الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٤٠ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 185 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) ، نهى [ تعالى ] أن يقال بعد هذا : " زيد بن محمد " أي : لم يكن أباه وإن كان قد تبناه ، فإنه ، صلوات الله عليه وسلامه ، لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم; فإنه ولد له القاسم ، والطيب ، والطاهر ، من خديجة فماتوا صغارا ، وولد له إبراهيم من مارية القبطية ، فمات أيضا رضيعا ، وكان له من خديجة أربع بنات : زينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، رضي الله عنهم أجمعين ، فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به ، صلوات الله وسلامه عليه ، ثم ماتت بعده لستة أشهر .
وقوله : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ) كقوله : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده ، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول [ بعده ] بطريق الأولى والأحرى; لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة ، فإن كل رسول نبي ، ولا ينعكس .
وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر الأزدي ، حدثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها ، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها ، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ، ويقولون : لو تم موضع هذه اللبنة ؟
فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة " .
ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن أبي عامر العقدي ، به ، وقال : حسن صحيح .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا المختار بن فلفل ، حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي .
" قال : فشق ذلك على الناس قال : قال : ولكن المبشرات " .
قالوا : يا رسول الله ، وما المبشرات ؟
قال : " رؤيا الرجل المسلم ، وهي جزء من أجزاء النبوة " .
وهكذا روى الترمذي عن الحسن بن محمد الزعفراني ، عن عفان بن مسلم ، به وقال : صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل .
حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا سليم بن حيان ، عن سعيد بن ميناء ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة ، فكان من دخلها فنظر إليها قال : ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة!
فأنا موضع اللبنة ، ختم بي الأنبياء ، عليهم السلام " .
ورواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي من طرق ، عن سليم بن حيان ، به .
وقال الترمذي : صحيح غريب من هذا الوجه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل النبيين [ من قبلي ] كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لبنة واحدة ، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة " .
انفرد بإخراجه مسلم من رواية الأعمش ، به .
حديث آخر : قال [ الإمام ] أحمد : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال : سمعت أبا الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نبوة بعدي إلا المبشرات " .
قال : قيل : وما المبشرات يا رسول الله ؟
قال : " الرؤيا الحسنة - أو قال - الرؤيا الصالحة .
" حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأكملها وأجملها ، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون : ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك ؟!
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فكنت أنا اللبنة " .
أخرجاه من حديث عبد الرزاق .
حديث آخر : عن أبي هريرة أيضا : قال الإمام مسلم : حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون " .
ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث إسماعيل بن جعفر ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي ، كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة ، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة " .
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي ، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي ، عن العرباض بن سارية قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته .
" حديث آخر : قال الزهري : أخبرني محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن لي أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي .
" أخرجاه في الصحيحين .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن عبد الرحمن بن جبير قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع ، فقال : " أنا محمد النبي الأمي - ثلاثا - ولا نبي بعدي ، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه ، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش ، وتجوز بي ، وعوفيت وعوفيت أمتي; فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم ، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله ، أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه " .
تفرد به الإمام أحمد .
ورواه [ الإمام ] أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق ، عن ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن عبد الله بن مريج الخولاني ، عن أبي قيس - مولى عمرو بن العاص - عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله سواء .
والأحاديث في هذا كثيرة ، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ، صلوات الله وسلامه عليه ، إليهم ، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الدين الحنيف له .
وقد أخبر تعالى في كتابه ، ورسوله في السنة المتواترة عنه : أنه لا نبي بعده; ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك ، دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات ، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب ، كما أجرى الله ، سبحانه وتعالى ، على يد الأسود العنسي باليمن ، ومسيلمة الكذاب باليمامة ، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ، ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان ، لعنهما الله .
وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال ، [ فكل واحد من هؤلاء الكذابين ] يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها .
وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه ، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق ، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم ، كما قال تعالى : ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ) الآية [ الشعراء : 221 ، 222 ] .
وهذا بخلاف الأنبياء ، عليهم السلام ، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة [ والعدل ] فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه ، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات ، والأدلة الواضحات ، والبراهين الباهرات ، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسماوات .
القول في تأويل قوله تعالى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يقول تعالى ذكره: ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحد من رجالكم (2) الذين لم يلده محمد؛ فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، الذي ختم النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ) قال: نـزلت في زيد، إنه لم يكن بابنه، ولعمري ولقد ولد له ذكور؛ إنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر ( وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) أي: آخرهم ( وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ).
حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا علي بن قادم، قال: ثنا سفيان، عن &; 20-279 &; نسير بن ذعلوق، عن علي بن الحسين في قوله ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ) قال: نـزلت في زيد بن حارثة، والنصب في رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بمعنى تكرير كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والرفع بمعنى الاستئناف؛ ولكن هو رسول الله، والقراءة النصب عندنا.
واختلفت القراء في قراءة قوله (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) فقرأ ذلك قراء الأمصار سوى الحسن وعاصم بكسر التاء من خاتم النبيين، بمعنى: أنه ختم النبيين.
ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله (وَلَكِنَّ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبيِّينَ) فذلك دليل على صحة قراءة من قرأه بكسر التاء، بمعنى: أنه الذي ختم الأنبياء صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعليهم، وقرأ ذلك فيما يذكر الحسن وعاصم ( خَاتَمَ النَّبِيِّينَ) بفتح التاء، بمعنى: أنه آخر النبيين، كما قرأ (مَخْتُومٌ خَاتَمَهُ مِسْكٌ) بمعنى: آخره مسك من قرأ ذلك كذلك .
------------------------ الهوامش: (2) لعله: أي لم يلده ...
إلخ.
قوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما .فيه ثلاث مسائل :الأولى : لما تزوج زينب قال الناس : تزوج امرأة ابنه ، فنزلت الآية ، أي ليس هو بابنه حتى تحرم عليه حليلته ، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم ، وأن نساءه عليهم حرام .
فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم ، وأعلم أن محمدا لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة .
ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد ، فقد ولد له ذكور .
إبراهيم ، والقاسم ، والطيب ، والمطهر ، ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا .
وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ، ولم يكونا رجلين معاصرين له .الثانية : قوله تعالى : ولكن رسول الله قال الأخفش والفراء : أي ولكن كان رسول الله .
وأجازا ( ولكن رسول الله وخاتم ) بالرفع .
وكذلك قرأ ابن أبي عبلة وبعض الناس ( ولكن رسول الله ) بالرفع ، على معنى هو رسول الله وخاتم النبيين .
وقرأت فرقة ( ولكن ) بتشديد النون ، ونصب ( رسول الله ) على أنه اسم ( لكن ) والخبر محذوف ، و ( خاتم ) قرأ عاصم وحده بفتح التاء ، بمعنى أنهم به ختموا ، فهو كالخاتم والطابع لهم .
وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم ، أي جاء آخرهم .
وقيل : الخاتم والخاتم لغتان ، مثل طابع وطابع ، ودانق ودانق ، وطابق من اللحم وطابق .الثالثة : قال ابن عطية : هذه الألفاظ عنه جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا متلقاة على العموم التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية : من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف .
وما ذكره الغزالي في هذه الآية ، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد ، إلحاد عندي ، وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوة ، فالحذر الحذر منه !
والله الهادي برحمته .قلت : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله ) .
قال أبو عمر : يعني الرؤيا - والله أعلم - التي هي جزء منها ، كما قال عليه السلام : ليس يبقى بعدي من [ ص: 179 ] النبوة إلا الرؤيا الصالحة .
وقرأ ابن مسعود ( من رجالكم ولكن نبيا ختم النبيين ) .
قال الرماني : ختم به عليه الصلاة والسلام الاستصلاح ، فمن لم يصلح به فميئوس من صلاحه .قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .
وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء .
ونحوه عن أبي هريرة ، غير أنه قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين .
أي: لم يكن الرسول { مُحَمَّدٌ ْ} صلى اللّه عليه وسلم { أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ْ} أيها الأمة فقطع انتساب زيد بن حارثة منه، من هذا الباب.ولما كان هذا النفي عامًّا في جميع الأحوال، إن حمل ظاهر اللفظ على ظاهره، أي: لا أبوة نسب، ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم، فاحترز أن يدخل في هذا النوع، بعموم النهي المذكور، فقال: { وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ْ} أي: هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع، المهتدى به، المؤمن له الذي يجب تقديم محبته، على محبة كل أحد، الناصح الذي لهم، أي: للمؤمنين، من بره [ونصحه] كأنه أب لهم.{ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ْ} أي: قد أحاط علمه بجميع الأشياء، ويعلم حيث يجعل رسالاته، ومن يصلح لفضله، ومن لا يصلح.
( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) يعني : زيد بن حارثة ، أي : ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها .
فإن قيل : أليس أنه كان له أبناء : القاسم ، والطيب ، والطاهر ، وإبراهيم ، وكذلك : الحسن والحسين ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للحسن : إن ابني هذا سيد ؟
.
قيل : هؤلاء كانوا صغارا لم يكونوا رجالا .
والصحيح ما قلنا : إنه أراد أبا أحد من رجالكم .
( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) ختم الله به النبوة ، وقرأ عاصم : " خاتم " بفتح التاء على الاسم ، أي : آخرهم ، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل ، لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم .
قال ابن عباس : يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا .
وروي عن عطاء عن ابن عباس : أن الله تعالى لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا ( وكان الله بكل شيء عليما ) أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد الخذاشاهي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم ، حدثنا أبكر الجوربذي ، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس عن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة قال : كان أبو هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ، ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ، ختم بي البنيان وختم بي الرسل " .
أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا علي بن أحمد الخزاعي ، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، وغير واحد قالوا ، أخبرنا سفيان عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لي أسماء أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي ، يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب ، والعاقب الذي ليس بعده نبي " .
«ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» فليس أبا زيد: أي والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب «ولكن» كان «رسول الله وخاتِم النبيين» فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختم: أي به ختموا «وكان الله بكل شيءٍ عليما» منه بأن لا نبيّ بعده وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته.
ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة.
وكان الله بكل شيء من أعمالكم عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
ثم حدد - سبحانه - وظيفته رسوله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه بما هو أهله ، فقال - تعالى - : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ) أى : لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقة ، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإِرث ، والنفقة والزواج .
.
.
.
وزيد كذلك ليس ابنا له صلى الله عليه وسلم فزواجه صلى الله عليه وسلم بزينب التى طلقها زيد لا حرج فيه ، ولا شبهة فى صحته ، وقوله : ( ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين ) استدراك لبيان وظيفته وفضله .أى : لم يكن صلى الله عليه وسلم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة ، ولكنه كان رسولا من عند الله - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين ، بمعنى أنهم ختموا به ، فلا نبى بعده ، فهو كالخاتَم والطابَع لهم .
ختم الله - تعالى - به الرسول والأنبياء ، فلا رسول ولا نبى بعده إلى قيام الساعة .قال القرطبى : قرأ الجمهور ( وَخَاتَمَ ) - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم ، أى : جاء آخرهم .وقرأ عاصم ( وخاتم ) - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به ، فهو كالخاتم والطابع لهم .وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان ، مثل طابع وطابع .
.وقد روى الإِمام مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخولنها ويتعدبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار ، هلا وضعت هذه اللبنة؟
قال صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " .وقد ذكر الإِمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بى النبيون " .ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث فى هذا كثيرة ، فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الحنيف له ، وقد أخبر - تعالى - فى كتابه ، وأخبر رسوله فى السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبى بعده ، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم .
.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .أى : وكان - عز وجل - وما زال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ينفعهم ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات ، واختار رسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه .
لما بين الله ما في تزوج النبي عليه السلام بزينب من الفوائد بين أنه كان خالياً من وجوه المفاسد، وذلك لأن ما كان يتوهم من المفسدة كان منحصراً في التزوج بزوجة الابن فإنه غير جائز فقال الله تعالى إن زيداً لم يكن ابناً له لا بل أحد الرجال لم يكن ابن محمد، فإن قائل النبي كان أبا أحد من الرجال لأن الرجل اسم الذكر من أولاد آدم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء ﴾ والصبي داخل فيه، فنقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الرجل في الاستعمال يدخل في مفهومه الكبر والبلوغ ولم يكن للنبي عليه السلام ابن كبير يقال إنه رجل والثاني: هو أنه تعالى قال: ﴿ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ ووقت الخطاب لم يكن له ولد ذكر، ثم إنه تعالى لما نفى كونه أباً عقبه بما يدل على ثبوت ما هو في حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال: ﴿ ولكن رَّسُولَ الله ﴾ فإن رسول الله كالأب للأمة في الشفقة من جانبه، وفي التعظيم من طرفهم بل أقوى فإن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأب ليس كذلك، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم بقوله: ﴿ وَخَاتَمَ النبيين ﴾ وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئاً من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد وقوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْء عَلِيماً ﴾ يعني علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد صلى الله عليه وسلم بتزوجه بزوجة دعيه تكميلاً للشرع وذلك من حيث إن قول النبي صلى الله عليه وسلم يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يبقى في بعض النفوس نفرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حل أكل الضب ثم لما لم يأكله بقي في النفوس شيء ولما أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ أي لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح ﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ رَسُولِ الله ﴾ وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم.
ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير ﴿ و ﴾ كان ﴿ وخَاتَمَ النبيين ﴾ يعني أنه لو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال لكان نبياً ولم يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى: أنه قال في إبراهيم حين توفي: «لو عاش لكان نبياً» فإن قلت: أما كان أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم؟
قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: ﴿ مِّن رّجَالِكُمْ ﴾ من وجهين، أحدهما: أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال.
والثاني: أنه قد أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم.
فإن قلت: أما كان أبا للحسن والحسين؟
قلت: بلى، ولكنهما لم يكونا رجلين حينئذ، وهما أيضاً من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر: وهو أنه إنما قصد ولده خاصة، لا ولد ولده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَخَاتَمَ النبيين ﴾ ألا ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيّف أحدهما على الأربعين والآخر على الخمسين.
قرئ: ﴿ لكن رسول الله ﴾ بالنصب، عطفاً على ﴿ أَبَآ أَحَدٍ ﴾ بالرفع على: ولكن هو رسول الله، ولكنّ، بالتشديد على حذف الخبر، تقديره: ولكنّ رسول الله من عرفتموه، أي: لم يعش له ولد ذكر.
وخاتم بفتح التاء بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى الطابع وفاعل الختم.
وتقوّيه قراءة ابن مسعود: ولكنّ نبياً ختم النبيين.
فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟
قلت: معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد صلى الله عايه وسلم، مصلياً إلى قبلته، كأنه بعض أمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ فَيَثْبُتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ مِن حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ وغَيْرِها، ولا يَنْتَقِضُ عُمُومُهُ بِكَوْنِهِ أبًا لِلطّاهِرِ والقاسِمِ وإبْراهِيمَ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الرِّجالِ ولَوْ بَلَغُوا كانُوا رِجالَهُ لا رِجالَهم.
﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ لا مُطْلَقًا بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَفِيقٌ ناصِحٌ لَهم، واجِبُ التَّوْقِيرِ والطّاعَةِ عَلَيْهِمْ وزَيْدٌ مِنهم لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وِلادَةً.
وقُرِئَ «رَسُولُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولَكِنْ بِالتَّشْدِيدِ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ أيْ ولَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ مَن عَرَفْتُمْ أنَّهُ لَمْ يَعِشْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ.
﴿ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ وآخِرُهُمُ الَّذِي خَتَمَهم أوْ خُتِمُوا بِهِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِالفَتْحِ، ولَوْ كانَ لَهُ ابْنٌ بالِغٌ لاقَ بِمَنصِبِهِ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إبْراهِيمَ حِينَ تَوَفّى: «لَوْ عاشَ لَكانَ نَبِيًّا»، ولا يَقْدَحُ فِيهِ نُزُولُ عِيسى بَعْدَهُ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ كانَ عَلى دِينِهِ، مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ آخِرُ مَن نُبِّئَ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِأنْ يَخْتِمَ بِهِ النُّبُوَّةَ وكَيْفَ يَنْبَغِي شَأْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)
{ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} أي لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح والمراد من رجالكم البالغين والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ والطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم توفوا صبياناً {ولكن} كان {رَسُولِ الله} وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لافى سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة فكان حكمه كحكمكم والتبني من باب الاختصاص والتقريب لاغير {وَخَاتَمَ النبيين} بفتح التاء عاصم بمعنى الطابع أي آخرهم يعني لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبئ قبله وحين بنزل عاملا على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته وغيره بكسر التاء بمعنى الطابع وفاعل الختم وتقوّيه قراءة ابن مسعود ولكن نَبِيّاً خَتَمَ النبيين {وَكَانَ الله بِكُلّ شيء عليما}
﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ رَدٌّ لِمَنشَأِ خَشْيَتِهِ النّاسَ المُعاتَبِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ ﴾ وهو قَوْلُهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ اِبْنِهِ زَيْدٍ بِنَفْيِ كَوْنِ زَيْدٍ اِبْنَهُ الَّذِي يَحْرُمُ نِكاحُ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ بِضَمِّ الجِيمِ كَما هو المَشْهُورُ وسُكُونِهِ وهو عَلى ما في القامُوسِ الذَّكَرُ إذا اِحْتَلَمَ وشَبَّ أوْ هو رَجُلٌ ساعَةَ يُولَدُ، وفي بَعْضِ ظَواهِرِ الآياتِ والأخْبارِ ما هو مُؤَيِّدٌ لِلثّانِي نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ﴾ ونَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ»».
والبَحْثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأمْثِلَةِ لا يَدْفَعُ كَوْنَ الظّاهِرِ مِنها ذَلِكَ عِنْدَ المُنْصِفِ، وقَدْ يُذْكَرُ لِتَأْيِيدِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ ﴾ فَإنَّ الرِّجالَ فِيهِ لِلْبالِغِينَ، وفِيهِ بَحْثٌ، نَعَمْ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ -وهُوَ إمامٌ لَهُ قَدَمٌ راسِخَةٌ في اللُّغَةِ وغَيْرِها مِنَ العُلُومِ العَرَبِيَّةِ- يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ هو الذَّكَرُ البالِغُ، وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ رِجالٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادِ فَإنْ أُرِيدَ بِالرِّجالِ الذُّكُورُ البالِغُونَ فالمَعْنى ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن أبْنائِكم أيُّها النّاسُ الذُّكُورُ البالِغِينَ الَّذِينَ ولَدْتُمُوهُمْ، وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ الذُّكُورُ مُطْلَقًا فالمَعْنى ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن أبْنائِكُمُ الَّذِينَ ولَدْتُمُوهم مُطْلَقًا كِبارًا كانُوا أوْ صِغارًا.
والأبُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ في الوالِدِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، والمُرادُ بِالأُبُوَّةِ المَنفِيَّةِ هُنا الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها أحْكامُ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ مِنَ الإرْثِ ووُجُوبِ النَّفَقَةِ وحُرْمَةِ المُصاهَرَةِ سَواءٌ كانَتْ بِالوِلادَةِ أوْ بِالرِّضاعِ أوْ بِتَبَنِّي مَن يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وهو مَجْهُولُ النِّسَبِ فَحَيْثُ نُفِيَ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَتِ الأُبُوَّةُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ زَيْدًا أحَدٌ مِن رِجالِهِمْ تَحَقَّقَ نَفْيُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبًا لَهُ مُطْلَقًا، أمّا كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالوِلادَةِ فَمِمّا لا نِزاعَ فِيهِ ولَمْ يَتَوَهَّمْ أحَدٌ خِلافَهُ، ومِثْلُهُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالرِّضاعِ، وأمّا كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ أبًا لَهُ بِالتَّبَنِّي مَعَ تَحَقُّقِ تَبَنِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّ الأُبُوَّةَ بِالتَّبَنِّي الَّتِي نُفِيَتْ إنَّما هي الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وما كانَ مِنَ التَّبَنِّي لا يَسْتَتْبِعُها لِتَوَقُّفِها شَرْعًا عَلى شَرائِطَ، مِنها كَوْنُ المُتَبَنِّي مَجْهُولَ النِّسَبِ وذَلِكَ مُنْتَفٍ في زَيْدٍ فَقَدْ كانَ مَعْرُوفَ النِّسَبِ فِيما بَيْنَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّهُ اِبْنُ حارِثَةَ، وتَعْمِيمُ نَفِيِ أُبُوَّتِهِ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ بِحَيْثُ شَمِلَ نَفْيُ الأُبُوَّةِ بِالوِلادَةِ الأُبُوَّةَ بِالرِّضاعِ والأُبُوَّةَ بِالتَّبَنِّي مَعَ أنَّهُ لا كَلامَ في اِنْتِفاءِ الأُولَيَيْنِ، وإنَّما الكَلامُ في اِنْتِفاءِ الأخِيرَةِ فَقَطْ إذْ هي الَّتِي يَزْعُمُها مَن يَقُولُ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَوْجَةَ اِبْنِهِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الأُبُوَّةِ بِالتَّبَنِّي الَّتِي زَعَمُوا تَرَتُّبَ أحْكامِ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَيْها بِنَظْمِ ما خَفِيَ في سِلْكِ ما لا خَفاءَ فِيهِ أصْلًا.
ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ دُونَ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنَ الرِّجالِ أوْ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنكُمْ، ولَعَلَّهُ لِهَذا أيْضًا صَرَّحَ بِنَفْيِ أُبُوَّتِهِ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لِيُعْلَمَ مِنهُ نَفْيُ بُنُوَّةِ أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يَعْكِسِ الحالَ بِأنْ يُصَرِّحَ بِنَفْيِ بُنُوَّةِ أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُعْلَمَ نَفْيُ أُبُوَّتِهِ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ، ويُؤْتى بِما بَعْدُ عَلى وجْهٍ يَنْتَظِمُ مَعَ ما قَبْلُ وبِحَمْلِ الأُبُوَّةِ المَنفِيَّةِ عَلى الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْحَلُّ إشْكالٌ في الآيَةِ وهو أنَّ سِياقَها لِنَفْيِ أُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزَيْدٍ لِيُرَدَّ بِهِ عَلى مَن يَعْتَرِضُ عَلى النَّبِيِّ بِتَزَوُّجِهِ مُطَلَّقَتَهُ، فَإنْ أُرِيدَ بِالأُبُوَّةِ الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ وهي ما يَكُونُ بِالوِلادَةِ لَمْ تُلائِمِ السِّياقَ ولَمْ يَحْصُلْ بِها الرَّدُّ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ هو المَقْصُودُ إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَزْعُمُ ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ أبا زَيْدٍ بِالوِلادَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأُبُوَّةُ المَجازِيَّةُ الَّتِي تُحَقَّقُ بِالتَّبَنِّي ونَحْوِهِ فَنَفْيُها غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أبًا لِزَيْدٍ مَجازًا لِتَبَنِّيهِ إيّاهُ ولَمْ يَزَلْ زَيْدٌ يُدْعى بِابْنِ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ فَدَعَوْهُ حِينَئِذٍ بِابْنِ حارِثَةَ، ووَجْهُ اِنْحِلالِهِ بِما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بِالأُبُوَّةِ الأُبُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أنَّ هَذِهِ الأُبُوَّةَ تَكُونُ بِالوِلادَةِ وبِالرِّضاعِ وبِالتَّبَنِّي بِشَرْطِهِ وهي بِأنْواعِها غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ في زَيْدٍ، أمّا عَدَمُ تَحَقُّقِها بِالنَّوْعَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ تَحَقُّقِها بِالنَّوْعِ الأخِيرِ فَلِأنَّ التَّبَنِّيَ وإنْ وقَعَ إلّا أنَّ شَرْطَهُ الَّذِي بِهِ يَسْتَتْبِعُ الأُبُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَفْقُودٌ كَما عَلِمْتَ، وبِجَعْلِ إضافَةِ الرِّجالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ يَنْدَفِعُ اِسْتِشْكالُ النَّفْيِ المَذْكُورِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ وُلِدَ لَهُ عِدَّةُ ذُكُورٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ النَّفْيُ لِأنَّ مَن وُلِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مُضافًا لِلْمُخاطِبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ بَلْ هو مُضافٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِهِ، ومَن خَصَّ الرِّجالَ بِالبالِغِينَ قالَ: لا يَنْتَقِضُ العُمُومُ بِذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ مَن وُلِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ماتَ صَغِيرًا ولَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الرِّجالِ، وقِيلَ: لا إشْكالَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ اِبْنٌ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اِبْنِ الأثِيرِ في تارِيخِ الكامِلِ السَّنَةَ الخامِسَةَ مِنَ الهِجْرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ بِزَيْنَبَ، ومَن وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ مِمَّنْ عَدا إبْراهِيمَ فَإنَّما وُلِدَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وتُوُفِّيَ فِيها، وإبْراهِيمُ وإنْ وُلِدَ بِالمَدِينَةِ لَكِنْ وُلِدَ السَّنَةَ الثّامِنَةَ مِنَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ النُّزُولِ بَلْ بَعْدَهُ، وهو كَما تَرى.
وكَما اِسْتَشْكَلَ النَّفْيُ بِما ذُكِرَ اِسْتَشْكَلَ بِالحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ كانَ النَّبِيُّ أبًا لَهُما حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، ولَمْ يَرْتَضِ بَعْضُهم هُنا الجَوابَ بِخُرُوجِهِما بِالإضافَةِ لِأنَّ لَهُما نِسْبَةً إلى المُخاطِبِينَ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ لِدُخُولِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فِيهِمْ وهُما ولَداهُ، وارْتَضاهُ آخَرُ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلِاخْتِصاصِ بِاعْتِبارِ الوِلادَةِ ولا اِخْتِصاصَ لِلْحَسَنَيْنِ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِاعْتِبارِها لَمّا أنَّهُما ولَدا رَسُولِ اللَّهِ أيْضًا لَكِنْ بِالواسِطَةِ، فَإنْ قُبِلَ هَذا فَذاكَ وإلّا فالجَوابُ، أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالرِّجالِ البالِغُونَ ولَمْ يَكُونا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَوْمَ النُّزُولِ كَذَلِكَ فَإنَّ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وُلِدَ السَّنَةَ الثّالِثَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وُلِدَ السَّنَةَ الرّابِعَةَ مِنها لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن شَعْبانَ وقَدْ عَلِقَتْ بِهِ أُمُّهُ عَقِبَ وِلادَةِ أخِيهِ بِخَمْسِينَ لَيْلَةً أوْ أقَلَّ وكانَ النُّزُولُ بَعْدَ وِلادَتِهِما عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِالأبِ في الآيَةِ الأبُ الصُّلْبُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أباهُما كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ سِوى نَفْيِ أُبُوَّتِهِ لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ بِالتَّبَنِّي لِتَنْتَفِيَ أُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزَيْدٍ الَّتِي يَزْعُمُها المُعْتَرِضُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم كَما زَعَمْتُمْ حَيْثُ قُلْتُمْ إنَّهُ أبُو زَيْدٍ لِتَبَنِّيهِ إيّاهُ وهي ساكِتَةٌ عَنْ نَفْيِ أُبُوَّتِهِ لِأحَدٍ بِالوِلادَةِ أوْ بِالرِّضاعِ وعَنْ إثْباتِها، فَلا سُؤالَ بِمَن وُلِدَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ ولا بِالحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولا جَوابَ، وإلى اِخْتِيارِ هَذا يَمِيلُ كَلامُ أبِي حَيّانَ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو المُؤْمِنِينَ حَكاهُ صاحِبُ الرَّوْضَةِ، ثُمَّ قالَ: ونَصَّ الشّافِعِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ أبُو المُؤْمِنِينَ أيْ في الحُرْمَةِ ونَحْوِها، وقالَ الرّاغِبُ بَعْدَ أنْ قالَ الأبُ الوالِدُ ما نَصُّهُ: ويُسَمّى كُلُّ مَن كانَ سَبَبًا في إيجادِ شَيْءٍ أوْ إصْلاحِهِ أوْ ظُهُورِهِ أبًا ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّبِيُّ أبا المُؤْمِنِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ وفي بَعْضِ القِراءاتِ «وهُوَ أبٌ لَهُمْ».
ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «أنا وأنْتَ أبَوا هَذِهِ الأُمَّةِ»» وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ««كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا سَبَبِي ونَسَبِي»» اه، فَلا تَغْفُلْ.
وعَلى جَوازِ الإطْلاقِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ اِسْتِدْراكٌ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِمْ عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ ونَحْوَها إلى إثْباتِ كَوْنِهِ أبًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ فِيما يَرْجِعُ إلى وُجُوبِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ لَهُ ووُجُوبِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ لَهم عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ كُلَّ رَسُولٍ أبٌ لِأُمَّتِهِ فِيما يَرْجِعُ إلى ذَلِكَ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اِسْتِدْراكٌ مِن نَفْيِ الأُبُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ ونَحْوُها إلى إثْباتِ الأُبُوَّةِ المَجازِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْتَضِي التَّوْقِيرَ مِن جانِبِهِمْ والشَّفَقَةَ مِن جانِبِهِ وقِيلَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْراكِ أيْضًا إنَّهُ لَمّا نُفِيَتْ أُبُوَّتُهُ لِأحَدٍ مِن رِجالِهِمْ مَعَ اِشْتِهارِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ أبٌ لِأُمَّتِهِ ولِذا قِيلَ: إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ المُؤْمِناتِ مِن أمَتِّهِ، يُتَوَهَّمُ نَفْيُ رِسالَتِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ التَّلازُمِ بَيْنَ الأُبُوَّةِ والرِّسالَةِ فاسْتَدْرَكٌ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُبُوَّةَ المَنفِيَّةَ شَيْءٌ والمُثْبَتَةَ لِلرَّسُولِ شَيْءٌ آخَرُ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِيُشِيرَ إلى كَمالِ نُصْحِهِ وشَفَقَتِهِ فَيُفِيدُ أنَّ أُبُوَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْأُمَّةِ المُشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أُبُوَّةٌ كامِلَةٌ فَوْقَ أُبُوَّةِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأُمَمِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ رَسُولٌ رُبَّما لا يَبْلُغُ في الشَّفَقَةِ غايَتَها وفي النَّصِيحَةِ نِهايَتَها اِتِّكالًا عَلى مَن يَأْتِي بَعْدَهُ كالوالِدِ الحَقِيقِيِّ إذا عُلِمَ أنَّ لِوَلَدِهِ بَعْدَهُ مَن يَقُومُ مَقامَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى اِمْتِدادِ تِلْكَ الأُبُوَّةِ المُشارِ إلَيْها بِما قَبْلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ بِحَيْثُ تَثْبُتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ ولَكِنْ كانَ أبا كُلِّ واحِدٍ مِنكم وأبا أبْنائِكم وأبْناءِ أبْنائِكم وهَكَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ لَهُ عَلَيْكم وعَلى مَن تَناسَلَ مِنكُمُ اِحْتِرامُهُ وتَوْقِيرُهُ ويَجِبُ عَلَيْهِ لَكم ولِمَن تَناسَلَ مِنكُمُ الشَّفَقَةُ والنُّصْحُ الكامِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن رِجالِكُمْ ﴾ مِن أنَّهُ يَكُونُ أبا أحَدٍ مِن رِجالِهِ الَّذِينَ وُلِدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُولَدَ لَهُ ذَكَرٌ فَيَعِيشُ حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعِيشُ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ حَتّى يَبْلُغَ لِأنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكانَ مَنصِبُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَلا يَكُونُ هو خاتَمَ النَّبِيِّينَ ويُرادُ بِالأبِ عَلَيْهِ الأبُ الصُّلْبُ لِئَلّا يُعْتَرَضَ بِالحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ودَلِيلُ الشَّرْطِيَّةِ ما رَواهُ إبْراهِيمُ السُّدِّيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ - يَعْنِي اِبْنَ النَّبِيِّ - قَدْ مَلَأ المَهْدَ ولَوْ بَقِيَ لَكانَ نَبِيًّا لَكِنْ لَمْ يَبْقَ لِأنَّ نَبِيَّكم آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجاءَ نَحْوُهُ في رِواياتٍ أُخَرَ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: رَأيْتَ إبْراهِيمَ اِبْنَ النَّبِيِّ ؟
قالَ: ماتَ صَغِيرًا، ولَوْ قَضى بَعْدَ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ عاشَ اِبْنُهُ إبْراهِيمُ ولَكِنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ وكِيعٍ عَنْ إسْماعِيلَ سَمِعْتُ اِبْنَ أبِي أوْفى يَقُولُ: لَوْ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ نَبِيٌّ ما ماتَ اِبْنُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ «لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ اِبْنُ النَّبِيِّ وقالَ: «إنَّ لَهُ مُرْضِعًا في الجَنَّةِ، ولَوْ عاشَ لَكانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، ولَوْ عاشَ لَأُعْتِقَتْ أخْوالُهُ مِنَ القِبْطِ وما اِسْتَرَقَ قِبْطِيٌّ»» وفِي سَنَدِهِ أبُو شَيْبَةَ إبْراهِيمُ بْنُ عُثْمانَ الواسِطِيُّ وهو عَلى ما قالَ القَسْطَلانِيُّ ضَعِيفٌ، ومِن طَرِيقِهِ أخْرَجَهُ اِبْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ، وقالَ: إنَّهُ غَرِيبٌ، وكَأنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذا الخَبَرِ المَرْفُوعِ أوْ نَحْوِهِ أوْ وقَفَ عَلَيْهِ ولَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فَقالَ في تَهْذِيبِ الأسْماءِ واللُّغاتِ: وأمّا ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ: لَوْ عاشَ إبْراهِيمُ لَكانَ نَبِيًّا فَباطِلٌ وجَسارَةٌ عَلى الكَلامِ عَلى المُغَيَّباتِ ومُجازَفَةٌ وهُجُومٌ عَلى عَظِيمٍ، ومِثْلُهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ فَقَدْ قالَ في التَّمْهِيدِ: لا أدْرِي ما هَذا فَقَدْ ولَدَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ نَبِيٍّ، ولَوْ لَمْ يَلِدِ النَّبِيُّ إلّا نَبِيًّا لَكانَ كُلُّ أحَدٍ نَبِيًّا لِأنَّهم مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنا أقُولُ: لا يُظَنُّ بِالصَّحابِيِّ الهُجُومُ عَلى الأخْبارِ عَنْ مِثْلِ هَذا الأمْرِ بِالظَّنِّ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ إلّا عَنْ تَوْقِيفٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ، وإذا صَحَّ حَدِيثُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المَرْفُوعُ اِرْتَفَعَ الخِصامُ، لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الأمْرَ في إبْراهِيمَ خاصَّةً بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَوْ عاشَ لَجَعَلَهُ جَلَّ وعَلا نَبِيًّا لا لِكَوْنِهِ اِبْنَ النَّبِيِّ بَلْ لِأمْرٍ هو جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ أعْلَمُ و ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ وحِينَئِذٍ يُرَدُّ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ أعْنِي قَوْلَهُ لِأنَّهُ: لَوْ بَلَغَ لَكانَ مَنصِبُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، مَنعٌ ظاهِرٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي سِيقَ فِيما سَبَقَ لا يُثْبِتُها لِما أنَّ ظاهِرَهُ الخُصُوصُ فَيَجُوزُ أنْ يَبْلُغَ ولَدٌ ذَكَرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ إبْراهِيمَ ولا يَكُونُ نَبِيًّا لِعَدَمِ أهْلِيَّتِهِ لِلنُّبُوَّةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَوْ عاشَ.
وقَوْلُ بَعْضِ الأفاضِلِ: لَيْسَ مَبْنًى تِلْكَ الشُّرْطِيَّةِ عَلى اللُّزُومِ العَقْلِيِّ والقِياسِ المَنطِقِيِّ بَلْ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ وهي أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أكْرَمَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِجَعْلِ أوْلادِهِمْ أنْبِياءَ كالخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبِيُّنا أكْرَمُهم عَلَيْهِ وأفْضَلُهم عِنْدَهُ فَلَوْ عاشَ أوْلادُهُ اِقْتَضى تَشْرِيفُ اللَّهِ تَعالى لَهُ وأفْضَلِيَّتُهُ عِنْدَهُ ذَلِكَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنّا نَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِن إكْرامِ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِنُبُوَّةِ الأوْلادِ وكَوْنِ نَبِيِّنا أكْرَمَهم وأفْضَلَهُمِ اِقْتِضاءُ التَّشْرِيفِ والأفْضَلِيَّةِ نُبُوَّةَ أوْلادِهِ لَوْ عاشُوا وبَلَغُوا لِيُقالَ إنَّ حِكْمَةَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ لِكَوْنِها أجَلَّ وأعْظَمَ مَنَعَتْ مِن أنْ يَعِيشُوا فَيُنَبَّؤُوا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَ بَعْضَ الرُّسُلِ بِجَعْلِ بَعْضِ أقارِبِهِمْ في حَياتِهِمْ وبَعْدَ مَماتِهِمْ أنْبِياءَ مُعِينِينَ لَهم ومُؤَيِّدِينَ لِشَرِيعَتِهِمْ غَيْرَ مُخالِفِينَ لَها في أصْلٍ أوْ فَرْعٍ كَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُهم وأفْضَلُهم ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عُوِّضَ عَنْهُ بِأنْ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ مِن أقارِبِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ عُلَماءَ أجِلّاءَ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي»».
قُلْنا: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُبْقِيَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلادًا ذُكُورًا بالِغِينَ ويُعَوِّضَهُ عَنْ نُبُوَّتِهِمُ الَّتِي مَنَعَتْ عَنْها حِكْمَةُ الخاتَمِيَّةِ نَحْوَ ما عَوَّضَهُ عَنْ نُبُوَّةِ بَعْضِ أقارِبِهِ الَّتِي مَنَعَتْ عَنْها تِلْكَ الحِكْمَةُ، وذَلِكَ أقْرَبُ لِمُقْتَضى التَّشْرِيفِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُلازَمَةُ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الآيَةِ لِأنَّهُ لَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْراكِ مَعْنًى إذْ لَكِنْ تَتَوَسَّطُ بَيْنَ مُتَقابِلِينَ فَلا بُدَّ مِن مُنافاةِ بُنُوَّتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وهو إنَّما يَكُونُ بِاسْتِلْزامِ بُنُوَّتِهِمْ نُبُوَّتَهُمْ، ولا يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ كَما يُتَوَهَّمُ لِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ رِسالَتُهم لَكانَتْ إمّا في عَصْرِهِ وهي تُنافِي رِسالَتَهُ، أوْ بَعْدَهُ وهي تُنافِي خاتَمِيَّتَهُ اه.
وفِيهِ أنَّ المُلازِمَةَ في قَوْلِهِ: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْراكِ مَعْنًى، مَمْنُوعَةٌ، والدَّلِيلُ المَذْكُورُ لَمْ يُثْبِتْها لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، عَلى أنَّ فِيما ذَكَرَهُ بَعْدُ ما لا يَخْفى، وقِيلَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْراكِ: إنَّهُ لَمّا كانَ عَدَمُ النَّسْلِ مِنَ الذُّكُورِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَبْقى حُكْمُهُ ولا يَدُومُ ذِكْرُهُ اُسْتُدْرِكَ بِما ذُكِرَ وهو كَما تَرى.
وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ الِاسْتِدْراكُ بِ لَكِنْ هُنا بِمَعْنى رَفْعِ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن أوَّلِ الكَلامِ كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ كَرِيمًا لَكِنْ شُجاعًا بَلْ بِمَعْنى أنْ يَثْبُتَ لِما بَعْدَها حُكْمٌ مُخالِفٌ لِما قَبْلَها نَحْوُ: ما هَذا ساكِنًا لَكِنْ مُتَحَرِّكًا، وما هَذا أبْيَضَ لَكِنْ أسْوَدَ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في بَعْضِ آيِ الكِتابِ الكَرِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فَإنَّ نَفْيَ السَّفاهَةِ لا يُوهِمُ اِنْتِفاءَ الرِّسالَةِ ولا اِنْتِفاءَ ما يَلْزَمُها مِنَ الهُدى والتَّقْوى حَتّى يُجْعَلَ اِسْتِدْراكًا بِالمَعْنى الأوَّلِ، اه فَلْيُتَأمَّلْ.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ اِبْنَ حَجَرٍ الهَيْتَمِيَّ قالَ في (فَتاواهُ الحَدِيثِيَّةِ): إنَّهُ لا بُعْدَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ لِإبْراهِيمَ اِبْنِ النَّبِيِّ في صِغَرِهِ وقَدْ ثَبُتَ في الصِّغَرِ لِعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ كَلامًا في حَدِيثِ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» حاصِلُهُ أنَّ حَقِيقَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَكُونُ مِن قَبْلِ آدَمَ آتاها اللَّهُ تَعالى النُّبُوَّةَ بِأنْ خَلَقَها مُهَيَّأةً لَها وأفاضَها عَلَيْها مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وصارَ نَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: وبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ نُبُوَّةِ سَيِّدِنا إبْراهِيمَ في حالِ صِغَرِهِ، اه وفِيهِ بَحْثٌ.
وخَبَرُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أدْخَلَ يَدَهُ في قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ وقالَ: «أما واَللَّهِ إنَّهُ لَنَبِيٌّ اِبْنُ نَبِيٍّ»» في سَنَدِهِ مَن لَيْسَ بِالقَوِيِّ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِيُتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهِ.
والخاتَمُ اِسْمُ آلَةٍ لِما يُخْتَمُ بِهِ كالطّابَعِ لِما يُطْبَعُ بِهِ فَمَعْنى خاتَمُ النَّبِيِّينَ الَّذِي خَتَمَ النَّبِيُّونَ بِهِ ومَآلُهُ آخِرُ النَّبِيِّينَ، وقالَ المُبَرِّدُ: «خاتَمَ» فِعْلٌ ماضٍ عَلى فاعِلٍ وهو في مَعْنى خَتَمَ النَّبِيِّينَ فَ (النَّبِيِّينَ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ «وخاتِمَ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ فاعِلٍ أيِ الَّذِي خَتَمَ النَّبِيِّينَ، والمُرادُ بِهِ آخِرُهم أيْضًا، وفي حَرْفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ: ولَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبِيِّينَ، والمُرادُ بِالنَّبِيِّ ما هو أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ فَيَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ كَوْنُهُ خاتَمَ المُرْسَلِينَ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَهُمِ اِنْقِطاعُ حُدُوثِ وصْفِ النُّبُوَّةِ في أحَدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ بَعْدَ تَحَلِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها في هَذِهِ النَّشْأةِ.
ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ واشْتُهِرَتْ فِيهِ الأخْبارُ ولَعَلَّها بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ ونَطَقَ بِهِ الكُتّابُ عَلى قَوْلٍ ووَجَبَ الإيمانُ بِهِ وأُكْفِرَ مُنْكَرُهُ كالفَلاسِفَةِ مِن نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ آخِرَ الزَّمانِ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا قَبْلَ تَحَلِّي نَبِيِّنا بِالنُّبُوَّةِ في هَذِهِ النَّشْأةِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في بَقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ وبَقائِهِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يَنْزِلُ باقٍ عَلى نَبُّوتِهِ السّابِقِةِ لَمْ يُعْزَلْ عَنْها قالَ لَكِنَّهُ لا يُتَعَبَّدُ بِها لِنَسْخِها في حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ وتَكْلِيفِهِ بِأحْكامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أصْلًا وفَرْعًا فَلا يَكُونُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْيٌ ولا نَصْبُ أحْكامٍ بَلْ يَكُونُ خَلِيفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ وحاكِمًا مِن حُكّامِ مِلَّتِهِ بَيْنَ أُمَّتِهِ بِما عَلَّمَهُ في السَّماءِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في بَعْضِ الآثارِ أوْ يُنْظَرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُقَصِّرُ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهادِ المُؤَدِّي إلى اِسْتِنْباطِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أيّامَ مُكْثِهِ في الأرْضِ مِنَ الأحْكامِ وكَسْرِهِ الصَّلِيبَ وقَتْلِهِ الخِنْزِيرَ ووَضْعِهِ الجِزْيَةَ وعَدَمِ قَبُولِها مِمّا عُلِمَ مِن شَرِيعَتِنا صَوابِيَّتُهُ في قَوْلِهِ : ««إنَّ عِيسى يَنْزِلُ حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَضَعُ الجِزْيَةَ»» فَنُزُولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غايَةً لِإقْرارِ الكَفّارِ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ ثُمَّ لا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ، لا نَسْخٌ لَها، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ إبْراهِيمُ اللَّقانِيُّ في (هِدايَةُ المُرِيدِ لِجَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ)، وقَوْلُهُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يَنْزِلُ باقٍ عَلى نُبُوَّتِهِ السّابِقَةِ لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ بِحالٍ لَكِنَّهُ لا يُتَعَبَّدُ بِها الخ، أحْسَنُ مِن قَوْلِ الخَفاجِيِّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَلى دِينِ نَبِيِّنا اِنْسِلاخُهُ عَنْ وصْفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ بِأنْ يُبَلِّغَ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ الوَحْيِ وإنَّما يَحْكُمُ بِما يَتَلَقّى عَنْ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِإمامَةِ الصَّلاةِ مَعَ المَهْدِيِّ ولا أظُنُّهُ عَنى بِالِانْسِلاخِ عَنْ وصْفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَزْلَهُ عَنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ إطْلاقُ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْزَلَ رَسُولٌ أوْ نَبِيٌّ عَنِ الرِّسالَةِ أوِ النُّبُوَّةِ بَلْ أكادُ لا أتَعَقَّلُ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يَبْقى لَهُ وصْفُ تَبْلِيغِ الأحْكامِ عَنْ وحْيٍ كَما كانَ لَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ رَسُولٌ قَبْلَ الرَّفْعِ وفي السَّماءِ وبَعْدَ النُّزُولِ وبَعْدَ المَوْتِ أيْضًا، وبَقاءُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ بَعْدَ المَوْتِ في حَقِّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَقِيقَةٌ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، فَإنَّ المُتَّصِفَ بِهِما وكَذا بِالإيمانِ هو الرُّوحُ وهي باقِيَةٌ لا تَتَغَيَّرُ بِمَوْتِ البَدَنِ، نَعَمْ ذَهَبَ الأشْعَرِيُّ كَما قالَ النَّسَفِيُّ إلى أنَّهُما بَعْدَ المَوْتِ باقِيانِ حُكْمًا، وما أفادَهُ كَلامُ اللَّقانِيِّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْكُمُ بِما عُلِّمَ في السَّماءِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ قَدْ أفادَهُ السَّفارِينِيُّ في (اَلْبُحُورِ الزّاخِرَةِ) وهو الَّذِي أمِيلُ لَهُ، وأمّا أنَّهُ يَجْتَهِدُ ناظِرًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَبَعِيدٌ وإنْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ فَوْقَ ما أُوتِيَ مُجْتَهَدُو الأُمَمِ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِاجْتِهادُ بِكَثِيرٍ إذْ قَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ حِينَ يَنْزِلُ يُصَلِّي وراءَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَلاةَ الفَجْرِ وذَلِكَ الوَقْتُ يَضِيقُ عَنِ اِسْتِنْباطِ ما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الصَّلاةُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ.
نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عُلِّمَ في السَّماءِ بَعْضًا ووُكِّلَ إلى الِاجْتِهادِ والأخْذِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ في بَعْضٍ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْخُذُ الأحْكامَ مِن نَبِيِّنا شَفاهًا بَعْدَ نُزُولِهِ وهو في قَبْرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُيِّدَ بِحَدِيثِ أبِي يَعْلى: ««واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ لَئِنْ قامَ عَلى قَبْرِي وقالَ يا مُحَمَّدُ لَأُجِيبَنَّهُ»».
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوحانِيَّةً ولا بِدَعَ في ذَلِكَ فَقَدْ وقَعَتْ رُؤْيَتُهُ بَعْدَ وفاتِهِ لِغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الكامِلِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ والأخْذُ مِنهُ يَقَظَةً، قالَ الشَّيْخُ سِراجُ الدِّينَ بْنُ المُلَقِّنِ فِي(طَبَقاتِ الأوْلِياءِ): قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ الظُّهْرِ فَقالَ لِي: يا بُنَيَّ لِمَ لا تَتَكَلَّمُ؟
قُلْتُ: يا أبَتاهُ أنا رَجُلٌ أعْجَمُ، كَيْفَ أتَكَلَّمُ عَلى فُصَحاءِ، بَغْدادَ فَقالَ: اِفْتَحْ فاكَ فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سَبْعًا وقالَ: تَكَلَّمْ عَلى النّاسِ وادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ فَصَلَّيْتُ الظَّهْرَ وجَلَسْتُ وحَضَرَنِي خَلْقٌ كَثِيرٌ فارْتَجَّ عَلَيَّ فَرَأيْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قائِمًا بِإزائِي في المَجْلِسِ فَقالَ لِي: يا بُنَيَّ لِمَ لا تَتَكَلَّمُ؟
قُلْتُ: يا أبَتاهُ قَدْ اِرْتَجَّ عَلَيَّ، فَقالَ: اِفْتَحْ فاكَ فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سِتًّا فَقُلْتُ: لِمَ لا تُكْمِلُها سَبْعًا، قالَ: أدَبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ تَوارى عَنِّي، فَقُلْتُ: غَوّاصُ الفِكَرِ يَغُوصُ في بَحْرِ القَلْبِ عَلى دُرَرِ المَعارِفِ فَيَسْتَخْرِجُها إلى ساحِلِ الصَّدْرِ فَيُنادِي عَلَيْها سِمْسارُ تُرْجُمانِ اللِّسانِ فَتَشْتَرِي بِنَفائِسِ أثْمانٍ حُسْنَ الطّاعَةِ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ، وقالَ أيْضًا في تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ خَلِيفَةَ بْنِ مُوسى (اَلنَّهْرُ مِلْكِي): كانَ كَثِيرَ الرُّؤْيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقِظَةً ومَنامًا فَكانَ يُقالُ: إنَّ أكْثَرَ أفْعالِهِ يَتَلَقّاهُ مِنهُ يَقِظَةً ومَنامًا ورَآهُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً قالَ لَهُ في إحْداهُنَّ: يا خَلِيفَةُ لا تَضْجَرْ مِنِّي فَكَثِيرٌ مِنَ الأوْلِياءِ ماتَ بِحَسْرَةِ رُؤْيَتِي، وقالَ الشَّيْخُ تاجُ الدِّينِ بْنُ عَطاءِ اللَّهِ في (لَطائِفِ المِنَنِ): قالَ رَجُلٌ لِلشَّيْخِ أبِي العَبّاسِ المُرْسِي يا سَيِّدِي صافِحْنِي بِكَفِّكَ هَذِهِ فَإنَّكَ لَقِيتَ رِجالًا وبِلادًا فَقالَ: واَللَّهِ ما صافَحْتُ بِكَفِّي هَذِهِ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ، قالَ: وقالَ الشَّيْخُ لَوْ حُجِبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ما عَدَدْتُ نَفْسِي مِنَ المُسْلِمِينَ، ومِثْلُ هَذِهِ النُّقُولِ كَثِيرٌ مِن كُتُبِ القَوْمِ جِدًّا.
وفِي (تَنْوِيرِ الحَلَكِ) لِجَلالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلى مُنْكِرِي رُؤْيَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ في اليَقَظَةِ طَرَفٌ مُعْتَدٌّ بِهِ مِن ذَلِكَ، وبَدَأ في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ مَن رَآنِي في المَنامِ فَسَيَرانِي في اليَقَظَةِ ولا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بِي»،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيِّ ومِن حَدِيثِ أبِي بَكَرَةَ، وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ.
ولِلْمُنْكِرِينَ اِخْتِلافٌ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: المُرادُ فَسَيَرانِي في القِيامَةِ فَهُناكَ اليَقَظَةُ الكامِلَةُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ النّاسُ نِيامٌ فَإذا ماتُوا اِنْتَبَهُوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في هَذا التَّخْصِيصِ لِأنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَن رَآهُ مِنهم في المَنامِ ومَن لَمْ يَرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ القُرْبِ والحُظْوَةِ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ حُصُولِ الشَّفاعَةِ لَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَن مَن آمَنَ بِهِ في حَياتِهِ ولَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُبَشِّرًا لَهُ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَراهُ في اليَقَظَةِ يَعْنِي بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وقِيلَ: بِعَيْنِ قَلْبِهِ حَكاهُما القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وقالَ الإمامُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي جَمْرَةَ في تَعْلِيقِهِ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي اِنْتَقاها مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ: هَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يَراهُ في النَّوْمِ فَسَيَراهُ في اليَقَظَةِ، وهَلْ هَذا عَلى عُمُومِهِ في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ هَذا كانَ في حَياتِهِ، وهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَن رَآهُ مُطْلَقًا أوْ خاصٌّ بِمَن فِيهِ الأهْلِيَّةُ والِاتِّباعُ لِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اللَّفْظُ يُعْطِي العُمُومَ ومَن يَدَّعِي الخُصُوصَ فِيهِ بِغَيْرِ مُخَصَّصٍ مِنهُ فَمُتَعَسِّفٌ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ والخَلَفِ وهَلُمَّ جَرًّا مِمَّنْ كانُوا رَأوْهُ في النَّوْمِ وكانُوا مِمَّنْ يُصَدِّقُونَ بِهَذا الحَدِيثِ فَرَأوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ وسَألُوهُ عَنْ أشْياءَ كانُوا مِنها مُتَشَوِّشِينَ فَأخْبَرَهم بِتَفْرِيجِها ونَصَّ لَهم عَلى الوُجُوهِ الَّتِي مِنها يَكُونُ فَرَجُها فَجاءَ الأمْرُ كَذَلِكَ بِلا زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، اِنْتَهى المُرادُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ رُؤْيَتَهُ يَقَظَةً عِنْدَ القائِلِينَ بِها أكْثَرُ ما تَقَعُ بِالقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقّى الحالُ إلى أنْ يُرى بِالبَصَرِ، واخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ المَرْئِيِّ فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَرْئِيُّ ذاتُ المُصْطَفى بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، وأكْثَرُ أرْبابِ الأحْوالِ عَلى أنَّهُ مِثالُهُ وبِهِ صَرَّحَ الغَزالِيُّ، فَقالَ: لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَرى جِسْمَهُ وبَدَنَهُ بَلْ مِثالًا لَهُ صارَ ذَلِكَ المِثالُ آلَةً يُتَأدّى بِها المَعْنى الَّذِي في نَفْسِهِ قالَ: والآلَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ خَيالِيَّةً والنَّفْسُ غَيْرُ المِثالِ المُتَخَيَّلِ، فَما رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هو رُوحَ المُصْطَفى ولا شَخْصَهُ بَلْ هو مِثالٌ لَهُ عَلى التَّحْقِيقِ.
وفَصَّلَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَقالَ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ بِصِفَتِهِ المَعْلُومَةِ إدْراكٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ورُؤْيَتُهُ عَلى غَيْرِ صِفَتِهِ إدْراكٌ لِلْمِثالِ واسْتَحْسَنَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وقالَ بَعْدَ نَقْلِ أحادِيثَ وآثارٍ ما نَصُّهُ: فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ النُّقُولِ والأحادِيثِ أنَّ النَّبِيَّ حَيٌّ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ وأنَّهُ يَتَصَرَّفُ ويَسِيرُ حَيْثُ شاءَ في أقْطارِ الأرْضِ وفي المَلَكُوتِ وهو بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ وفاتِهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ مِنهُ شَيْءٌ وأنَّهُ مُغَيَّبٌ عَنِ الأبْصارِ كَما غُيِّبَتِ المَلائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً بِأجْسادِهِمْ، فَإذا أرادَ اللَّهَ تَعالى رَفْعَ الحِجابِ عَمَّنْ أرادَ إكْرامَهُ بِرُؤْيَتِهِ رَآهُ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها لا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا داعِيَ إلى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ المِثالِ اه، وذَهَبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - إلى نَحْوِ هَذا في سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقالَ إنَّهم أحْياءٌ رُدَّتْ إلَيْهِمْ أرْواحُهم بَعْدَ ما قُبَضُوا وأُذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مِن قُبُورِهِمْ والتَّصَرُّفِ في المَلَكُوتِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ ذَكَرَ أخْبارًا كَثِيرَةً تَشْهَدُ لَهُ.
مِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ حِبّانَ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا»».
ومِنها ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبِي المِقْدامِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ما مَكَثَ نَبِيٌّ في الأرْضِ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأبُو المِقْدامِ هو ثابِتُ بْنُ هُرْمُزَ شَيْخُ صالِحٍ.
ومِنها ما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ في النِّهايَةِ ثُمَّ الرّافِعِيُّ في الشَّرْحِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ««أنا أكْرَمُ عَلى رَبِّي مِن أنْ يَتْرُكَنِي في قَبْرِي بَعْدَ ثَلاثٍ»» زادَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: ورُوِيَ أكْثَرُ مِن يَوْمَيْنِ.
واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ رُؤْيَتَهُ بَعْدَ وفاتِهِ بِالبَصَرِ لَيْسَتْ كالرُّؤْيَةِ المُتَعارَفَةِ عِنْدَ النّاسِ مِن رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وإنَّما هي جَمْعِيَّةٌ حالِيَّةٌ وحالَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ وأمْرٌ وِجْدانِيٌّ لا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إلّا مَن باشَرَهُ، ولِشِدَّةِ شَبَهِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعارَفَةِ يُشْتَبَهُ الأمْرُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الرّائِينَ فَيُظَنُّ أنَّهُ رَآهُ بِبَصَرِهِ الرُّؤْيَةَ المُتَعارَفَةَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، ورُبَّما يُقالُ إنَّها رُؤْيَةٌ قَلْبِيَّةٌ ولِقُوَّتِها تَشْتَبِهُ بِالبَصَرِيَّةِ، والمَرْئِيُّ إمّا رُوحُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي هي أكْمَلُ الأرْواحِ تَجَرُّدًا وتَقَدُّسًا بِأنْ تَكُونَ قَدْ تَطَوَّرَتْ وظَهَرَتْ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ مَعَ بَقاءِ تَعَلُّقِها بِجَسَدِهِ الشَّرِيفِ الحَيِّ في القَبْرِ السّامِي المُنِيفِ عَلى حَدِّ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ظُهُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُفارِقْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، وإمّا جَسَدٌ مِثالِيٌّ تَعَلَّقَتْ بِهِ رُوحُهُ المُجَرَّدَةُ القُدْسِيَّةُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَعَدَّدَ الجَسَدُ المِثالِيُّ إلى ما لا يُحْصى مِنَ الأجْسادِ مَعَ تَعَلُّقِ رُوحِهِ القُدْسِيَّةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْفُ ألْفِ صَلاةٍ وتَحِيَّةٍ بِكُلِّ جَسَدٍ مِنها، ويَكُونُ هَذا التَّعَلُّقُ مِن قَبِيلِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ الواحِدَةِ بِأجْزاءِ بَدَنٍ واحِدٍ ولا تَحْتاجُ في إدْراكاتِها وإحْساساتِها في ذَلِكَ التَّعَلُّقِ إلى ما تَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الآلاتِ في تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ في الشّاهِدِ، وعَلى ما ذُكِرَ يَظْهَرُ وجْهُ ما نَقَلَهُ الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ أبِي مَنصُورٍ والشَّيْخُ عَبْدُ الغَفّارِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي العَبّاسِ الطَّنْجِيِّ مِن أنَّهُ رَأى السَّماءَ والأرْضَ والعَرْشَ والكُرْسِيَّ مَمْلُوءَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ويَنْحَلُّ بِهِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ رُؤْيَةِ المُتَعَدِّدِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في زَمانٍ واحِدٍ في أقْطارٍ مُتَباعِدَةٍ.
ولا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُهم وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْشَدَ: كالشَّمْسِ في كَبِدِ السَّماءِ وضَوْءُها يُغْشِي البِلادَ مَشارِقًا ومَغارِبا وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنَّما تَقَعُ في الأغْلَبِ لِلْكامِلِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخِلُّوا بِاتِّباعِ الشَّرِيعَةِ قَدْرَ شُعَيْرَةٍ، ومَتى قَوِيَتِ المُناسِبَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ قَوِيَ أمْرُ رُؤْيَتِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ تَقَعُ لِبَعْضِ صُلَحاءِ الأُمَّةِ عِنْدَ الِاحْتِضارِ لِقُوَّةِ الجَمْعِيَّةِ حِينَئِذٍ، والرُّؤْيَةُ الَّتِي تَكُونُ يَقَظَةً لِمَن رَآهُ في المَنامِ إنْ كانَتْ في الدُّنْيا فَهي عَلى نَحْوِ رُؤْيَةِ بَعْضِ الكامِلِينَ إيّاهُ وهي أكْمَلُ مِنَ الرُّؤْيا وإنْ كانَ المَرْئِيُّ فِيهِما هو رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآخِرُ مَظانِّ تَحَقُّقِها وقْتَ المَوْتِ.
ولَعَلَّ الأغْلَبَ في حَقِّ العامَّةِ تَحَقُّقُها فِيهِ، وإنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فالأمْرُ فِيها واضِحٌ ويُرَجَّحُ عِنْدِي كَوْنُها في الآخِرَةِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ القُرْبِ والحُظْوَةِ وما شاكَلَ ذَلِكَ أنَّ البِشارَةَ في الخَبَرِ عَلَيْهِ أبْلَغُ، ثُمَّ إنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ فِيما مَرَّ مَذْكُورٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ إلى أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَن رَآنِي في المَنامِ فَسَيَرانِي في اليَقَظَةِ أوْ لَكَأنَّما رَآنِي في اليَقَظَةِ لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بِي»».
فَلا قَطْعَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: فَسَيَرانِي فَإنْ كانَ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ فالكَلامُ فِيهِ ما سَمِعْتَ، وإنْ كانَ الواقِعُ لَكَأنَّما رَآنِي فَهو كَقَوْلِهِ في خَبَرٍ آخَرَ: ««فَقَدَ رَآنِي»،» وفي آخَرَ أيْضًا: ««فَقَدْ رَأى الحَقَّ»،» والمَعْنى أنَّ رُؤْياهُ صَحِيحَةٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أيْ بِأجْسامِهِمْ وأرْواحِهِمْ كَما هو الظّاهِرُ ويَتَصَرَّفُونَ في المَلَكُوتِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَمِمّا لا أقُولُ بِهِ، والخَبَرُ السّابِقُ الَّذِي أخْرَجَهُ اِبْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أنَسٍ وهو قَوْلُهُ : ««ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا»» قَدْ أخْرَجُوهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ عَنْ هِشامِ بْنِ خالِدٍ الأزْرَقِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ يَحْيى الخُشَنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مالِكٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ فِيهِ اِبْنُ حِبّانَ: هو باطِلٌ والخُشَنِيُّ مُنْكَرُ الحَدِيثِ جِدًّا يَرْوِي عَنِ الثِّقاتِ ما لا أصْلَ لَهُ.
وفِي المِيزانِ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ: الخُشَنِيُّ مَتْرُوكٌ ومِن ثَمَّ حَكَمَ اِبْنُ الجَوْزِيِّ بِوَضْعِ الحَدِيثِ وهو مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ بِتَمامِهِ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ: ««ما مِن نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّا أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى تُرَدَّ إلَيْهِ رُوحُهُ ومَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمُوسى وهو قائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ»».
وهُوَ عَلى هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ لا يُقِيمُ في قَبْرِهِ بَلْ يَخْرُجُ مِنهُ وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى في القَبْرِ مَيِّتًا كَسائِرِ الأمْواتِ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ صَباحًا بَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ رُوحَهُ ويَكُونُ حَيًّا، وأيْنَ هَذا مِن دَعْوى الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، والحَياةُ في القَبْرِ لا تَسْتَلْزِمُ الخُرُوجَ وأنا أقُولُ بِها في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ ألَّفَ البَيْهَقِيُّ جُزْءًا في حَياتِهِمْ في قُبُورِهِمْ وأوْرَدَ فِيهِ عِدَّةَ أخْبارٍ.
ولا يَضُرُّنِي بَعْدَ ظُهُورِ أنَّ الحَدِيثَ السّابِقَ لا يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ المُنازَعَةُ في وصْفِهِ وبُلُوغِهِ بِما لَهُ مِنَ الشَّواهِدِ دَرَجَةَ الحَسَنِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ فِيما سَبَقَ المُرادُ مِنها كُلِّها إثْباتُ الحَياةِ في القَبْرِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الحَياةِ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنا وهي فَوْقُ حَياةِ الشُّهَداءِ بِكَثِيرٍ، وحَياةُ نَبِيِّنا أكْمَلُ وأتَمُّ مِن حَياةِ سائِرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وخَبَرُ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ رُوحِي حَتّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»،» مَحْمُولٌ عَلى إثْباتِ إقْبالٍ خاصٍّ والتِفاتٍ رُوحانِيٍّ يَحْصُلُ مِنَ الحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ إلى عالَمِ الدُّنْيا وتَنْزِلُ إلى عالَمِ البَشَرِيَّةِ حَتّى يَحْصُلَ عِنْدَ ذَلِكَ رَدُّ السَّلامِ، وفِيهِ تَوْجِيهاتٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَحَلِّها، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَياةَ في القَبْرِ وإنْ كانَتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بَعْضُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَياةِ في الدُّنْيا المَعْرُوفَةِ لَنا مِنَ الصَّلاةِ والأذانِ والإقامَةِ ورَدِّ السَّلامِ المَسْمُوعِ ونَحْوِ ذَلِكَ إلّا أنَّها لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ولا يُحِسَّ بِها ولا يُدْرِكَها كُلُّ أحَدٍ فَلَوْ فُرِضَ اِنْكِشافُ قَبْرِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرى النّاسُ النَّبِيَّ فِيهِ إلّا كَما يَرَوْنَ سائِرَ الأمْواتِ الَّذِينَ لَمْ تَأْكُلِ الأرْضُ أجْسادَهُمْ، ورُبَّما يَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَعْضِ عِبادِهِ فَيَرى ما لا يَرى النّاسَ، ولَوْلا هَذا لَأشْكَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِحَياتِهِمْ في قُبُورِهِمْ وخَبَرِ أبِي يَعْلى وغَيْرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، كَما قالَ الهَيْثَمِيُّ مَرْفُوعًا: إنَّ مُوسى نَقَلَ يُوسُفَ مِن قَبْرِهِ بِمِصْرَ، ثُمَّ إنِّي أقُولُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ إنَّ ما نُسِبَ إلى بَعْضِ الكامِلِينَ مِن أرْبابِ الأحْوالِ مِن رُؤْيَةِ النَّبِيِّ بَعْدَ وفاتِهِ وسُؤالِهِ والأخْذِ عَنْهُ لَمْ نَعْلَمْ وُقُوعَ مِثْلِهِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ، وقَدْ وقَعَ اِخْتِلافٌ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن حِينِ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَسائِلَ دِينِيَّةٍ وأُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ وفِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِما يَنْتَهِي أغْلَبُ سَلاسِلِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ ولَمْ يَبْلُغْنا أنَّ أحَدًا مِنهُمُ اِدَّعى أنَّهُ رَأى في اليَقَظَةِ رَسُولَ اللَّهِ وأخَذَ عَنْهُ ما أخَذَ، وكَذا لَمْ يَبْلُغْنا أنَّهُ ظَهَرَ لِمُتَحَيِّرٍ في أمْرٍ مِن أُولَئِكَ الصَّحابَةِ الكِرامِ فَأرْشَدَهُ وأزالَ تَحَيُّرَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ الأُمُورِ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدَنا أنَّهُ تَوَسَّلَ إلى السُّؤالِ مِنهُ بَعْدَ الوَفاةِ نَظِيرَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ أرْبابِ الأحْوالِ، وقَدْ وقَفْتَ عَلى اِخْتِلافِهِمْ في حُكْمِ الجَدِّ مَعَ الأُخْوَةِ فَهَلْ وقَفْتَ عَلى أنَّ أحَدًا مِنهم ظَهَرَ لَهُ الرَّسُولُ فَأرْشَدَهُ إلى ما هو الحَقُّ فِيهِ؟
وقَدْ بَلَغَكَ ما عَرا فاطِمَةَ البَتُولَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ بَعْدَ وفاتِهِ وما جَرى لَها في أمْرِ فَدَكَ، فَهَلْ بَلَغَكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَهَرَ لَها كَما يَظْهَرُ لِلصُّوفِيَّةِ فَبَلَّ لَوْعَتَها وهَوَّنَ حُزْنَها وبَيَّنَ الحالَ لَها؟
وقَدْ سَمِعْتَ بِذَهابِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى البَصْرَةِ وما كانَ مِن وقْعَةِ الجَمَلِ فَهَلْ سَمِعْتَ تَعَرُّضَهُ لَها قَبْلَ الذَّهابِ وصَدَّهُ إيّاها عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَقَعَ أوْ تَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ؟
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصى كَثْرَةً.
والحاصِلُ أنَّهُ لَمْ يْبْلُغْنا ظُهُورُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأحَدٍ مِن أصْحابِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ وهم هم مَعَ اِحْتِياجِهِمُ الشَّدِيدِ لِذَلِكَ، وظُهُورِهِ عِنْدَ بابِ مَسْجِدِ قُباءٍ - كَما يَحْكِيهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ - اِفْتِراءٌ مَحْضٌ وبُهْتٌ بَحْتٌ، وبِالجُمْلَةِ عَدَمُ ظُهُورِهِ لِأُولَئِكَ الكِرامِ، وظُهُورُهُ لِمَن بَعْدَهم مِمّا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ يَقْنَعُ بِهِ ذَوُو الأفْهامِ، ولا يَحْسُنُ مَعْنى أنْ أقُولَ: كُلُّ ما يُحْكى عَنِ الصُّوفِيَّةِ مِن ذَلِكَ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ لِكَثْرَةِ حاكِيهِ وجَلالَةِ مُدَّعِيهِ، وكَذا لا يَحْسُنُ مِنِّي أنْ أقُولَ: إنَّهم إنَّما رَأوُا النَّبِيَّ مَنامًا فَظَنُّوا ذَلِكَ لِخِفَّةِ النَّوْمِ وقِلَّةِ وقْتِهِ يَقَظَةً، فَقالُوا: رَأيْنا يَقَظَةً لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ ولَعَلَّ في كَلامِهِمْ ما يَأْباهُ، وغايَةُ ما أقُولُ: إنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ مِن خَوارِقِ العادَةِ كَسائِرِ كَراماتِ الأوْلِياءِ ومُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَتِ الخَوارِقُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِشَمْسِ الرِّسالَةِ قَلِيلَةً جِدًّا وأنّى يُرى النَّجْمُ تَحْتَ الشُّعاعِ أوْ يَظْهَرُ كَوْكَبٌ وقَدِ اِنْتَشَرَ ضَوْءُ الشَّمْسِ في البِقاعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ ولَمْ تَقْتَضِ المَصْلَحَةُ إفْشاءَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِحِكْمَةِ الِابْتِلاءِ أوْ لِخَوْفِ الفِتْنَةِ أوْ لِأنَّ في القَوْمِ مَن هو كالمِرْآةِ لَهُ أوْ لِيَهْرَعَ النّاسُ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّتِهِ فِيما يُهِمُّهم فَيَتَّسِعُ بابُ الِاجْتِهادِ وتَنْتَشِرُ الشَّرِيعَةُ وتَعْظُمُ الحُجَّةُ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَعْقِلَها كُلُّ أحَدٍ أوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ.
ورُبَّما يُدَّعى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَهَرَ ولَكِنْ كانَ مُتَسَتِّرًا في ظُهُورِهِ، كَما رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ أحَبَّ أنْ يَرى رَسُولَ اللَّهِ فَجاءَ إلى مَيْمُونَةَ فَأخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ فَنَظَرَ فِيها فَرَأى صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَرَ صُورَةَ نَفْسِهِ فَهَذا كالظُّهُورِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الصُّوفِيَّةُ إلّا أنَّهُ بِحِجابِ المِرْآةِ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّخَيُّلِ الَّذِي قَوِيَ بِالنَّظَرِ إلى مِرْآتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُلاحَظَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما ظَهَرَتْ فِيها صُورَتُهُ حَسْبَما ظَنَّهُ اِبْنُ خَلْدُونَ.
فَإنْ قُبِلَ قَوْلِي هَذا وتَوْجِيهِي لِذَلِكَ الأمْرِ فَبِها ونِعْمَتْ وإلّا فالأمْرُ، مُشْكِلٌ فاطْلُبْ لَكَ ما يَحُلُّهُ واَللَّهُ سُبْحانَهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
هَذا وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَلَقّى مِن نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْكامَ شَرِيعَتِهِ المُخالِفَةِ لِما كانَ عَلَيْهِ وهو مِنَ الشَّرِيعَةِ حالَ اِجْتِماعِهِ مَعَهُ قَبْلَ وفاتِهِ في الأرْضِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيَنْزِلُ ويَحْتاجُ إلى ذَلِكَ، واجْتِماعُهُ مَعَهُ كَذَلِكَ جاءَ في الأخْبارِ.
أخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ عَنْ أنَسٍ: ««بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إذْ رَأيْنا بَرَدًا ويَدًا فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا البَرَدُ الَّذِي رَأيْنا واليَدُ؟
قالَ: قَدْ رَأيْتُمُوهُ، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ذَلِكَ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ سَلَّمَ عَلَيَّ»».
وفِي رِوايَةِ اِبْنِ عَساكِرَ عَنْهُ: ««كُنْتُ أطُوفُ مَعَ النَّبِيِّ حَوْلَ الكَعْبَةِ إذْ رَأيْتُهُ صافَحَ شَيْئًا ولَمْ أرَهُ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ صافَحْتُ شَيْئًا ولا نَراهُ، قالَ: ذَلِكَ أخِي عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ اِنْتَظَرْتُهُ حَتّى قَضى طَوافَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ»».
ومِن هُنا عُدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ يَتَلَقّى أحْكامَ شَرِيعَتِنا مِنَ المَلَكِ بِأنْ يُعَلِّمَهُ إيّاها أوْ يُوقِفَهُ عَلَيْها لا عَلى وجْهِ الإيحاءِ بِها عَلَيْهِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْثَتُهُ بِها لِيَكُونَ في ذَلِكَ رِسالَةً جَدِيدَةً مُتَضَمِّنَةً نُبُوَّةً جَدِيدَةً، وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ عَلى اِنْقِطاعِها بَلْ عَلى نَحْوِ تَعْلِيمِ الشَّيْخِ ما عَلَّمَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ تِلْمِيذَهُ، ومُجَرَّدُ الِاجْتِماعِ بِالمَلَكِ والأخْذِ عَنْهُ وتَكْلِيمِهِ لا يَسْتَدْعِي النُّبُوَّةَ، ومَن تَوَهَّمَ اِسْتِدْعاءَهُ إيّاها فَقَدْ حادَ- كَما قالَ اللَّقانِيُّ- عَنِ الصَّوابِ فَقَدْ كَلَّمَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَرْيَمَ وأُمَّ مُوسى في قَوْلٍ ورَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وبَلَّغَتْهُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الذِّكْرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَأدْخُلَنَّ المَسْجِدَ فَلَأُصَلِّيَنَّ ولَأحْمَدَنَّ اللَّهَ تَعالى بِمَحامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِها أحَدٌ، فَلَمّا صَلّى وجَلَسَ لِيَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى ويُثْنِيَ عَلَيْهِ إذا هو بِصَوْتٍ عالٍ مِن خَلْفٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ ولَكَ المُلْكُ كُلُّهُ وبِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ وإلَيْكَ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ لَكَ الحَمْدُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اِغْفِرْ لِي ما مَضى مِن ذُنُوبِي واعْصِمْنِي فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِي وارْزُقْنِي أعْمالًا زاكِيَةً تَرْضى بِها عَنِّي وتُبْ عَلَيَّ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ذاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ».
والأخْبارُ طافِحَةٌ بِرُؤْيَةِ الصَّحابَةِ لِلْمَلَكِ وسَماعِهِمْ كَلامَهُ، وكَفى دَلِيلًا لِما نَحْنُ فِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ فِيها نُزُولَ المَلَكِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ في الدُّنْيا وتَكْلِيمَهُ إيّاهُ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي النُّبُوَّةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ لِأنَّ النُّزُولَ والتَّكْلِيمَ قُبَيْلَ المَوْتِ غَيْرُ مُفِيدٍ كَما لا يَخْفى، وقَدْ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ إلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ، قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في كِتابِهِ (اَلْمُنْقِذُ مِنَ الضَّلالِ) أثْناءَ الكَلامِ عَلى مَدْحِ أُولَئِكَ السّادَةِ: ثُمَّ إنَّهم وهم في يَقَظَتِهِمْ يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ وأرْواحَ الأنْبِياءِ ويَسْمَعُونَ مِنهم أصْواتًا ويَقْتَبِسُونَ مِنهم فَوائِدَ ثُمَّ يَتَرَقّى الحالُ مِن مُشاهَدَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ إلى دَرَجاتٍ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ النُّطْقِ.
وقالَ تِلْمِيذُهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أحَدُ أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ في كِتابِهِ (قانُونِ التَّأْوِيلِ): ذَهَبَتِ الصُّوفِيَّةُ إلى أنَّهُ إذا حَصَلَ لِلْإنْسانِ طَهارَةُ النَّفْسِ وتَزْكِيَةُ القَلْبِ وقَطْعُ العَلائِقِ وحَسْمُ مَوادِّ أسْبابِ الدُّنْيا مِنَ الجاهِ والمالِ والخُلْطَةُ بِالجِنْسِ والإقْبالُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ عِلْمًا دائِمًا وعَمَلًا مُسْتَمِرًّا كُشِفَتْ لَهُ القُلُوبُ ورَأى المَلائِكَةَ وسَمِعَ كَلامَهم واطَّلَعَ عَلى أرْواحِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، وسَماعُ كَلامِهِمْ مُمْكِنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَرامَةً ولِلْكافِرِ عُقُوبَةً اه.
ونُسِبَ إلى بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَتُزاحِمُنا في بُيُوتِنا بِالرَّكْبِ، والظّاهِرُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ الِاجْتِماعَ بِهِمْ والأخْذَ عَنْهم لا يَكُونُ إلّا لِلْكامِلِينَ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وأنَّ الإخْلالَ بِالسُّنَّةِ مانِعٌ كَبِيرٌ عَنْ ذَلِكَ، ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قالَ لِي عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَدْ كانَ مَلَكٌ يُسَلِّمُ عَلى حَتّى اِكْتَوَيْتَ فَتَرَكَ ثُمَّ تَرَكْتُ الكَيَّ فَعادَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ مُدَّعِيَهُ إذا كانَ مُخالِفًا لِحُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ كاذِبٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُصْغى إلَيْهِ ودَعْواهُ باطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ فَأيْنَ الظَّلَمَةُ مِنَ النُّورِ والنَّجَسُ مِنَ الطَّهُورِ، ثُمَّ إنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ كَوْنِ المُجْتَمِعِ بِهِ مَلَكًا بَعْدَ خَبَرِ الصّادِقِ سِوى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في العَبْدِ بِذَلِكَ ويَقْطَعُ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مَلَكًا مَتى خالَفَ ما ألْقاهُ وأتى بِهِ الكِتابُ أوِ السُّنَّةُ أوْ إجْماعُ الأُمَّةِ.
ومِثْلُهُ فِيما أرى التَّكَلُّمُ بِما يُشْبِهُ الهَذَيانَ ويَضْحَكُ مِنهُ الصِّبْيانُ ويَنْبَغِي لِمَن وقَعَ لَهُ ذَلِكَ أنْ لا يُشِيعُهُ ويُعْلِنُ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مُطَرِّفٍ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ قالَ: بَعَثَ إلَيَّ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ في مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقالَ: إنِّي مُحَدِّثُكَ فَإنْ عِشْتُ فاكْتُمْ عَنِّي وإنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِها إنْ شِئْتَ إنَّهُ قَدْ سَلَّمَ عَلَيَّ، وفي رِوايَةِ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ: اِعْلَمْ يا مُطَرِّفُ أنَّهُ كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَأْسِي وعِنْدَ البَيْتِ وعِنْدَ بابِ الحُجْرَةِ فَلَمّا اِكْتَوَيْتُ ذَهَبَ ذَلِكَ قالَ: فَلَمّا بَرَأ كَلَّمَهُ، قالَ: اِعْلَمْ يا مُطَرِّفُ أنَّهُ عادَ إلَيَّ الَّذِي كُنْتُ أكْتُمُ عَلَيَّ حَتّى أمُوتَ، وكَذا يَنْبَغِي أنْ لا يَقُولَ لِإلْقاءِ المَلَكِ عَلَيْهِ إيحاءً لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ القَبِيحِ وهو إيهامُ وحْيِ النُّبُوَّةِ الَّذِي يُكَفَّرُ مُدَّعِيهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِلا خِلافٍ بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وأطْلَقَ بَعْضُ الغُلاةِ مِنَ الشِّيعَةِ القَوْلَ بِالإيحاءِ إلى الأئِمَّةِ الأطْهارِ وهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِمَعْزِلٍ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ أُولَئِكَ الأشْرارِ.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّ سُدَيْرًا الصَّيْرَفِيَّ سَألَ جَعْفَرًا الصّادِقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: جُعِلْتُ فِداكَ، إنَّ شِيعَتَكُمُ اِخْتَلَفَتْ فِيكم فَأكْثَرَتْ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الإمامَ يُنْكَتُ في أُذُنِهِ، وقالَ آخَرُونَ: يُوحى إلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: يُقْذَفُ في قَلْبِهِ، وقالَ آخَرُونَ: يَرى في مَنامِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما يُفْتِي بِكُتُبِ آبائِهِ فَبِأيِّ جَوابِهِمْ آخُذُ يَجْعَلُنِي اللَّهُ تَعالى فِداكَ؟
قالَ: لا تَأْخُذْ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُونَ يا سُدَيْرُ نَحْنُ حُجَجُ اللَّهِ تَعالى وأُمَناؤُهُ عَلى خَلْقِهِ حَلالُنا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وحَرامُنا مِنهُ، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ (مَفاتِيحُ الأسْرارِ)، وقَدْ ظَهَرَ في هَذا العَصْرِ عِصابَةٌ مَن غُلاةِ الشِّيعَةِ لَقَّبُوا أنْفُسَهم بِالبابِيَّةِ لَهم في هَذا البابِ فَصُولٌ يَحْكُمُ بِكُفْرِ مُعْتَقَدِها كُلُّ مَنِ اِنْتَظَمَ في سِلْكِ ذَوِي العُقُولِ، وقَدْ كادَ يَتَمَكَّنُ عِرْقُهم في العِراقِ لَوْلا هِمَّةُ والِيهِ النَّجِيبِ الَّذِي وقَعَ عَلى هِمَّتِهِ ودِيانَتِهِ الِاتِّفاقُ حَيْثُ خَذَلَهم - نَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى - وشَتَّتَ شَمْلَهم وغَضِبَ عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأفْسَدَ عَمَلَهم فَجَزاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الإسْلامِ خَيْرًا ودَفَعَ عَنْهُ في الدّارَيْنِ ضَيْمًا وضَيْرًا، وادَّعى بَعْضُهُمُ الوَحْيَ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ، وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ فَقالَ: نَعَمْ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْيًا حَقِيقِيًّا، كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ، وفي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ««فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ أوْحى اللَّهُ تَعالى يا عِيسى إنِّي أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لا يَدَ لِأحَدٍ بِقِتالِهِمْ فَحَوِّلْ عِبادِي إلى الطُّورِ، وذَلِكَ الوَحْيُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ هو السَّفِيرُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ»».
لا يُعْرَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وخَبَرُ (لا وحْيَ بَعْدِي) باطِلٌ، وما اُشْتُهِرَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَنْزِلُ إلى الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ فَهو لا أصْلَ لَهُ، ويَرُدُّهُ خَبَرُ الطَّبَرانِيِّ: ما أُحِبُّ أنْ يَرْقُدَ الجَنْبَ حَتّى يَتَوَضَّأ، فَإنِّي أخافُ أنْ يُتَوَفّى، وما يَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ إلى الأرْضِ ويَحْضُرُ مَوْتَ كُلِّ مُؤْمِنٍ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وهو عَلى طَهارَةٍ اه.
ولَعَلَّ مَن نَفى الوَحْيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ أرادَ وحْيَ التَّشْرِيعِ وما ذُكِرَ وحَيٌّ لا تَشْرِيعَ فِيهِ، فَتَأمَّلْ.
وكَوْنُهُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ مِمّا نَطَقَ بِهِ الكِتابُ وصَدَعَتْ بِهِ السُّنَّةُ وأجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، فَيُكَفَّرُ مُدَّعِي خِلافِهِ ويُقْتَلُ إنْ أصَرَّ.
ومِنَ السُّنَّةِ ما أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ««مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا بَناهُ فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ هَلّا وضَعْتَ هَذِهِ اللَّبِنَةَ فَأنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ»،» وصَحَّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُ هَذا، وكَذا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في حَدِيثِ اللَّبِنَةِ قَدِ اِنْتَقَدَهُ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الأجِلَّةِ فَعَلَيْكَ بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، واَللَّهُ تَعالى الحافِظُ مِنَ الوُقُوعِ في المِحْنَةِ.
ونَصْبُ ( رَسُولَ ) عَلى إضْمارِ كانَ لِدَلالَةِ كانَ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ عَلى ما قَبْلَها، وكَوْنُ لَكِنِ المُخَفَّفَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْعَطْفِ إنَّما هو عِنْدَ عَدَمِ الواوِ وكَوْنِ ما بَعْدَها مُفْرَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ أبا أحَدٍ ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولَكِنَّ» بِالتَّشْدِيدِ فَنَصَبَ ﴿ رَسُولَ ﴾ عَلى أنَّهُ اِسْمُ لَكِنَّ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هُوَ، أيْ مُحَمَّدٌ ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَن عَرَفْتُمُوهُ، أيْ لَمْ يَعِشْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، ومِمّا جاءَ في لَكِنَّ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أنْتَ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى عَلى ذِي مَعْرِفَةٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَخْفِيفِ «لَكِنْ» ورَفْعِ «رَسُولُ» و«خاتَمُ» أيْ ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ إلخ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّفّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِي أيْ ولَكِنْ أنا مَدَرَةٌ.
﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أوْ مَعْدُومًا ﴿ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ الأحْكامَ والحِكَمَ الَّتِي بُيِّنَتْ فِيما سَبَقَ والحِكْمَةَ في كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمَ النَّبِيِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني: بالتبني.
وليس بأب لزيد بن حارثة وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ يعني: ولكنه محمد رسول الله ، ويقال: لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء، ولا نبي بعده.
فذلك قوله: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ قرأ بعضهم ولكن رَسُولَ اللَّهِ بضم اللام، ومعناه: ولكن هو رسول الله وكان خاتَمَ النَّبِيِّينَ وقرأ عاصم في إحدى الروايتين وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بنصب التاء.
وقرأ الباقون: بالكسر.
فمن قرأ بالكسر يعني: آخر النبيين.
ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه.
يعني: أنه ختمهم وهو خاتم.
قال أبو عبيد: وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال «أَنَا خَاَتَمُ النَّبِيِّين» فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء.
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً بمن يصلح للنبوة، وبمن لا يصلح.
فإن قيل: كيف يظن برسول الله أنه يظهر من نفسه، خلاف ما في قلبه.
قيل له: يجوز مثل هذا لأن في قوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى.
وهذا عمل الأنبياء والصالحين- عليهم السلام-.
وقال بعضهم: للآية وجه آخر وهو إن الله تعالى قد أخبر النبيّ أنها تكون زوجته.
فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة.
وكان النبيّ ينهاه عن الطلاق، ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى.
وقال: بأنها تكون زوجته.
فلما طلقها زيد بن حارثة، كان يمتنع من تزوجها، خشية مقالة الناس، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به.
فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب: 37] الآية.
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروا الله باللسان.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ» .
قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟
قال: تِلاوَةُ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ» .
وذكر أن أعرابياً سأل النبي فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت، فأنبئني منها بأمر أتشبث به.
فقال: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبَاً مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ» .
ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً، ولم يقدر للذكر، وأمر بالكثرة فقال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروه في الأحوال كلها.
لأن الإنسان لا يخلوا من أربعة أحوال.
إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة.
فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق.
وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها، ويسأل منه التوبة منها والمغفرة.
وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر.
ثم قال تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدواً وعشياً.
يعني: صلوا لله بالغداة والعشي.
يعني: الفجر والعصر.
ويقال: بالغداة.
يعني: صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر وَأَصِيلًا يعني: صلوا آخر النهار، وأول النهار.
وهي صلاة الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ يقول: هو الذي يرحمكم ويغفر لكم وَمَلائِكَتُهُ أي: يأمر الملائكة- عليهم السلام- بالاستغفار لكم لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك.
اللفظ لفظ المستأنف، والمراد به الماضي يعني: أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ونّور قلوبكم بالمعرفة.
ويقال: معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر.
ويقال: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ يعني: من المعاصي إلى نور التوبة، والطهارة من الذنوب.
ويقال: من ظلمات القبر إلى نور المحشر.
ويقال: من ظلمات الصراط إلى نور الجنة.
ويقال: من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة.
ثم قال: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً يعني: بالمصدقين الموحدين رَحِيماً يرحم عليهم.
ثم قال عز وجل: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال مقاتل: يعني: يلقون الرب في الآخرة بسلام.
وقال الكلبي: تجيبهم الملائكة- عليهم السلام- على أبواب الجنة بالسلام.
فإذا دخلوها، حيَّا بعضهم بالسلام.
وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام.
ويقال: يعني: يسلم بعضهم على بعض.
ويقال: يسلمون على الله تعالى.
وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يعني: جزاءً حسناً في الجنة.
ويقال: مساكن في الجنة حسنة.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: شهيداً على أمتك بالبلاغ وَمُبَشِّراً بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة وَنَذِيراً من النار يعني: مخوفاً لمن عصى الله عز وجل وَداعِياً إِلَى اللَّهِ يعني: أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته بِإِذْنِهِ يعني: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً يعني: أرسلناك بسراج منير، لأنه يضيء الطريق.
فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض.
ثم قال عز وجل: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشّر يا محمد المصدقين بالتوحيد بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً في الجنة.
وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 20] فقال المؤمنون: هذا لك.
فما لنا؟
فنزل قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل وبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] .
ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكة وَالْمُنافِقِينَ من أهل المدينة وَدَعْ أَذاهُمْ أي: تجاوز عن المنافقين، ولا تقتلهم.
ويقال: ودع أذاهم يعني: اصبر على أذاهم.
وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمْرك إلى الله.
وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود.
وقال: قسم رسول الله قسمة.
فقال رجل من الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
فأخبر بذلك، فاحمر وجهه، فقال: «رَحِمَ الله أخِي مُوَسى- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» .
ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني: حافظاً نصيرا.
<div class="verse-tafsir"
وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» .
وقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أراد في كل الأوقات فحدّد الزمن بطرفي نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ» «١» رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ...
الآية: صلاةُ الله على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين.
ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لَهُم.
وقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يوم القيامة تجيء الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضاً بالسلامِ «٢» ، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار الله تبارك وتعالى.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً ...
الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم.
وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه.
وقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ فِيما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّساءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ ﴾ هي مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى " ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ ": سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً واسِعَةً لا حَرَجَ فِيها.
والَّذِينَ خَلَوْا: هُمُ النَّبِيُّونَ؛ فالمَعْنى: أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في التَّوْسِعَةِ عَلى مُحَمَّدٍ فِيما فَرَضَ لَهُ، كَسُنَّتِهِ في الأنْبِياءِ الماضِينَ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: هَكَذا سُنَّةُ اللَّهِ في الأنْبِياءِ، كَداوُدَ، فَإنَّهُ كانَ لَهُ مِائَةُ امْرَأةٍ، وسُلَيْمانَ كانَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ أيْ: قَضاءً مَقْضِيًّا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا " مَعْناهُ: لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ فِيما لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أثْنى اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ لائِمَةَ النّاسِ وقَوْلَهم فِيما أحِلَّ لَهم.
وباقِي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٦] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبَ، قالَ النّاسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِأبٍ لِزَيْدٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ ﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَهُ، فالمَعْنى ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ، وكانَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن رَفَعَهُ، فالمَعْنى: ولَكِنْ هو رَسُولُ اللَّهِ؛ ومَن قَرَأ: " خاتِمَ " بِكَسْرِ التّاءِ، فَمَعْناهُ: وخَتَمَ النَّبِيِّينَ؛ ومَن فَتَحَها، فالمَعْنى: آخِرُ النَّبِيِّينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَوْ لَمْ أخْتِمْ بِهِ النَّبِيِّينَ، لَجَعْلْتُ لَهُ ولَدًا يَكُونُ بَعْدَهُ نَبِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا ﴾ ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ.
و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ﴾ .
و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا" ﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ .
اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ : « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟
قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ" ﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ" ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ.
وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ.
وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
استئناف للتصريح بإبطال أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض وما يلقيه اليهود في نفوسهم من الشك.
وهو ناظر إلى قوله تعالى: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ [الأحزاب: 4].
والغرض من هذا العموم قطعُ توهّم أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم ولد من الرجال تجري عليه أحكام البنوّة حتى لا يتطرق الإِرجاف والاختلاق إلى من يتزوجهن من أيامى المسلمين أصحابِه مثل أمِّ سلمة وحفصة.
و ﴿ من رجالكم ﴾ وصف ل ﴿ أحد ﴾ ، وهو احتراس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بنات.
والمقصود: نفي أن يكون أبا لأحد من الرجال في حين نزول الآية لأنه كان وُلد له أولادٌ أو وَلَدَاننِ بمكة من خديجة وهم الطيّب والطاهر (أو هما اسمان لواحد) والقاسم، ووُلد له إبراهيم بالمدينة من مارية القبطية، وكلهم ماتوا صبياناً ولم يكن منهم موجود حين نزول الآية.
والمنفي هو وصف الأبوّة المباشرة لأنها الغرض الذي سيق الكلام لأجله والذي وَهِم فيه من وَهِم فلا التفات إلى كونه جَدًّا للحسن والحسين ومحسن أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنها إذ ليس ذلك بمقصود، ولا يخطر ببال أحد نفي أبوته لهم بمعنى الأبوة العليا، أو المراد أبوّة الصلب دون أبوة الرّحم.
وإضافة (رجال) إلى ضمير المخاطبين والعدول عن تعريفه باللام لقصد توجيه الخطاب إلى الخائضين في قضية تزوج زينب إخراجاً للكلام في صيغة التغليط والتغليظ.
وأما توجيهه بأنه كالاحتراز عن أحفاده وأنه قال: ﴿ من رجالكم ﴾ وأما الأحفاد فهم من رجاله ففيه سماجة وهو أن يكون في الكلام توجيه بأن محمداً صلى الله عليه وسلم بريء من المخاطبين أعني المنافقين وليس بينه وبينهم الصلة الشبيهة بصلة الأبوة الثابتة بطريقة لحن الخطاب من قوله تعالى ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6] كما تقدم.
واستدراك قوله: ﴿ ولكن رسول الله ﴾ لرفع ما قد يُتوهم مِن نفي أبوته، من انفصال صلة التراحم والبّرِ بينه وبين الأمة فذُكِّروا بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كالأب لجميع أمته في شفقته ورحمته بهم، وفي برّهم وتوقيرهم إياه، شأن كل نبيء مع أمته.
والواو الداخلة على ﴿ لكن ﴾ زائدة و ﴿ لكنْ ﴾ عاطفة ولم ترد ﴿ لكن ﴾ في كلام العرب عاطفة إلاّ مقترنة بالواو كما صرح به المرادي في «شرح التسهيل».
وحرف ﴿ لكن ﴾ مفيد الاستدراك.
وعَطَف صفة ﴿ وخاتم النبيئين ﴾ على صفة ﴿ رسول الله ﴾ تكميل وزيادة في التنويه بمقامه صلى الله عليه وسلم وإيماء إلى أن في انتفاء أبوته لأحد من الرجال حكمةً قدَّرها الله تعالى وهي إرادة أن لا يكون إلا مثل الرُّسل أو أفضل في جميع خصائصه.
وإذ قد كان الرسل لم يخل عمود أبنائهم من نبيء كان كونه خاتم النبيئين مقتضياً أن لا يكون له أبناء بعد وفاته لأنهم لو كانوا أحياء بعد وفاته ولم تخلع عليهم خلعة النبوءة لأجل ختم النبوءة به كان ذلك غضاً فيه دون سائر الرسل وذلك ما لا يريده الله به.
ألا ترى أن الله لما أراد قطع النبوءة من بني إسرائيل بعد عيسى عليه السّلام صرف عيسى عن التزوج.
فلا تجعل قوله: ﴿ وخاتم النبيئين ﴾ داخلاً في حيّز الاستدراك لما علمت من أنه تكميل واستطراد بمناسبة إجراء وصف الرسالة عليه.
وببيان هذه الحكمة يظهر حسن موقع التذييل بجملة ﴿ وكان الله بكل شيء عليما ﴾ إذْ أظهر مقتضى حكمته فيما قدره من الأقدار كما في قوله تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ﴾ [المائدة: 97].
والآية نصّ في أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين وأنه لا نبيء بعده في البشر لأن النبيئين عام فخاتم النبيئين هو خاتمهم في صفة النبوءة.
ولا يعكر على نصيِّة الآية أن العموم دلالتُه على الأفراد ظنية لأن ذلك لاحتمال وجود مخصّص.
وقد تحققنا عدم المخصص بالاستقراء.
وقد أجمع الصحابة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء وعُرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العَنْسِي فصار معلوماً من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإِسلام ولو كان معترفاً بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله للناس كلّهم.
وهذا النوع من الإِجماع موجب العلم الضروري كما أشار إليه جميع علمائنا ولا يدخل هذا النوع في اختلاف بعضهم في حُجِّية الإِجماع إذ المختلف في حجّيته هو الإِجماع المستند لنظر وأدلة اجتهادية بخلاف المتواتر المعلوم بالضرورة في كلام الغزالي في خاتمة كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» مخالفة لهذا على ما فيه من قلة تحرير.
وقد حمل عليه ابن عطية حملة غير منصفة وألزمهُ إلزاماً فاحشاً ينزه عنه علمه ودينه فرحمة الله عليهما.
ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يُثبت نبوءةً لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وفي إخراجه من حظيرة الإِسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابِيَّة والبَهائية وهما نحْلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى.
وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإِمامية.
أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأَحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج.
وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا لقبَ نفسه بَاب العلم فغلب عليه اسم الباب.
وعرفت نحلته بالبَابِيّة وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه «البيان» وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى: ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ [الرحمن: 3 4].
وكتاب «البيان» مؤلف بالعربية الضعيفة ومخلوط بالفارسية.
وقد حكم عليه بالقتل فقتل سنة 1266 في تبريز.
وأما البهائية فهي شعبة من البابِيّة تنسب إلى مؤسسها الملقّب ببهاء الله واسمه ميرزا حُسين عَلي من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب.
ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة ثم إلى عكا، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوءة الباب وقد التفّ حوله أصحاب نحلة البابيّة وجعلوه خليفة البَاب فقام اسم البهائية مقام اسم البَابية فالبهائية هم البابية.
وقد كان البهاء بَنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفناً لرفات (الباب) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عَكا فلبث في السجن سبعَ سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أُعلن الدستور التركي فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أُطلقوا يومئذٍ فرحل منتقلاً في أوروبا وأميركا مدة عامين ثم عاد إلى حيفا فاستقرّ بها إلى أن توفي سنة 1340 وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإِخوته فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم.
فمن كان من المسلمين متّبعاً للبَهائية أو البابية فهو خارج عن الإِسلام مرتدّ عن دينه تجري عليه أحكام المرتدّ.
ولا يرث مسلماً ويرثه جماعة المسلمين ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده.
ونحن كفَّرنا الغُرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبّه له محمد بعليّ إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب (وكذبوا) فبلغ الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهم أثبتوا الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم زعموه غير المعيّن من عند الله.
وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإِلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعُدّت في الأديان والملل ولم تعد في الأحزاب.
وانتصب ﴿ رسول الله ﴾ معطوفاً على ﴿ أبا أحد من رجالكم ﴾ عطفاً بالواو المقترنة ب ﴿ لكن ﴾ لتفيد رفع النفي الذي دخل على عامل المعطوف عليه.
وقرأ الجمهور ﴿ وخاتِمَ النبيئين ﴾ بكسر تاء ﴿ خاتِم ﴾ على أنه اسم فاعل من ختم.
وقرأ عاصم بفتح التَاء على تشبيهه بالخاتَم الذي يختم به المكتوب في أن ظهوره كان غلقاً للنبوءة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا إنْ مُحَمَّدٌ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ فَأكْذَبَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ أبًا لِزَيْدٍ.
﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي آخِرَهم ويَنْزِلُ عِيسى فَيَكُونُ حَكَمًا عَدْلًا وإمامًا مُقْسِطًا فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ وقَدْ رَوى نُعَيْمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ دَجّالُونَ كَذّابُونَ قَرِيبٌ مِن ثَلاثِينَ كُلُّهم يَزْعَمُ أنَّهُ نَبِيٌ ولا نَبِيَّ بَعْدِي) قالَ» مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ولَمْ يَجْعَلْ مُحَمَّدًا أبا أحَدٍ مِنَ الرِّجالِ لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَهُ ابْنًا لَجَعَلَهُ نَبِيًّا ولَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ قالَ اللَّهُ: ﴿ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: جاء العباس، وعلي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا «يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟
قال: أحب أهلي إليَّ فاطمة.
قالا: ما نسألك عن فاطمة قال: فاسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه.
قال علي رضي الله عنه: ثم من يا رسول الله؟
قال: ثم أنت، ثم العباس.
فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله جعلت عمك آخراً قال: إن علياً سبقك بالهجرة» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه.
أن هذه الآية ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ قال: أنس رضي الله عنه فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية.
فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها.
ذبح شاة ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها ﴾ فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد «اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت ادخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، فنزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم...
﴾ » .
وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حيان رضي الله عنه قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجيء لبيت زيد بن حارثة يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته، فاعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن، سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد رضي الله عنه: إلا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئاً قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام ولا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان الله، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم، فيأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره، فيقول: ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة رضي الله عنها إذ أخذته غشية، فسرى عنه وهو يتبسم ويقول: من يذهب إلى زينب، فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ﴾ القصة كلها قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها.
وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذه» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ يعني بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ بالعتق ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا: تزوج حليلة ابنه.
فأنزل الله تعالى ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد.
فأنزل الله: ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ يعني أعدل عند الله.
وأخرج الحاكم عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعظم نسائك عليك حقاً، أنا خيرهن منكحاً، وأكرمهن ستراً، وأقربهن رحماً، وزوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك، وأنا بنت عمتك، ليس لك من نسائك قريبة غيري.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن.
إن جدي وجدك واحد.
وإني أنكحنيك الله من السماء.
وان السفير لجبريل عليه السلام.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أم سلمة رضي الله عنها عن زينب رضي الله عنها قالت: إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهن زوّجن بالمهور، وزوّجهن الأولياء، وزوّجني الله ورسوله، وأنزل في الكتاب يقرأه المسلمون، لا يغير ولا يبدل ﴿ وإذ تقول للذين أنعم الله عليه....
﴾ ..
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شريف.
ان الله زوجها نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ونطق به القرآن.
وأخرج ابن سعد عن عاصم الأحول أن رجلاً من بني أسد فاخر رجلاً فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من فوق سبع سموات؟
يعني زينب بنت جحش.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ قال: «زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أمسك عليك زوجك واتق الله ﴾ يا زيد بن حارثة قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن زينب قد اشتد عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله وامسك عليك زوجك قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها.
فأنزل الله: ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ قال: كان يخفي في نفسه وذاته طلاقها قال: قال الحسن رضي الله عنه: ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها ﴿ وتخشى الناس ﴾ قال: خشي النبي صلى الله عليه وسلم قالة الناس ﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قال: طلقها زيد ﴿ زوّجناكها ﴾ فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أما أنتن زوّجكن آباؤكن، وأما أنا فزوّجني ذو العرش ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهن إذا قضوا منهن وطراً ﴾ قال: إذا طلقوهن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ يقول: كما هوى داود النبي عليه السلام المرأة التي نظر إليها فهواها فتزوّجها، فكذلك قضى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فتزوّج زينب، كما كان سنة الله في داود أن يزوّجه تلك المرأة ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ في أمر زينب» .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال لي علي بن الحسين: ما يقول الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ ؟
فقلت له....
فقال: لا.
ولكن الله أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكو إليه قال: اتق الله وامسك عليك زوجك فقال: قد أخبرتك أني مزوّجكها ﴿ وتخفي في نفسك ما الله مبديه ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلو من قبل ﴾ قال: يتزوّج من النساء ما شاء هذا فريضة وكان من الأنبياء عليهم السلام هذا سنتهم، قد كان لسليمان عليه السلام ألف امرأة، وكان لداود عليه السلام مائة امرأة.
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ قال: داود والمرأة التي نكحها، واسمها اليسعية فذلك سنة الله في محمد وزينب ﴿ وكان أمر الله قدراً مقدوراً ﴾ كذلك في سنته في داود والمرأة، والنبي صلى الله عليه وسلم وزينب.
وأخرج البيهقي في سننه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: لا نكاح إلا بوليّ، وشهود، ومهر، إلا ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الطبراني في سننه وابن عساكر من طريق الكميت بن يزيد الأسدي قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش قالت «خطبني عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أخي يشاوره في ذلك قال: فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها!
قالت: من؟
قال زيد بن حارثة.
فغضبت وقالت: تزوّج بنت عمتك مولاك؛ ثم أتتني فأخبرتني بذلك فقلت: أشد من قولها، وغضبت أشد من غضبها، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ فأرسلت إليه زوجني من شئت، فزوّجني منه، فأخذته بلساني، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اذن طلقها، فطلقني فبت طلاقي، فلما انقضت عدتي لم أشعر إلا والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا أمر من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة قال: الله المزوّج، وجبريل الشاهد» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت....
﴾ قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يزوّجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكرهت ذلك ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، أن يقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى زيد بن حارثة في الجاهلية من عكاظ بحلى امرأته خديجة ولداً، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أراد أن يزوّجه زينب بنت جحش، فكرهت ذلك فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم...
﴾ فقيل لها: إن شئت الله ورسوله، وإن شئت ضلالاً مبيناً فقالت: بل الله ورسوله.
فزوّجه رسول الله إياها، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً بيت زيد فرآها وهي بنت عمته، فكأنها وقعت في نفسه قال عكرمة: رضي الله عنه فأنزل الله: ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ﴾ يعني زيداً بالإِسلام ﴿ وأنعمت عليه ﴾ يا محمد بالعتق ﴿ أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ قال: عكرمة رضي الله عنه فكان النساء يقولون: من شدة ما يرون من حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه أنه ابنه، فأراد الله أمراً قال الله: ﴿ فلما قضى زيد منها وطراً زوَّجناكها ﴾ يا محمد ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وأنزل الله: ﴿ ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ فلما طلقها زيد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فعذرها قالوا: لو كان زيد بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تزوّج امرأة ابنه.
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما فقالت زينب رضي الله عنها: أنا الذي نزل تزويجي من السماء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا نزل عذري من السماء في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة.
فقالت لها زينب رضي الله عنها: ما قلت حين ركبتيها؟
قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قال: قلت كلمة المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: نزلت في زيد بن حارثة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن علي بن الحسين رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ قال: نزلت في زيد بن حارثة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: نزلت في زيد رضي الله عنه، أي أنه لم يكن بابنه ولعمري لقد ولد له ذكور، وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر.
وأخرج الترمذي عن الشعبي في قوله: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ قال: ما كان ليعيش له فيكم ولد ذكر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ قال: آخر نبي.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وخاتم النبيين ﴾ قال: ختم الله النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان آخر من بعث.
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها!
إلا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟
فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» .
وأخرج ابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قولوا خاتم النبيين، ولا تقولوا لا نبي بعده» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: قال رجل عند المغيرة بن أبي شعبة صلى الله على محمد خاتم الأنبياء لا نبي بعده فقال المغيرة: حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء، فإنا كنا نحدث أن عيسى عليه السلام خارج، فإن هو خرج فقد كان قبله وبعده.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت اقرئ الحسن والحسين، فمر بي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنا اقرئهما فقال لي: اقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء.
والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ قالت عائشة ا: لما تزوج رسول الله - - زينب قال الناس: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية (١) (٢) (٣) وقال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له ذكور: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر (٤) - لزيد: لست لك بأب، فقال زيد: يا رسول الله أنا زيد بن حارثة بن مروة بن شراحيل الكلبي معروف نسبي (٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ هو يعني: آخر النبيين فلا نبي بعده، قال: يريد لو لم أختم به لجعلت له ولدًا يكون بعده نبيًا.
قال مقاتل: لو كان لمحمد ولد لكان نبيًا رسولاً، فمن ثم قال: ﴿ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ \[لم يسمع أحدًا\] (٦) (٧) (٨) قال أبو عبيد: الوجه الكسر؛ لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم (٩) وكذلك روي عنه في صفة نفسه أنه قال: "أنا حاتم النبيين" (١٠) (١١) ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ (١٢) وقال الحسن: الخاتم الذي ختم به (١٣) وقال أهل اللغة: الخاتم بالكسر الفاعل، والخاتم بالفتح ما يوضع على الطينة، وهو اسم مثل العالم، يدل على هذا قولهم عند زيادة الحرف خاتام، فدلت زيادة الألف على أن التاء مفتوح في الخاتم (١٤) قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يكون (١٥) (١) رواه الترمذي حديث رقم (3260) عن عائشة، وابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 613 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة.
(٢) في (أ): (فيحرم).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 534.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 ب، "تفسير الطبري" 22/ 16، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 229.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.
(٦) هكذا في النسخ!
ولعله زيادة من الناسخ خطأ.
(٧) في (أ): (الهاء).
(٨) انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 199، "النشر" 2/ 348.
(٩) لم أقف على اختيار أبي عبيد.
(١٠) الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في المناقب، باب: خاتم النيين - -" 3/ 1300 رقم (3342)، ومسلم في الفضائل، باب: كونه - - خاتم النبيين 4/ 1790 رقم (2286).
(١١) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: آخرهم.
(١٢) "معاني القرآن" 2/ 344.
(١٣) انظر: "الوسيط" 3/ 474، "الحجة" 5/ 477.
(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" (ختم)، "اللسان" 12/ 163 (ختم).
(١٥) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ هذا ردّ على من قال في زيد بن حارثة: زيد بن محمد، فاعترض على النبي صلى الله عليه وسلم تزوّج امرأة زيد، وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن والحسين، لأنه صلى الله عليه وسلم ليس أباً لهما في الحقيقة لأنهما ليسا من صلبه، وإنما كانا ابني بنته، وأما ذكور أولاده فماتوا صغاراً فليسوا من الرجال ﴿ وَخَاتَمَ النبيين ﴾ أي آخرهم فلا نبيّ بعده صلى الله عليه وسلم وقرئ بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم فهو خاتم، وبالفتح بأنهم خُتموا به فهو كالخاتم والطابع لهم، فإن قيل: إن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكون بعده عليه الصلاة والسلام، فالجواب أن النبوّة أوتيت عليى قبله عليه الصلاة والسلام، وأيضاً فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته عليه الصلاة والسلام، فكأنه واحد من أمته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ قال جعفر بن حرب المعتزلي: دلت هذه الآية على أن الكفر مما لم يقضه الله؛ لأنه لو كان مما قضاه الله لكان لا يكون لهم الخيرة والتخيير، فإذا قال: إنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة، دل أنه مما لم يقضه الله، لكن يقول: إن القضاء - هاهنا - ليس هو قضاء الخلق؛ على ما فهم هو، ولكن القضاء - هاهنا - الأمر أو الحكم؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ أي: أمر ربّك وأوجب ألا تعبدوا إلا إياه.
أو أن يكون الحكم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أي: مما حكمت؛ فإذا كان القضاء يحتمل الأمر والحكم؛ على ما ذكرنا، فيكون كأنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، أي: إذا أمر الله ورسوله أمراً، وإذا حكم الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة من أمرهم، وهكذا يكون فيما أمر الله ورسوله بأمر أو حكم يحكم ألا يكون لأحد التخيير في ذلك.
ومما يدل - أيضاً - على أن القضاء أيضاً - هاهنا - ليس هو القضاء الذي فهم المعتزلة؛ حيث أضاف ذلك إلى رسوله - أيضاً - حيث قال: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ﴾ ، ولا شك أن رسول الله كان لا يملك القضاء الذي هو قضاء خلق؛ دل أن المعتزلة أخطأت وغلطت في فهم ذلك، وقصرت عقولهم عن درك ذلك، وأن التأويل ما ذكرنا نحن.
ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ إنما نزل في زينب بنت جحش؛ "يذكرون أن النبي كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه، وكان مولى له، فخطب له زينب بنت جحش، فقالت زينب: إني لا أرضاه لنفسي وأنا من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول الله أميمة بنت عبد المطلب - فقال لها النبي : قد رضيته لك، فزوجي نفسك منه فأبت ذلك؛ فنزل قوله فيها: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ " ، لكن إذا كان على ما يذكرون من الخطبة لها؛ فلا يحتمل أن يجبرها على النكاح، وقد قال النبي : "ليس للولي مع الثيب أمر" ، وقال النبي : "البكر تستأمر في نفسها، والثيب تشاور" ، ثم تجيء الآية في جبرها على النكاح ممن لا ترضاه إلا أن يكون على الأمر من الله - - ومن رسوله، فعند ذلك لا يكون لها التخير في ذلك؛ لأن الله [له] أن يأمر من شاء على النكاح ممن شاء، وله الحكم بالنكاح لمن شاء على من شاء، وليس لهم الخيرة في ذلك، فأمّا بالخطبة نفسها دون الأمر والحكم من الله لا جبر في ذلك؛ "ألا ترى أنه ذكر أن رسول الله لما خطب أمّ سلمة، فقالت: إن أوليائي غيب، فقال: ليس أحد من أوليائك لا يرضى بي" أو كلام نحوه خطبها، ولم يجبرها على ذلك؛ فعلى ذلك زينب؛ إلا أن يكون على الأمر أو الحكم؛ على ما ذكرنا.
أو أن يكون سبب نزول الآية - فيما ذكر أهل التأويل - في خطبة رسول الله زينب بنت جحش، ويكون الوعيد الذي ذكر فيه في غيره: فيما فيه أمر من الله أو حكم؛ نحو "ما روي عن رسول الله أنه صلى الفجر، فرأى رجلين جالسين، فقال لهما: ما بالكما لم تصليا معنا؟
فقالا: إنا قد صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما، ثم أتيتما المسجد، فصليا معهم؛ فتكون لكما سبحة" ، وإنما قال: "فصليا معهم" لا في صلاة الفجر، ولكن في الصلوات التي يتطوع بعدها.
وقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً ﴾ : إن كان هذا في المؤمنين فيكون الضلال هو الخطأ؛ كأنه قال: فقد أخطأ خطأً بيناً، ويجوز هذا في اللغة، نحو قول إخوة يوسف لأبيهم في تفضيله يوسف عليهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: في خطأ بين؛ حيث يفضل من لا منفعة له منه على من له منه منفعة؛ فعلى ذلك هذا.
وإن كان في المنافقين فهم في ضلال بين، فالضلال من المؤمن لا يفهم [منه] ما يفهم من الكافر والمنافق؛ ألا ترى أن الظلم من المؤمن لا يفهم منه ما يفهم من المنافق أو الكافر؛ ألا ترى أن آدم وحواء لما ارتكبا وقربا تلك الشجرة قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ لم يريدا ظلم كفر، وعلى ذلك قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ فعلى ذلك المفهوم من ضلال المؤمن غير المفهوم من ضلال المنافق والكافر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ قال أهل التأويل: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق؛ حيث أعتقه؛ لأنه ذكر أن زيداً كان عربيّاً من أهل الكتاب، أصابه النبي من سبي أهل الجاهلية، فأعتقه وتبناه، فأنعم الله عليه حيث أعطاه الإسلام، ووفقه الهدى، وأنعم عليه الرسول حيث أعتقه.
ويحتمل إنعام الله عليه - أيضاً - في الإعتاق؛ حيث وفق رسوله للعتاق، أو في خلق فعل الإعتاق من رسوله وإجرائه إليه، وعلى قول المعتزلة: ليس لله على زيد ولا على جميع المسلمين في الإسلام إنعام ولا إفضال؛ لوجوه: أحدها: أنهم يقولون: قد أعطى كلاًّ سبب ما يلزمهم الإسلام وهو القوة؛ فهم إنما يسلمون لا بصنع من الله في ذلك؛ فعلى قولهم: كان من الله سبب لزوم الإسلام، فأمّا في الإسلام نفسه فلا صنع له فيه، فإذا كان كذلك فلا منة تكون منه عليهم ولا إنعام.
والثاني: يقولون: أن ليس لله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدّين، ولا شك أن الإسلام لهم أصلح؛ فعليه أن يفعل ذلك بهم، فهو فعل ما عليه أن يفعل، ولا يجوز أن يفعل غيره، ومن أدى حقا عليه لا يكون في فعله منعماً ولا مفضلا؛ إنما هو مؤدي حق عليه.
والثالث: يقولون: أن ليس من الله إلى الأنبياء والمؤمنين جميعاً شيء إلا وقد كان ذلك منه إلى إبليس وأتباعه وإلى جميع الفراعنة، فإذا كان قولهم ومذهبهم ما ذكرنا - لم يكن لله على أحد من أهل الإسلام في إسلامهم إنعام ولا إفضال، والله أخبر أن له عليهم في ذلك نعمة ومنة، وكذلك فهم منه ذلك في قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ إلى ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ .
ذكر بعض أهل التأويل: أن رسول الله قد أبصر امرأة زيد فأعجبته وودّها، ففهم زيد ذلك منه؛ فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أطلق فلانة، وإن فيها كبرا تتعاظم عليّ وتؤذيني بكذا؛ فعند ذلك قال له النبي : ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في طلاقها، ولا تطلقها، لكن لا نقول نحن شيئاً من ذلك إلا بخبر ثبت من رسول الله يخبر أنه كان ذلك.
وجائز أن يكون زيد استأذن رسول الله في طلاقها، على ما يطلق الرجل امرأته؛ لما يمل منها بلا سبب يكون؛ فقال له عند ذلك: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ولا تطلق زوجك بلا سبب يستوجب به الطلاق؛ لأنه لا يسع للرجل أن يطلق زوجته بلا سبب يحمله على الطلاق من تضييع حدود الله، وترك إقامتها، أو معنى نحوه، فأما بلا سبب يكون في ذلك فلا يسع.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ ، أي: تزوجها واتق الله في ترك تزوجها؛ فيكون هو مأموراً بنكاحها، كما كانت هي مأمورة بتزويجها نفسها منه، فيقول: اتق الله في ترك الأمر للنبي ذلك في ترك ما ندبت إليه وأمرت به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ حبّها وإعجابها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: ما الله مظهره في القرآن، أي: حبها وتزوجها.
وقال قائلون: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ يا محمد: ليت أنه طلقها، ﴿ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ، أي: مظهره عليك، حتى ينزل به قرآناً.
لكن هذا بعيد محال؛ لا يحتمل أن يكون النبي يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، ثم يخفي هو في نفسه: ليت أنه يطلقها؛ حتى يتزوجها هو.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ هذا القول نفسه، هو الإبداء؛ حيث جعله آية تتلى بعد ما أخفى رسول الله شيئاً في نفسه: ما لولا ذكر الله إياه ذلك لم يعلم الخلق أنه أخفى شيئاً، ولا ندري ما الذي أخفاه كذا وكذا إلا بخبر يجيء عنه، فيقول: إني أخفيت في نفسي كذا؛ فعند ذلك يسع، فأمّا على الوهم فلا نقول به.
وقوله: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تستحي قالة الناس: "إنه تزوج امرأة ابنه"؛ وتترك نكاحها، والله أحق أن تستحي منه في ترك أمره إياك بالنكاح.
وقال بعضهم: ﴿ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ ، أي: تتقي قالة الناس؛ تستحي منهم في أمر زينب وما أعجبت هي إليك حسنها وحبها، ﴿ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ على الابتداء على غير إلحاق بالأول في كل أمر وكل شيء؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ أي: حاجة، أي: جماعاً؛ فإن كان الجماع - ففائدة ذكر الجماع فيه؛ ليعلم أن حليلة ابن التبني تحل للرجل، وأن الوطر هو عقد النكاح والجماع جميعاً، وإن كان كل واحد منهما سبب الحظر والمنع في نكاح حليلة ابن الصلب.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ ، أي: قضى همة نفسه، وبلغ غاية ما همت نفسه منها؛ فعند ذلك زوجناكها.
ذكر أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على سائر أزواج النبي، فتقول: "زوجكن آباؤكن رسول الله، والله زوجني بنبيه فوق سبع سماوات؛ ففيه دلالة رسالته؛ لأنه أخفى في نفسه ما كان يخشى قالة الناس في ذلك واستحى منهم، وفي العرف أن من أخفى شيئاً يستحي من الناس إن ظهر عندهم أن يكتم ذلك من الناس ولا يظهره، فإذا كان رسول الله أظهر ما كان يخشى قالة الناس فيه، ولم يكتمه منهم؛ دل أنه رسول؛ إذ لو كان غير رسول، لكتمه وأخفاه ولم يظهره؛ لما ذكرنا من العرف في الناس من كتمان ما يستحيون منهم إذا ظهر.
وكذلك روي عن عمر وعائشة أنهما قالا: "لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من القرآن، لكتم هذه الآية".
وقوله: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ .
في الآية دلالة لزوم الاتباع لرسول الله في كل ما يخبر ويأمر به، وفي كل فعل يفعله في نفسه، إلا فيما ظهرت الخصوصية، فأما فيما لم تظهر فعلى الناس اتباعه فيما يخبر ويفعل؛ لأنه قال: تزوج امرأة دعيّه، ثم قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، ولو كان يخبرهم بذلك خبرا لحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك: هو ذلك أخبر أن ذلك؛ لكيلا يكون على المؤمنين حرج في مثل فعله، والله أعلم.
وفيه وجه آخر.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ ، ذكر قضاء الوطر منهن؛ لأن من النساء من لا يحرمن على بعض هؤلاء بالعقد، ولكن إنما يحرمن بقضاء الوطر، ومنهن من يحرمن بالعقد نفسه دون قضاء الوطر؛ فأخبر أن أزواج الأدعياء - وإن قضوا منهن الوطر - فإنهن لا يحرمن عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ .
أي: ما كان بأمر الله مفعولا، وكذلك ما قيل: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله تكون؛ وإلا الصلاة هي فعل العباد؛ فلا تكون أمر الله، ولكن بأمر الله، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ، أي: ما يكون بأمر الله مفعولا، وكذا قوله: ﴿ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: جاء ما يكون بأمر الله، وهو العذاب الذي أوعدوا؛ لأن أمر الله لا يجيء.
ثم يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: التكوين: يكونه؛ فيكون مكوناً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والثاني: على الإيجاب واللزوم، أي: ما يكون بأمر الله يكون واجباً لازماً؛ إذا أراد به الإيجاب والإلزام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَضَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بين الله؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: بيناها.
ويحتمل ﴿ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ﴾ ، أي: أوجب الله عليه، ويقال: فرض عليه، أي: حرم، وفرض له، أي: أحل له، وكذلك قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أي: بين لكم تحلة أيمانكم.
والثاني: أوجب عليكم تحلة أيمانك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ .
قال بعضهم: هكذا كان سنة الله فيمن كان قبله من الرسل - مثل داود وسليمان وهؤلاء - كثرة النساء، ليس ذلك ببديع في رسول الله محمد.
وفي كثرة نساء الرسل لهم آية عظيمة؛ لأنهم آثروا الفقر والضيق على السعة والغناء، وكفوا أنفسهم عن جميع لذاتها، وحملوا على أنفسهم الشدائد في العبادات والأمور العظام الثقيلة، وهذه الأشياء كلها أسباب قطع قضاء الشهوات في النساء والحاجة فيهن؛ فإذا لم تقطع تلك الأسباب عنهم؛ دل أنهم بالله قووا عليها.
وقال بعضهم: سنة الله في الذين قبل محمد، يعني: داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله - تبارك وتعالى - بين داود وتلك المرأة؛ فكذلك يجمع بين محمد وبين امرأة زيد؛ إذ هويها كما فعل بداود، لكن هذا بعيد.
وقيل: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ : أنه لا يحرج على أحد فيما لم يحرم.
وجائز أن يكون ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ - في حل نكاح أزواج الأدعياء، كان يحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك لرسول الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ .
هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: ما كان بأمر الله وتقديره مقدورا.
قال أبو عوسجة: الدعي: الذي يدعى بعدما يكبر، والادعاء أن يكون الرجل نفى ولده ولم يقبله، ثم ادعاه من بعد ذلك، هذا هو المعروف عندي.
قال: وفي موضع آخر: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ، أي: ما يتمنون ويشتهون، ويقال: "ظللنا اليوم فيما ادعينا" أي: وجدنا كل ما اشتهينا، يقال من هذا: ادعيت أدعي ادعاء.
وقال: الوطر: الحاجة، والأوطار: جميع، والخيرة، أي: صيرت إليهم الخيرة، وهو من قولك أي: شيء تختار؟
﴿ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ﴾ ، أي: لم يجعل إليكم الاختيار: إن شئتم فعلتم، وإن شئتم لم تفعلوا، والقنوت في الأصل: القيام؛ على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
يقول أهل التأويل: هو محمد خاصة؛ فمعناه - والله أعلم - إن كان هو المراد به: أنه فيما تزوج حليلة دعيه زيد مبلغ رسالات ربه، حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ، وتبليغ الرسالة يكون مرة بالخبر والقول، ومرة بالفعل، يلزم الناس في اتباعه في فعله كما يلزم في خبره وأمره، إلا فيما ظهرت له الخصوصية في فعل ما.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ هم الأنبياء الذين قال: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ نعتهم، وقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ ﴾ : فسنة الله في محمد كسنة أولئك الذين كانوا من قبل فيما ذكر، ﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: يخشون الله في ترك تبليغ الرسالة، ولا يخشون أحداً سواه في التبليغ، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، بمعنى: سواه؛ على المبالغة في الأمر، وإلا لو قال: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً ﴾ كافياً، أي: لا يخشون أحداً فيما يبلغون، لكن يحتمل ما ذكرنا: ألا يخشوا أحداً فيما يبلغون سواه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ بما يصيبهم من الأذى والبلاء بالتبليغ، يقول: لا يرون ذلك من أولئك، ولكن بتقدير من الله إياه؛ وإلا كانوا يخافون من أولئك؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، وحيث قال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ ، و ﴿ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴾ ونحوه.
أو أن يكون في الابتداء خافوهم، ثم أمنهم الله؛ فلم يخافوا؛ حيث قال: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً ﴾ .
قيل: شهيداً على تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ .
معناه - والله أعلم -: ما كان محمد أبا أحد أبوة تحرم بها حلائل الأبناء، وإلا كان هو أبا لجميع المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ إذا كانت أزواجه أمهاتنا؛ فهو أب لنا على ما ذكرنا.
لكن التأويل فيه: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ أبوة تحرم بها حلائل الأبناء؛ ولكن أبوة التعظيم له والتبجيل، وأبوة الشفقة والرحمة، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ...
﴾ الآية [الحجرات: 2].
وكذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: أولى أن يعظم ويكرم ويشرف من [غيره]، كقوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ .
والثاني: ﴿ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أشفق عليهم وأرحم بهم من أنفسهم، وهو ما وصفه - جل وعلا - من رحمته ورأفته؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: في حق الانتساب إليه، أي: ليس هو أبا أحدكم ينسب إليه ويدعى به؛ لأنه ذكر أنهم يدعونه ويسمونه: زيد بن محمد، أنه يجوز التبني ولا يجوز إليه النسبة ولا التسمية به؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
والثاني: في حق الحرمة؛ كأنه قال: ليس هو أبا أحدكم في حرمة حلائل الأبناء عليه لا بالتبني، ولا في حق النسبة، وإن كان هو أبا لكم في الشفقة والرحمة والرأفة، على ما ذكرنا بدءاً ولكن رسول الله ما ذكرنا في التعظيم له والتبجيل في المعاملة والمصاحبة، أو في الدعوة به والتسمية.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ﴾ .
أخبر ليس بأبي أحد من رجالكم، على ما ذكرنا، ولكن رسول الله؛ لئلا يعاملوا رسوله معاملة آبائهم، ولا يصاحبوه صحبة غيره؛ ولكن يعاملوه معاملة الرسل في التعظيم له والتبجيل والإكرام؛ لأن أبوته وشفقته دينية، وشفقة الآباء شفقة دنياوية، ولأن الرجل قد يتبسط مع والده في أشياء لا يسع مثله مع رسول الله ؛ ولذا قال: ﴿ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، أي: ختم به الرسالة لا نبي بعده.
وقوله: ﴿ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ .
جائز أن يكون ذكره وإخباره: أنه خاتم النبيين؛ لما علم - جل وعلا - أنه يسمى غيره بعده نبيّاً؛ على ما قالته الباطنية: إن قائم الزمان هو نبي؛ فأخبر بهذا أن من ادّعى ذلك لا يطالب بالحجة والدلالة؛ ولكنه يكذب؛ وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا نبي بعدي" أخبر أنه ختم به النبوة.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ ، أي: لم يزل الله بما كان ويكون وبما به صلاحهم عليما.
<div class="verse-tafsir"
ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم، فليس هو والد زيد حتى يحرم عليه نكاح زوجته إذا طلقها، ولكنَّه رسول الله إلى الناس، وخاتم النبيين فلا نبي بعده، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.WZA75"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.