الآية ٥١ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٥١ من سورة سبأ

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولو ترى - يا محمد - إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة ، ( فلا فوت ) أي : فلا مفر لهم ، ولا وزر ولا ملجأ ( وأخذوا من مكان قريب ) أي : لم يكونوا يمنعون في الهرب بل أخذوا من أول وهلة .

قال الحسن البصري : حين خرجوا من قبورهم .

وقال مجاهد ، وعطية العوفي ، وقتادة : من تحت أقدامهم .

وعن ابن عباس والضحاك : يعني : عذابهم في الدنيا .

وقال عبد الرحمن بن زيد : يعني : قتلهم يوم بدر .

والصحيح : أن المراد بذلك يوم القيامة ، وهو الطامة العظمى ، وإن كان ما ذكر متصلا بذلك .

وحكى ابن جرير عن بعضهم قال : إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس ، ثم أورد في ذلك حديثا موضوعا بالكلية .

ثم لم ينبه على ذلك ، وهذا أمر عجيب غريب منه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ولو ترى يا محمد إذ فزعوا.

واختلف أهل التأويل في المعنيين بهذه الآية؛ فقال بعضهم: عُنِي بها هؤلاء المشركون الذين وصفهم تعالى ذكره بقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ قال: وعُنِي بقوله ( إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) عند نـزول نقمة الله بهم في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ...) الى آخر الآية، قال: هذا من عذاب الدنيا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) قال: هذا عذاب الدنيا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ فُزِعُوا فَلا فَوْتَ ...) إلى آخر السورة، قال: هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، نـزلت فيهم هذه الآية، قال: وهم الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم، أهل بدر من المشركين.

&; 20-422 &; وقال آخرون: عنى بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد في قوله ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ) قال: هم الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه.

حدثنا عصام بن روَّاد بن الجراح قال: ثنا أَبي قال: ثنا سفيان بن سعيد قال: ثني منصور بن المعتمرِ عن رِبْعيِّ بن حِراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك، حتى ينـزل دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينـزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشأم، فتخرج راية هذا من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على الفئتين، فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ، ويخلي جيشه التالي بالمدينة، فينهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء، بعث الله جبريل، فيقول: يا جبرائيل اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ (وَلَوْ تَرَى إِذْ فُزِعُوا فَلا فَوْتَ ...) الآية، ولا ينفلت منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير والآخر نذير، وهما من جهينة، فلذلك جاء القول: ...

...

...

...

...

...

وَعِنْــدَ جُهَينَــةَ الْخَــبَرُ اليَقِيــنُ (1) حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: سألت رواد بن الجراح، عن الحديث الذي حدث به عنه، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعى عن حذيفة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، عن قصة ذكرها في الفتن، قال: فقلت له: أخبرني عن هذا الحديث سمعته من سفيان الثوري؟

قال: لا قلت: فقرأته عليه؟

قال: لا قلت: فقرئ عليه وأنت حاضر؟

قال: لا قلت: فما قصته فما خبره؟

قال: جاءني قوم فقالوا: معنا حديث عجيب، أو كلام هذا معناه، نقرؤه وتسمعه، قلت لهم: هاتوه، فقرءوه عليَّ ، ثم ذهبوا فحدثوا به عني، أو كلام هذا معناه.

قال أَبو جعفر: وقد حدثني ببعض هذا الحديث محمد بن خلف، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، عن سفيان الثوري، عن منصور عن ربعى عن حذيفة عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، حديثا طويلا قال: رأيته في كتاب الحسين بن علي الصدائي، عن شيخ عن رواد عن سفيان بطوله.

وقال آخرون: بل عني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن قوله &; 20-424 &; (وَلَوْ تَرَى إِذْ فُزِعُوا) قال: فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم.

وقال قتادة: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) حين عاينوا عذاب الله.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير عن عطاء عن ابن معقل ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ) قال: أفزعهم يوم القيامة فلم يفوتوا.

والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشبه بما دل عليه ظاهر التنـزيل قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من قومه، لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرًا لما لم يجر له ذكر.

وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله (فَلا فَوتَ) يقول: فلا سبيل حينئذٍ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربًا، وينجوا من عذابنا.

كما حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ) يقول: فلا نجاة.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا مروان عن جويبر عن الضحاك في قوله ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال: لا هرب.

وقوله (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) يقول: وأخذهم الله بعذابه من موضع قريب، لأنهم حيث كانوا من الله قريب لا يبعدون عنه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب .قوله تعالى : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق .

والمعنى : لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم ، روي معناه عن ابن عباس .

الحسن : هو فزعهم في القبور من الصيحة .

وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم ; وقاله قتادة .

وقال ابن مغفل : إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة .

السدي : هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى التوبة .

سعيد بن جبير : هو الجيش الذي يخسف به في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون ، فهذا هو فزعهم .

( فلا فوت ) فلا نجاة ; قاله ابن عباس .

مجاهد : فلا مهرب .

وأخذوا من مكان قريب أي من القبور .

وقيل : من حيث كانوا ، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه .

وقال ابن عباس : نزلت في ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها ، وكلما يدخلون البيداء يخسف بهم ; فهو الأخذ من مكان قريب .قلت : وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب : ( فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين ، جيشا إلى المشرق ; وجيشا إلى المدينة ، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة - يعني مدينة بغداد - قال : فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس ، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم ، وذلك قوله تعالى : [ ص: 283 ] ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ، ولذلك جاء القول : وعند جهينة الخبر اليقين .

وقيل : أخذوا من مكان قريب أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت ) .

وهذا على قول من يقول : هذا الفزع عند النزع .

ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة ; يقال : فزع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف .

ومنه الخبر إذ قال للأنصار : ( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) .

ومن قال : أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال : أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة .

ومن قال : هو فزع يوم القيامة قال : أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها .

وقيل : أخذوا من مكان قريب من جهنم فألقوا فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى { وَلَوْ تَرَى } أيها الرسول, ومن قام مقامك, حال هؤلاء المكذبين، { إِذْ فَزِعُوا } حين رأوا العذاب, وما أخبرتهم به الرسل, وما كذبوا به, لرأيت أمرا هائلا, ومنظرا مفظعا, وحالة منكرة, وشدة شديدة, وذلك حين يحق عليهم العذاب.فليس لهم عنه مهرب ولا فوت { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي: ليس بعيدا عن محل العذاب, بل يؤخذون, ثم يقذفون في النار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(ولو ترى إذ فزعوا ) قال قتادة عند البعث حين يخرجون من قبورهم ) ( فلا فوت ) أي : فلا يفوتونني كما قال : " ولات حين مناص " ( ص - 3 ) ، وقيل : إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة ( وأخذوا من مكان قريب ) قال الكلبي من تحت أقدامهم ، وقيل : أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها ، وحيثما كانوا فهم من الله قريب ، لا يفوتونه .

وقيل : من مكان قريب يعني عذاب الدنيا .

وقال الضحاك : يوم بدر .

وقال ابن أبزى : خسفوا بالبيداء ، وفي الآية حذف تقديره : ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولوْ ترى» يا محمد «إذْ فزعوا» عند البعث لرأيت أمرا عظيما «فلا فوت» لهم منا، أي لا يفوتوننا «وأخذوا من مكان قريب» أي القبور.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو ترى -أيها الرسول- إذ فَزِعَ الكفار حين معاينتهم عذاب الله، لرأيت أمرًا عظيمًا، فلا نجاة لهم ولا مهرب، وأُخذوا إلى النار من موضع قريب التناول.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأخيرا نرى سورة " سبأ " تختتم بهذه الآيات ، التى تصور تصويرا مؤثرا ، حالة الكافرين عندما يخرجون من قبولهم للبعث والحساب ، يعلوهم الهلع والفزع ، ويحال بينهم وبين ما يشيتهون ، لأن توبتهم جاءت فى غير أوانها .

.

.

قال - تعالى - : ( وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ .

.

.

فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ) .وجواب ( لَوْ ) محذوف .

وكذلك مفعول ( ترى ) .

والفزع : حالة من الخوف والرعب تعترى الإِنسان عندما يشعر بما يزعجه ويخفيه .

والفوت : النجاة والمهرب ، وهذا الفزع للكافرين يكون عند خروجهم من قبورهم للبعث والحساب ، أو عند قبض أرواحهم .أى : ولو ترى - أيها العاقل - حال الكافرين ، وقت خروجهم من قبورهم للحساب ، وقد اعتراهم الفزع والهلع .

.

لرأيت شيئا هائلا ، وأمرا عظيما .

.وقوله ( فَلاَ فَوْتَ ) أى : فلا مهرب لهم ولا نجاة يومئذ من الوقوف بين يدى الله - تعالى - للحساب ، ولمعاقبتهم على كفرهم وجحودهم .

.وقوله : ( وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) معطوف على ( فَزِعُواْ ) أى : فزعوا دون أن ينفعهم هذا الفزع ، وأخذوا ليلقوا مصيرهم السيئء من مكان قريب من موقف الحساب .قال الآلوسى : والمراد بذكر قرب المكان ، سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم ، وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله - عز وجل - .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما قال: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ قال هو قريب فإن لم يعذب عاجلاً ولا يعين صاحب الحق في الحال فيوم الفزع آت لا فوت، وإنما يستعجل من يخاف الفوت.

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ جوابه محذوف أي ترى عجباً ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ لا يهربون وإنما الأخذ قبل تمكنهم من الهرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ جوابه محذوف، يعني: لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة.

و (لو) و (إذ) والأفعال التي هي ﴿ فزعوا ﴾ و ﴿ أخذوا ﴾ وحيل بينهم: كلها للمضي.

والمراد بها الاستقبال؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه، ووقت الفزع: وقت البعث وقيام الساعة.

وقيل: وقت الموت.

وقيل: يوم بدر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في خسف البيداء، وذلك أن ثمانين ألفاً يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

وقرئ: ﴿ فلا فوت ﴾ والأخذ من مكان قريب: من الموقف إلى النار إذا بعثوا.

أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا.

أو من صحراء بدر إلى القليب.

أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأُخِذُواْ ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: العطف على فزعوا، أي: فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم.

أو على لا فوت، على معنى: إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

وقرئ: ﴿ وأخذ ﴾ وهو معطوف على محل لا فوت ومعناه: فلا فوت هناك، وهناك أخذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا.

﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ بِهَرَبٍ أوْ تَحَصُّنٍ.

﴿ وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، أوْ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى القَلِيبِ، والعَطْفُ عَلى ( فَزِعُوا ) أوْ لا فَوْتَ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَأُخِذَ» عَطْفًا عَلى مَحَلِّهِ أيْ: فَلا فَوْتَ هُناكَ وهُناكَ أُخِذَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ تَرَى} جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة {إِذْ فَزِعُواْ} عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر {فَلاَ فَوْتَ} فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبقونه {وأخذوا} عطف على فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لافوت على معنى إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى القليب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ أيِ اِعْتَراهُمُ اِنْقِباضٌ ونِفارٌ مِنَ الأمْرِ المَهُولِ المُخِيفِ، والخِطابُ في تَرى لِلنَّبِيِّ  أوْ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، ومَفْعُولُ ﴿ تَرى ﴾ مَحْذُوفٌ، أيِ الكُفّارُ أوْ فَزَعُهم أوْ هو ﴿ إذْ ﴾ عَلى التَّجَوُّزِ إذِ المُرادُ بِرُؤْيَةِ الزَّمانِ رُؤْيَةُ ما فِيهِ أوْ هو مَتْرُوكٌ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ لَوْ تَقَعُ مِنكَ رُؤْيَةٌ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا، وهَذا الفَزَعُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ يَوْمَ القِيامَةِ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّهُ فَزَعُ البَعْثِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ حِينَ عايَنُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ فَقِيلَ هو فَزَعُ الحَرْبِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ فَزَعُ ضَرْبِ أعْناقِهِمْ ومُعايَنَةِ العَذابِ، وقِيلَ في آخِرِ الزَّمانِ حِينَ يَظْهَرُ المَهْدِيُّ ويُبْعَثُ إلى السُّفْيانِيِّ جُنْدًا فَيَهْزِمُهم ثُمَّ يَسِيرُ السُّفْيانِيُّ إلَيْهِ حَتّى إذا كانَ بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِ وبِمَن مَعَهُ فَلا يَنْجُو مِنهم إلّا المُخْبَرُ عَنْهم فالفَزَعُ فَزَعُ ما يُصِيبُهم يَوْمَئِذٍ.

﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِهَرَبٍ أوْ نَحْوِهِ عَمّا يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى القَلِيبِ، أوْ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ إذا خُسِفَ بِهِمْ، والمُرادُ بِذِكْرِ قُرْبِ المَكانِ سُرْعَةُ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ وبِهَلاكِهِمْ، وإلّا فَلا قُرْبَ ولا بُعْدَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ فَزِعُوا ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ، قالَ في الكَشْفِ: وكَأنَّ فائِدَةَ التَّأْخِيرِ أنْ يُقَدَّرَ فَلا فَوْتَ ثانِيًا إمّا تَأْكِيدًا وإمّا أنَّ أحَدَهُما غَيْرُ الآخَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ الفَوْتِ سَبَبٌ لِلْأخْذِ وأنَّ الأخْذَ سَبَبٌ لِتَحَقُّقِهِ وُجُودًا، وفِيهِ مُبالِغَةٌ حَسَنَةٌ، وقِيلَ عَلى لا ﴿ فَوْتَ ﴾ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَفُوتُوا وأُخِذُوا، واخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ مُعْتَرِضًا عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ لا يُرادُ ولَوْ تُرى وقْتَ فَزَعِهِمْ وأخْذِهِمْ وإنَّما المُرادُ ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ولَمْ يَفُوتُوا وأُخِذُوا، وبِما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ يَتَحَصَّلُ الجَوابُ عَنْهُ.

وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ ﴿ فَزِعُوا ﴾ أوْ مِن خَبَرِ لا المُقَدَّرِ وهو لَهم بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والفاءُ في ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ قِيلَ إنْ كانَتْ سَبَبِيَّةً فَهي داخِلَةٌ عَلى المُسَبَّبِ لِأنَّ عَدَمَ فَوْتِهِمْ مِن فَزَعِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ وإنْ كانَتْ تَعْلِيلِيَّةً فَهي تَدْخُلُ عَلى السَّبَبِ لِتَرَتُّبِ ذِكْرِهِ عَلى ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وإذا عُطِفَ ﴿ أُخِذُوا ﴾ عَلَيْهِ أوْ جُعِلَ حالًا مِنَ الخَبَرِ يَكُونُ هو المَقْصُودَ بِالتَّفْرِيعِ.

وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِيهِ وطَلْحَةُ «فَلا فَوْتٌ وأخْذٌ» مَصْدَرَيْنِ مُنَوَّنَيْنِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ «فَلا فَوْتَ» مَبْنِيًّا «وأخْذٌ» مَصْدَرًا مَنَّوْنا، وإذا رُفِعَ أخْذٌ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وحالُهم أخْذٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ وهُناكَ أخْذٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ «وأخْذٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( لا فَوْتَ ) ومَعْناهُ فَلا فَوْتَ هُناكَ، وهُناكَ أخْذٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قُلْ يا محمد إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي يعني: وزور الضلال على نفسي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ إلى الحق والهدى فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي يعني: اهتديت بما يُوحَى إِلَىَّ من القرآن إِنَّهُ سَمِيعٌ للدعاء قَرِيبٌ بالإجابة ممن دعاه.

وقيل للنابغة حين أسلم: أصبوت؟

يعني: آمنت بمحمد  .

قال: بلى.

هو غلبني بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل.

فأردت أن أقول ثلاثة أبيات من الشعر على قافيتها.

فلما سمعت هذه الآيات فعييت فيها ولم أطق، فعلمت أنه ليس من كلام البشر وهي هذه قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.

قوله عز وجل: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا يعني: خافوا من العذاب فَلا فَوْتَ يعني: فلا نجاة لهم منها وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.

روي عن الكلبي أنه قال: نزلت الآية في قوم يقال لهم: السفيانية يخرجون في آخر الزمان، عددهم ثلاثون ألف رجل إلى أن يبلغوا أرض الحجاز.

فافترقوا فرقتين.

فتقدمت فرقة إلى موضع يقال له: بيداء، صاح بهم جبريل-  - صيحة، فخسف بهم الأرض كلهم إلا واحداً منهم ينجو.

فيحول وجهه إلى خلفه.

فيرجع إلى الفرقة الأخرى، فيخبرهم بما أصابهم يعني: ولو ترى يا محمد فزعهم حين صاح بهم جبريل-  - فَلا فَوْتَ أي: لا يفوت منهم فائت وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني: خسف بهم البيداء بقرب مكة.

ويقال: يعني: يوم القيامة.

وَلَوْ تَرى يا مُحَمَّدٌ إِذْ فَزِعُوا حين نزل بهم العذاب يوم القيامة فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ كما قال: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ [النازعات: 36] .

وقال الحسن: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا من قبورهم يوم القيامة وقال الضحاك: يعني: يوم بدر.

ثم قال عز وجل: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ يعني: العذاب حين رأوه، يقول الله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ يعني: من أين لهم التوبة.

ويقال: من أين لهم الرجفة.

قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في إحدى الروايتين التناؤش بالهمز.

وقرأ الباقون بغير همز.

فمن قرأ بالهمز فهو من التَّناوُشُ وهو الحركة في إبطاء.

والمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه.

ومن قرأ بغير همز فهو من التناول.

ويقال: تناول إذا مدّ يده إلى شيء ليصل إليه، وتناوش يده إذا مدّ يده إلى شيء لا يصل إليه.

ثم قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من الآخرة إلى الدنيا.

وروي عن ابن عباس أنه قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال: سألوا الرد حين لا رد.

ثم قال عز وجل: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ يعني: كفروا بالله من قبل الموت.

ويقال به، يعني: بمحمد  ويقال: بالقرآن وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ يعني: يتكلمون بالظن في الدنيا مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.

ثم قال: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ يعني: من الرجفة إلى الدنيا ويقال: من التسوية.

كيف ينالون التسوية في هذا الوقت وقد كفروا به من قبل كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ يعني: الأقدمون أهل دينهم، الأولون من قبل الأشياع جمع الجمع.

يقال: شيعة وشيع وأشياع.

ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ يعني: هم في شكّ مما نزل بهم مريب.

يعني: إنهم لا يعرفون شكهم.

وقال القتبي في قوله: فلا فوت يعني: لا مهرب ولا ملجأ وهذا مثل قوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3] أي: نادوا حين لا مهرب والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ في زَمانِ هَذا الفَزَعِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ في الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الجَيْشُ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ بِالبَيْداءِ، يَبْقى مِنهم رَجُلٌ فَيُخْبِرُ النّاسَ بِما لَقُوا، وهَذا حَدِيثٌ مَشْرُوحٌ في التَّفْسِيرِ، وأنَّ هَذا الجَيْشَ يَؤُمُّ البَيْتَ الحَرامَ لِتَخْرِيبِهِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ.

وقالَ الضَّحّاكُ وزِيدُ بْنُ أسْلَمَ: هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ المَعْنى: فَلا فَوْتَ لَهُمْ، أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَفُوتُونا ﴿ وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن مَكانِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّانِي: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ بِالخَسْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مِنَ القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأيْنَ كانُوا، فَهم مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ أيْ: حِينَ عايَنُوا العَذابَ ﴿ آمَنّا بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: إلى البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إلى الرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: إلى القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " التَّناوُشُ " غَيْرَ مَهْمُوزٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِالهَمْزِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن هَمَزَ جَعَلَهُ مِن " نَأشْتُ "، ومَن لَمْ يَهْمِزْ، جَعَلَهُ مِن " نُشْتُ "، وهُما مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: تَناوَلْتُ الشَّيْءَ، بِمَنزِلَةِ: ذِمْتُ الشَّيْءَ وذَأمْتُهُ: إذا عِبْتَهُ؛ وقَدْ تَناوَشَ القَوْمُ في القِتالِ: إذْ تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالرِّماحِ، ولَمْ يَتَدانَوْا كُلَّ التَّدانِي، وقَدْ يَجُوزُ هَمْزُ " التَّناؤُشِ " وهي مِن " نُشْتُ " لِانْضِمامِ الواوِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ  ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن هَمَزَ " التَّناؤُشَ " فَلِأنَّ واوَ التَّناوُشِ مَضْمُومَةٌ، وكُلُّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّتُها لازِمَةٌ، إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَ مِنها هَمْزَةً، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُبْدِلْ، نَحْوُ: أدْؤُرٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ لِما أرادُوا بُلُوغَهُ وإدْراكَ ما طَلَبُوا مِنَ التَّوْبَةِ ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وهو المَوْضِعُ الَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ.

وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنّى لَهم بِتَناوُلِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقَدْ تَرَكُوا ذَلِكَ في الدُّنْيا والدُّنْيا قَدْ ذَهَبَتْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ آمَنّا بِهِ  ﴾ .

ومَعْنى ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِن قَبْلِ مُعايَنَةِ أهْوالِ الآخِرَةِ ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: يَرْمُونَ بِالظَّنِّ ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وهو بُعْدُهم عَنِ العِلْمِ بِما يَقُولُونَ.

وَفِي المُرادِ بِمَقالَتِهِمْ هَذِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهم في الدُّنْيا: لا بَعْثَ لَنا ولا جَنَّةَ ولا نارَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  هو ساحِرٌ، هو كاهِنٌ، هو شاعِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ﴾ أيْ: مُنِعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِمّا يَشْتَهُونَ، وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأهْلُ والمالُ والوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الإيمانُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: التَّوْبَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: حِيلَ بَيْنَ الجَيْشِ الَّذِي خَرَجَ لِتَخْرِيبِ الكَعْبَةِ وبَيْنَ ذَلِكَ بِأنْ خُسِفَ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما فُعِلَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ: " كَما فَعَلَ " بِفَتْحِ الفاءِ والعَيْنِ ﴿ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بِمَن كانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهم.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: كَما فُعِلَ بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هم أصْحابُ الفِيلِ حِينَ أرادُوا خَرابَ الكَعْبَةِ ﴿ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ ﴾ مِنَ البَعْثِ ونُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما" ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ.

وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي.

وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله: ﴿ فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي ﴾ [سبأ: 50] للعلم بأن الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحلّ بهم الفزع من مشاهدة ما هدّدوا به.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له أو لكل مخاطب.

وحذف جواب ﴿ لو ﴾ للتهويل.

والتقدير: لرأيت أمراً فظيعاً.

ومفعول ﴿ ترى ﴾ يجوز أن يكون محذوفاً، أي لو تراهم، أو ترى عذابهم ويكونَ ﴿ إذ فزعوا ﴾ ظرفاً ل ﴿ ترى ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ إذ ﴾ هو المفعول به وهو مجرد عن الظرفية، أي لو ترى ذلك الزمان، أي ترى ما يشتمل عليه.

والفزع: الخوف المفاجئ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إنكم لَتَكْثُرون عند الفَزَع وتَقِلُّون عند الطمع ".

وهذا الفزع عند البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيِّئين لهذا الوقت أسبابَ النجاة من هوله.

والأخذ: حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى: ﴿ فأخذهم أخذة رابية ﴾ [الحاقة: 10].

والمعنى: أُمسِكُوا وقَبض عليهم لملاقاة ما أعد لهم من العقاب.

وجملة ﴿ فلا فوت ﴾ معترضة بين المتعاطفات.

والفوت: التفلت والخلاص من العقاب، قال رويشد الطائي: إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم *** مما علي بذنب منكم فوت أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ذنبكم.

وفي «الكشاف»: «ولو، وإذْ، والأفعال التي هي فَزِعوا، وأُخذوا، وحيل بينهم، كلها للمضيّ، والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووُجد لتحققه» ا ه.

ويزداد عليها فعل ﴿ وقالوا ﴾ .

والمكان القريب: المحشر، أي أخذوا منه إلى النار، فاستغني بذكر ﴿ مِن ﴾ الابتدائية عن ذكر الغاية لأن كل مبدأ له غاية، ومعنى قرب المكان أنه قريب إلى جهنم بحيث لا يجدون مهلة لتأخير العذاب.

وليس بين كلمتي ﴿ قريب ﴾ هنا والذي في قوله: ﴿ إنه سميع قريب ﴾ [سبأ: 50] ما يشبه الإِيطاء في الفواصل لاختلاف الكلمتين بالحقيقة والمجاز فصار في الجمع بينهما محسِّن الجناس التام.

وعطف ﴿ وقالوا ﴾ على ﴿ وأخذوا ﴾ أي يقولون حينئذٍ: آمنّا به.

وضمير ﴿ به ﴾ للوعيد أو ليوم البعث أو للنبيء صلى الله عليه وسلم أو القرآن، إذا كان الضمير مَحكياً من كلامهم لأن جميع ما يصحّ مَعاداً للضمير مشاهد لهم وللملائكة، فأُجملوا فيما يراد الإِيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت فاستعجلوه بما يحسبونه مُنجياً لهم من العذاب، وإن كان الضمير من الحكاية فهو عائد إلى الحق من قوله: ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق ﴾ [سبأ: 48] لأن الحقّ يتضمن ذلك كله.

ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم ﴿ آمنّا به ﴾ إلى إضاعتهم وقت الإِيمان بجملة ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ إلى آخرها.

و ﴿ أنَّى ﴾ استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإِنكار.

و ﴿ التناوش ﴾ قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو الخفيف وأكثر وروده في شرب الإِبل شرباً خفيفاً من الحوض ونحوه، قال غَيلان بن حُريْث: باتتْ تنُوش الحوضَ نَوْشاً من عَلا *** نَوْشاً به تقطع أجْواز الفَلا يتحدث عن راحلته، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه.

وجملة ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المِكْنَة منها حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوله.

وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض.

وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بالهمزة في موقع الواو فقال الزجاج: وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى: ﴿ أقتت ﴾ [المرسلات: 11] وقولهم: أَجُوهٌ: جمع وجه.

وبحث فيه أبو حيان، وقال الفراء والزجاج أيضاً: هو من نَأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل.

ومنه قول نهشل بن حَرِي النهشلي: تمنّى نَئِيشاً أن يكون أطاعني *** وقد حدثت بعد الأمور أمور أي تمنّى أخيراً.

وفسر المعري في «رسالة الغفران» نئيشاً بمعنى: بعد ما فات.

وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم: ﴿ آمنا به ﴾ بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته.

وفي الجمع بين ﴿ مكان قريب ﴾ و ﴿ مكان بعيد ﴾ محسن الطباق.

وجملة ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ في موضع الحال، أي كيف يقولون آمنّا به في وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبلُ في وقت التمكن فهو كقوله تعالى: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ [القلم: 43].

﴿ ويقذفون ﴾ عطف على ﴿ كفروا ﴾ فهي حال ثانية.

والتقدير: وكانوا يقذفون بالغيب.

واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38].

والقذف: الرمي باليد من بعد.

وهو هنا مستعار للقول بدون تروِّ ولا دليل، أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا البعث والجزاء وقالوا لشركائهم: هم شفعاؤنا عند الله.

ولك أن تجعل ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ تمثيلاً مثل ما في قوله ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ ، شبهوا بحال من يقذف شيئاً وهو غائب عنه لا يراه فهو لا يصيبه البتة.

وحُذف مفعول ﴿ يقذفون ﴾ لدلالة فعل ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ عليه، أي يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافاً.

والغيب: المغيَّب.

والباء للملابسة، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير ﴿ يقذفون ﴾ ، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد.

و ﴿ مكان بعيد ﴾ هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا، وهي مكان بعيد عن الآخرة للاستغناء عن استعارته لِما لا يشاهد منه بقوله: ﴿ بالغيب ﴾ كما علمت فتعين للحقيقة لأنها الأصل، وبذلك فليس بين لفظ ﴿ بعيد ﴾ المذكور هنا والذي في قوله: ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ ما يشبه الإِيطاء لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ في فَزَعِهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَزَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَزَعُهم في الدُّنْيا حِينَ رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو الجَيْشُ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ في البَيْداءِ فَيَبْقى مِنهم رَجُلٌ فَيُخْبِرُ النّاسَ بِما لَقِيَ أصْحابُهُ فَيَفْزَعُوا فَهَذا هو فَزَعُهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: هو فَزَعُهم يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا فِرارًا مِنَ العَذابِ ولا رُجُوعًا إلى التَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: هو فَزَعُهم في القُبُورِ مِنَ الصَّيْحَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا نَجاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَلا مَهْرَبَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّالِثُ: فَلا سَبْقَ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: هو جَيْشُ السُّفْيانِيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: عَذابُ الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: حِينَ خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ نافِعٍ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: في أُسَرِّ ما كانُوا فِيهِ نُفُوسًا، وأقْوى ما كانُوا عَلَيْهِ أمَلًا لِأنَّهُ أقْرَبُ بَلاءً مِن نِعَمِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِاللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بِالرُّسُلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وفي التَّناوُشِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو الرَّجْعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيَّ مَيٌّ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ الثّانِي: هو التَّوْبَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: هو التَّناوُلُ مِن قَوْلِهِمْ نَشَتْهُ أنُوشُهُ نَوْشًا إذا تَناوَلَهُ مِن قَرِيبٍ، وقَدْ تَناوَشَ القَوْمُ إذا دَنا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَلْتَحِمِ القِتالُ بَيْنَهم، قالَ الشّاعِرُ فَهي تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما بَيْنَ الآخِرَةِ والدُّنْيا، رَواهُ القاسِمُ بْنُ نافِعٍ.

الثّالِثُ: هو طَلَبُهُمُ الأمْرَ مِن حَيْثُ لا يُنالُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: بَعِيدٌ عَلَيْهِمْ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بِالرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن قَبْلِ العَذابِ.

﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ ويَقُولُونَ في الدُّنْيا لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ طَعْنُهم في القُرْآنِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: هو طَعْنُهم في رَسُولِ اللَّهِ  بِأنَّهُ شاعِرٌ أوْ ساحِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَمّاهُ قَذْفًا لِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ حَقٍّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي بِالمَوْتِ، وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَيْنَهم وبَيْنَ التَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: بَيْنَهم وبَيْنَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ خُلَيْدٌ.

الخامِسُ: حِيلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ العَمَلِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي يَزِيدَ.

﴿ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ الفِيلِ حِينَ أرادُوا خَرابَ الكَعْبَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: هم أمْثالُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

﴿ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْرِفُونَ نَبِيَّهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: هو شَكُّهم في وُقُوعِ العَذابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا ﴾ قال: في الدنيا عند الموت حين عاينوا الملائكة، ورأوا بأس الله ﴿ وأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ [ غافر: 84] قال: لا سبيل لهم إلى الإِيمان كقوله: ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وقد كفروا به من قبل ﴾ قال: قد كانوا يدعون إليه وهم في دعة ورخاء، فلم يؤمنوا به ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ يرجمون بالظن يقولون: إنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ قال: اشتهوا طاعة الله لو أنهم عملوا فحيل بينهم وبين ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ فلا فوت ﴾ فلم يفوتوا ربك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا ﴾ قال: في القبور من الصيحة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا...

﴾ قال: هذا يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعاينوا العذاب فلم يستطيعوا فراراً من العذاب، ولا رجوعاً إلى التوبة.

وأخرج عبد بن حميد والضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ﴾ قال: هو يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ﴾ قال: هم قتلى المشركين من أهل بدر، نزلت فيهم هذه الآيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ﴾ قال: هو جيش السفياني قال: من أين أخذ؟

قال: من تحت أقدامهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا...

﴾ قال: قوم خسف بهم أخذوا من تحت أقدامهم.

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبعث ناس إلى المدينة، حتى إذا كانوا ببيداء بعث الله عليهم جبريل عليه السلام، فضربهم برجله ضربة، فيخسف الله بهم، فذلك قوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فَوْتَ وأُخذوا من مكان قريب ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ﴾ قال: هم الجيش الذين يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي معقل رضي الله عنه ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ﴾ قال: أخذوا فلم يفوتوا.

وأخرج أحمد عن نفيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به، فقد أطلت الساعة» .

وأخرج أحمد ومسلم والحاكم عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليؤمنّ هذا البيت جيش يغزونه حتى إذا كانوا بالبيداء خسف أوساطهم، فينادي أولهم آخرهم، فيخسف بهم خسفاً، فلا ينجو إلا الشريد الذي يخبر عنهم» .

وأخرج أحمد عن حفصة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم، فيصيبهم ما أصابهم.

قلت: يا رسول الله فكيف بمن كان مستكرهاً؟

قال: يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرئ على نيته» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بأولهم وآخرهم، ولم ينج أوسطهم قلت: يا رسول الله أرأيت المكره؟

قال: يبعثهم الله على ما في أنفسهم» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أم سلمه رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يعوذ عائذ بالحرم فيبعث إليه بعث، فإذا كان ببيداء من الأرض خسف بهم قلت: يا رسول الله فكيف بمن يخرج كارهاً؟

قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث على نيته يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبايع الرجل من أمتي بين الركن والمقام كعدة أهل بدر، فيأتيه عصب العراق، وابدال الشام، فيأتيهم جيش من الشام حتى إذا كانوا خسف بهم، ثم يسير إليه رجل من قريش أخواله كلب، فيهزمهم الله قال: وكان يقال إن الخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المحروم من حرم غنيمة كلب ولو عقالاً، والذي نفسي بيده لَتُبَاعَنَّ نساؤهم على درج دمشق، حتى ترد المرأة من كسر بساقها» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنتهي البعوث عن غزو بيت الله حتى يخسف بجيش منهم» .

وأخرج الحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في ذي القعدة تحارب القبائل، وعامئذ ينهب الحاج، فتكون ملحمة بمنى حتى يهرب صاحبهم، فيبايع بين الركن والمقام وهو كاره، يبايعه مثل عدة أهل بدر، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فيجمع لهم قيس، فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحذركم سبع فتن: فتنة تقبل من المدينة.

وفتنة بمكة.

وفتنة من اليمن.

وفتنة تقبل من الشام.

وفتنة تقبل من المشرق.

وفتنة تقبل من الغرب.

وفتنه من بطن الشام وهي السفياني.

فقال ابن مسعود رضي الله عنه: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها قال الوليد بن عياش رضي الله عنه: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة ابن الزبير، وفتنة الشام من قبل بني أميه، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد حتى بهتوا (١) ﴿ فَلَا فَوْتَ ﴾ يقول: لا يفوتني أحد ولا ينجو مني ظالم.

ومذهب أكثر أهل التفسير أن هذا الفزع لهم عند البعث، وهو اختيار أبي إسحاق قال: هذا في وقت بعثهم (٢) ﴿ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ يعني: القبور.

وذهب آخرون إلى أن هذا الفزع لهم في القيامة.

وهو مذهب الحسن وابن معقل (٣) (٤) ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ﴾ قال ابن معقل (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ قال ابن عباس وأكتر المفسرين: يريد من تحت أقدامهم (٦) وقال آخرون: من حيث كانوا؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه (٧) وقال أبو إسحاق: وجواب لو محذوف، المعنى: لو ترى ذلك لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة (٨) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ فَلَا فَوْتَ ﴾ منظوم بما بعده، وهو قوله: ﴿ وَأُخِذُوا ﴾ والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتون.

وقال الزجاج: أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يفوتوا (٩) (١) انظر: "القرطبي" 14/ 314، "زاد المسير" 6/ 467.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.

(٣) انظر: قول ابن معقل والحسن في كل من: "الطبري" 22/ 108، "الدر المنثور" 6/ 712.

وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 467، ونسبه للأكثرين.

(٤) هو: أبو عمرو، وقيل: أبو زرعة بلال بن سعد بن تميم الأشعري، وقيل: الكندي الدمشقي، شيخ أهل دمشق في زمانه، تابعي جليل، وكانت لأبيه سعد صحبة، روى عن أبيه سعد وعن جابر بن عبد الله وأبي الدرداء وغيرهم.

وروى عنه خلق كثير، وكان واعظًا بليغًا عابدًا مجتهدًا، توفي رحمه الله سنة نيف وعشرة ومائة.

انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 90/ 5.

(٥) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمد بن محفوظ بن معقل النيسابوري، شيخ محتشم، وكان أحد المجتهدين في العبادة، سمع أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس بن السراج، وروى عنه الحاكم، توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 381 هـ.

انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 5/ 90.

(٦) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 458 ونسبه لمجاهد، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 469 ونسبه لمقاتل.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 109، "تفسير الماوردي" 4/ 458، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 426.

(٨) لم أقف على قول الزجاج، وليس هو في "معاني القرآن" له.

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لرأيت أمراً عظيماً، أو معنى ﴿ فَزِعُواْ ﴾ : أسرعوا إلى الهروب، والفعل ماضي بمعنى الاستقبال، وكذلك ما بعده من الأفعال، ووقت الفزع البعث، وقيل: الموت، وقيل: يوم بدر ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ أي يفوتون الله إذ هربوا ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ يعني من الموقف إلى النار إذا بعثوا، أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من أرض بدر إلى القليب، والمراد على كل قول سرعة أخذهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.

﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.

الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.

ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.

وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله  قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.

وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.

وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.

و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.

وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.

ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟

فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.

وقيل: أراد بالفزع أنه  لما أوحى إلى محمد  فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد  من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟

قال جبرائيل وأتباعه: الحق.

وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.

وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.

وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.

وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.

وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.

وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.

وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.

وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.

ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.

وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.

ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.

ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.

وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.

وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.

وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.

وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.

ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.

"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.

وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.

قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.

وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.

ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.

يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد  في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.

وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.

وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.

وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.

وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.

ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.

وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.

ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.

والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.

أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.

وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.

وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.

والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.

وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.

ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.

وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.

والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.

وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.

وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.

ثم سلى نبيه  بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.

وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.

ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.

ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.

وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.

ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.

والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.

والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.

وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه  قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.

ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.

ومما يؤكد الآية قوله  "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.

وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟

﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.

وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.

ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس  ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.

وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.

وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.

ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.

ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.

وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به  ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة  ﴾ وههنا لم يروا النار.

وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.

ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.

ولا يخفى ما فيه من المبالغات.

ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.

قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.

ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.

وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد  من البيان والبرهان لأن محمداً  أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.

ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟

قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟

نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد  .

ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.

قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟

وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟

﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.

ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.

وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.

والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.

وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.

فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.

وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.

فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.

وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد  والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.

لكن محمداً  بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.

وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ  والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.

وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.

وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.

وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.

هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.

ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى  ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً  ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.

﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.

قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.

وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.

وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي  وعلى يده.

وقيل: السيف.

وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.

والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.

ولما كان ما جاء به النبي  من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.

وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟

ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.

قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.

وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول  إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.

ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.

والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.

وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.

وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.

وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.

والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.

وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .

قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.

وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.

وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.

ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.

وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً  ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.

﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.

التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.

﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.

فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه  وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد  ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.

يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.

ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: وذلك أنهم بعثوا بعثين قاصدين تخريب الكعبة، فلما بلغوا البيداء خسف أحدهما والآخر ينظر وينفلت منهم مخبر، فيحول وجهه في فقاه فيخبرهم بما لقوا؛ وذلك قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ ﴾ من الخسف والعذاب ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ عن عذاب الله ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ .

أو من تحت أقدامهم يخسف بهم الأرض؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ من تخريب الكعبة كما فعل بأشياعهم من قبل، وهم أصحاب الفيل؛ وعلى ذلك روي عن أم سلمة عن النبي  : "أنه يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فلا ينفلت منهم إلا واحد يخبر عنهم، قالت: يا رسول الله، وإن كان فيهم المكره؟

قال رسول الله  : يبعثون على نياتهم" وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ ﴾ وهو عند الموت يفزعون منه، ولا فوت لهم عنه، ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: على المكان.

والحسن يقول: ﴿ فَزِعُواْ ﴾ من القبور ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ يقول: أخذوا عند ذلك وهو المكان القريب.

وقال بعضهم: ذلك عند القيامة يفزعون عند معاينتهم العذاب، وأفزعهم ذلك ولا يفوتون الله.

﴿ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ ﴾ .

وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ الآية [غافر: 84]؛ وكقول فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ أنهم سألوا الرجعة والرد أن ينالوه من مكان بعيد؛ قالوا: من الآخرة إلى الدنيا.

وقال بعضهم: أي: لا سبيل لهم إلى الإيمان في ذلك الوقت، وقد كفروا به من قبل في حال الدعة والرخاء فلم يؤمنوا.

وقال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: من حيث لا ينال ولا يكون؛ فذلك البعيد؛ كقول الله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، أي: من حيث لا يكون أبداً ليس على إرادة حقيقة المكان.

وقتادة يقول: هو عند الموت وعند نزول العذاب بهم، ليس من أحد بلغ ذلك الوقت إلا وهو يؤمن ويتمنى الإيمان لكن لا ينفع؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 158] على ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: معناه - والله أعلم -: وذلك أنهم كانوا في الدنيا يشكون في الآخرة، ويكفرون بالغيب، ويرجمون بالظن.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: يتكلمون بالإيمان من مكان تباعد عنهم، فلا يقبل منهم، وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه، ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ ، من قبول التوبة والإيمان عند نزول العذاب بهم، أو عند معاينتهم إياه، كما فعل بأشياعهم من قبل، يقول: كما عذب أوائلهم من الأمم الخالية من قبل هؤلاء؛ لأنهم كانوا في شك من العذاب أو البعث والقيامة مريب.

وقال بعضهم: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من أهل أو مال أو زهرة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ : هو قولهم: هو ساحر هو شاعر كاهن.

والتناوش عند عامة أهل التأويل: التناول.

وقال بعضهم: الرجعة والردّ إلى الدنيا.

قال أبو عوسجة: التناوش: التناول من موضع بعيد لا يكون من قريب.

والقتبي يقول: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ ﴾ ، أي: تناول ما أرادوا بلوغه وإدراك ما طلبوا من التوبة من الموضع الذي لا يقبل فيه التوبة.

قال أبو معاذ والزجاج: الناش في كلام العرب: الطلب، تقول: ناشت إليه، أي: طلبت منه، لكن هذا ليس من باب التناوش.

وقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا من اختلافهم: منهم من قال: بين الإيمان والتوبة، ومنهم من قال: بين شهواتهم التي كانت لهم في الدنيا، لكن كأنه على الإيمان والتوبة، فإنما حيل بينهم وبين القبول للإيمان والتوبة، وإلا نفس الفعل قد أتوا به، وإن كان على الشهوات فهو على حقيقة حيلولة الفعل، وكذلك إن كان على تخريب البيت على ما يقوله بعض أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ بِأَشْيَاعِهِم ﴾ : أمثالهم وأشباههم، فهو - والله أعلم - بأشباههم وأمثالهم في التكذيب والجحود.

وقال بعضهم: هو من شيعة الرجل.

وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ﴾ ، من العذاب بأنه غير نازل بهم.

وقال [بعضهم]: إنهم كانوا في شك من البعث والإحياء بعد الممات وشكهم وريبهم؛ لما استبعدوا الإحياء بعد الهلاك وبعدما صاروا رماداً، فمن هذه الحجة أنكروا، ثم لم يروا خلق الشيء للفناء خاصة، لا لعاقبة وحكمة، فارتابوا في ذلك، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو ترى -أيها الرسول- إذ فزع هؤلاء المكذبون لمَّا عاينوا العذاب يوم القيامة، فلا مفر لهم منه، ولا ملجأ يلتجئون إليه، وأخذوا من مكان قريب سهل التناول من أول وهلة، ترى ذلك لرأيت أمرًا عجبًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.AMZmn"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله