الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٥٢ من سورة سبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٢ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وقالوا آمنا به ) أي : يوم القيامة يقولون : آمنا بالله وبكتبه ورسله ، كما قال تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) [ السجدة : 12 ] ; ولهذا قال تعالى : ( وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) أي : وكيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار الآخرة ، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء ، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان ، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد .
قال مجاهد : ( وأنى لهم التناوش ) قال : التناول لذلك .
وقال الزهري : التناوش : تناولهم الإيمان وهم في الآخرة ، وقد انقطعت عنهم الدنيا .
وقال الحسن البصري : أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال ، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد .
وقال ابن عباس : طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه ، وليس بحين رجعة ولا توبة .
وكذا قال محمد بن كعب القرظي ، رحمه الله .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله: آمنَّا به، يعني: آمنَّا بالله وبكتابه ورسوله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) قالوا: آمنَّا بالله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) عند ذلك، يعني: حين عاينوا عذاب الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) بعد القتل، وقوله (وأنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) يقول: ومن أي وجه لهم التناوش.
واختلفت قراء الأمصار في ذلك؛ فقرأته عامة قراء المدينة (التَّنَاوُشُ) بغير همز، بمعنى: التناول، وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة: (التَّنَاؤُشُ) بالهمز، بمعنى: التنؤُّش، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته: أخذته من قريب، ومن التنؤش قول الشاعر: تَمَنَّــى نَئِيشًـا أنْ يَكـونَ أطَـاعَني وقــدْ حَـدَثَتْ بَعْـدَ الأمُـورِ أمُـورُ (2) ومن النوش قول الراجز: فَهـيَ تَنُـوشُ الحَـوضَ نَوشًا مِن عَلا نَوشًــا بِــهِ تَقْطَـعُ أجْـوَازَ الفَـلا (3) ويقال للقوم في الحرب، إذا دنا بعضهم إلى الرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بالله، في حين لا ينفعهم قيل ذلك، فقال الله (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) أي: وأين لهم التوبة والرجعة، أي: قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها، وإنما وصفت ذلك الموضع بالبعيد، لأنهم قالوا: ذلك في القيامة فقال الله: أنى لهم بالتوبة المقبولة، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدًا من الآخرة، فبأي القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.
وقد يجوز أن يكون الذين قرءوا ذلك بالهمز همزوا وهم يريدون معنى من لم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قيل: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ فجعلت الواو من وقتت إذا كانت مضمومة همزوه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن عطية قال: ثنا إسرائيل عن أَبي إسحاق عن التميمي قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) قال: يسألون الرد وليس بحين رد.
حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام عن عنبسة عن أَبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس نحوه.
حدثني علي، قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) يقول: فكيف لهم بالرد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) قال: الرد.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) قال: التناوب (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال: هؤلاء قتلى أهل &; 20-428 &; بدر من قتل منهم، وقرأ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ ...
الآية، قال: التناوش: التناول، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد وقد تركوها في الدنيا، قال: وهذا بعد الموت في الآخرة.
قال: وقال ابن زيد في قوله (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) بعد القتل (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) وقرأ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ قال: ليس لهم توبة، وقال: عرض الله عليهم أن يتوبوا مرة واحدة، فيقبلها الله منهم، فأبوا، أو يعرضون التوبة بعد الموت، قال: فهم يعرضونها في الآخرة خمس عرضات، فيأبى الله أن يقبلها منهم، قال: والتائب عند الموت ليست له توبة وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ...
الآية، وقرأ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ .
حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا مروان عن جويبر عن الضحاك فى قول (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ) قال: وأنَّى لهم الرجعة.
وقوله (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) يقول: من آخرتهم إلى الدنيا.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) من الآخرة إلى الدنيا.
قوله تعالى : وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد .قوله تعالى : وقالوا آمنا به أي القرآن .
وقال مجاهد : بالله عز وجل .
الحسن : بالبعث .
قتادة : بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنى لهم التناوش من مكان بعيد قال ابن عباس والضحاك : التناوش الرجعة ; أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا ، وهيهات من ذلك !
ومنه قول الشاعر :تمنى أن تئوب إلي مي وليس إلى تناوشها سبيلوقال السدي : هي التوبة ; أي طلبوها وقد بعدت ، لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا .
وقيل : التناوش التناول ; قال ابن السكيت : يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته : ناشه ينوشه نوشا .
وأنشد :فهي تنوش الحوض نوشا من علا نوشا به تقطع أجواز الفلاأي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا ، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر .
قال : ومنه المناوشة في القتال ; وذلك إذا تدانى الفريقان .
ورجل نووش أي ذو بطش .
والتناوش .
التناول : والانتياش مثله .
قال الراجز :كانت تنوش العنق انتياشا[ ص: 284 ] قوله تعالى : وأنى لهم التناوش من مكان بعيد يقول : أنى لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا .
وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة : ( وأنى لهم التناؤش ) بالهمز .
النحاس : وأبو عبيدة يستبعد هذه القراءة ; لأن ( التناؤش ) بالهمز البعد ، فكيف يكون : وأنى لهم البعد من مكان بعيد .
قال أبو جعفر : والقراءة جائزة حسنة ، ولها وجهان في كلام العرب ، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد .
فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ، ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية ، وذلك كثير في كلام العرب .
وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة وإذا الرسل أقتت والأصل ( وقتت ) لأنه مشتق من الوقت .
ويقال في جمع دار : أدؤر .
والوجه الآخر ذكره أبو إسحاق قال : يكون مشتقا من النئيش وهو الحركة في إبطاء ; أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد ، يقال : نأشت الشيء أخذته من بعد والنئيش : الشيء البطيء .
قال الجوهري : التناؤش ( بالهمز ) التأخر والتباعد .
وقد نأشت الأمر أنأشه نأشا أخرته ; فانتأش .
ويقال : فعله نئيشا أي أخيرا .
قال الشاعر :تمنى نئيشا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أموروقال آخر :قعدت زمانا عن طلابك للعلا وجئت نئيشا بعدما فاتك الخبروقال الفراء : الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب ; مثل : ذمت الرجل وذأمته أي عبته .
من مكان بعيد أي من الآخرة .
وروى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال : وأنى لهم قال : الرد ، سألوه وليس بحين رد .
{ وَقَالُوا } في تلك الحال: { آمَنَّا } بالله وصدقنا ما به كذبنا { و } لكن { أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ } أي: تناول الإيمان { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قد حيل بينهم وبينه, وصار من الأمور المحالة في هذه الحالة، فلو أنهم آمنوا وقت الإمكان, لكان إيمانهم مقبولا، ولكنهم { كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ }
( وقالوا آمنا به ) حين عاينوا العذاب ، قيل : عند اليأس .
وقيل : عند البعث .
) ( وأنى ) من أين ( لهم التناوش ) قرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : التناوش بالمد والهمزة ، وقرأ الآخرون بواو صافية من غير مد ولا همز ، ومعناه التناول ، أي : كيف لهم تناول ما بعد عنهم ، وهو الإيمان والتوبة ، وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه ، ومن همز قيل : معناه هذا أيضا .
وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء ، يقال : جاء نبشا أي : مبطئا متأخرا ، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه ، وعن ابن عباس قال : يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا .
( من مكان بعيد ) أي : من الآخرة إلى الدنيا .
«وقالوا آمنا به» بمحمد أو القرآن «وأنَّى لهم التناوش» بواو وبالهمزة بدلها، أي تناول الإيمان «من مكان بعيد» عن محله إذ هم في الآخرة ومحله الدنيا.
وقال الكفار -عندما رأوا العذاب في الآخرة-: آمنا بالله وكتبه ورسله، وكيف لهم تناول الإيمان في الآخرة ووصولهم له من مكان بعيد؟
قد حيل بينهم وبينه، فمكانه الدنيا، وقد كفروا فيها.
( وقالوا آمَنَّا بِهِ ) أى : وقال هؤلاء الكافرون عندما رأوا العذاب المعد لهم فى الآخرة : آمنا بالله - تعالى - وبأنه هو الواحد الفرد الصمد ، الذى لا معبود بحق سواه ، وآمنا بهذا الدين الذى جاءنا به رسوله صلى الله عليه وسلم .وقوله - سبحانه - : ( وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) بيان لعدم انتفاعهم بما قالوه من إظهار الإِيمان فى هذا الوقت .والتناوش : التناول .
يقال : فلا ناشٍ الشئ ينوشه نوشا إذا تناوله .
ومنه قولهم : تناشوا بالرماح ، أى : تناول بعضهم بعضاً بها .أى : لقد قالوا بعد البعث آمنا بهذا الدين ، ومن أين لهم فى الآخرة تناول الإِيمان والتوبة من الكفر ، وكان ذلك قريباً منهم فى الدنيا فضيعوه ، وكيف يظفرون به فى الآخرة وهى بعيدة عن دار الدنيا التى هى محل قبول الإِيمان .فالجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى طلب الخلاص بعد أن فات أوانه ، وأن هذا الطلب فى نهاية الاستبعاد كما يدل عليه لفظ ( أنى ) .قال صاحب الكشاف : والتناوش والتناول أخوان .
إلا أن التناوش تناول سهل لشئ قريب .
.وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أني نفعهم إيمانهم فى هذا الوقت ، كما يفنع المؤمنين إيمانهم فى الدنيا .
مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة - أى : من كان بعيد - ، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه .
.
أي بعد ظهور الأمر حيث لا ينفع إيمان، قالوا آمنا ﴿ وأنى لَهُمُ التناوش ﴾ أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة، فإن قيل فكيف قال كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة، ولهذا سماها الله الساعة وقال: ﴿ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ نقول الماضي كالأمس الدابر بعدما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت، فيوم القيامة الدنيا بعيدة لمضيها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه والتناوش هو التناول عن قرب.
وقيل عن بعد، ولما جعل الله الفعل مأخوذاً كالجسم جعل ظرف الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان فقال: ﴿ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ ﴾ والمراد ما مضى من الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ءَامَنَّا بِهِ ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله: ﴿ مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ ﴾ : والتناوش والتناول: أخوان؛ إلاّ أنّ التناوش تناول سهل لشيء قريب، يقال ناشه ينوشه، وتناوشه القوم.
ويقال: تناوشوا في الحرب: ناش بعضهم بعضاً.
وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا: مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس مقدار ذراع تناولاً سهلاً لا تعب فيه.
وقرئ: ﴿ التناؤش ﴾ : همزت الواو المضمومة كما همزت في أجؤه وأدؤر وعن أبي عمرو التناوش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت إذا أبطأت وتأخرت.
ومنه البيت: تَمَنَّى نَئِيشاً أَنّ يَكُونَ أَطَاعَنِي أي أخيراً ﴿ وَيَقْذِفُونَ ﴾ معطوف على قد كفروا، على حكاية الحال الماضية، يعني: وكانوا يتكلمون ﴿ بالغيب ﴾ ويأتون به ﴿ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ ﴾ وهو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر، ساحر، كذاب.
وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي، لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله، لأن أبعد شيء مما جاء به: الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت: الكذب والزور: قرئ: ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ ، على البناء للمفعول، أي: يأتيهم به شياطينهم ويلقنوهم إياه، وإن شئت فعلقه بقوله: ﴿ وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ ﴾ على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم آمنا في الآخرة، وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه شاحطاً، والغيب: الشيء الغائب، ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيد ﴾ [سبأ: 46] وكانوا يقولون: وما نحن بمعذبين، إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذّبنا، قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا؛ فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة؛ لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف ﴿ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة.
أو من الردّ إلى الدنيا، كما حكى عنهم ﴿ ارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالحا ﴾ [السجدة: 12] .
﴿ بأشياعهم ﴾ بأشباههم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم ﴿ مُرِيبٍ ﴾ إما من أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة.
أو من أراب الرجل، إذا صار ذا ريبة ودخل فيها، وكلاهما مجاز؛ إلاّ أنّ بينهما فريقاً وهو أن المريب من الأول منقول ممن يصحّ أن يكون مريباً من الأعيان إلى المعنى، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ سَبإٍ لَمْ يَبْقَ رسولٌ ولا نَبِيٌّ إلاّ كانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَفِيقاً ومُصَافِحاً» .
.
﴿ وَقالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ ما بِصاحِبِكُمْ ﴾ .
﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ ومِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ تَناوُلًا سَهْلًا.
﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَعُدَ عَنْهم، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهم أوانُهُ وبَعُدَ عَنْهم، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ مِن غَلْوَةِ تَناوُلِهِ مِن ذِراعٍ في الِاسْتِحالَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ بِالهَمْزِ عَلى قَلْبِ الواوِ لِضَمَّتِها.
أوْ أنَّهُ مِن نَأشْتُ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتُهُ قالَ رُؤْبَةُ: أقْحَمَنِي جارُ أبِي الجامُوشِ.
.
.
إلَيْكَ نَأْشَ القَدَرِ النُّؤُوشِ أوْ مِن نَأشْتُ إذا تَأخَّرْتُ ومِنهُ قَوْلُهُ: تَمَنّى نَشِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي.
.
.
∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ فَيَكُونُ بِمَعْنى التَّناوُلِ مِن بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالُواْ} حين عاينوا العذاب {آمَنَّا بِهِ} بمحمد عليه السلام لمرور ذكره في قوله مَا بصاحبكم من جنة أو بالله {وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} التناوش التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم يريدان النوبه كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة وقيل هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناول الآخرة من قيس ذراع التناوش بالهمزة أبو عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها
لازمة إن شئت أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك أدور وتقاوم وإن شئت قلت إدؤر وتقاؤم وعن ثعلب التناؤش بالهمزة التناول من بعد وبغير همزة التناول من قرب
﴿ وقالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ أيْ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما أخْرَجَهُ جَمْعٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ بِمُحَمَّدٍ ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْعَذابِ، وقِيلَ لِلْبَعْثِ، ورُجِّحَ رُجُوعُهُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ شامِلٌ لِلْإيمانِ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ والبَعْثِ.
﴿ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ التَّناوُشُ التَّناوُلُ كَما قالَ الرّاغِبُ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو تَناوُلٌ سَهْلٌ لِشَيْءٍ قَرِيبٍ يُقالُ ناشَهُ يَنُوشُهُ وتَناوَشَهُ القَوْمُ وتَناوَشُوا في الحَرْبِ ناشَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِّلاحِ، وقالَ الرّاجِزُ: فَهِيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عُلا نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا وإبْقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى أيْ مِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ وهم مِنهُ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَ ﴿ التَّناوُشُ ﴾ بِالرُّجُوعِ أيْ مِن أيْنَ لَهُمُ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، وأنْشَدَ اِبْنُ الأنْبارِيِّ: تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلى مَيَّ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، والمُرادُ تَمْثِيلُ حالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهم وبَعُدَ بِحالٍ مِن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ بَعُدَ عَنْهُ وفاتَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ «اَلتَّناؤُشُ» بِالهَمْزِ، وخُرِّجَ عَلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّةٌ لازِمَةٌ فَأنْتَ بِالخِيارِ فِيها إنْ شِئْتَ أبْقَيْتُها وإنْ شِئْتَ قَلَبْتُها هَمْزَةً، فَتَقُولُ ثَلاثَ أدْوُرٍ بِلا هَمْزٍ وثَلاثُ أدْؤُرٍ بِالهَمْزِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ في المُتَوَسِّطَةِ إذا كانَتْ مُدْغَمًا فِيها نَحْوُ تَعَوُّدٍ وتَعَوُّذٍ مَصْدَرَيْنِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في التَّسْهِيلِ، ولا إذا صَحَّتْ في الفِعْلِ نَحْوَ تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكًا وتَعاوَنَ تَعاوُنًا، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ المَذْكُورُ لِأنَّ التَّناوُشَ كالتَّعاوُنِ في أنَّ واوَهُ قَدْ صَحَّتْ في الفِعْلِ إذْ تَقُولُ تَناوُشٌ فَلا يُهْمَزُ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مِن نَأشْتَ أيْ تَأخَّرْتَ وأنْشَدَ قَوْلَ نَهْشَلَ: تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ أيْ تَمَنّى أخِيرًا، والضَّمِيرُ لِلْمَوْلى في قَوْلِهِ: ومَوْلًى عَصانِي واسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ ∗∗∗ كَما لَمْ يُطَعْ فِيما أشاءُ قَصِيرُ فالهَمْزَةُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ واللَّفْظُ ورَدَ مِن مادَّتَيْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مِن نَأشْتَ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، قالَ رُؤْبَةُ: أقْحَمَنِي جارُ أبِي الخابُوشِ ∗∗∗ إلَيْكَ نَأْشُ القَدَرِ النَّؤُوشِ فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ أيْضًا، قِيلَ والتَّناؤُشُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِمَعْنى التَّناوُلِ مِن بُعْدٍ لِأنَّ الأخِيرَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، والطَّلَبُ لا يَكُونُ لِلشَّيْءِ القَرِيبِ مِنكَ الحاضِرِ عِنْدَكَ فَيَكُونُ مِن ﴿ مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ تَأْكِيدًا، أوْ يُجَرَّدُ التَّناوُشُ لِمُطْلَقِ التَّناوُلِ، وحَمْلُ البُعْدِ في قَيْدِهِ عَلى البُعْدِ الزَّمانِيِّ بَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المُسْتَعارَ مِنهُ هو في المَكانِ وما ذُكِرَ مِن أحْوالِ المُسْتَعارِ لَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قُلْ يا محمد إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي يعني: وزور الضلال على نفسي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ إلى الحق والهدى فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي يعني: اهتديت بما يُوحَى إِلَىَّ من القرآن إِنَّهُ سَمِيعٌ للدعاء قَرِيبٌ بالإجابة ممن دعاه.
وقيل للنابغة حين أسلم: أصبوت؟
يعني: آمنت بمحمد .
قال: بلى.
هو غلبني بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل.
فأردت أن أقول ثلاثة أبيات من الشعر على قافيتها.
فلما سمعت هذه الآيات فعييت فيها ولم أطق، فعلمت أنه ليس من كلام البشر وهي هذه قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.
قوله عز وجل: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا يعني: خافوا من العذاب فَلا فَوْتَ يعني: فلا نجاة لهم منها وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.
روي عن الكلبي أنه قال: نزلت الآية في قوم يقال لهم: السفيانية يخرجون في آخر الزمان، عددهم ثلاثون ألف رجل إلى أن يبلغوا أرض الحجاز.
فافترقوا فرقتين.
فتقدمت فرقة إلى موضع يقال له: بيداء، صاح بهم جبريل- - صيحة، فخسف بهم الأرض كلهم إلا واحداً منهم ينجو.
فيحول وجهه إلى خلفه.
فيرجع إلى الفرقة الأخرى، فيخبرهم بما أصابهم يعني: ولو ترى يا محمد فزعهم حين صاح بهم جبريل- - فَلا فَوْتَ أي: لا يفوت منهم فائت وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني: خسف بهم البيداء بقرب مكة.
ويقال: يعني: يوم القيامة.
وَلَوْ تَرى يا مُحَمَّدٌ إِذْ فَزِعُوا حين نزل بهم العذاب يوم القيامة فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ كما قال: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ [النازعات: 36] .
وقال الحسن: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا من قبورهم يوم القيامة وقال الضحاك: يعني: يوم بدر.
ثم قال عز وجل: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ يعني: العذاب حين رأوه، يقول الله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ يعني: من أين لهم التوبة.
ويقال: من أين لهم الرجفة.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في إحدى الروايتين التناؤش بالهمز.
وقرأ الباقون بغير همز.
فمن قرأ بالهمز فهو من التَّناوُشُ وهو الحركة في إبطاء.
والمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه.
ومن قرأ بغير همز فهو من التناول.
ويقال: تناول إذا مدّ يده إلى شيء ليصل إليه، وتناوش يده إذا مدّ يده إلى شيء لا يصل إليه.
ثم قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من الآخرة إلى الدنيا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال: سألوا الرد حين لا رد.
ثم قال عز وجل: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ يعني: كفروا بالله من قبل الموت.
ويقال به، يعني: بمحمد ويقال: بالقرآن وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ يعني: يتكلمون بالظن في الدنيا مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
ثم قال: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ يعني: من الرجفة إلى الدنيا ويقال: من التسوية.
كيف ينالون التسوية في هذا الوقت وقد كفروا به من قبل كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ يعني: الأقدمون أهل دينهم، الأولون من قبل الأشياع جمع الجمع.
يقال: شيعة وشيع وأشياع.
ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ يعني: هم في شكّ مما نزل بهم مريب.
يعني: إنهم لا يعرفون شكهم.
وقال القتبي في قوله: فلا فوت يعني: لا مهرب ولا ملجأ وهذا مثل قوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3] أي: نادوا حين لا مهرب والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ في زَمانِ هَذا الفَزَعِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ في الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الجَيْشُ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ بِالبَيْداءِ، يَبْقى مِنهم رَجُلٌ فَيُخْبِرُ النّاسَ بِما لَقُوا، وهَذا حَدِيثٌ مَشْرُوحٌ في التَّفْسِيرِ، وأنَّ هَذا الجَيْشَ يَؤُمُّ البَيْتَ الحَرامَ لِتَخْرِيبِهِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ.
وقالَ الضَّحّاكُ وزِيدُ بْنُ أسْلَمَ: هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ المَعْنى: فَلا فَوْتَ لَهُمْ، أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَفُوتُونا ﴿ وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن مَكانِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ بِالخَسْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: مِنَ القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأيْنَ كانُوا، فَهم مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ أيْ: حِينَ عايَنُوا العَذابَ ﴿ آمَنّا بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: إلى البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: إلى الرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: إلى القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " التَّناوُشُ " غَيْرَ مَهْمُوزٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِالهَمْزِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن هَمَزَ جَعَلَهُ مِن " نَأشْتُ "، ومَن لَمْ يَهْمِزْ، جَعَلَهُ مِن " نُشْتُ "، وهُما مُتَقارِبانِ؛ والمَعْنى: تَناوَلْتُ الشَّيْءَ، بِمَنزِلَةِ: ذِمْتُ الشَّيْءَ وذَأمْتُهُ: إذا عِبْتَهُ؛ وقَدْ تَناوَشَ القَوْمُ في القِتالِ: إذْ تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالرِّماحِ، ولَمْ يَتَدانَوْا كُلَّ التَّدانِي، وقَدْ يَجُوزُ هَمْزُ " التَّناؤُشِ " وهي مِن " نُشْتُ " لِانْضِمامِ الواوِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن هَمَزَ " التَّناؤُشَ " فَلِأنَّ واوَ التَّناوُشِ مَضْمُومَةٌ، وكُلُّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّتُها لازِمَةٌ، إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَ مِنها هَمْزَةً، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُبْدِلْ، نَحْوُ: أدْؤُرٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ: ﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ ﴾ لِما أرادُوا بُلُوغَهُ وإدْراكَ ما طَلَبُوا مِنَ التَّوْبَةِ ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وهو المَوْضِعُ الَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ.
وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنّى لَهم بِتَناوُلِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقَدْ تَرَكُوا ذَلِكَ في الدُّنْيا والدُّنْيا قَدْ ذَهَبَتْ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ آمَنّا بِهِ ﴾ .
ومَعْنى ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِن قَبْلِ مُعايَنَةِ أهْوالِ الآخِرَةِ ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: يَرْمُونَ بِالظَّنِّ ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وهو بُعْدُهم عَنِ العِلْمِ بِما يَقُولُونَ.
وَفِي المُرادِ بِمَقالَتِهِمْ هَذِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهم في الدُّنْيا: لا بَعْثَ لَنا ولا جَنَّةَ ولا نارَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ هو ساحِرٌ، هو كاهِنٌ، هو شاعِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ﴾ أيْ: مُنِعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ مِمّا يَشْتَهُونَ، وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الأهْلُ والمالُ والوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الإيمانُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: التَّوْبَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: حِيلَ بَيْنَ الجَيْشِ الَّذِي خَرَجَ لِتَخْرِيبِ الكَعْبَةِ وبَيْنَ ذَلِكَ بِأنْ خُسِفَ بِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما فُعِلَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ: " كَما فَعَلَ " بِفَتْحِ الفاءِ والعَيْنِ ﴿ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بِمَن كانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: كَما فُعِلَ بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هم أصْحابُ الفِيلِ حِينَ أرادُوا خَرابَ الكَعْبَةِ ﴿ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ ﴾ مِنَ البَعْثِ ونُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ الضَمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "بِهِ"، وقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ وشَرَعِهُ والقُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعامَّةُ القُرّاءِ: ﴿ "التَناوُشُ" ﴾ بِضَمِّ الواوِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا بِالهَمْزِ، والأُولى مَعْناها: التَناوُلُ، مِن قَوْلِهِمْ: ناشَ يَنُوشُ إذا تَناوَلَ، وتَناوَشَ القَوْمُ في الحَرْبِ إذا تَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِلاحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا فَكَأنَّهُ قالَ: وأنّى لَهم تَناوُلُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدُوا عن مَكانِ إمْكانِ ذَلِكَ.
وأمّا الهَمْزُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا تَقَدَّمَ وهُمِزَتِ الواوُ لَمّا كانَتْ مَضْمُومَةً بِضَمَّةٍ لازِمَةٍ، كَما قالُوا: أُقِّتَتْ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الطَلَبِ، تَقُولُ: "تَناءَشْتُ الشَيْءَ" إذا طَلَبْتَهُ مِن بَعِيدٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَناؤُشُ الشَيْءِ: رُجُوعُهُ، حَكاهُ عنهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ: تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيْكَ مَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ وكَأنَّهُ قالَ في الآيَةِ: وأنّى لَهم طَلَبُ مُرادِهِمْ وقَدْ بَعُدَ؟
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُنْيا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَقْذِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الذالِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، أيْ: يَرْجُمُونَ بِظُنُونِهِمْ، ويَرْمُونَ بِها الرَسُولَ وكِتابَ اللهِ، وذَلِكَ غَيْبٌ عنهُمْ، في قَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وافْتِراءٌ وغَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: قَذْفُهم بِالغَيْبِ هو قَوْلُهُمْ: لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ، عَلى مَعْنى: ويَرْجُمُهُمُ الوَحْيُ بِما يَكْرَهُونَ مِنَ السَماءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ والتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الأمانَةِ والعَمَلِ الصالِحِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اشْتَهَوْهُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَوْبَةُ، وقالَهُ أيْضًا قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَعِيمِ الدُنْيا ولَذّاتِها، وقِيلَ: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وهَذا يَتَمَكَّنُ جِدًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأخْذَ والفَزَعَ المَذْكُورَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ ﴾ أيِ الفِرَقِ المُشابِهَةِ لَهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وهو جَمْعُ شِيعَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن قَبْلُ" ﴾ يَصْلُحُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ تُعَلُّقُهُ بِـ"فُعِلَ"، ويَصْلُحُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الفَزَعَ هو في يَوْمِ القِيامَةِ - تَعَلُّقُهُ بِـ"أشْياعِهِمْ"، أيْ: بِمَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِن قَبْلُ في الزَمَنِ الأوَّلِ، لِأنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ، لا يُقالُ فِيهِ: مِن قَبْلُ.
و"الشَكُّ المُرِيبُ": أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَكِّ وأشَدُّهُ إظْلامًا، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله: ﴿ فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي ﴾ [سبأ: 50] للعلم بأن الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحلّ بهم الفزع من مشاهدة ما هدّدوا به.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له أو لكل مخاطب.
وحذف جواب ﴿ لو ﴾ للتهويل.
والتقدير: لرأيت أمراً فظيعاً.
ومفعول ﴿ ترى ﴾ يجوز أن يكون محذوفاً، أي لو تراهم، أو ترى عذابهم ويكونَ ﴿ إذ فزعوا ﴾ ظرفاً ل ﴿ ترى ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ إذ ﴾ هو المفعول به وهو مجرد عن الظرفية، أي لو ترى ذلك الزمان، أي ترى ما يشتمل عليه.
والفزع: الخوف المفاجئ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إنكم لَتَكْثُرون عند الفَزَع وتَقِلُّون عند الطمع ".
وهذا الفزع عند البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيِّئين لهذا الوقت أسبابَ النجاة من هوله.
والأخذ: حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى: ﴿ فأخذهم أخذة رابية ﴾ [الحاقة: 10].
والمعنى: أُمسِكُوا وقَبض عليهم لملاقاة ما أعد لهم من العقاب.
وجملة ﴿ فلا فوت ﴾ معترضة بين المتعاطفات.
والفوت: التفلت والخلاص من العقاب، قال رويشد الطائي: إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم *** مما علي بذنب منكم فوت أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ذنبكم.
وفي «الكشاف»: «ولو، وإذْ، والأفعال التي هي فَزِعوا، وأُخذوا، وحيل بينهم، كلها للمضيّ، والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووُجد لتحققه» ا ه.
ويزداد عليها فعل ﴿ وقالوا ﴾ .
والمكان القريب: المحشر، أي أخذوا منه إلى النار، فاستغني بذكر ﴿ مِن ﴾ الابتدائية عن ذكر الغاية لأن كل مبدأ له غاية، ومعنى قرب المكان أنه قريب إلى جهنم بحيث لا يجدون مهلة لتأخير العذاب.
وليس بين كلمتي ﴿ قريب ﴾ هنا والذي في قوله: ﴿ إنه سميع قريب ﴾ [سبأ: 50] ما يشبه الإِيطاء في الفواصل لاختلاف الكلمتين بالحقيقة والمجاز فصار في الجمع بينهما محسِّن الجناس التام.
وعطف ﴿ وقالوا ﴾ على ﴿ وأخذوا ﴾ أي يقولون حينئذٍ: آمنّا به.
وضمير ﴿ به ﴾ للوعيد أو ليوم البعث أو للنبيء صلى الله عليه وسلم أو القرآن، إذا كان الضمير مَحكياً من كلامهم لأن جميع ما يصحّ مَعاداً للضمير مشاهد لهم وللملائكة، فأُجملوا فيما يراد الإِيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت فاستعجلوه بما يحسبونه مُنجياً لهم من العذاب، وإن كان الضمير من الحكاية فهو عائد إلى الحق من قوله: ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق ﴾ [سبأ: 48] لأن الحقّ يتضمن ذلك كله.
ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم ﴿ آمنّا به ﴾ إلى إضاعتهم وقت الإِيمان بجملة ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ إلى آخرها.
و ﴿ أنَّى ﴾ استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإِنكار.
و ﴿ التناوش ﴾ قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو الخفيف وأكثر وروده في شرب الإِبل شرباً خفيفاً من الحوض ونحوه، قال غَيلان بن حُريْث: باتتْ تنُوش الحوضَ نَوْشاً من عَلا *** نَوْشاً به تقطع أجْواز الفَلا يتحدث عن راحلته، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه.
وجملة ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المِكْنَة منها حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوله.
وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بالهمزة في موقع الواو فقال الزجاج: وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى: ﴿ أقتت ﴾ [المرسلات: 11] وقولهم: أَجُوهٌ: جمع وجه.
وبحث فيه أبو حيان، وقال الفراء والزجاج أيضاً: هو من نَأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل.
ومنه قول نهشل بن حَرِي النهشلي: تمنّى نَئِيشاً أن يكون أطاعني *** وقد حدثت بعد الأمور أمور أي تمنّى أخيراً.
وفسر المعري في «رسالة الغفران» نئيشاً بمعنى: بعد ما فات.
وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم: ﴿ آمنا به ﴾ بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته.
وفي الجمع بين ﴿ مكان قريب ﴾ و ﴿ مكان بعيد ﴾ محسن الطباق.
وجملة ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ في موضع الحال، أي كيف يقولون آمنّا به في وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبلُ في وقت التمكن فهو كقوله تعالى: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ [القلم: 43].
﴿ ويقذفون ﴾ عطف على ﴿ كفروا ﴾ فهي حال ثانية.
والتقدير: وكانوا يقذفون بالغيب.
واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38].
والقذف: الرمي باليد من بعد.
وهو هنا مستعار للقول بدون تروِّ ولا دليل، أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا البعث والجزاء وقالوا لشركائهم: هم شفعاؤنا عند الله.
ولك أن تجعل ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ تمثيلاً مثل ما في قوله ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ ، شبهوا بحال من يقذف شيئاً وهو غائب عنه لا يراه فهو لا يصيبه البتة.
وحُذف مفعول ﴿ يقذفون ﴾ لدلالة فعل ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ عليه، أي يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافاً.
والغيب: المغيَّب.
والباء للملابسة، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير ﴿ يقذفون ﴾ ، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد.
و ﴿ مكان بعيد ﴾ هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا، وهي مكان بعيد عن الآخرة للاستغناء عن استعارته لِما لا يشاهد منه بقوله: ﴿ بالغيب ﴾ كما علمت فتعين للحقيقة لأنها الأصل، وبذلك فليس بين لفظ ﴿ بعيد ﴾ المذكور هنا والذي في قوله: ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ ما يشبه الإِيطاء لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ﴾ في فَزَعِهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَزَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فَزَعُهم في الدُّنْيا حِينَ رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: هو الجَيْشُ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ في البَيْداءِ فَيَبْقى مِنهم رَجُلٌ فَيُخْبِرُ النّاسَ بِما لَقِيَ أصْحابُهُ فَيَفْزَعُوا فَهَذا هو فَزَعُهم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: هو فَزَعُهم يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا فِرارًا مِنَ العَذابِ ولا رُجُوعًا إلى التَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: هو فَزَعُهم في القُبُورِ مِنَ الصَّيْحَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا نَجاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فَلا مَهْرَبَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
الثّالِثُ: فَلا سَبْقَ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: هو جَيْشُ السُّفْيانِيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: عَذابُ الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: حِينَ خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ الحَسَنُ.
السّادِسُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ نافِعٍ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: في أُسَرِّ ما كانُوا فِيهِ نُفُوسًا، وأقْوى ما كانُوا عَلَيْهِ أمَلًا لِأنَّهُ أقْرَبُ بَلاءً مِن نِعَمِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِاللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: بِالرُّسُلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وفي التَّناوُشِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو الرَّجْعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلَيَّ مَيٌّ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ الثّانِي: هو التَّوْبَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: هو التَّناوُلُ مِن قَوْلِهِمْ نَشَتْهُ أنُوشُهُ نَوْشًا إذا تَناوَلَهُ مِن قَرِيبٍ، وقَدْ تَناوَشَ القَوْمُ إذا دَنا بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَلْتَحِمِ القِتالُ بَيْنَهم، قالَ الشّاعِرُ فَهي تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِنَ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما بَيْنَ الآخِرَةِ والدُّنْيا، رَواهُ القاسِمُ بْنُ نافِعٍ.
الثّالِثُ: هو طَلَبُهُمُ الأمْرَ مِن حَيْثُ لا يُنالُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: بَعِيدٌ عَلَيْهِمْ لِاسْتِحالَتِهِ عِنْدَهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: بِالرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن قَبْلِ العَذابِ.
﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ ويَقُولُونَ في الدُّنْيا لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ طَعْنُهم في القُرْآنِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: هو طَعْنُهم في رَسُولِ اللَّهِ بِأنَّهُ شاعِرٌ أوْ ساحِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَمّاهُ قَذْفًا لِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ حَقٍّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي بِالمَوْتِ، وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: بَيْنَهم وبَيْنَ التَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: بَيْنَهم وبَيْنَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ خُلَيْدٌ.
الخامِسُ: حِيلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ العَمَلِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي يَزِيدَ.
﴿ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ الفِيلِ حِينَ أرادُوا خَرابَ الكَعْبَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: هم أمْثالُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ عِنْدَ المُعايَنَةِ.
﴿ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْرِفُونَ نَبِيَّهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: هو شَكُّهم في وُقُوعِ العَذابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا آمنا به ﴾ قال: الله ﴿ وأَنى لهم التناوش ﴾ قال: التناول كذلك ﴿ من مكان بعيد ﴾ قال: ما كان بين الآخرة والدنيا ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ قال: كفروا بالله في الدنيا ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ قال: في الدنيا قولهم: هو ساحر، بل هو كاهن، بل هو شاعر، بل هو كذاب.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ الرد ﴿ من مكان بعيد ﴾ قال: من الآخرة إلى الدنيا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وأَنى لهم التناوش ﴾ قال: كيف لهم الرد ﴿ من مكان بعيد ﴾ قال: يسألون الرد وليس حين رد.
وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال: أتيت ابن عباس قلت ما التناوش؟
قال: تناول الشيء وليس بحين ذاك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأَنى لهم التناوش ﴾ قال: التوبة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه، مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ التناؤش ﴾ ممدودة مهموزة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ قال: يرجمون بالظن، إنهم كانوا في الدنيا يكذبون بالآخرة ويقولون: لا بعث، ولا جنة، ولا نار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ ﴾ أي: بمحمد.
﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ ﴾ أي: التناول، أي: كيف لهم بنيل ما طلبوا من الإيمان في هذا الوقت الذي يقال فيه كافر ولا يقبل فيه توبة.
وقوله: ﴿ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ زيد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين المكان الذي تقبل فيه الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقالوا آمَنَّا بِهِ ﴾ أي قالوا ذلك عند أخذهم، والضمير المجرور لله تعالى أو للنبي صلى الله عليه وسلم، أو القرآن أو للإسلام ﴿ وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ التناوش بالواو التناول، إلا أن التناوش تناول قريب سهل لشيء قريب، وقرئ بهمز الواو فيحتمل أن يكون المعنى واحداً، ويكون المهموز بمعنى الطلب، ومعنى الأية استبعاد وصولهم إلى مرادهم، والمكان البعيد: عبارة عن تعذر مقصودهم فإنهم يطلبون ما لا يكون، أو يريدون أن يتناولوا ما لا ينالون وهو رجوعهم إلى الدنيا أو انتفاعهم بالإيمان حينئذ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.
﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.
الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.
ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.
وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.
وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.
وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.
و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.
وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.
ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟
فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.
وقيل: أراد بالفزع أنه لما أوحى إلى محمد فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟
قال جبرائيل وأتباعه: الحق.
وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.
وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.
وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.
وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.
وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.
وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.
وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.
وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.
ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.
وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.
ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.
ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.
ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.
وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.
وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.
وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.
وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.
ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.
"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.
قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.
وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.
ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.
يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.
وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.
وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.
وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.
وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.
ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.
وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.
ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.
والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.
أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.
أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.
وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.
وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.
والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.
وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.
ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.
وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.
والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.
وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.
وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.
ثم سلى نبيه بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.
وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.
ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.
ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.
ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.
وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.
ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.
والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.
والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.
وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.
ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.
ومما يؤكد الآية قوله "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.
وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟
﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.
وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.
ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.
وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.
وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.
ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.
ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.
وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ وههنا لم يروا النار.
وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.
ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.
ولا يخفى ما فيه من المبالغات.
ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.
قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.
ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.
وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان لأن محمداً أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.
ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟
قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟
نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد .
ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.
قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟
وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟
﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.
ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.
وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.
والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.
وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.
فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.
وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.
فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.
وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.
لكن محمداً بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.
وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.
وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.
وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.
وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.
هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.
ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.
﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.
قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.
وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.
وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي وعلى يده.
وقيل: السيف.
وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.
والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.
ولما كان ما جاء به النبي من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.
وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.
وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟
ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.
قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.
وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.
ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.
والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.
وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.
والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.
وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.
ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.
وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.
والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.
وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .
قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.
وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.
وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.
ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.
وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.
﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.
التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.
﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.
فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.
وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.
يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.
ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.
قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: وذلك أنهم بعثوا بعثين قاصدين تخريب الكعبة، فلما بلغوا البيداء خسف أحدهما والآخر ينظر وينفلت منهم مخبر، فيحول وجهه في فقاه فيخبرهم بما لقوا؛ وذلك قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ ﴾ من الخسف والعذاب ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ عن عذاب الله ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ .
أو من تحت أقدامهم يخسف بهم الأرض؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من تخريب الكعبة كما فعل بأشياعهم من قبل، وهم أصحاب الفيل؛ وعلى ذلك روي عن أم سلمة عن النبي : "أنه يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فلا ينفلت منهم إلا واحد يخبر عنهم، قالت: يا رسول الله، وإن كان فيهم المكره؟
قال رسول الله : يبعثون على نياتهم" وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ ﴾ وهو عند الموت يفزعون منه، ولا فوت لهم عنه، ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: على المكان.
والحسن يقول: ﴿ فَزِعُواْ ﴾ من القبور ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ يقول: أخذوا عند ذلك وهو المكان القريب.
وقال بعضهم: ذلك عند القيامة يفزعون عند معاينتهم العذاب، وأفزعهم ذلك ولا يفوتون الله.
﴿ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ ﴾ .
وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...
﴾ الآية [غافر: 84]؛ وكقول فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ ﴾ ، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ أنهم سألوا الرجعة والرد أن ينالوه من مكان بعيد؛ قالوا: من الآخرة إلى الدنيا.
وقال بعضهم: أي: لا سبيل لهم إلى الإيمان في ذلك الوقت، وقد كفروا به من قبل في حال الدعة والرخاء فلم يؤمنوا.
وقال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: من حيث لا ينال ولا يكون؛ فذلك البعيد؛ كقول الله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: من حيث لا يكون أبداً ليس على إرادة حقيقة المكان.
وقتادة يقول: هو عند الموت وعند نزول العذاب بهم، ليس من أحد بلغ ذلك الوقت إلا وهو يؤمن ويتمنى الإيمان لكن لا ينفع؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...
﴾ الآية [الأنعام: 158] على ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .
قال بعضهم: معناه - والله أعلم -: وذلك أنهم كانوا في الدنيا يشكون في الآخرة، ويكفرون بالغيب، ويرجمون بالظن.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: يتكلمون بالإيمان من مكان تباعد عنهم، فلا يقبل منهم، وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه، ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ ، من قبول التوبة والإيمان عند نزول العذاب بهم، أو عند معاينتهم إياه، كما فعل بأشياعهم من قبل، يقول: كما عذب أوائلهم من الأمم الخالية من قبل هؤلاء؛ لأنهم كانوا في شك من العذاب أو البعث والقيامة مريب.
وقال بعضهم: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من أهل أو مال أو زهرة.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ : هو قولهم: هو ساحر هو شاعر كاهن.
والتناوش عند عامة أهل التأويل: التناول.
وقال بعضهم: الرجعة والردّ إلى الدنيا.
قال أبو عوسجة: التناوش: التناول من موضع بعيد لا يكون من قريب.
والقتبي يقول: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ ﴾ ، أي: تناول ما أرادوا بلوغه وإدراك ما طلبوا من التوبة من الموضع الذي لا يقبل فيه التوبة.
قال أبو معاذ والزجاج: الناش في كلام العرب: الطلب، تقول: ناشت إليه، أي: طلبت منه، لكن هذا ليس من باب التناوش.
وقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ .
هو ما ذكرنا من اختلافهم: منهم من قال: بين الإيمان والتوبة، ومنهم من قال: بين شهواتهم التي كانت لهم في الدنيا، لكن كأنه على الإيمان والتوبة، فإنما حيل بينهم وبين القبول للإيمان والتوبة، وإلا نفس الفعل قد أتوا به، وإن كان على الشهوات فهو على حقيقة حيلولة الفعل، وكذلك إن كان على تخريب البيت على ما يقوله بعض أهل التأويل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ بِأَشْيَاعِهِم ﴾ : أمثالهم وأشباههم، فهو - والله أعلم - بأشباههم وأمثالهم في التكذيب والجحود.
وقال بعضهم: هو من شيعة الرجل.
وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ﴾ ، من العذاب بأنه غير نازل بهم.
وقال [بعضهم]: إنهم كانوا في شك من البعث والإحياء بعد الممات وشكهم وريبهم؛ لما استبعدوا الإحياء بعد الهلاك وبعدما صاروا رماداً، فمن هذه الحجة أنكروا، ثم لم يروا خلق الشيء للفناء خاصة، لا لعاقبة وحكمة، فارتابوا في ذلك، والله أعلم بالصواب.
وقالوا حين رأوا مصيرهم: آمنا بيوم القيامة، وكيف لهم تعاطي الايمان وتناوله وقد بعد عنهم مكان قبول الإيمان بخروجهم من دار الدنيا التي هي دار عمل لا جزاء، إلى الدار الآخرة التى هي دار جزاء لا عمل؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.jeXbm"