الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٤ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( إن فرعون علا في الأرض ) أي : تكبر وتجبر وطغى .
( وجعل أهلها شيعا ) أي : أصنافا ، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته .
وقوله : ( يستضعف طائفة منهم ) يعني : بني إسرائيل .
وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم .
هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال ، ويكدهم ليلا ونهارا في أشغاله وأشغال رعيته ، ويقتل مع هذا أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، إهانة لهم واحتقارا ، وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام ، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه .
وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ، حين ورد الديار المصرية ، وجرى له مع جبارها ما جرى ، حين أخذ سارة ليتخذها جارية ، فصانها الله منه ، ومنعه منها بقدرته وسلطانه .
فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه ، فكانت القبط تتحدث بهذا عند فرعون ، فاحترز فرعون من ذلك ، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ، ولن ينفع حذر من قدر ; لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، ولكل أجل كتاب ;
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) يقول تعالى ذكره: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر, وعلا أهلها وقهرهم, حتى أقرّوا له بالعُبُودَةِ.
كما حدثنا محمد بن هارون, قال: ثنا عمرو بن حماد, قال: ثنا أسباط, عن السدي (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ) يقول: تجبر في الأرض.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ) أي: بغى في الأرض.
وقوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بالشيع: الفِرَق، يقول: وجعل أهلَها فرقًا متفرّقين.
كماحدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة (وَجَعَل أَهْلَهَا شِيَعًا): أي فرقًا يذبح طائفة منهم, ويستحيي طائفة, ويعذب طائفة, ويستعبد طائفة، قال الله عز وجل: ( يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ).
حدثني موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه, أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر, فأحرقت القبط, وتركت بني إسرائيل, وأحرقت بيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة (2) فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه, يعنون بيت المقدس, رجل يكون على وجهه هلاك مصر, فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت, وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا, فأدخلوهم, واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة, فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم, وأدخلوا غلمانهم, فذلك حين يقول: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فرّق بينهم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد : ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: فِرَقا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) قال: الشيع: الفِرَق.
وقوله: ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ) ذكر أن استضعافه إياها كان استعباده.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: يستعبد طائفة منهم, ويذبح طائفة, ويقتل طائفة, ويستحي طائفة.
وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) يقول: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحقّ منه القتل, واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها, وتكبره على عبادة ربه.
------------------------ الهوامش: (1) يريد أن (من) ليست للتفضيل، ولذلك قدمها على خير، وإنما هي للتعليل أو نحوه.
(2) لعله: الحزاة، بضم الحاء، جمع الحازي، وهو المتكهن.
قال في (اللسان: حزا) التحزي: التكهن، حزى حزيًا، وتحزى: تكهن.
ولم نجده في مادة (حوز) معنى التكهن.
فلعل ما في الأصل خطأ الناسخ.
ويؤيد ما قلناه أنه سيجيء في صفحة 8 سطر 23 صحيحًا كما قلناه.
قوله تعالى : إن فرعون علا في الأرض أي استكبر وتجبر ; قاله ابن عباس والسدي وقال قتادة : علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية .
وقيل : بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده في الأرض أي أرض مصر وجعل أهلها شيعا أي فرقا وأصنافا في الخدمة .
قال الأعشى :وبلدة يرهب الجواب دجلتها حتى تراه عليها يبتغي الشيعايستضعف طائفة منهم أي من بني إسرائيل يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم تقدم القول في هذا في ( البقرة ) عند قوله : يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم الآية ; وذلك لأن الكهنة قالوا له : إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه ، أو قال المنجمون له ذلك ، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك قال الزجاج : العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع ، وإن كذب فلا معنى للقتل وقيل : جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد إنه كان من المفسدين أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر .
فأول هذه القصة { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها.{ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره، وسطوته.{ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم اللّه على العالمين، الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك.{ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض.
( إن فرعون علا ) استكبر وتجبر وتعظم ( في الأرض ) أرض مصر ( وجعل أهلها شيعا ) فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير ( يستضعف طائفة منهم ) أراد بالطائفة : بني إسرائيل ثم فسر الاستضعاف فقال : ( يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ) سمى هذا استضعافا ؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم ( إنه كان من المفسدين )
«إن فرعون علا» تعظم «في الأرض» أرض مصر «وجعل أهلها شيعاً» فرقاً في خدمته «يستضعف طائفة منهم» هم بنو إسرائيل «يذِّبح أبناءهم» المولودين «ويستحيي نساءَهم» يستبقيهن أحياء لقول بعض الكهنة له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك «إنه كان من المفسدين» بالقتل وغيره.
إن فرعون تكبر وطغى في الأرض، وجعل أهلها طوائف متفرقة، يستضعف طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل، يذبِّح أبناءهم، ويستعبد نساءهم، إنه كان من المفسدين في الأرض.
وقوله - تعالى - : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً .
.
) كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ .وقوله ( عَلاَ فِي الأرض ) أى تكبر فيها وطغى ، من العلو بمعنى الارتفاع .
والمقصود أنه جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه .
والمراد بالأرض : أرض مصر وما يتبعها من بلاد .و ( شِيَعاً ) جمع شيعة ، وهم الأتباع والجماعات ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته .أى : إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض ، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له ، وصار يستعمل كل طائفة منهم ، فيما يريده من أمور دولته ، فهذه الطائفة للبناء ، وتلك للسحر ، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد .
.
.وجملة ( يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ ) لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا .والمراد بهذه الطائفة : بنو إسرائيل .أى : أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم ، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم .
أى : يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم ، ويترك الإناث أحياء .قال الإمام الرازى ما ملخصه : وفى ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه :أحدهما : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال .
وذلك يقتضى انقطاع النسل .
.ثانيها : أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء فى المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال .ثالثها : أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى فى الانتفاع به ، من أعظم العذاب .
.
.رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن ، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء ، وذلك نهاية الذل والهوان .قالوا : وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث .
لأن الكهنة أخبروه ، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل ، يكون ذهاب ملك فرعون على يده .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ) تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان .أى : إن فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإفساد ، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره ، ومن تطاول جعله يقول للناس : ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ).
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ طسم ﴾ كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ هو إما اللوح وإما الكتاب الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة هي آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد، أو لأنه يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال.
أما قوله تعالى: ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان يتلو على محمد حتى يحفظه، وقوله: ﴿ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ ﴾ فهو مفعول ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين، كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ وقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضاً لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا فهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والثاني: يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم وتكون إرادته لمن لا يؤمن كالتبع، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ قرئ فرعون بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس ﴿ عَلاَ ﴾ استكبر وتجبر وتعظم وبغى، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضاً في استخدامه أو أصنافاً في استخدامه أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له أطوع أو المراد ما فسره بقوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ أي يستخدمهم ﴿ ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ فهذا هو المراد بالشيع.
قوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ تلك الطائفة بنو إسرائيل، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه: أحدها: أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفاً من بني إسرائيل.
قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل؟
وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة، وأيضاً فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته، وأيضاً فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثاً.
واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل.
وثانيها: وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور.
وثالثها: أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول، قال صاحب الكشاف: ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ حال من الضمير في ﴿ وَجَعَلَ ﴾ أو صفة لشيعا، أو كلام مستأنف و ﴿ يُذَبّحُ ﴾ بدل من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ﴾ يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى.
أما قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ﴾ فهو جملة معطوفة على قوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصاً له، واللفظ في قوله: ﴿ وَنُرِيدُ ﴾ للاستقبال ولكن أريد به حكاية حال ماضية ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم، فإن قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟
قلنا لما كان منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
أما قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي متقدمين في الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة إلى الخير وعن قتادة ولاة كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين ﴾ يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده.
أما قوله: ﴿ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه (أو يرقد) فوطأه ومهده، ونظيره أرض له ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم وقوله: ﴿ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ قرئ ﴿ وَيَرَى فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا ﴾ أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ ﴾ جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلاً قال: وكيف كان نبؤهما فقال: إن فرعون ﴿ عَلاَ فِي الارض ﴾ يعني أرض مملكته قد طغى فيها وجاوز الحدّ في الظلم والعسف ﴿ شِيَعاً ﴾ فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه.
قال الأعشى: وَبَلْدَةٍ يَرْهَبُ الْجَوَّابُ دُلْجَتَهَا ** حَتَّى تَرَاهُ عَلَيْهَا يَبْتَغِي الشِّيَعَا أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته.
أو أصنافاً في استخدامه يتسخر صنفاً في بناء وصنفاً في حرث وصنفاً في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط.
والطائفة المستضعفة: بنو إسرائيل: وسبب ذبح الأبناء: أنّ كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده.
وفيه دليل بيّن على ثخانة حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل؟
و ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ حال من الضمير في ﴿ وَجَعَلَ ﴾ أو صفة لشيعا.
أو كلام مستأنف.
و ﴿ يُذَبِّحُ ﴾ بدل من يستضعف.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ﴾ بيان أنّ القتل ما كان إلا فعل المفسدين فحسب، لأنه فعل لا طائل تحته، صدق الكاهن أو كذب.
<div class="verse-tafsir"
( 28 سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ ) إلى قَوْلِهِ ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طسم ﴾ .
﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ .
﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴾ نَقْرَؤُهُ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى نُنَزِّلُهُ مَجازًا.
﴿ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴾ بَعْضِ نَبَئِهِما مَفْعُولُ ﴿ نَتْلُو ﴾ .
﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُحِقِّينَ.
﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ «مُبَيِّنٌ» لِذَلِكَ البَعْضِ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.
﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ فِيما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ اسْتَعْمَلَ كُلَّ صِنْفٍ في عَمَلٍ، أوْ أحْزابًا بِأنْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ كَيْ لا يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ.
﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ( جَعَلَ ) أوْ صِفَةٌ لِـ ﴿ شِيَعًا ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنها، كانَ ذَلِكَ لِأنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ في بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ، وذَلِكَ كانَ مِن غايَةِ حُمْقِهِ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالقَتْلِ وإنْ كَذَبَ فَما وجْهُهُ.
﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ لِتَخَيُّلٍ فاسِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
{إِنَّ فِرْعَوْنَ} جملة مستأنفة كالتفسير للجمل كأن قائلاً قال وكيف كان نبؤهما فقال إن فرعون {عَلاَ} طغى وجاوز الحد في الظلم واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية {فِى الأرض} أي أرض مملكته يعني مصر {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه أو فرقاً مختلفة يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ} هم بنو إسرائيل {يذبح أبناءهم ويستحيي نِسَاءهُمْ} أي يترك البنات أحياء للخدمة
وسبب ذبح الأبناء أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده وفيه دليل على حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل وإن كذب فما معنى القتل ويستضعف حال من الضمير في جعل او صفة لشيعا أو كلام مستأنف ويذبح بدل من يستضعف {إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين} أي إن القتل ظلماً إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ ما بَعْدَهُ أيْ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ ﴾ تَجَبَّرَ وطَغى في أرْضِ مِصْرَ وجاوَزَ الحُدُودَ المَعْهُودَةَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ ﴿ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ في كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ صِنْفٍ في عَمَلٍ مِن بِناءٍ وحَرْثٍ وحَفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ ومَن لَمْ يَعْمَلْ ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ فَيَخْدِمُهُ بِأدائِها أوْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً قَدْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ لِئَلّا تَتَّفِقَ كَلِمَتُهم ﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ أيْ يَجْعَلُهم ضُعَفاءَ مَقْهُورِينَ والمُرادُ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ بَنُو إسْرائِيلَ وعَدَّهم مِن أهْلِها لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّهم كانُوا فِيها زَمانًا طَوِيلًا، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ في جَوابِ ماذا صَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ وإمّا حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلَ أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِشِيَعًا والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ قَبْلَها بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ تَفْسِيرٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ يَسْتَضْعِفُ أوْ صِفَةٌ لِطائِفَةٍ أوْ حالٌ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ وكانَ ذَلِكَ مِنهُ لِما أنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ: يُولَدُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّ نارًا أقْبَلَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى اشْتَمَلَتْ عَلى بُيُوتِ مِصْرَ فَأحْرَقَتِ القِبْطَ وتَرَكَتْ بَنِي إسْرائِيلَ فَسَألَ عُلَماءَ قَوْمِهِ فَقالُوا: يَخْرُجُ مِن هَذا البَلَدِ رَجُلٌ يَكُونُ هَلاكُ مِصْرَ عَلى يَدِهِ فَأخَذَ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الحُمْقِ بِمَكانٍ إذْ لَوْ صَدَقَ الكاهِنُ أوِ الرُّؤْيا فَما فائِدَةُ القَتْلِ وإلّا فَما وجْهُهُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَتْلَ الأوْلادِ لِحِفْظِ المُلْكِ شَرِيعَةٌ فِرْعَوْنِيَّةٌ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «يَذْبَحُ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإفْسادِ ولِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى مِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ مِن قَتْلِ مَن لا جُنْحَةَ لَهُ مِن ذَرارِيِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَخَيُّلٍ فاسِدٍ <div class="verse-tafsir"
كلها مكية إلا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ نزلت بين مكة والمدينة.
وهي ثمانون وثمان آيات قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي: القرآن وهو مبين للأحكام، وقد ذكرناه.
- قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى: طا قال: هو طاهر كمّا يحلوه، والسين: سامع لما وصفوه والميم: ماجد حين سألوه وألما: جدّ كثير العطاء.
يقال: أمجدني فلان، إذا كثر إعطاؤه.
ويقال: طا أقسم الله بطالوت، وسين أقسم الله بسليمان وميم أقسم الله بمحمد (١) ، يقرأ عليك مِنْ نَبَإِ مُوسى يعني: من خبر موسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ يعني: بالصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون محمدا بهذه الآية، وإنما أنزل القرآن لجميع الناس، ولكن المؤمنين به يصدقون، فكأنه لهم- وذلك أن أصحاب رسول الله كان المشركون يؤذونهم، فيشكون إلى رسول الله ، فنزلت هذه السورة في شأنهم لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل من فرعون وقومه، ليصبروا كصبرهم وينجيهم، ربهم كما أنجى بني إسرائيل من فرعون وقومه.
وهذا كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٢) ثم أخبر عن فرعون فقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ يعني: اسْتَكْبَرَ وتعظم عن الإيمان، وخالف أمر موسى في أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يعني: أهل مصر فرقاً يَسْتَضْعِفُ يعني: يستقهر طائِفَةً مِنْهُمْ يعني: من أهل مصر، وهم بنو إسرائيل، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت الشمس، ولم يأت بالضريبة غلّت عليه يده اليمنى إلى عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهراً.
ثم قال: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ أي يعني: أبناء بني إسرائيل صغاراً.
وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعني: يستخدم نساءهم، وأصله من الاستحياء.
يعني: يتركهن أحياء.
وروى أسباط عن السدي قال: بلغنا أن فرعون رأى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّ ناراً أقبلت من أرض الشام، فاشتملت على بيوت مصر، وكانت الشام أرض بني إسرائيل أول ما كانوا، فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: يولد في بني إسرائيل مولود، يكون على يديه هلاك أهل مصر، فأمر فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح، وعمد إلى ما كان من بني إسرائيل خارج المصر فأدخله المدينة، واستعبدهم، ورفع العمل عن رقاب أهل مصر، ووضعه على بني إسرائيل ثم قال: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يعني: فرعون كان يعمل بالمعاصي.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
تفسير «سورة القصص»
وهي مكّيّة إلّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ فإنّها نزلت بالجحفة في وقت هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
/ قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى ...
٥٥ ب الآية، معنى نَتْلُوا: نَقُصُّ وخَصَّ تعالى بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ من حيث إنهم هم المنْتَفِعُونَ بذلك دون غيرهم، وعَلا فِي الْأَرْضِ أي: علوّ طغيان وتغلّب، وفِي الْأَرْضِ يريد أرض مصر، والشيعُ: الفرقُ، والطائفةُ المستضعفةُ: هم بنو إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ خوفَ خرابِ مُلْكِه على ما أخبرته كَهَنَتُه، أو لأجل رؤيا رآها قاله السدي «١» .
وطمع بجهله أن يَرُدَّ القدرَ، وأين هذا المنزعُ من قول النبي صلى الله عليه وسلّم لعمر: «إن يكنه
فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» «١» يعني: ابنَ صَيَّادٍ إذ خافَ عمرُ أَن يكونَ هو الدَّجَّالَ، وباقي الآيةِ بيِّن وتقدَّم قصصُه.
والأئمة: ولاة الأمور قاله قتادة «٢» .
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يريدُ: أرضَ مصرَ والشامِ، وقرأ حمزة «٣» : «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» - باليَاء وفتح الراء- والمعنى: ويقعُ فرعونُ وقومُه فيما خافُوه وحذِرُوه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو وزيرُ فرعونَ وأكبَرُ رجالِه، وهذا الوَحْي إلى أم موسى، قيل:
وَحْيُ إلهامٍ، وقيلَ: بمَلَكٍ.
وقيل: في مَنَامٍ وجملة الأمرِ أنها عَلِمَتْ أنَّ هذا الذي وقع في نفسِها هو من عند الله، قال السدي وغيره: أُمِرَتْ أن تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلاَدَةِ، وَتَصْنَعَ بهِ مَا فِي الآية «٤» لأَن الخوفَ كانَ عَقِبَ كلِّ وِلاَدَة، واليمُّ: معظم الماء، والمرادُ: نِيلُ مِصر، واسم أم موسى يوحانذ «٥» ، ورُوِيَ في قَصَصِ هذهِ الآيةِ: أن أمَّ مُوسَى لَفَّتْهُ في ثِيابهِ وَجَعَلَتْ له تابوتاً صَغِيراً، وسَدَّتْه عليه بقُفْلٍ، وعَلَّقَتْ مِفْتَاحَه عَلَيْه، وأسلمَتْهُ ثقةً بالله وانتظاراً لوعدِه سبحانه، فلما غابَ عنها عاودَها بثُّها وأَسِفَتْ عليه، وأَقْنَطَهَا الشيطانُ فاهْتَمَّتْ به وكَادَتْ تَفْتَضِحُ، وجعلتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أي:
تَطْلُبُ أثَرَه، وتَقَدَّم باقي القصةِ في «طه» وغيرِها، والالتقاط: اللقاء عن «٦» غير قصد، وآل فِرْعَوْنَ: أهله وجملتُه، واللامُ في لِيَكُونَ: لام العَاقِبَة.
وقال ص: لِيَكُونَ: اللامُ للتعليلِ المجازيِّ، ولمَّا كانَ مآله إلى ذلك، عبَّر عنه بلام العاقبة، وبلام الصيرورة، انتهى.
سُورَةُ القَصَصِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها غَيْرَ آَيَةٍ مِنها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو بِالجُحْفَةِ في وقْتِ خُرُوجِهِ لِلْهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ: أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ: أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ .
وفِيها آَيَةٌ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ ولا مَدَنِيَّةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الشُّعَراءِ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ أيْ: طَغى وتَجَبَّرَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ: فِرَقًا وأصْنافًا في خِدْمَتِهِ ﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهْم بَنُو إسْرائِيلَ، واسْتِضْعافُهُ إيّاهم: اسْتِعْبادُهم، ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي.
﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يَذْبَحُ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ خَفِيفَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ أيْ: نُنْعِمُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً ومُلُوكًا ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " ويَرى " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وإمالَةِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ " فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما " بِالرَّفْعِ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أخْبَرُوا أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا عَلى وجَلٍ مِنهم، فَأراهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، نَزَلَتْ هَذِهِ بِالجَحْفَةِ في وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ بِما أغْنى عَنِ الإعادَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: إنَّ الطاءَ مِنَ الطُولِ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والسِينُ مِنَ السَلامِ، والمِيمِ مِنَ المُنْعِمْ، أو مِنَ الرَحِيمِ، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ: ﴿ تِلْكَ ﴾ يَتَقَدَّرُ مَوْضِعُها بِحَسَبَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، فَمِن جَعَلَ "طَسَمَ" مِثالًا لِحُرُوفِ المُعْجَمِ جاءَتِ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ومِن قَطَعَها قالَ: "تِلْكَ" في مَواضِعَ هَذِهِ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً عَتِيدَةً، بَلْ هي أقْوالٌ تَقْتَضِي بَعْضُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فَسائِغٌ أنْ يُقالَ في الإشارَةِ إلَيْها: "تِلْكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْلُ أنَّ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما غابَ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، وقَدْ تَتَداخَلَ مَتى كانَ في الغَيْبَةِ حُصُولٌ وثِقَةٌ بِهِ تَقُومُ مَقامَ الحُضُورِ، ومَتى كانَ في الحُضُورِ بُعْدٌ ما يَقُومُ مَقامَ الغَيْبَةِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ لَمّا كانَ مُوسى لا يَرى رَبَّهُ تَعالى، فَهو وعَصاهُ في مَنزِلِ غَيْبٍ، فَساغَ ذَلِكَ.
ومِنَ النَقِيضِ قَوْلُ المُؤَلِّفِ لِكِتابٍ: هَذا كِتابٌ، وما جَرى هَذا المَجْرى فَتُتْبِعُهُ، ويُشْبِهُ في آياتِنا هَذِهِ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" بِمَنزِلَةِ: هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مُتَمَكِّنَةً مِن حَيْثُ الآياتُ كُلُّها وقْتَ هَذِهِ المُخاطَبَةِ لَمْ تَكُنْ عَتِيدَةً.
و"نَتْلُوا" مَعْناهُ: نَقُصُّ ونُتابِعُ القِصَصَ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مِن حَيْثُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
و ﴿ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن عُلُوِّ الطُغْيانِ والتَغَلُّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، ومَتى جاءَتِ الأرْضُ هَكَذا عامَّةً فَإنَّما يُرادُ بِها الأرْضُ الَّتِي تُشْبِهُ قِصَّةَ القَوْلِ المَسُوقِ؛ لِأنَّ الأنْباءَ الَّتِي تَعُمُ الأرْضَ كُلَّها قَلِيلَةٌ، والأكْثَرُ ما ذَكَرْناهُ، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ جَعَلَ القِبْطَ مُلُوكًا، وبُنِيَ إسْرائِيلَ مُسْتَخْدِمِينَ، وهم كانُوا الطائِفَةَ المُسْتَضْعَفَةَ، و"يُذَبِّحُ" مُضْعِفٌ لِلْمُبالَغَةِ والعِبارَةِ عن تَكْرارِ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الفِعْلُ مِن فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وعُلَماؤُهُ: إنَّ غُلامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يُفْسِدُ مُلْكَكَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَأى في ذَلِكَ رُؤْيا فَأخَذَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذْبَحِ الأطْفالِ سِنِينَ، فَرَأى أنَّهُ يَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، فَعادَ يَذْبَحُ عامًا ويَسْتَحْيِي عامًا، فَوُلِدَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ، ووُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الذَبْحِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُذْبِحُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والباءِ وسُكُونِ الذالِ.
قالَ وهَبَ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ ذَبَحَ في هَذِهِ المُحاوَلَةِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ الأطْفالِ، وقالَ النَقاشُ: جَمِيعُ ما قَتَلَ سِتَّةَ عَشَرَ طِفْلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: طَمَعَ بِجَهْلِهِ أنْ يَرُدَّ القَدَرَ، وأيْنَ هَذا المَنزَعُ مِن «قَوْلِ النَبِيِّ لِعُمَرَ: إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ» يَعْنِي ابْنَ صَيّادٍ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
وهذه الجملة وما عطف عليها بيان لجملة ﴿ نتلو ﴾ [القصص: 3] أو بيان ل ﴿ نبأ موسى وفرعون ﴾ [القصص: 3] فقدم له الإجمال للدلالة على أنه نبأ له شأن عظيم وخطر بما فيه من شتى العبر.
وافتتاحها بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر.
وابتدئت القصة بذكر أسبابها لتكون عبرة للمؤمنين يتخذون منها سنناً يعلمون بها علل الأشياء ومعلولاتها، ويسيرون في شؤونهم على طرائقها، فلولا تجبر فرعون وهو من قبيح الخلال من حلّ به وبقومه الاستئصال، ولما خرج بنو إسرائيل من ذل العبودية.
وهذا مصداق المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد، وقوله تعالى ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ [البقرة: 216].
وصورت عظمة فرعون في الدنيا بقوله ﴿ علا في الأرض ﴾ لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر.
ومعنى العلوّ هنا الكِبْر، وهو المذموم من العلو المعنوي كالذي في قوله تعالى ﴿ نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ﴾ [القصص: 83].
ومعناه: أن يستشعر نفسه عالياً على موضع غيره ليس يساويه أحد، فالعلو مستعار لمعنى التفوّق على غيره، غير محقوق لحق من دين أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر وإنما يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه، وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلهاً وأنه ابن الشمس.
فليس من العلو المذموم رجحان أحد في أمر من الأمور لأنه جدير بالرجحان فيه جرياً على سبب رجحان عقلي كرجحان العالم على الجاهل والصالح على الطالح والذكي على الغبي، أو سبب رجحان عادي ويشمل القانوني وهو كل رجحان لا يستقيم نظام الجماعات إلا بمراعاته كرجحان أمير الجيش على جنوده ورجحان القاضي على المتخاصمين.
وأعدل الرجحان ما كان من قبل الدين والشريعة كرجحان المؤمن على الكافر، والتقي على الفاسق، قال تعالى ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10] ويترجح في كل عمل أهل الخبرة به والإجادة فيه وفيما وراء ذلك فالأصل المساواة.
وفرعون هذا هو (رعمسيس) الثاني وهو الملك الثالث من ملوك العائلة التاسعة عشرة في اصطلاح المؤرخين للفراعنة، وكان فاتحاً كبيراً شديد السطوة وهو الذي ولد موسى عليه السلام في زمانه على التحقيق.
و ﴿ الأرض ﴾ : هي أرض مصر، فالتعريف فيها للعهد لأن ذكر فرعون يجعلها معهودة عند السامع لأن فرعون اسم ملك مصر.
ويجوز أن تجعل المراد بالأرض جميع الأرض يعني المشهور المعروف منها، فإطلاق الأرض كإطلاق الاستغراق العرفي فقد كان ملك فرعون (رعمسيس) الثاني ممتداً من بلاد الهند من حدود نهر (الكنك) في الهند إلى نهر (الطونة) في أوروبا، فالمعنى أرض مملكته، وكان علوه أقوى من علو ملوك الأرض وسادة الأقوام.
والشيع: جمع شيعة.
والشيعة: الجماعة التي تشايع غيرها على ما يريد، أي تتابعه وتطيعه وتنصره كما قال تعالى ﴿ هذا من شيعته وهذا من عدوه ﴾ [القصص: 15]، وأطلق على الفرقة من الناس على سبيل التوسع بعلاقة الإطلاق عن التقييد قال تعالى ﴿ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ [الروم: 32].
ومن البلاغة اختياره هنا ليدل على أنه جعل أهل بلاد القبط فرقاً ذات نزعات تتشيع كل فرقة إليه وتعادي الفرقة الأخرى ليتم لهم ضرب بعضهم ببعض، وقد أغرى بينهم العداوة ليأمن تألبهم عليه كما يقال «فرّق تحكم» وهي سياسة لا تليق إلا بالمكر بالضد والعدو ولا تليق بسياسة ولي أمر الأمة الواحدة.
وكان (رعمسيس) الثاني قسم بلاد مصر إلى ست وثلاثين إيالة وأقام على كل إيالة أمراء نواباً عنه ليتسنى له ما حكي عنه في هذه الآية بقوله تعالى ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ الواقع موقع الحال من ضمير ﴿ جعل ﴾ وأبدلت منها بدل اشتمال جملة ﴿ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ لأنه ما فعل ذلك بهم إلا لأنه عدّهم ضعفاء، أي أذلة فكان يسومهم العذاب ويسخّرهم لضرب اللبن وللأعمال الشاقة.
والطائفة المستضعفة هي طائفة بني إسرائيل، وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ﴿ أهلها ﴾ لا إلى ﴿ شيعاً ﴾ .
وتقدم الكلام على ذبح أبناء بني إسرائيل في سورة البقرة.
وجملة ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ تعليل لجملة ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ .
وقد علمت مما مضى عند قوله ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67] أن الخبر بتلك الصيغة أدل على تمكن الوصف مما لو قيل: أن أكون جاهلاً، فكذلك قوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ دال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه.
فحصل تأكيد لمعنى تمكن الإفساد من فرعون، ذلك أن فعله هذا اشتمل على مفاسد عظيمة.
المفسدة الأولى: التكبر والتجبر فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم، وسوء ظنه بهم وأن لا يرقب فيهم موجبات فضل سوى ما يرضي شهوته وغضبه، فإذا انضم إلى ذلك أنه ولي أمرهم وراعيهم كانت صفة الكبر مقتضية سوء رعايته لهم والاجتراء على دحض حقوقهم، وأن يرمقهم بعين الاحتقار فلا يعبأ بجلب الصالح لهم ودفع الضر عنهم، وأن يبتز منافعهم لنفسه ويسخر من استطاع منهم لخدمة أغراضه وأن لا يلين لهم في سياسة فيعاملهم بالغلظة وفي ذلك بث الرعب في نفوسهم من بطشه وجبروته، فهذه الصفة هي أمّ المفاسد وجماعها ولذلك قدمت على ما يذكر بعدها ثم أعقبت بأنه ﴿ كان من المفسدين ﴾ .
المفسدة الثانية: أنه جعل أهل المملكة شيعاً وفرّقهم أقساماً وجعل منهم شيعاً مقربين منه ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك وذلك فساد في الأمة لأنه يثير بينها التحاسد والتباغض، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين.
وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فيكون بعضهم لبعض فتنة، وشأن الملك الصالح أن يجعل الرعية منه كلها بمنزلة واحدة بمنزلة الأبناء من الأب يحب لهم الخير ويقومهم بالعدل واللين، لا ميزة لفرقة على فرقة، ويكون اقتراب أفراد الأمة منه بمقدار المزايا النفسية والعقلية.
المفسدة الثالثة: أنه يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به الفرق الأخرى، في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها لأن الأرض لأهلها وسكانها الذين استوطنوها ونشأوا فيها.
والمراد بالطائفة: بنو إسرائيل وقد كانوا قطنوا في أرض مصر برضى ملكها في زمن يوسف وأعطوا أرض (جاسان) وعمروها وتكاثروا فيها ومضى عليهم فيها أربعمائة سنة، فكان لهم من الحق في أرض المملكة ما لسائر سكانها فلم يكن من العدل جعلهم بمنزلة دون منازل غيرهم، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى ﴿ طائفة منهم ﴾ إذ جعلها من أهل الأرض الذين جعلهم فرعون شيعاً.
وأشار بقوله ﴿ طائفة ﴾ إلى أنه استضعف فريقاً كاملاً، فأفاد ذلك أن الاستضعاف ليس جارياً على أشخاص معيّنين لأسباب تقتضي استضعافهم ككونهم ساعين بالفساد أو ليسوا أهلاً للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم بل جرى استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية وذلك فساد لأنه يقرن الفاضل بالمفضول.
من أجل ذلك الاستضعاف المنوط بالعنصرية أجرى شدته على أفراد تلك الطائفة دون تمييز بين مستحق وغيره ولم يراع غير النوعية من ذكورة وأنوثة وهي: المفسدة الرابعة: أنه ﴿ يذبح أبناءهم ﴾ أي يأمر بذبحهم، فإسناد الذبح إليه مجاز عقلي.
والمراد بالأبناء: الذكور من الأطفال.
وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة.
وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة.
المفسدة الخامسة: أنه يستحيي النساء، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج.
وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق.
وقد تقدم آنفاً موقع جملة ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وقِيلَ بِالجُحْفَةِ وهي: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ الآيَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِبَغْيِهِ في اسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتْلِ أوْلادِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِكُفْرِهِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّالِثُ: بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.
وَهَذِهِ الأرْضُ أرْضُ مِصْرَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَ مِصْرَ، ولَمْ يَمْلِكِ الأرْضَ كُلَّها، ومِصْرُ تُسَمّى الأرْضُ ولِذَلِكَ قِيلَ لِبَعْضِ نَواحِيها الصَّعِيدُ.
وَفِي عُلُوِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو لِظُهُورِهِ في غَلَبَتِهِ.
الثّانِي: كِبْرُهُ وتَجَبُّرُهُ.
﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا.
قالَهُ قَتادَةُ: فَرَّقَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ.
﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ بِالِاسْتِعْبادِ بِالأعْمالِ القَذِرَةِ.
﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ أنَّ نارًا أقْبَلَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى اشْتَمَلَتْ عَلى بُيُوتِ مِصْرَ فَأحْرَقَتِ القِبْطَ وتَرَكَتْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَألَ عُلَماءَ قَوْمِهِ عَنْ تَأْوِيلِهِ، فَقالُوا: يَخْرُجُ مِن هَذا البَلَدِ رَجُلٌ يَكُونُ عَلى يَدِهِ هَلاكُ مِصْرَ، فَأمَرَ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وأسْرَعَ المَوْتُ في شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ القِبْطُ لِفِرْعَوْنَ: إنَّ شُيُوخَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ فَنَوْا بِالمَوْتِ وصِغارَهم بِالقَتْلِ فاسْتَبْقِهم لِعَمَلِنا وخِدْمَتِنا أنْ يَسْتَحْيُوا في عامٍ ويَقْتُلُوا في عامٍ فَوُلِدَ هارُونُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ ومُوسى في عامِ القَتْلِ.
وَطالَ بِفِرْعَوْنَ العُمْرُ حَتّى حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وكانَ دَمِيمًا قَصِيرًا، وكانَ أوَّلَ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ.
وَعاشَ مُوسى مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: يُوسُفُ ووَلَدُهُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وُلاةُ الأمْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: قادَةٌ مَتْبُوعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنْبِياءُ لِأنَّ الأنْبِياءَ فِيما بَيْنَ مُوسى وعِيسى كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوَّلُهم مُوسى وآخِرُهم عِيسى وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ سَبَوُا القِبْطَ فاسْتَعْبَدُوهم بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدَهم فَصارُوا وارِثِينَ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المالِكُونَ لِأرْضِ فِرْعَوْنَ الَّتِي كانُوا فِيها مُسْتَضْعَفِينَ.
والمِيراثُ زَوالُ المِلْكِ عَمَّنْ كانَ لَهُ إلى مَن صارَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ ؎ ورِثْنا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بْنِ سَيْفٍ أباحَ لَنا حُصُونَ المَجْدِ دِينًا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه: أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والزجرة.
وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه- يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر.
فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فادخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وادخلوا غلمانهم.
فذلك حين يقول ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ يقول: تجبر في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ حين جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير.
وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم.
فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم.
فأمر أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام.
فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالاً، فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته.
فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا.
فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت: خذه ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: هو قرة عين لك- قال عبد الله بن عباس: ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به، ولكنه أبى- فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون: عليَّ بالذباحين هو ذا.
قالت آسية: لا تقتله ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ [ القصص: 9] إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فاخرجت له ياقوتاً، ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فاحرقت لسانه، فارادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ.
فجاءت أخته فقالت: ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها فقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت: ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون.
فلما جاءته أمه أخذ منها.
وكادت تقول: هو ابني.
فعصمها الله فذلك قوله: ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ﴾ قال: قد كانت من المؤمنين ولكن بقول: ﴿ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ قال السدي: وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون ﴾ يقول: في هذا القرآن نبؤهم ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي بغى في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ أي فرقاً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: فرق بينهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: يتعبد طائفة، ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة.
أما قوله تعالى: ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لقد ذكر لنا أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيجز أقدامهن حتى أن المرأة منهم لتضع بولدها، فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه وتتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها.
حتى أسرف في ذلك وكان يفنيهم قيل له: أفنيت الناس، وقطعت النسل، وإنما هم خولك وعمالك، فتأمر أن يقتلوا الغلمان عاماً، ويستحيوا عاماً، فولد هرون عليه السلام في السنة التي يستحيي فيها الغلمان، وولد موسى عليه السلام في السنة التي فيها يقتلون، وكان هرون عليه السلام أكبر منه بسنة، فلما أراد الله بموسى عليه السلام ما أراد واستنقاذ بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء، أوحى الله إلى أم موسى حين تقارب ولادها ﴿ أن أرضعيه ﴾ [ القصص: 7] .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ قال الليث: العلو: العظمة والتجبر، يقال: علا الملك علوًا إذا تجبر (١) ﴿ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ﴾ (٢) (٣) وقوله: ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني: أرض مصر (٤) ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ يعني: أحزابًا وفرقًا (٥) ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ﴾ وقد مر (٦) والمعني: جعلهم فرقًا وأصنافًا في الخدمة (٧) (٨) ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ﴾ قال ابن عباس: وهم أسباط النبوة، يعني: بني إسرائيل (٩) ثم فسر ذلك الاستضعاف فقال: ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ قال المفسرون: يقتل أبناءهم، ويترك بناتهم فلا يقتلهن (١٠) (١١) قال أبو إسحاق: والعجب من حمق فرعون؛ إن كان هذا الكاهن عنده صادقًا فلا ينفع القتل، وإن كان كاذبًا فما معنى القتل (١٢) وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ أي بالعمل في الأرض بالمعاصي.
قاله ابن عباس ومقاتل (١٣) (١٤) (١) في نسخة (ب): إذا تكبر وتجبر.
(٢) كتاب "العين" 2/ 245 (علو)، بنحوه.
(٣) "تفسير مقاتل" 63 أ، بلفظ: تعظم.
وابن جرير بلفظ: تجبر.
"تاريخ الطبري" 1/ 388.
وأخرجه في التفسير 20/ 27، عن السدي بلفظ: تجبر في الأرض.
وعن قتادة بلفظ: بغى في الأرض.
وذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن ابن عباس، بلفظ: استكبر، وعن السدي، بلفظ: تجبر.
(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، ولم ينسبه.
(٥) "تفسير مقاتل" 63 أ.
و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 97.
أي: فرق بني إسرائيل فجعلهم خَوَلًا للقبط.
"وضح البرهان" 2/ 145.
وأخرج ابن جرير 20/ 27، نحوه عن قتادة خولاً: عبيدا.
"تهذيب اللغة" 7/ 564 (خال).
(٦) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الشيع جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شيع وأشياع، قال الله -عز وجل-: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ وأصله من التشيع وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضًا.
(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة 328.
(٨) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، ولم ينسبه.
وأخرج ابن جرير 20/ 27، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ أي: فرقًا، يذبح طائفة منهم، ويستحيي طائفة منهم، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة.
(٩) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 328، ولم ينسبه.
وأخرجه ابن جرير 20/ 27، وابن أبي حاتم 9/ 2939، عن السدي في خبر طويل.
(١٠) "تفسير مقاتل" 63 أ.
وأخرجه ابن جرير 20/ 27، وابن أبي حاتم 9/ 2938، عن السدي.
(١١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 87 عن قتادة.
و"تفسير مقاتل" 63 أ.
و"تاريخ الطبري" 1/ 387، عن ابن إسحاق.
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 132.
(١٣) "تفسير مقاتل" 63 أ.
و"تفسير الطبري" 20/ 28، ولم ينسبه.
(١٤) "تنوير المقباس" 323.
وما ذكره الواحدي هنا أمثلة لإفساد فرعون؛ قال ابن جرير 20/ 28: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة ربه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَلاَ فِي الأرض ﴾ أي تكبر وطغا ﴿ شِيَعاً ﴾ أي فرقاً مختلفين، فجعل فرعون القبطَ ملوكاً وبني إسرائيل خُداماً علهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة: أي ولاة في الأرض أرض فرعون وقومه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.
﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.
﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.
التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.
﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.
ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟
فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.
و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.
وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.
وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.
﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.
وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.
ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.
فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.
فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟
قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.
فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟
فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.
فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.
فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.
وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.
فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.
فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.
ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.
قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.
ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.
قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.
وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.
جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.
وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.
قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.
وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
قوله ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.
وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.
وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.
ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.
وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.
وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.
ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .
وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.
والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.
والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.
وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.
و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.
فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟
قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.
قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.
قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.
قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.
وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.
وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.
والأصح أنهما متغايران.
والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.
وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.
وهو عند الأطباء سن الوقوف.
فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.
والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.
قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.
وقال الضحاك: هي عين شمس.
وقيل: هي مصر.
وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.
وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.
قاله السدي.
وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.
قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.
واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.
وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.
الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟
وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.
فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.
إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.
ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.
قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.
وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.
وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.
وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.
عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.
فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.
وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.
فغويّ بمعنى غاوٍ.
وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.
قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.
وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.
قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.
وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.
وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.
وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.
قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.
والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.
وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.
﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.
﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.
﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.
﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.
﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.
﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.
قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.
﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.
ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.
إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.
وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.
﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ : قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع مما يغني عن ذكره في هذا الموضع.
وقوله: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ﴿ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ أي: من خبرهما.
وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق ما يعلم أنه صدق وحق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي بالحق الذي لموسى على فرعون وقومه.
أو بالحق الذي لله عليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بالأنباء وما فيها، وأما من لا يؤمن فلا ينتفع بها فلا يكون.
والثاني: لقوم يؤمنون بالأنباء والكتب المتقدمة، هم يعرفون أنه حق لما في كتبهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: تجبّر واستكبر وأبى أن يصغى لموسى ولأمثاله.
وقال بعضهم: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: بغى وقهر؛ فيكون تفسيره ما ذكر على أثره ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ ، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون علوه وبغيه في الأرض.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: علا قدره وارتفع رتبته في الأرض لما ادعى لنفسه الألوهية والربوبية، بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم، فعلا قدره وارتفعت منزلته بدعواه بذلك، وعلا في الأرض، أي: غلب.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ قيل: فرقا: يستضعف طائفة، ويذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي: جعل لكل طائفة منهم عبادة صنمٍ لم، يجعل ذلك لطائفة أخرى، وجعل طائفة أخرى على عمل أولئك وحوائجهم؛ ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها؛ لأن الشيع فرق يرجعون جميعاً إلى أصل واحد وإلى أمر واحد.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : كذلك كان، لعنه الله.
وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك، لا أنه منّ عليهم وفعل ذلك؛ لأنه يقول: نريد أن نمن على الذين كذا، وقد من عليهم بذلك فهلا قال: وقد مننا على الذين استضفعوا في الأرض؟
لكن معناه - والله أعلم - أي: كنا نريد في الأزل أن نمن عليهم؛ وأن نجعلهم أئمة، وأن نجعلهم الوارثين، وإلا الظاهر ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: جعلهم جميعاً أئمة لنا، بهم نقتدي وننقاد لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي: نجعل فيهم أئمة وقادة لهم، أي: نجعل بعضهم أئمة لبعض؛ كقوله لموسى: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ ﴾ ، والأئمة المذكورة هاهنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية.
﴿ وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ الآية [الأعراف: 137]، أي: يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه.
والوارث: هو الباقي على ما ذكرنا؛ كأنه قال: يبقون هم في أرضهم وملكهم بعد هلاكهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: نبقى نحن بعد هلاك الأرض وهلاك من عليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾ أي: يرون ما كانوا يحذرون منه، وهو الهلاك وذهاب الملك، هذا كانوا يحذرون فأراهم ذلك؛ لأنه كان يذبح أبناءهم إشفاقاً على بقاء ملكه ويحذر ذهابه.
قال الزجاج: إن من حماقة فرعون وقلة عقله أنه كان يذبح أبناءهم لقول الكهنة: إنه يذهب ملكه بغلام يولد في العام الذي قالوه، فلا يخلو إما أن صدقوا في قولهم فيذهب ملكه وإن قتل الأبناء، وإما أن كذبوا في قولهم فلا معنى لقتل الأبناء؛ لأنه لا يذهب لكنه فعل ذلك بهم لحماقته وسفهه وجهله بنفسه.
وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : بالنجاة من فرعون وآله، واستنقاذه إياهم من يديه، ومن قتل الولدان وغير ذلك من أنواع التعذيب، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر - وجوه على المعتزلة في قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وأنه لو لم يفعل ذلك كان ذلك جائزاً.
فيقال لهم: لو كان عليه فعل الأصلح لهم في دينهم على كل حال لكان لا معنى لذكر المنة على الذين استضعفوا في الأرض في جعلهم أئمة وإبقائهم في أرضهم وتمكينه إياهم في ملكهم ووراثتهم أموالهم؛ لأنه على زعمهم فعل بهم ما عليه أن يفعل؛ لأن ذاك أصلح لهم في الدين، وكل من فعل فعلا عليه ذلك الفعل؛ لا يكون له الامتنان على المفعول به ذلك، فدل ذكر المنة فيما ذكر أنه فعل بهم على أنه فعل ما لم يكن عليه ذلك، ولكنه فعل ذلك متفضلا ممتنا، وله ألا يفعل ذلك.
ويقولون - أيضاً -: إن إهلاك فرعون وقومه أصلح لهم من إبقائهم؛ وكذلك إماتة كل كافر فلم يذكر فيه المنة، دل ذلك أنه ليس على ما يقولون هم، وأن ذلك منقوض مردود عليهم.
ويقولون - أيضاً -: إن الإرادة من الله لهم أمر لهم يأمرهم به، فلو كان أمرا على ما يزعمون لكان الأمر منه قد شمل الكل، ثم لم يصيروا جميعاً أئمة وقادة، ولكن إنما صار بعض دون بعض؛ دل أن الإرادة غير الأمر، وأنه أراد لأحد شيئاً كان ما أراد، ليس على ما يقولون: إنه أراد إيمان كل كافر، لكنه لم يؤمن بعدما أعطاه جميع ما عنده من القوة والعون على ذلك، حتى لم يبق عنده شيء من ذلك إلا وقد أعطاه؛ فدل ما ذكر على فساد مذهبهم.
<div class="verse-tafsir"
إن فرعون طغى في أرض مصر، وتسلط فيها، وصيّر أهلها طوائف مفرِّقًا بينها، يستضعف طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل، بقتل ذكور أولادهم واستبقاء نسائهم للخدمة إمعانًا في إذلالهم، إنه كان من المفسدين في الأرض بالظلم والطغيان والتكبر.
<div class="verse-tafsir" id="91.QLvay"