الآية ٢٥ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٥ من سورة لقمان

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء المشركين به : إنهم يعرفون أن الله خالق السماوات والأرض ، وحده لا شريك له ، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له; ولهذا قال : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله ) [ أي : إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم ] ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك (مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لله) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد، فإذا &; 20-151 &; قالوا ذلك، فقل لهم: الحمد لله الذي خلق ذلك، لا لمن لا يخلق شيئا وهم يخلقون، ثم قال تعالى ذكره: (بَلْ أكْثرُهُمْ لا يعْلَمون) يقول: بل أكثر هؤلاء المشركون لا يعلمون من الذي له الحمد، وأين موضع الشكر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمونقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله أي هم يعترفون بأن الله خالقهم فلم يعبدون غيره .

قل الحمد لله أي على ما هدانا له من دينه ، وليس [ ص: 71 ] الحمد لغيره .

بل أكثرهم لا يعلمون أي لا ينظرون ولا يتدبرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين المكذبين بالحق { مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } لعلموا أن أصنامهم، ما خلقت شيئا من ذلك ولبادروا بقولهم الله الذي خلقهما وحده.فـ { قُلِ } لهم ملزما لهم، ومحتجا عليهم بما أقروا به، على ما أنكروا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } الذي بيَّن النور، وأظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم، فلو كانوا يعلمون، لجزموا أن المنفرد بالخلق والتدبير، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد.ولكن { أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فلذلك أشركوا به غيره، ورضوا بتناقض ما ذهبوا إليه، على وجه الحيرة والشك، لا على وجه البصيرة، ثم ذكر في هاتين الآيتين نموذجا من سعة أوصافه، ليدعو عباده إلى معرفته، ومحبته، وإخلاص الدين له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولئن» لام قسم «سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله» حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين «قل الحمد لله» على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد «بل أكثرهم لا يعلمون» وجوبه عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين بالله: مَن خلق السموات والأرض؟

ليقولُنَّ الله، فإذا قالوا ذلك فقل لهم: الحمد لله الذي أظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم، بل أكثر هؤلاء المشركين لا ينظرون ولا يتدبرون مَن الذي له الحمد والشكر، فلذلك أشركوا معه غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال :( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ) أيها الرسول الكريم - ( مَّنْ خَلَقَ السماوات ) وأوجدها على هذا النظام البديع ..

( لَيَقُولُنَّ ) فى الجواب ( الله ) أى : الله - تعالى - هو الذى خلقها ، وهو الذى أوجدهما .( قُلِ الحمد لِلَّهِ ) قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده ، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره؟

إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة ، ليتنافى مع أنتم عليه من كفر وضلال .وقوله - سبحانه - ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم ، أى : بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما ، وإنما هم يقولون بألسنتهم ، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم ، وهذا شأن الجاهلين ، الذين انطمست بصائرهم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الآية متعلقة بما قبلها من وجهين: أحدهما: أنه تعالى لما استدل بخلق السموات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له وهذا يقتضي أن يكون الحمد كله لله، لأن خالق السموات والأرض يحتاج إليه كل ما في السموات والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره، لكنهم لا يعلمون هذا والثاني: أن الله تعالى لما سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم ﴾ أي لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب عند رجوعهم إلينا، قال وليس لا يتبين إلا ذلك اليوم بل هو يتبين قبل يوم القيامة لأنهم معترفون بأن خلق السموات والأرض من الله، وهذا يصدقك في دعوى الوحدانية ويبين كذبهم في الإشراك فقل الحمد لله على ظهور صدقك وكذب مكذبيك ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك وعلى هذا يكون لا يعلمون استعمالاً للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية كما يقول القائل فلأن يعطي ويمنع ولا يكون في ضميره من يعطي بل يريد أن له عطاءً ومنعاً فكذلك هاهنا قال لا يعلمون أي ليس لهم علم وعلى الأول يكون لا يعلمون له مفعول مفهوم وهو أنهم لا يعلمون أن الحمد كله لله، والثاني أبلغ لأن قول القائل: فلان لا علم له بكذا، دون قوله فلان لا علم له، وكذا قوله فلان: لا ينفع زيداً ولا يضره، دون قوله: فلان لا يضر ولا ينفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأنّ الذي خلق السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر.

وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى ﴾ عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.

قرئ: ﴿ والبحر ﴾ بالنصب عطفاً على اسم إنّ، وبالرفع عطفاً على محل إن ومعمولها على معنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

أو على الابتداء والواو للحال، على معنى.

ولو أنّ الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً، وفي قراءة ابن مسعود: و ﴿ بحر يمدّه ﴾ على التنكير، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأوّل.

وقرئ: ﴿ تمدّه ﴾ و ﴿ يمدّه ﴾ بالتاء والياء.

فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام، والبحر مداد.

قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمدّه، لأنه من قولك: مدّ الدواة وأمدّها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً، فهي تصب فيه مداداً أبداً صباً لا ينقطع.

والمعنى: ولو أنّ أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر.

وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ [الكهف: 109] .

فإن قلت: زعمت أنّ قوله: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ ﴾ حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال.

قلت: هو كقوله: وَقَدِ اغْتَدَى وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا وجئت والجيش مصطف.

وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف.

ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض.

فإن قلت: لم قيل: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟

قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاماً.

فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل.

فهلا قيل: كلم الله؟

قلت: معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف بكلمه؟

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت جواباً لليهود لما قالوا: (قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة) وقيل: إن المشركين قالوا: إنّ هذا- يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد.

وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تتلو فيما أنزل عليك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ﴿ أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ لِوُضُوحِ الدَّلِيلِ المانِعِ مِن إسْنادِ الخَلْقِ إلى غَيْرِهِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى إذْعانِهِ.

﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى إلْزامِهِمْ وإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما يُوجِبُ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم.

﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ.

﴿ الحَمِيدُ ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الحمد لِلَّهِ} إلزام لهم على اقرارهم بأن الذى خلق السموات والأرض هو الله وحده وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر وأن لا يعبد معه غيره ثم قال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم يتنبهوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اللَّهُ خَلَقَهُنَّ، والأوَّلُ أوْلى كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِ الأمْرِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى الِاعْتِرافِ بِهِ، ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى إلْزامِهِمْ، وإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما يُوجِبُ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِن إشْراكِ غَيْرِهِ تَعالى بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في العِبادَةِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها غَيْرُ الخالِقِ والمُنْعِمِ الحَقِيقِيِّ.

وجُوِّزَ جَعْلُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ جَعْلَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يُنْكِرُها المُكابِرُ أيْضًا، ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم قِيلَ: وفِيهِ إيغالٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: وإنَّ جَهْلَهُمُ انْتَهى إلى أنْ لا يَعْلَمُوا أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ ما مَوْقِعُهُ في هَذا المَقامِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في نَظِيرِ الآيَةِ في العَنْكَبُوتِ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ يعني: لكفار مكة اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على نبيه من القرآن، فآمنوا به، وأحلّوا حلاله، وحرموا حرامه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول الله عز وجل أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يعني: أو ليس الشيطان يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ يعني: يدعوهم إلى تقليد آبائهم بغير حجة، فيصيروا إلى عذاب السعير.

قوله عز وجل: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي: يخلص دينه.

ويقال: يخلص عمله لله وَهُوَ مُحْسِنٌ يعني: موحد.

ويقال: ذكر الوجه، وأراد به هو.

يعني: ومن أخلص نفسه لله عز وجل بالتوحيد، وبأعمال نفسه، وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله.

قرأ عبد الرحمن السّلمي: وَمَنْ يُسْلِمْ بنصب السين، وتشديد اللام من سلم يسلم.

وقراءة العامة وَمَنْ يُسْلِمْ بجزم السين وتخفيف اللام من سلم يسلم فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يعني: قد أخذ بالثقة وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ يعني: إليه مرجع وعواقب الأمور.

ويقال: العباد إليه فيجازيهم بأعمالهم.

قوله عز وجل: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ وذلك أنهم لما كذبوا بالقرآن وقالوا: إنه يقول من تلقاء نفسه، شقّ ذلك على رسول الله  .

فنزل وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ بالقرآن إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعني: إلينا مصيرهم فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يجازيهم بجحودهم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في قلبك من الحزن مما قالوا وقال الكلبي: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ من خير أو شر.

ثم قال عز وجل: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا يعني: يسيراً في الدنيا، فكل ما هو فانٍ فهو قليل ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ يعني: نلجئهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: شديد لا يفتر عنهم.

قوله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: الكفار مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إقراركم بَلْ أَكْثَرُهُمْ يعني: الكفار لا يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إلى عذاب السعير، فكأنّ القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير، فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتّساقُ الكلام فيه فتأملْه.

وقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ معناه يُخْلِصُ ويُوَجِّهْ ويستسلمْ به، والوجْه هنا: الجارحة، اسْتُعِيْرَ للمقصِد لأَنَّ القاصدَ إلى شيء فهو مستقبله بوجهه، فاستعيرَ ذلك للمعاني، والمحسنُ: الذي جَمَعَ القولَ والعمل، وهو الذي شَرَحه صلى الله عليه وسلّم حين سأله جبريل- عليه السلام- عن الإحسان.

والمتاعُ القليلُ هنا هو العمر في الدنيا.

-

وقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجة.

وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)

وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)

وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ...

الآية.

روي عن ابن عباس: أن سببَ نزولها أن اليهودَ قالت: يا محمد كيف عنيتنا بهذا القول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] ونحن قد أُوتينا التوراةَ تِبْيَاناً لكل شيء؟

فنزلت الآية «١» ، وقيل غير هذا.

قال ع «٢» : وهذه الآية بَحْرُ نظرٍ وفكرةٍ، نَوَّرَ الله قلوبنا بهداه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: " ومَن يُسَلِّمْ " بِفَتْحِ السِّينِ وتَشْدِيدِ اللّامِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ عَنِ الحُزْنِ، وذَلِكَ لا يُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ألْفاظِهِ في مَواضِعَ [هُودٍ: ٤٨، العَنْكَبُوتِ:٦١، البَقَرَةِ:٢٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ ، إيّانا يُرِيدُ، أمْ قَوْمَكَ؟

فَقالَ: " كَلّا " فَقالُوا: ألَسْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ فِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ؟

فَقالَ: " إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا في القُرْآنِ: إنَّما هو كَلامٌ [يُوشِكُ أنْ] يَنْفَدَ ويَنْقَطِعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعْنى الآيَةِ: لَوْ كانَتْ شَجَرُ الأرْضِ أقْلامًا، وكانَ البَحْرُ ومَعَهُ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مِدادًا- وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَكُتِبَ بِهَذِهِ الأقْلامِ وهَذِهِ البُحُورِ كَلِماتُ اللَّهِ- لَتَكَسَّرَتِ الأقْلامُ ونَفَذَتِ البُحُورُ، ولَمْ تَنْفُذْ كَلِماتُ اللَّهِ، أيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ والبَحْرُ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " والبَحْرُ " بِالرَّفْعِ، ونَصَبَهُ أبُو عَمْرٍو.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " والبَحْرَ " بِالنَّصْبِ، فَهو عَطْفٌ عَلى " ما "؛ المَعْنى: ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ، ولَوْ أنَّ البَحْرَ؛ والرَّفْعُ حَسَنٌ عَلى مَعْنى: والبَحْرُ هَذِهِ حالُهُ.

قالَ اليَزِيدِيُّ: ومَعْنى ﴿ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ : يَزِيدُ فِيهِ؛ يُقالُ: مُدَّ قِدْرَكَ، أيْ: زِدْ في مائِها، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يَمُدُّهُ " مِنَ المِدادِ، لا مِنَ الإمْدادِ، يُقالُ: مَدَدْتُ دَواتِي بِالمِدادِ، وأمْدَدْتُهُ بِالمالِ والرِّجالِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ إنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكَفَرَةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ وتَتَحَرَّكُ النُفُوسُ إلى طَلَبِ الأفْضَلِ.

وقَرَأتْ عامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "يُسْلِمْ" ﴾ بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُسَلِّمُ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّ اللامِ، ومَعْناهُ يَخْلُصُ ويُوَجِّهُ ويَسْتَسْلِمُ بِهِ، و"الوَجْهُ" هُنا الجارِحَةُ، اسْتُعِيرَ لِلْقَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ لِلشَّيْءِ فَهو مُسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلْمَعانِي، و"المُحْسِنُ" الَّذِي جَمَعَ القَوْلَ والعَمَلَ، وهو الَّذِي شَرَحَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"العُرْوَةُ الوُثْقى" هي اسْتِعارَةٌ لِلْأمْرِ المُنَجِّي الَّذِي لا يُخافُ عَلَيْهِ اسْتِحالَةٌ ولا إخْلالٌ، والعُرى مَوْضِعُ التَعْلِيقِ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ، و"الأُمُورُ" جَمْعُ أمْرٍ ولَيْسَ بِالمُضادِّ لِلنَّهْيِ.

ثُمَّ سَلّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن مَوْجِدَتِهِ لِكُفْرِ قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ، فَأمَرَهُ أنْ لا يَحْزَنَ لِذَلِكَ، بَلْ يَعْمَدُ لِما كَلَّفَهُ مِنَ التَبْلِيغِ ويَرْجِعُ الكُلُّ إلى اللهِ تَعالى.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُحْزِنْكَ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْزُنْكَ" مِنَ الثُلاثِيِّ، و"ذاتُ الصُدُورِ" ما فِيها، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ: إلى المُعْتَقَداتِ والآراءِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذُو بَطْنِ بِنْتُ خارِجَةٍ ".

و"المَتاعُ القَلِيلُ" هو العُمْرُ في الدُنْيا، و"العَذابُ الغَلِيظُ" مَعْناهُ: المُغْلِظُ المُؤْلِمُ.

ثُمَّ أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ في أمْرِ الأصْنامِ بِأنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خالِقُ المَخْلُوقاتِ، ويَدْعُونَ مَعَ ذَلِكَ إلَهًا غَيْرَهُ، والمَعْنى: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ظُهُورِ الحُجَّةِ عَلَيْكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ إضْرابٌ عن مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ لَيْسَ دَعْواهم بِحَقِّ، ونَحْوَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ "أكْثَرُهُمْ" ﴾ عَلى أصْلِهِ؛ لِأنَّ مِنهم مَن شَذَّ فِعْلُهم كَزَيْدِ بْنِ عَمْرُو بْنِ نُفَيْلِ ووَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ أيْضًا إلى مَن هو مُعَدٌّ أنْ يُسَلِّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الحُكْمِ وفَصْلِ القَضِيَّةِ بِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، أيْ: وأقْوالُ هَؤُلاءِ لا مَعْنى لَها ولا حَقِيقَةَ، والمَعْنى: الَّذِي لا حاجَةَ بِهِ في وُجُودِهِ وكَمالِهِ إلى شَيْءٍ، ولا نَقْصَ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، و"الحَمِيدُ" المَحْمُودُ، أيْ: كَذَلِكَ هو بِذاتِهِ وصِفاتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ [لقمان: 21] باعتبار أن ما وَجَدوا عليه آباءهم هو الإشراك مع الله في الإلهية، وإن سألهم سائل: مَن خلق السماوات والأرض يقولوا خلقهن الله، وذلك تسخيف لعقولهم التي تجمع بين الإقرار لله بالخلق وبين اعتقاد إلهية غيره.

والمراد بالسماوات والأرض: ما يشمل ما فيها من المخلوقات ومن بين ذلك حجارة الأصنام، وتقدم نظيرها في سورة العنكبوت.

وعبر هنا ب ﴿ لا يعلمون ﴾ وفي سورة (العنكبوت63) ب ﴿ لا يعقلون ﴾ تفنناً في المخالفة بين القصتين مع اتحاد المعْنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ الآيَةَ.

وَفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا إنَّما هو كَلامٌ يَعْنِي القُرْآنَ يُوشِكُ أنْ يَنْفَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ يَعْنِي أنَّهُ لَوْ كانَ شَجَرُ البُرِّ أقْلامًا ومَعَ البَحْرِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مِدادًا لَتَكَسَّرَتِ الأقْلامُ ونَفِدُ ماءُ البُحُورِ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ عَجائِبُ رَبِّي وحِكْمَتُهُ وعِلْمُهُ.

الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ قالَتْ لَهُ أحْبارُ اليَهُودِ: يا مُحَمَّدُ أرَأيْتَ قَوْلَكَ: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ إيّانا تُرِيدُ أمْ قَوْمَكَ؟

قالَ: (كُلٌّ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا أنْتُمْ وهُمْ) قالُوا: فَإنَّكَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ مِنَ اللَّهِ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (إنَّها في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» وَمَعْنى: ﴿ يَمُدُّهُ ﴾ أيْ يَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيُقالُ في الزِّيادَةِ مَدَدْتُهُ وفي المَعُونَةِ أمْدَدْتُهُ.

﴿ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ ونَفادُ الشَّيْءِ هو فَناءُ آخِرِهِ بَعْدَ نَفادِ أوَّلِهِ فَلا يُقالُ لِما فَنِيَ جُمْلَةً: نَفِدَ.

وَفِي ﴿ كَلِماتُ اللَّهِ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نِعَمُ اللَّهِ عَلى أهْلِ طاعَتِهِ في الجَنَّةِ.

الثّانِي: عَلى أصْنافِ خَلْقِهِ.

الثّالِثُ: جَمِيعُ ما قَضاهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن أُمُورِ خَلْقِهِ.

الرّابِعُ: أنَّها عِلْمُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يُقالُ إنَّها «نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وأبِي الأشَدَّيْنِ ومُنَبِّهٍ ونَبِيهٍ ابْنَيِ الحَجّاجِ بْنِ السَّبّاقِ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ثُمَّ تَقُولُ إنّا نَبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا جَمِيعًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛» لِأنَّ اللَّهَ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ ما يَصْعُبُ عَلى العِبادِ وخَلْقِهِ لِجَمِيعِ العالَمِ كَخَلْقِهِ لِنَفْسٍ واحِدَةٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ، بَصِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء رضي الله عنه قال: «سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هذه من كنوز علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما الظاهرة؛ فما سوى من خلقك، وأما الباطنة؛ فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: «أما الظاهرة؛ فالإِسلام وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة؛ فما ستر من مساوي عملك، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول: ثلاث جعلتهن للمؤمن: صلاة المؤمنين عليه من بعده.

وجعلت له ثلث ماله أكفر عنه من خطاياه.

وسترت عليه من مساوي عمله، فلم أفضحه بشيء منها، ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: النعمة الظاهرة: الإِسلام.

والنعمة الباطنة: كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هي لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لو كانت نعمة كانت نعمة دون نعمة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لا إله إلا الله ظاهرة قال: على اللسان ﴿ وباطنة ﴾ قال: في القلب.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ نعمه ظاهرة ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وباطنة ﴾ قال: ستره عليكم المعاصي.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: أما الظاهرة: فالإِسلام.

والقرآن، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ وما بعده ذكر في العنكبوت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم.

ثم يخرج قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين: أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك.

أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة.

على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم.

ويكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ مقطوعاً مفصولا من قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أولئك، وذلك لا يصلح.

ثم قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم.

والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظر والتفكر في أسباب العلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

كأنه يخبرهم ويذكر[هم]: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة.

أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ : الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته.

وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؟

وما قصته؟

وما أمره؟

حتى أنزل هذا، لكن ابن عباس -  - يقول: إن اليهود - أعداء الله - سألوا رسول الله  عن الروح وما هو؟

فنزل: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ﴾ أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ، أي: يسيراً في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟!

قال: فنزل ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ ، يقول: تبرى الشجرة أقلاماً، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مداداً يكتب بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم.

ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك.

أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟!

فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاماً والبحار مداداً، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفذ ذلك كله ولم ينفذ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم بذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفراً من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحماً، ثم تزعم أنا نبعث خلقاً جديداً في ساعة واحدة؟!

فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ ﴾ أيها الناس جميعاً على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ ، لقولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ ، بأمر الخلق والبعث.

وجائز أن يكون قال: هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم [من] الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ  ﴾ ، وكقولهم: - حيث قالوا -: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً...

﴾ الآية [النساء: 153]، وكقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعاً إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك.

أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.

أو أن يذكر [هذا]؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير [و]ما كان وما يكون تحت قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ : كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لذلك؛ ﴿ بَصِيرٌ ﴾ عالم لذلك.

أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ .

يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ وفيه دلالة البعث.

أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء؛ وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة.

ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره.

ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث.

وقوله: ﴿ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ، ظاهراً وباطناً هذا وعيد؛ ليكونوا أبداً خائفين حذرين متيقظين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسيمة الألوهية والعبادة.

﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة.

أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : لا ينفعكم عبادتكم إياها.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين: مَنْ خلق السماوات، ومن خلق الأرض؟

ليقولن: خلقهنّ الله، قل لهم: الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، بل معظمهم لا يعلمون من يستحقّ الحمد لجهلهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.JgBJE"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل