الآية ٣ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٣ من سورة غافر

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( غافر الذنب وقابل التوب ) أي : يغفر ما سلف من الذنب ، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه .

وقوله : ( شديد العقاب ) أي : لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ، وعتا عن أوامر الله ، وبغى [ وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف ] .

وهذه كقوله تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ; ليبقى العبد بين الرجاء والخوف .

وقوله : ( ذي الطول ) قال ابن عباس : يعني : السعة والغنى .

وكذا قال مجاهد وقتادة .

وقال يزيد بن الأصم : ( ذي الطول ) يعني : الخير الكثير .

وقال عكرمة : ( ذي الطول ) ذي المن .

وقال قتادة : [ يعني ] ذي النعم والفواضل .

والمعنى : أنه المتفضل على عباده ، المتطول عليهم بما هو فيه من المنن والأنعام ، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها [ إن الإنسان لظلوم كفار ] ) [ إبراهيم : 34 ] .

وقوله : ( لا إله إلا هو ) أي : لا نظير له في جميع صفاته ، فلا إله غيره ، ولا رب سواه ( إليه المصير ) أي : المرجع والمآب ، فيجازي كل عامل بعمله ، ( وهو سريع الحساب ) [ الرعد : 41 ] .

وقال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] فقال : يا أمير المؤمنين إني قتلت ، فهل لي من توبة ؟

فقرأ عليه ( حم .

تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم .

غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ) وقال : اعمل ولا تيأس .

رواه ابن أبي حاتم - واللفظ له - وابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن مروان الرقي ، حدثنا عمر - يعني ابن أيوب - أخبرنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم قال : كان رجل من أهل الشام ذو بأس ، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] ، ففقده عمر فقال : ما فعل فلان بن فلان ؟

فقالوا : يا أمير المؤمنين ، يتابع في هذا الشراب .

قال : فدعا عمر كاتبه ، فقال : اكتب : " من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان ، سلام عليك ، [ أما بعد ] : فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، لا إله إلا هو إليه المصير " .

ثم قال لأصحابه : ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ، وأن يتوب الله عليه .

فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرؤه ويردده ، ويقول : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي .

ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان ، وزاد : " فلم يزل يرددها على نفسه ، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر [ رضي الله عنه ] خبره قال : هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووفقوه ، وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمر بن شبة ، حدثنا حماد بن واقد - أبو عمر الصفار - ، حدثنا ثابت البناني ، قال : كنت مع مصعب بن الزبير في سواد الكوفة ، فدخلت حائطا أصلي ركعتين فافتتحت : ( حم ) المؤمن ، حتى بلغت : ( لا إله إلا هو إليه المصير ) فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال : إذا قلت : ( غافر الذنب ) فقل : " يا غافر الذنب ، اغفر لي ذنبي " .

وإذا قلت : ( وقابل التوب ) ، فقل : " يا قابل التوب ، اقبل توبتي " .

وإذا قلت : ( شديد العقاب ) ، فقل : " يا شديد العقاب ، لا تعاقبني " .

قال : فالتفت فلم أر أحدا ، فخرجت إلى الباب فقلت : مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية ؟

قالوا : ما رأينا أحدا فكانوا يرون أنه إلياس .

ثم رواه من طريق أخرى ، عن ثابت ، بنحوه .

وليس فيه ذكر إلياس .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وفي قوله: ( غَافِرِ الذَّنْبِ ) وجهان ; أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد, وإذا أريد هذا المعنى, كان خفض غافر وقابل من وجهين, أحدهما من نية تكرير " من ", فيكون معنى الكلام حينئذ: تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم, من غافر الذنب, وقابل التوب, لأن غافر الذنب نكرة, وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة, وهو نكرة, والآخر أن يكون أجرى في إعرابه, وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له, لوقوعه بينه وبين قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) وهو معرفة..

وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول, إذ كان مدحا, وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا, ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر: لا يَبْعَــدَنْ قَــوْمي الَّــذِينَ هــمُ سُـــمُّ العُــدَاةِ وآفَــةُ الجُــزُرِ النَّــــازِلينَ بِكُـــلّ مُعْـــتَركٍ والطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأزُر (3) وكما قال جلّ ثناؤه وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ فرفع فعال وهو نكرة محضة, وأتبع إعراب الغفور الودود; والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى, إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نـزول هذه الآية وفي حال نـزولها, ومن بعد ذلك, فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة.

وقال: ( غَافِرِ الذَّنْبِ ) ولم يقل الذنوب, لأنه أريد به الفعل, وأما قوله: ( وَقَابِلِ التَّوْبِ ) فإن التوب قد يكون جمع توبة, كما يجمع الدَّومة دَوما والعَومة عَوما من عومة السفينة, كما قال الشاعر: عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ (4) وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا.

وقد حدثني محمد بن عبيد المحاربي, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, قال: جاء رجل إلى عمر, فقال: إني قتلت, فهل لي من توبة؟

قال: نعم, اعمل ولا تيأس, ثم قرأ: ( حم تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ) .

وقوله: ( شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له, فلا تتكلوا على سعة رحمته, ولكن كونوا منه على حذر, باجتناب معاصيه, وأداء فرائضه, فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه, وقبول توبة من تاب منهم من جرمه, كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه, وركبوا من معاصيه.

وقوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه; يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه, إذا كان ذا فضل عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ذِي الطَّوْلِ ) يقول: ذي السعة والغنى .

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله ( ذِي الطَّوْلِ ) الغنى.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ذِي الطَّوْلِ ) : أي ذي النعم.

وقال بعضهم: الطول: القدرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( ذِي الطَّوْلِ ) قال: الطول القدرة, ذاك الطول.

وقوله: ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم, الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه, فلا تعبدوا شيئا سواه ( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس, فإياه فاعبدوا, فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه.

--------------------------- الهوامش : (3) البيتان لخرنق بنت هفان من قصيدة رثت بها زوجها بشر بن عمرو بن مرثد الضبعي ، وابنها علقمة بن بشر وجماعة من قومها قتلوا في معركة ( خزاية الأدب الكبرى للبغدادي 2 : 306 ) ومحل الشاهد في البيتين أنه يجوز قطع نعت المعرفة بالواو ، فقولها: والطيبون نعت مقطوع بالواو من قومي ، للمدح والتعظيم ، يجعله خبر مبتدأ محذوف ، أي هم الطيبون .

وقوله" النازلين" : مقطوع فالنصب ، مع أنه نعت لقومي المرفوع .

وإنما نصب بفعل مقدر أي أمدح أو أعني ، أو نحوهما ، واستشهد بهما المؤلف ( الطبري ) على أن قوله تعالى :" غافر الذنب" نعت للفظ" الله" المجرور بمن ، ويجوز في هذا النعت الجر على الإتباع ، كما يجوز فيه القطع بالنصب ، بتقدير فعل : أي أخص غافر الذنب ، أو بالرفع ، بتقدير مبتدإ : أي هو غافر الذنب .

(4) هذا صدر بيت لم نعرف قائله ، ولا عجزه .

استشهد به المؤلف على أن التوب في قوله تعالى :" قابل التوب" : قد يكون جمع توبة كما يجمع الدومة دوما ، والعومة عوما ، من عوم السفينة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب قال الفراء : جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة .

وقال الزجاج : هي خفض على البدل .

النحاس : وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن غافر الذنب وقابل التوب يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين ، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ، ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ، ولكن يكون خفضهما على البدل ، ويجوز النصب على الحال ، فأما شديد العقاب فهو [ ص: 260 ] نكرة ويكون خفضه على البدل .

قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال : " لا إله إلا الله " وقابل التوب ممن قال : " لا إله إلا الله " شديد العقاب لمن لم يقل : " لا إله إلا الله " .

وقال ثابت البناني : كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب ، قال : فاستفتحت حم .

تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم فمر علي رجل على دابة فلما قلت غافر الذنب قال : قل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، فلما قلت : قابل التوب قال : قل : يا قابل التوب تقبل توبتي ، فلما قلت : شديد العقاب قال : قل : يا شديد العقاب اعف عني ، فلما قلت : ذي الطول قال : قل : يا ذا الطول طل علي بخير ، فقمت إليه فأخذ ببصري ، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا .

وقال أهل الإشارة : غافر الذنب فضلا وقابل التوب وعدا شديد العقاب عدلا لا إله إلا هو إليه المصير فردا .

وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو : " بسم الله الرحمن الرحيم " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة ، فلما أتته الصحيفة جعل يقرأها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته .

فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه .

و " التوب " يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا ، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ودوم وعزمة وعزم ، ومنه قوله : فيخبو ساعة ويهب ساعاويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة .

قال أبو العباس : والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرا ، أي : يقبل هذا الفعل ، كما تقول قال قولا ، وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات .ذي الطول على البدل وعلى النعت ; لأنه معرفة .

وأصل الطول الإنعام والفضل .

يقال منه : اللهم طل علينا أي : أنعم وتفضل .

قال ابن عباس : ذي الطول ذي النعم .

وقال مجاهد : ذي الغنى والسعة ، ومنه قوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أي : غنى وسعة .

وعن ابن عباس أيضا : ذي الطول ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله .

وقال عكرمة : [ ص: 261 ] ذي الطول ذي المن .

قال الجوهري : والطول بالفتح المن ، يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن عليه .

وقال محمد بن كعب : ذي الطول ذي التفضل ، قال الماوردي : والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب .

والتفضل إحسان غير مستحق .

والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره .

وقيل : لأنه طالت مدة إنعامه .لا إله إلا هو إليه المصير أي المرجع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ غَافِرِ الذَّنْبِ } للمذنبين { وَقَابِلِ التَّوْبِ } من التائبين، { شَدِيدِ الْعِقَابِ } على من تجرأ على الذنوب ولم يتب منها، { ذِي الطَّوْلِ } أي: التفضل والإحسان الشامل.فلما قرر ما قرر من كماله وكان ذلك موجبًا لأن يكون وحده، المألوه الذي تخلص له الأعمال قال: { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن من الله الموصوف بهذه الأوصاف أن هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن، من المعاني.فإن القرآن: إما إخبار عن أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وهذه أسماء، وأوصاف، وأفعال.وإما إخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فهي من تعليم العليم لعباده.وإما إخبار عن نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وما يوصل إلى ذلك، من الأوامر، فذلك يدل عليه قوله: { ذِي الطَّوْلِ } وإما إخبار عن نقمه الشديدة، وعما يوجبها ويقتضيها من المعاصي، فذلك يدل عليه قوله: { شَدِيدِ الْعِقَابِ } وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة والإنابة، والاستغفار، فذلك يدل عليه قوله: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ } وإما إخبار بأنه وحده المألوه المعبود، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على ذلك، والحث عليه، والنهي عن عبادة ما سوى الله، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على فسادها والترهيب منها، فذلك يدل عليه قوله تعالى: { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } وإما إخبار عن حكمه الجزائي العدل، وثواب المحسنين، وعقاب العاصين، فهذا يدل عليه قوله: { إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } فهذا جميع ما يشتمل عليه القرآن من المطالب العاليات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( غافر الذنب ) ساتر الذنب ، ( وقابل التوب ) يعني التوبة ، مصدر تاب يتوب توبا .

وقيل : التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم .

قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله ، وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله ( شديد العقاب ) لمن لا يقول لا إله إلا الله ، ( ذي الطول ) ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله .

قال مجاهد : " ذي الطول " : ذي السعة والغنى .

وقال الحسن : ذو الفضل .

وقال قتادة : ذو النعم .

وقيل : ذو القدرة .

وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه .

( لا إله إلا هو إليه المصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«غافر الذنب» للمؤمنين «وقابل التوب» لهم مصدر «شديد العقاب» للكافرين أي مشدده «ذي الطول» الإنعام الواسع، وهو موصوف على الدوام بكل هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة «لا إله إلا هو إليه المصير» المرجع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

غافر الذنب للمذنبين، وقابل التوب من التائبين، شديد العقاب على مَن تجرَّأَ على الذنوب، ولم يتب منها، وهو سبحانه وتعالى صاحب الإنعام والتفضُّل على عباده الطائعين، لا معبود تصلح العبادة له سواه، إليه مصير جميع الخلائق يوم الحساب، فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( غَافِرِ الذنب ) أى : ساتر لذنوب عباده ، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ورحمته .فلفظ ( غَافِرِ ) من الغفر بمعنى الستر والتغطية ، يقال : غفر الله - تعالى - ذنب فلان غَفْراً ومغفرة وغفرانا ، إذا غطاه وستره وعفا عنه .ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته ، مأخوذ من ذنب الشئ ، أى : نهايته ( وَقَابِلِ التوب ) والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه .

يقال : تاب فلان عن الذنب توبة وتوبتا إذا رجع عنه .أى : أنه - سبحانه يغفر ذنوب عباده ، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما .قال صاحب الكشاف : ما بال الواو فى قوله ( وَقَابِلِ التوب ) ؟قلت : فيها نكته جليلة ، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب ، كأنه لم يذنب .

كأنه قال : جامع المغفرة والقبول .

.( شَدِيدِ العقاب ) أى : لمن أشرك به ، وأعرض عن الحق الذى جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ( ذِي الطول ) أى : ذى الفضل والثواب والإِنعام على من يشاء من عباده .والطَّول : السعة والغنى والزيادة ، يقال : لفلان على فلان طول ، أى زيادة وفضل ، ومنه الطُّول فى الجسم لأنه زيادة فيه .

قال - تعالى - : ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً .

.

.

) أى : غنى وسعة .( لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) أى : لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه - .( إِلَيْهِ المصير ) أى : إليه المرجع والمآب يوم القيامة ، ليحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا .قال القرطبى : روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع فى هذا الشراب .فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد الله إليك الذى لا إله هو ( بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ .

حما .

تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم ) .إلى قوله - تعالى - : ( إِلَيْهِ المصير ) .ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا .

ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة .

فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد وعدنى الله أن يغفر لى ، وحذرنى عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته .فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي حم بكسر الحاء، والباقون بفتح الحاء، ونافع في بعض الروايات، وابن عامر بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحاً شديداً، قال صاحب الكشاف: قرئ بفتح الميم وتسكينها، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف الحركات نحو: أين وكيف، أو النصب بإضمار إقرأ، ومنع الصرف إما للتأنيث والتعريف، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف، وإنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر.

المسألة الثانية: الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة، والأقرب هاهنا أن يقال حم اسم للسورة، فقوله: ﴿ حم ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله ﴾ خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب، فقوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ مصدر، لكن المراد منه المنزل.

وأما قوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ فاعلم أنه لما ذكر أن ﴿ حم * تَنزِيلُ الكتاب ﴾ وجب بيان أن المنزل من هو؟

فقال: ﴿ مِنَ الله ﴾ ثم بيّن أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملاً على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه، فبين أن المنزل هو ﴿ الله العزيز العليم ﴾ .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو؟

فقال جمع عظيم، أنه العلم بكونه قادراً وبعده العالم بكونه عالماً، إذا عرفت هذا فنقول: ﴿ العزيز ﴾ له تفسيران: أحدهما: الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة.

والثاني: الذي لا مثل له، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر، لأن قوله تعالى: ﴿ الله ﴾ يدل على كونه قادراً، فوجب حمل ﴿ العزيز ﴾ على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسماً، والذي لا يكون جسماً يكون منزّهاً عن الشهوة والنفرة، والذي يكون كذلك يكون منزّهاً عن الحاجة.

وأما ﴿ العليم ﴾ فهو مبالغة في العلم، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، فقوله: ﴿ مِنَ الله العزيز العليم ﴾ يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق، الغني المطلق، العالم المطلق، ومن كان كذلك كان عالماً بوجوه المصالح والمفاسد، وكان عالماً بكونه غنياً عن جر المصالح ودفع المفاسد، ومن كان كذلك كان رحيماً جواداً، وكانت أفعاله حكمة وصواباً منزّهة عن القبيح والباطل، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقاً وصواباً، وقيل الفائدة في ذكر ﴿ العزيز العليم ﴾ أمران أحدهما: أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عليماً لما صح ذلك والثاني: أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزاً لا يغلب وبكونه عليماً لا يخفى عليه شيء، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب، فقال: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير ﴾ فهذه ستة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ قال الجبائي: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة، ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة، وهذه الآية تدل على ذكل وبيانه من وجوه: الأول: أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني: أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقياً موجوداً فيستر، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها، فمعنى الغفر فيها غير معقول، ولا يمكن حمل قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ على الكبيرة بعد التوبة، لأن معنى كونه قابلاً للتوب ليس إلا ذلك، فلو كان المراد غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث: أن قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب ﴾ مذكور في معرض المدح العظيم، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، وذلك هو كونه غافراً للكبائر قبل التوبة، وهو المطلوب.

الصفة الثانية: ﴿ وَقَابِلِ التوب ﴾ وفيه بحثان: الأول: في لفظ التوب قولان: الأول: أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة، والثاني: أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش، قال المبرد يجوز أن يكون مصدراً يقال تاب يتوب توباً وتوبة مثل قال يقول قولاً وقولة، ويجوز أن يكون جمعاً لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل.

الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، وليس بواجب على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلاً للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: في هذه الآية سؤال وهو أن قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ يصلح أن يكون نعتاً للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتاً للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفاً للنكرة؟

قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غداً، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه: الأول: أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ  ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  ﴾ والثاني: قال الزجاج إن خفض ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ على البدل، لأن جعل النكرة بدلاً من المعرفة وبالعكس أمر جائز، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلاً من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ يحسن جعلهما صفة، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ يفيد معنى الدوام والاستمرار، لأن صفات الله تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد، فكونه ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ معناه كونه بحيث يشتد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك، فهذا ما قيل في هذا الباب.

البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله: ﴿ ذِى الطول ﴾ ، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقاً بتينك الصفتين وملحوقاً بهذه الصفة، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح.

البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ ولم يذكرها في قوله: ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ فما الفرق؟

قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله: ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشيء على نفسه محال، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه ﴿ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب ﴾ فاستغنى به عن ذكر الواو.

الصفة الرابعة: ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي التفضل يقال طال علينا طولاً أي تفضل علينا تفضلاً، ومن كلامهم طل علي بفضلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ  ﴾ ومضى تفسيره عند قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً  ﴾ واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه ﴿ شَدِيدُ العقاب ﴾ لابد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتياً بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتياً لفعل القبيح، وإذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره، وهو فعل العقاب الحسن دفعاً للإجمال، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب.

الصفة الخامسة: التوحيد المطلق وهو قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحداً وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد.

الصفة السادسة: قوله: ﴿ إِلَيْهِ المصير ﴾ وهذه الصفة أيضاً مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لا شريك له، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلاً لم يكن الخوف الشديد حاصلاً من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلاً كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.

واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا  ﴾ وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقال: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «إن جدالاً في القرآن كفر» فقوله إن جدالاً على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال لأجل تقريره والذب عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن جدالاً في القرآن كفر» وقال: «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر».

المسألة الثانية: الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد ﴾ أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم، كما قال في سورة ص [12، 13] ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأحزاب ﴾ وقوله: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أمَة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ أي وعزمت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه ﴿ وجادلوا بالباطل ﴾ أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بإيراد الشبهات ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا، فكيف كان عقابي إياهم، أليس كان مهلكاً مستأصلاً مهيباً في الذكر والسماع، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ﴿ وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار ﴾ أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضاً على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب الكشاف ﴿ أَنَّهُمْ أصحاب النار ﴾ في محل الرفع بدل من قوله: ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكناً من كل ما هو من لوازمه، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبداً، وذلك تكليف ما لا يطاق، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ حَقَّتْ كلمات رَبَّكَ ﴾ على الجمع والباقون على الواحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ بإمالة ألف (حا) وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها.

ووجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف أو النصب بإضمار اقرأ ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل.

التوب والثوب والأوب: أخوات في معنى الرجوع والطول: الفضل والزيادة.

يقال: لفلان على فلان طول، والإفضال.

يقال: طال عليه وتطوّل، إذا تفضل.

فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟

قلت: ﴿ أمّا غافر الذنب وقابل التوب ﴾ فمعرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن.

أو غداً حتى يكونا في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقية؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش.

وأما شديد العقاب فأمره مشكل، لأنه في تقدير: شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلاً.

وفي كونه بدلاً وحده بين الصفات نبوّ ظاهر، والوجه أن يقال: لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأنّ كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل ولقائل أن يقول: هي صفات، وإنما الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظاً، فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه، من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع؛ على أنّ الخليل قال في قولهم ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف.

ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره، وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار.

ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال.

فإن قلت: ما بال الواو في قوله: (وقابل التوب)؟

قلت: فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات.

وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول.

وروى أنّ عمر رضي الله عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب، من عمر إلى فلان: سلام عليك، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو: بسم الله الرحمن الرحيم: حم إلى قوله إليه المصير.

وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة.

فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة فسدّدوه ووقفوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُؤْمِنِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ وثَمانُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ أمالَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ صَرِيحًا، ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وأبُو عَمْرٍو بَيْنَ بَيْنَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى التَّحْرِيكِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ اقْرَأْ ومَنعِ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ، أوْ لِأنَّها عَلى زِنَةِ أعْجَمِيٍّ كَقابِيلَ وهابِيلَ.

﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ لَعَلَّ تَخْصِيصَ الوَصْفَيْنِ لِما في القُرْآنِ مِنَ الإعْجازِ والحُكْمِ الدّالِّ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ.

﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ ﴾ صِفاتٌ أُخْرى لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والحَثِّ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ، والإضافَةُ فِيها حَقِيقَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، وأُرِيدَ بِـ شَدِيدِ العِقابِ مُشَدَّدَةً أوِ الشَّدِيدُ عِقابُهُ فَحَذَفَ اللّامَ لِلِازْدِواجِ وأمْنِ الِالتِباسِ، أوْ إبْدالٌ وجَعْلُهُ وحْدَهُ بَدَلًا مُشَوِّشٌ لِلنَّظْمِ وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ لِإفادَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحْوِ الذُّنُوبِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ، أوْ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ الِاتِّحادُ، أوْ تَغايُرُ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ لِأنَّ الغَفْرَ هو السِّتْرُ فَيَكُونُ لِذَنْبٍ باقٍ وذَلِكَ لِمَن لَمْ يَتُبْ فَإنَّ «التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ».» والتَّوْبُ مَصْدَرٌ كالتَّوْبَةِ وقِيلَ: جَمْعُها والطَّوْلُ الفَضْلُ بِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ دَلِيلُ رُجْحانِها.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى عِبادَتِهِ.

﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَيُجازِي المُطِيعَ والعاصِيَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{غَافِرِ الذنب} ساتر ذنب المؤمنين {وَقَابِلِ التوب} قابل توبة الراجعين {شَدِيدِ العقاب} على المخالفين {ذِى الطول} ذي الفضل على العارفين أو ذي الغنى عني الكل وعن ابن عباس

غافر (٥ - ٣)

غافر الذنب وقابل التوب لمن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله والتوب والثوب والاوب اخوات في معنى الرجوع والطول والغنى

والفضل فإن قلت كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً والموصوف معرفة قلت أما غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان لانه ثم يرد بهما حدوث الفعلين حتى يكونا في تقدير الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه وأما شديد العقاب فهو في تقدير شديد عقابه فتكون نكرة فقيل هو بدل وقيل لما وجدت هذه النكرة بين هذه المعارف آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف وإدخال الواو في وَقَابِلِ للتوب لنكتة وهي افادة الجمع المذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات وأن يجعلها محّاءة للذنوب كأن لم يذنب كأنه قال جامع المغفرة والقبول وروى ان عمر رضى الله عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له تتابع في هذا الشراب فقال عمر لكاتبه اكتب من عمر إلى فلان سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله إِلَيْهِ المصير وختم الكتاب قال لرسوله لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته فلما بلغ عمر أمره قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه ووقفوه وادعوا له الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه {لآ إله إلا هو} صفة ايضا لذى الطول ويجوز أن يكون مستأنفاً {إِلَيْهِ المصير} المرجع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ ﴾ صِفاتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ كالعَزِيزِ العَلِيمِ، وذُكِرَ ( غافِرِ اَلذَّنْبِ وقابِلِ اَلتَّوْبِ وذِي اَلطَّوْلِ ) لِلتَّرْغِيبِ وذُكِرَ ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ لِلتَّرْهِيبِ والمَجْمُوعُ لِلْحَثِّ عَلى المَقْصُودِ مِن ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ وهو المَذْكُورُ بَعْدَ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْإيمانِ بِما سِواهُما والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والأوَّلانِ مِنها وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ إلّا أنَّهُما لَمْ يُرَدْ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ بَلْ أُرِيدَ بِهِما الثُّبُوتُ والِاسْتِمْرارُ فَإضافَتُهُما لِلْمَعْرِفَةِ بِعْدَهُما مَحْضَةٌ أكْسَبَتْهُما تَعْرِيفًا فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما أعْرَفُ المَعارِفِ، والأمْرُ في ﴿ ذِي الطَّوْلِ ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا.

نَعَمِ الأمْرُ في ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) مُشْكِلٌ فَإنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ فَيَتَعَرَّفُ ويُنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ ومِن هُنا ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) بَدَلٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ في تَوْسِيطِ البَدَلِ بَيْنَ الصِّفاتِ تَنافُرًا بَيِّنًا لِأنَّ الوَصْفَ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَوْصُوفَ مَقْصُودٌ والبَدَلُ بِخِلافِهِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اسْتِئْنافِ القَصْدِ بَعْدَ ما جُعِلَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، والجَوابُ أنَّهُ إنَّما يُشْكِلُ ظاهِرًا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ لا تَتَعَرَّفُ أصْلًا بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّها كَغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ قَدْ تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ ويَجُوزُ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِها نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ حَسَنِ الوَجْهِ فَلا، ويُقالُ فِيما ذُكِرَ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ: إنَّ «شَدِيدًا» مُؤَوَّلٌ بِمُشَدِّدٍ اسْمِ فاعِلٍ مِن أشَدَّهُ جَعَلَهُ شَدِيدًا كَأذِينٍ بِمَعْنى مُؤَذِّنٌ فَيُعْطى حُكْمَهُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُعَرَّفٌ بِألْ والأصْلُ الشَّدِيدُ عِقابُهُ لَكِنْ حُذِفَتْ لِأمْنِ اللَّبْسِ بِغَيْرِ الصِّفَةِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ الصِّفاتِ واحْتِمالُ كَوْنِهِ بَدَلًا وحْدَهُ لا يُلْتَفَتُ عَلى ما سَمِعْتَ إلَيْهِ ورِعايَةً لِمُشاكَلَةِ ما مَعَهُ مِنَ الأوْصافِ المُجَرَّدَةِ مِنها والمُقَدَّرُ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ المُشاكَلَةِ حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سَحادَلِيهِ مِن عَنادَلِيهِ أرادُوا ما يَعْرِفُ ذَكَرَهُ مِن أُنْثَيَيْهِ فَثَنُّوا ما هو وتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ جَمِيعِ التَّوابِعِ المَذْكُوراتِ أبْدالًا وتَعَمَّدَ تَنْكِيرَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ وأمَرَّ لِزِيادَةِ الإنْذارِ.

وفي الكَشْفِ جَعْلُ كُلِّها أبْدالًا فِيهِ تَنافُرٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما في إبْدالِ ( اَلْعَزِيزِ ) مِنَ ( اَللَّهِ ) الِاسْمِ الجامِعِ لِسائِرِ الصِّفاتِ العَلَمِ النَّصِّ وأيْنَ هَذا مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ؟

وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى جَوازِ كَوْنِ ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ﴾ دُونَ ما قَبْلَهُما بَدَلَيْنِ وأنَّهُما حِينَئِذٍ نَكِرَتانِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَدَلَ البَداءِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلُ اشْتِمالٍ فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها أوْ مَنعِهِ إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ دُونَ تَعَدُّدِ البَدَلِ واتِّحادِ المُبْدَلِ مِنهُ، وظاهِرُ كَلامِ الخَفاجِيِّ أنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَدُّدِهِ حَيْثُ قالَ: لا يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالإبْدالِ قِلَّةُ البَدَلِ في المُشْتَقّاتِ، ولا أنَّ النَّكِرَةَ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لَمْ تُوصَفْ، ولا أنَّ تَعَدَّدَ البَدَلِ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ كَما قِيلَ لِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِخِلافِهِ في الجَمِيعِ، ولِلدَّمامِينِيِّ فِيهِ كَلامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ في أوَّلِ شَرْحِ الخَزْرَجِيَّةِ لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ فَإنْ أرَدْتَهُ فانْظُرْ فِيهِ.

انْتَهى.

.

وعِنْدِي أنَّ الإبْدالَ هُنا لَيْسَ بِشَيْءٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ( والتَّوْبِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالأوْبِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتَوْبَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، ( والطَّوْلِ ) الفَضْلُ بِالثَّوابِ والإنْعامِ أوْ بِذَلِكَ وبِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ كَما قِيلَ وهو أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِتَرْكِ العِقابِ وإنْ وقَعَ بَعْدَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وكَوْنُ الثَّوابِ مَوْعُودًا فَصارَ كالواجِبِ فَلا يَكُونُ فَضْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الوَعْدَ بِهِ لَيْسَ بِواجِبٍ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالسِّعَةِ والغِنى، وقَتادَةُ بِالنِّعَمِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالقُدْرَةِ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ﴾ لِإفادَةِ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذَّنْبِ كَأنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ كَأنَّهُ قِيلَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ووَجْهُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّها صِفاتٌ مُتَعاقِبَةٌ بِدُونِ الواوِ دالَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مِن مُجَرَّدِ الإجْراءِ فَإذا خُصَّتْ بِالواوِ إحْدى القَرائِنِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المُعْتَبَرَ فِيها وفِيما تَقَدَّمَها خاصَّةً صَوْنًا لِكَلامِ البَلِيغِ عَنِ الإلْغاءِ، فَفي الواوِ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جامِعٌ بَيْنَ الغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ لِلتّائِبِ خاصَّةً، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، وما قِيلَ: إنَّ التَّوْسِيطَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ غافِرُ الذَّنْبِ لِمَن لَمْ يَتُبْ وقابَلُ التَّوْبِ لِمَن تابَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّغايُرُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ بَيْنَ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ وهُما غُفْرانُ الذَّنْبِ وقَبُولُ التَّوْبَةِ عَنْهُ المُقْتَضِي لِكَوْنِ الغُفْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ والقَبُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ إذْ جَعَلُوا مُوقِعَ الأوَّلِ الذَّنْبَ الباقِيَ في الصَّحائِفِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ ومُوقِعَ الثّانِي الذَّنْبَ الزّائِلَ المَمْحُوَّ عَنْها حاصِلٌ مَعَ الإجْراءِ فَلا مَدْخَلَ لِلْواوِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ جارٍ عَلى أصْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَلا وجْهَ لِرَدِّهِ بِما لَيْسَ بِقادِحٍ وإيثارُ ما هو مَرْجُوحٌ، وتَقْدِيمُ الغافِرِ عَلى القابِلِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ فافْهَمْ.

وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ.

وفي البَحْرِ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ كَتَوْبَةِ العاصِي بِهِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أرْحَمَهُ وأكْرَمَهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي، وجُمْلَةُ ( لا إلَهَ إلّا هو ) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِشَدِيدِ العِقابِ، وفي الآياتِ مِمّا يَقْتَضِي الِاتِّعاظَ ما فِيها.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّ رَجُلًا كانَ ذا بَأْسٍ وكانَ مِن أهْلِ الشّامِ وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: تَتابَعَ في الشَّرابِ فَدَعا عُمَرُ كاتِبَهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ سَلامٌ عَلَيْكم فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى - ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ وخُتِمَ الكِتابُ، وقالَ لِرَسُولِهِ: لا تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتّى تَجِدَهُ صاحِيًا ثُمَّ أمَرَ مَن عِنْدَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَلَمّا أتَتْهُ الصَّحِيفَةُ جَعَلَ يَقْرَؤُها ويَقُولُ: قَدْ وعَدَنِي رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لِي وحَذَّرَنِي عِقابَهُ فَلَمْ يَبْرَحْ يُرَدِّدُها عَلى نَفْسِهِ حَتّى بَكى ثُمَّ نَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ تَوْبَتُهُ قالَ: هَكَذا فافْعَلُوا إذا رَأيْتُمْ أخاكم قَدْ زَلَّ زَلَّةً فَسَدِّدُوهُ ووَقِّفُوهُ وادْعُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ ولا تَكُونُوا أعْوانًا لِلشَّياطِينِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثمانون وخمس آية مكية قوله تبارك وتعالى: حم روي عن ابن عباس أنه قال الحواميم كلها مكية.

وهكذا روي عن محمد بن الحنفية.

وقال ابن مسعود: إِنَّ حم دِيْبَاجُ القُرْآنِ.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأْ الحَوَامِيم» .

وقال قتادة: حم اسم من أسماء الله الأعظم.

ويقال: اسم من أسماء القرآن.

ويقال: قسم أقسم الله بحم.

ويقال: معناه قضى بما هو كائن.

ويقال: حم الأمر أي: قدر، وقضى، وتم.

وقرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم: حم بفتح الحاء.

وقرأ أبو عمرو، ونافع: بين الفتح والكسر، والباقون بالكسر.

وكل ذلك جائز في اللغة.

ثم قال: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يعني: إنّ هذا القرآن الذي يقرأه عليكم محمد، هو من عند الله، العَزِيز في سلطانه، وملكه، الْعَلِيمِ بخلقه، وبأعمالهم، غافِرِ الذَّنْبِ لمن يقول: لا إله إلا الله، مخلصاً، يستر عليه ذنوبه، وَقابِلِ التَّوْبِ لمن تاب، ورجع، شَدِيدِ الْعِقابِ لمن مات على الشرك، ولم يقل لا إله إلا الله، ذِي الطَّوْلِ يعني: ذي الفضل على عباده، والمن والطول في اللغة: التفضل.

يقال: طل علي برحمتك أي: تفضل.

وقال مقاتل: ذي الطَّوْلِ يعني: ذي الغنى عمى لم يوحده.

ثم وحّد نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه مصير العباد، ومرجعهم في الآخرة، فيجازيهم بأعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة المؤمنين]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)

قوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ أخبر الله سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم نالوا البُغْيَةَ، وأحرزوا البقاءَ الدائم.

قلت: وعن عُمرَ بن الخَطَّاب رضي اللَّه عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ صلى الله عليه وسلّم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْماً، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرُنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأرْضِنَا وارض عَنَّا» ، ثُمَّ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ» ، ثُمَّ قَرَأَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم عشر آيات «١» رواه الترمذي واللفظ له والنسائيُّ والحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «سلاح المؤمن» .

قلت: وقد نَصَّ بعض أئمتنا على وجوب الخشوع في الصلاة، قال الغزاليّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُؤْمِنِ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويُقالُ لَها: سُورَةُ الطَّوْلِ.

وهي مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أنَّ فِيها آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُؤْمِنِ: ٣٥، ٣٦] .

قالَ الزَّجّاجُ: وذَكَرَ أنَّ الحَوامِيمَ كُلَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أُضِيفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سُورَةُ اللَّهِ، لِشَرَفِها وفَضْلِها، فَقِيلَ: آَلُ حامِيمٍ، وإنْ كانَ القُرْآَنُ كُلُّهُ سُوَرَ اللَّهِ، وإنَّ هَذا كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وحَرَمُ اللَّهِ، وناقَةُ اللَّهِ، قالَ الكُمَيْتُ: وجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعَرَّبٌ وَقَدْ تُجْعَلُ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَدْخُلُ الإعْرابَ ولا يُصْرَفُ، ومَن قالَ هَذا في الجَمِيعِ: الحَوامِيمُ، كَما يُقالُ: "طس" والطَّواسِينَ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، وفي آَلِ حَمِيمٍ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّواتِي طُوِّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ وبِمَثانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينَ اللَّواتِي ثُلِّثَتْ وَبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ [وَبِالمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ] فَمَن قالَ: وقَعَ في آَلِ حامِيمَ، جَعَلَ حامِيمَ اسْمًا لِكُلِّهِنَّ؛ ومَن قالَ: وقَعَ في الحَوامِيمِ، جَعَلَ "حم" كَأنَّهُ حَرْفٌ واحِدٌ بِمَنزِلَةِ قابِيلَ وهابِيلَ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: مِنَ الخَطَإ أنْ تَقُولَ: قَرَأتُ الحَوامِيمَ، ولَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، والصَّوابُ أنْ تَقُولَ، قَرَأتُ آَلَ حامِيمَ.

وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إذا وقَعَتْ في آَلِ حم وقَعَتْ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ"، وقالَ الكُمَيْتُ: وَجَدْنا لَكم في آَلِ حامِيمَ آَيَةٌ وَفِي ﴿ حم ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ ﴾ \[المُؤْمِنِ: ١٠\] .

والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنْ "الر" و "حم" و "نُونُ" حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ اسْمِهِ "حَمِيدُ"، والمِيمُ مِفْتاحُ اسْمِهِ "مَجِيدُ"، قالَهُ أبُو العالِيَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ ابْتِداؤُهُ حاءٌ، مِثْلُ "حَكِيمٍ"، و "حَلِيمٍ"، و "حَيٍّ"، والمِيمُ مِفْتاحُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، ابْتِداؤُهُ مِيمٌ مِثْلُ "مَلِكٍ"، و "مُتَكَبِّرٍ"، و "مَجِيدٍ"، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى "حم": قُضِيَ ما هو كائِنٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والكِسائِيِّ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُما أرادا الإشارَةَ إلى حم، بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ في "حم": حُمَّ الأمْرُ.

والرّابِعُ: أنْ "حم" اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "حم" بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها؛ واخْتَلَفَ عَنِ الباقِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: أمّا المِيمُ، فَساكِنَةٌ في قِراءَةِ القُرّاءِ كُلِّهِمُ الّا عِيسى ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ فَتَحَها؛ وفَتْحُها عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبُهُ ولا يُنَوِّنُهُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ نَحْوَ هابِيلَ وقابِيلَ.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: اتْلُ حم؛ والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ فَتْحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ حِكايَةَ حُرُوفِ الهِجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ.

والتَّوْبُ: جَمْعُ تَوْبَةٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَن تابَ يَتُوبُ تَوْبًا.

والطَّوْلُ: الفَضْلُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: فُلانٌ ذُو طَوْلٍ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ذُو فَضْلٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: طُلَّ عَلَيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أيْ: تَفَضَّلْ.

قالَ الخَطّابِيُّ: ذُو: حَرْفُ النِّسْبَةِ، والنِّسْبَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِالياءِ، كَقَوْلِهِمْ: أسَدِيٌّ، وبِكْرِّيٌّ، والثّانِي عَلى الجَمْعِ، كَقَوْلِهِمُ: المَهالِبَةُ، والمَسامِعَةُ، والأزارِقَةُ، والثّالِثُ بِـ "ذِي" و "ذاتُ"، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلُ مالٍ، أيْ: ذُو مالٍ، وكَبْشٍ صافٍ، أيْ: ذُو صُوفٍ، وناقَةٍ ضامِرٍ، أيْ: ذاتُ ضَمْرٍ؛ فَقَوْلُهُ: ذُو الطَّوْلِ، مَعْناهُ: أهْلُ الطَّوْلِ والفَضْلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ غافِرٍ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ آياتِها أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذِهِ الحَوامِيمُ الَّتِي رَوى أُنْسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّها دِيباجُ القُرْآنِ،» ووَقَفَهُ الزَجّاجُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ أنَّها خَلَتْ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِرَتْ عَلى المَواعِظِ والزَجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ مَحْضًا، وأيْضًا فَهي قِصارٌ لا يَلْحَقُ لِقارِئٍ فِيها سَآمَةٌ.

ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَوى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَء الحَوامِيمَ"،» وهَذا نَحْوُ الكَلامِ الأوَّلِ في المَعْنى.

وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحِبَراتِ في الثِيابِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ غافِرِ الذَنْبِ وقابِلِ التَوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ في قَوْلِهِ: [حَمْ]، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِقَوْلٍ آخَرَ قالَهُ الضَحّاكُ، والكِسائِيُّ: إنَّ [حَمَ] هِجاءُ (حُمَّ) بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "حُمَّ الأمْرُ ووَقَعَ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "آلَرَ، حَمْ، ون هي حُرُوفُ "الرَحْمَنِ" مُقَطَّعَةٌ في سُوَرٍ"، وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللهُ بِحِلْمِهِ ومُلْكِهِ، «وَسَألَ أعْرابِيٌّ النَبِيَّ  عن [حَمْ] ما هُوَ؟

فَقالَ: "بَدْءُ أسْماءٍ وفَواتِحُ سُوَرٍ".» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الحاءِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو كَسْرُها عَلى الإمالَةِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الفَتْحُ، ورُوِيَ عنهُ الوَسَطُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، ورُوِيَ عن عِيسى كَسَرُ الحاءِ عَلى الإمالَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا حَمَ بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ في النُطْقِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما التَحْرِيكُ لِلِالتِقاءِ مَعَ الياءِ الساكِنَةِ، والآخِرُ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، وذَلِكَ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حَمَ، وهَذا عَلى أنْ تُجْرى مَجْرى الأسْماءِ، والحُجَّةُ مِنهُ قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ أوفى العَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَقَدُّمِ؟

وقَوْلُ الكُمَيْتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: بِكَسْرِ المِيمِ الأخِيرَةِ، وذَلِكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و[حَمْ] آيَةٌ.

و[تَنْزِيلُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ [حَمْ] إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ [تَنْزِيلُ]﴾ خَبَرَ ابْتِداءٍ، و[الكِتابِ]: القُرْآنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "غافِرِ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وإنْ أرَدْتُّ بِـ"غافِرِ" المُضِيَّ - أيْ غُفْرانَهُ في الدُنْيا وقَضاؤَهُ بِالغُفْرانِ وسَتْرَهُ عَلى المُذْنِبِينَ - فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ "غافِرِ" صِفَةً؛ لِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَعْرِفَةِ تَكُونُ مَحْضَةً، وهَذا مُتَرَجِّحٌ جِدًّا، وإذا أرَدْتَ بِـ"غافِرِ" الِاسْتِقْبالَ أيْ غُفْرانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ - فالإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، و"غافِرِ" نَكِرَةٌ، فَلا يَكُونُ نَعْتًا؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ بِالنَكِرَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الزَجّاجُ: "غافِرِ" و"قابِلِ" صِفَتانِ، و ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ بَدَلٌ، و"الذَنْبِ" اسْمُ الجِنْسِ، وأمّا ﴿ "التَوْبِ" ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعَوْمِ والنَوْمِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وساعَةٍ وساعٍ.

وقَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ الكافِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِإخْبارِ اللهِ تَعالى، وقَبُولِ التَوْبَةِ مِنَ العاصِي في وُجُوبِها قَوْلانِ لِأهْلِ السُنَّةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ: نَعَمِ، اعْمَلْ ولا تَيْأسْ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " قابِلِ التَوْبِ ".

[وَ ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ صِفَةٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ].

ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى هَذا الوَعِيدَ بِوَعْدٍ ثانٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذِي الطَوْلِ ﴾ ، أيْ: ذِي التَطَوُّلِ والمَنِّ بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَلا خَيْرَ إلّا مِنهُ، فَتَرَتَّبَ في الآيَةِ وعِيدٌ بَيْنَ وعْدَيْنِ، وهَكَذا رَحْمَةُ اللهِ تَغْلِبُ غَضَبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَمِعْتُ هَذِهِ النَزْعَةُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهي نَحْوٌ مَن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا  ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا  ﴾ .

وَ"الطَوْلُ": الإنْعامُ، ومِنهُ "ما حَلِيتُ بِطائِلٍ"، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أهْلِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى غافِرِ الذَنْبِ فَضْلًا، وقابِلِ التَوْبِ وعْدًا، وشَدِيدِ العِقابِ عَدْلًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطَوْلُ: السَعَةُ والغِنى.

ثُمَّ صَدَعَ تَعالى بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، وبِالبَعْثِ والحَشْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: جِدالًا باطِلًا، لِأنَّ الجِدالَ فِيها يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنْ في إثْباتِها وشَرْحِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ ﴾ أنْزَلَهُ مَنزِلَةَ: "فَلا يَحْزُنْكَ ولا يَهُمَّنَّكَ" لِتَدُلَّ الآيَةُ عَلى أنَّهم يَنْبَغِي ألّا يَغْتَرُّوا بِإمْلاءِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، فالخِطابُ لَهُ والإشارَةُ إلى مَن يَقَعُ مِنهُ الِاغْتِرارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [يَغْرُرْكَ] بِمَعْنى: تَظُنُّ أنَّ وراءَ تَقَلُّبِهِمْ وإمْهالِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ، فَتَقُولُ: عَسى أنْ لا يُعَذَّبُوا.

وحُلَّ الفِعْلُ مِنَ الإدْغامِ لِسُكُونِ الحَرْفِ الثانِي، وحَيْثُ هُما مُتَحَرِّكانِ لا يَجُوزُ الحَلُّ، لا تَقُولُ: زِيدٌ يَغْرُرُكَ.

وتَقَلُّبُهم في البِلادِ عِبارَةٌ عن تَمَتُّعِهِمْ بِالمَساكِنِ والمَزارِعِ والأسْفارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِمَن تَقَدَّمُهم مِنَ الأُمَمِ، أيْ: كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ كَذَلِكَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ.

و[الأحْزابُ]: يُرِيدُ بِهِمْ عادًا وثَمُودَ أو أهْلَ مَدْيَنَ وغَيْرَهُمْ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "بِرَسُولِها"، رَدًّا عَلى "الأُمَّةِ"، وضَمِيرُ الجَماعَةِ هو عَلى مَعْنى الأُمَّةِ لا عَلى لَفْظِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَتِيلِ: أخِيذٌ، ولِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقالَ قَتادَةُ: "لِيَأْخُذُوهُ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلُوهُ.

و[لِيُدْحِضُوا] مَعْناهُ: لِيُزْلِقُوا ولِيُذْهِبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ والمَزْلَقَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَعْجِيبٌ وتَعْظِيمٌ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ عن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أجريت على اسم الله ستة نعوت معارفُ، بعضُها بحرف التعريف وبعضها بالإضافة إلى معرّف بالحرف.

ووصْفُ الله بوصفي ﴿ العَزِيز العَليم ﴾ [غافر: 2] هنا تعريض بأن منكري تنزيل الكتاب منه مغلوبون مقهورون، وبأن الله يعلم ما تكنّه نفوسهم فهو محاسبهم على ذلك، ورَمْزٌ إلى أن القرآن كلام العزيز العليم فلا يقدر غير الله على مثله ولا يعلم غير الله أن يأتي بمثله.

وهذا وجه المخالفة بين هذه الآية ونظيرتها من أول سورة الزمر التي جاء فيها وصف ﴿ العَزِيز الحكيم ﴾ [الزمر: 1] على أنه يتأتى في الوصف بالعلم ما تأتَّى في بعض احتمالات وصف ﴿ وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31].

وفي إِتْباع الوصفين العظيمين بأوصاف ﴿ غافر الذنب وقَابِل التَّوْب شَديد العِقاب ذِي الطَّول ﴾ ترشيح لذلك التعريضضِ كأنه يقول: إن كنتم أذنبتم بالكفر بالقرآن فإن تدارك ذنبكم في مكنتكم لأن الله مقرَّر اتصافه بقبول التوبة وبغفران الذنب فكما غفر لمن تابوا من الأمم فقبل إيمانهم يغفر لمن يتوب منكم.

وتقديم ﴿ غافر ﴾ على ﴿ قابل التوب ﴾ مع أنه مرتب عليه في الحصول للاهتمام بتعجيل الإِعلام به لمن استعدّ لتدارك أمره فوصفُ ﴿ غافر الذنب وقابل التوب ﴾ تعريض بالترغيب، وصِفتا ﴿ شَدِيد العقاب ذِي الطَّول ﴾ تعريض بالترهيب.

والتوبُ: مصدر تاب، والتوب بالمثناة والثوب بالمثلثة والأَوْب كلها بمعنى الرجوع، أي الرجوع إلى أمر الله وامتثاله بعد الابتعاد عنه.

وإنما عطفت صفة ﴿ وقَابِل التَّوْب ﴾ بالواو على صفة ﴿ غَافِر الذنب ﴾ ولم تُفْصَل كما فُصِلت صفتا ﴿ العليمِ ﴾ [غافر: 2] ﴿ غافرِ الذنب ﴾ وصفة ﴿ شديد العقاب ﴾ إشارة إلى نكتة جليلة وهي إفادة أن يجمَع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيجعلها له طاعة، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندِم على فعلها، فيصبحَ كأنه لم يفعلها.

وهذا فضل من الله.

وقوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ إفضاء بصريح الوعيد على التكذيب بالقرآن لأن مجيئه بعد قوله: ﴿ تنزيلُ الكِتَاب مِن الله ﴾ [غافر: 2] يفيد أنه المقصود من هذا الكلام بواسطة دلالة مستتبعات التراكيب.

والمراد بغافر } و ﴿ قابل ﴾ أنه موصوف بمدلوليهما فيما مضى إذ ليس المراد أنه سيغفر وسيقبل، فاسم الفاعل فيهما مقطوع عن مشابهة الفعل، وهو غير عامل عمَل الفعل، فلذلك يكتسِبُ التعريف بالإِضافة التي تزيد تقريبه من الأسماء، وهو المحمل الذي لا يناسب غيرُهُ هنا.

و ﴿ التوب ﴾ صفة مشبَّهة مضافة لفاعلها، وقد وقعت نعتاً لاسم الجلالة اعتداداً بأن التعريف الداخل عَلى فاعل الصفة يقوم مقام تعريف الصفة فلم يخالَف ما هو المعروف في الكلام من اتحاد النعت والمنعوت في التعريف واكتساب الصفة المشبهة التعريفَ بالإِضافة هو قول نحاة الكوفة طرداً لباب التعريف بالإضافة، وسيبَويه يجوز اكتساب الصفات المضافةِ التعريفَ بالإِضافة إلاّ الصفة المشبهة لأن إضافتها إنما هي لفاعلها في المعنى لأن أصل ما تضاف إليه الصفة المشبهة أنه كان فاعلاً فكانت إضافتها إليه مجرد تخفيف لفظي والخطب سهل.

والطوْل يطلق على سعة الفضل وسعة المال، ويطلق على مطلق القدرة كما في «القاموس»، وظاهرُه الإِطلاقُ وأقره في «تاج العروس» وجعله من معنى هذه الآية، ووقوعُه مع ﴿ شديد العقاب ﴾ ومزاوجتها بوصفي ﴿ غافر الذنب وقابل التوب ﴾ ليشير إلى التخويف بعذاب الآخرة من وصف ﴿ شديد العِقَاب ﴾ ، وبعذاب الدنيا من وصف ﴿ ذِي الطَّوْل ﴾ كقوله: ﴿ أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ﴾ [الزخرف: 42]، وقوله: ﴿ قل إن اللَّه قادر على أن ينزل آية ﴾ [الأنعام: 37].

وأعقب ذلك بما يدل على الوحدانية وبأن المصير، أي المرجع إليه تسجيلاً لبطلان الشرك وإفساداً لإِحالتهم البعث.

فجملة ﴿ لا إله إلاَّ هو ﴾ في موضع الصفة، وأتبع ذلك بجملة ﴿ إليه المَصِير ﴾ إنذاراً بالبعث والجزاء لأنه لما أجريت صفات ﴿ غَافِر الذَّنب وقَابِل التَّوببِ شَدِيد العِقَاب ﴾ أثير في الكلام الإِطماعُ والتخويفُ فكان حقيقاً بأن يشعروا بأن المصير إما إلى ثوابه وإما إلى عقابه فليزنوا أنفسهم ليضعوها حيث يلوح من حالهم.

وتقديم المجرور في ﴿ إليه المَصِيرُ ﴾ للاهتمام وللرعاية على الفاصلة بحرفين: حرف لين، وحرف صحيح مثل: العليم، والبلاد، وعقاب.

وقد اشتملت فاتحة هذه السورة على ما يشير إلى جوامع أغراضها ويناسب الخوض في تكذيب المشركين بالقرآن ويشير إلى أنهم قد اعتزوا بقوتهم ومكانتهم وأن ذلك زائل عنهم كما زال عن أمم أشد منهم، فاستوفت هذه الفاتحة كمال ما يطلب في فواتح الأغراض مما يسمى براعة المطلع أو براعة الاستهلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ غافِرٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ  ﴾ والَّتِي بَعْدَها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: الر وحم ون هو الرَّحْمَنُ.

الرّابِعُ: هو مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

الخامِسُ: فَواتِحُ السُّوَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ قالَ شُرَيْحُ بْنُ أوْفى العَبْسِيُّ: يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ حَمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ قَرُبَ، قالَ الشّاعِرُ قَدْ حَمَّ يَوْمِي فَسُرَّ قَوْمٌ ∗∗∗ قَوْمٌ بِهِمْ غَفْلَةٌ ونَوْمٌ وَمِنهُ سُمِّيَتِ الحُمّى لِأنَّها تُقَرِّبُ مِنهُ المَنِيَّةَ.

فَعَلى هَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ قُرْبَ قِيامِ السّاعَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ  : « (بُعِثْتُ في آخِرِها ألْفًا» الثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ قُرْبَ نَصْرِهِ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامَهُ مِن أعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ غافِرُهُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: ساتِرُهُ عَلى مَن يَشاءُ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

﴿ وَقابِلِ التَّوْبِ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبًا، وقَبُولُهُ لِلتَّوْبَةِ إسْقاطُ الذَّنْبِ بِها مَعَ إيجابِ الثَّوابِ عَلَيْها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذِي الطَّوْلِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذِي النِّعَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ذِي القُدْرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: ذِي الخَيْرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ الأصَمِّ.

الخامِسُ: ذِي المَنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: ذِي التَّفْضِيلِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والفَضْلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والفَضْلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ والطَّوْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّولِ كَأنَّهُ إنْعامُهُ عَلى غَيْرِهِ وقِيلَ لِأنَّهُ طالَتْ مُدَّةُ إنْعامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله رضي الله عنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شجرة ثمراً وإن ثمرات القرآن ذوات ﴿ حم ﴾ من روضات، مخصبات، معشبات، متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم ومن قرأ سورة ﴿ الدخان ﴾ في ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له، ومن قرأ ﴿ الم تنزيل ﴾ السجدة و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ في يوم وليلة فكأنما وافق ليلة القدر، ومن قرأ ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: إذن نستكثر من القصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكثر وأطيب، ومن قرأ ﴿ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ﴾ لم يَبْقَ شيء من البشر إلا قال: أي رب أعذه من شري، ومن قرأ ﴿ أم القرآن ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فكأنما قرأ ألف آية» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ﴿ حم ﴾ اسم من أسماء الله تعالى.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو عبيد وابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة رضي الله عنه قال: حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلتم الليلة ﴿ حم ﴾ لا ينصرون» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم تلقون عدوّكم غداًَ فليكن شعاركم ﴿ حم ﴾ لا ينصرون» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: «انهزم المسلمون بخيبر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب حفنها في وجوههم، وقال: ﴿ حم ﴾ لا ينصرون، فانهزم القوم، وما رميناهم بسهم، ولا طعن برمح» .

وأخرج البغوي والطبراني عن شيبة بن عثمان رضي الله عنه قال: «لما كان يوم خيبر تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصى ينفخ في وجوههم وقال: شاهت الوجوه ﴿ حم ﴾ لا ينصرون» .

وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه أن رجلاً كان ذا بأس وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: في الشراب، فدعا عمر رضي الله عنه كاتبه فقال له: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان.

سلام عليكم، فإن أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ﴾ ثم دعا، وأمن من عنده، فدعوا له أن يقبل الله عليه بقلبه، وأن يتوب الله عليه.

فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول ﴿ غافر الذنب ﴾ قد وعدني أن يغفر لي، ﴿ وقابل التوب شديد العقاب ﴾ قد حذرني الله عقابه ﴿ ذي الطول ﴾ الكثير الخير ﴿ إليه المصير ﴾ فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى، ثم نزع فاحسن النزع.

فلما بلغ عمر رضي الله عنه أمره قال: هكذا فافعلوا إذا رأيتم حالكم في زلة فسددوه، ووفقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان شاب بالمدينة صاحب عبادة، وكان عمر رضي الله عنه يحبه، فانطلق إلى مصر، فانفسد فجعل لا يمتنع من شر، فقدم على عمر رضي الله عنه بعض أهله، فسأله حتى سأله عن الشاب فقال: لا تسألني عنه قال: لم؟

قال: لأنه قد فسد وخلع، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: من عمر إلى فلان ﴿ حمتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ﴾ فجعل يقرأها على نفسه فأقبل بخير.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب ﴾ قال: ﴿ غافر الذنب ﴾ لمن لم يتب ﴿ وقابل التوب ﴾ لمن تاب.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن قتلت فهل لي من توبة؟

فقرأ عليه ﴿ حمتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب ﴾ وقال: اعمل ولا تيأس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذي الطول ﴾ السعة والغنى.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ذي الطول ﴾ قال: ذي الغنى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذي الطول ﴾ قال: ذي النعم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ذي الطول ﴾ قال: ذي المن.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب...

﴾ قال: ﴿ غافر الذنب ﴾ لمن يقول لا إله إلا الله ﴿ قابل التوب ﴾ لمن يقول لا إله إلا الله ﴿ شديد العقاب ﴾ لمن لا يقول لا إله إلا الله ﴿ ذي الطول ﴾ ذي الغنى ﴿ لا إله إلا هو ﴾ كانت كفار قريش لا يوحدونه فوحد نفسه ﴿ إليه المصير ﴾ مصير من يقول لا إله إلا هو فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول لا إله إلا هو فيدخله النار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت ﴿ حم ﴾ المؤمن حتى بلغت ﴿ لا إله إلا هو إليه المصير ﴾ ، فإذا خلفي رجل على بغلة شهباء عليه مقطنات يمنية فقال: إذا قلت ﴿ قابل التوب ﴾ فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت ﴿ شديد العقاب ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، ولفظ ابن أبي شيبة اعف عني، وإذا قلت ﴿ ذي الطول ﴾ فقل: يا ذا الطول طل علي بخير قال: فقلتها ثم التفت فلم أر أحداً، فخرجت إلى الباب فقلت: مر بكم رجل عليه مقطنات يمينة؟!

قالوا: مارأينا أحداً.

كانوا يقولون إنه إلياس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذِي الطول ﴾ أي ذي الفضل والإنعام، وقيل: الطول: الغنى والسعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".

﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.

الباقون ﴿ منهم ﴾ .

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.

وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.

وروي أن أعرابياً قال للنبي  : ما حم؟

فقال: أسماء وفواتح سور.

وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".

ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.

﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".

ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.

وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.

وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.

ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟

فيه بحث أيضاً للفريقين.

فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.

والظاهر أن التوب مصدر.

وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.

وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.

فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.

وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.

وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.

وهذا ما قاله صاحب الكشاف.

وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.

قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً  ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.

وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.

ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.

فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال  "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.

ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.

ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.

وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.

وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.

ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.

وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.

روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.

وروي عن النبي  "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله  أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.

وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.

أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.

وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.

سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟

أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.

وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.

واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.

وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.

وإن شئت فتأمل قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.

على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟

وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.

وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.

قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟

وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟

وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.

قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.

احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله  ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً  ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.

لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.

وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.

وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.

وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.

قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.

قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.

وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.

قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.

ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه  قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار  جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم  ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.

قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.

واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.

وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.

وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.

قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.

ثم إنه  عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.

وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.

أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.

وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.

وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.

ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.

الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.

الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم  ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.

فلعل المعنى.

لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.

وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.

أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً  ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.

والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.

قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.

قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.

وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.

أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه  لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.

وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.

وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.

وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.

وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.

وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.

فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.

وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.

ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.

وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.

وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه  رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.

قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.

ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.

ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.

ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.

أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.

وأما على الثاني فلا ريب أنه  أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.

واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله  هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.

أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.

وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً  ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.

وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.

وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.

ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار  ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.

فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب  : لمن الملك اليوم؟

فلا يجيبه أحد.

فهو  يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.

وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه  بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟

فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.

وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟

فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله  وقال: لك الملك لا لي.

فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.

ومما يدل على تفرده  قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.

ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.

قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.

وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه  ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه  وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي  ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.

وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.

والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ  ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.

وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين  ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.

وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.

وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.

والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.

وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.

قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.

قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.

وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.

ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.

قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.

وقيل: الوسوسة.

وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.

أقول: والحاصل أنه  أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.

ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.

وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.

ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت  ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .

التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه  لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.

ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.

﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ ﴾ .

قال بعضهم: هو هجاء أسماء الرب جل وعلا؛ وهو قول ابن عباس،  ما.

وقال بعضهم: فواتح السور كلها، وكذلك قال في سائر الحروف المقطعة.

وقال بعضهم: أصله ﴿ حـمۤ ﴾ أي: قضى، كقول الشاعر: ألست ترى أن الذي حم كائن *** أي: الذي قضى كائن، إلا أنه ذكره بالهجاء كمن ذكر زيدا بالهجاء.

وقد قلنا نحن: إن تفسير الحروف المقطعة ما ذكر على أثرها، وقد ذكرنا أقاويل الناس واختلافهم فيها في غير موضع ما أغنانا عن ذكرها في هذا الموضع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ في سورة الزمر، غير أنه ذكر العزيز الحكيم وهاهنا ذكر العزيز العليم وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ ، يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ أي: متجاوز الذنب، وهو في حق المؤمنين خاصة.

والثاني: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ ﴾ أي: ساتر الذنب، وهو يحتمل للكافر والمؤمن جميعاً؛ فإنه يستر كثيراً على المؤمن والكافر جميعاً الذنب في الدنيا، ولم يفضحهما، ويتجاوز عن المؤمن خاصة في الآخرة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ ﴾ .

يخبر أنه يقبل التوبة وإن عظمت المعصية، وجلت الذنوب وكثرت، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: التوب: جماعة التوبة.

وقوله: ﴿ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

أي: لمن لم يتب.

وقوله: ﴿ ذِي ٱلطَّوْلِ ﴾ .

قال أبو عوسجة: أي: ذي القدرة.

وقال القتبي: ذي التفضل، يقال: طُلْ عليَّ برحمتك، أي: تفضل.

وقيل: ذي السعة والغناء.

وقيل: ذي النعم؛ وكله قريب بعضه من بعض.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وحَّد نفسه، وأخبر أن مصير الخلق إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

أي: يجادل في دفع آيات الله والطعن في آيات الله الذين كفروا بالله أو كفروا بآيات الله، وكانت مجادلتهم ما ذكر حيث قال: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ أي: يبطلوا به الحق، أهل الكفر هم الذين كانوا يجادلون في دفع آيات الله والطعن فيها، فأما أهل الإيمان بها كانوا يفرحون بنزولها ويزدادون بذلك إيماناً؛ كما قال  : ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات، كانوا يستسلمون لها ويقبلونها، ويستقبلون لها بالتعظيم والتبجيل، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ .

معلوم أن رسول الله  لا يغره تقلبهم في البلاد، لكنه ذكر الخطاب له، وأراد به غيره؛ لما يحتمل أن يظن قوم أن أهل الكفر لما كانوا فيه من التقلب في البلاد والسعة في عيشهم وأن أهل الإيمان في ضيق وشدة وخوف - أن أولئك على الحق وهؤلاء على الباطل، فجائز أن يظن ظان ما ذكرنا، فأخبر الله - عز وجل - أن الأمن والسعة، ليس بدليل على كون صاحبه على الحق، ولا الضيق والشدة بدليل على كون صاحبه على الباطل، ولكن محنة: امتحنهم مرة بالسعة والأمن، ومرة بالضيق والخوف؛ دليل ذلك: وجود الحالين جميعاً في كل فريق مع اختلاف مذاهبهم، وتضاد أقاويلهم.

ويحتمل أن يكون المراد منه أهل مكة، أي: لا يغررهم تقلبهم في البلاد وأمنهم وسعتهم بعد ما نزل بأهل الآفاق والنواحي أنهم على الحق، وأن ذلك إنما يدفع عنهم لمكانهم، وإنما يدفع ذلك عنهم، ويكونون على أمن؛ لمكان كونهم بقرب من البيت؛ لحرمته وشرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

ذكر هذا لتصبير رسوله على تكذيب قومه إياه بالباطل؛ يقول: لست أنت بأول من كذبه قومه، ولا بأول من جادله قومه بباطل، لم يزل الأمم المتقدمة يكذبون رسلهم، ويجادلونهم بالباطل؛ فصبروا على ذلك؛ فاصبر أنت على تكذيب قومك، ومجادلتهم إياك بالباطل كما صبر أولئك كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ همت كل أمة برسولهم ما ذكر، لكن الله  بفضله عصم رسله عما همَّ أولئك الكفرة بهم من القتل والمجادلة بالباطل، وفي ذلك آية من آيات الرسالة لهم حيث حفظهم عما هموا بهم وكادوا بلا أعوان وأنصار كانوا للرسل مع كثرة أولئك الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ .

أي: كيف وجدوا عقابى، أليس وجدوه حقا على ما وعد الرسل - عليهم السلام - أنه نازل؟!

بهم أو يقول: أليس وجدوه أليماً شديداً؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ ما ذكر في قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية [الأحزاب: 38].

وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ ما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ فذلك الذي حق عليهم من كلمة ربك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

غافر ذنوب المذنبين، قابل توبة من تاب إليه من عباده، شديد العقاب لمن لم يتب من ذنوبه، ذي الإحسان والتفضل، لا معبود بحق غيره، إليه وحده مرجع العباد يوم القيامة، فيجازيهم بما يستحقون.

<div class="verse-tafsir" id="91.opXdq"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل