

( فتعرفونها ) أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض ; نظيره قوله تعالى : وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

وما ربك بغافل عما تعملون [ ص: 228 ] قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب ; لقوله : سيريكم آياته فتعرفونها فيكون الكلام على نسق واحد .

الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله ( فمن اهتدى ) فأخبر عن تلك الآية .

كملت السورة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } الذي له الحمد في الأولى والآخرة ومن جميع الخلق، خصوصا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، فإن الذي ينبغي أن يقع منهم من الحمد والثناء على ربهم أعظم مما يقع من غيرهم لرفعة درجاتهم وكمال قربهم منه وكثرة خيراته عليهم.{ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } معرفة تدلكم على الحق والباطل، فلا بد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات.

{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل قد علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال وعلم مقدار جزاء تلك الأعمال وسيحكم بينكم حكما تحمدونه عليه ولا يكون لكم حجة بوجه من الوجوه عليه.تم تفسير سورة النمل بفضل الله وإعانته وتيسيره.ونسأله تعالى أن لا تزال ألطافه ومعونته مستمرة علينا وواصلة منه إلينا، فهو أكرم الأكرمين وخير الراحمين وموصل المنقطعين ومجيب السائلين.ميسر الأمور العسيرة وفاتح أبواب بركاته والمجزل في جميع الأوقات هباته، ميسر القرآن للمتذكرين ومسهل طرقه وأبوابه للمقبلين وممد مائدة خيراته ومبراته للمتفكرين والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.على يد جامعه وممليه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وذلك في 22 رمضان سنة 1343.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقل الحمد لله ) على نعمه ، ( سيريكم آياته ) يعني : يوم بدر ، من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ، نظيره قوله - عز وجل - : " سأريكم آياتي فلا تستعجلون " ( الأنبياء - 37 ) ، وقال مجاهد سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم ، كما قال : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم " ( فصلت - 53 ) ، ( فتعرفونها ) يعني : تعرفون الآيات والدلالات ، ( وما ربك بغافل عما تعملون ) وعدهم بالجزاء على أعمالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها» فأراهم الله يوم بدر القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجلهم الله إلى النار «وما ربك بغافل عما يعملون» بالياء والتاء وإنما يمهلهم لوقتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل -أيها الرسول-: الثناء الجميل لله، سيريكم آياته في أنفسكم وفي السماء والأرض، فتعرفونها معرفة تدلكم على الحق، وتبيِّن لكم الباطل، وما ربك بغافل عما تعملون، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم ، للرسول صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( وَقُلِ الحمد للَّهِ ) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - للناس : الثناء كله ، والفضل كله ، لله - تعالى - وحده .

وهو - سبحانه - ( سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) الدالة على وحدانيته وقدرته ( فَتَعْرِفُونَهَا ) أى : فتعرفون صدقها .

.وصدق الله - عز وجل - ففى كل يوم ، بل فى كل ساعة ، يرى عبادة بعض آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ، فى أنفسهم ، وفى آفاق هذا الكون وما أحكم قوله - تعالى - : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ) ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الجملة التى تحمل طابع التهديد والوعيد لمن خالف أمره ، فقال - تعالى - : ( وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .أى : وما ربك - أيها الرسول الكريم - بغافل عما يعمله الناس ، وما يقولونه لك ، وما يتهمونك به ، فسر فى طريقك ، وبلغ ما أمرك - سبحانه - بتبليغه ، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين ، أما الكافرون والمنافقون فنحن الذى سنتولى حسابهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال: قل يا محمد إني أمرت بأشياء: الأول: أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له شريكاً، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمداً بأن يقول لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها، فإني مصر عليها غير مرتاب فيها ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.

أما قوله: ﴿ الذى حَرَّمَهَا ﴾ فقرئ (التي حرمها)، وإنما وصفها بالتحريم لوجوه: أحدها: أنه حرم فيها أشياء على من يحج.

وثانيها: أن اللاجيء إليها آمن.

وثالثها: لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليَّ أن أخصه بالعبادة.

وثانيها: وصف الله تعالى بقوله: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيء ﴾ وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقاً لجميع النعم فأجمل هاهنا تلك المفصلات، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته الثاني: أمر بأن يكون من المسلمين الثالث: أمر بأن يتلو القرآن عليهم، ولقد قام بكل ذلك صلوات الله عليه أتم قيام فمن اهتدى في هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهي التوحيد والحشر والنبوة ﴿ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ ﴾ أي منفعة اهتدائه راجعة إليه ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ فلا علي وما أنا إلا رسول منذر، ثم إنه سبحانه ختم هذه (السورة) بخاتمة في نهاية الحسن وهي قوله: ﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار ﴿ سَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ القاهرة ﴿ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ لكن حين لا ينفعكم الإيمان ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ لأنه من وراء جزاء العاملين، والله أعلم.

تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمر رسوله بأن يقول: ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أن أخص الله وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكاً كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام ﴿ وَأَنْ أَتْلُوَاْ القرءان ﴾ من التلاوة أو من التلوّ كقوله: ﴿ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 109] ، [الأحزاب: 2] .

والبلدة: مكة حرسها الله تعالى: اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحبّ بلاده إليه، وأكرمها عليه؛ وأعظمها عنده.

وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: «إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله.

ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت» وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.

ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرّمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضادّ لربه ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25] لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها.

واللاجئ إليها آمن.

وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما.

وفي ذلك إشارة إلى أن ملكاً ملك مثل هذه البلدة عظيم الشأن قد ملكها وملك إليها كل شيء: اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شرَّ كل ذي شرّ، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك.

وقرئ: ﴿ التي حرّمها ﴾ .

واتل عليهم هذا القرآن: عن أبيّ ﴿ وأن أتل ﴾ : عن ابن مسعود.

﴿ فَمَنِ اهتدى ﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الأنداد عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل عليّ من الوحي؛ فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ ولم يتبعني فلا عليّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ.

ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله.

وذلك حين لا تنفعهم المعرفة.

يعني في الآخرة.

عن الحسن وعن الكلبي: الدخان، وانشقاق القمر.

وما حلّ بهم من نقمات الله في الدنيا.

وقيل: هو كقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وفى أَنفُسِهِمْ ﴾ الآية [فصلت: 53] .

وكل عمل يعملونه، فالله عالم به غير غافل عنه لأنّ.

الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العالمين.

قرئ: ﴿ تعملون ﴾ ، بالتاء والياء.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قرأَ طس سليمانَ كانَ لَهُ مِنَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بِعددٍ مِنْ صدّقَ سليمانَ وكذَب به وهود وشعيبِ وصالحٍ وإبراهيمَ، ويخرجُ منْ قبرِهِ وهو ينادِي لاَ إلهَ إِلاَّ الله» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ أوْ عَلى ما عَلَّمَنِي ووَفَّقَنِي لِلْعَمَلِ بِهِ.

﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ القاهِرَةَ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ وخُرُوجِ دابَّةِ الأرْضِ، أوْ في الآخِرَةِ.

﴿ فَتَعْرِفُونَها ﴾ أنَّها آياتُ اللَّهِ ولَكِنْ حِينَ لا تَنْفَعُكُمُ المَعْرِفَةُ.

﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ فَلا تَحْسَبُوا أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِكم لِغَفْلَتِهِ عَنْ أعْمالِكم، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ طس كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ سُلَيْمانَ وكَذَّبَ بِهِ وهُودًا وصالِحًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا، ويَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ وهو يُنادِي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقل الحمد لله سيريكم آياته فَتَعْرِفُونَهَا} ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في الآخرة فسيستيقنون بها وقيل هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم

من نقمات الله في الدنيا {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالتاء مدني وشامي وحفص ويعقوب خطاب لأهل مكة وبالياء غيرهم أي كل عمل يعملونه فإن الله عالم به غير غافل عنه فالغفة والسهو لا يجوزان عليه

القصص (٥ - ١)

سورة القصص مكية ثمانون وثمان آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ عَلى ما أفاضَ عَلَيَّ مِن نَعْمائِهِ الَّتِي مِن أجَلِّها نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ المُسْتَتْبَعَةُ لِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ووَفَّقَنِي لِتَحَمُّلِ أعْبائِها وتَبْلِيغِ أحْكامِها بِالآياتِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ النَّيِّرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ قُلْ سَيُرِيكم آياتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَعْرِفُونَها ﴾ أيْ فَتَعْرِفُونَ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ لا تَنْفَعُكُمُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: أيْ سَيُرِيكم في الدُّنْيا والمُرادُ بِالآياتِ الدُّخانُ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَّ مِنها قَتْلَ يَوْمِ بَدْرٍ واعْتِرافِ المَقْتُولِينَ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ واعْتِرافِ غَيْرِهِمْ بِالقُوَّةِ، وقِيلَ: هي خُرُوجُ الدّابَّةِ وسائِرُ أشْراطِ السّاعَةِ والخِطابُ لِجِنْسِ النّاسِ لا لِمَن في عَهْدِ النُّبُوَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ الأنْفُسِيَّةُ والآفاقِيَّةُ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ بِها مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِأنَّها فِعْلُهُ عَزَّ وجَلَّ أظْهَرَها عَلى يَدِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّصْدِيقِ، والمُرادُ بِالمَعْرِفَةِ ما يُجامِعُ الجُحُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصُ الخِطابِ أوَّلًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْمِيمُهُ ثانِيًا لِلْكَفَرَةِ تَغْلِيبًا أيْ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُ أنْتَ مِنَ الحَسَناتِ وما تَعْمَلُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ مِنَ السَّيِّئاتِ فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ الأكْثَرُ يَعْمَلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو وعِيدٌ مَحْضٌ والمَعْنى وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَنْ أعْمالِهِمْ فَسَيُعَذِّبُهُمُ البَتَّةَ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لِغَفْلَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لَهُ ومَن تَأمَّلَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ مِمّا تُدْهِشُ العُقُولَ وتُحَيِّرُ الأفْهامَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ وماذا عَسى يُقالُ في كَلامِ المَلِكِ العَلّامِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ما قِيلَ وأُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ أيْ سَماءِ القَلْبِ ماءٌ هو ماءُ نَظَرِ الرَّحْمَةِ فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مِنَ العُلُومِ والمَعانِي والأسْرارِ والحِكَمِ البالِغَةِ، ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أيْ أُصُولَها لِما أنَّ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ بَلْ كُلُّ عِلْمٍ لَيْسَ بِاخْتِيارِيٍّ في نَفْسِهِ وإلّا لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ نَعَمْ هو اخْتِيارِيٌّ بِاعْتِبارِ الأسْبابِ ﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ النَّفَسِ قَرارًا في الجَسَدِ ﴿ وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا ﴾ مِن دَواعِي البَشَرِيَّةِ ﴿ وجَعَلَ لَها رَواسِيَ ﴾ مِن قُوى البَشَرِيَّةِ والحَواسِّ ﴿ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ ﴾ بَحْرِ الرُّوحِ وبَحْرِ النَّفْسِ ﴿ حاجِزًا ﴾ وهو القَلْبُ ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو المُسْتَعِدُّ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ إذا دَعاهُ ﴾ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وطَلَبٍ مِنهُ تَعالى ما اسْتَعَدَّ لَهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُضْطَرُّ المُسْتَغْرِقُ في بِحارِ شَوْقِهِ تَعالى: ﴿ وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً ﴾ وهي النَّفْسُ النّاطِقَةُ والرُّوحُ الإنْسانِيُّ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ البَشَرِيَّةِ وعَلى هَذا النَّمَطِ تَكَلَّمُوا في سائِرِ الآياتِ وساقَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ دَلِيلًا عَلى ما يَدَّعِيهِ مِن تَجَدُّدِ الجَواهِرِ كالأعْراضِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وعَدَمِ بَقائِها زَمانَيْنِ، ومَبْنى ذَلِكَ عِنْدَهُ القَوْلُ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، والكَلامُ في صِحَّةِ هَذا المَبْنى واسْتِلْزامِهِ لِلْمُدَّعى لا يَخْفى عَلى العارِفِ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِهَذا المَطْلَبِ فَمِن أُمَّهاتِ العَجائِبِ وأغْرَبِ الغَرائِبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل  فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع.

ويقال: ماتوا.

وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت.

وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي أحياء عند ربهم.

وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة.

وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.

روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص.

وقرأ الباقون بالمد والضم.

ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: متواضعين.

ومن قرأ بغير مد يعني: يأتون الله عز وجل.

وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة.

قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.

ثم قال عز وجل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء.

ويقال: الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.

قوله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.

أي: خير من الحسنة.

يعني: أكثر منها للواحد عشرة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.

ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم.

قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.

وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني: قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.

قال عز وجل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.

يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم  وحرم فيها القتل والصيد.

قال بعضهم: كان حراماً أبداً.

قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته.

وقد روي عن النبي  أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» .

ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.

ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد  فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته.

يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.

ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.

وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ابن زيد: يُعْطَى بالحَسَنَةِ الواحدةِ عَشْراً «١» .

قال ع «٢» : والسيئةُ التي في هذه الآية هي الكُفْر والمَعَاصِي.

فيمن حتَّم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار.

وقوله: إِنَّما أُمِرْتُ المعنى: قل يا محمد لقومك: إنما أمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة، يعني: مكة، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ معناه: تَابعْ فِي قراءتِك، أي: بَيْنَ آياتِه واسْرُدْ.

قال ص: وَأَنْ أَتْلُوَا معطوفٌ على «أَنْ أَكُونَ» .

وقرأ عبد الله «٣» : «وَأَنِ اتل» بغير واو وقوله: وَمَنْ ضَلَّ جوابُه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فَوَبَالُ ضلالهِ عَلَيْهِ، أو يكونَ الجوابُ: فَقل، ويُقَدَّرُ ضميرٌ عائدٌ من الجوابِ على الشرط لأنه اسمٌ غَيرُ ظَرْفٍ، أي: من المنذرين له، انتهى.

وتلاوة القرآن سببُ الاهتداءِ إلى كل خير.

وقوله تعالى: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ توعُّدٌ بعذابِ الدُّنيَا كَبَدْرِ ونَحوه، وبعذاب الآخرة.

وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه وعيدٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ المَعْنى: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّما أُمِرْتُ ﴿ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " الَّتِي حَرَّمَها "، وهي مَكَّةُ، وتَحْرِيمُها: تَعْظِيمُ حُرْمَتِها بِالمَنعِ مِنَ القَتْلِ فِيها والسَّبْيِ والكَفِّ عَنْ صَيْدِها وشَجَرِها، ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ لِأنَّهُ خالِقُهُ ومالِكُهُ، ﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ ﴾ عَلَيْكم ﴿ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: فَلَهُ ثَوابُ اهْتِدائِهِ ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ أيْ: أخْطَأ [طَرِيقَ] الهُدى ﴿ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيَّ إلّا البَلاغُ؛ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: قُلْ لِمَن ضَلَّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وُفَّقَنا لِقَبُولِ ما امْتَنَعْتُمْ مِنهُ ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ .

وَمَتى يُرِيهِمْ.

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الدُّنْيا.

ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مِنها الدُّخانَ وانْشِقاقَ القَمَرِ، وقَدْ أراهم ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ [فَتَعْرِفُونَها] في السَّماءِ، وفي أنْفُسِكم، وفي الرِّزْقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ في الآخِرَةِ فَتَعْرِفُونَها عَلى ما قالَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَعْلَمُونَ " بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم.

وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا.

و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ و ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ.

وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".

و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ  ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ.

وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ.

وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان ما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمعاندين مشتملاً على أن الله هداه للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما أنزل الله عليه من القرآن المتلو، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين، فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة ﴿ الحمد لله ﴾ الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة.

وقد تقدم الكلام على قوله ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ في هذه السورة (59).

ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من معرفة الغيب، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده.

ولذلك عبر عن الوعيد بالآيات إشارة إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق، فمعنى ﴿ فتعرفونها ﴾ تعرفون دلالتها على ما بلغكم الرسول من النذارة لأن المعرفة لما علقت بها بعنوان أنها آيات الله كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى الدلالة والعلامة.

والسين تؤذن بأنها إراءة قريبة، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان، وانشقاق القمر، واستئصال صناديدهم يوم بدر، ومعرفتهم إياها تحصل عقب حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة.

وقد قال أبو سفيان ليلة الفتح: لقد علمت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً.

وقال تعالى ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ [فصلت: 53].

فمن الآيات في أنفسهم إعمال سيوف المؤمنين الذين كانوا يستضعفونهم في أعناق سادتهم وكبرائهم يوم بدر.

قال أبو جهل وروحه في الغلصمة يوم بدر «وهل أعمد من رجل قتله قومه» يعني نفسه وهو ما لم يكن يخطر له على بال.

وقوله ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ قرأه نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ويعقوب ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب فيكون ذلك من تمام ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله للمشركين.

وفيه زيادة إنذار بأن أعمالهم تستوجب ما سيرونه من الآيات.

والمراد: ما يعملونه في جانب تلقي دعوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقرآنه لأن نفي الغفلة عن الله مستعمل في التعريض بأنه منهم بالمرصاد لا يغادر لهم من عملهم شيئاً.

وقرأ الباقون ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة فهو عطف على ﴿ قل ﴾ ، والمقصود تسلية الرسول عليه السلام بعدما أمر به من القول بأن الله أحصى أعمالهم وأنه مجازيهم عنها فلا ييأس من نصر الله.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَكَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِنًى، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وتَحْرِيمُها هو تَعْظِيمُ حُرْمَتِها والكَفُّ عَنْ صَيْدِها وشَجَرِها.

﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مَلَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ فَيُحِلُّ مِنهُ ما شاءَ ويُحَرِّمُ مِنهُ ما شاءَ لِأنَّ لِلْمالِكِ أنْ يَفْعَلَ في مِلْكِهِ ما يَشاءُ.

قَوْلُهُ: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيكم في الآخِرَةِ فَتَعْرِفُونَها عَلى ما قالَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: يُرِيكم في الدُّنْيا ما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَتَعْرِفُونَها أنَّها حَقٌّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَلا بُدَّ أنْ يُجازِيَ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن أعبد رب هذه البلدة ﴾ قال: مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.

مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعم الناس أنها مكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هي منى.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال في حرف ابن مسعود ﴿ وأن اتل القرآن ﴾ على الأمر وفي حرف أُبي بن كعب ﴿ واتل عليهم القرآن ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ قال: في أنفسكم، وفي السماء، وفي الأرض، وفي الرزق.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان في القرآن وما الله بغافل عما تعملون بالتاء، وما كان وما ربك بغافل عما يعملون بالياء» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي: احمده على نعمه.

﴿ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ قال الكلبي: وقد أراهم إياها، وكان منها: الدخان وانشقاق القمر (١) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقال مجاهد: ﴿ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق (٢) وقال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا، والقتل ببدر (٣) ﴿ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي ﴾ (٤) ﴿ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ \[وقد أراهم تلك الآيات التي ذكرها الكلبي ومجاهد، فلم يعرفوها\] (٥) (٦) وقوله: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وعيد لهم.

قال مقاتل: فعذبهم الله بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم الله إلى النار (٧) ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء والياء (٨) ﴿ سَيُرِيكُمْ ﴾ والياء لأنه وعيد للمشركين (٩) (١) "تنوير المقباس" 322، بلفظ: علامات وحدانيته وقدرته بالعذاب يوم بدر.

ذهب عبد الله بن مسعود  ، إلى أن الدخان قد مضى ووقع لأهل مكة؛ عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت بن مسعود == وكان متكئا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم، فإن الله قال لنبيه -  -: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ  ﴾ وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي -  -: فقال اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ إلي قوله: ﴿ عَائِدُونَ  ﴾ أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى  ﴾ ، يوم بدر، و: ﴿ لِزَامًا  ﴾ يوم بدر ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ والروم قد مضى.

أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4774، فتح الباري 8/ 511، ومسلم 4/ 2155، كتاب: صفات المنافقين، رقم: 2798.

قال ابن كثير 6/ 247: وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف؛ كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير ..

وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد؛ بل هو من أمارات الساعة، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، ورجح ابن كثير هذا القول؛ وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن.

وأما انشقاق القمر فإنه أمر قد وقع قال ابن كثير 6/ 472: قوله: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ  ﴾ ، قد كان هذا في زمان رسول الله -  - كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة ..

وهو أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي -  -، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.

ثم ساق الأحاديث في ذلك ومنها حديث أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله -  - أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حِراءَ بينهما.

أخرجه البخاري، كتاب: مناقب الأنصار، رقم: 3868، فتح الباري 7/ 182.

وعن أنس أيضًا أن ذلك وقع مرتين.

أخرجه مسلم 4/ 2159، كخاب صفات المنافقين، رقم: 2802.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 26.

وابن أبي حاتم 9/ 2937.

و"تفسير مجاهد" 2/ 476.

وذكره الثعلبي 8/ 139 ب.

(٣) "تفسير مقاتل" 62 ب.

(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٦) جعل الهواري 3/ 260، ذلك في يوم القيامة؛ أي: الوعد والوعيد، ولا مانع من حمل الآية على العموم، والله أعلم.

(٧) "تفسير مقاتل" 63 أ.

(٨) قرأ عاصم في رواية حفص، ونافع وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.

"السبعة في القراءات" 488، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 410، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 263.

(٩) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 410.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَذِهِ البلدة ﴾ يعني مكة ﴿ الذي حَرَّمَهَا ﴾ أي جعلها حرماً آمناً، لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها، ونسب تحريمها هنا إلى الله؛ لأنه بسبب قضائه وأمره، ونسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم عليه السلام في قوله: «إن إبراهيم حرّم مكة» لأن إبراهيم هو الذي أعلمَ الناس بتحريمها، فليس بين الحديث والآية تعارض وقد جاء في الحديث آخر أن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض ﴿ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين ﴾ إي إنما عليّ الإنذار والتبليغ ﴿ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ .

قوله: ﴿ حَرَّمَهَا ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل ﴿ حَرَّمَهَا ﴾ أي: منعها من الاستلاب والاختطاف فيها؛ كقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ  ﴾ ليس على التحريم حتى لا يحل له ذلك، ولكن على المنع والحظر، أي: منعنا منه المراضع.

والثاني: على التحريم نفسه، وهو ما جعل في كل أحد من الكافر والمسلم في الجاهلية والإسلام حرمة ذلك المكان؛ حتى لا يتناول أحد من صيد تلك البقعة ومن شجرها وحشيشها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ ﴾ : أيضاً عليكم كأنهم أوعدوه بوعيد وخوفوه به، وطلبوا منه الموافقة لهم، فقال عند ذلك لهم: إنما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة، وهو رب كل شيء، أي: أمرت أن أكون عبدا له، لا أجعل نفسي عبدا لغيره، وأمرت - أيضاً - أن أجعل نفسي سالماً له، لا أجعل لأحد فيها شركا كما جعلتم أنتم - أيضاً - ذلك كله.

وأمرت - أيضاً - أن أتلو القرآن عليكم، فأنا أتلوه عليكم كذبتموني أو لم تكذبوني، فإني لا أخاف كيدكم ولا مكركم، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ دلالة لزوم الرسالة؛ لأن أهل مكة وغيرهم قد أقروا جميعاً بحرمة تلك البقعة من أوائلهم وأواخرهم، فما عرفوا ذلك إلا بالرسل؛ دل أن أوائلهم يقرون بالرسل والنبوة، فعلى ذلك يلزم هؤلاء الإقرار بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ : يخبر: أن من آمن وقبل الهدى فإنما يفعل ذلك لمنفعة نفسه، ومن ضل - أيضاً - فإنما يكون ضرره عليه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ أي: ليس عليّ إلا الإنذار، فأمّا غير ذلك فذلك عليكم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سيريهم آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات رسالته.

وقوله: ﴿ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ أي: بالآيات ما ذكر؛ كقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ  ﴾ .

والثاني: سيريهم ما وعد لهم من النصر والمعونة ليعرفوه عياناً على ما عرفوه خبرا.

وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : قال بعضهم: هذا الحرف توبيخ للظالم وتعيير وزجر، وتعزية للمظلوم وتسل له.

وقال بعضهم: هذا الحرف ترغيب وترهيب.

قال القتبي: قوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم  ﴾ أي: تبعكم، واللام زائدة؛ كأنه قال: ردفكم، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقل -أيها الرسول-: الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، سيريكم الله آياته في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، فتعرفونها معرفة ترشدكم إلى الإذعان للحق، وليس ربك بغافل عما تعملون، بل هو مطلع عليه , لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه.

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله