الآية ٢٨ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٢٨ من سورة غافر

وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيا من آل فرعون .

قال السدي : كان ابن عم فرعون ، ويقال : إنه الذي نجا مع موسى .

واختاره ابن جرير ، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليا ; لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه ، وكف عن قتل موسى - عليه السلام - ولو كان إسرائيليا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة ; لأنه منهم .

وقال ابن جريج عن ابن عباس : لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون ، والذي قال : ( يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) [ القصص : 20 ] رواه ابن أبي حاتم .

وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط ، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون : ( ذروني أقتل موسى ) ، فأخذت الرجل غضبة لله - عز وجل - و " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " ، كما ثبت بذلك الحديث ، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) [ أي : لأجل أن يقول ربي الله ] ، اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، حدثني عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيء مما صنعه المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) .

انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي قال : وتابعه محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عروة ، عن أبيه ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني ، حدثنا عبدة عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه ، عن عمرو بن العاص أنه سئل : ما أشد ما رأيت قريشا بلغوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : مر بهم ذات يوم فقالوا له : أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟

فقال : " أنا ذاك " فقاموا إليه ، فأخذوا بمجامع ثيابه ، فرأيت أبا بكر محتضنه من ورائه ، وهو يصيح بأعلى صوته ، وإن عينيه ليسيلان ، وهو يقول : يا قوم ، ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) حتى فرغ من الآية كلها .

وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة ، فجعله من مسند عمرو بن العاص ، رضي الله عنه .

وقوله : ( وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) أي : كيف تقتلون رجلا لكونه يقول : " ربي الله " ، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق ؟

ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال : ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ) يعني : إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به ، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه ، فلا تؤذوه ، فإن يك كاذبا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة ، وإن يك صادقا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم ، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة ، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقا ، فينبغي على هذا ألا تتعرضوا له ، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه .

وهكذا أخبر الله [ تعالى ] عن موسى - عليه السلام - أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله : ( ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم .

أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين .

وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين .

وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون .

وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) [ الدخان : 17 - 21 ] وهكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله [ تعالى ] عباد الله ، ولا يمسوه بسوء ، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته ، قال الله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ الشورى : 23 ] أي : إلا ألا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة ، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس .

وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية ، وكان فتحا مبينا .

وقوله : ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) أي : لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون ، لكان أمره بينا ، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله ، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب ، وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما ، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله ، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن, فقال بعضهم: كان من قوم فرعون, غير أنه كان قد آمن بموسى, وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) قال: هو ابن عم فرعون.

ويقال: هو الذي نجا مع موسى, فمن قال هذا القول, وتأوّل هذا التأويل, كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) , لأن ذلك خبر متناه قد تمّ.

وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا, ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.

والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) لأن قوله: ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) صلة لقوله: ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) فتمامه قوله: يكتم إيمانه, وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل, كذلك حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السديّ من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون, قد أصغى لكلامه, واستمع منه ما قاله, وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله.

وقيله ما قاله.

وقال له: ما أريكم إلا ما أرى, وما أهديكم إلا سبيل الرشاد, ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له, ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله, لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل, لاعتداده إياهم أعداء له, فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا؟

ولكنه لما كان من ملأ قومه, استمع قوله, وكفّ عما كان همّ به في موسى.

وقوله: ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) يقول: أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟

فإن في موضع نصب لما وصفت.( وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) يقول: وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك.

وتلك البيّنات من الآيات يده وعصاه.

كما حدثنا ابن حميد, قال.

ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) بعصاه وبيده.

وقوله: ( وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) يقول: وإن يك موسى كاذبا في قيله: إن الله أرسله إليك يأمركم بعبادته, وترك دينكم الذي أنتم عليه, فإنما إثم كذبه عليه دونكم ( وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) يقول: وإن يك صادقا في قيله ذلك, أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون, فلا حاجة بكم إلى قتله, فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) يقول: إن الله لا يوفّق للحقّ من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله, كذّاب عليه يكذب, ويقول عليه الباطل وغير الحقّ.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع, فقال بعضهم: عني به الشرك, وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال.

ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) : مشرك أسرف على نفسه بالشرك.

وقال آخرون: عنى به من هو قتَّال سفَّاك للدماء بغير حق.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) قال: المسرف: هو صاحب الدم, ويقال: هم المشركون.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) والشرك من الإسراف, وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف, وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران كلاهما, فالحقّ أن يعم ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله, أنه عم القول بذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب .فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : وقال رجل مؤمن ذكر بعض المفسرين : أن اسم هذا الرجل حبيب .

وقيل : شمعان بالشين المعجمة .

قال السهيلي : وهو أصح ما قيل فيه .

وفي تاريخ الطبري رحمه الله : اسمه خبرك .

وقيل : حزقيل : ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء .

الزمخشري : واسمه سمعان أو حبيب .

وقيل : خربيل أو حزبيل .

واختلف هل كان إسرائيليا أو قبطيا فقال الحسن وغيره : كان قبطيا .

ويقال : إنه كان ابن عم فرعون ، قاله السدي .

قال : وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام ، ولهذا قال : من آل فرعون وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى الآية .

وهذا قول مقاتل .

وقال ابن عباس : لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصديق ، وهو أفضلهم وفي هذا [ ص: 274 ] تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي : لا تعجب من مشركي قومك .

وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون ، فلهذا لم يتعرض له بسوء .

وقيل : كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون ، عن السدي أيضا .

ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير ، والتقدير : وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون .

فمن جعل الرجل قبطيا ف " من " عنده متعلقة بمحذوف صفة الرجل ، التقدير : وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون ، أي : من أهله وأقاربه .

ومن جعله إسرائيليا ف " من " متعلقة ب " يكتم " في موضع المفعول الثاني ل " يكتم " .

القشيري : ومن جعله إسرائيليا ففيه بعد ; لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه .

قال الله تعالى : ولا يكتمون الله حديثا وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول .الثانية : قوله تعالى : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله أي لأن يقول ومن أجل أن يقول ربي الله ، ف " أن " في موضع نصب بنزع الخافض .

وقد جاءكم بالبينات يعني الآيات التسع " من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه " ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه ، ولكن تلطفا في الاستكفاف واستنزالا عن الأذى .

ولو كان و " إن يكن " بالنون جاز ، ولكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه ، ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس .

وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم أي إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم .

ومذهب أبي عبيدة أن معنى " بعض الذي يعدكم " كل الذي يعدكم ، وأنشد قول لبيد :تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها( فبعض ) بمعنى : كل ; لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد ، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ .

وذكر الماوردي : أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفا في الخطاب وتوسعا في الكلام ، كما قال الشاعر : [ عمر القطامي ] .قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزللوقيل أيضا : قال ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب ، كل نوع منها مهلك ، فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع .

وقيل : وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن [ ص: 275 ] كفروا ، فالمعنى يصبكم أحد العذابين .

وقيل : أي : يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض الوعيد ، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضا .

وقيل : وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن آمنوا ، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا .إن الله لا يهدي من هو مسرف على نفسه .

كذاب على ربه ، إشارة إلى موسى ويكون هذا من قول المؤمن .

وقيل : مسرف في عناده كذاب في ادعائه ، إشارة إلى فرعون ، ويكون هذا من قول الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى : يكتم إيمانه قال القاضي أبو بكر بن العربي : ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ، ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمنا باعتقاده ، وقد قال مالك : إن الرجل إذا نوى بقلبه طلاق زوجته أنه يلزمه ، كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه .

فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه كذلك ، لكن ليس على الإطلاق ، وقد بيناه في أصول الفقه ، بما لبابه أن المكلف إذ نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم يتلفظ بلسانه ، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى يتلفظ بلسانه ، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى ، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره ، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف ، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله .الرابعة : روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفناء الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم لفظ البخاري .

خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله ، فاستغاث النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان ، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته : ويلكم : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، والله إنه لرسول الله ، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ .

فقال علي : والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون ، إن ذلك [ ص: 276 ] رجل كتم إيمانه ، فأثنى الله عليه في كتابه ، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل .قلت : قول علي - رضي الله عنه - إن ذلك رجل كتم إيمانه ، يريد في أول أمره بخلاف الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه ، وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى - عليه السلام - على ما يأتي بيانه .

في نوادر الأصول أيضا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها : ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فقالت : كان المشركون قعودا في المسجد ، ويتذاكرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يقول في آلهتهم ، فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقاموا إليه بأجمعهم ، وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم ، فقالوا : ألست تقول كذا في آلهتنا ؟

قال : ( بلى ) فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له : أدرك صاحبك .

فخرج من عندنا وإن له غدائر ، فدخل المسجد وهو يقول : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، فلهوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبلوا على أبي بكر ، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه ، وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، إكرام إكرام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحًا فعل قومه، وشناعة ما عزموا عليه: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } أي: كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولاً مجردًا عن البينات، ولهذا قال: { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ } لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله.فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟

فأما وقد ظهرت حجته، واستعلى برهانه، فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي.ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال: { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ } أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا.وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير فقتله سفه وجهل منكم.ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل.

{ كَذَّابٌ } بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) واختلفوا في هذا المؤمن : قال مقاتل والسدي : كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال : " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " ( القصص - 20 ) ، وقال قوم : كان إسرائيليا ، ومجاز الآية : وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس وأكثر العلماء .

وقال ابن إسحاق : كان اسمه جبران .

وقيل : كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبا ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) لأن يقول ربي الله ، ( وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) أي : بما يدل على صدقه ، ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) لا يضركم ذلك ، ( وإن يك صادقا ) فكذبتموه ، ( يصبكم بعض الذي يعدكم ) قال أبو عبيد : المراد بالبعض الكل ، أي : إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب .

قال الليث : " بعض " صلة ، يريد : يصبكم الذي يعدكم .

وقال أهل المعاني : هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال : أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم ، فذكر البعض ليوجب الكل .

( إن الله لا يهدي ) إلى دينه ، ( من هو مسرف ) مشرك ) ( كذاب ) على الله .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، حدثني عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه به خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال رجل مؤمن من آل فرعون» قيل: هو ابن عمه «يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن» أي لأن «يقول ربيَ الله وقد جاءَكم بالبينات» بالمعجزات الظاهرات «من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه» أي ضرر كذبه «وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم» به من العذاب عاجلا «إن الله لا يهدي من هو مسرف» مشرك «كذاب» مفتر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون، يكتم إيمانه منكرًا على قومه: كيف تستحلون قَتْلَ رجل لا جرم له عندكم إلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبراهين القاطعة مِن ربكم على صِدْق ما يقول؟

فإن يك موسى كاذبًا فإنَّ وبالَ كذبه عائد عليه وحده، وإن يك صادقًا لحقكم بعض الذي يتوعَّدكم به، إن الله لا يوفق للحق مَن هو متجاوز للحد، بترك الحق والإقبال على الباطل، كذَّاب بنسبته ما أسرف فيه إلى الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ .

.

.

)قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن موسى - عليه السلام - أنه ما زاد فى دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله ، بين أنه - تعالى - قيض إنسانا أجنبيا غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه ، وبالغ فى تسكين تلك الفتنة ، واجتهد فى إزالة ذلك الشر .ثم قال - رحمه الله - يقول مصنف هذا الكتاب : ولقد جريت فى أحوال نفسى أنه كلما قصدنى شرير بشر ولم أتعرض له ، وأكتفى بتفويض ذلك الأمر إلى الله ، فإنه - سبحانه - يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة .

يبالغون فى دفع ذلك الشر .

.وظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا الرجل المؤمن كان من حاشية فرعون بدليل قوله - تعالى - : ( مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ولم يكن من بنى إسرائيل .وقد رجح ابن جرير - رحمه الله - ذلك فقال : وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى : القول الذى قاله السدى من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، ولذا فقد أصغى لكلامه واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله .

.

ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه بالعقوبة على قوله ، لأنه لم يكن ستنصح بنى إسرائيل لاعتداده إياهم أعداء له .

.

ولكنه لما كان من ملأ قومه ، استمع إليه ، وكف فرعون عما كان قد هم به من قتل موسى .

.قالوا : وهذا الرجل المؤمن هو الذى نصح موسى - عليه السلام - بقوله : ( إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخرج إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين ) وكان اسمه " حزقيل " او " حبيب " .أى : وقال رجل مؤمن من آل فرعون وحاشيته ، وكان يكتم إيمانه عنهم ، حتى لا يصيبه أذى منهم ، فعندما سمع فرعون يقول : ( ذروني أَقْتُلْ موسى ) قال لهم : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ) .أى : أتقتلون رجلا لأنه يقول ربى الله وحده ، وقد جاءكم بالحجج البينات ، وبالمعجزات الواضحة من عند ربكم ، كدليل على صدقه فيما يبلغه عنه .فقوله : ( أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله ) فى موضع المفعول لأجله .

أى : أتقتلونه من أجل قوله هذا .

وجملة ( وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ) حالية من فاعل يقول وهو موسى - عليه السلام - .والمقصود بهذا الاستفهام : الإِنكار عليهم والتبكيت لهم ، حيث قصدوا قتل رجل كل ذنبه أنه عبد الله - تعالى - وحده وقد جاءهم بالمعجزات الواضحات الدالة على صحة فعله وقوله .قال الإِمام ابن كثير : وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط ، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ( ذروني أَقْتُلْ موسى )فأخذت الرجل غضبه لله - تعالى - و " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " اللهم إلا ما رواه البخارى فى صحيحه حيث قال :حدثنا على بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعى ، حدثنى عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرنى بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه فى عنقه ، فخنقه خنقا شديدا .

فأقبل أبو بكر - رضى الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفع عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " .وقال القرطبى : وعن على - رضى الله عنه - قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبى طالب بثلاث : فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل هذا يجؤه - أى يضربه - ، وهذا يُتَلْتِلهُ - أى : يحركه تحريكا شديدا - فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان ، فأقبل يجأ هذا ويتلتل ذا ، ويقول بأعلى صوته : ويلكم : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ، والله إنه لرسول الله ، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ .ثم يحكى القرآن أن ذلك الرجل المؤمن ، لم يكتف بالإِنكار على قومه قصدهم موسى بالقتل بل أخذ فى محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد بشتى الأساليب والحجج فقال : ( وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ .

.

) .أى : أنه قال لهم : إن كان موسى - على سبيل الفرض - كاذبا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه ، وليس عليكم منه شئ ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه ، وليس عليكم منه شئ ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله ، فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذى يعدكم به من سوء عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه .

.فأنت ترى أن الرجل كان فى نهاية الحكمة والإِنصاف وحسن المنطق ، فى مخاطبته لقومه ، حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين ، وكلاهما لا يوجب قصد موسى - عليه السلام - بالقتل .ورحم الله صاحب الكشاف : فقد أجاد عند تفسير لهذه الآية فقال ما ملخصه : وقوله : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله .

.

.

) هذا إنكار عظيم منه ، وتبكيت شديد لهم ، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التى هى قتل نفس محرمة ، وما لكم علة قط فى ارتكابها إلا كلمة الحق التى نطق بها وهى قوله ( رَبِّيَ الله ) .

.ثم أخذ فى الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا ، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره ، وإن يك صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن تعرضتم له .فإن قلت : لم قال : ( بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ) وهو - أى موسى - نبى صادق ، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟قلت : لأنه احتاج فى مقاولة خصوم موسى ومنا كريه ، إلى أن يلاوصهم - أى يحايلهم - ويداريهم ، ويسلك معهم طريق الإِنصاف فى القول ويأتيهم من جهة المناصحة ، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل فى تصديقهم له وقبولهم منه ، فقال ( وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ) وهو كلام المنصف فى مقاله ، غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا ، فقد أثبت أنه صادق فى جميع ما يعد ، ولكنه أردفه بقوله : ( يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ) ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا عن أن يتعصب له ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل .ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن الله التى لا تتغير فقال : ( إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) .أى : إن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يهدى إلى الحق والصواب ، من كان مسرفا فى أموره ، متجاوزا الحدود التى شرعها الله - تعالى - ومن كان كذابا فى إخباره عن الله - تعالى - ، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا ، لما أيده الله - تعالى - بالمعجزات الباهرة .

وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه .فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه ، وتعريض بما عليه فرعون من ظلم وكذب .قال الجمل فى حاشيته : فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظرا لموسى وفرعون .الوجه الأول : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ، والمعننى : إن الله هدى موسى إلى الإِتيان بالمعجزات الباهرة ، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا ولا كذابا .الوجه الثانى : أن يكون المراد أن فرعون مسرف فى عزمه على قتل موسى .

وكاذب فى ادعائه الألوهية ، والله لا يهدى من كان كذلك .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله، بيّن أنه تعالى قيض إنساناً أجنبياً غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة واجتهد في إزالة ذلك الشر.

يقول مصنف هذا الكتاب رحمه الله، ولقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما قصدني شرير بشر ولم أتعرض له وأكتفي بتفويض ذلك الأمر إلى الله، فإنه سبحانه يقيض أقواماً لا أعرفهم ألبتة، يبالغون في دفع ذلك الشر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون، فقيل إنه كان ابن عم له، وكان جارياً مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل كان قبطياً من آل فرعون وما كان من أقاربه، وقيل إنه كان من بني إسرائيل، والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة قال تعالى: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ  ﴾ وعن رسول الله أنه قال: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله ﴾ والثالث علي ابن أبي طالب وهو أفضلهم وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيراً من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه وقال أبو بكر جهاراً ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله ﴾ فكان ذلك سراً وهذا كان جهاراً.

المسألة الثانية: لفظ من في قوله: ﴿ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿ مُؤْمِنٍ ﴾ أي كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿ يَكْتُمُ إيمانه ﴾ والتقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقال كتمت من فلان كذا، إنما يقال كتمته كذا قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً  ﴾ .

المسألة الثالثة: رجل مؤمن الأكثرون قرأوا بضم الجيم وقرئ رجل بكسر الجيم كما يقال عضد في عضد.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وقد ذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الاستنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ﴿ رَبّىَ الله ﴾ وجاء بالبينات وذلك لا يوجب القتل ألبتة وقوله: ﴿ وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات مِن رَّبّكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ رَبّىَ الله ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿ وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، وهو قوله في سورة طه [50] ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ وقوله في سورة الشعراء [24] ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ إلى آخر الآيات، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية في أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على طريقة التقسيم، فقال إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، فثبت أن على كلا التقديرين كان الأولى إبقاؤه حياً.

فإن قيل السؤال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ معناه أن ضرر كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا الكلام فاسد لوجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه، لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل، فيغتر به جماعة منهم، ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد الفاسد، ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصومات الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يمكن ضرر كذبه مقصوراً عليه، بل كان متعدياً إلى الكل، ولهذا السبب العلماء أجمعوا على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى زندقته يجب قتله.

وثانيها: أنه إن كان الكلام حجة له، فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة، فوجب تمكن جميع الزنادقة والمبطلين من تقرير أديانهم الباطلة.

وثالثها: أن الكفار الذين أنكروا نبوّة موسى عليه السلام وجب أن لا يجوز الإنكار عليهم، لأنه يقال: إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه، وإن يك صادقاً انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذا الطريق يوجب تصويب ضده، وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً.

السؤال الثاني: أنه كان من الواجب أن يقال وإن يك صادقاً يصبكم كل الذي يعدكم لأن الذي يصيب في بعض ما يعد دون البعض هم أصحاب الكهانة والنجوم، أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ﴾ غير لائق بهذا المقام والجواب: عن الأسئلة الثلاثة بحرف واحد وهو أن تقدير الكلام أن يقال إنه لا حاجة بكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه، وإن يك صادقاً انتفعتم به، والحاصل أن المقصود من ذكر ذلك التقسيم بيان أنه لا حاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه فبهذا الطريق (تكون) الأسئلة الثلاثة مدفوعة.

وأما السؤال الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال يصبكم كل الذي يعدكم، فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللجاج لأن المقصود منه إن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه، وإن كان صادقاً فلا أقل من أن يصل إليكم بعض ما يعدكم، وإن كان المقصود من هذا الكلام ما ذكر صح، ونظيره قولله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ  ﴾ ، والوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يتوعدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الذي يعدهم به، الوجه الثالث: حُكي عن أبي عبيدة أنه قال ورود لفظ البعض بمعنى الكل جائز، واحتج بقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها والجمهور على أن هذا القول خطأ، قالوا وأراد لبيد ببعض النفوس نفسه، والله أعلم.

ثم حكى الله تعالى عن هذا المؤمن حكاية ثالثة في أنه لا يجوز إيذاء موسى عليه السلام فقال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ وتقرير هذا الدليل أن يقال: إن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بهذه المعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذاباً فهذا يدل على أن موسى عليه السلام ليس من الكاذبين، فكان قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز والتعريض، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الإلهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ ﴾ وقرئ: ﴿ رجل ﴾ بسكون الجيم كما يقال: عضد، في عضد وكان قبطيا ابن عم لفرعون: آمن بموسى سراً وقيل: كان إسرائيلياً و ﴿ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ ﴾ صفة لرجل.

وصلة ليكتم، أي: يكتم إيمانه من آل فرعون، واسمه سمعان أو حبيب وقيل خربيل أو حزبيل والظاهر أنه كان من آل فرعون فإنّ المؤمنين من بني إسرائيل لم يقلّوا ولم يعزُّوا.

والدليل عليه قول فرعون: ﴿ أبناء الذين آمنوا معه ﴾ [غافر: 25] .

وقول المؤمن: ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَاءنَا ﴾ [غافر: 29] دليل ظاهر على أنه يتنصَّح لقومه ﴿ أَن يَقُولَ ﴾ لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلاّ كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله: ﴿ رَبّىَ الله ﴾ مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ولكن بينات عدّة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم، ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً، أي: وقت أن يقول.

والمعنى: أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذالقول من غير روية ولا فكر في أمره.

وقوله: ﴿ بالبينات ﴾ يريد: بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً، ﴿ فإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أي: يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره، ﴿ وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ ﴾ ما يعدكم إن تعرّضتم له.

فإن قلت: لم قال: بعض ﴿ الذى يَعِدُكُمْ ﴾ وهو نبيّ صادق، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه قلت: لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه إلى أن يلاوصهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من وجهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، فقال: ﴿ وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ ﴾ وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ ﴾ ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً، فضلاً أن يتعصب له، أو يرمي بالحصا من ورائه، وتقديم الكاذب على الصادق أيضاً من هذا القبيل، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ الله يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ .

فإن قلت: فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد: تَرَّاكُ امْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ** أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامَهَا قلت: إن صحت الرواية عنه، فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقي: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ﴾ يحتمل أنه إن كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر، فيتخلصون منه، وأنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله للنبوّة، ولما عضده بالبينات.

وقيل: ما تولى أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشدّ من ذلك: طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا، فقال: أنا ذاك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فالتزمه من ورائه: وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم، رافعاً صوته بذلك، وعيناه تسفحان، حتى أرسلوه.

وعن جعفر الصادق: إنّ مؤمن آل فرعون قال ذلك سراً، وأبو بكر قاله ظاهراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ مِن أقارِبِهِ.

وقِيلَ: مِن مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَكْتُمُ إيمانَهُ ﴾ والرَّجُلُ إسْرائِيلِيٌّ أوْ غَرِيبٌ مُوَحِّدٌ كانَ يُنافِقُهم.

﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا ﴾ أتَقْصِدُونَ قَتْلَهُ.

﴿ أنْ يَقُولَ ﴾ لِأنْ يَقُولَ، أوْ وقْتَ أنْ يَقُولَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ في أمْرِهِ.

﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ وحْدَهُ وهو في الدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ مِثْلَ صَدِيقِي زَيْدٌ.

﴿ وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ المُتَكَثِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والِاسْتِدْلالاتِ.

﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ البَيِّناتِ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ واسْتِدْراجًا لَهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ، ثُمَّ أخَذَهم بِالِاحْتِجاجِ مِن بابِ الِاحْتِياطِ فَقالَ: ﴿ وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ.

﴿ وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ كَوْنَهُ كاذِبًا أوْ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ، كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم وتَفْسِيرُ ال ( بَعْضُ ) بِالكُلِّ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: تَرّاكَ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها مَرْدُودٌ لِأنَّهُ أرادَ بِال ( بَعْضُ ) نَفْسَهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ احْتِجاجٌ ثالِثٌ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ.

وَثانِيهِما: أنَّ مَن خَذَلَهُ اللَّهُ أهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ.

ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وخَيَّلَ إلَيْهِمُ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهُمْ، وعَرَّضَ بِهِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ كَذّابٌ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ سَبِيلَ الصَّوابِ وطَرِيقَ النَّجاةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقال رجل مؤمن من آل فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانه} قيل كان قبطياً ابن عم لفرعون امن بموسى سرا ومن ال فرعون صفة لرجل وقيل كان اسرائيليا من آل فرعون صلة ليكتم أي يكتم إيمانه من آل فرعون واسمه سمعان أو حبيب أو خربيل أو حزبيل والظاهر الأول {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ} لأن يقول وهذا إنكار منه عظيم كأنه قيل أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة ومالكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق وهي قوله {رَبِّىَ الله} وهو ربكم أيضاً لا ربه وحده {وَقَدْ جَآءَكُمْ} الجملة حال {بالبينات مِن رَّبِّكُمْ} يعني أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من اسب اليه الربوبية وهو استدراج لهم الى الاتعراف به {وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ} احتج عليهم بطريق التقسيم فإنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً فإن يك كاذباً فعليه وبال كذبه ولا يتخطاه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب ولم يقل كل الذي يعدكم مع أنه وعد من نبي صادق القول مداراة لهم وسلوكاً لطريق الإنصاف فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له وليس فيه نفي اصابه الكل فكانه قال لهم لعل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم وهو العذاب العاجل وفي ذلك هلاككم وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة وتقديم

غافر (٣٢ - ٢٨)

الكاذب على الصادق من هذا القبيل أيضاً وتفسير البعض بالكل مزيف {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مجاوز للحد {كَذَّابٌ} في ادعائه وهذا أيضاً من باب المجاملة

والمعنى انه كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه فتتخلصون منه أو لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله بالنبوة ولما عضده بالبينات وقيل اوهم أنه عنى بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قِيلَ كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وقِيلَ: كانَ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الفِئَتَيْنِ، ووَصْفُهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِكَوْنِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في زُمْرَتِهِمْ وإظْهارِ أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ تَقِيَّةً وخَوْفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في الإضافَةِ في مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الواقِعِ في عِدَّةِ أخْبارٍ، وقِيلَ: ﴿ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَكْتُمُ إيمانَهُ ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ أيْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، ولا بَأْسَ عَلى هَذا في الوَقْتِ عَلى مُؤْمِنٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ كَتْمَ يَتَعَدّى بِنَفَسِهِ دُونَ مِن فَيُقالُ: كَتَمْتُ فُلانا كَذا دُونَ كَتَمْتُ مِن فُلانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا  ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرا وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووَرْدُ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا وأرادَ عَلى ما في البَحْرِ كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِتَعَدِّيهِ بِمِن أيْضًا قالَ فِي المِصْباحِ كَتَمَ مِن بابِ قَتَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ويَجُوزُ زِيادَةُ مِن في المَفْعُولِ الأوَّلِ فَيُقالُ: كَتَمْتُ مِن زَيْدٍ الحَدِيثَ كَما يُقالُ: بِعْتُهُ الدّارَ وبِعْتُها مِنهُ.

نَعَمْ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِرَجُلٍ، والظّاهِرُ عَلى هَذا كَوْنُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَقِيقَةً وفي كَلامِهِ المَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: خِرْبِيلُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ، وقِيلَ: حِزْبِيلُ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وزايٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: حَبِيبٌ.

وقَرَأ عِيسى وعَبْدُ الوارِثِ وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «رَجْلٌ» بِسُكُونِ الجِيمِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا ﴾ أيْ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ، وكَوْنُ الإنْكارِ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ لا يُصَحِّحُهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ ﴿ أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ ﴿ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ الشّاهِدَةَ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، والِاسْتِدْلالاتِ الكَثِيرَةِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وإنْ شاعَ أنَّهُ لِلْقِلَّةِ لَكِنَّهُ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ يُفِيدُ الكَثْرَةَ بِمَعُونَةِ المَقامِ.

والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وهَذا إنْكارٌ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم شَدِيدٌ كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها وهي قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ، وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ وفي ﴿ أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ - إلى - ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ وهي أنَّ مَن يَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ أوْ فُلانٌ لا يَقْتَضِي أنْ يُقابَلَ بِالقَتْلِ كَما لا تُقابَلُونَ بِالقَتْلِ إذا قُلْتُمْ: رَبُّنا فِرْعَوْنُ كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ رَبَّهُ مَن هو رَبُّكم فَكانَ عَلَيْكم بِأنْ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ لا أنْ تَخْذُلُوهُ وتَقْتُلُوهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( أنْ يَقُولَ ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقْتَ أنْ يَقُولَ فَحُذِفَ الظَّرْفُ فانْتَصَبَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، والمَعْنى أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الظَّرْفِ لا يَكُونُ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ كَجِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ أوْ ما كانَ بِما الدَّوامِيَّةِ دُونَ الغَيْرِ الصَّرِيحِ كِجِئْتُ أنْ صاحَ أوْ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وفِيهِ إنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ كالزَّمَخْشَرِيِّ صَرَّحَ بِالجَوازِ وكُلٌّ إمامٌ.

ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ احْتاطَ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْرِفَ اللَّعِينُ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَبْطِشَ بِهِ فَتَلَطَّفَ في الِاحْتِجاجِ فَقالَ: ﴿ وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ ﴿ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ أوْ يَعِدِكُمُوهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ فَإنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ أفادَ أنَّهُ مَهْلَكٌ مَخُوفٌ فَما بالُ الكُلِّ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا، وقِيلَ: المُرادُ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم، وقِيلَ: بَعْضٌ بِمَعْنى كُلٍّ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرٍو القَطامِيِّ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( بَعْضُ ) فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ إلْزامُ الحُجَّةِ وإبانَةُ فَضْلِ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ فالبَيْتُ كالآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنْشَدُوا لِمَجِيءِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ: إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَ البَعْضَ بِالكُلِّ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها حُمِلَ البَيْتُ عَلى مَعْنى لا أزالُ أنْتَقِلُ في البِلادِ إلى أنْ لا يَبْقى أحَدٌ أقْصِدُهُ مِنَ العِبادِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ البَعْضَ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى لا أزالُ أتْرُكُ ما لَمْ أرْضَهُ مِنَ الأمْكِنَةِ إلّا أنْ أمُوتَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ المازِنِي في مَسْألَةِ العِلْقى كانَ أجْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ.

وثانِيهِما إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وأوْهَمَهم أنَّهُ أرادَ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرَّضَ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ أيْ في القَتْلِ والفَسادِ كَذّابٌ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ تَعالى سَبِيلَ الصَّوابِ ومِنهاجَ النَّجاةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مَعْنى بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى أوْ بِالثّانِيَةِ أوْ بِهِما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل.

ويقال: كان ابن فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وكان قد أسلم سراً من فرعون.

قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: اليد، والعصا.

وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله  فقال: «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله  يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله  ، ثم قال أبو بكر: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان.

وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله، وكذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.

يعني: بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا.

ويقال: بعض الذي يعدكم فيه.

أي: جميع الذي يعدكم، كقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] أي: جميع الذي تختلفون فيه، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في قوله: كَذَّابٌ يعني: الذي عادته الكذب.

يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: ملك مصر، ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين على أرض مصر، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يعني: من يعصمنا من عذاب الله، إِنْ جاءَنا يعني: أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله.

فلما سمع فرعون قول المؤمن، قالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى يعني: ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي.

ويقال: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ الرَّشادِ بتشديد الشين.

يعني: سبيل الرشاد الذي يرشد الناس.

ويقال: رشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني: أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني: لا يعذبهم بغير ذنب، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ: يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال.

وقال: تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) [عبس: 34، 35] .

وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء.

يوم ينادى كل قوم بأعمالهم.

وينادي المنادي من مكان بعيد.

وينادي أهل النار أهل الجنة.

وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف: 44] وقراءة العامة.

التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: هاربين.

قال الكلبي: هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا.

فيقال لهم: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي: ليس لكم من عذاب الله من مانع.

وقال مقاتل: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني: من مانع من عذابه.

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من مرشد، وموفق.

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال: يعني: به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي: بتعبير الرؤيا.

وروي عن وهب بن منبه: قال فرعون: موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى.

وهذا خلاف قول جميع المفسرين.

فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني: مات، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.

يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني: من هو مشرك، شاك في توحيد الله.

ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي: عظم بغضاً لهم من الله، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي: يختم الله بالكفر، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني: متكبر عن عبادة الله تعالى.

قرأ أبو عمرو: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين.

جعل قوله متكبر نعتاً للقلب.

ومعناه: أن صاحبه متكبر.

والباقون: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بسلاحه، وقرأ ابن كثير «١» وأبو عمرو: «تُنْبِتُ» بضم التاء [وكسر الباء] «٢» واخْتُلِفَ في التقدير على هذه القراءة، فقالت [فرقة: الباءُ زائدة، كما في قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] ، وقالت] «٣» فرقة: التقدير تُنْبِتُ جناها ومعه الدُّهْنُ، فالمفعول محذوف، وقيل: نبت وأَنْبَتَ بمعنى فيكونُ المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، والمراد بالآية تعديدُ النعم على الإنسان، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ...

الآية: هذا ابتداءُ تمثيلٍ لكُفَّارِ قريش بأُممٍ كفرت بأنبيائها فأُهْلِكُوا، وفي ضمن ذلك الوعيدُ بأَنْ يَحُلَّ بهؤلاء نحوُ ما حَلَّ بأولئك، والملأ: الأشراف، والجنّة، الجنون، وحَتَّى حِينٍ معناه إلى وقت يريحكم القَدَرُ منه، ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه حين يَئِسَ منهم، وإنْ كان دعاؤُهُ في هذه الآية ليس بِنَصٍّ وإنَّما هو ظاهر من قوله: بِما كَذَّبُونِ فهذا يقتضي طلبَ العقوبة، وأَمَّا النصرة بمجردها فكانت تكون بردّهم إلى الإيمان.

فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)

وقوله عزَّ وجل: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قوله: بِأَعْيُنِنا: عبارة عن الإدراك هذا مذهبُ الحُذَّاقِ، ووقفتِ الشريعةُ على أعين وعين، ولا يجوزُ أَنْ يُقال: عينان من حيثُ لم توقف الشريعة على التثنية، ووَحْيِنا معناه في كيفية العمل، ووجهُ البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج إليه، وأَمْرُنا يحتمل أن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ فِرْعَوْنَ مَن يَمْنَعُهُ مَن قَتْلِهُ خَوْفًا مِنَ الهَلاكَ ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ أيْ: عِبادَتِكم إيّايَ ( وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأنْ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوْ أنْ" بِألِفٍ قَبْلَ الواوِ، عَلى مَعْنى: إنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَكم أوْقَعَ الفَسادَ، إلّا أنْ نافِعًا وأبا عَمْرٍو قَرَأ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ "الفَسادَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "يَظْهَرُ" بِفَتْحِ الياءِ "الفَسادَ" بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: يَظْهَرُ الفَسادُ بِتَغْيِيرِ أحْكامِنا، فَجُعِلَ ذَلِكَ فَسادًا بِزَعْمِهِ؛ وقِيلَ: يَقْتُلُ أبْناءَكم كَما تَفْعَلُونَ بِهِمْ.

فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، اسْتَعاذَ مُوسى بِرَبِّهِ فَقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عُذْتُ" مُبِيَّنَةَ الذّالِ، وأدْغَمَها أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلْفٌ ﴿ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ أيْ: مُتَعَظِّمٌ عَنِ الإيمانِ.

فَقَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَ مُوسى، فَقالَ حِينَئِذٍ ﴿ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ.

.

.

﴾ وَفِي الآَلِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] بِمَعْنى الأهْلِ والنَّسَبِ؛ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَبِيلَةُ والعَشِيرَةُ؛ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: كانَ قِبْطِيًّا.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وإنَّما المَعْنى: قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ؛ وفي اسْمِهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حِزْبِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَبِيبٌ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّالِثُ: سَمْعُونَ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والرّابِعُ: جِبْرِيلُ.

والخامِسُ: شَمْعانُ، بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وكَذَلِكَ حَكى الزَّجّاجُ "شَمْعانُ" بِالشِّينِ، وذَكَرَهُ ابْنُ ماكُولا بِالشِّينَ المُعْجَمَةِ أيْضًا.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ آَمَنَ بِمُوسى لَمّا جاءَ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى، وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ.

قالَ مُقاتِلٌ: كَتَمَ إيمانَهُ مِن فِرْعَوْنَ مِائَةَ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ ﴾ أيْ: لِأنْ يَقُولُ ﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿ وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، ﴿ وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أيْ: لا يَضُرُّكم ذَلِكَ ﴿ وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ.

وفي "بَعْضُ" ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "كُلُّ" قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْبَيْدِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامُها أرادَ: كُلَّ النُّفُوسِ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ؛ والمَعْنى: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وعَدَهُمُ النَّجاةَ إنْ آَمَنُوا، والهَلاكَ إنْ كَفَرُوا، فَدَخَلَ ذِكْرُ البَعْضِ لِأنَّهم عَلى أحَدِ الحالَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهم عَلى كُفْرِهِمُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآَخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ الوَعْدِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَإنَّما ذَكْرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لِأنَّ البَعْضَ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّ القائِلَ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضَ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، فَكَأنَّ المُؤْمِنَ قالَ لَهُمْ: أقَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكُمْ؛ قالَ: وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ، فَإنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ: نَفْسَهُ وحْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلصَّوابِ ﴿ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُشْرِكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّفّاكُ لِلدَّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: عالِينَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ فَمَن يَنْصُرُنا ﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا ﴿ مِن بَأْسِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ؛ والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلْعَذابِ بِالتَّكْذِيبِ وقَتْلِ النَّبِيِّ؛ فَقالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما أُرِيكُمْ ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والنَّصِيحَةِ ﴿ إلا ما أرى ﴾ لِنَفْسِي ﴿ وَما أهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: أدْعُوكُمُ الّا إلى طَرِيقِ الهُدى في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ جَوابِ المُؤْمِنِ.

﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ؛ والمَعْنى: أخافُ أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكم فَيَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَّنادِ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "التَّنادُ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ، وافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في الوَصْلِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، والضَّحّاكُ: "التَّنادُّ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أمّا إثْباتُ الياءِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وهو رَأْسُ آَيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآَياتِ عَلى الدّالِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: نِدُّ فُلانٍ، ونِدُّ البَعِيرِ: إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى الكَلامِ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا سَمِعَ النّاسُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَها نَدُّوا فِرارًا مِنها في الأرْضِ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ إلّا رَأوْا مَلائِكَةً، فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ فَيَفِرُّونَ ولا عاصِمَ لَهم.

فَأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ، فَهي مِنَ النِّداءِ، وفِيها للْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ نَفْخَةِ الفَزَعِ يُنادِي النّاسَ بَعْضَهم بَعْضًا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى فَيَقُولُ: أنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ: فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، فَتَسِيرُ الجِبالُ، وتُرَجُّ الأرْضُ، وتُذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا [وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ "يَوْمَ التَّنادِ"]" .﴾» والثّانِي: أنَّهُ نِداءُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بَعْضُهم بَعْضًا كَما ذَكَرَ في [الأعْرافِ: ٤٤، ٥٠]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: يا حَسْرَتَنا يا ويْلَتَنا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يُنادى فِيهِ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ بِسَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هَرَبًا مِنَ النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ انْصِرافُهم إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أيْ: مَن مانِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ ﴾ وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُوسى ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ وهي الدَّلالاتُ عَلى التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ.

.

.

.

﴾ الآَيَةُ [يُوسُفَ: ٣٩]، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: البَيِّناتُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا وشَقُّ القَمِيصِ، وقِيلَ: بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مَوْتِ مَلِكَ مِصْرَ إلى القِبْطِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ ﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿ حَتّى إذا هَلَكَ ﴾ أيْ: ماتَ ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ أيْ: إنَّكم أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يُجَدِّدُ الحُجَّةَ عَلَيْكم ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّلالِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ أيْ: مُشْرِكٌ ﴿ مُرْتابٌ ﴾ أيْ: شاكٌّ في التَّوْحِيدِ وصَدَّقَ الرُّسُلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أو أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي مِن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ الظاهِرُ مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا بَهَرَتْ آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ انْهَدَّ رُكْنُهُ، واضْطَّرَبَتْ مُعْتَقَداتُ أصْحابِهِ، ولَمْ يَفْقِدْ مِنهم مَن يُجاذِبُهُ الخِلافَ في أمْرِهِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مَن قِصَّتِهِما، وفي هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ دَلِيلانِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِن ألْفاظِ الجَبابِرَةِ المُتَمَكِّنِينَ مِن إنْفاذِ أوامِرِهِمْ، والدَلِيلُ الثانِي: مَقالَةُ المُؤْمِنِ وما صَدَعَ بِهِ، وأنَّ مُكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْبَرُ مِن مُسايَرَتِهِ، وحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أظْهَرُ مِن تَوْرِيَتِهِ في أمْرِهِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَإنَّما لَجَأ إلى المُخْرِقَةِ والِاضْطِرابِ والتَعاطِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ، أيْ: إنِّي لا أُبالِي عن رَبِّ مُوسى، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ يُرِيهِمُ النَصِيحَةَ والحِمايَةَ لَهم فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ ، والدِينُ: السُلْطانُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَئِنْ حَلَلْتْ بِجَوٍّ مِن بَنِيَ أسَدٍ ∗∗∗ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنْ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أو أنْ"، ورَجَّحَها أبُو عَبِيدٍ بِزِيادَةِ الحَرْفِ، فَعَلى الأُولى خافَ أمْرَيْنِ، وعَلى الثانِيَةِ خافَ أحَدَ أمْرَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: "يُظْهِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ "الفَسادَ" نَصْبًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ [الفَسادُ] بِالرَفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والأعْرَجِ، وعِيسى، والأعْمَشِ، وابْنِ وثّابٍ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَظْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَظْهَرَ" بِفَتْحِ الياءِ.

ولَمّا سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَقالَةَ فِرْعَوْنَ- لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في مَجْلِسٍ واحِدٍ- دَعا رَبَّهُ تَعالى وقالَ: ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "عَذَتُ" بِبَيانِ الذالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عُذْتُ" بِالإدْغامِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "عُتُّ" عَلى الإدْغامِ في الخَطِّ.

ثُمَّ حَكى اللهُ تَعالى مَقالَةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وشَرَّفَهُ بِالذِكْرِ، وخَلَّدَ ثَناءَهُ في الأُمَمِ، سَمِعَتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: سَمِعَتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ - وقَدْ سُئِلَ أنْ يَتَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِن فَضائِلِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم - فَأطْرَقَ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ماذا تُرِيدُونَ مِن قَوْمٍ قَرْنَهُمُ اللهُ تَعالى بِنَبِيِّهِ  ، وخَصَّهم بِمُشاهَدَتِهِ وتَلَقِّي الوَحْيِ مِنهُ؟

وقَدْ أثْنى اللهُ عَلى رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ وأثْبَتَ ذِكْرَهُ في المَصاحِفِ لِكَلامٍ قالَهُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الكُفْرِ، وأيْنَ هو مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَرَّدَ سَيْفَهُ بِمَكَّةَ وقالَ: واللهُ لا أعْبُدُ اللهَ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَجْلٌ" بِسُكُونِ الجِيمِ، كَعَضُدِ وعَضْدُ، وسَبُعُ وسَبْعُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "رَجُلٌ" بِضَمِّ الجِيمِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الرَجُلِ، فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، فَـ"يَكْتُمُ" - عَلى هَذا - في مَوْضِعِ الصِفَةِ دُونَ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ فِرْعَوْنَ بَلْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما المَعْنى: وقالَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا عِنْدَ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ القِبْطِ ويُقالُ فِيهِ: مِن آلِ فِرْعَوْنَ إذْ كانَ في الظاهِرِ عَلى دِينِ فِرْعَوْنَ ومِن أتْباعِهِ، وهَذا كَما قالَ أراكَةُ الثَقَفِيُّ يَرْثِي أخاهُ ويَتَعَزّى بِرَسُولِ اللهِ  : فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ إذْ كانُوا في طاعَةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ يَقُولَ" ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَقُولَ، وجَلَّحَ مَعَهم هَذا المُؤْمِنُ في هَذِهِ المَقالاتِ، ثُمَّ غالَطَهم بَعْدُ في أنْ جَعَلَهُ في احْتِمالِ الصِدْقِ والكَذِبِ، وأراهم أنَّها نَصِيحَةٌ.

وحُذِفَتِ النُونُ مِن "يَكُ" تَخْفِيفًا عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ، وتَشْبِيهًا بِالنُونِ في "يَفْعَلُونَ ويَفْعَلانِ" عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ، وتَشْبِيهًا بِحَرْفِ العِلَّةِ - الياءِ والواوِ - عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقالَ: كَأنَّ الجازِمَ دَخَلَ عَلى "يَكُنْ" وهي مَجْزُومَةٌ بَعْدُ فَأشْبَهَتِ النُونُ الياءَ مَن "يَقْضِي" والواوَ مَن "يَدْعُو" لِأنَّ خِفَّتَها عَلى اللِسانِ سَواءٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "بَعْضُ" بِمَعْنى "كَلِّ"، وأنْشَدُوا قَوْلَ القَطامِيِّ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَلَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: هو إلْزامُ الحُجَّةِ بِأيْسَرَ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ: يُصِبْكم بَعْضُ العَذابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وذَلِكَ كافٍ في هَلاكِكُمْ، ويُظْهِرُ لِي أنَّ المَعْنى: يُصِبْكُمُ القِسْمُ الواحِدُ مِمّا يَعِدُ بِهِ، وذَلِكَ هو بَعْضُ ما يَعِدُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ وعَدَهم إنْ آمَنُوا بِالنَعِيمِ، وإنْ كَفَرُوا بِالعَذابِ، فَإنْ كانَ صادِقًا فالعَذابُ بَعْضُ ما وعَدَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِبَعْضِ ما يَعِدُكُمْ: عَذابَ الدُنْيا، لِأنَّهُ بَعْضُ عَذابِ الآخِرَةِ، أيْ: وتَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الباقِي، وفي البَعْضِ كِفايَةٌ في الإهْلاكِ.

ثُمَّ وعَظَهم هَذا المُؤْمِنُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ: مُسْرِفٌ بِالقَتْلِ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْرِفٌ بِالكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قول هذا الرجل يقتضي أنه قال قوله هذا في غير مجلس شورى فرعون، لأنه لو كان قوله جارياً مجرى المحاورة مع فرعون في مجلس استشارته، أو كان أجاب به عن قول فرعون: ﴿ ذَرُوني أقتُل موسى ﴾ [غافر: 26] لكانت حكاية قوله بدون عطف على طريقة المُحاورات.

والذي يظهر أن الله ألهم هذا الرجل بأن يقول مقالته إلهاماً كان أولَ مظهر من تحقيق الله لاستعاذة موسى بالله، فلما شاع توعد فرعون بقتل موسى عليه السلام جاء هذا الرجل إلى فرعون ناصحاً ولم يكن يتهمه فرعون لأنه من آله.

وخطابه بقوله: ﴿ أتقتلون ﴾ موجَّه إلى فرعون لأن فرعون هو الذي يسند إليه القتل لأنه الآمر به، ولحكاية كلام فرعون عقب كلام مؤمن آل فرعون بدون عطف بالواو في قوله: ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ [غافر: 29].

ووصفُه بأنه من آل فرعون صريح في أنه من القبط ولم يكن من بني إسرائيل خلافاً لبعض المفسرين ألا ترى إلى قوله تعالى بعده: ﴿ يا قوم لكم المُلْك اليومَ ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ﴾ [غافر: 29] فإن بني إسرائيل لم يكن لهم مُلك هنالك.

والأظهر أنه كان من قرابة فرعون وخاصته لما يقتضيه لفظ آل من ذلك حقيقةً أو مجازاً.

والمراد أنه مؤمن بالله ومؤمن بصدق موسى، وما كان إيمانه هذا إلا لأنه كان رجلاً صالحاً اهتدى إلى توحيد الله إما بالنظر في الأدلة فصدَّق موسى عندما سمع دعوته كما اهتدى أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى تصديق النبي في حين سماع دعوته فقال له: صَدَقتَ.

وكان كتمه الإِيمان متجدداً مستمراً تقيةً من فرعون وقومه إذ علم أن إظهاره الإِيمان يُضره ولا ينفع غيره كما كان (سقراط) يكتم إيمانه بالله في بلاد اليونان خشية أن يقتلوه انتصاراً لآلهتهم.

وأراد بقوله: أتَقْتُلُونَ رَجُلاً } إلى آخره أن يسعى لحفظ موسى من القتل بفتح باب المجادلة في شأنه لتشكيك فرعون في تكذيبه بموسى، وهذا الرجل هو غير الرجل المذكور في سورة [القصص: 20] في قوله تعالى: ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ﴾ فإن تلك القصة كانت قُبَيْل خروج موسى من مصر، وهذه القصة في مبدأ دخوله مصر.

ولم يوصف هنالك بأنه مؤمن ولا بأنه من آل فرعون بل كان من بني إسرائيل كما هو صريح سفر الخروج.

والظاهر أن الرجل المذكور هنا كان رجلاً صالحاً نظَّاراً في أدلة التوحيد ولم يستقر الإِيمان في قلبه على وجهه إلا بعد أن سمع دعوة موسى، وإن الله يقيض لعباده الصالحين حُماة عند الشدائد.

قيل اسم هذا الرجل حبيب النجّار وقيل سمعان، وقد تقدم في سورة (يس) أن حبيباً النجار من رسل عيسى عليه السلام.

وقصة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون غير مذكورة في «التوراة» بالصريح ولكنها مذكورة إجمالاً في الفقرة السابعة من الإصحاح العاشر «فقال عبيد فرعون إلى متَى يكون لنا هذا (أي موسى) فخًّا أَطْلِق الرجال ليعبدوا الرب إلههم».

والاستفهام في ﴿ أتقتلون ﴾ استفهام إنكار، أي يقبح بكم أن تقتلوا نفساً لأنه يقول ربي الله، أي ولم يجبركم على أن تؤمنوا به ولكنه قال لكم قولاً فاقبلوه أو ارفضوه، فهذا محمل قوله: ﴿ أنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله ﴾ وهو الذي يمكن الجمع بينه وبين كون هذا الرجل يكتم إيمانه.

و ﴿ أنَّ يَقُولَ ﴾ .

مجرور بلام التعليل المقدرة لأنها تحذف مع (أَن) كثيراً.

وذكر اسممِ الله لأنه الذي ذكره موسى ولم يكن من أسماء آلهة القبط.

وأما قوله: ﴿ وقد جاءَكُم بالبيناتت من رَبِّكُم ﴾ فهو ارتقاء في الحِجاج بعد أن استأنس في خطاب قومه بالكلام الموجَّه فارتقى إلى التصريح بتصديق موسى بعلة أنه جاء بالبينات، أي الحجج الواضحة بصدقه، وإلى التصريح بأن الذي سماه الله في قوله: ﴿ أن يقول ربي الله ﴾ هو رب المخاطبين فقال: ﴿ من ربكم ﴾ .

فجملة ﴿ وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ في موضع الحال من قوله: ﴿ رجلاً ﴾ والباء في ﴿ بالبينات ﴾ للمصاحبة.

وقوله: ﴿ وإن يَكُ كاذبا فَعلَيهِ كَذِبُهُ ﴾ رجوع إلى ضرب من إيهام الشك في صدق موسى ليكون كلامه مشتملاً على احتمالَيْ تصديق وتكذيب يتداولهما في كلامه فلا يؤخذ عليه أنه مصدق لموسى بل يُخيل إليهم أنه في حالة نظر وتأمل ليسوق فرعون وملأَه إلى أدلة صدق موسى بوجه لا يثير نفورهم، فالجملة عطف على جملة ﴿ وقد جاءكم بالبينات ﴾ فتكون حالاً.

وقَدم احتمال كذبه على احتمال صدقه زيادةً في التباعد عن ظنهم به الانتصار لموسى فأراد أن يَظهَر في مظهر المهتَم بأمر قومه ابتداء.

ومعنى: ﴿ وإن يَكُ كَاذِباً فَعلَيه كَذِبُهُ ﴾ استنزالهم للنظر، أي فعليكم بالنظر في آياته ولا تعجلوا بقتله ولا باتباعه فإن تبين لكم كذبه فيما تحداكم به وما أنذركم به من مصائب فلم يقع شيء من ذلك لم يضركم ذلك شيئاً وعاد كذبه عليه بأن يوسم بالكاذب، وإن تبين لكم صدقه يصبكم بعضُ ما تَوَعَّدكم به، أي تصبكم بوارقه فتعلموا صدقه فتتبَعوه، وهذا وجه التعبير ب ﴿ بعض ﴾ دون أن يقول: يصبكم الذي يعدكم به.

والمراد بالوعْد هنا الوعد بالسوء وهو المسمى بالوعيد.

أي فإن استمررتم على العناد يصبكم جميع ما توعَّدكم به بطريق الأوْلى.

وقد شابَه مقامُ أبي بكر الصديققِ مقامَ مؤمن آل فرعون إذ آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حين سمع دعوته ولم يكن من آله، ويومَ جاء عقبة بن أبي مُعيط إلى النبي صلى الله عليه وسلم (والنبي صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة) يخنقه بثوبه فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكب عقبة ودفَعه وقال: ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ .

قال علي بن أبي طالب: «والله لَيَومُ أبي بكر خيرٌ من مؤمن آل فرعون، إنَّ مؤمن آل فرعون رجل يكتم إيمانه وإن أبا بكر كان يُظهر إيمانه وبذل ماله ودمه» وأقول: كان أبو بكر أقوى يقيناً من مؤمن آل فرعون لأن مؤمن آل فرعون كتم إيمانه وأبو بكر أظهر إيمانه.

وجملة ﴿ إنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن هُو مُسْرفٌ كَذَّابٌ ﴾ يجوز أنها من قول مؤمن آل فرعون، فالمقصود منها تعليل قوله: ﴿ وَإن يَكُ كاذبا فعليه كَذِبُهُ وإن يَكُ صادقاً يُصِبكم بعْض الذي يَعِدُكُم ﴾ أي لأن الله لا يقره على كذبه فإن كان كاذباً على الله فلا يلبث أن يفتضح أمره أو يهلكه، كما قال تعالى: ﴿ ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ [الحاقة: 44 46] لأن الله لا يمهل الكاذب عليه، ولأنه إذا جاءكم بخوارق العادات فقد تبين صدقه لأن الله لا يَخرق العادة بعد تحدي المتحدّي بها إلاّ ليجعلها أمارة على أنه مرسَل منه لأن تصديق الكاذب محال على الله تعالى.

ومعنى: ﴿ يصيبكم بعض الذي يعدكم ﴾ أي مما تَوعدكم بوقوعه في الدنيا، أو في الآخرة وكيف إذا كانت البينة نفسُها مصائب تحلّ بهم مثل الطوفان والجراد وبقية التسع الآيات.

والمسرف: متجاوز المعروف في شيء، فالمراد هنا مسرف في الكذب لأن أعظم الكذب أن يكون على الله، قال تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ [الأنعام: 93].

وإذا كان المراد الإِسراف في الكذب تعين أن قوله: ﴿ كذاب ﴾ عطف بيان وليس خبراً ثانياً إذ ليس ثمة إسراف هنا غير إسراف الكذب، وفي هذا اعتراف من هذا المؤمن بالله الذي أنكره فرعون، رمَاه بين ظهرانَيْهم.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ إنَّ الله لاَ يَهْدِي ﴾ إلى آخرها جملة معترضة بين كلامي مؤمن آل فرعون ليست من حكاية كلامه وإنما هي قول من جانب الله في قُرآنه يقصد منها تزكية هذا الرجل المؤمن إذ هداه الله للحق، وأنه تقيّ صادق، فيكون نفي الهداية عن المسرف الكذاب كناية عن تقوى هذا الرجل وصدقه لأنه نطق عن هدىً والله لا يعطي الهدى من هو مسرف كذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ قِبْطِيًّا مِن جِنْسِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ اسْمُهُ حَبِيبًا.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّ اسْمَهُ حَزْبِيلُ، وكانَ مَلِكًا عَلى نِصْفِ النّاسِ ولَهُ المُلْكُ بَعْدَ فِرْعَوْنَ، بِمَنزِلَةِ ولِيِّ العَهْدِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ فَقالَ ﴿ إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ  ﴾ .

وَفِي إيمانِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آمَنَ بِمَجِيءِ مُوسى وتَصْدِيقُهُ لَهُ وهو الظّاهِرُ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى وكَذَلِكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قالَهُ الحَسَنُ، فَكَتَمَ إيمانَهُ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ لِلرِّفْقِ بِقَوْمِهِ ثُمَّ أظْهَرَهُ فَقالَ ذَلِكَ في حالِ كَتْمِهِ.

﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِقَوْلِهِ رَبِّيَ اللَّهُ.

﴿ وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها الآياتُ الَّتِي جاءَتْهُمْ: يَدُهُ وعَصاهُ والطُّوفانُ وغَيْرُها، كَما قالَ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ  ﴾ قالَهُ يَحْيى.

﴿ وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَكٍّ مِنهُ في رِسالَتِهِ وصِدْقِهِ ولَكِنْ تَلَطُّفًا في الِاسْتِكْفافِ واسْتِنْزالًا عَنِ الأذى.

﴿ وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ وعَدَهم بِالنَّجاةِ إنْ آمَنُوا وبِالهَلاكِ إنْ كَفَرُوا، فَقالَ ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى إحْدى الحالَتَيْنِ نالَهم أحَدُ الأمْرَيْنِ فَصارَ ذَلِكَ بَعْضَ الوَعْدِ لا كُلَّهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ قَدْ كانَ أوْعَدَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَصارَ هَلاكُهم في الدُّنْيا بَعْضَ ما وعَدَهم.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي يَبْدَؤُهم مِنَ العَذابِ هو أوَّلُهُ ثُمَّ يَتَوالى عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يُسْتَكْمَلَ فَصارَ الَّذِي يُصِيبُهم هو بَعْضُ الَّذِي وعَدَهم لِأنَّهُ حَذَّرَهم ما شَكُّوا فِيهِ وهي الحالَةُ الأُولى وما بَعْدَها يَكُونُونَ عَلى يَقِينٍ مِنهُ.

الرّابِعُ: أنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِ الكُلِّ تَلَطُّفًا في الخِطابِ وتَوَسُّعًا في الكَلامِ كَما قالَ الشّاعِرُ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُسْرِفٌ عَلى نَفْسِهِ كَذّابٌ عَلى رَبِّهِ إشارَةً إلى مُوسى، ويَكُونُ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِ.

الثّانِي: مُسْرِفٌ في عِنادِهِ كَذّابٌ في ادِّعائِهِ إشارَةً إلى فِرْعَوْنَ [وَيَكُونُ] هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: غالِبِينَ عَلى أرْضِ مِصْرَ قاهِرِينَ لِأهْلِها، وهَذا قَوْلُ المُؤْمِنِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

﴿ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا ﴾ أيْ مِن عَذابِ اللَّهِ، تَحْذِيرًا لَهم مِن نِقْمَةٍ، فَذَكَّرَ وحَذَّرَ فَعَلِمَ فِرْعَوْنُ ظُهُورَ مَحَبَّتِهِ.

﴿ قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى ﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي.

﴿ وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ في تَكْذِيبِ مُوسى والإيمانِ بِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام؛ الذي قال: ﴿ أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ﴾ قال ابن المنذر أخبرت ان اسمه حزقيل.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيب.

وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه من طريق عروة رضي الله عنه قال: قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان أشد من أن طاف بالبيت ضحى فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟

قال: أنا ذاك.

فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه، ثم قال: ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ رافعاً صوته بذلك وعيناه يسحان حتى أرسلوه» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه.

فقام أبو بكر رضي الله عنه، فجعل ينادي ويلكم ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ﴾ قالوا: من هذا؟

قال: هذا ابن أبي قحافة.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، نحوه.

وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس أخبروني بأشجع الناس؟

قالوا: أنت.

قال: لا.

قالوا: فمن؟

قال: أبو بكر رضي الله عنه.

لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش.

هذا يحثه، وهذا يبلبله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه، يضرب هذا، ويجاهد هذا، وهو يقول ﴿ ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ﴾ ثم رفع علي رضي عنه بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر رضي الله عنه خير من مؤمن آل فرعون؟

ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قيل: أسم هذا الرجل حبيب وقيل: حزقيل، وقيل: شمعون بالشين المعجمة، وروي أن هذا الرجل المؤمن كان ابن عم فرعون، فقوله: من آل فرعون صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني إسرائيل، فقوله: ﴿ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ ، والأول أرجح؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله: ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله ﴾ لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا الكلام، و ﴿ أَن يَقُولَ ﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره: أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أي إن كان موسى كاذباً في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي شيء تقتلونه، فإن قيل: كيف قال: وإن يك كاذباً بعد أن كان قد آمن به؟

فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير، وقصد بذلك المحاجّة لقومه، فقسم أمر موسى إلى قسمين، ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجه من القسمين ﴿ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ﴾ قيل: إن بعض هنا بمعنى كل وذلك بعيد، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، فيرتجى إجابتهم للحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم.

والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ .

إشفاقاً على نفسه، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ .

فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقاً على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول الله موسى -  - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله  - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق -  - "أن أهل مكة لما هموا قتل رسول الله  وإهلاكه، ألقى أبو بكر -  - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول الله  ولم تكن نزلت قبل ذلك" ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعاً من موسى -  - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي.

وقوله: ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ .

أي: وإن كان كاذباً فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقاً فيما يقول ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعاً للقتل عن موسى،  .

ثم الإشكال أنه قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ذكر أنه يصيبهم بعض الذي يعد الرسل، [والرسل] إذا وعدوا شيئاً يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أنه كان -  - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد أصابهم بعض ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذباً، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - كيف يكون كذباً؟!

والله أعلم والموفق.

والثالث: [أراد] بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب.

والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف والكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني لو اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله وليس معنا ذلك؟!

وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهاراً للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم.

والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟!

على هذين القولين يخرج القول منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي.

وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن [ليس] للعين أن يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضاً حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ .

كذب أيضاً في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل الغي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوم مثل يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ وعظهم مرة واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان؟!

يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، والله أعلم، ووعظهم أيضاً وعظاً لطيفاً فيه رفق حيث قال: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق؟!

ثم وعظهم وعظاً بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ﴿ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يقول: إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى -  - وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم.

وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ .

في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله  قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله  أنه لا يريد ظلماً للعباد.

ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.

ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ .

والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

وعظهم أيضاً بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴾ فيه لغات ثلاث: إحداها: ﴿ يوم التنادي ﴾ بالياء.

والثانية: بالتخفيف على حذف الياء.

والثالثة: بالتشديد.

فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندّاً إذا مضى لوجهه هارباً فارّاً من عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -.

ومن قرأه بالياء فهو التفاعل من النداء، فهو على نداء بعضهم بعضاً يوم القيامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ونحوه.

ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ ، وأصله: التنادي، والله أعلم.

ثم قوله  : ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ قال بعضهم: يوم تولون هاربين من النار مدبرين عنها؛ كقوله  : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ .

أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: جاءكم يوسف من قبل موسى -  - بالبينات، أي: بالآيات والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ ﴾ يقول: لم تزل عادتكم وعادة أوائلكم هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ .

جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: ﴿ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ إنما أراد آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف -  - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثاً إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ ، وهؤلاء لم يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء العتاب لهم بسوء صنيع آبائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا.

وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث الله من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يشبه أن يخرج الآية على هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ .

فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يخرج من وجهين: أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده رسولا.

والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثاً إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.

أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيّاً، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .

أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: ﴿ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله  ، أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حُبُّ ما أحبه الله وبُغْضُ ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ما أحبه الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .

أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، أي: يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ...

﴾ من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله حروف الاعتلال، بين الله  العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة وبرهان، فأمّا من كان طبعه وعادته غير هذا لكنْ لجِهْلٍ جَهِلَ ذلك، أو لما يتحقق عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني يجوز أن يهديه الله  ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم.

وعلى ذلك ما كان [يصنعه] فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه في أمر موسى -  - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج التي أتاهم موسى -  - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله  ويطبع على قلبه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون يكتم إيمانه عن قومه منكرًا عليهم عزمهم على قتل موسى: أتقتلون رجلًا دون جرم غير أنه قال: ربي الله، وقد جاءكم بالحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه أنه مرسل من ربه؟!

وإن قدر أنه كاذب فضرر كذبه عائد عليه، وإن يكن صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم به من العذاب عاجلًا، إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز لحدوده، مفتر عليه وعلى رسله.

<div class="verse-tafsir" id="91.B9w2m"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله