الآية ٢٧ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٢٧ من سورة غافر

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال موسى : ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) أي : لما بلغه قول فرعون : ( ذروني أقتل موسى ) قال موسى : استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ; ولهذا قال : ( إني عذت بربي وربكم ) أيها المخاطبون ، ( من كل متكبر ) أي : عن الحق ، مجرم ، ( لا يؤمن بيوم الحساب ) ; ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خاف قوما قال : " اللهم ، إنا نعوذ بك من شرورهم ، وندرأ بك في نحورهم " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم, من كلّ متكبر عليه, تكبر عن توحيده, والإقرار بألوهيته وطاعته, لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه, فيجازي المحسن بإحسانه, والمسيء بما أساء; وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه, الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب, لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا, لم يكن للثواب على الإحسان راجيا, ولا للعقاب على الإساءة, وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا, ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال موسى إني عذت بربي وربكم لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب أي متعظم عن الإيمان بالله ، وصفته أنه لا يؤمن بيوم الحساب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالَ مُوسَى } حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة التي أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينًا بربه: { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ } أي: امتنعت بربوبيته التي دبر بها جميع الأمور { مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ } أي: يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه فرعون وغيره، كما تقدم قريبًا في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه.ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، الذي من آل فرعون، من بيت المملكة، لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصًا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما منع الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب من قريش، حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وقال موسى "، لما توعده فرعون بالقتل، " إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال موسى» لقومه وقد سمع ذلك إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت بربي وربكم- أيها القوم- من كل مستكبر عن توحيد الله وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما قاله موسى عليه السلام - بعد أن سمع من فرعون تهديداته له ، وتطاوله عليه ، فقال - تعالى - : ( وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب ) .وقوله ( عُذْتُ ) بمعنى استجرت ولجأت .

يقال : عاذ فلان بفلان واستعاذ به ، إذا لجأ إليه .

واستجار به .أى : وقال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل التثبيت لهم على الحق يا قوم .

إنى استجرت وتحصنت بربى وربكم من شر كل مستكبر عن الإِيمان بالحق ، كافر بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب .وفى هذا القول الذى قاله موسى لقومه : يتجلى صدق إيمانه ، وقوة يقينه ووثوقه برعاية الله - تعالى - له ، كما يتجلى فيه حرصه على نصحه لقومه بالثبات على الحق ، لأن الله - تعالى - الذى هو ربه وربهم ، كفيل برعايته ورعايتهم وبانجائه وبإنجائهم من فرعون وملئه ، كما يتجلى فيه أن الاستكبار عن اتباع الحق ، والتكذيب بالبعث ، على رأس الأسباب التى تعين على قسوة القلب ، وفساد النفس .قال صاحب الكشاف : وقوله : ( وَرَبِّكُمْ ) فيه بعث لهم على أن يقتدوا به ، فيعوذوا بالله عياذه ، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال : ( مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ) لتشمل استعاذته من فرعون وغيره من الجبابرة ، وليكون على طريقة التعريض ، فيكون أبلغ .

وأراد بالتكبر : الاستكبار عن الإِذعان للحق ، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ، ومهانة نفسه ، وعلى فرط ظلمه وعسفه .وقال : ( لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب ) لأنه إذا اجتمع فى الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها .

.وخلا هذا الوعيد والتهديد من فرعون وملئه لموسى - عليه السلام - ، قيض الله - تعالى - لموسى رجلا مؤمنا من آل فرعون كان يخفى إيمانه .

هذا الرجل أخذ يدافع عن موسى دفاعا حكيما مؤثرا ، يحمل الترغيب تارة والترهيب أخرى ، والإِرشاد تارة والتأنيب أخرى .

.

ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول :( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضاً بذكر موسى عليه السلام، وأنه مع قوة معجزاته بعثه إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه وكابروه، وقالوا هو ساحر كذاب.

واعلم أن موسى عليه السلام، لما جاءهم بتلك المعجزات الباهرة وبالنبوّة وهي المراد بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا ﴾ حكى الله تعالى عنهم ما صدر عنهم من الجهالات فالأول: أنهم وصفوه بكونه ساحراً كاذباً، وهذا في غاية البعد، لأن تلك المعجزات كانت قد بلغت في القوة والظهور إلى حيث يشهد كل ذي عقل سليم بأنه ليس من السحر ألبتة الثاني: أنهم قالوا: ﴿ اقتلوا أَبْنَاء الذين ءامَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَاءهُمْ ﴾ والصحيح أن هذا القتل غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى عليه السلام، لأن في ذلك الوقت أخبره المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأولاد في ذلك الوقت، وأما في هذا الوقت فموسى عليه السلام قد جاءه وأظهر المعجزات الظاهرة، فعند هذا أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشئوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ ومعناه أن جميع ما يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من آمن معه يبطل، لأن ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها النوع الثالث: من قبائح أفعال أولئك الكفار مع موسى عليه السلام ما حكاه الله تعالى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى ﴾ وهذا الكلام كالدلالة على أنهم كانوا يمنعونه من قتله، وفيه احتمالان.

والاحتمال الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه: الأول: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً، فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون من قتله الثاني: قال الحسن: أن أصحابه قالوا له لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه الثالث: لعلّهم كانوا يحتالون في منعه من قتله، لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام، فإن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من شر ذلك الملك.

والاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد أن يقتله إلا أنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرة تمنعه عن قتله فيفتضح إلا أنه لوقاحته قال: ﴿ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى ﴾ وغرضه منه أنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه وغرضه منه إخفاء خوفه.

أما قوله: ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ فإنما ذكره على سبيل الاستهزاء يعني أني أقتله فليقل لربه حتى يخلصه مني.

وأما قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: فتح ابن كثير الياء من قوله: ﴿ ذَرُونِى ﴾ وفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو الياء من ﴿ إِنّى أَخَافُ ﴾ وأيضاً قرأ نافع وابن عمرو ﴿ وأن يَظْهَر ﴾ بالواو وبحذف أو، يعني أنه يجمع بين تبديل الدين وبين إظهار المفاسد، والذين قرأوا بصيغة أو فمعناه أنه لابد من وقع أحد الأمرين وقرئ يظهر بضم الياء وكسر الهاء والفساد بالنصب على التعدية، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلفظ أو يظهر بفتح الياء والهاء والفساد بالرفع، أما وجه القراءة الأولى فهو أنه أسند الفعل إلى موسى في قوله: ﴿ يُبَدَّلُ ﴾ فكذلك في يظهر ليكون الكلام على نسق واحد، وأما وجه القراءة الثانية فهو أنه إذا بدل الدين فقد ظهر الفساد الحاصل بسبب ذلك التبديل.

المسألة الثانية: المقصود من هذا الكلام بيان السبب الموجب لقتله وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق وأما فساد الدنيا فهو أنه لابد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر الدين فقال: ﴿ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ ﴾ ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: ﴿ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفساد ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذا الكلام حكى بعده ما ذكره موسى عليه السلام فحكى عنه أنه قال: ﴿ إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في التاء والباقون بالإظهار.

المسألة الثانية: المعنى أنه لم يأتِ في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله، واعتمد على فضل الله لا جرم صانه الله عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية، وعلم أن هذه الكلمات التي ذكرها موسى عليه السلام تشتمل على فوائد: الفائدة الأولى: أن لفظة ﴿ إِنّى ﴾ تدل على التأكيد فهذا يدل على أن الطريق المؤكد المعتبر في دفع الشرور والآفات عن النفس الاعتماد على الله والتوكل على عصمة الله تعالى.

الفائدة الثانية: أنه قال: ﴿ إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ ﴾ فكما أن عند القراءة يقول المسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن، فكذلك عند توجه الآفات والمخافات من شياطين الإنس إذا قال المسلم: أعوذ بالله فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات.

الفائدة الثالثة: قوله: ﴿ بِرَبّى وَرَبّكُمْ ﴾ والمعنى كأن العبد يقول إن الله سبحانه هو الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني، ومن الآفات وقاني، وأعطاني نعماً لا حد لها ولا حصر، فلما كان المولى ليس إلا الله وجب أن لا يرجع العاقل في دفع كل الآفات إلا إلى حفظ الله تعالى.

الفائدة الرابعة: أن قوله: ﴿ وَرَبّكُمْ ﴾ فيه بعث لقوم موسى عليه السلام على أن يقتدوا به في الاستعاذة بالله، والمعنى فيه أن الأرواح الطاهرة القوية إذا تطابقت على همة واحدة قوي ذلك التأثير جداً، وذلك هو السبب الأصلي في أداء الصلوات في الجماعات.

الفائدة الخامسة: أنه لم يذكر فرعون في هذا الدعاء، لأنه كان قد سبق له حق تربية على موسى من بعض الوجوه، فترك التعيين رعاية لذلك الحق.

الفائدة السادسة: أن فرعون وإن كان أظهر ذلك الفعل إلا أنه لا فائدة في الدعاء على فرعون بعينه، بل الأولى الاستعاذة بالله في دفع كل من كان موصوفاً بتلك الصفة، حتى يدخل فيه كل من كان عدواً سواء كان مظهراً لتلك العداوة أو كان مخفياً لها.

الفائدة السابعة: أن الموجب للإقدام على إيذاء الناس أمران أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسي القلب والثاني: كونه منكراً للبعث والقيامة، وذلك لأن التكبر القاسي قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقراً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل عنده الإيمان بالبعث والقيامة كانت الطبيعة داعية له إلى الإيذاء والمانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلاً، وإذا كان الخوف من السؤال والحساب زائلاً فلا جرم تحصل القسوة والإيذاء.

الفائدة الثامنة: أن فرعون لما قال: ﴿ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى ﴾ قال على سبيل الاستهزاء ﴿ وليدع رَبَّهُ ﴾ فقال موسى إن الذي ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو الدين المبين والحق المنير، وأنا أدعو ربي وأطلب منه أن يدفع الشرك عني، وسترى أن ربي كيف يقهرك، وكيف يسلطني عليك.

واعلم أن من أحاط عقله بهذه الفوائد علم أنه لا طريق أصلح ولا أصوب في دفع كيد الأعداء وإبطال مكرهم إلا الاستعاذة بالله والرجوع إلى حفظ الله، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما سمع موسى عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث قتله: قال لقومه ﴿ إِنّى عُذْتُ ﴾ بالله الذي هو ربي وربكم، وقوله: ﴿ وَرَبِّكُمْ ﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال: ﴿ مّن كُلِّ مُتَكَبّرٍ ﴾ لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض؛ فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه، وقال: ﴿ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب ﴾ لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلاّ ارتكبها: وعذت ولذت: أخوان.

وقرئ: ﴿ عت ﴾ بالإدغام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ كانُوا يَكُفُّونَهُ عَنْ قَتْلِهِ ويَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَخافُهُ بَلْ هو ساحِرٌ، ولَوْ قَتَلْتَهُ ظَنَّ أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِالحُجَّةِ وتَعَلُّلُهُ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ سَفّاكًا في أهْوَنِ شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَيَقَّنَ أنَّهُ نَبِيٌّ فَخافَ مِن قَتْلِهِ، أوْ ظَنَّ أنَّهُ لَوْ حاوَلَهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ويُؤَيِّدْهُ قَوْلُهُ.

﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ فَإنَّهُ تَجَلُّدٌ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِدُعائِهِ.

﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ.

﴿ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ أنْ يُغَيِّرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ وعِبادَةِ الأصْنامِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ﴾ ﴿ أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ ﴾ ما يُفْسِدُ دُنْياكم مِنَ التَّحارُبِ والتَّهارُجِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُبْطِلَ دِينَكم بِالكُلِّيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِالواوِ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ ورَفْعِ ( الفَسادَ ) .

﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ أيْ لِقَوْمِهِ لَمّا سَمِعَ بِكَلامِهِ.

﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ صَدَّرَ الكَلامَ بِإنَّ تَأْكِيدًا وإشْعارًا عَلى أنَّ السَّبَبَ المُؤَكَّدَ في دَفْعِ الشَّرِّ هو العِياذُ بِاللَّهِ، وخَصَّ اسْمَ الرَّبِّ لِأنَّ المَطْلُوبَ هو الحِفْظُ والتَّرْبِيَةُ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ لِما في تَظاهُرِ الأرْواحِ مِنَ اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، ولَمْ يُسَمِّ فِرْعَوْنَ وذَكَرَ وصْفًا يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ لِتَعْمِيمِ الِاسْتِعاذَةِ ورِعايَةِ الحَقِّ والدَّلالَةِ عَلى الحامِلِ لَهُ عَلى القَوْلِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ عُدْتُ فِيهِ وفي سُورَةِ «الدُّخانِ» بِالإدْغامِ وعَنْ نافِعٍ مِثْلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَ مُوسَى} لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه {إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب} وفي قوله وَرَبِّكُمْ بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه وقال مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ وأراد بالتكبر الاستكبار عن الاذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدل على دناءة صاحبه وعلى فرط

ظلمه وقال لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها وعذت ولذت أخوان وعت بالإدغام أبو عمرو وحمزة وعلي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ مُوسى ﴾ لَمّا سَمِعَ بِما أجْراهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا بِهِ قَوْمَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ السّابِقُ مِن فِرْعَوْنَ خِطابًا لِقَوْمِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِشارَةِ وإجالَةِ الرَّأْيِ لا بِمَحْضَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا خاطَبَ قَوْمَهُ لا فِرْعَوْنَ وحاضِرِيهِ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: في [الأعْرافِ: 128] ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ( ورَبِّكم ) فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ لا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى وارِدَةً أنَّهُ تَعالى كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَضُرُّ في كَوْنِهِ مُؤَيَّدًا لِأنَّ التَّأْيِيدَ مَدارُهُ الظّاهِرُ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِإنَّ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّبَبَ المُؤَكَّدَ في دَفْعِ الشَّرِّ هو العِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وخُصَّ اسْمُ الرَّبِّ لِأنَّ المَطْلُوبَ هو الحِفْظُ، والتَّرْبِيَةُ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّوَجُّهِ التّامِّ بِالرُّوحِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما في تَظاهُرِ الأرْواحِ مِنَ اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، وهَذا هو الحِكْمَةُ في مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ في العِباداتِ، ( ومِن كُلِّ ) عَلى مَعْنى مِن شَرِّ كُلٍّ وأرادَ بِالتَّكَبُّرِ الِاسْتِكْبارَ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ وهو أقْبَحُ اسْتِكْبارٍ وأدَلُّهُ عَلى دَناءَةِ ومَهانَةِ نَفْسِهِ وعَلى فَرْطِ ظُلْمِهِ وعَسْفِهِ، وضُمَّ إلَيْهِ عَدَمُ الإيمانِ بِيَوْمِ الجَزاءِ لِيَكُونَ أدَلَّ وأدَلَّ، فَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ التَّكَبُّرُ والتَّكْذِيبُ بِالجَزاءِ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِالعاقِبَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ أسْبابَ القَسْوَةِ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعِبادِهِ ولَمْ يَتْرُكْ عَظِيمَةً إلّا ارْتَكَبَها، واخْتِيرَ المُنَزَّلُ دُونَ مِنهُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لِأنَّهُ كَلامٌ وارِدٌ في عَرْضِهِمْ فَلا يَلْبَسُونَ جِلْدَ النَّمِرِ إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الِاسْتِعاذَةِ ورِعايَةِ حَقِّ تَرْبِيَةِ اللَّعِينِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عُتُّ» بِإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها تاءً <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا التسع، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: حجة بيّنة إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ يعني: لم يصدقوا موسى.

قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا يعني: بالرسالة، قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يعني: أعيدوا القتل عليهم، وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ فلا تقتلوهن، وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في خطأ بيّن.

قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ لقومه ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى يعني: خلوا عني، حتى أَقْتُلْ موسى.

وَلْيَدْعُ رَبَّهُ يعني: ليدعوا ربه موسى، لكي يمنعه عني.

وذلك أن قومه كانوا يقولون: أرجئه وأخاه، ولا تقتله حتى لا يفسدوا عليك الملك.

فقال لهم فِرْعَوْنُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى فإِني أعلم أن صلاح ملكي في قتله.

إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ يعني: عبادتكم إياي.

أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ يعني: الدعاء إلى غير عبادتي.

قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو وأن يظهر على معنى العطف.

والباقون: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ على معنى الشك، وكلاهما جائز.

وأو لأحد الشيئين: إما لشك المتكلم أو أحدهما.

والواو للجمع، وتقع على الأمرين جميعاً.

وقرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم يُظْهِرَ بضم الياء، وكسر الهاء، الْفَسادَ بالنصب.

والباقون: يُظْهِرَ بنصب الياء، والهاء، الْفَسادَ بالضم.

فمن قرأ: يُظْهر بالضم.

فالفعل لموسى، والفساد نصب لوقوع الفعل عليه.

ومن قرأ يَظْهَر، فالفعل للفساد، فيصير الفسادُ رفعاً، لأنه فاعل.

فلما سمع موسى ذلك التهديد، استعاذ بالله من شره، فذلك قوله: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ يعني: أستعيذ بربي، وربكم، مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ عن الإيمان يعني: لاَ يُؤْمِنُ أي: لا يصدق بِيَوْمِ الْحِسابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بسلاحه، وقرأ ابن كثير «١» وأبو عمرو: «تُنْبِتُ» بضم التاء [وكسر الباء] «٢» واخْتُلِفَ في التقدير على هذه القراءة، فقالت [فرقة: الباءُ زائدة، كما في قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] ، وقالت] «٣» فرقة: التقدير تُنْبِتُ جناها ومعه الدُّهْنُ، فالمفعول محذوف، وقيل: نبت وأَنْبَتَ بمعنى فيكونُ المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، والمراد بالآية تعديدُ النعم على الإنسان، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ...

الآية: هذا ابتداءُ تمثيلٍ لكُفَّارِ قريش بأُممٍ كفرت بأنبيائها فأُهْلِكُوا، وفي ضمن ذلك الوعيدُ بأَنْ يَحُلَّ بهؤلاء نحوُ ما حَلَّ بأولئك، والملأ: الأشراف، والجنّة، الجنون، وحَتَّى حِينٍ معناه إلى وقت يريحكم القَدَرُ منه، ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه حين يَئِسَ منهم، وإنْ كان دعاؤُهُ في هذه الآية ليس بِنَصٍّ وإنَّما هو ظاهر من قوله: بِما كَذَّبُونِ فهذا يقتضي طلبَ العقوبة، وأَمَّا النصرة بمجردها فكانت تكون بردّهم إلى الإيمان.

فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)

وقوله عزَّ وجل: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قوله: بِأَعْيُنِنا: عبارة عن الإدراك هذا مذهبُ الحُذَّاقِ، ووقفتِ الشريعةُ على أعين وعين، ولا يجوزُ أَنْ يُقال: عينان من حيثُ لم توقف الشريعة على التثنية، ووَحْيِنا معناه في كيفية العمل، ووجهُ البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج إليه، وأَمْرُنا يحتمل أن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.

فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ.

فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ.

.

.

﴾ وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والرّابِعُ: جِبْرِيلُ.

والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ.

قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿ وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿ وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿ وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ.

وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ فَمَن يَنْصُرُنا ﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿ مِن بَأْسِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما أُرِيكُمْ ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿ إلا ما أرى ﴾ لِنَفْسِي ﴿ وَما أهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.

﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَّنادِ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم.

فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾» والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ.

.

.

.

﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿ حَتّى إذا هَلَكَ ﴾ أيْ: ماتَ ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿ مُرْتابٌ ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أو أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي مِن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ الظاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ انْهَدَّ رُكْنُهُ، واضْطَّرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مَن قِصَّتِهِما، وفي هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ دَلِيلانِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ، والدَلِيلُ الثانِي: مَقالَةُ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْبَرُ مِن مُسايَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أظْهَرُ مِن تَوْرِيَتِهِ في أمْرِهِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَإنَّما لَجَأ إلى المُخْرِقَةِ والِاضْطِرابِ والتَعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ، أيْ: إنِّي لا أُبالِي عن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَصِيحَةَ والحِمايَةَ لَهم فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ ، والدِينُ: السُلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَئِنْ حَلَلْتْ بِجَوٍّ مِن بَنِيَ أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنْ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أو أنْ"، ورَجَّحَها أبُو عَبِيدٍ بِزِيادَةِ الحَرْفِ، فَعَلى الأُولى خافَ أمْرَيْنِ، وعَلى الثانِيَةِ خافَ أحَدَ أمْرَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ "الفَسادَ" نَصْبًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ [الفَسادُ] بِالرَفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والأعْرَجِ، وعِيسى، والأعْمَشِ، وابْنِ وثّابٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَظْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ.

ولَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَقالَةَ فِرْعَوْنَ- لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في مَجْلِسٍ واحِدٍ- دَعا رَبَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عَذَتُ" بِبَيانِ الذالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عُذْتُ" بِالإدْغامِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "عُتُّ" عَلى الإدْغامِ في الخَطِّ.

ثُمَّ حَكى اللهُ تَعالى مَقالَةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وشَرَّفَهُ بِالذِكْرِ، وخَلَّدَ ثَناءَهُ في الأُمَمِ، سَمِعَتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: سَمِعَتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ - وقَدْ سُئِلَ أنْ يَتَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِن فَضائِلِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم - فَأطْرَقَ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ماذا تُرِيدُونَ مِن قَوْمٍ قَرْنَهُمُ اللهُ تَعالى بِنَبِيِّهِ  ، وخَصَّهم بِمُشاهَدَتِهِ وتَلَقِّي الوَحْيِ مِنهُ؟

وقَدْ أثْنى اللهُ عَلى رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ وأثْبَتَ ذِكْرَهُ في المَصاحِفِ لِكَلامٍ قالَهُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الكُفْرِ، وأيْنَ هو مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَرَّدَ سَيْفَهُ بِمَكَّةَ وقالَ: واللهُ لا أعْبُدُ اللهَ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَجْلٌ" بِسُكُونِ الجِيمِ، كَعَضُدِ وعَضْدُ، وسَبُعُ وسَبْعُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "رَجُلٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الرَجُلِ، فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَـ"يَكْتُمُ" - عَلى هَذا - في مَوْضِعِ الصِفَةِ دُونَ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ فِرْعَوْنَ بَلْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما المَعْنى: وقالَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا عِنْدَ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ القِبْطِ ويُقالُ فِيهِ: مِن آلِ فِرْعَوْنَ إذْ كانَ في الظاهِرِ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ ومِن أتْباعِهِ، وهَذا كَما قالَ أراكَةُ الثَقَفِيُّ يَرْثِي أخاهُ ويَتَعَزّى بِرَسُولِ اللهِ  : فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ إذْ كانُوا في طاعَةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ يَقُولَ" ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَقُولَ، وجَلَّحَ مَعَهم هَذا المُؤْمِنُ في هَذِهِ المَقالاتِ، ثُمَّ غالَطَهم بَعْدُ في أنْ جَعَلَهُ في احْتِمالِ الصِدْقِ والكَذِبِ، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "يَكُ" تَخْفِيفًا عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ، وتَشْبِيهًا بِالنُونِ في "يَفْعَلُونَ ويَفْعَلانِ" عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ، وتَشْبِيهًا بِحَرْفِ العِلَّةِ - الياءِ والواوِ - عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقالَ: كَأنَّ الجازِمَ دَخَلَ عَلى "يَكُنْ" وهي مَجْزُومَةٌ بَعْدُ فَأشْبَهَتِ النُونُ الياءَ مَن "يَقْضِي" والواوَ مَن "يَدْعُو" لِأنَّ خِفَّتَها عَلى اللِسانِ سَواءٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "بَعْضُ" بِمَعْنى "كَلِّ"، وأنْشَدُوا قَوْلَ القَطامِيِّ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَلَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: هو إلْزامُ الحُجَّةِ بِأيْسَرَ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كافٍ في هَلاكِكُمْ، ويُظْهِرُ لِي أنَّ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القِسْمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضُ ما يَعِدُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنَعِيمِ، وإنْ كَفَرُوا بِالعَذابِ، فَإنْ كانَ صادِقًا فالعَذابُ بَعْضُ ما وعَدَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِبَعْضِ ما يَعِدُكُمْ: عَذابَ الدُنْيا، لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، أيْ: وتَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الباقِي، وفي البَعْضِ كِفايَةٌ في الإهْلاكِ.

ثُمَّ وعَظَهم هَذا المُؤْمِنُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ: مُسْرِفٌ بِالقَتْلِ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْرِفٌ بِالكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا حكاية كلام صدر من موسى في غير حضرة فرعون لا محالة، لأن موسى لم يكن ممن يضمه ملأ استشارة فرعون حين قال لقومه: ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ [غافر: 26] ولكن موسى لما بلغه ما قاله فرعون في ملائه قال موسى في قومه: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم ﴾ ، ولذلك حكِيَ فعل قوله معطوفاً بالواو لأن ذلك القول لم يقع في محاورة مع مقال فرعون بخلاف الأقوال المحكية في سورة [الشعراء: 18 31] من قوله: ﴿ قال ألم نربك فينا وليداً ﴾ إلى قوله: ﴿ قال فأْتِ به إن كنت من الصادقين ﴾ .

وقوله: ﴿ عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِر ﴾ خطاب لقومه من بني إسرائيل تطميناً لهم وتسكيناً لإِشفاقهم عليه من بطش فرعون.

والمعنى: إني أعددت العدة لدفع بطش فرعون العوذَ بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وفي مقدمة هؤلاء المتكبرين فرعون.

ومعنى ذلك: أن موسى علم أنه سيجد مناوين متكبرين يكرهون ما أرسله الله به إليهم، فدعا ربه وعلم أن الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند، وذلك ما حكي في سورة [طه: 45، 46]: ﴿ قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمَع وأرى ﴾ فأخبر موسى قومه بأن ربه حافظٌ له ليثقوا بالله كما كان مقام النبي لاحينَ كان في أول البعثة تحرسه أصحابه في الليل فلما نزل قوله تعالى: ﴿ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ﴾ [الحجر: 94، 95] الآية أمر أصحابه بأن يتخلوا عن حراسته.

وتأكيد الخبر بحرف (إنَّ) متوجه إلى لازم الخبر وهو أن الله ضمن له السلامة وأكد ذلك لتنزيل بعض قومه أو جُلهم منزلة من يتردد في ذلك لِما رأى من إشفاقهم عليه.

والعَوذ: الالتجاء إلى المحل الذي يستعصم به العائذ فيدفع عنه مَن يروم ضره، يقال: عاذ بالجبل، وعاذ بالجيش، وقال تعالى: ﴿ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ [النحل: 98].

وعبر عن الجلالة بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المتكلم لأن في صفة الرب إيماء إلى توجيه العوذ به لأن العبد يعوذ بمولاه.

وزيادة وصفه برب المخاطبين للإِيماء إلى أن عليهم أن لا يجزعوا من مناواة فرعون لهم وأن عليهم أن يعوذوا بالله من كل ما يفظعهم.

وجُعلت صفة ﴿ لاَ يُؤمِنُ بِيَوْممِ الحِسَابِ ﴾ مغنية عن صفة الكفر أو الإِشراك لأنها تتضمن الإشراك وزيادة، لأنه إذا اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء قَلَّت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه أسباب القسوة والجرأة على الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أشِيرُوا عَلَيَّ بِقَتْلِ مُوسى لِأنَّهم قَدْ كانُوا أشارُوا عَلَيْهِ بِأنْ لا يَقْتُلْهُ لِأنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ مَنَعُوهُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّانِي: ذَرُونِي أتَوَلّى قَتْلَهُ، لِأنَّهم قالُوا إنَّ مُوسى ساحِرٌ إنْ قَتَلْتَهُ هَلَكْتَ لِأنَّهُ لَوْ أمَرَ بِقَتْلِهِ خالَفُوهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في قَوْمِهِ مُؤْمِنُونَ يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ.

فَسَألَهم تَمْكِينَهُ مِن قَتْلِهِ.

﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولْيَسْألْ رَبَّهُ فَإنَّهُ لا يُجابُ.

الثّانِي: ولْيَسْتَعِنْ بِهِ فَإنَّهُ لا يُعانُ.

﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: يُغَيِّرُ أمْرَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ هو أنْ يَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.

الثّالِثُ: مُحارَبَتُهُ لِفِرْعَوْنَ بِمَن آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: هو أنْ يَقْتُلُوا أبْناءَكم ويَسْتَحْيُوا نِساءَكم إذا ظَهَرُوا عَلَيْكم كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَزُولَ بِهِ مُلْكُكم لِأنَّهُ ما تَجَدَّدَ دِينٌ إلّا زالَ بِهِ مُلْكٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا...

﴾ .

قال: هذا بعد القتل الأول، ولفظ عبد بن حميد هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال فرعون ذروني أقتل موسى ﴾ قال: أنظر من يمنعه مني.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ﴾ قال: أن يقتلوا أبناءكم ويستحيوا نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إني أخاف أن يبدل دينكم ﴾ أي أمركم الذي أنتم عليه ﴿ أو أن يظهر في الأرض الفساد ﴾ والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ قال: المشرك أسرف على نفسه بالشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ ﴾ الآية لما سمع موسى ما همّ به فرعون من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه، وقال: ﴿ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا ﴾ .

يحتمل: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: بحججنا، وذكرنا أنه يحتمل أن الآيات والسلطان واحد، ويحتمل أنهما غيران.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ ﴾ ، ليعلم أنه كان مبعوثاً إلى الكل لم يبعث إلى بعض دون بعض.

وقوله: ﴿ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ ﴾ .

دل قولهم: ساحر كذاب على أن موسى -  - قد آتاهم من الآيات والحجج ما عجزوا عن إتيان مثلها والمقابلة لها؛ فخافوا أن يتبعه الناس لذلك، فموهوا بقولهم: ﴿ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ ﴾ على سائر الناس؛ لئلا يتبعوه فيما يدعو؛ لما عرف الناس أن السحر ليس يعرفه كل أحد وأن أكثر الناس يعجزون عن السحر، وكانوا يعرفون أن السحر يكون كذباً، فموهوا بذلك القول أمر موسى -  - على أتباعهم، ونسبوه إلى الكذب من غير أن ظهر من موسى كذب قط، وقد كان لم يزل من فرعون تمويه وتلبيس على قومه أمر موسى؛ مخافة أن يتبعوه؛ لما أتاهم من الحجج والأدلة التي ظهرت عندهم أنها حجج وأدلة، من ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ  ﴾ قال هذا بعد ما اتبعه السحرة وآمنوا به؛ ليموه بذلك أمرهم على من لم يتبع موسى من الأتباع، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا  ﴾ وغير ذلك من التمويهات التي كانت منه؛ فعلى ذلك هذا القول منهم حيث قالوا: ﴿ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ ﴾ لأنهم اعتادوا.

وجائز أن يكون قولهم: إنه كذاب؛ لأنهم اعتادوا عبادة الأصنام دون الله  ، فلما جاء موسى -  - بما يمنعهم عن عبادة ما اعتادوا من العدد، ودعاهم إلى عبادة الواحد - قالوا: إنه كذاب، وكذلك قال أهل مكة لرسولنا وسيدنا محمد  : إنه ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ  أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ سموه: كذاباً؛ لما دعاهم إلى عبادة الواحد، ومنعهم عن عبادة ما اعتادوا من العدد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا ﴾ .

قال بعضهم: أي: جاءهم بالتوحيد.

وقال بعضهم: أي: جاءهم بالرسالة.

وكأن غير هذا أقرب، أي: فلما جاءهم بما يظهر عندهم من الحجج أنها آيات، وأنها من عندنا جاءت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ ﴾ .

أمر أتباعه أن يقتلوا أبناء من آمن منهم؛ لينزجروا بذلك عن متابعة موسى؛ لما رأى ما كان من التمويهات والحيل لم يمنعهم عن اتباعه، بل كانوا يتبعونه، فأوعدهم بقتل الأبناء كما كان يقتل الأبناء عندما قيل له: إن ذهاب ملكك بولد يولد كذا...، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ .

لا شك أن كيدهم في الآخرة في ضلال، ولكن أراد كأن كيدهم في الدنيا ظهر أنه ضلال؛ حيث لم يمنعهم كيده وحيله وتمويهاته عن اتباع موسى،  .

وقوله: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ .

قال هذا؛ لما رأى أنه لم يمنعهم من اتباع موسى ما ذكر من قتل الأبناء، قال عند ذلك: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ \[وهو يحتمل\] وجوها: أحدها: يحتمل أنه هم فرعون أن يقتل موسى -  - فمنعه قومه أو الملأ من قومه عن قتله، فقال عند ذلك: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ .

والثاني: يحتمل أنه قال هذا مبتدأ من غير أن كان منهم منع إياه عن قتله، وهو كما قال ربنا - جل وعلا - لرسوله  : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  ﴾ من غير أن كان من رسول الله  منع له عن ذلك، وهذا في كلام العرب موجود سائغ التكلم به على الابتداء من غير أن كان من أحد منع عما يريدون أن يفعلوا، والله أعلم.

والثالث: يحتمل ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ أي: ذروني لائمتي في قتل موسى، أي: لا تلوموني إذا أنا قتلته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان ذلك من فرعون يقول: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ يمنعني عن قتله إن كان صادقاً فيما يدعي من الرسالة؛ لأن من أرسل رسولا، فهم أحد قتله أو الضرر به، منعه المرسل عن ذلك، فعلى ذلك يقول، والله أعلم.

والثاني: يكون ذلك أمراً من الله - عز وجل - موسى بالدعاء على فرعون بالهلاك؛ لما هم قتله، وعلى ذلك الرسل - عليهم السلام - قد أذن لهم بالدعاء على فراعنتهم ومعانديهم ومكابريهم إذا بلغوا في العناد غايتهم والتمرد نهايتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ ﴾ .

قد كان هناك تبديل الدين فإنه قد أظهر موسى -  - دين الحق وآمن أتباعه، لكن كأنه أراد - والله أعلم - بقوله: ﴿ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ ﴾ ، أي: يذهب بدينكم من الأصل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ﴾ .

ذكر اللعين، وسمى إظهار التوحيد في الأرض ودين الإسلام: فساداً ليعلم أن كل مدعٍ شيئاً وإن كان مبطلا في دعواه فعنده أنه على حق وأن خصمه [على] باطل؛ فلا يقبل قول أحد إلا ببرهان، والله أعلم.

ويحتمل أن فرعون اللعين أراد بقوله: ﴿ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ﴾ قتل أبنائهم أي: يقتل موسى أبناءكم مجازاة لما قتلتم أنتم أبناءهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ ، أي: متكبر على التوحيد.

ويحتمل متكبر على الرسل لا يؤمن بما يدعوه الرسول إلى الإيمان بيوم الحساب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال موسى  لمَّا علم بتهديد فرعون له: إني التجأت واعتصمت بربي وربكم من كل متكبر عن الحق والإيمان به، لا يؤمن بيوم القيامة، وما فيه من حساب وعقاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.RRVro"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد