الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٦٨ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 141 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٨ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن هول يوم القيامة ، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة ، فقوله : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) ، هذه النفخة هي الثانية ، وهي نفخة الصعق ، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض ، إلا من شاء الله كما هو مصرح به مفسرا في حديث الصور المشهور .
ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت ، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ، ويقول : ( لمن الملك اليوم ) [ غافر : 16 ] ثلاث مرات .
ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول : ( لله الواحد القهار ) أي : الذي هو واحد وقد قهر كل شيء ، وحكم بالفناء على كل شيء .
ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى ، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث ، قال تعالى : ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) أي : أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا ، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة ، كما قال تعالى : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) [ النازعات : 14 ، 13 ] ، وقال تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) [ الإسراء : 52 ] ، وقال تعالى : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) [ الروم : 25 ] .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم قال : سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال : سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو : إنك تقول : الساعة تقوم إلى كذا وكذا ؟
قال : لقد هممت ألا أحدثكم شيئا ، إنما قلت : سترون بعد قليل أمرا عظيما .
ثم قال عبد الله بن عمرو : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يخرج الدجال في أمتي ، فيمكث فيهم أربعين - لا أدري أربعين يوما أو أربعين عاما أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة - فيبعث الله عيسى ابن مريم ، كأنه عروة بن مسعود الثقفي ، فيظهر فيهلكه الله .
ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام ، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته ، حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه " .
قال : سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويبقى شرار الناس في خفة الطير ، وأحلام السباع ، لا يعرفون معروفا ، ولا ينكرون منكرا " .
قال : " فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟
فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها ، وهم في ذلك دارة أرزاقهم ، حسن عيشهم .
ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له ، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه ، فيصعق ، ثم لا يبقى أحد إلا صعق .
ثم يرسل الله - أو : ينزل الله مطرا كأنه الطل - أو الظل شك نعمان - فتنبت منه أجساد الناس .
ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، ثم يقال : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم : ( وقفوهم إنهم مسئولون ) [ الصافات : 24 ] ، قال : " ثم يقال : أخرجوا بعث النار " .
قال : " فيقال : كم ؟
فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذ تبعث الولدان شيبا ، ويومئذ يكشف عن ساق " .
انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه .
وقال البخاري : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش قال : سمعت أبا صالح قال : سمعت أبا هريرة [ رضي الله عنه ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " بين النفختين أربعون " .
قالوا : يا أبا هريرة ، أربعون يوما ؟
قال : أبيت ، قالوا : أربعون سنة ؟
قال : أبيت ، قالوا : أربعون شهرا ؟
قال : أبيت ، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق .
وقال أبو يعلى : حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت جبريل ، - عليه السلام - عن هذه الآية : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم ؟
قال : هم الشهداء ، مقلدون أسيافهم حول عرشه ، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير ، مد خطاها مد أبصار الرجال ، يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة : انطلقوا بنا إلى ربنا - عز وجل - لننظر كيف يقضي بين خلقه ، يضحك إليهم إلهي ، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه " .
رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش ، فإنه غير معروف والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) يقول تعالى ذكره: ونفخ إسرافيل في القرن, وقد بيَّنا معنى الصور فيما مضى بشواهده, وذكرنا اختلاف أهل العلم فيه, والصواب من القول فيه بشواهده, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) يقول: مات, وذلك في النفخة الأولى.
كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) قال: مات.
وقوله: ( إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بالاستثناء في هذه الآية, فقال بعضهم عنى به جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
حدثني هارون بن إدريس الأصم, قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, قال: ثنا محمد بن إسحاق, قال: ثنا الفضل بن عيسى, عن عمه يزيد الرقاشي, عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) فقيل: من هؤلاء الذين استثنى الله يا رسول الله؟
قال: " جبرائيلَ وميكائيلَ, ومَلكَ المَوْتِ, فإذَا قَبَضَ أرْوَاحَ الخَلائِقِ قالَ: يَا مَلَكَ المَوْتِ مَنْ بَقِيَ؟
وَهُوَ أعْلَمُ، قال: يَقُولُ: سُبْحانَكَ تَبارَكْتَ رَبِّي ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكائيل وَمَلَكُ المَوْتِ ، قال: يَقُولُ يَا مَلَكَ المَوْتِ خُذْ نَفْسَ مِيكائيلَ، قالَ: فَيَقَعُ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ, قال: ثُمَّ يَقُولُ: يَا مَلَكَ المَوْتِ مَنْ بَقِيَ؟
فيَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي يا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمَلَكُ المَوْتِ, قَالَ: فَيَقُولُ: يا مَلَكَ المَوْتِ مُتْ, قالَ: فَيَمُوتُ، قالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يا جِبْرِيلُ مَنْ بَقِيَ؟
قالَ: فيَقُولُ جِبْرِيلُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, بَقِيَ جِبْرِيلُ, وَهُوَ مِنَ اللهِ بالمَكانِ الَّذي هُوَ بِهِ، قالَ: فَيَقُولُ يَا جِبْرِيلُ لا بُدَّ مِنْ مَوْتَةٍ، قالَ: فَيَقَعُ سَاجِدًا يَخْفِقُ بِجناحَيْه يَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي تَبَارَكَتْ وَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ, أنْتَ البَاقِي وجِبْرِيلُ المَيِّتُ الفَانِي: قال: ويأْخُذُ رُوحَهُ في الحلْقَةِ التي خُلِقَ مِنْها, قالَ: فَيَقَعُ على مِيكائِيلَ أنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ على خَلْقِ مِيكَائيل كفَضْلِ الطَّوْدِ العَظِيمِ عَلى الظَّرْبِ (1) مِنَ الظِّرابِ".
وقال آخرون: عنى بذلك الشهداء.
حدثني محمد بن المثنى, قال: ثني وهب بن جرير, قال: ثنا شعبة عن عمارة, عن ذي حجر اليحمدي, عن سعيد بن جُبَير, في قوله: ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: الشهداء ثنية الله حول العرش, متقلدين السيوف.
وقال آخرون: عنى بالاستثناء في الفزع: الشهداء, وفي الصعق: جبريل, وملك الموت, وحملة العرش.
* ذكر من قال ذلك, والخبر الذي جاء فيه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد, عن إسماعيل بن رافع المدني, عن يزيد, عن رجل من الأنصار, عن محمد بن كعب القرظي, عن رجل من الأنصار, عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ثَلاثَ نَفَخَاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ, والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ, والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى, فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ, فتَفْزَعُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ"، قالَ أبو هريرة: يا رسول الله, فمن استثنى حين يقول: ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال: " أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ, وإنَّما يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ, أُولَئِكَ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ, وَقاهُمْ الله فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وأمَّنَهُمْ, ثُمَّ يأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيلَ بِنَفْخَةِ الصَّعْقِ, فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ, فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ فإذا هُمْ خَامِدُونَ, ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ المَوْتِ إلى الجَبَّارِ تبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ أهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إلا مَنْ شِئْتَ, فَيَقُولُ لَهُ وَهُوَ أعْلَمُ.
فمَنْ بَقِيَ؟
فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ, وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشُكَ, وَبَقِيَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اسْكُتْ إنِّي كَتَبْتُ المَوْتَ عَلَى مَنْ كَانَ تَحْتَ عَرْشِي، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ المَوْتِ فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، فيَقُولُ اللهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟
فَيَقُولُ بَقِيتَ أنْتَ الحَيّ الَّذِي لا يَمُوتُ, وبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ, وَبَقِيتُ أنا, فَيَقُولُ اللهُ: فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ العَرْشِ, فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللهُ تعالى العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ.
فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ ، فَيَقُولُ: مَنْ بَقِيَ؟
وَهُوَ أعْلَمُ, فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ وبَقِيتُ أنا, قال: فَيَقُولُ اللهُ: أنْتَ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ, فَمُتْ لا تَحْيَى, فَيَمُوتُ".
وهذا القول الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أولى بالصحة, لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت.
والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك.
وإنما عنى جل ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع, الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق, لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل ، وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك من قد هلك, وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق, وجب أن يكون المراد بذلك من قد هلك, فذاق الموت من قبل ذلك, لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدد له موت آخر في تلك الحال.
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قال الحسن: يستثني الله وما يدع أحدا من أهل السموات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت؟
قال قتادة: قد استثنى الله, والله أعلم إلى ما صارت ثنيته, قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله قال: " أتاني مَلَكٌ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ اخْتَرْ نَبِيًّا مَلِكًا, أوْ نَبِيًّا عَبْدًا، فأَوْمَأ إليَّ أنْ تَوَاضَعْ, قَالَ: نَبِيًّا عَبْدًا, قال فأُعْطِيتُ خَصْلَتَيْنِ: أنْ جُعِلْتُ أوَّلَ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ, وأوَّلُ شَافِعٌ, فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَجِدُ مُوسَى آخِذًا بالعَرْشِ, فاللهُ أعْلَمُ أصَعِقَ بَعْدَ الصَّعْقَةِ الأولَى أمْ لا؟".
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عبدة بن سليمان, قال: ثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر, قال: فرفع رجل من الأنصار يده, فصكّ بها وجهه, فقال: تقول هذا وفينا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؟
فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ , فَأَكُونُ أنَا أوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ, فإذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَه قَبْلِي, أوْ كَانَ مِمَّنْ استثنى الله ".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, عن الحسن, قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " كأنَّي أنْفُضُ رأسِي مِنَ التُّرَابِ أوَّلَ خَارِجٍ, فَأَلْتَفِتُ فَلا أَرَى أحَدًا إلا مُوسَى مُتَعَلِّقًا بالعَرْشِ, فَلا أدْرِي أمِمَّنْ اسْتَثْنَى اللهُ أنْ لا تُصِيبُه النَّفْخَةُ أوْ بُعِثَ قَبْلِي".
وقوله: ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) يقول تعالى ذكره: ثم نفخ في الصور نفخة أخرى، والهاء التي في" فيه " من ذكر الصور.
كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ) قال: في الصور, وهى نفخة البعث.
وذُكر أن بين النخفتين أربعين سنة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله: " ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ" قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟
قال: أبَيْتُ، قالوا: أربعون شهرا؟
قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟
قال: أبيت،" ثُمَّ يُنـزلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتَنْبِتُونَ كَمَا يَنْبِتُ البَقْلُ, وَلَيْسَ مِنَ الإنْسانِ شَيْءٌ إلا يَبْلَى, إلا عَظْمًا وَاحِدًا, وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ, وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ".
حدثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا البلخي بن إياس, قال: سمعت عكرمة يقول في قوله ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) ...
الآية, قال: الأولى من الدنيا, والأخيرة من الآخرة.
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) قال نبي الله: " بين النفختين أربعون " قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك, ولا زادنا على ذلك, غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة.
وذُكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة, حتى تطيب الأرض وتهتزّ, وتنبت أجساد الناس نباتَ البقل, ثم ينفخ فيه الثانية ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) قال: ذُكر لنا أن معاذ بن جبل, سأل نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: كيف يبعث المؤمنون يوم القيامة؟
قال: " يُبْعَثُونَ جُرْدًا مُرْدا مُكَحَّلِينَ بني ثَلاثِين سَنَةً".
وقوله: ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) يقول: فإذا من صعق عند النفخة التي قبلها وغيرهم من جميع خلق الله الذين كانوا أمواتا قبل ذلك قيام من قبورهم وأماكنهم من الأرض أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر الله فيهم.
كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) قال: حين يبعثون.
--------------------- الهوامش : (1) في اللسان : الظرب : الجبل المنبسط .
وقيل : هو الجبل الصغير ، وقيل : الروابي الصغار .
والجمع ظراب .
قوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون بين ما يكون بعد قبض الأرض وطي السماء وهو النفخ في الصور ، وإنما هما نفختان ، يموت الخلق في الأولى منهما ويحيون في الثانية ، وقد مضى الكلام في هذا في [ النمل ] و [ الأنعام ] أيضا .
والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام .
وقد قيل : إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن صاحبي الصور بأيديهما - أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران خرجه ابن ماجه في السنن .
وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب الصور ، وقال : عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل .
واختلف في المستثنى من هم ؟
فقيل : هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش .
روي مرفوعا من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري ، ومن حديث عبد الله بن عمر فيما ذكر الثعلبي .
وقيل : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام .
وروي من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فقالوا : يا نبي الله ، من هم الذين استثنى الله تعالى ؟
قال : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فيقول الله تعالى لملك الموت : يا ملك الموت من بقي من خلقي ؟
وهو أعلم ، فيقول : يا رب بقي [ ص: 250 ] جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت .
فيقول الله تعالى : خذ نفس إسرافيل وميكائيل ، فيخران ميتين كالطودين العظيمين ، فيقول : مت يا ملك الموت ، فيموت فيقول الله تعالى لجبريل : يا جبريل ، من بقي ؟
فيقول : تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام ، وجهك الباقي الدائم ، وجبريل الميت الفاني .
فيقول الله تعالى : يا جبريل لا بد من موتك ، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الظرب من الظراب ذكره الثعلبي .
وذكره النحاس أيضا من حديث محمد بن إسحاق ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله - جل وعز - : فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال : جبريل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل وفي هذا الحديث : إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام وحديث أبي هريرة في الشهداء أصح على ما تقدم في [ النمل ] .
وقال الضحاك : هو رضوان والحور ومالك والزبانية .
وقيل : عقارب أهل النار وحياتها .
وقال الحسن : هو الله الواحد القهار ، وما يدع أحدا من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت .
وقال قتادة : الله أعلم بثنياه .
وقيل : الاستئناء في قوله : إلا من شاء الله يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى ، أي : فيموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موته لأنهم كانوا قد ماتوا .
وفي الصحيحين وابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة قال : قال رجل من اليهود بسوقي المدينة : والذي اصطفى موسى على البشر ، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه ، قال : تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : قال الله - عز وجل - : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ، ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب وخرجه الترمذي أيضا ، وقال فيه : حديث حسن صحيح .
قال القشيري : ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله .
فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل زوال الحياة ، ويجوز أن تكون بالموت ، ولا يبعد أن يكون الموت والحياة ، فكل ذلك مما يجوزه العقل ، والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق .[ ص: 251 ] قلت : جاء في بعض طرق أبي هريرة أنه - عليه السلام - قال : لا تخيروني على موسى ؛ فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله خرجه مسلم .
ونحوه عن أبي سعيد الخدري ، والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت برد الحياة .
والله أعلم .قوله تعالى : فإذا هم قيام ينظرون أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم ، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم ، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون .
وقيل : قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به .
وقيل : هذا النظر بمعنى الانتظار ، أي : ينتظرون ما يفعل بهم .
وأجاز الكسائي قياما بالنصب ، كما تقول : خرجت فإذا زيد جالسا .
لما خوفهم تعالى من عظمته، خوفهم بأحوال يوم القيامة، ورغَّبهم ورهَّبهم فقال: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ومن أطلعه اللّه على علمه من خلقه،.
فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام،.
أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن.{ فَصَعِقَ } أي: غشي أو مات، على اختلاف القولين: { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } أي: كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له.
{ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ممن ثبته اللّه عند النفخة، فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم.
وهذه النفخة الأولى، نفخة الصعق، ونفخة الفزع.{ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ } النفخة الثانية نفخة البعث { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظرون } أي: قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم { يَنْظُرُونَ } ماذا يفعل اللّه بهم.
قوله عز وجل : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى ( إلا من شاء الله ) اختلفوا في الذين استثناهم الله عز وجل ، وقد ذكرناهم في سورة النمل ، قال الحسن : إلا من شاء الله يعني الله وحده ، ( ثم نفخ فيه ) أي : في الصور ، ) ( أخرى ) أي : مرة أخرى ، ( فإذا هم قيام ينظرون ) [ من قبورهم ] ينتظرون أمر الله فيهم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بين النفختين أربعون " قالوا : أربعون يوما قال؟
" أبيت " ، قالوا : أربعون شهرا؟
قال : " أبيت " ، قالوا : أربعون سنة؟
قال : " أبيت " قال : " ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد ، وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة .
«ونفخ في الصور» النفخة الأولى «فصعق» مات «من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله» من الحور والوالدان وغيرهما «ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم» أي جميع الخلائق الموتى «قيام ينظرون» ينتظرون ما يفعل بهم.
ونُفِخ في "القرن" فمات كلُّ مَن في السموات والأرض، إلا مَن شاء الله عدم موته، ثم نفخ المَلَك فيه نفخة ثانية مؤذنًا بإحياء جميع الخلائق للحساب أمام ربهم، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون ماذا يفعل الله بهم؟
ثم بين - سبحانه - حال الناس عند النفخة الأولى والثانية فقال : ( وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ) .والصور : اسم للقرن الذى ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - وحقيقته لا يعلمها إلا هو - سبحانه - وقوله ( فَصَعِقَ ) من الصعق بمعنى الموت أو بمعنى الصوت الشديد الذى يجعل الإِنسان فى حالة ذهول شديد حتى لكأنه قد فارق الحياة .أى : ونفخ فى الصور بأمر الله - تعالى - النفخة الأولى ، فخر ميتا كل من كان حيا فى السموات أو فى الأرض .( إِلاَّ مَن شَآءَ الله ) له الحياة من أهلهما ، قالوا : والمستثنى من الصعق جبريل وإسرافيل وميكائيل .
ولم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى تعيين من استثناه الله - تعالى - : من ذلك ، فالأولى تفويض من استثناه الله من الصعق إلى علمه - عز وجل - .( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى ) أى : ثم نفخ فى الصور نفخة أخرى - وهى النفخة الثانية التى يكون بعدها البعث والنشور .( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) أى : فإذا بهؤلاء الذين صعقوا بعد النفخة الأولى قيام من قبورهم ، ينظرون حولهم بدهشة وحيرة ماذا يفعل بهم ، أو ينظرون على أى حال يكون مصيرهم .فالآية الكريمة تفيد أن النفخ فى الصور يكون مرتين : المرة الأولى يكون بعدها الصعق والموت لجميع الأحياء ، والنفخة الثانية يكون بعدها البعث والنشور وإعادة الحياة مرة أخرى .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئاً آخر سواه، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية، فقال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله، قالوا لأن قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظموه حق تعظيمه، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث، في سورة الأنعام، وفي سورة الحج، وفي هذه السورة.
واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية جلالته، فقال: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ قال القفال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ﴾ كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ﴾ أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا هاهنا، والمعنى ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته، قال صاحب الكشاف الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك ما روي أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال، قال صاحب الكشاف وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه، قال ولا نرى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، ولا ألتفت إلى الظواهر، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية، وذلك باطل قطعاً، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين، فنقول هاهنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازاً عن تلك الحقيقة، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد، دال على قلة وقوفه على المعاني، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره.
قال تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان، سميناه بتأسيس التقديس، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه.
المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله: ﴿ والأرض ﴾ المراد منه الأرضون السبع، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله: ﴿ كُلُّ الطعام ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ وقوله تعالى: ﴿ والنخل باسقات ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ ﴾ فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا هاهنا والثاني: أنه قال بعده ﴿ والسماوات مطويات ﴾ فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض، قال تعالى: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول ﴾ والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضاً أعطني قبضة من كذا، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، أما إذا أُريد معنى القبضة، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب، قلنا جعل القبضة ظرفاً وقوله: ﴿ مطويات ﴾ من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل ﴾ وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، ثم قال صاحب الكشاف: وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جداً، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟
وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟
مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلاً، والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه: الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع، ثم إنه قال في صفة العرش ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية ﴾ وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملاً للسموات والأرض؟
السؤال الثاني: أن قوله: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة، والقوم ما شاهدوا ذلك، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوّة وهم ينكرون قوله: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ﴾ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟
السؤال الثالث: حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟
الجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.
الجواب عن الثاني: أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام، وتنبيه أيضاً على كونه غنياً على الإطلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها، وذلك يدل على كمال الاستغناء.
الجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا، والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضاً على كمال قدرته وعظمته، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ واختلفوا في الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد، وهو المذكور في سورة النمل في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ﴾ وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين.
والقول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية: نفخة الصعق والثالثة: نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة.
وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل.
والقول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش».
القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانياً.
القول الرابع: أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسي.
والقول الخامس: قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم.
ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ وفيه أبحاث: الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ ﴿ ثُمَّ ﴾ يفيد التراخي، قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن بينهما أربعين ولا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة.
الثاني: قوله: ﴿ أخرى ﴾ تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة.
الثالث: قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ﴾ يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ تدل على التعقيب.
الرابع: قوله: ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم.
والثاني: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم.
ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة ﴾ بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة.
المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض ﴾ .
واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه: الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض ﴾ أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة».
وأما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال: ﴿ وَجِئ بالنبيين والشهداء ﴾ ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضاً قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز.
والوجه الثالث: أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكاً من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نوراً.
المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ وقد سبق الكلام فيه.
وثانيها: قوله: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ وفي المراد بالكتاب وجوه: الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني: المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ وقال أيضاً في آية أخرى ﴿ مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَجِئ بالنبيين ﴾ والمراد أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿ فكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ والشهداء ﴾ والمراد ما قاله في ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ أو أراد بالشهداء المؤمنين، وقال مقاتل: يعني الحفظة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل الله، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات، بيّن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه، وعبّر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها: قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ أي وفيت كل نفس جزاء ما عملت.
ورابعها: قوله: ﴿ وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبّر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: ﴿ أخرى ﴾ ما محلها من الإعراب؟
قلت: يحتمل الرفع والنصب: أما الرفع فعلى قوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ واحدة ﴾ [الحاقة: 13] وأما النصب فعلى قراءة من قرأ: ﴿ نَفْخَةٌ واحدة ﴾ [الحاقة: 13] والمعنى: ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه أخرى.
وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.
وقرئ: ﴿ قياماً ينظرون ﴾ : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب.
وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم.
ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لتحيرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي المَرَّةَ الأُولى.
﴿ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ خَرَّ مَيِّتًا أوْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ قِيلَ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ فَإنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدُ، وقِيلَ: حَمَلَةُ العَرْشِ.
﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ نَفْخَةٌ أُخْرى وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُولى ونُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ، وأُخْرى تَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ.
﴿ فَإذا هم قِيامٌ ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ مُتَوَقِّفُونَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الخَبَرَ.
﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ والمَعْنى: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجَوانِبِ كالمَبْهُوتِينَ أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ} مات {مَن فِى السماوات ومن فى الأرض إلا من شاء الله} أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل هم حملة العرش أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى} هي في محل الرفع لأن المعنى ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب أو ينظرون أمر الله فيهم ودلت الآية على أن النفخة اثنتان الأولى للموت والثانية للبعث والجمهور على أنها ثلاث الأولى للفزع كما قال ونفخ في الصور ففزع والثانية للموت والثالثة للإعادة
﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ ﴾ المَشْهُورُ أنَّ النّافِخَ فِيهِ مَلَكٌ واحِدٌ وأنَّهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ.
وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ النّافِخَ اثْنانِ»، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أخْبارٌ أُخَرُ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ.
والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««النّافِخانِ في السَّماءِ الثّانِيَةِ رَأْسُ أحَدِهِما بِالمَشْرِقِ ورِجْلاهُ بِالمَغْرِبِ يَنْتَظِرانِ مَتى يُؤْمَرانِ أنْ يَنْفُخا في الصُّورِ فَيَنْفُخا»» وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ وأنَّهُ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ أيْ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما طَرَفَ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يَنْتَظِرُ حَتّى يُشِيرَ إلَيْهِ فَيُنْفَخَ في الصُّورِ.
والصُّورُ قَرْنٌ عَظِيمٌ فِيهِ ثُقُبٌ بِعَدَدِ كُلِّ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ ونَفْسٍ مَنفُوسَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ بَيْضاءَ في صَفاءِ الزُّجاجَةِ بِهِ ثُقُبٌ دَقِيقَةٌ بِعَدَدِ الأرْواحِ وفي وسَطِهِ كُوَّةٌ كاسْتِدارَةِ السَّماءِ والأرْضِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ وقالَ: هو جَمْعُ صُورَةٍ كَما في قِراءَةِ قَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ «فِي الصُّوَرِ» بِفَتْحِ الواوِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالفاعِلِ بَلِ الغَرَضُ إفادَةُ هَذا الفِعْلِ مِن أيِّ فاعِلٍ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ووَقَعَ النَّفْخُ في الصُّورِ ﴿ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ ماتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ أوَّلًا ثُمَّ يَمُوتُونَ، فَفي الأساسِ صَعِقَ الرَّجُلُ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ مِن هَدَّةٍ أوْ صَوْتٍ شَدِيدٍ يَسْمَعُهُ وصَعِقَ إذا ماتَ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ ذِكْرُ الدَّجّالِ ««ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ إلّا أصْغى لِيتًا ورَفَعَ لِيتًا فَأوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ فَيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النّاسُ»» وقُرِئَ «فَصُعِقَ» بِضَمِّ الصّادِ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هم وحَمَلَةُ العَرْشِ فَإنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدُ، وفي تَرْتِيبِ مَوْتِهِمُ اضْطِرابٌ مَذْكُورٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقِيلَ: رِضْوانُ والحُورُ ومالِكٌ والزَّبانِيَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ أيْ يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن سَبَقَ مَوْتُهُ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا قالَ في البَحْرِ: وهَذا نَظِيرُ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ ومِنَ الغَرِيبِ ما حُكِيَ فِيهِ أنَّ المُسْتَثْنى هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ مُتَّصِلًا كانَ الِاسْتِثْناءُ أمْ مُنْقَطِعًا، وقِيلَ: هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي الكَلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
ويُرادُ بِالسَّماواتِ عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ جِهَةُ العُلُوِّ وإلّا لَمْ يَتَّصِلِ الِاسْتِثْناءُ فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَثَلًا لَيْسُوا في السَّماواتِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ في التَّعْيِينِ خَبَرٌ صَحِيحٌ ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ ﴾ أيْ في الصُّورِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ وإلّا لَقِيلَ فِيها ﴿ أُخْرى ﴾ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ ونُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَلَوْ أُرِيدَ المُطْلَقُ الشّامِلُ لِلْأُخْرى لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها ها هُنا وجْهٌ، ( وأُخْرى ) تَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، والرَّفْعَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنائِبِ الفاعِلِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ النّائِبُ عَنْهُ الظَّرْفَ.
وصَحَّ في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ ماءً مِنَ السَّماءِ».
جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كالطَّلِّ بِالمُهْمَلَةِ وفي بَعْضِها كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ النّاسِ وإنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ وهَذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ ما هَذِهِ الأرْبَعُونَ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ أنَّها أرْبَعُونَ عامًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العاصِ قالَ: يُنْفَخُ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الأُولى مِن بابِ إيلِياءَ الشَّرْقِيِّ أوْ قالَ الغَرْبِيُّ والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ مِن بابٍ آخَرَ ﴿ فَإذا هم قِيامٌ ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ أوْ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ، وقِيلَ: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجِهاتِ نَظَرَ المَبْهُوتِ إذا فاجَأهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ.
وتُعُقِّبُ بِأنَّ قَوْلَهم عِنْدَ قِيامِهِمْ ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ يَأْباهُ ظاهِرًا نَوْعُ إباءٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قِيامٌ مِنَ القِيامِ مُقابِلَ الحَرَكَةِ أيْ فَإذا هم مُتَوَقِّفُونَ جامِدُونَ في أمْكِنَتِهِمْ لِتَحَيُّرِهِمْ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ظاهِرٌ في خِلافِهِ لِأنَّ النَّسْلَ الإسْراعُ فِي المَشْيِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «قِيامًا» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ جُمْلَةَ ( يَنْظُرُونَ ) خَبَرُهم «وقِيامًا» حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، أوْ مِنَ المُبْتَدَأِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ.
وفي البَحْرِ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ الظَّرْفُ الَّذِي هو ( إذا ) الفُجائِيَّةُ وهي حالٌ لا بُدَّ مِنها إذْ هي مَحَطُّ الفائِدَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا أيْ فَإذا هم مَبْعُوثُونَ أوْ مَوْجُودُونَ قِيامًا، وإذا نُصِبَ «قِيامًا» عَلى الحالِ فالعامِلُ فِيها ذَلِكَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ إنْ قُلْنا بِهِ وإلّا فالعامِلُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ فَإنْ كانَ ( إذا ) ظَرْفَ مَكانٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ فَتَقْدِيرُهُ فَبِالحَضْرَةِ هم قِيامًا، وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّيّاشِيُّ فَتَقْدِيرُهُ فَفي ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ هم أيْ وُجُودُهم، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِهِ هَذا المُضافُ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، وإنْ كانَتْ ( إذا ) حَرْفًا كَما زَعَمَ الكُوفِيُّونَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ إلّا إنِ اعْتَقَدْنا أنَّ ( يَنْظُرُونَ ) هو الخَبَرُ ويَكُونُ عامِلًا في الحالِ.
انْتَهى.
.
ولَعَمْرِي ( إنَّ ) مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أقَلُّ تَكَلُّفًا، هَذا وها هُنا إشْكالٌ بِناءً عَلى أنَّهم فَسَّرُوا نَفْخَةَ الصَّعْقِ بِالنَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي يَمُوتُ بِها مَن بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
فَإنَّهُ قَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِسُوقِ المَدِينَةِ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ قالَ: أتَقُولُ هَذا وفِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٍ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى»» وهو يَأْبى تَفْسِيرُ النَّفْخَةِ بِذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ماتَ قَبْلَ تِلْكَ النَّفْخَةِ بِأُلُوفِ سِنِينَ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ كَما قِيلَ في الخَضِرِ وإلْياسَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ حَيٌّ، ويَدُلَّ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَلى أنَّها نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ فَتَتَوافَقُ الآياتُ والأحادِيثُ وتَكُونُ النَّفَخاتُ ثَلاثًا وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ.
ورَدَّهُ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ أخْذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقائِمَةِ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ أنْ لَيْسَ إلّا نَفْخَتانِ لا ثَلاثَ ولا أرْبَعَ كَما قِيلَ.
ثُمَّ قالَ: والَّذِي يُزِيحُ الإشْكالَ ما قالَ بَعْضُ مَشايِخِنا: إنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والشُّهَداءِ فَإنَّهم مَوْجُودُونَ أحْياءً وإنْ لَمْ نَرَهم فَإذا نُفِخَتْ نَفْخَةُ الصَّعْقِ صُعِقَ كُلُّ مَن في السَّماءِ والأرْضِ وصَعْقَةُ غَيْرِ الأنْبِياءِ مَوْتٌ وصَعْقَتُهم غَشْيٌ فَإذا كانَتْ نَفْخَةُ البَعْثِ عاشَ مَن ماتَ وأفاقَ مَن غُشِيَ عَلَيْهِ، ولِذا وقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ «فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ» .
انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِجَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوْ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ أوِ التِزامِ إرادَةِ غَشْيٍ عَلَيْهِمْ وأنَّ مَوْتَ مَن يَمُوتُ بَعْدَ الغَشْيِ مُفادٌ مِن أمْرٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي: حفيظ.
ويقال: كفيل بأرزاقهم، لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: بيده مفاتيح السموات والأرض.
ويقال: خزائن السموات والأرض، وهو المطر، والنبات.
وقال القتبي: المقاليد: المفاتيح.
يعني: مفاتيحها، وخزائنها، وواحدها إقليد.
ويقال: إنها فارسية، معربة، إكليد.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بمحمد ، وبالقرآن، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: اختاروا العقوبة على الثواب، قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ ابن عامر: تأمرونني بنونين، وقرأ نافع: تَأْمُرُونِّي بنون واحدة، والتخفيف.
وقرأ الباقون: بنون واحدة، والتشديد، والأصل: تأمرونني بنونين، كما روي عن ابن عامر، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى، وشدد، وتركها نافع على التخفيف.
أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ يعني: أيها المشركون تأمروني أن أعبد غير الله وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يعني: الأنبياء بالتوحيد، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ أي: ثوابك، وإن كنت كريماً عليَّ.
فلو أشركت بالله، ليحبطنّ عملك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ في الآخرة.
فكيف لو شرك غيرك، فالله تعالى علم أن النبيّ لا يشرك بالله، ولكنه أراد تنبيهاً لأمته، أنَّ من أشرك بالله، حبط عمله، وإن كان كريماً على الله.
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ أي: استقم على عبادة الله، وتوحيده.
وقال مقاتل: بل الله فاعبد، أي: فوحد الله تعالى.
وقال الكلبي: يعني: أطع الله تعالى، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ما أنعم الله عليك من النبوة، والإسلام، والرسالة.
ويقال: هذا الخطاب لجميع المؤمنين.
أمرهم بأن يشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم، وأكرمهم بمعرفته، ووفقهم لدينه، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: ما عظموا الله حق عظمته، ولا وصفوه حق صفته، ولا عرفوا الله حق معرفته.
وذلك أن اليهود والمشركين، وصفوا الله تعالى بما لا يليق بصفاته، فنزل: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وفيه تنبيه للمؤمنين، لكيلا يقولوا مثل مقالتهم، ويعظموا الله حق عظمته، ويصفوه حق صفته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] .
ثم قال: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: في قدرته، وملكه، وسلطانه، لا سلطان لأحد عليها، وهذا كقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) [الفاتحة: 4] .
وقال القتبي: فِى قَبْضَتُهُ أي: في ملكه، نحو قولك للرجل: هذا في يدك، وقبضتك.
أي: في ملكك.
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي: بقدرته.
ويقال: في الآية تقديم.
معناه: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يوم القيامة.
أي: في يوم القيامة.
ويقال: بِيَمِينِهِ يعني: عن يمين العرش.
وقال القتبي: بِيَمِينِهِ أي: بقدرته نحو قوله: ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [الأحزاب: 50] يعني: ما كانت لهم عليه قدرة.
وليس الملك لليمين دون الشمال.
ويقال: اليمين هاهنا الحلف، لأنه حلف بعزته، وجلاله، ليطوينّ السموات والأرض.
ثم نزّه نفسه، فقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تنزيهاً لله تعالى.
يعني: ارتفع، وتعظم عَمَّا يُشْرِكُونَ.
يعني: عما يصفون له من الشريك، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ روي عن النبيّ أَنَّه سُئِلَ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «هُوَ الْقَرْنُ وَإِنَّ عِظَمَ دَائِرَتِهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةً، فَيُفْزِعُ الخَلْقَ، ثُمَّ يَنْفُخُ نَفْخَةً أُخْرَى، فَيَمُوتُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ، فَإذَا كَانَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَمَّعَتِ الأَرْوَاحُ كُلّهَا في الصُّور، ثُمَّ يَنْفُخُ النَّفْخةَ الثَّالِثَةَ، فَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ كُلُّها كَالنَّحلِ وَكَالزَّنَابِيرِ، وَتَأْتِي كُلُّ رُوح إلَى جَسَدِهَا» ، فذلك قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: يموت مَن فِى السموات، وَمَن فى الارض، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت.
ويقال: أرواح الشهداء.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: استثنى الله تعالى الشهداء حول العرش متقلدين بسيوفهم» .
وقال بعضهم: النفخة نفختان.
وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «يُنْفَخُ فِي الصُّور ثَلاَثُ نَفَخَاتٍ: الأُوْلَى نَفْخَةُ الفَزَعِ والثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينِ» ، وهو قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي: ينظرون ماذا يأمرهم.
ويقال: ينظرون إلى السماء كيف غيرت، وينظرون إلى الأرض كيف بدلت، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، وينظرون فيما عملوا في الدنيا، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم.
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعني: أضاءت بِنُورِ رَبِّها أي: بعدل ربها.
ويقال: وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها، وأظلم وجوه من على الأرض بنكرة ربها.
وقال بعضهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر.
وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني: ووضع الحساب.
ويقال: ووضع الكتاب في أيدي الخلق، في أيمانهم، وشمائلهم وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي: بين الخلق بالعدل، بين الظالم والمظلوم، وبين الرسل، وقومهم، وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.
وَوُفِّيَتْ أي: وفرت، كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ أي: جزاء ما عملت من خير، أو شر، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ، لأنه قد سبق ذكر قوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما يعلموا بل هو أعلم بما يفعلون، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم.
<div class="verse-tafsir"
ابن عباس «١» ، «واحدها «مِقْلاَدُ» ك «مِفْتَاحٍ» ، وقال عثمان بن عفّان: سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال: «هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «٢» .
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ قالت فرقة: المعنى: ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، ت: قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمّة لعصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب هو صلّى الله عليه وسلّم تعظيماً للأمْرِ، قال- ص-: لَيَحْبَطَنَّ جوابُ القَسَمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، انتهى.
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)
وقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم «٣» ، وقالت فرقة: نزلت في
قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ.
وقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ معناه: في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اختلج في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ باطل، وفَصَعِقَ في هذه الآية، معناه: خَرَّ مَيِّتاً، والصُّورِ: القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ:
الصُّورِ جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هذه/ الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ.
وقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث: «أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين» لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْراً أَوْ يَوْماً أَوْ سَاعَةً ت: ولفظُ مُسْلِمٌ:
عن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم ومَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟
قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟
قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ يَوماً؟
قالَ: أَبَيْتُ الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ» «١» : فقيل: معنى قوله: «أَبَيْتُ» أي: امتنعت من بَيَانِ ذلك إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلى هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل: المعنى:
أبيت أن أسأل «٢» النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ ذلك، وعلى هذا: فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء أَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً، انتهى، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنى في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في «شرح الأحكام الصغرى» لعبد الحَقِّ: الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تفنى سَبْعَةٌ: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، والقلم، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ.
انتهى.
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها معناه: أضاءت وعظم نورها، والْأَرْضُ في هذه الآية: الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وقوله: بِنُورِ رَبِّها إضَافَةُ مُخلوق «٣» إلى خالق، والْكِتابُ كتاب حساب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .
﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿ فَإذا هُمْ ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ﴾ أيْ: أضاءَتْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اللهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ المَكْتُوبَةُ: مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاعْبُدْ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: وما عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا وصَفُوهُ بِصِفاتِهِ، ولا نَفَوْا عنهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُعْنى بِالضَمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "قَدَرُوا"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُحاوَرَةً لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللهِ تَعالى وَجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وأتَوْا كُلَّ تَخْلِيطٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ جاءَ حَبْرٌ إلى رَسُولِ اللهِ فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: حَدِّثْنا، قالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَعْلَ السَماواتِ عَلى أُصْبُعٍ، والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ، والجِبالَ عَلى أُصْبُعٍ، والماءَ والشَجَرَ عَلى أُصْبُعٍ، وجَمِيعَ الخَلائِقِ عَلى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَسُولُ اللهِ تَمَثَّلَ بِالآيَةِ وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "تَصْدِيقًا لَهُ"، أيْ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلّا ما رَأى في كُتُبِ اليَهُودِ، ولَكِنَّ النَبِيَّ أنْكَرَ المَعْنى لِأنَّ التَجْسِيمَ فِيهِ ظاهِرٌ، [واليَهُودُ مَعْرُوفُونَ بِاعْتِقادِهِ، ولا يُحْسِنُونَ حَمْلَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ مِن أنَّ الأُصْبُعَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو مِن أنَّها أُصْبُعُ خَلْقٍ يَخْلُقُهُ لِذَلِكَ، ويُعَضِّدُها تَنْكِيرُ الأُصْبُعِ].
ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا اللهُ خَلَقَ الأشْياءَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وساوَرَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرِهِ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وأبُو نَوْفَلٍ: "وَما قَدَّرُوا" بِشَدِّ الدالِّ "حَقَّ قَدَرِهِ" بِفَتْحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾ مَعْناهُ: في قَبْضَتِهِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ ما مَعْناهُ: «إنَّ الأرْضَ في قَبْضَةِ اليَدِ الواحِدَةِ، والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِاليَمِينِ الأُخْرى؛ لِأنَّهُ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ والسَماواتُ وكُلُّ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: [مَطْوِيّاتٍ] بِكَسْرِ التاءِ المُنَوَّنَةِ، والناسُ عَلى رَفْعِها.
وعَلى كُلِّ وجْهٍ، فاليَمِينُ هُنا والقَبْضَةُ وكُلُّ ما ورَدَ.
عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اخْتَلَجَ في الصُدُورِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ باطِلٌ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي مِن أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ الذاتِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وبِحَسْبِ ما يَخْتَلِجُ في النُفُوسِ الَّتِي لَمَّ يَصُنْها العِلْمُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عن جَمِيعِ الشُبَهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النَفْخَ في الصُوَرِ لِيُصْعَقَ الأحْياءُ مِن أهْلِ الدُنْيا والسَماءِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّ قَبْلَ هَذِهِ الصَعْقَةِ صَعْقَةُ الفَزَعِ،» ولَمْ تَتَضَمَّنْها هَذِهِ الآيَةُ.
و[صَعِقَ] في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: خَرَّ مَيِّتًا، و"الصُوَرُ": القَرْنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هُنا غَيْرُ هَذا، ومَن يَقُولُ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ في نَفْخَةِ البَعْثِ.
وقَرَأ قَتادَةُ: [وَنُفِخَ في الصُوَرِ] بِفَتْحِ الواوِ، وهي جُمَعُ صُورَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ ؛ «اسْتَثْنى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكَ المَوْتِ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ هَذِهِ الحالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أنَسٍ، عَنِ النَبِيِّ ،» وقِيلَ: اسْتَثْنى الأنْبِياءَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اسْتَثْنى الشُهَداءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ هي نَفْخَةُ البَعْثِ، ورُوِيَ «أنَّ بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ، لا يَدْرِي أبُو هُرَيْرَةَ: سَنَةً أو يَوْمًا أو شَهْرًا أو ساعَةً.» وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من إجمال عظمة القدرة يوم القيامة إلى تفصيلها لما فيه من تهويل وتمثيل لمجموع الأحوال يومئذٍ مما ينذر الكافر ويبشر المؤمن ويذكر بإقامة العدل والحق، ثم تمثيل إزجاء المشركين إلى جهنم وسوق المؤمنين إلى الجنة.
فالجملة من عطف القصة على القصة، ومناسبة العطف ظاهرة، وعبر بالماضي في قوله: ﴿ ونُفِخَ ﴾ وقوله: فَصَعِقَ مجازاً لأنه محقق الوقوع مثل قوله: ﴿ أتى أمر اللَّه ﴾ [النحل: 1]، ويجوز أن تكون الواو للحال بتقدير (قد) أي والحال قد نفخ في الصور، فتكون صيغة الماضي في فعلي (نفخ وصَعق) مستعملة في حقيقتها.
وابتدئت الجملة بحديث النفخ في الصور إذ هو ميقات يوم القيامة وما يتقدمه من موت كل حي على وجه الأرض.
وتكرر ذكره في القرآن والسنة.
والصور: بوق ينادى به البعيد المتفرق مثل الجيش، ومثل النداء للصلاة فقد كان اليهود ينادون به: للصلاة الجامعة، كما جاء في حديث بدء الأذان في الإسلام.
والمراد به هنا نداء الخلق لحضور الحشر أحيائِهم وأَمواتِهم، وتقدم عند قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ في الأنعام (73).
وهو علامة لأمر التكوين، فالأحياء يصعقون فيموتون (كما يموت المفزوع) بالنفخة الأولى، والأموات يصعقون اضطراباً تدبّ بسببه فيهم الحياة فيكونون مستعدين لقبول الحياة، فإذا نفخت النفخة الثانية حلّت الأرواح في الأجساد المخلوقة لهم على مثال ما بَلي من أجسادهم التي بليت، أو حلّتْ الأرواح في الأجساد التي لم تزل باقية غير بالية كأجساد الذين صعقوا عند النفخة الأولى، ويجوز أن يكون بين النفختين زمن تبلَى فيه جميع الأجساد.
والاستثناء من اسم الموصول الأول، أي إلا مَن أراد الله عدم صعقه وهم الملائكة والأرواح، وتقدم في سورة النمل (87) ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ﴾ } .
و ﴿ ثم ﴾ تؤذن بتراخي الرتبة لأنها عاطفة جملة، ويجوز أن تفيد مع ذلك المهلَةَ المناسبة لما بين النفختين.
و ﴿ أُخْرى ﴾ صفة لمحذوف، أي نفخة أخرى، وهي نفخة مُخالفٌ تأثيرُها لتأثير النفخة الأولى، لأن الأولى نفخة إهلاك وصعق، والثانية نفخة إحياء وذلك باختلاف الصوتين أو باختلاف أمرَيْ التكوين.
وإنما ذكرت النفخة الثانية في هذه الآية ولم تذكر في قوله في سورة النمل (87) ﴿ ويوم ينفخ (1) في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه وكل أتوه داخرين ﴾ لأن تلك في غرض الموعظة بفناء الدنيا وهذه الآية في غرض عظمة شأن الله في يوم القيامة، وكذلك وصف النفخة بالواحدة في سورة الحاقة (13، 15) ﴿ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ﴾ وذكرت هنا نفختان.
وضمير ﴿ هُم ﴾ عائد على ﴿ من في السموات ومن في الأرض ﴾ فيما بقي من مفهومه بعد التخصيص ب ﴿ إلا مَن شاء الله ﴾ وهم الذين صعقوا صعق ممات وصَعْق اضطراب يهيأ لقبول الحياة عند النفخة.
و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة للتنبيه على سرعة حلول الحياة فيهم وقيامهم إثره و ﴿ قيام ﴾ جمع قائم.
وجملة ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ حال.
والنظرُ: الإِبصار، وفائدة هذه الحال الدلالة على أنهم حَيُوا حياة كاملة لا غشاوة معها على أبصارهم، أي لا دهش فيها كما في قوله تعالى: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ﴾ في سورة الصافات (19)، أو أريد أنهم ينظرون نظر المقلّب بصره الباحث.
ويجوز أن يكون من النظرة، أو الانتظار.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّعْقَ الغَشْيُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ المَوْتُ وهَذا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وَمَلَكُ المَوْتِ يَقْبِضُ أرْواحَهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ ورَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: الشُّهَداءُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلْبَعْثِ.
﴿ فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ قِيلَ قِيامٌ عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ يَنْظُرُونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ ﴾ إشْراقُها إضاءَتُها، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ إذا أضاءَتْ، وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِعَدْلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: بِنُورِهِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نُورُ قُدْرَتِهِ.
الثّانِي: نُورُ خَلْقِهِ لِإشْراقِ أرْضِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ لِأنَّهُ نَهارٌ لا لَيْلَ مَعَهُ.
﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: كِتابُ أعْمالِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ لِلْأنْبِياءِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا، وأنَّ الأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوا، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ بِالعَدْلِ ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ ولا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر.
فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال: أتقول هذا وفينا رسول الله؟
فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قال الله: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فاكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل» .
وأخرج أبو يعلى والدارقطني في الأفراد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سئل جبريل عليه السلام عن هذه الآية ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ من الذين لم يشإ الله أن يصعقهم؟
قال: هم الشهداء مقلدون باسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة عليهم السلام يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، أزمتها الدر برحائل السندس والإستبرق، نمارها ألين من الحرير، مدَّ خطاها مدَّ أبصار الرجل، يسيرون في الجنة يقولون عند طول البرهة؛ انطلقوا بنا إلى ربنا ننظر كيف يقضي بين خلقه؟
يضحك اليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قال: هم الشهداء ثنية الله تعالى.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: هم الشهداء ثنية الله، متقلدي السيوف حول العرش.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو نصر السجزي في الابانة وابن مردويه عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله؟
قال جبريل، وميكائيل، وملك الموت، واسرافيل، وحملة العرش.
فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت: من بقي؟
وهو أعلم فيقول: رب سبحانك....
!
رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل، وميكائيل، واسرافيل، وملك الموت.
فيقول: خذ نفس ميكائيل.
فيقع كالطود العظيم.
فيقول: يا ملك الموت من بقي؟
فيقول سبحانك رب..
!
ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت.
فيقول مت يا ملك الموت، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: سبحانك..
!
يا ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به.
فيقول: يا جبريل ما بد من موتك.
فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول: سبحانك رب...
!
تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس رفعه في قوله: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله...
﴾ قال: فكان ممن استثنى الله جبريل، وميكائيل، وملك الموت، فيقول الله- وهو أعلم: يا ملك الموت من بقي؟
فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وميكائيل، وملك الموت.
فيقول: توفَّ نفس ميكائيل.
ثم يقول- وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟
فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وملك الموت.
فيقول، توف نفس جبريل.
ثم يقول- وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟
فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم، وعبدك ملك الموت وهو ميت.
فيقول: مت.
ثم ينادي أنا بدأت الخلق، وأنا أعيده فأين الجبارون المتكبرون؟
فلا يجيبه أحد.
ثم ينادي لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد، فيقول هو لله الواحد القهار ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن جابر ﴿ فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ قال: استثنى موسى عليه السلام لأنه كان صعق قبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: هم حملة العرش.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يبقى أحد إلا مات، وقد استثنى والله أعلم مثنياه.
وأخرج أحمد ومسلم عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين يوماً، أو أربعين عاماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين ليلة، فيبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يبعث الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان إلا قبضته حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلت عليه.
يبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع.
لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: الا تستجيبون؟
فيأمرهم بالأوثان فيعبدوها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم.
ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا صغى.
وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق.
ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ ثم يقال: أيا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ [ الصافات: 24] ثم يقال: اخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟
فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك ﴿ يوم يجعل الولدان شيباً ﴾ [ المزمل: 17] وذلك ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ [ القلم: 42] » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون.
قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟
قال: أبيت قالوا: أربعون شهراً؟
قال: أبيت قالوا: أربعون عاماً؟
قال: أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإِنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» .
وأخرج أبو داود في البعث وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينفخ في الصور والصور كهيئة القرن، فصعق من في السموات ومن في الأرض.
وبين النفختين أربعون عاماً، فيمطر الله في تلك الأربعين مطراً، فينبتون من الأرض كما ينبت البقل، ومن الإِنسان عظم لا تأكله الأرض.
عجب ذنبه ومنه يركب جسده يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ينبت، ويرسل الله ماء الحياة فينبتون منه نبات الخضر، حتى إذا خرجت الأجساد، أرسل الله الأرواح فكان كل روح أسرع إلى صاحبه من الطرف، ثم ينفخ في الصور ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ » .
وأخرج ابن المبارك عن الحسن قال: بين النفختين أربعون سنة.
الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمرو، «أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ﴿ الصور ﴾ فقال: قرن ينفخ فيه» .
وأخرج مسدد وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ الصور ﴾ كهيئة القرن، ينفخ فيه.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن حبان وابن خزيمة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر فينفخ؟
قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: قالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [ آل عمران: 173] على الله توكلنا» .
وأخرج أبو الشيخ وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعداً ينظر العرش، مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الصور يعني اسرافيل» .
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبي الصور بايديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران» .
وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان» .
وأخرج أحمد والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النافخان في السماء الثانية.
رأس أحدهما بالمشرق.
ورجلاه بالمغرب.
ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا» .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها، وعندها كعب رضي الله عنه، فذكر اسرافيل عليه السلام فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل عليه السلام؟
قال: له أربعة أجنحة.
جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه.
فإذا نزل الوحي كتب القلم، ودرست الملائكة، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور، فحنى ظهره وطرفه إلى إسرافيل ضم جناحيه أن ينفخ في الصور.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي بكر الهذلي قال: إن ملك الصور الذي وكل به إحدى قدميه لفي الأرض السابعة، وهو جاث على ركبتيه، شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه السلام، ما طرف.
منذ خلقه الله ينظر متى يشير إليه، فينفخ في الصور.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، ونفس منفوسة، لا يخرج روحاً من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض.
وإسرافيل عليه السلام واضع فمه على تلك الكوة.
ثم قال له الرب عز وجل: قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة وللصيحة، فدخل إسرافيل في مقدمة العرش، فادخل رجله اليمنى تحت العرش، وقدَّم اليسرى ولم يطرف منذ خلقه الله تعالى لينظر ما يؤمر به.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة» .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج، فالتفت فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة فبعث قبلي؟» .
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فصعق ﴾ قال: مات ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال: جبريل، وإسرافيل، وملك الموت، ثم نفخ فيه أخرى، قال: في الصور.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما بعث الله إلى صاحب الصور فأخذه، فأهوى بيده إلى فيه، فقدم رجلاً وأخر رجلاً حتى يؤمر فينفخ، فاتقوا النفخة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبياً ملكاً أو نبياً عبداً قال: فأومأ إلى جبريل أن تواضع فقلت: نبياً عبداً، فأعطيت خصلتين.
ان جعلت أول من تنشق عنه الأرض.
وأول شافع، فارفع رأسي فاجد موسى آخذاً بالعرش فالله أعلم أصعق لهذه الصعقة الأولى، أم أفاق قبلي؟
﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال: كنت جالساً عند عكرمة فذكروا الذين يغرقون في البحر، فقال عكرمة: الحمد لله الذين يغرقون في البحار، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتقبلها الأمواج حتى تلقيها إلى البر، فتمكث العظام حيناً حتى تصير حائلة نخرة، فتمر بها الإِبل فتأكلها، ثم تسير الإِبل فتبعر، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر، فيوقدونه في تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة قال الله: ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ فخرج أولئك وأهل القبور سواء.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاصي قال: ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب ايليا الشرقي.
أو قال الغربي.
والنفخة الثانية من باب آخر.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين النفختين أربعون يقول الحسن فلا ندري أربعين سنة أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك وما زاد غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة قال: وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل ثم ينفخ النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون» وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور «قال: الصور مع إسرافيل عليه السلام وفيه أرواح كل شيء يكون فيه ثم نفخ فيه نفخة الصعقة فإذا نفخ فيه نفخة البعث قال الله» بعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده «قال: ودارة منها أعظم من سبع سموات ومن الأرض فحلق الصور على إسرافيل وهو شاخص ببصره إلى العرش حتى يؤمر بالنفخة فينفخ في الصور» وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور «قال: الأولى من الدنيا والأخيرة من الآخرة» وأخرج عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في المطولات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو موسى المديني كلاهما في المطولات وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وعنده طائفة من أصحابه: «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى السماء فينظر متى يؤمر فينفخ فيه قلت: يا رسول الله وما الصور؟
قال: القرن قلت فكيف هو؟
قال: عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض فينفخ فيه النفخة الأولى فيصعق من في السموات ومن في الأرض ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون لرب العالمين فيأمر الله إسرافيل عليه السلام في النفخة الأولى أن يمدها ويطولها فلا يفتر وهو الذي يقول الله ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق [ص 15] فيسير الله الجبال فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة الموسقة في البحر تضربها الرياح تنكفأ بأهلها كالقناديل المعلقة بالعرش تميلها الرياح وهي التي يقول الله ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة ﴾ [النازعات 5- 8] فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولي الناس به مدبرين ينادي بعضهم بعضا فبينما على ذلك إذ تصدعت الأرض كل صدع من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانتثرت نجومها وخسف شمسها وقمرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون شيئا من ذلك فقلت: يا رسول الله فمن استثنى الله حين يقول ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله؟
قال: أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو الذي يقول الله ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ [الحج 1] إلى قوله ﴿ ولكن عذاب الله شديد ﴾ [الحج 2] فينفخ الصور فيصعق أهل السمموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود ثم يجيء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت فيقول- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا فيقول الله: ليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل وينطق الله العرش فيقول: يا رب تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟
فيقول الله له: اسكت فإني كتبت الموت على من كان تحت عرشي فيموتون ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل فيقول الله عز وجل- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله له: ليمت حملة عرشي.
فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور ثم يأتي ملك الموت الرب عز وجل فيقول: يا رب مات حملة عرشك فيقول الله- وهو أعلم- فمن بقي؟
فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله له: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب ثم قال بهما فلفهما ثم قال: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاث مرات ثم هتف بصوته لمن الملك اليوم؟
لمن الملك اليوم؟
لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد ثم يقول لنفسه: ﴿ لله الواحد القهار يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ [إبراهيم 48] فبسطها وسطحها ثم مدها مد الأديم العكاظي ﴿ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ﴾ [طه 107] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة من كان في بطنها كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش فيأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقكم إثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت نبات؟
الطوانيت كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسامهم وكانت كما كانت قال الله: ليحيى حملة العرش فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول الله: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بهن توهج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة فيقبضهن الله جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون منها سراعا إلى ربكم تنسلون مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر حفاة عراة غلفا غرلا فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسا من السماء شديدا فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السموات السبع ثم ينزل الجبار ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ [البقرة 210] والملائكة يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل بالتسبيح فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ يوم خلقكم إلى يومك هذا.
أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ثم يقول ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ﴾ [يس 60]إلى قوله ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [ يس 59] فيميز بين الناس وتجثو الأمم قال ﴿ وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ [الجاثية 28] ويقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا يقضى بينهم فيبكون حتى تنقطع الدموع ويدمعون دما ويعرقون عرقا إلى أن يبلغ ذلك منهم أن يلجمهم العرق وأن يبلغ الأذقان منهم فيصيحون ويقولون: من يشفع لنا إلى ربنا؟
فيقضي بيننا فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ثم يستفزون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤا نبيا أبى عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني فأنطلق حتى أتي فأخر ساجدا قال: أبو هريرة رضي الله عنه وربما قال قدام العرش حتى يبعث إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب: ما شأنك؟- وهو أعلم- فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجع فأقف مع الناس فيقضي الله بين الخلائق فيكون أول من يقضى فيه في الدماء ويأتي كل من قتل في سبيل الله يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان فيقول الله- وهو أعلم- أقتلتم؟
فيقولون: يا ربنا قتلنا لتكون العزة لك فيقول الله لهم: صدقتم فيجعل لوجوههم نورا مثل نور الشمس ثم توصلهم الملائكة إلى الجنة ويأتي من كان قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان فيقول: لم؟- وهو أعلم- فيقولون: لتكون العزة لك فيقول الله: تعستم ثم ما يبقى نفس قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله تعالى للمظلوم من الظالم حتى إنه ليكلف يومئذ شائب اللبن للبيع الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه فيكلف أن يخلص اللبن من الماء فإذا فرغ الله من ذلك نادى نداء أسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له آلهة بين يديه ويجعل يومئذ من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى فيتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار.
فهي التي قال الله ﴿ لوكان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ﴾ [الأنبياء 99] فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون فيقال لهم: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون.
فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فيقال لهم: الثانية والثالثة فيقولون: مثل ذلك فيقول: أنا ربكم فهل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها؟
فيقولون: نعم فيكشف عن ساق ويريهم الله ما شاء من الآية أن يريهم فيعرفون أنه ربهم فيخرون له سجدا لوجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كدقة الشعر وكحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين وكلمح البرق وكمر الريح وكجياد الخيل وكجياد الركاب وكجياد الرجال فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة فدخلوها فو الذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذ دخلوا الجنة فدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله في الجنة واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما في الدنيا فيدخل على الأولى منهن في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس واستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها فينظر إلى يدها من صدرها ومن وراء ثيابها ولحمها وجلدها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في الياقوتة كبدها له مرآة فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء لا يفتران ولا يألمان فبينما هو كذلك إذ نودي فيقال له: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل وإن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ولا شيئا في الجنة أحب إلي منك قال وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق الله أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه حرم الله صورهم على النار فينادون في النار فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يخرجنا من النار؟
فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم؟
فينطلق المؤمنون إلى آدم فيقولون: خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وكلمك فيذكر آدم ذنبه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله فيأتون نوحا عليه السلام ويذكرون ذلك إليه فيذكر ذنبا فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا وكلمه وأنزل عليه التوراة.
فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم عليه السلام فيؤتى عيسى بن مريم عليه السلام فيطلب ذلك إليه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق حتى آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاستفتح فيفتح لي فأخر ساجدا فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد اشفع تشفع وسل تعطه فإذا رفعت رأسي قال لي- وهو أعلم- ما شأنك؟
فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني فأقول يا رب من وقع في النار من أمتي؟
فيقول الله: أخرجوا من عرفتم صورته فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله بالشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار من خير فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل خيرا قط ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع حتى أن إبليس ليتطاول في النار لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له ثم يقول الله: بقيت وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة فيخرج منها ما لا يحصيه غيره فينبتهم على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس أخضر وما يلي الظل أصفر فينبتون كالدر مكتوب في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن لم يعملوا لله خيرا قط يقول مع التوحيد فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم ثم يقولون: يا ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه عنهم» <div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُفِخَ فِي الصور ﴾ هو القرن الذين ينفخ فيه إسرافيل، وهذه النفخة نفخة الصعق وهو الموت، وقد قيل: إن قبلها نفخة الفزع ولم تذكر في هذه الآية ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ قيل: يعني جبريل وإسرافيل، وميكائيل وملك الموت، وثم يميتهم الله بعد ذلك وقيل: استثناء الأنبياء وقيل الشهداء ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى ﴾ هي نفخة القيام ﴿ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ إنه من النظر، وقيل: من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.
﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.
﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.
﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.
الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.
﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.
الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.
الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.
﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.
ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.
واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.
قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.
وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول وأصحابه.
وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.
ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.
قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.
وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.
وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.
واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.
ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي برفض آلهتهم وتحقيرها.
ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.
فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.
والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.
والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.
فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي .
وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.
ومعنى الآية أن الله يتوفى الأنفس حين موتها.
قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.
وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.
ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.
وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.
وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.
والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.
ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.
وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.
وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.
والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.
وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.
وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .
ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.
وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.
عن عائشة أن رسول الله كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.
وعن الربيع بن خثيم.
وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.
وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.
ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.
يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.
وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.
ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.
وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.
ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.
ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.
ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.
ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.
ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.
ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟
وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.
وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.
والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.
نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.
وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.
ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.
وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.
فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.
عن رسول الله : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟
فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.
وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.
وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.
وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.
ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.
وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.
وسادسها تكرير اسم الله في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.
وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.
ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.
وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.
وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.
وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟
فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.
تقول.
قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.
وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".
﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.
والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.
والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.
أي لأجلك.
وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.
قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.
وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.
وقال مجاهد: في أمر الله.
وقال الحسن: في طاعة الله.
وعن سعيد بن جبير: في حق الله.
وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.
والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.
قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.
*** له كبد حرّى عليك تقطع؟
ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.
"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.
قال قتادة.
لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.
النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.
﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.
قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.
ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.
والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.
وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.
وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله أعلم بمراده.
ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ﴾ .
ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.
فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.
ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".
فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟
فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.
﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.
وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.
ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.
وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.
وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.
وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".
ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.
وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.
والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.
ويروى أنه سأل عثمان رسول الله عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.
قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.
قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.
هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.
والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.
وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.
وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.
والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.
ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.
ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟
وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.
ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.
وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.
ثم ردّه إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.
ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".
ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.
وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.
فضحك رسول الله تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.
وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.
واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.
وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.
وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.
ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.
ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.
وقال ﴿ وما ملكت أيمانهم ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.
وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.
ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.
ولنرجع إلى الآية.
قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.
وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.
نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.
والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.
وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.
وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.
وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.
وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله { وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.
والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.
قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.
ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.
ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.
ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه .
وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وفي غيره من المواضع.
وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.
ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.
وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.
وقيل: أراد أرض الجنة.
ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.
وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.
والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.
﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.
والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.
وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.
وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله .
والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.
والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.
سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟
الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.
وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.
وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.
وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.
وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.
سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟
والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.
وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.
وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.
ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.
ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.
وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.
وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.
ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.
وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.
ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.
قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.
وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.
وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.
وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.
وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.
والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.
وقيل: بين الأنبياء وأممهم.
وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.
ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.
ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ أهو على حقيقة النفخ أم لا؟
قال بعضهم: ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة عن خفة الأمر على الله - عز وجل - [كقوله]: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ .
وقال بعضهم: ليس نفخاً، إنما هو عبارة عن قدر نفخة: أنه يحيي ويميت على قدر النفخة؛ لأن أسرع شيء في الدنيا هي النفخة.
وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت النفخة سبباً للإحياء والإماتة، ولكن على جعل النفخة علماً وآية للإحياء أو الإماتة، امتحن بذلك الملك الذي كان موكلا به، على ما امتحن ملك الموت بقبض الأرواح في أوقات جعلت له؛ فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، والله أعلم.
ثم اختلف في الصور أيضاً: قال بعضهم: هو صور الخلق فيها ينفخ، وإلى ذلك [ذهب] جميع أهل الكلام.
وقال [بعضهم]: ليس هو صور الخلق، ولكن إنما هو قرن؛ لأنه قال: الصور، ولم يقل: صُوَر بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن، وذكر صور الخلق بالتثقيل صُوَر؛ حيث قال: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ فلسنا ندري أيهما يقال جميعاً أم لا الصُّور والصُّوَر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التفسير والتأويل: الصعق: هو الموت.
وقال بعضهم: الصعق: هو الغشيان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ﴾ أي: مغشيّاً عليه؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَاقَ ﴾ يفاق من الغشيان، ولا يفاق من الموت، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ اختلف فيه؛ قال بعضهم: إنما استنثى الشهادة الذين استشهدوا في الدنيا، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ هو جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ ﴾ : قال بعضهم: تكون ثلاث نفخات: نفخة تحملهم على الفزع: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [النمل: 87]، ثم الأخرى يموتون بها، والثالثة يحيون بها، وعلى هذا يروى حديث عن رسول الله أنه قال: "ينفخ ثلاث..." ذكر كما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم: نفختان؛ على ما ذكر في هذه الآية: إحداهما: يموتون، والثانية: يحيون بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ يحتمل ﴿ بِنُورِ ﴾ : الذي أنشأه الله - عز وجل - لها وجعله فيها، ليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون قوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ كقوله - عز وجل -: ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ : بإحسان ربك، وآلاء ربك، لا يفهم منه سوى النعمة والنشأة والآلاء المجعولة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ أي: أضاءت، جائز أن يكون الله - عز وجل - ينشئ أرض الآخرة أرضاً مضيئة مشرقة؛ لما أخبر أنه يبدل أرضاً غير هذه؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ...
﴾ الآية [إبراهيم: 48]، كانت هذه مظلمة، وتلك مضيئة، على ما ذكرنا، والله أعلم.
أو أن يكون إشراقها: ارتفاع سواترها، وظهور الحق لهم، وزوال الاشتباه والالتباس، وكانت أمورهم في الدنيا مشبهة ملتبسة، ويقرون يومئذ جميعاً بالتوحيد له والألوهية والربوبية، وهو على ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ ، ونحو ذلك، ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال كلها بارزون له، راجعون إليه، صائرون، والملك له في الدارين جميعاً، خصّ البروز والرجوع إليه والملك له؛ لما يومئذ يظهر المحق لهم من المبطل، ويومئذ أقروا جميعاً بالتوحيد له والملك؛ فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ [و]تزول الشبه، وتظهر الحقائق، والله أعلم.
أو أن يكون إشراقها بإظهار لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شرّ، وعرفه يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر ولم يعرف مما عمل من خير وشر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً...
﴾ الآية [آل عمران: 30]، والله أعلم.
أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يُعْصى عليها الرب - عز وجل - وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها عليها الربَّ - عز وجل - وذلك كما روي في الخبر أن الحجر الأسود [أُنزل] من الجنة ككذا، صار أسود لما مسته أيدي الخاطئين العاصين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ قال بعضهم: بعدل ربها؛ أي: رضي بعدل ربها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالعدل، والله أعلم.
وجائز ما ذكر بنور أنشأه وجعله فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، فجائز أن يكون الكتاب الذي ذكر أنه وصفه هو ذلك الميزان، فيكونان واحداً.
وجائز أن يكون الكتاب غير الميزان.
وقال بعضهم: الكتاب هو الحساب بما قد حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور فيه.
وقال بعضهم: هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا يقرءونه، وهو مثل الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ ﴾ اختلف في الشهداء: قال بعضهم: الشهداء هم المرسلون، يؤتى بالنبيين والمرسلين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية [المزمل: 15].
وقال بعضهم: الشهداء - هاهنا - هم الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...
﴾ الآية [النور: 24].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالعدل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا يحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن يحمل عليه ما عمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ كافرة ﴿ مَّا عَمِلَتْ ﴾ من سوء، فأما ما عملت من خير فلا، [و]توفى كل نفس مسلمة ما عملت من خير لا ينقص منها شيء، وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز الله عنها ويبدله حسنات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ .
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ ، أي: عالم بما يفعلون من خير أو شر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ قيل: أمة أمة، وجماعة جماعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا...
﴾ الآية [الأعراف: 38]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ جائز أن يكون لها أبواب يدخلون فيها.
وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسبل التي كانوا فيها؛ أي: في الدنيا، وعملوا بها يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا وعملوا بها، كما يقال: فتح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب، ولكن سبل بابه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ أي: التوحيد وحججه.
ويحتمل آيات البعث الذي أنكروه.
وقال بعض أهل التأويل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ ﴾ بالآيات ﴿ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ قد فعلوا ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ أي: عدة العذاب، وهو ما قال - عز وجل - ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: حق وعد ذلك عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من ﴿ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ : هو كلمة الشرك والكفر؛ أي: حقت كلمة الكفر والشرك الذي علمنا سموا ﴿ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، لما عذبوا وعوقبوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ ﴾ تأويله ظاهر.
"والمتكبرين" يحتمل المتكبرين على آياته وحججه، ويحتمل المتكبرين على رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.
وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ﴾ ، أي: أضاءت وأنارت، و ﴿ زُمَراً ﴾ أي: جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة جماعة وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا: أهل الخير على أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما [كانوا] يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ ﴾ ؟
يحتمل: اتقوا الشرك بربهم، أو اتقوا سخط ربهم ونقمته، أو اتقوا المهالك، وقد ذكرناه فيما تقدم والله أعلم.
﴿ وَسِيقَ ﴾ ، وإن كان في الظاهر خبرا عما مضى لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال، كأنه قال: يساقون.
والثاني: كأنه خبر أمر قد كان مضى، فقال - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ﴾ ؛ ولذلك ذكره بحرف ﴿ وَسِيقَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ زُمَراً ﴾ قد ذكرناه، أي: جماعة جماعة، وأمة أمة، على ما كانوا في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يساقون في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ .
فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسبل التي يأتونها في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ ﴾ .
بدأ الخزنة بالسلام عليهم، فجائز أن يكون الله - عز وجل -: امتحن الخزنة بالسلام على المؤمنين كما امتحن رسوله ببدئه السلام على من آمن، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 54].
ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم: السلام والبراءة عن جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ .
فقوله: ﴿ طِبْتُمْ ﴾ أي: صرتم طيبين لا تخبثون أبداً، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، والله أعلم.
أو يقول: طاب العيش أبداً من حيثما يأتيكم بلا عناء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ .
ولا شك أن الله - عز وجل - إذا وعد صدق وعده، لكن معنى قولهم: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ ، أي: الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده؛ إذ وعده لا شك أنه يصدق، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ ﴾ أي: الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول من منازلهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ ، أي: جميع مكان الجنة مختار ليس مما يتخير في الدنيا مكاناً دون مكان؛ لأن جميع أمكنتها ليست بمختارة فيقع فيها الاختيار، فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة فلا يقع هنالك اختيار مكان على مكان، والله أعلم.
وإلا ظاهر قوله: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ ما لهم وما لغيرهم، والوجه فيه ما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ ﴾ .
قيل: محدقين حول العرش.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: بأمر ربهم، لكن التسبيح بحمد ربهم هو أن يسبحوا بثناء ربهم وحمده ويبرئونه وينزهونه عن جميع معاني الخلق بحمد وثناء يحمدونه ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: بين الأمم والرسل، وقيل: بين الخلائق كلهم.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قال الحسن: فتح الله نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ الآية [الأنعام: 1]، وقوله - عز وجل: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [الكهف: 1]، وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد له حيث قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين أجمعين.
يوم ينفخ المَلَك الموكل بالنفخ في القرن، يموا كل من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه المَلَك مرة ثانية للبعث، فإذا جميع الأحياء قائمون ينظرون ما الله فاعل بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.8PlZK"