الآية ٥٦ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٥٦ من سورة الزمر

أَن تَقُولَ نَفْسٌۭ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) أي : يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله - عز وجل - .

وقوله : ( وإن كنت لمن الساخرين ) أي : إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم, وأسلموا له ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) بمعنى لئلا تقول نفس ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) , وهو نظير قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى: أن لا تميد بكم, فأن, إذ كان ذلك معناه, في موضع نصب.

وقوله ( يَا حَسْرَتَا ) يعني أن تقول: يا ندما.

كما حدثني محمد بن الحسين, قال: ثني أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( يَا حَسْرَتَا ) قال: الندامة, والألف في قوله ( يَا حَسْرَتَا ) هي كناية المتكلم, وإنما أريد: يا حسرتي ، ولكن العرب تحوّل الياء فى كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا, فتقول: يا ويلتا, ويا ندما, فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء, وربما قيل: يا حسرة على العباد, كما قيل: يا لهف, ويا لهفا عليه, وذكر الفراء أن أبا ثَرْوان أنشده: تَزُورُونَهَـــا وَلا أزُورُ نِسَـــاءَكُمْ ألْهــفَ لأوْلادِ الإمــاء الحَـوَاطِبِ (4) خفضا كما يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه, وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف, فيخفضونها أحيانا, ويرفعونها أحيانا، وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد: يَــا رَبّ يــا رَبَّــاهُ إيَّـاكَ أسَـلْ عَفْـرَاءَ يـا رَبَّـاهُ مِـنْ قَبْـلِ الأجَلْ (5) خفضا, قال: والخفض أكثر في كلامهم, إلا في قولهم: يا هَناه, ويا هَنْتاه, فإن الرفع فيها أكثر من الخفض, لأنه كثير في الكلام, حتى صار كأنه حرف واحد.

وقوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) يقول على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به, وقصرت في الدنيا في طاعة الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال.

ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزّة, عن مجاهد في قوله ( يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) يقول: في أمر الله.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال.

ثنا ورقاء جميعا، عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) قال: في أمر الله.

حدثنا محمد, قال.

ثنا أحمد قال ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) قال: تركت من أمر الله.

وقوله: ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) يقول: وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.

وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده في قوله: ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله, قال: هذا قول صنف منهم.

حدثنا محمد, قال.

ثنا أحمد, قال ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) يقول: من المستهزئين بالنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبالكتاب, وبما جاء به.

------------------------ الهوامش: (4) البيت لأبي ثروان العكلي .

وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 285 ) قال : وقوله" يا حسرتا ، يا ويلتا" مضاف إلى المتكلم : يحول العرب الياء إلى الألف في كل كلام كان معناه الاستغاثة ، يخرج على لفظ الدعاء .

وربما قالوا : يا حسرة ، كما قالوا : يا لهف على فلان ، ويا لهفا عليه .

قال : أنشدني أبو ثروان العكلي : تزورونها ولا أزور ....

البيت" ا هـ .

فخفض كما يخفض المنادي إذا أضافه المتكلم إلى نفسه .

والإماء : الجواري من الرقيق يتخذن للخدمة والعمل عند ساداتهم واحدها أمة .

والحواطب : جمع حاطبة ، وهي التي ترسل في جمع الحطب للوقود .

واللهف بسكون الهاء وفتحها : الأسف والحزن والغيظ .

(5) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 286 ) قال بعد كلامه الذي نقلناه في الشاهد السابق في إعراب المضاف إلى ياء المتكلم بعد حذف الياء ، أو قلبها ألفا : وربما أدخلت العرب الهاء ( التي للسكت ) بعد الألف التي في" حسرتا" فيخفضونها مرة ، ويرفعونها .

قال : أنشدني أبو فقعس لبعض بن أسد :" يا رب يا رباه أسل ...

البيتين" .

فخفض .

قال : وأنشدني أبو فقعس : يــا مَرْحبــاهُ بِجِمــارِ ناهِيــةْ ذَا أتــــى قَرَّبْتُـــهُ للسَّـــانِيَهْ والخفض أكثر في كلام العرب إلا في قولهم : يا هناه ، ويا هنيتاه ، والرفع في هذا أكثر من الخفض ، لأنه كثير في الكلام ، فكأنه حرف واحد مدعو (أي كأن اللفظ كله صار كلمة واحدة في النداء) .

وفي خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ( 3 : 263 ) : وهذا من رجز أورده أبو محمد الأسود الأعرابي في ضالة الأديب ، ولم ينسبه إلى أحد .

وفيها أيضا : وقال الزمخشري في المفصل : وحق هاء السكت أن تكون ساكنة ،وتحريكها لحن ، نحو ما في إصلاح المنطق لابن السكيت ، من قوله : * يا مرحباه بجمار ناجيه ، مما لا معرج عليه للقياس ، واستعمال الفصحاء .

ومعذرة من قال ذلك : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، مع تشبيه هاء الوقف بهاء الضمير .

ا هـ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أن تقول نفس أن في موضع نصب أي : كراهة أن تقول .

وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر أن تقول .

وقيل : أي : من قبل أن تقول نفس لأنه قال قيل هذا : من قبل أن يأتيكم العذاب الزمخشري : فإن قلت : لم نكرت ؟

قلت : لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر .

ويجوز أن يريد نفسا متميزة من الأنفس ، إما بلجاج في الكفر شديد ، أو بعقاب عظيم .

ويجوز أن يراد التكثير كما قال الأعشى :ورب بقيع لو هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس مغضباوهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا ، ونظيره : رب بلد قطعت ، ورب بطل قارعت ، ولا يقصد إلا التكثير .

يا حسرتا والأصل " يا حسرتي " فأبدل من الياء ألف ; لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت ، وربما ألحقوا بها الهاء ، أنشد الفراء :يا مرحباه بحمار ناجيه إذا أتى قربته للسانيهوربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ، لتدل على الإضافة .

وكذلك قرأها أبو جعفر : " يا حسرتاي " والحسرة الندامةعلى ما فرطت في جنب الله قال الحسن : في طاعة الله .

وقال الضحاك : أي : في ذكر الله عز وجل .

قال : يعني القرآن والعمل به .

وقال أبو عبيدة : في جنب الله أي : في ثواب الله .

وقال الفراء : الجنب القرب والجوار ، يقال : فلان يعيش في جنب [ ص: 242 ] فلان أي : في جواره ، ومنه والصاحب بالجنب أي : ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة .

وقال الزجاج : أي : على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه .

والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبا ، تقول : تجرعت في جنبك غصصا ، أي : لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك .

وقيل : في جنب الله أي : في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله - عز وجل - وثوابه ، والعرب تسمي الجانب جنبا ، قال الشاعر :قسم مجهودا لذاك القلب الناس جنب والأمير جنبيعني الناس من جانب والأمير من جانب .

وقال ابن عرفة : أي : تركت من أمر الله ، يقال : ما فعلت ذلك في جنب حاجتي ، قال كثير :ألا تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى عليك تقطعوكذا قال مجاهد ، أي : ضيعت من أمر الله .

ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما جلس رجل مجلسا ، ولا مشى ممشى ، ولا اضطجع مضطجعا لم يذكر الله - عز وجل - فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة أي : حسرة ، خرجه أبو داود بمعناه .

وقال إبراهيم التيمي : من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره ، قد ورثه وعمل فيه بالحق ، كان له أجره وعلى الآخر وزره ، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من الله عز وجل ، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي هو .وإن كنت لمن الساخرين أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله تعالى .

قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها .

ومحل " إن كنت " النصب على الحال ، كأنه قال : فرطت وأنا ساخر ، أي : فرطت في حال سخريتي .

وقيل : وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل ، أي : ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم حذرهم { أَن } يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة.و { تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } أي: في جانب حقه.

{ وَإِنْ كُنْت } في الدنيا { لَمِنَ السَّاخِرِينَ } في إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أن تقول نفس ) يعني : لئلا تقول نفس ، كقوله : " وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم " ( النحل - 15 ) أي : لئلا تميد بكم .

قال المبرد : أي بادروا واحذروا أن تقول نفس .

وقال الزجاج : خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول .

( ياحسرتا ) يا ندامتا ، والتحسر الاغتمام على ما فات ، وأراد : يا حسرتي ، على الإضافة ، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفا في الاستغاثة ، فتقول : يا حسرتا ويا ندامتا ، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة .

وكذلك قرأ أبو جعفر ) ( يا حسرتاي ) ، وقيل : معنى قوله : " ياحسرتا " يا أيتها الحسرة هذا وقتك ، ( على ما فرطت في جنب الله ) قال الحسن : قصرت في طاعة الله .

وقال مجاهد : في أمر الله .

وقال سعيد بن جبير : في حق الله .

وقيل : ضيعت في ذات الله .

وقيل : معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله .

والعرب تسمي الجنب جانبا ) .

( وإن كنت لمن الساخرين ) المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين .

قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

فبادروا قبل «أن تقول نفسٌ يا حسرتى» أصله يا حسرتي، أي ندامتي «على ما فرطت في جنب الله» أي طاعته «وإن» مخففة من الثقيلة، وإني «كنت لمن الساخرين» بدينه وكتابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأطيعوا ربكم وتوبوا إليه حتى لا تندم نفس وتقول: يا حسرتى على ما ضيَّعت في الدنيا من العمل بما أمر الله به، وقصَّرت في طاعته وحقه، وإن كنت في الدنيا لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله .

.

.

) أى : بسبب تفريطى وتقصيرى فى طاعة الله ، وفى حقه - تعالى - .وأصل الجنب والجانب : الجهة المحسوسة للشئ ، وأطلق على الطاعة على سبيل المجاز ، حيث شبهت بالجهة .

بجامع تعلق كل منهما - أى الجانب والطاعة - بصاحبه .

إذ الطاعة لها تعلق بالله - تعالى - .

كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكرت " نفس "؟

قلت : لأن المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر .

ويجوز أن يكون نفس متميزة من الأنفس : إما بلجاج فى الكفر شديد ، أو بعذاب عظيم ، ويجوز أن يراد التكثير ، كما قال الأعشى :دعا قومه حولى فجاءوا لنصره ...

وناديت قوما بالمسناة غيباورب بقيع لو هتفت بجوه ...

أتانى كريم ينفض الرأس مغضباوهو يريد : أفواجا من الكرام ينصرونه ، لا كريما واحدا .

.وجملة ( وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ) فى محل نصب على الحال .

أى : فرطت فى جنب الله وطاعته ، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين بدينه ، المستهزئين بأتباع هذا الدين الحق .قال قتادة : لم يكفه أنه ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله وإحسانه في حق العبيد وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر، فقالوا: إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً  ﴾ وقال: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ يا عِبَادِى ﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح، فثبت أن قوله: ﴿ يا عِبَادِى ﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال: ﴿ الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ وهذا عام في حق جميع المسرفين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً، وأنتم لا تقولون به، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به، والذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية، فسقط الاستدلال، وأيضاً إنه تعالى قال عقيب هذه الآية ﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعاً لما أمر عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، وأيضاً قال: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ ولو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأي حاجة به إلى أن يقول: ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ ؟

وأيضاً فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها، وذلك لا يليق بحكمة الله، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به، قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، وهي للاستقبال، وعندنا أن الله تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعاً، إما قبل الدخول في نار جهنم، وإما بعد الدخول فيها، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا.

أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية، بل نقول لعله يعفو مطلقاً، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج.

الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: ﴿ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ ﴾ وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع: أنه قال: ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمراً بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس: أنه تعالى قال أولاً: ﴿ يا عِبَادِى ﴾ وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال: ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس: أنه لما قال: ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعاً ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع: أنه لو قال: ﴿ يَغْفِرُ الذنوب ﴾ لكان المقصود حاصلاً لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعاً وهذا أيضاً من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفوراً، ولفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيماً والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الغفور ﴾ إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله: ﴿ الرحيم ﴾ إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر: أن قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوهاً، قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟

وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟

فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت في أناس أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل الله توبتهم، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل الله منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر، وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها.

المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ﴿ يا عِبَادِى ﴾ بفتح الياء والباقون وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، وقرأ أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان، قال صاحب الكشاف، وفي قراءة ابن عباس، وابن مسعود ﴿ يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً لِمَن يَشَاء ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ قال صاحب الكشاف أي وتوبوا إليه وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه، وأقول هذا الكلام ضعيف جداً لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة، فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلاً قطعاً لما احتيج إلى التوبة، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة، فنقول هذا ضعيف لأن مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعاً ويعفو عنها قطعاً إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وتارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب، فثبت أن الذي قاله صاحب الكشاف ضعيف ولا فائدة فيه.

ثم قال: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ واعلم أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بأشياء فالأول: أمر بالإنابة وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ ﴾ والثاني: أمر بمتابعة الأحسن، وفي المراد بهذا الأحسن وجوه: الأول: أنه القرآن ومعناه واتبعوا القرآن والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا  ﴾ الثاني: قال الحسن معناه، والتزموا طاعة الله واجتنبوا معصية الله، فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه، ذكر القبيح ليجتنب عنه، والأدون لئلا يرغب فيه، والأحسن ليتقوى به ويتبع الثالث: المراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ لأن الناسخ أحسن من المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا  ﴾ ولأن الله تعالى لما نسخ حكماً وأثبت حكماً آخر كان اعتمادنا على المنسوخ.

ثم قال: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ والمراد منه التهديد والتخويف والمعنى أنه يفجأ العذاب وأنتم غافلون عنه، واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بيّن تعالى أن بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات فالأول: قوله تعالى: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَن تَقُولَ ﴾ مفعول له أي كراهة أن تقول: ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ وأما تنكير لفظ النفس ففيه وجهان الأول: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لا ينفي رغبتها في المعاصي والثاني: يجوز أن يراد به الكثرة، وذلك لأنه ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله: ﴿ يا حسرتا ﴾ يدل على غاية الأسف ونهاية الحزن وأنه مذكور عقيب قوله تعالى: ﴿ على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ والتفريط في طاعة الله تعالى يناسب شدة الحسرة وهذا يقتضي حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط، وذلك يفيد العموم بهذا الطريق.

المسألة الثانية: القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية، واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضواً مخصوصاً لله تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لابد من المصير إلى التأويل وللمفسرين فيه عبارات، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب الله، وقال مقاتل ضيعت من ذكر الله، وقال مجاهد في أمر الله، وقال الحسن في طاعة الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل، فنقول: الجنب سمي جنباً لأنه جانب من جوانب ذلك الشيء والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر والطاعة قال الشاعر: أما تتقين الله جنب وامق *** له كبد حرا عليك تقطع المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ يا حسرتي ﴾ على الأصل و ﴿ يا حسرتاي ﴾ على الجمع بين العوض والمعوض عنه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ أي أنه ما كان مكتفياً بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل ﴿ وَإِن كُنتُ ﴾ نصب على الحالة كأنه قال: فرطت في جنب الله وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي.

النوع الثاني: من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ .

النوع الثالث: قوله: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها: الحسرة على التفريط في الطاعة.

وثانيها: التعلل بفقد الهداية.

وثالثها: بتمني الرجعة، ثم أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاصرة والأعذار زائلة، وهو المراد بقوله: ﴿ بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي، لأن معنى قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ أنه ما هداني، فلا جرم حسن ذكر لفظة ﴿ بلى ﴾ بعده.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله: ﴿ بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله: ﴿ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى  ﴾ و ﴿ إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء  ﴾ و ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه: الأول: أنه لا يقال: فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل الله تعالى.

وثانيها: أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد.

وثالثها: إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع.

وخامسها: ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل.

وسادسها: قولهم: ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله.

وسابعها: قوله تعالى: ﴿ على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون مفرطاً.

وثامنها: ذمه لهم بأنهم من الساخرين، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه.

وتاسعها: قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ أي مكنني ﴿ لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه.

وعاشرها: قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ وعلى قولهم لو رده الله أبداً كرة بعد كرة، وليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسناً، والحادي عشر: قوله تعالى موبخاً لهم ﴿ بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ فبيّن تعالى أن الحجة عليهم لله لأن الحجة لهم على الله، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا: قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها.

والثاني عشر: أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالاً لهم لما صح الكلام، والجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ويمنع ويصدر منه اللين والقسوة والاستدراج، ولما كان هذا التفسير مملوءاً منه لم يكن إلى الإعادة حاجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ ﴾ وتوبوا إليه ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ وأخلصوا له العمل، إنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم ﴾ مثل قوله: ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 18] .

﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ أي يفجؤكم وأنتم غافلون، كأنكم لا تخشون شيئاً لفرط غفلتكم وسهوكم ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ كراهة أن تقول.

فإن قلت: لم نكرت؟

قلت: لأنّ المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر.

ويجوز أن يراد: نفس متميزة من الأنفس: إما بلجاج في الكفر شديد.

أو بعذاب عظيم.

ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى: وَرَبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِحَوِّهِ ** أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا وهو يريد: أفواجاً من الكرام ينصرونه، لا كريماً واحداً.

ونظيره: ربّ بلد قطعت، ورب بطل قارعت.

وقد اختلس الطعنة ولا يقصد إلاّ التكثير.

وقرئ: ﴿ يا حسرتي ﴾ على الأصل.

ويا حسرتاي، على الجمع بين العوض والمعوّض منه.

والجنب: الجانب، يقال: أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجنب والجانب، ثم قالوا: فرّط في جنبه وفي جانبه، يريدون في حقه.

قال سابق البربري: أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ وَامِقٍ ** لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكَ تَقَطَّعُ وهذا من باب الكناية؛ لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبته فيه.

ألا ترى إلى قوله: إنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَة وَالنَّدَى ** فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ ومنه قول الناس: لمكانك فعلت كذا، يريدون: لأجلك.

وفي الحديث: «من الشرك الخفيّ أن يصلي الرجل لمكان الرجل» وكذلك: فعلت هذا من جهتك.

فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض بين ذكر المكان وتركه، قيل: ﴿ فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ على معنى: فرطتُ في ذات الله.

فإن قلت: فمرجع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطى من حسن الكناية وبلاغتها، فكأنه قيل: فرطت في الله.

فما معنى فرطت في الله؟

قلت: لابد من تقدير مضاف محذوف، سواء ذكر الجنب أو لم يذكر.

والمعنى: فرطت في طاعة الله وعبادة الله، وما أشبه ذلك.

وفي حرف عبد الله وحفصة: في ذكر الله.

(وما) في ﴿ ما فرطت ﴾ مصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] ، [التوبة: 118] ، ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل ﴿ وَإِن كُنتُ ﴾ على النصب على الحال، كأنه قال: فرطت وأنا ساخر، أي: فرطت في حال سخريتي.

وروى: أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق.

وأتاه إبليس فقال له: تمتع من الدنيا ثم تب، فأطاعه، وكان له مال فأنفقه في الفجوز، فأتاه ملك الموت في ألذّ ما كان فقال: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، وأسخطت ربي فندم حين لم ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن ﴿ لَوْ أَنَّ الله هدانى ﴾ لا يخلو: إما أن يريد به الهداية بالإلجاء أو بالإلطاف أو بالوحي، فالإلجاء خارج عن الحكمة، ولم يكن من أهل الإلطاف فليلطف به.

وأما الوحي فقد كان، ولكنه عرض ولن يتبعه حتى يهتدي، وإنما يقول هذا تحيراً في أمره وتعللاً بما لا يجدي عليه، كما حكى عنهم التعلل بإغواء الرؤوساء والشياطين ونحو ذلك ونحوه ﴿ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ [إبراهيم: 21] وقوله: ﴿ بلى قَدْ جَآءَتْكَ ءاياتى ﴾ ردّ من الله عليه، معناه: بلى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قبوله، وآثرت الكفر على الإيمان، والضلالة على الهدى.

وقرئ: بكسر التاء على مخاطبة النفس.

فإن قلت: فهلا قرن الجواب بما هو جواب له، وهو قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هدانى ﴾ ولم يفصل بينهما بآية؟

قلت: لأنه لا يخلو: إما أن يقدّم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن.

وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأوّل لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن.

وأما الثاني: فلما فيه من نقص الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة، ثم التعلل بفقد الهداية، ثم تمني الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب.

فإن قلت: كيف صحّ أن تقع بلى جواباً لغير منفي؟

قلت: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هدانى ﴾ فيه معنى: ما هُديت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ القُرْآنُ أوِ المَأْمُورُ بِهِ دُونَ المَنهِيِّ عَنْهُ، أوِ العَزائِمُ دُونَ الرُّخَصِ أوِ النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ، ولَعَلَّهُ ما هو أنْجى وأسْلَمُ كالإنابَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بِمَجِيئِهِ فَتَتَدارَكُوا.

﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولَ وتَنْكِيرُ ( نَفْسٌ ) لِأنَّ القائِلَ بَعَّضَ الأنْفُسَ أوْ لِلتَّكْثِيرِ كَقَوْلِ الأعْشى: ورُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ∗∗∗ أتانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضِبًا ﴿ يا حَسْرَتا ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.

﴿ عَلى ما فَرَّطْتُ ﴾ بِما قَصَّرْتُ.

﴿ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ في جانِبِهِ أيْ في حَقِّهِ وهو طاعَتُهُ.

قالَ سابِقٌ البَرْبَرِيُّ: أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبٍ وامِقٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَهُ كَبِدٌ حَرّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ وَهُوَ كِنايَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ كَقَوْلِهِ: إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدى ∗∗∗ ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ وَقِيلَ: ذاتُهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كالطّاعَةِ وقِيلَ في قُرْبِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ وقُرِئَ «فِي ذِكْرِ اللَّهِ» .

﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ ﴾ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِهِ ومَحَلُّ إنْ كُنْتُ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: فَرَّطْتُ وأنا ساخِرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)

{أَن تَقُولَ} لئلا تقول {نَفْسٌ} إنما نكرت لأن المرد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم ويجوز أن يراد التكثير {يا حسرتى} الألف بدل من ياء المتكلم وقرىء يا حسرتى على الأصل ويا حسرتاي على الجمع بين العوض والمعوض منه {على ما فرطت} قصرت وما مصدرية مثلها فى بما رحبت {فِى جَنبِ الله} في أمر الله أو في طاعة الله أو في ذاته وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته وفلان لين الجانب والجنب ثم قالوا فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ومنه الحديث من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل أي لأجله وقال الزجاج معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين} المستهزئين قال قتادة لم يكفه أن

ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ومحل وَإِن كُنتُ النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَراهَةً وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أيْ أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِأحْسَنِ ما أُنْزِلَ إلَيْكم كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، ومَن لا يَشْتَرِطُ لِلنَّصْبِ اتِّحادَ الفاعِلِ يُجَوِّزُ كَوْنَ النّاصِبِ ( أنِيبُوا ) أوْ ( اِتَّبِعُوا ) وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الكَراهَةُ مُقابِلُ الرِّضا دُونَ الإرادَةِ فَلا اعْتِزالَ في تَقْدِيرِها، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ مَخافَةَ كَما فَعَلَ الحَوْفِيُّ حَيْثُ قالَ: أيْ أنْذَرْناكم مَخافَةَ أنْ تَقُولَ، وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَ العامِلَ ( أنِيبُوا ) ولَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا مِنَ الكَراهَةِ والمَخافَةِ حَيْثُ قالَ: أيْ أنِيبُوا مِن أجْلِ أنْ تَقُولَ، وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِئَلّا تَقُولَ وتَنْكِيرُ ( نَفْسٌ ) لِلتَّكْثِيرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: ورُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ أتانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبا فَإنَّهُ أرادَ أفْواجًا مِنَ الكِرامِ يَنْصُرُونَهُ لا كِرِيمًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ القائِلَ بَعْضُ الأنْفُسِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، قِيلَ: ويَكْفِي ذَلِكَ في الوَعِيدِ لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ أيْ نَفْسٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِنَ الأنْفُسِ إمّا بِلَجاجٍ في الكُفْرِ شَدِيدٍ أوْ بِعَذابٍ عَظِيمٍ، ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ يا حَسْرَتا ﴾ بِالألِفِ بَدَلَ ياءِ الإضافَةِ، والمَعْنى كَما قالَ سِيبَوَيْهِ يا حَسْرَتِي احْضَرِي فَهَذا وقْتُكِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ «يا حَسْرَتاهُ» بِهاءِ السَّكْتِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «يا حَسْرَتِي» بِياءِ الإضافَةِ، وعَنْهُ «يا حَسْرَتايَ» بِالألِفِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً أوْ ساكِنَةً جَمْعًا بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا غَيْرُ جائِزٍ اللَّهُمَّ إلّا شاذًّا اسْتِعْمالًا وقِياسًا، فالأوْجَهُ أنْ يَكُونَ ثَنّى الحَسْرَةَ مُبالَغَةً عَلى نَحْوِ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وأقامَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ وظَهْرانِيهِمْ عَلى لُغَةِ بِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن إبْقاءِ المُثَنّى عَلى الألِفِ في الأحْوالِ كُلِّها، واخْتارَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ، وجَوَّزَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ أيْضًا في كِتابِهِ اللَّوامِحِ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ عَلى ظاهِرِها عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ والمُرادُ حَسْرَةُ فَوْتِ الجَنَّةِ وحَسْرَةُ دُخُولِ النّارِ، واعْتِبارُ التَّكْثِيرِ أوْلى لِكَثْرَةِ حَسَراتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ عَلى ما فَرَّطْتُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَفْرِيطِي - فَعَلى - تَعْلِيلِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ  ﴾ والتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ ﴿ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ أيْ جانِبِهِ، قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَنْبِ الجارِحَةُ ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلنّاحِيَةِ والجِهَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوَ اليَمِينِ والشِّمالِ، والمُرادُ هُنا الجِهَةُ مَجازًا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ في جَنْبِ طاعَةِ اللَّهِ أوْ في حَقِّهِ تَعالى أيْ ما يَحِقُّ لَهُ سُبْحانَهُ ويَلْزَمُ وهو طاعَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى ذَلِكَ قَوْلٌ سابِقٌ البَرْبَرِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشِقٍ ∗∗∗ لَهُ كَبِدٌ حَرّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ والتَّفْرِيطُ في جِهَةِ الطّاعَةِ كِنايَةً عَنِ التَّفْرِيطِ في الطّاعَةِ نَفْسِها لِأنَّ مَن ضَيَّعَ جِهَةً ضَيَّعَ ما فِيها بِطَرِيقِ الأوْلى الأبْلَغِ لِكَوْنِهِ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ: إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدى ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِلطّاعَةِ وكَذا حَقُّ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ جِهَةً بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُطِيعِ كَمَكانِ السَّماحَةِ وما مَعَها في البَيْتِ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ الكِنايَةِ كَما تَوَهَّمَ، وقالَ الإمامُ: سُمِّيَ الجَنْبُ جَنْبًا لِأنَّهُ جانِبٌ مِن جَوانِبِ الشَّيْءِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مِن لَوازِمِ الشَّيْءِ وتَوابِعِهِ يَكُونُ كَأنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنُودِهِ وجانِبٌ مِن جَوانِبِهِ فَلَمّا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الجَنْبِ الَّذِي هو العُضْوُ وبَيْنَ ما يَكُونُ لازِمًا لِلشَّيْءِ وتابِعًا لَهُ لا جَرَمَ حُسْنُ إطْلاقِ لَفْظِ الجَنْبِ عَلى الحَقِّ والأمْرِ والطّاعَةِ.

انْتَهى.

.

وجَعَلُوا في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَلى ما ضَيَّعْتَ مِن ثَوابِ اللَّهِ، ومُقاتِلٍ: عَلى ما ضَيَّعْتَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: عَلى ما فَرَّطْتَ في أمْرِ اللَّهِ، والحَسَنِ: في طاعَةِ اللَّهِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: في حَقِّ اللَّهِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وقِيلَ: الجَنْبُ مَجازٌ عَنِ الذّاتِ كالجانِبِ أوِ المَجْلِسِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا لِرَبِّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى ما فَرَّطْتَ في ذاتِ اللَّهِ.

وضَعُفَ بِأنَّ الجَنْبَ لا يَلِيقُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى ولَوْ مَجازًا، ورَكاكَتُهُ ظاهِرَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ القُرْبِ أيْ عَلى ما فَرَّطْتَ في قُرْبِ اللَّهِ.

وضَعُفَ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى تَجَوُّزٍ آخَرَ، ويَرْجِعُ الأمْرُ في الآخِرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ونَحْوِها.

وبِالجُمْلَةِ لا يُمْكِنُ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِتَنَزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجَنْبِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ.

ولَمْ أقِفْ عَلى عَدِّ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إيّاهُ مِنَ الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ، ولا أُعَوِّلُ عَلى ما في المَواقِفِ، وعَلى فَرْضِ العَدِّ كَلامُهم فِيها شَهِيرٌ وكُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى التَّنْزِيهِ وسُبْحانَ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وحَفْصَةَ «فِي ذِكْرِ اللَّهِ» ﴿ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ ﴾ أيِ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِهِ، ( وأنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أيْ فَرَّطْتَ في حالِ سُخْرِيَتِي.

وقالَ في البَحْرِ: ويَظْهَرُ أنَّها اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ نَفْسِهِ بِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا لا حالَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإخْبارِ التَّحَسُّرُ والتَّحَزُّنُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ يعني: ارجعوا له، وأقبلوا إلى طاعة ربكم وَأَسْلِمُوا لَهُ يعني: أخلصوا، وأقروا بالتوحيد، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ أي: لا تمنعون مما نزل بكم، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال الكلبي: هذا القرآن أحسن ما أنزل إليهم يعني: اتبعوا ما أمرتم به.

ويقال: أحلوا، وحرموا حرامه، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً أي: فجأة، وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ بنزوله، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تقول نفس.

ويقال: معناه اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم من ربكم خوفاً، قبل أن تصيروا إلى حال الندامة.

وتقول نفس: يَا حَسْرَتى يعني: يا ندامتا، عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يعني: تركت، وضيعت من طاعة الله.

وقال مقاتل: يعني: ما ضيعت من ذكر الله.

ويقال: يا ندامتاه على ما فرطت في أمر الله.

وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ يعني: وقد كنت من المستهزئين بالقرآن في الدنيا.

ويقال: وقد كنت من اللاهين.

وقال أبو عبيدة: في جنب الله، وذات الله واحد.

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي يعني: قبل، أو تقول: لو أن الله هداني بالمعرفة، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي: من الموحدين.

يعني: لو بيّن لي الحق من الباطل، لكنت من المؤمنين، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ يعني: من قبل أن تقول: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني: من الموحدين.

يقول الله تعالى: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن، فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ أي: تكبرت، وتجبرت عن الإيمان بها، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.

قرأ عاصم الجحدري: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن.

فَكَذَّبْتَ بِها، وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتِ، كلها بالكسر.

وهو اختيار ابن مسعود، وصالح، ومن تابعه من قراء سمرقند.

وإنما قرأ بالكسر، لأنه سبق ذكر النفس، والنفس تؤنس.

وقراءة العامة كلها بالنصب، لأنه انصرف إلى المعنى.

يعني: يقال للكافر: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ يعني: قالوا: بأن لله شريكاً، وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ صار وجوههم رفعاً بالابتداء.

ويقال: معناه مسودة وجوههم أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي: مأوى للّذين تكبروا عن الإيمان، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ يعني: ينجي الله الذين اتقوا الشرك من جهنم.

قال مقاتل، والكلبي: بأعمالهم الحسنة لا يصيبهم العذاب.

وقال القتبي: بمنجاتهم.

قرأ حمزة، والكسائي: بِمَفَازَاتِهم بالألف، وكذلك عاصم في رواية أبي بكر.

والباقون بِمَفازَتِهِمْ بغير ألفِ والمفازة الفوز، والسعادة، والفلاح، والمفازات جمع.

لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي: لا يصيبهم العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَنَزَلَتِ الآيةُ فِيهمْ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ: هذِهِ أرْجَى آية في القرآن «١» ، ورَوَى ثَوْبَانُ عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لي الدُّنْيَا وَمَا فيها بهذه الآية «٢» قُلْ يا عِبادِيَ ...

» وأَسْرَفُوا معناه أَفْرَطُوا، والقَنَطُ أعْظَمُ اليَأْسِ، وقرأ نافعٌ والجمهورُ «تَقْنَطُوا» بفتح النون «٣» ، قال أبو حاتم: فيلزمهم أن يقرؤوا «مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ» [الشورى: ٢٨]- بكسرها- ولم يقرأْ بهِ أحَدٌ، وقرأ أبو عمرو «تَقْنِطُوا» - بالكسر «٤» -.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً عمومٌ بمعنى الخصوصِ لأن الشِّرْكَ لَيْسَ بداخلٍ في الآيةِ إجماعاً، وهي أيضاً في المعاصِي مقيَّدةٌ بالمشيئةِ، ورُوِيَ أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ:

«إن اللَّه يغفرُ الذنوبَ جَميعاً ولاَ يُبَالِي» «٥» وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ «٦» : «إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ» وَأَنِيبُوا معناه: ارجعوا.

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ.

ومَعْنى ﴿ يا حَسْرَتا ﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا.

والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ.

والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.

﴿ أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي ﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿ لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" .

ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ.

ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ أو تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أنِيبُوا وأسْلَمُوا مِن أجْلِ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا حَسْرَتا"، والأصْلُ: "يا حَسْرَتِي"، ومِنَ العَرَبِ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا، فَيَقُولُ: يا غُلامًا، ويا جارًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: [يا حَسْرَتايَ] بِفَتْحِ الياءِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِسُكُونِها، قالَ أبُو الفَتْحِ؛ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ مِنهُ، ورَوى ابْنُ جَمّازٍ عن أبِي جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التاءِ وبُعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "وَمَعْنى نِداءِ الحَسْرَةِ والوَيْلِ: أيْ: هَذا وقْتُكِ وزَمانُكِ فاحْضُرِي".

و"فَرَّطْتُ" مَعْناهُ: قَصَّرْتُ في اللازِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في مَقاصِدِي إلى اللهِ، وفي جِهَةِ طاعَتِهِ، أيْ: في تَضْيِيعِ شَرِيعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، و"الجَنْبُ" يُعَبَّرُ بِهِ عن هَذا ونَحْوِهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلامَةً ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ طالَتْ مَلامَتُها بَيا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: الناسُ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ فِي جَنْبِ اللهِ ﴾ أيْ: في أمْرِ اللهِ.

وقَوْلُ الكافِرِ: ﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ ﴾ نَدامَةٌ عَلى اسْتِهْزائِهِ بِأمْرِ اللهِ، والسُخْرُ: الِاسْتِهْزاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تَقُولَ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقُولَ ﴾ الأوَّلِ، و"كَرَّةً" مَصْدَرٌ، مِن: كَرَّ يَكُرُّ، وقَوْلُهُ: "فَأكُونَ" نُصِبَ بِـ"أنْ" مُضْمَرَةٍ مَقْدَّرَةٍ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَرَّةً"، والمُرادُ: لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَكَوْنًا، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إلى "أنْ" لَتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ - أنْشَدَهُ الفَرّاءُ -: فَمًا لَكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وتَسْألَ عن رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا وَقَدْ قَرَّرَ بَعْضُ الناسِ الكَلامَ بِأنَّهُ: "لَوْ أنَّ لِي أنْ أكُرَّ"، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهَذا "الكَوْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ في التَمَنِّي.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلى" ﴾ جَوابٌ لِنَفْيٍ مُقَدَّرٍ في قَوْلِ هَذِهِ النَفْسِ، كَأنَّها قالَتْ: "فَعُمْرِي في الدُنْيا لَمْ يَتَّسِعْ لِلنَّظَرِ"، أو قالَتْ: "فَإنِّي لَمْ يَتَبَيَّنْ لِيَ الأمْرُ في الدُنْيا"، ونَحْوَ هَذا، وحَقُّ "بَلى" أنْ يَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "قَدْ جاءَتْكَ" ﴾ بِفَتْحِ الكافِ وبِفَتْحِ التاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرَتْ وكُنْتَ"، عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِ ذِي النَفْسِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ بِكَسْرِ الكافِ والتاءِ في الثَلاثَةِ عَلى خِطابِ النَفْسِ المَذْكُورَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوَتْها أمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقَرَأ الأعْمَشُ: [بَلى قَدْ جاءَتْهُ] بِالهاءِ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِخَبَرٍ يَراهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حالَةِ الكُفّارِ، في ضِمْنِ هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: [تَرى] هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وكَذِبُهم عَلى اللهِ: هو في أنْ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتَ والصاحِبَ، وشَرَعُوا ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لَوْنَ وُجُوهِهِمْ يَتَغَيَّرُ، وتَسْوَدُّ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في العِبارَةِ تَجَوُّزٌ، وعَبَّرَ بِالسَوادِ عَنِ ارْبِدادِ وُجُوهُهم وغالِبِ هَمِّهِمْ وظاهِرِ كَآبَتِهِمْ، و"مَثْوى": مَوْضِعُ الثَواءِ والإقامَةِ، و"المُتَكَبِّرُ": رافِعُ نَفْسِهِ إلى فَوْقِ حَقِّهِ، وقالَ النَبِيُّ  : « "الكِبَرُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"» أيِ احْتِقارِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أن تقول ﴾ تعليل للأوَامر في قوله: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ [الزمر: 54] ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل ﴾ [الزمر: 55] على حذف لام التعليل مع (أَنْ) وهو كثير.

وفيه حذف لا } النافية بعد ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ [الأنعام: 155- 157]، وكقوله: ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ [النساء: 135].

وعادة صاحب «الكشاف» تقدير: كراهية أن تفعلوا كذا.

وتقدير (لا) النافية أظهر لكثرة التصرف فيها في كلام العرب بالحذف والزيادة.

والمعنى: لئلا تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله.

وظاهر القول إنه القول جهرة وهو شأن الذي ضاق صَبْره عن إخفاء ندامته في نفسه فيصرخ بما حدَّث به نفسه فتكون هذه الندامة المصرح بها زائدة على التي أسرّها، ويجوز أن يكون قولاً باطناً في النفس.

وتنكير ﴿ نَفْسٌ ﴾ للنوعية، أي أن يَقول صنف من النفوس وهي نفوس المشركين فهو كقوله تعالى: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ [التكوير: 14].

وقول لبيد: أو يعتلق بعض النفوس حمامها *** يريد نفسه.

وحرف (يا) في قوله: ﴿ يا حسرتي ﴾ استعارة مكنية بتشبيه الحسرة بالعاقل الذي ينادي ليقبل، أي هذا وقتك فاحضري، والنداء من روادف المشبه به المحذوف، أي يا حسرتي احضري فأنا محتاج إليك، أي إلى التحسر، وشاع ذلك في كلامهم حتى صارت هذه الكلمة كالمثل لشدة التحسر.

والحسرة: الندامة الشديدة.

والألفُ عوض عن ياء المتكلم.

وقرأ أبو جعفر وحْده ﴿ يا حسرتاي ﴾ بالجمع بين ياء المتكلم والألف التي جُعلت عوضاً عن الياء في قولهم: ﴿ يا حسرتي ﴾ .

والأشهر عن أبي جعفر أن الياء التي بعد الألف مفتوحة.

وتعدية الحسرة بحرف الاستعلاء كما هو غالبها للدلالة على تمكن التحسر من مدخول وما في ما فَرَّطتُ} صدرية، أي على تفريطي في جنب الله.

والتفريط: التضييع والتقصير، يقال: فَرَّطَه.

والأكثر أن يقال: فرّط فيه.

والجنب والجانب مترادفان، وهو ناحية الشيء ومكانه ومنه ﴿ والصاحببِ بالجنْب ﴾ [النساء: 36] أي الصاحب المجاور.

وحرف في هنا يجوز أن يكون لتعدية فعل فَرَّطتُ} فلا يكون للفعل مفعول ويكون المفرط فيه هو جنب الله، أي جهته ويكون الجنب مستعاراً للشأن والحقِّ، أي شأن الله وصفاته ووصاياه تشبيهاً لها بمكان السيد وحِماه إذا أُهمل حتى اعتُدي عليه أو أَقْفَرَ، كما قال سابق البربري: أما تتقين الله في جنب وامق *** له كبد حرَّى عليككِ تَقَطَّعُ أو تكون جملة ﴿ فَرَّطت في جَنب الله ﴾ تمثيلاً لحال النفس التي أُوقفت للحساب والعقاببِ بحال العبد الذي عهد إليه سيّده حراسةَ حماهُ ورعايةَ ماشيته فأهملها حتى رُعي الحِمى وهَلكت المواشي وأحضر للثقاف فيقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنْب سيدي.

وعلى هذا الوجه يجوز إبقاء الجنب على حقيقته لأن التمثيل يعتمد تشبيه الهيئة بالهيئة.

ويجوز أن تكون ﴿ ما ﴾ موصولة وفعل ﴿ فَرَّطتُ ﴾ متعدياً بنفسه على أحد الاستعمالين، ويكون المفعول محذوفاً وهو الضمير المحذوف العائد إلى الموصول، وحذفه في مثله كثير، ويكون المجرور ب ﴿ في ﴾ حالاً من ذلك الضمير، أي كائناً ما فرطتُه في جانب الله.

وجملةُ ﴿ وإن كنت لَمِن الساخرين ﴾ خبر مستعمل في إنشاء الندامة على ما فاتها من قبول ما جاءها به الرسول من الهُدى فكانت تسخر منه، والجملة حال من فاعل فرطت، أي فرطت في جنب الله تفريطَ الساخر لا تفريط الغافل، وهذا إقرار بصورة التفريط.

و ﴿ إنْ ﴾ مخففة من ﴿ إنّ ﴾ المشددة، واللام في ﴿ لَمِنَ الساخرين ﴾ فارقة بين ﴿ إنْ ﴾ المخففة و(إنْ) النافية.

و ﴿ من الساخرين ﴾ أشد مبالغةً في الدلالة على اتصافهم بالسخرية من أن يقال: وإن كنتُ لَساخرة، كما تقدم غير مرة منها عند قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة [البقرة: 67].

ومعنى ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ إنهم يقولونه لقصد الاعتذار والتنصل، تعيد أذهانهم ما اعتادوا الاعتذار به للنبيء صلى الله عليه وسلم كما حكَى الله عنهم: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] وهم كانوا يقولونه لقصد إفحام النبي حين يدعوهم فبَقيَ ذلك التفكير عالقاً بعقولهم حين يُحضرون للحساب.

والكلام في مِنَ المُتَّقين } مثلُه في ﴿ من الساخرين ﴾ .

وأما قولها: ﴿ حين ترى العذاب لو أنَّ لي كَرَّة ﴾ فهو تمنّ محض.

و ﴿ لو ﴾ فيه للتمني، وانتصب ﴿ فأكون ﴾ على جواب التمنّي.

والكرة: الرِّجعة.

وتقدم في قوله: ﴿ فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ﴾ في سورة [الشعراء: 102]، أي كَرة إلى الدنيا فأُحْسِن، وهذا اعتراف بأنها علمت أنها كانت من المسيئين.

وقد حُكي كلام النفس في ذلك الموقف على ترتيبه الطبيعي في جَوَلانه في الخاطر بالابتداء بالتحسر على ما أوقعت فيه نفسها، ثم بالاعتذار والتنصل طمعاً أن ينجيها ذلك، ثم بتمنيّ أن تعود إلى الدنيا لتعمل الإِحسان كقوله تعالى: ﴿ قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

فهذا الترتيب في النظم هو أحكم ترتيب ولو رتب الكلام على خلافه لفاتت الإِشارة إلى تولد هذه المعاني في الخاطر حينما يأتيهم العذاب، وهذا هو الأصل في الإِنشاء ما لم يوجد ما يقتضي العدولَ عنه كما بينتُه في كتاب «أصول الإِنشاء والخطابة».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في الشِّرْكِ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في ارْتِكابِ الذُّنُوبِ مَعَ ثُبُوتِ الإيمانِ والتِزامِهِ ﴿ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَيْأسُوا مِن رَحْمَتِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَغْفِرُها بِالتَّوْبَةِ مِنها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: يَغْفِرُها بِالعَفْوِ عَنْها إلّا الشِّرْكَ.

الثّالِثُ: يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، قالَهُ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ، وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أوْسَعَ مِنها.

وَرَوى ثَوْبانُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: « (ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما عَلَيْها بِهَذِهِ الآيَةِ» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هو ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الكِتابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنْ يَأْخُذُوا ما أمَرَ بِهِ ويَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: هو النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: هو طاعَةُ اللَّهِ تَعالى في الحَرامِ والحَلالِ قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الخامِسُ: تَأْدِيَةُ الفَرائِضِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومَعانِي أكْثَرُها مُتَقارِبَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُ الأخْذُ بِالعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ.

وَجَعَلَهُ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ  .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لِئَلّا تَقُولَ نَفْسٌ.

الثّانِي: أنْ لا تَقُولَ نَفْسٌ، والألِفُ الَّتِي في يا حَسْرَتا بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ فَفُعِلَ ذَلِكَ في الِاسْتِغاثَةِ لِمَدَّةِ الصَّوْتِ بِها.

﴿ عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في مُجانَبَةِ أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: في ذاتِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَكَرَ اللَّهُ هُنا القُرْآنَ.

الرّابِعُ: في ثَوابِ اللَّهِ مِنَ الجَنَّةِ حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: في الجانِبِ المُؤَدِّي إلى رِضا اللَّهِ، والجَنْبُ والجانِبُ سَواءٌ.

السّادِسُ: في طَلَبِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ أيْ بِالقُرْبِ.

﴿ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ في الدُّنْيا بِالقُرْآنِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: بِالنَّبِيِّ  وبِالمُؤْمِنِينَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ قال: اقبلوا إلى ربكم.

وأخرج ابن المنذر عن عبيد بن يعلى رضي الله عنه قال: الإِنابة الدعاء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت...

﴾ الآيات.

قال أخبر الله سبحانه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم؟

قبل أن يعلموه ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ [ فاطر: 14] ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ﴾ يقول المحلوقين ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ يقول: من المهتدين.

فأخبر الله سبحانه وتعالى: أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى قال الله تعالى ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ﴾ [ الأنعام: 28] وقال: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرة ﴾ [ الأنعام: 110] قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أوّل مرة في الدنيا.

وأخرج آدم بن إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ على ما فرطت في جنب الله ﴾ قال: في ذكر الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ﴾ قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة الله تعالى حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله.

قال: هذا قول صنف منهم ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ قال: هذا قول صنف منهم آخر ﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال: لو رجعت إلى الدنيا قال: هذا قول صنف آخر.

يقول الله رداً لقولهم وتكذيباً لهم ﴿ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ .

وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول ﴿ لو أن الله هداني ﴾ فيكون عليه حسرة، وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيحمد الله فيكون له شكراً، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما جلس قوم مجلساً لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن كانوا من أهل الجنة يرون ثواب كل مجلس ذكروا الله فيه ولا يرون ثواب ذلك المجلس فيكون عليهم حسرة» .

وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وابن مردويه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ بلى قد جاءتك آياتي ﴾ بنصب الكاف ﴿ فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ بنصب التاء فيهن كلهن ﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازاتهم ﴾ على الجماع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهية أن تقول نفس وإنما ذكر النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفار ﴿ فِي جَنبِ الله ﴾ أي في حق الله وقيل: في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى الجانب ثم استعير لهذا المعنى ﴿ الساخرين ﴾ أي المستهزئين ﴿ بلى ﴾ جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب لقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ ؛ لأنه في معنى النفي، لأن لو حرف امتناع.

وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب.

وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ﴾ فإن معناه يقتضي أن العمر يتسع للنظر فقيل له ﴿ بلى ﴾ على وجه الرد عليه، والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي ﴾ تفسير لما تضمنته بلى ﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون عبارة عن شدة الكرب ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم، وقيل معناه: بفضائلهم ﴿ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ أي قائم بتدبير كل شيء.

﴿ مَقَالِيدُ ﴾ مفاتيح وقيل خزائن واحدها إقليد، وقيل لا واحد لها من لفظها وأصلها كلمة فارسية، وقال عثمان بن عفان: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال: هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير.

فإن صح هذا الحديث فمعناه أن من قال هذه الكلمات صادقاً مخلصاً نال الخيرات والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك فكأنها مفاتيح له ﴿ والذين كَفَرُو ﴾ الآية قال الزمخشري: إنها متصلة بقوله: ﴿ وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ وما بينهما من الكلام اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.

﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.

﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.

الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.

﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.

الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.

الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.

ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.

واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.

قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.

وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول  وأصحابه.

وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.

ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.

قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.

وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.

وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.

واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه  يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.

ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي  برفض آلهتهم وتحقيرها.

ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.

فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله  ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.

والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.

والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي  ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله  بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.

فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي  .

وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.

ومعنى الآية أن الله  يتوفى الأنفس حين موتها.

قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل  ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.

وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.

ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.

وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.

وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.

والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.

ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.

وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.

وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.

والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.

وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.

وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه  لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .

ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.

وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.

عن عائشة أن رسول الله  كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.

وعن الربيع بن خثيم.

وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين  وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.

وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي  يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.

ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.

يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.

وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.

ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.

وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا  ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.

ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.

ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.

ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال  ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.

ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.

ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.

ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟

وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.

وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة  وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.

والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.

نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.

وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.

ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.

وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.

فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.

عن رسول الله  : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.

وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.

وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.

وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.

ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.

وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.

وسادسها تكرير اسم الله  في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.

وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.

ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.

وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.

وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟

فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.

تقول.

قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.

وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".

﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.

والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله  ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.

والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.

أي لأجلك.

وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.

قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.

وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.

وقال مجاهد: في أمر الله.

وقال الحسن: في طاعة الله.

وعن سعيد بن جبير: في حق الله.

وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب  ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.

والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.

قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.

*** له كبد حرّى عليك تقطع؟

ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.

"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.

قال قتادة.

لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.

النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.

﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.

قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.

ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.

والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.

وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله  أعلم بمراده.

ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ .

ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.

فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.

ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".

فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟

فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.

﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.

وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.

ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.

وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.

وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.

وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".

ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.

وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.

والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.

ويروى أنه سأل عثمان رسول الله  عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.

قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.

قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.

هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.

والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.

وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.

وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.

والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.

ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.

ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟

وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.

ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم  ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.

وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.

ثم ردّه  إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.

ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".

ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.

وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.

فضحك رسول الله  تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.

وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.

وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.

وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.

ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله  فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.

ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.

وقال  ﴿ وما ملكت أيمانهم  ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.

وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.

ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.

ولنرجع إلى الآية.

قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام  ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات  ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.

وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.

نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.

والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.

وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.

وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه  حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.

وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.

وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {  وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.

والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.

قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.

ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.

ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه  .

وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض  ﴾ وفي غيره من المواضع.

وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.

ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.

وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.

وقيل: أراد أرض الجنة.

ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.

وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.

والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.

﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.

والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.

وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.

وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله  .

والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.

والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.

سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟

الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.

وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.

وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.

وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.

وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.

سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟

والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون  ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب  ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.

وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.

وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.

ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.

ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.

وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.

وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله  بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.

ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.

وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.

ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.

قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.

وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.

وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.

وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.

وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.

والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.

وقيل: بين الأنبياء وأممهم.

وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.

ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله  ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن الآية نزلت في شأن الوحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب في الجاهلية أنه أراد أن يسلم الوحشي؛ فذكر ما كان منه من قتله [حمزة] -  - فظن أنه لا يقبل منه؛ لعظم جنايته؛ فنزلت الآية على رسول الله  ؛ لينبئه، وأخبر أنه لا يقبل منه بعد ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن ناساً قد أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية من نحو القتل والزنا وكبائر؛ فأشفقوا ألا يتاب عليهم؛ فأنزل الله هذه الآية يدعوهم إلى التوبة والإسلام، وأطمع لهم القبول منهم والتجاوز عما كان منهم، وهو كأنه أولى؛ لأن الوحشي من كان حتى ينزل الله الآية بشأنه خاصة؟!

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: ﴿ يٰعِبَادِيَ ﴾ الذين جنوا على أنفسهم، وأوردوها المهالك بارتكاب ما ارتكبوا من الإسراف والكبائر ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فإن قنوطكم من رحمة الله وإياسكم منه لا يغفر ولا يجاوز وذلك أعظم وأفظع؛ إذ رجع أحدهما إلى أنفسهم والآخر إلى رحمة الله وفضله.

والثاني: يقول: إنكم وإن أسرفتم فيما ارتكبتم من الكبائر والفواحش، وأعرضتم عن أمر الله فلا تقنطوا من رحمة الله بعد إذ تبتم عما كنتم فيه، ورجعتم عما كان منكم [وأما] في الوقت الذي خرجت أنفسكم من أيديكم؛ فلا يقبل ذلك منكم، وهو وقت نزول العذاب بهم وإشرافه عليهم؛ لأن التوبة في ذلك الوقت توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ، ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت الذي خرجت أنفسهم من أيديهم؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ .

لمن يشاء.

﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

وذكر عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية، فإنها نزلت بالمدينة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ...

﴾ الآية.

كأنها صلة ما تقدم من قوله: ﴿ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه ورجعتم عما كان منكم، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ : قال بعضهم: أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم، وأخلصوا له تلك الطاعة، ولا تشركوا فيها غيره.

قيل: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ ﴾ ، أي: ارجعوا إلى ما أمركم ربكم، ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ ، أي: أخلصوا له التوحيد، أو أن يقول: اجعلوا كل شيء منكم له.

وأصل الإنابة: هو الرجوع إلى طاعة الله والنزوع عما كان عليه لأمر الله، يقول - عز وجل -: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ...

﴾ الآية [الروم: 31].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ يقول - والله أعلم - على الصلة بالأول: أن أنيبوا له وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب؛ فلا يقبل منكم الإنابة والتوبة؛ إذ أقبل عليكم العذاب.

﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ثم لا تنصرون بإنابتكم إلى الله - عز وجل - في ذلك الوقت الذي أقبل عليكم العذاب [فيه]، على ما ذكرنا، أي: لا تخافون من ذلك الوقت.

والثاني: لا تنصرون بعبادة من عبدتموه من الأصنام والأوثان؛ على رجاء أن يشفع لكم ويدفع عنكم العذاب.

أي: أنيبوا إلى عبادة الله الحق قبل نزول العذاب بكم؛ فإنكم إن كنتم على عبادة من تعبدون دونه لا تنصرون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنه يقول: اتبعوا ما أمركم ربكم، وانتهوا عما نهاكم ربكم عنه.

والثاني: اتبعوا ما في القرآن وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه واجتنبوه، يقول: اعملوا به وبادروا في العمل به من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة.

والثالث: أن الله - عز وجل - قد بين السبيلين جميعاً: سبيل الخير والشر على الإبلاغ؛ فيقول: اتبعوا سبيل الخير منه، ولا تتبعوا سبيل الشر؛ فيكون تأويل هذا كأنه يقول: اتبعوا الحسن منه، ولا تتبعوا غيره، ونحو ذلك، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ .

كأنه موصول بالأول، يقول: لا يؤخرون الإنابة إليه والتوبة، فإن العذاب لعله سينزل بكم في وقت لا تشعرون أنتم به، ولا تقدرون أن ترجعوا إليه وتنيبوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا وما بعده من الآيات كأنه موصول بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ من قبل ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

وقبل أن تقول: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقبل أن تقولن ﴿ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، كأن كل ذلك صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ ، ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ﴾ من قبل أن يقول ما ذكر، في وقت لا ينفعه ذلك القول ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.

ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: في ذات الله.

وقال بعضهم: ما فرطت وضيعت من أمر الله، وأمثال ذلك، ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حد الله، أو ما كان فيه من تكذيب البعث؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا: من توحيد الله وحدوده، أو كفران نعمه، أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ ﴾ : من القرآن.

وقال بعضهم: من أهل توحيد الله.

قال قتادة: لم يكتف أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال: هذا قول صنف منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ...

﴾ إلى آخره.

قول صنف منهم جائز ما قال: إن كل قول من ذلك قول صنف، على ما قال قتادة.

وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة؛ وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ  ﴾ يقولون: لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن حيث علم منّا: اختيار الضلال والغواية، وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به - أضلنا وخذلنا ولم يوفقنا.

والمعتزلة يقولون: بل هداهم الله وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.

فإن قيل: هذا قول أهل الكفر؛ فلا دلالة فيه لما تذكرون.

قيل: وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب؛ فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذبهم في ذلك؛ كما كذبهم في أشياء قالوها؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً  ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ، ونحوه، والله أعلم.

والأصل في الهداية: أن عند الله لطفاً: من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك ولم يعطه، ضل وغوى، ويكون استيجاب العذاب وما ذكر؛ لتركه الرغبة في ذلك، والاستخفاف به، وتضييعه واشتغاله بضده؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الشرك أو المهالك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً ﴾ .

أي: رجوعاً: ﴿ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

قيل: من الموحدين.

ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.

وقد كذبه - عز وجل - في قوله هذا؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ، ثم كذبهم في قولهم: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وفي قولهم: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: بلى قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، والخير من الشر، والكذب من الصدق، ومكنت من اختيار الهداية على الغواية، ومكن لهم اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، ولكن تركتم ذلك، وضيعتم واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك؛ فإنما جاء ذلك التضييع من قبلكم لا من قبل الله - عز وجل - قد أتى بالحجج والآيات والبيان في ذلك غاية ما يجب أن يؤتى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك، والله أعلم.

وأكثر القراءات على التذكير في قوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي...

﴾ إلى آخره: على إرادة المخاطبة، وقد يقرأ بالتأنيث؛ على إرادة النفس التي تقدم ذكرها والخبر عنها، ويروى في ذلك خبر عن رسول الله  أنه قرأ بالتأنيث: ﴿ بلى قد جاءتْكِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ .

كذبهم على الله يحتمل وجوهاً: أحدها: في التوحيد؛ حيث قالوا بالولد والشركاء.

ويحتمل ما قال - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ وكان الله - عز وجل - لم يأمرهم بذلك، فكذبوا على الله - عز وجل - أنه أمرهم بذلك.

أو ما قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو أن يكون كذبهم على الله هو إنكارهم البعث، وقولهم: إن الله لا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك، والله أعلم.

والمعتزلة يقولون في قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ : هم المجبرة.

فيجيء أن يكونوا هم أقرب في كونهم في وعيد هذه الآية من المجبرة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يأمر أحداً بشيء إلا بعد أن أعطى جميع ما يعمل ويقتضي به؛ حتى لا يبقى عنده شيء من ذلك، ثم قال ذلك، ثم يسأل ربه المعونة والعصمة؛ فهو بالسؤال كاتم لما أعطاه، وهو كفران النعمة؛ لأنه يسأل ما قد أعطاه ربه، أو أن يكون هازئاً به؛ لأنه يسأل وليس عنده ما يسأل على قولهم على ما ذكرنا من مذهبهم، وكل من يسأل [من] يعلم أنه ليس عنده ذلك ولا يملك ذلك - فهو يهزأ به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ .

على توحيد الله - أو متكبرين على رسول الله  ، والمتكبر هو الذي لا يرى لنفسه نظيراً ولا شكلا؛ ولذلك يوصف الله - عز وجل - بالكبرياء؛ لأنه لا نظير له ولا شكل، ولا يجوز لغيره؛ لأن غيره ذا أشكال وأمثال، ولا قوة إلا بالله.

وفي حرف ابن مسعود وحفصة -  ما -: ﴿ على ما فرطت من ذكر ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود أيضاً في قوله: ﴿ بلى قد جاءته آياتنا من قبل فكذب واستكبر وكان من الكافرين ﴾ ، والله أعلم.

والمثوى: المقام، ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً  ﴾ من ذلك، أي: مقيماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ كأنه يقول - عز وجل -: لو رأيتهم يا محمد يوم القيامة لرحمتهم، وأشفقت عليهم مما هزئوا به، وما نزل بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ ، و ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أي: بالأعمال والأسباب التي فازوا بها على أشكالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ ﴾ بعد المفازة والنجاة، وإلا قبل ذلك قد يمسهم السوء ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وهو على الجهمية وعلى أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة.

أما على الجهمية: لقولهم: إن الجنة تفنى وينقطع أهلها ولذَّاتها، فإذا كان ما ذكروا مسهم السوء والحزن.

وعلى قول أبي الهذيل أيضاً كذلك؛ لأنه يقول: إن أهل الجنة يصيرون بحال حتى إذا أراد الله أن يزيد لهم شيئاً أو لذة لم يملك ذلك، فإن كان ما ذكر هو مسهم السوء والحزن - أيضاً - فالبلاء على قوله: إن السوء والحزن، إنما مس رب العالمين، فنعوذ بالله من مقال يعقب كفراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على إبطال قول أولئك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

افعلوا ذلك حذر أن تقول نفس من شدة الندم يوم القيامة: يا ندمها على تفريطها في جنب الله بما كانت عليه من الكفر والمعاصي، وعلى أنها كانت تسخر من أهل الإيمان والطاعة.

من فوائد الآيات النعمة على الكافر استدراج.

سعة رحمة الله بخلقه.

الندم النافع هو ما كان في الدنيا، وتبعته توبة نصوح.

<div class="verse-tafsir" id="91.Pjlnk"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده