الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٦ من سورة القصص
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 42 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ولهذا قال : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .
ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) .
وقد فعل تعالى ذلك بهم ، كما قال : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) [ الأعراف : 137 ] وقال : ( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 59 ] ، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى ، فما نفعه ذلك مع قدر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه ، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك ، وفي دارك ، وغذاؤه من طعامك ، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه ، وحتفك ، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم ، العزيز القوي الشديد المحال ، الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .
القول في تأويل قوله تعالى : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وقوله: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ) يقول: ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ) كانوا قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل, فكانوا من ذلك على وجل منهم, ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم, فأرى الله فرعونَ وهامان وجنودهما، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه، ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) شيئًا ما حذّر القوم.
قال: وذُكر لنا أن حازيا حزا لعدوّ الله فرعون, فقال: يولد في هذا العام غلام من بني إسرائيل يسلبك ملكك, فتتبَّع أبناءهم ذلك العام، يقتل أبناءهم, ويستحيي نساءهم، حذرًا مما قال له الحازي.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, قال: كان لفرعون رجل ينظر له ويخبره, يعني أنه كاهن, فقال له: إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم, فكان فرعون يذبح أبناءهم, ويستحيي نساءهم حذرا, فذلك قوله: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ).
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والبصرة، وبعض الكوفيين: ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) بمعنى: ونري نحن، بالنون عطفا بذلك على قوله: ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ ).
وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: " وَيَرَى فِرْعَوْنُ" على أن الفعل لفرعون, بمعنى: ويعاين فرعون، بالياء من يرى, ورفع فرعون وهامان والجنود.
والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب, لأنه معلوم أن فرعون لم يكن ليرى من موسى ما رأى, إلا بأن يريه الله عزّ وجلّ منه, ولم يكن ليريه الله تعالى ذكره ذلك منه إلا رآه.
قوله تعالى : ونمكن لهم في الأرض أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولى عليها ; يعني أرض الشام ومصر ونري فرعون وهامان وجنودهما أي ونريد أن نري فرعون .
وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف : ( ويرى ) بالياء على أنه فعل ثلاثي من ( رأى ) فرعون وهامان وجنودهما رفعا لأنه الفاعل .
الباقون ( نري ) بضم النون وكسر الراء على أنه فعل رباعي من : أرى يري ، وهي على نسق الكلام ; لأن قبله ( ونريد ) وبعده ( ونمكن ) .
فرعون وهامان وجنودهما نصبا بوقوع الفعل وأجاز الفراء ( ويري فرعون ) بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء : ويري الله فرعون منهم ما كانوا يحذرون وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل ( منهم ) فأراهم الله ما كانوا يحذرون قال قتادة : كان حازيا لفرعون - والحازي المنجم - قال : إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك ; فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة وقد تقدم .
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } فهذه الأمور كلها، قد تعلقت بها إرادة اللّه، وجرت بها مشيئته، { و } كذلك نريد أن { نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } وزيره { وَجُنُودَهُمَا } التي بها صالوا وجالوا، وعلوا وبغوا { مِنْهُمْ } أي: من هذه الطائفة المستضعفة.
{ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يسعون في قمعهم، وكسر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محل ذلك، فكل هذا قد أراده اللّه، وإذا أراد أمرا سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه قدر وأجرى من الأسباب -التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه- ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.فأول ذلك، لما أوجد اللّه رسوله موسى، الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه.
( ونمكن لهم في الأرض ) نوطن لهم في أرض مصر والشام ، ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه ، ( ونري فرعون وهامان وجنودهما ) قرأ الأعمش ، وحمزة ، والكسائي : " ويرى " بالياء وفتحها ، ( فرعون وهامان وجنودهما ) مرفوعات على أن الفعل لهم ، وقرأ الآخرون بالنون وضمها ، وكسر الراء ، ونصب الياء ونصب ما بعده بوقوع الفعل عليه ، ( منهم ما كانوا يحذرون ) والحذر هو التوقي من الضرر ، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل منه ، فأراهم الله ما كانوا يحذرون .
«ونمكن لهم في الأرض» أرض مصر والشام «ونريَ فرعون وهامان وجنودهما» وفي قراءة ويرى بفتح التحتانية والراء ورفع الأسماء الثلاثة «منهم ما كانوا يحذرون» يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه.
ونمكن لهم في الأرض، ونجعل فرعون وهامان وجنودهما يرون من هذه الطائفة المستضعفة ما كانوا يخافونه مِن هلاكهم وذهاب ملكهم، وإخراجهم من ديارهم على يد مولود من بني إسرائيل.
وقوله - تعالى - : ( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض ) أى : ونجعلهم أقوياء راسخى الأقدام فى الأرض التى نورثهم إياها ، بعد القوم الظالمين .( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ) أى : ونطلع فرعون وهامان - وهو وزير فرعون - وجنودهما التابعين لهما ( مِنْهُمْ ) أى : من بنى إسرائيل المستضعفين فى الأرض ( مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ) أى ما كانوا يحاولون دفعه واتقاءه ، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل ، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده .قال ابن كثير : أراد فرعون بحوله وقوته ، أن ينجو من موسى .
فما نفعه ذلك ، بل نفذ الله - تعالى - حكمه .
بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى ، بل يكون هذا الغلام الذى احترزت من وجوده - يا فرعون - ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان ، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفى دارك .
.
.
وهلاكك وهلاك جندك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا ، هو القاهر الغالب العظيم ، الذى ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .وهكذا تعلن السورة الكريمة فى مطلعها ، أن ما أراده الله - تعالى - لا بد أن يتم ، أمام أعين فرعون وجنده ، مهما احتاطوا ومهما احترسوا ، ( والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ).
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ طسم ﴾ كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ هو إما اللوح وإما الكتاب الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة هي آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد، أو لأنه يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال.
أما قوله تعالى: ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان يتلو على محمد حتى يحفظه، وقوله: ﴿ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ ﴾ فهو مفعول ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين، كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ وقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضاً لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا فهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والثاني: يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم وتكون إرادته لمن لا يؤمن كالتبع، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ قرئ فرعون بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس ﴿ عَلاَ ﴾ استكبر وتجبر وتعظم وبغى، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضاً في استخدامه أو أصنافاً في استخدامه أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له أطوع أو المراد ما فسره بقوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ أي يستخدمهم ﴿ ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ فهذا هو المراد بالشيع.
قوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ تلك الطائفة بنو إسرائيل، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه: أحدها: أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفاً من بني إسرائيل.
قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل؟
وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة، وأيضاً فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته، وأيضاً فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثاً.
واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل.
وثانيها: وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور.
وثالثها: أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول، قال صاحب الكشاف: ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ حال من الضمير في ﴿ وَجَعَلَ ﴾ أو صفة لشيعا، أو كلام مستأنف و ﴿ يُذَبّحُ ﴾ بدل من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ﴾ يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى.
أما قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ﴾ فهو جملة معطوفة على قوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصاً له، واللفظ في قوله: ﴿ وَنُرِيدُ ﴾ للاستقبال ولكن أريد به حكاية حال ماضية ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم، فإن قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟
قلنا لما كان منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
أما قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي متقدمين في الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة إلى الخير وعن قتادة ولاة كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين ﴾ يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده.
أما قوله: ﴿ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه (أو يرقد) فوطأه ومهده، ونظيره أرض له ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم وقوله: ﴿ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ قرئ ﴿ وَيَرَى فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا ﴾ أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ﴾ وعطفه على ﴿ نتلو ﴾ و ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ غير سديد؟
قلت: هي جملة معطوفة على قوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ لأنها نظيرة ﴿ تلك ﴾ في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى وفرعون، واقتصاصاً له.
﴿ وَنُرِيدُ ﴾ : حكاية حال ماضية.
ويجوز أن يكون حالاً من يستضعف، أي يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن نمنّ عليهم.
فإن قلت: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المنة عليهم؟
وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر، قلت: لما كانت منة الله بخلاصهم من فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم ﴿ أَئِمَّةً ﴾ مقدّمين في الدين والدنيا، يطأ الناس أعقابهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد رضي الله عنه: دعاة إلى الخير، وعن قتادة رضي الله عنه: ولاة، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ [المائدة: 20] .
﴿ الوارثين ﴾ يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم.
مكن له: إذا جعل له مكاناً يقعد عليه أو يرقد، فوطأه ومهده ونظيره: أرّض له.
ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام: أن يجعلها بحيث لا تنبو بهم ولا تغث عليهم؛ كما كانت في أيام الجبابرة، وينفذ أمرهم، ويطلق أيديهم ويسلطهم.
وقرئ: ﴿ ويرى فرعون وهامان وجنودهما ﴾ ، أي: يرون ﴿ مّنْهُمْ مَّا ﴾ حذروه: من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ أنْ نَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِإنْقاذِهِمْ مِن بَأْسِهِ، ﴿ وَنُرِيدُ ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُما واقِعانِ تَفْسِيرًا لِلْـ ( نَبَإ )، أوْ حالٌ مِن ( يَسْتَضْعِفُ ) ولا يَلْزَمُ مِن مُقارَنَةِ الإرادَةِ لِلِاسْتِضْعافِ مُقارَنَةُ المُرادِ لَهُ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُ الإرادَةِ بِهِ حِينَئِذٍ تَعَلُّقًا اسْتِقْبالِيًّا مَعَ أنَّ مِنَّةَ اللَّهِ بِخَلاصِهِمْ لَمّا كانَتْ قَرِيبَةَ الوُقُوعِ مِنهُ جازَ أنْ تَجْرِيَ مَجْرى المُقارِنِ.
﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ مُقَدَّمِينَ في أمْرِ الدِّينِ.
﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ لِما كانَ في مُلْكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
﴿ وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ﴾ أرْضِ مِصْرَ والشّامِ، وأصْلُ التَّمْكِينِ أنْ تَجْعَلَ لِلشَّيْءِ مَكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْلِيطِ وإطْلاقِ الأمْرِ.
﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ ﴾ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلاكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهم.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( ويَرى ) بِالياءِ و ( فِرْعَوْنُ وهامانُ وَجُنُودُهُما ) بِالرَّفْعِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَنُمَكّنَ} مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه أو يرقد ومعنى التمكين {لَهُمْ فِى الأرض} أي أرض مصر والشام أن يجعلها بحيث لا تنبو بهم ويسلطهم وينفذ أمرهم {وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا} بضم النون ونصب فرعون وما بعده وبالياء ورفع فرعون وما بعده على حمزة وأي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم ويرى نصب عطف على المنصوب قبله كقراءة النون أو رفع على الاستئناف {مِنْهُمْ} من بني إسرائيل ويتعلق بنرى دون يحذرون لأن الصلة لا تتقدم على الموصول {مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} الحذر التوقي من الضرر
﴿ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ﴾ أيْ في أرْضِ مِصْرَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ أنْ يَجْعَلَ الشَّيْءَ مَكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْلِيطِ وإطْلاقِ الأمْرِ وشاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فالمَعْنى نُسَلِّطُهم عَلى أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُونَ ويَنْفُذُ أمْرُهم فِيها كَيْفَما يَشاؤُونَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ ما يَعُمُّ مِصْرَ والشّامَ مَعَ أنَّ المَعْهُودَ هو أرْضُ مِصْرَ لا غَيْرُ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ الشّامَ مَقَرُّ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ولِنُمَكِّنَ بِلامِ كَيْ أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ أوْ ولِنُمَكِّنَ فِعْلَنا ذَلِكَ.
﴿ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما ﴾ إضافَةُ الجُنُودِ إلى ضَمِيرِهِما إمّا لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّهُ كانَ لِهامانَ جُنْدٌ مَخْصُوصُونَ بِهِ وإنْ كانَ وزِيرًا أوْ لِأنَّ جُنْدَ السُّلْطانِ جُنْدُ الوَزِيرِ، ونُرِي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ عَلى ما هو المُناسِبُ لِلْبَلاغَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو ناصِبٌ لِمَفْعُولَيْنِ لِمَكانِ الهَمْزَةِ فَفِرْعَوْنُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ أيْ يَتَوَقُّونَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلْكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهم مَفْعُولُهُ الثّانِي، والرُّؤْيَةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بَصْرِيَّةً لِمُقَدِّماتِ ذَلِكَ وعَلاماتِهِ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّها جُعِلَتْ لَهُ مُبالَغَةً ومِثْلُهُ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهم حَتّى يُقالَ رَأى مَوْتَهُ بِعَيْنِهِ وشاهَدَ هَلاكَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: أبْكانِي البَيْنُ حَتّى رَأيْتُ غُسْلِي بِعَيْنِي وقِيلَ: المُرادُ رُؤْيَةُ وقْتِ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِذاكَ، والأمْرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بِمَعْنى المَعْرِفَةِ ظاهِرٌ.
لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا ذَهابَ مُلْكِهِمْ وهَلاكِهِمْ، لِما شاهَدُوهُ مِن ظُهُورِ أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ عَلَيْهِمْ، وطُلُوعِ طَلائِعِهِ مِن طُرُقِ خُذْلانِهِمْ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المَوْصُولَ بِظُهُورِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ المُؤَيِّدِ بِالآثارِ وكَأنَّ ذَلِكَ مِنهُ لِخَفاءِ وجْهِ تَعَلُّقِ رُؤْيَةِ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ بِذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلْكِهِمْ عَلَيْهِ وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ- ويَرى- بِالياءِ مُضارِعَ رَأى، وفِرْعَوْنُ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أردنا أن نمن بالنجاة عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وهم بنو إسرائيل نَمُنَّ يعني: ننعم عليهم وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً يعني: قادة في الخير وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يعني: أرض مصر، وملك فرعون، وقومه بعد هلاك فرعون.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ يعني: نملكهم ويقال: ننزلهم في الأرض فِي الْأَرْضِ يعني: في أرض مصر وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ قرأ حمزة والكسائي وَيَرَى بالياء والنصب، وفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما بالضمّ، كل ذلك، وقرأ والباقون وَنُرِيَ بالنون والضم وفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كلها بالنصب، ونصب نُرِيَ، لأنه معطوف على قوله: أَنْ نَمُنَّ، فكأنه قال: أن نمن، وأن نري.
ونصب فرعون لوقوع الفعل عليه.
ومن قرأ بالياء رفعه، لأن الفعل منه ثم قال: وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَّا كانُوا يَحْذَرُونَ يعني: يرون ما كانوا يخافون من ذهاب الملك.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَصَصِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها غَيْرَ آَيَةٍ مِنها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو بِالجُحْفَةِ في وقْتِ خُرُوجِهِ لِلْهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ: أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ: أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ .
وفِيها آَيَةٌ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ ولا مَدَنِيَّةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الشُّعَراءِ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ أيْ: طَغى وتَجَبَّرَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ: فِرَقًا وأصْنافًا في خِدْمَتِهِ ﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهْم بَنُو إسْرائِيلَ، واسْتِضْعافُهُ إيّاهم: اسْتِعْبادُهم، ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي.
﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يَذْبَحُ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ خَفِيفَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ أيْ: نُنْعِمُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً ومُلُوكًا ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " ويَرى " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وإمالَةِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ " فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما " بِالرَّفْعِ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أخْبَرُوا أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا عَلى وجَلٍ مِنهم، فَأراهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، نَزَلَتْ هَذِهِ بِالجَحْفَةِ في وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ بِما أغْنى عَنِ الإعادَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: إنَّ الطاءَ مِنَ الطُولِ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والسِينُ مِنَ السَلامِ، والمِيمِ مِنَ المُنْعِمْ، أو مِنَ الرَحِيمِ، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ: ﴿ تِلْكَ ﴾ يَتَقَدَّرُ مَوْضِعُها بِحَسَبَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، فَمِن جَعَلَ "طَسَمَ" مِثالًا لِحُرُوفِ المُعْجَمِ جاءَتِ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ومِن قَطَعَها قالَ: "تِلْكَ" في مَواضِعَ هَذِهِ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً عَتِيدَةً، بَلْ هي أقْوالٌ تَقْتَضِي بَعْضُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فَسائِغٌ أنْ يُقالَ في الإشارَةِ إلَيْها: "تِلْكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْلُ أنَّ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما غابَ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، وقَدْ تَتَداخَلَ مَتى كانَ في الغَيْبَةِ حُصُولٌ وثِقَةٌ بِهِ تَقُومُ مَقامَ الحُضُورِ، ومَتى كانَ في الحُضُورِ بُعْدٌ ما يَقُومُ مَقامَ الغَيْبَةِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ لَمّا كانَ مُوسى لا يَرى رَبَّهُ تَعالى، فَهو وعَصاهُ في مَنزِلِ غَيْبٍ، فَساغَ ذَلِكَ.
ومِنَ النَقِيضِ قَوْلُ المُؤَلِّفِ لِكِتابٍ: هَذا كِتابٌ، وما جَرى هَذا المَجْرى فَتُتْبِعُهُ، ويُشْبِهُ في آياتِنا هَذِهِ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" بِمَنزِلَةِ: هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مُتَمَكِّنَةً مِن حَيْثُ الآياتُ كُلُّها وقْتَ هَذِهِ المُخاطَبَةِ لَمْ تَكُنْ عَتِيدَةً.
و"نَتْلُوا" مَعْناهُ: نَقُصُّ ونُتابِعُ القِصَصَ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مِن حَيْثُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
و ﴿ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن عُلُوِّ الطُغْيانِ والتَغَلُّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، ومَتى جاءَتِ الأرْضُ هَكَذا عامَّةً فَإنَّما يُرادُ بِها الأرْضُ الَّتِي تُشْبِهُ قِصَّةَ القَوْلِ المَسُوقِ؛ لِأنَّ الأنْباءَ الَّتِي تَعُمُ الأرْضَ كُلَّها قَلِيلَةٌ، والأكْثَرُ ما ذَكَرْناهُ، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ جَعَلَ القِبْطَ مُلُوكًا، وبُنِيَ إسْرائِيلَ مُسْتَخْدِمِينَ، وهم كانُوا الطائِفَةَ المُسْتَضْعَفَةَ، و"يُذَبِّحُ" مُضْعِفٌ لِلْمُبالَغَةِ والعِبارَةِ عن تَكْرارِ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الفِعْلُ مِن فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وعُلَماؤُهُ: إنَّ غُلامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يُفْسِدُ مُلْكَكَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَأى في ذَلِكَ رُؤْيا فَأخَذَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذْبَحِ الأطْفالِ سِنِينَ، فَرَأى أنَّهُ يَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، فَعادَ يَذْبَحُ عامًا ويَسْتَحْيِي عامًا، فَوُلِدَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ، ووُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الذَبْحِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُذْبِحُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والباءِ وسُكُونِ الذالِ.
قالَ وهَبَ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ ذَبَحَ في هَذِهِ المُحاوَلَةِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ الأطْفالِ، وقالَ النَقاشُ: جَمِيعُ ما قَتَلَ سِتَّةَ عَشَرَ طِفْلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: طَمَعَ بِجَهْلِهِ أنْ يَرُدَّ القَدَرَ، وأيْنَ هَذا المَنزَعُ مِن «قَوْلِ النَبِيِّ لِعُمَرَ: إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ» يَعْنِي ابْنَ صَيّادٍ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطفت جملة ﴿ ونريد ﴾ على جملة ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ [القصص: 4] لمناسبة ما في تلك الجملة من نبأ تذبيح الأبناء واستحياء النساء، فذلك من علو فرعون في الأرض وهو بيان لنبإ موسى وفرعون فإن إرادة الله الخير بالذين استضعفهم فرعون من تمام نبإ موسى وفرعون، وهو موقع عبرة عظيمة من عِبَر هذه القصة.
وجيء بصيغة المضارع في حكاية إرادة مضت لاستحضار ذلك الوقت كأنه في الحال لأن المعنى أن فرعون يطغى عليهم والله يريد في ذلك الوقت إبطال عمله وجعلهم أمة عظيمة، ولذلك جاز أن تكون جملة ﴿ ونريد ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يستضعف ﴾ [القصص: 4] باعتبار أن تلك الإرادة مقارنة لوقت استضعاف فرعون إياهم.
فالمعنى على الاحتمالين: ونحن حينئذ مُريدون أن ننعم في زمن مستقبل على الذين استضعفوا.
والمنّ: الإنعام، وجاء مضارعه مضموم العين على خلاف القياس.
و ﴿ الذين استضعفوا في الأرض ﴾ هم الطائفة التي استضعفها فرعون.
و ﴿ الأرض ﴾ هي الأرض في قوله ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ [القصص: 4].
ونكتة إظهار ﴿ الذين استضعفوا ﴾ دون إيراد ضمير الطائفة للتنبيه على ما في الصلة من التعليل فإن الله رحيم لعباده، وينصر المستضعفين المظلومين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.
وخص بالذكر من المن أربعة أشياء عطفت على فعل ﴿ نمنّ ﴾ عطف الخاص على العام وهي: جعلهم أيمة، وجعلهم الوارثين، والتمكين لهم في الأرض، وأن يكون زوال ملك فرعون على أيديهم في نعم أخرى جمة، ذكر كثير منها في سورة البقرة.
فأما جعلهم أيمة فذلك بأن أخرجهم من ذلّ العبودية وجعلهم أمة حرة مالكة أمر نفسها لها شريعة عادلة وقانون معاملاتها وقوة تدفع بها أعداءها ومملكة خالصة لها وحضارة كاملة تفوق حضارة جيرتها بحيث تصير قدوة للأمم في شؤون الكمال وطلب الهناء، فهذا معنى جعلهم أيمة، أي يقتدي بهم غيرهم ويدعون الناس إلى الخير وناهيك بما بلغه ملك إسرائيل في عهد سليمان عليه السلام.
وأما جعلهم الوارثين فهو أن يعطيهم الله ديار قوم آخرين ويحكّمهم فيهم، فالإرث مستعمل مجازاً في خلافة أمم أخرى.
فالتعريف في ﴿ الوارثين ﴾ تعريف الجنس المفيد أنهم أهل الإرث الخاص وهو إرث السلطة في الأرض بعد من كان قبلهم من أهل السلطان، فإن الله أورثهم أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والأراميين، وأحلهم محلهم على ما كانوا عليه من العظمة حتى كانوا يعرفون بالجبابرة قال تعالى ﴿ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ﴾ [المائدة: 22].
والتمكين لهم في الأرض تثبيت سلطانهم فيما ملكوه منها وهي أرض الشام إن كانت اللام عوضاً عن المضاف إليه.
ويحتمل أن يكون المعنى تقويتهم بين أمم الأرض إن حمل التعريف على جنس الأرض المنحصر في فرد، أو على العهد، أي الأرض المعهودة للناس.
وأصل التمكين: الجعل في المكان، وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ إنا مكّنّا له في الأرض ﴾ في سورة [الكهف: 84]، وتقدم الكلام على اشتقاق التمكين وتصاريفه عند قوله تعالى ﴿ مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم ﴾ في سورة [الأنعام: 6].
و ﴿ ما كانوا يحذرون ﴾ هو زوال ملكهم بسبب رجل من بني إسرائيل حسبما أنذره بذلك الكهان.
ومعنى إراءتهم ذلك إراءتهم مقدماته وأسبابه.
وفرعون الذي أُرِي ذلك هو ملك مصر (منفتاح) الثالث وهو الذي حكم مصر بعد (رعمسيس) الثاني الذي كانت ولادة موسى في زمانه وهو الذي كان يحذر ظهور رجل من إسرائيل يكون له شأن.
و ﴿ هامان ﴾ قال المفسرون: هو وزير فرعون.
وظاهر آيات هذه السورة يقتضي أنه وزير فرعون وأحسب أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب خطة مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي.
فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر.
وجاء في كتاب «أستير» من كتب اليهود الملحقة بالتوراة تسمية وزير (أحشويروش) ملك الفرس (هامان) فظنوه علماً فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان واتخذوا هذا الظن مطعناً في هذه الآية.
وهذا اشتباه منهم فإن الأعلام لا تنحصر وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بين أمم وخاصة الأمم المتجاورة، فيجوز أن يكون ﴿ هامان ﴾ علماً من الأمان فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطة في مصر فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد الفرس في مدة أسرهم.
ويشبه هذا الطعن طعن بعض المستشرقين من نصارى العصر في قوله تعالى في شأن مريم حين حكى قول أهلها لها ﴿ يا أخت هارون ﴾ [مريم: 28] فقالوا: هذا وهم انجرّ من كون أبي مريم اسمه عمران فتوهم أن عمران هو أبو موسى الرسول عليه السلام، وتبع ذلك توهم أن مريم أخت موسى وهارون وهو مجازفة فإن النصارى لا يعرفون اسم أبي مريم وهل يمتنع أن يكون مسمى على اسم أبي موسى وهارون وهل يمتنع أن يكون لمريم أخ اسمه هارون.
وقد تكلمنا على ذلك في سورة مريم.
والجنود جمع الجند.
ويطلق الجند على الأمة قال تعالى ﴿ هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود ﴾ [البروج: 17- 18].
وقرأ الجمهور ﴿ ونُرِيَ ﴾ بنون العظمة ونصب الفعل ونصب ﴿ فرعونَ ﴾ وما عطف عليه.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ ويرى ﴾ بياء الغائب مفتوحة وفتح الراء على أنه مضارع رأى ورفع ﴿ فرعونُ ﴾ وما عطف عليه.
ومآل معنى القراءتين واحد.
والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه: هو الجماعة من الناس التي تجتمع على أمر تتبعه، فلذلك يطلق على العسكر لأن عملهم واحد وهو خدمة أميرهم وطاعته.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وقِيلَ بِالجُحْفَةِ وهي: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ الآيَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِبَغْيِهِ في اسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتْلِ أوْلادِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِكُفْرِهِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّالِثُ: بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.
وَهَذِهِ الأرْضُ أرْضُ مِصْرَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَ مِصْرَ، ولَمْ يَمْلِكِ الأرْضَ كُلَّها، ومِصْرُ تُسَمّى الأرْضُ ولِذَلِكَ قِيلَ لِبَعْضِ نَواحِيها الصَّعِيدُ.
وَفِي عُلُوِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو لِظُهُورِهِ في غَلَبَتِهِ.
الثّانِي: كِبْرُهُ وتَجَبُّرُهُ.
﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا.
قالَهُ قَتادَةُ: فَرَّقَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ.
﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ بِالِاسْتِعْبادِ بِالأعْمالِ القَذِرَةِ.
﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ أنَّ نارًا أقْبَلَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى اشْتَمَلَتْ عَلى بُيُوتِ مِصْرَ فَأحْرَقَتِ القِبْطَ وتَرَكَتْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَألَ عُلَماءَ قَوْمِهِ عَنْ تَأْوِيلِهِ، فَقالُوا: يَخْرُجُ مِن هَذا البَلَدِ رَجُلٌ يَكُونُ عَلى يَدِهِ هَلاكُ مِصْرَ، فَأمَرَ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وأسْرَعَ المَوْتُ في شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ القِبْطُ لِفِرْعَوْنَ: إنَّ شُيُوخَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ فَنَوْا بِالمَوْتِ وصِغارَهم بِالقَتْلِ فاسْتَبْقِهم لِعَمَلِنا وخِدْمَتِنا أنْ يَسْتَحْيُوا في عامٍ ويَقْتُلُوا في عامٍ فَوُلِدَ هارُونُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ ومُوسى في عامِ القَتْلِ.
وَطالَ بِفِرْعَوْنَ العُمْرُ حَتّى حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وكانَ دَمِيمًا قَصِيرًا، وكانَ أوَّلَ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ.
وَعاشَ مُوسى مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: يُوسُفُ ووَلَدُهُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وُلاةُ الأمْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: قادَةٌ مَتْبُوعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنْبِياءُ لِأنَّ الأنْبِياءَ فِيما بَيْنَ مُوسى وعِيسى كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوَّلُهم مُوسى وآخِرُهم عِيسى وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ سَبَوُا القِبْطَ فاسْتَعْبَدُوهم بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدَهم فَصارُوا وارِثِينَ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المالِكُونَ لِأرْضِ فِرْعَوْنَ الَّتِي كانُوا فِيها مُسْتَضْعَفِينَ.
والمِيراثُ زَوالُ المِلْكِ عَمَّنْ كانَ لَهُ إلى مَن صارَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ ؎ ورِثْنا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بْنِ سَيْفٍ أباحَ لَنا حُصُونَ المَجْدِ دِينًا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴾ قال: يوسف وولده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴾ قال: هم بنو إسرائيل ﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ أي هم ولاة الأمر ﴿ ونجعلهم الوارثين ﴾ أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه ﴿ ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ قال: ما كان القوم حذروه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونجعلهم الوارثين ﴾ قال: يرثون الأرض بعد آل فرعون، وفي قوله: ﴿ ونري فرعون ﴾ الآية قال: كان حاز يحزي لفرعون فقال: إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم وكان فرعون ﴿ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ حذراً لقول الحازي فذلك قوله: ﴿ ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله قال: قال عمر رضي الله عنه: إني استعملت عمالاً لقول الله: ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: نملكهم ما كان يملك فرعون.
يقال: مكنته ومكنت له، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ (١) ﴿ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ وقد مر (٢) ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ ﴾ الآية، أي مولود بني إسرائيل الذي يذهب ملكهم على يده، ويهلك القبط بسببه.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ وَيرَى ﴾ بالياء ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ وما بعده رفعًا، على معنى: أنَّهم يرونه إذا أُروه؛ والاختيار قراءة العامة؛ ليكون الكلام من وجه واحد (٣) (١) لم يتكلم الواحدي في تفسير هذه الآية عن دخول اللام في مكن، بل اقتصر على قوله: قال الزجاج: معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة وهو قول ابن عباس قال: يريد: ملكناكم في الأرض؛ يريد: ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام.
(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿ مَكَّنَّاكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان؛ تقول العرب: مكنته، ومكنت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.
قال صاحب النظم: العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى بحروف الصفات، فربما عدوها بغيرها كقوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ المعنى: فإلى أين تذهبون ..
أ.
هـ.
حروف الصفات هي: حروف المعاني.
(٣) "السبعة في القراءات" 492.
و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 411، ولم يذكر هذا الاختيار.
وإعراب القراءات السبع 2/ 168، و"النشر" 2/ 341.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَلاَ فِي الأرض ﴾ أي تكبر وطغا ﴿ شِيَعاً ﴾ أي فرقاً مختلفين، فجعل فرعون القبطَ ملوكاً وبني إسرائيل خُداماً علهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة: أي ولاة في الأرض أرض فرعون وقومه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ : قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع مما يغني عن ذكره في هذا الموضع.
وقوله: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ﴿ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ أي: من خبرهما.
وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق ما يعلم أنه صدق وحق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي بالحق الذي لموسى على فرعون وقومه.
أو بالحق الذي لله عليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بالأنباء وما فيها، وأما من لا يؤمن فلا ينتفع بها فلا يكون.
والثاني: لقوم يؤمنون بالأنباء والكتب المتقدمة، هم يعرفون أنه حق لما في كتبهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: تجبّر واستكبر وأبى أن يصغى لموسى ولأمثاله.
وقال بعضهم: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: بغى وقهر؛ فيكون تفسيره ما ذكر على أثره ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ ، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون علوه وبغيه في الأرض.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: علا قدره وارتفع رتبته في الأرض لما ادعى لنفسه الألوهية والربوبية، بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم، فعلا قدره وارتفعت منزلته بدعواه بذلك، وعلا في الأرض، أي: غلب.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ قيل: فرقا: يستضعف طائفة، ويذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي: جعل لكل طائفة منهم عبادة صنمٍ لم، يجعل ذلك لطائفة أخرى، وجعل طائفة أخرى على عمل أولئك وحوائجهم؛ ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها؛ لأن الشيع فرق يرجعون جميعاً إلى أصل واحد وإلى أمر واحد.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : كذلك كان، لعنه الله.
وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك، لا أنه منّ عليهم وفعل ذلك؛ لأنه يقول: نريد أن نمن على الذين كذا، وقد من عليهم بذلك فهلا قال: وقد مننا على الذين استضفعوا في الأرض؟
لكن معناه - والله أعلم - أي: كنا نريد في الأزل أن نمن عليهم؛ وأن نجعلهم أئمة، وأن نجعلهم الوارثين، وإلا الظاهر ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: جعلهم جميعاً أئمة لنا، بهم نقتدي وننقاد لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي: نجعل فيهم أئمة وقادة لهم، أي: نجعل بعضهم أئمة لبعض؛ كقوله لموسى: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ ﴾ ، والأئمة المذكورة هاهنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية.
﴿ وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ الآية [الأعراف: 137]، أي: يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه.
والوارث: هو الباقي على ما ذكرنا؛ كأنه قال: يبقون هم في أرضهم وملكهم بعد هلاكهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: نبقى نحن بعد هلاك الأرض وهلاك من عليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾ أي: يرون ما كانوا يحذرون منه، وهو الهلاك وذهاب الملك، هذا كانوا يحذرون فأراهم ذلك؛ لأنه كان يذبح أبناءهم إشفاقاً على بقاء ملكه ويحذر ذهابه.
قال الزجاج: إن من حماقة فرعون وقلة عقله أنه كان يذبح أبناءهم لقول الكهنة: إنه يذهب ملكه بغلام يولد في العام الذي قالوه، فلا يخلو إما أن صدقوا في قولهم فيذهب ملكه وإن قتل الأبناء، وإما أن كذبوا في قولهم فلا معنى لقتل الأبناء؛ لأنه لا يذهب لكنه فعل ذلك بهم لحماقته وسفهه وجهله بنفسه.
وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : بالنجاة من فرعون وآله، واستنقاذه إياهم من يديه، ومن قتل الولدان وغير ذلك من أنواع التعذيب، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر - وجوه على المعتزلة في قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وأنه لو لم يفعل ذلك كان ذلك جائزاً.
فيقال لهم: لو كان عليه فعل الأصلح لهم في دينهم على كل حال لكان لا معنى لذكر المنة على الذين استضعفوا في الأرض في جعلهم أئمة وإبقائهم في أرضهم وتمكينه إياهم في ملكهم ووراثتهم أموالهم؛ لأنه على زعمهم فعل بهم ما عليه أن يفعل؛ لأن ذاك أصلح لهم في الدين، وكل من فعل فعلا عليه ذلك الفعل؛ لا يكون له الامتنان على المفعول به ذلك، فدل ذكر المنة فيما ذكر أنه فعل بهم على أنه فعل ما لم يكن عليه ذلك، ولكنه فعل ذلك متفضلا ممتنا، وله ألا يفعل ذلك.
ويقولون - أيضاً -: إن إهلاك فرعون وقومه أصلح لهم من إبقائهم؛ وكذلك إماتة كل كافر فلم يذكر فيه المنة، دل ذلك أنه ليس على ما يقولون هم، وأن ذلك منقوض مردود عليهم.
ويقولون - أيضاً -: إن الإرادة من الله لهم أمر لهم يأمرهم به، فلو كان أمرا على ما يزعمون لكان الأمر منه قد شمل الكل، ثم لم يصيروا جميعاً أئمة وقادة، ولكن إنما صار بعض دون بعض؛ دل أن الإرادة غير الأمر، وأنه أراد لأحد شيئاً كان ما أراد، ليس على ما يقولون: إنه أراد إيمان كل كافر، لكنه لم يؤمن بعدما أعطاه جميع ما عنده من القوة والعون على ذلك، حتى لم يبق عنده شيء من ذلك إلا وقد أعطاه؛ فدل ما ذكر على فساد مذهبهم.
<div class="verse-tafsir"
ونريد أن نمكّن لهم في الأرض بجعلهم أصحاب السلطان فيها، ونُرِي فرعون ومسانده الأكبر في الملك هامان وجنودهما المعاونين لهما في ملكهما، ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم، وانقضائه على يد مولود ذكر من بني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir" id="91.d5xe6"