الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٥١ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قد أورد أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله تعالى ، عند قوله تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ) سؤالا فقال : قد علم أن بعض الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء ، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم ، وإما إلى السماء كعيسى ، فأين النصرة في الدنيا ؟
ثم أجاب عن ذلك بجوابين .
أحدهما : أن يكون الخبر خرج عاما ، والمراد به البعض ، قال : وهذا سائغ في اللغة .
الثاني : أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم ، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم ، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء ، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم ، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وأما الذين راموا صلب المسيح ، عليه السلام ، من اليهود ، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم ، وأظهرهم الله عليهم .
ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا ، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ، ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام .
وهذه نصرة عظيمة ، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه : أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ، ويقر أعينهم ممن آذاهم ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب " وفي الحديث الآخر : " إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب " ; ولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود ، وأصحاب الرس ، وقوم لوط ، وأهل مدين ، وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق .
وأنجى الله من بينهم المؤمنين ، فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين ، فلم يفلت منهم أحدا .
قال السدي : لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه ، أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون ، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم ، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا .
قال : فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا ، وهم منصورون فيها .
وهكذا نصر الله [ سبحانه ] نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على من خالفه وناوأه ، وكذبه وعاداه ، فجعل كلمته هي العليا ، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان .
وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية ، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا ، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر ، فنصره عليهم وخذلهم له ، وقتل صناديدهم ، وأسر سراتهم ، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد ، ثم من عليهم بأخذه الفداء منهم ، ثم بعد مدة قريبة فتح [ عليه ] مكة ، فقرت عينه ببلده ، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم ، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر ، وفتح له اليمن ، ودانت له جزيرة العرب بكمالها ، ودخل الناس في دين الله أفواجا .
ثم قبضه الله ، تعالى ، إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة ، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده ، فبلغوا عنه دين الله ، ودعوا عباد الله إلى الله .
وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب ، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها .
ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة ; ولهذا قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) أي : يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل .
قال مجاهد : الأشهاد : الملائكة .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51) يقول القائل: وما معنى: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه, ومثَّلوا به, كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما.
ومنهم من همّ بقتله قومه, فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه, كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه, وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله, فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله, و المؤمنين به في الحياة الدنيا, وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت, وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟
قيل: إن لقوله: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وجهين كلاهما صحيح معناه.
أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذّبنا وإظفارنا بهم, حتى يقهروهم غلبة, ويذلوهم بالظفر ذلة, كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان, فأعطاهما من المُلْك والسلطان ما قهرا به كل كافر, وكالذي فعل بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإظهاره على من كذّبه من قومه, وإما بانتقامنا ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم, كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه, من تغريق قومه وإنجائه منهم, وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه, إذ أهلكهم غرقا, ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك, أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم, كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه, بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته, وكفعلنا بقتلة يحيى, من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم, فهذا أحد وجهيه.
وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن الفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ قول الله: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون, وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم.
والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين, والمراد واحد, فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والذين آمنوا به في الحياة الدنيا, ويوم يقوم الأشهاد, كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع, والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه.
قوله تعالى : إنا لننصر رسلنا ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال : " رسلنا " والمراد موسى عليه السلام .
والذين آمنوا في الحياة الدنيا في موضع نصب عطف على الرسل ، والمراد المؤمن الذي وعظ .
وقيل : هو عام في الرسل والمؤمنين ، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية .
وقيل : بالانتقام من أعدائهم .
قال السدي : ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله - عز وجل - من ينتقم لهم ، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا .قوله تعالى : ويوم يقوم الأشهاد يعني يوم القيامة .
قال زيد بن أسلم : الأشهاد أربعة : الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد .
وقال مجاهد والسدي : الأشهاد الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب .
وقال قتادة : الملائكة والأنبياء .
ثم قيل : الأشهاد جمع شهيد مثل شريف وأشراف .
وقال الزجاج : الأشهاد جمع شاهد مثل [ ص: 289 ] صاحب وأصحاب .
النحاس : ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ، ولكن ما جاء منه مسموعا أدي كما سمع ، وكان على حذف الزائد .
وأجاز الأخفش والفراء : " ويوم تقوم الأشهاد " بالتاء على تأنيث الجماعة .
وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله - عز وجل - أن يرد عنه نار جهنم ثم تلا : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا .
وعنه - عليه السلام - أنه قال : من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله - عز وجل - يوم القيامة ملكا يحميه من النار ، ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله - عز وجل - على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال .
لما ذكر عقوبة آل فرعون في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وذكر حالة أهل النار الفظيعة، الذين نابذوا رسله وحاربوهم، قال: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: بالحجة والبرهان والنصر، في الآخرة بالحكم لهم ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم بشدة العقاب.
قوله عز وجل ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ) قال ابن عباس : بالغلبة والقهر .
وقال الضحاك : بالحجة ، وفي الآخرة بالعذر .
وقيل : بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة ، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين ، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم ، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك أعدائهم ، ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم ، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل ، قتل به سبعون ألفا ، فهم منصورون بأحد هذه الوجوه ، ( ويوم يقوم الأشهاد ) يعني : يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب .
«إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» جمع شاهد، وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب.
إنَّا لننصر رسلنا ومَن تبعهم من المؤمنين، ونؤيدهم على مَن آذاهم في حياتهم الدنيا، ويوم القيامة، يوم تشهد فيه الملائكة والأنبياء والمؤمنون على الأمم التي كذَّبت رسلها، فتشهد بأن الرسل قد بلَّغوا رسالات ربهم، وأن الأمم كذَّبتهم.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) .والإشهاد : جمع شاهد ، وعلى رأسهم الأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم دعوة الله ، والملائكة الذين يشهدون للرسل بالتبليغ ، وللمؤمنين بالإِيمان وللكافرين بالكفر ، وكل من يقوم يوم القيامة للشهادة على غيره يكون من الأشهاد .أى : لقد اقتضت سنتنا التى لا تتخلف أن ننصر رسلنا والمؤمنين فى الدنيا بالحجة الدامغة التى تزهق باطل أعدائهم ، وبالتغلب عليهم ، وبالانتقام منهم .وإن ننصرهم فى الآخرة كذلك بأن نجعل لهم الجنة ، والنار لأعدائهم .قال صاحب الكشاف : قوله : ( فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ) أى : فى الدنيا والآخرة ، يعنى أنه ينصرهم فى الدارين جميعا بالحجة والظفر على أعدائهم ، وإن غلبوا فى الدنيا فى بعض الأحايين امتحانا من الله ، فالعاقبة لهم ، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين .وما ذكره صاحب الكشاف فإننا نراه واقعا فى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفى سيرة أتباعه فلقد هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة وليس معه سوى أبى بكر الصديق ، وعاد إليها بعد ثمانى سنوات فاتحا غازيا ظافرا ، ومن حوله الآلاف من أصحابه .والمؤمنون قد يُغْلَبون - أحيانا - ويُعْتَدى عليهم .
.
ولكن العاقبة لابد أن تكون لهم .
متى داوموا على التمسك بما يقتضيه إيمانهم من الثبات على الحق ، ومن العمل الصالح .
.وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة ، بيوم يقوم الأشهاد ، للإِشعار بأن نصر الرسل والمؤمنين فى هذا اليوم سيكون نصرا مشهودا معلوما من الأولين والآخرين ، لا ينكره منكر .
ولا ينازع فيه منازع .
اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى صلوات الله عليه وذلك المؤمن من مكر فرعون بين في هذه الآية أنه ينصر رسله والذين آمنوا معه والثاني: لما بين من قبل ما يقع بين أهل النار من التخاصم وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات ﴾ أتبع ذلك بذكر الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة والثالث: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد ﴾ وامتد الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً كانوا مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتصبيراً له على تحمل أذى قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ ﴾ الآية، أما في الدنيا فهو المراد بقوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ ، وأما في الآخرة فهو المراد بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ فحاصل الكلام أنه تعالى وعد بأنه ينصر الأنبياء والرسل، وينصر الذين ينصرونهم نصرة يظهر أثرها في الدنيا وفي الآخرة.
واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه: أحدها: النصرة بالحجة، وقد سمى الله الحجة سلطاناً في غير موضع، وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع، ونعم ما سمى الله هذه النصرة سلطاناً لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها.
وثانيها: أنهم منصورون بالمدح والتعظيم، فإن الظلمة وإن قهروا شخصاً من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحه عن ألسنة الناس.
وثالثها: أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم مملوءة من أنوار الحجة وقوة اليقين، فإنهم إنما ينظرون إلى الظلمة والجهال كما تنظر ملائكة السموات إلى أخس الأشياء.
ورابعها: أن المبطلين وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين، ففي الغالب أن ذلك لا يدوم بل يكشف للناس أن ذلك كان أمراً وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق.
وخامسها: أن المحق إن اتفق له أن وقع في نوع من أنواع المحذور فذلك يكون سبباً لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته.
وسادسها: أن الظلمة والمبطلين كما يموتون تموت آثارهم ولا يبقى لهم في الدنيا أثر ولا خبر.
وأما المحقون فإن آثارهم باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون في أعمال البر والخير ولمحنهم يتركون فهذا كله أنواع نصرة الله للمحقين في الدينا.
وسابعها: أنه تعالى قد ينتقم للأنبياء والأولياء بعد موتهم، كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل به سبعون ألفاً، وأما نصرته تعالى إياهم في الآخرة فذلك بإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله، كما قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ .
واعلم أن في قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ دقيقة معتبرة وهي أن السلطان العظيم إذا خص بعض خواصه بالإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب كان ذلك ألذ وأبهج فقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا إلى وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ المقصود منه هذه الدقيقة، واختلفوا في المراد بالأشهاد، والظاهر أن المراد كل من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا، وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ وقال تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ قال المبرد يجوز أن يكون واحد الأشهاد شاهداً كأطيار وطائر وأصحاب وصاحب، ويجوز أن يكون واحد الأشهاد شهيداً كأشراف وشريف وأيتام ويتيم.
ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سُوء الدار ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء لتأنيث المعذرة والباقون بالياء كأنه أريد الاعتذار.
واعلم أن المقصود أيضاً من هذا شرح تعظيم ثواب أهل الثواب، وذلك لأنه تعالى بيّن أنه ينصرهم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، فحالهم في علو الدرجات في ذلك اليوم ما ذكرناه وأما حال أعدائهم فهو أنه حصلت لهم أمور ثلاثة أحدها: أنه لا ينفعهم شيء من المعاذير ألبتة.
وثانيها: أن ﴿ لَهُمُ اللعنة ﴾ وهذا يفيد الحصر يعني اللعنة مقصورة عليهم وهي الإهانة والإذلال.
وثالثها: سوء الدار وهو العقاب الشديد فهذا اليوم إذا كان الأعداء واقعين في هذه المراتب الثلاثة من الوحشة والبلية، ثم إنه خص الأنبياء والأولياء بأنواع التشريفات الواقعة في الجمع الأعظم فهنا يظهر أن سرور المؤمن كم يكون، وأن غموم الكافرين إلى أين تبلغ.
فإن قيل قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ قلنا قوله: ﴿ لاَّ تَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار، بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع، وهذا القدر لا يدل على أنهم ذكروه أم لا.
وأيضاً فيقال يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر، ولما بين الله تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى ﴾ ويجوز أن يكون المراد من الهدى ما آتاه الله من العلوم الكثيرة النافعة في الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون المراد تلك الدلائل القاهرة التي أوردها على فرعون وأتباعه وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد هو النبوّة التي هي أعظم المناصب الإنسانية، ويجوز أن يكون المراد إنزال التوراة عليه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب هُدًى وذكرى لأُوْلِى الألباب ﴾ يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى لما أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العلم فيهم وتوارثوه خلفاً عن سلف، ويجوز أن يكون المراد سائر الكتب التي أنزلها الله عليهم وهي كتب أنبياء بني إسرائيل التوراة والزبور والإنجيل، والفرق بين الهدى والذكرى وأن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار منسياً، وأما الذكرى فهي الذي يكون كذلك فكتب أنبياء الله مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة.
ولما بيّن أن الله تعالى ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى وخاطب بعد ذلك محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ فالله ناصرك كما نصرهم ومنجز وعده في حقك كما كان كذلك في حقهم، ثم أمره بأن يقبل على طاعة الله النافعة في الدنيا والآخرة فإن من كان لله كان الله له.
واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية فوجب أن يكون مقدماً عليه في الذكر، أما التوبة عما لا ينبغي فهو قوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ والطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون به ونحن نحمله على التوبة عن ترك الأولى والأفضل، أو على ما كان قد صدر عنهم قبل النبوة، وقيل أيضاً المقصود منه محض التعبد كما في قوله: ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ فإن إيتاء ذلك الشيء واجب ثم إنه أمرنا بطلبه، وكقوله: ﴿ رَبّ احكم بالحق ﴾ من أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق، وقيل إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول فقوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ من باب إضافة المصدر إلى المفعول أي واستغفر لذنب أمتك في حقك، وأما الاشتغال بما ينبغي فهو قوله: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار ﴾ والتسبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، والعشي والإبكار، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر، وقيل الإبكار، عبارة عن أول النهار إلى النصف، والعشي عبارة عن النصف إلى آخر النهار، فيدخل فيه كل الأوقات، وقيل المراد طرفا النهار، كما قال: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار ﴾ وبالجملة فالمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وأن لا يفتر اللسان عنه، وأن لا يغفل القلب عنه، حتى يصير الإنسان بهذا السبب داخلاً في زمرة الملائكة، كما قال في وصفهم ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِى الحياوة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، يعني: أنه يغلبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله، فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين.
والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد: الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] .
واليوم الثاني بدل من الأوّل، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ [المرسلات: 36] ، ﴿ وَلَهُمُ اللعنة ﴾ البعد من رحمة الله ﴿ وَلَهُمْ سُوء الدار ﴾ أي: سوء دار الآخرة وهو عذابها.
وقرئ: ﴿ تقوم ﴾ ، و ﴿ لا تنفع ﴾ بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ أيْ في الدّارَيْنِ ولا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ بِما كانَ لِأعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ مِنَ الغَلَبَةِ أحْيانًا إذِ العِبْرَةُ بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ، والأشْهادُ جَمْعُ شاهِدٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، والمُرادُ بِهِمْ مَن يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ الشَّهادَةَ عَلى النّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وعَدَمُ نَفْعِ المَعْذِرَةِ لِأنَّها باطِلَةٌ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم فَيَعْتَذِرُوا.
وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٌ بِالتّاءِ.
﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ البُعْدُ عَنِ الرَّحْمَةِ.
﴿ وَلَهم سُوءُ الدّارِ ﴾ جَهَنَّمُ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)
{إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فِى الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد} أي في الدنيا والآخرة يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على
مخالفيهم ولو بعد حين ويوم نصب محمول على موضع الجار والمجرور كما تقول جئتك في أمس واليوم والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب يريد الأنبياء والحفظة فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال تَقُومُ بالتاء الرازي عن هشام
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ..
إلَخْ.
كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ هو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنَّنا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لِلْكَفَرَةِ مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وشَهادَةِ الإشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ، فالأشْهادُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ كَأشْرافٍ جَمْعِ شَرِيفٍ، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا قَدْ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وبَعْضُ مَن لَمْ يُجَوِّزْ يَقُولُ: هو جَمْعُ شَهْدٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِشاهِدٍ كَما قالُوا في صَحْبٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِصاحِبٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( اَلْأشْهادُ ) بِالجَوارِحِ ولَيْسَ بِذاكَ، وهو عَلَيْهِما مِنَ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: هو مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى الحُضُورِ.
وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ النُّصْرَةَ في الآخِرَةِ لا تَتَخَلَّفُ أصْلًا بِخِلافِها في الدُّنْيا فَإنَّ الحَرْبَ فِيها سِجالٌ وإنْ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولِذا دَخَلَتْ ( في ) عَلى ( اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) دُونَ قَرِينِهِ لِأنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ بِفي لا يَسْتَوْعِبُ كالمَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ.
انْتَهى.
وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وإسْماعِيلُ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَقُومُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى جَماعَةِ الأشْهادِ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي: يتخاصمون في النار الضعفاء، والرؤساء، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: لرؤسائهم إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا أي: حاملون عنا، نَصِيباً مِنَ النَّارِ يعني: بعض الذي علينا من العذاب، باتباعنا إياكم، كما كنا ندفع عنكم المؤونة في دار الدنيا.
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: الرؤساء يقولون للضعفاء: إِنَّا كُلٌّ فِيها يعني: نعذب نحن، وأنتم على قدر حصصكم في الذنوب، فلا يغني واحد واحداً، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي: قضى بين العباد، بين التابع والمتبوع.
ويقال: حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ يعني: أنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم.
وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ إذا اشتد عليهم العذاب ادْعُوا رَبَّكُمْ يعني: سلوا ربكم.
يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ يعني: يوماً من أيام الدنيا، حتى نستريح، فترد الخزنة عليهم فتقول: قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل أن عذاب جهنم إلى الأبد.
ويقال: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: ألم تخبركم الرسل بالدلائل، والحجج، والبراهين، فكذبتموهم.
قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا يعني: تقول لهم الخزنة، فادعوا ما شئتم، فإنه لا يستجاب لكم.
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في خطأ بيّن.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا بالغلبة، والحجة، وَالَّذِينَ آمَنُوا بهم يعني: الذين صدقوهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: بالحجة، والغلبة على جميع الخلق.
يعني: على جميع أهل الأديان وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال مقاتل: يعني: الحفظة من الملائكة، يشهدون عند رب العالمين للرسل بالبلاغ، وعلى الكافرين بتكذيبهم.
وقال الكلبي: يعني: يوم القيامة يقوم الرسل عند رب العالمين، يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ يعني: لا ينفع الكافرون اعتذارهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو يَوْمٌ لاَّ تَنفَعُ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن المعذرة مؤنثة.
والباقون: بالياء.
وانصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفع لهم اعتذارهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: السخطة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: عذاب جهنم.
<div class="verse-tafsir"
وقال كَعْبُ الأَحْبَارِ «١» : الربوة بيت المَقْدِسِ، وزعم أَنَّ في التوراة أَنَّ بيتَ المقدس أَقْرَبُ الأرض إلى السماء وأَنَّهُ يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلاً.
قال ع «٢» : ويترجَّحُ: أَنَّ الربوة في بَيْتِ لَحْمٍ من بيت المقدس لأَنَّ ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذٍ كان الإيواءُ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما تُفسِّرُ لغةً ومنها: ما تُفَسَّرُ نقلاً، فيفتقر إلى صحة سندهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، إلّا أنّ هاهنا نُكْتَةً، وذلك أَنَّه إذا نُقِلَ لِلنَّاسِ نَقْلَ تواتر أَنَّ هذا موضِعُ كذا، وأَنَّ هذا الأَمرَ جرى كذا- وقع العلم به، ولَزِمَ قبولهُ، لأَنَّ الخبر المتواتر ليس من شرطه الإِيمانُ، وخبرَ الآحاد لا بدَّ من كون المُخْبِرِ به بصفة الإيمان لأَنَّهُ بمنزلة الشاهد، والخَبَرَ المتواتر بمنزلة العيانِ، وقد بَيَّنَا ذلك في «أصول الفقه «٣» » ، والذي شاهدتُ عليه الناسَ ورأيتهم يعينونه تعيينَ تواترٍ- مَوْضِعٌ في سفح الجبل في غربيِّ دمشق، انتهى، وما ذكره:
من أَنَّ التواتُرَ ليس من شرطه الإيمانُ هذا هو الصحيح، وفيه خلاف إلاَّ أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذا متواتر لاختلال شرطه، انظر «المنتهى» لابن الحاجب.
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥)
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يحتمل أنْ يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسلُ، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ للنّبي صلى الله عليه وسلّم.
قال ع «١» : والوجه في هذا أَنْ يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم، وخرج بهذه الصيغة، لِيُفْهَمَ وجيزاً أَنَّ المقالة قد خُوطِبَ بها كُلُّ نبيٍّ، أو هي طريقتُهم التي ينبغي لهم الكونُ عليها كما تقول لعالم: يا علماءٌ إنَّكُم أَئمَّةٌ يُقْتَدَى بكم فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبريُّ «٢» : الخطاب لعيسَى- عليه السلام-.
قلت: والصحيح في تأويل الآية: أَنَّه أمر للمُرْسَلِينَ كما هو نَصٌّ صريح في الحديث الصحيح فلا معنى للتردد في ذلك، وقد روى مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللهَ طَيِّب وَلاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، وَإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ ٣١ ب عَلِيمٌ/ [المؤمنون: الآية ٥١] .
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] .
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ [حرامٌ] «٣» وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» «٤» اهـ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وهذه الآية تُقَوَّى أَنَّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ إنَّما هو مخاطبة لجميعهم، وأَنَّه بتقدير حضورهم، وإذا قدّرت: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلّم- قلق اتصال هذه واتصال قوله: فَتَقَطَّعُوا، ومعنى الأُمَّةِ هنا: المِلّةُ والشريعة، والإِشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإسلام.
وقوله سبحانه: فَتَقَطَّعُوا يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل مُطَاوِعٍ كما تقول: تقطع الثوبُ بل هو فعل مُتَعَدٍّ بمعنى قطعوا، وقرأ نافع «١» : «زُبُراً» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين:
أحدهما: أَنَّ الأممَ تنازعت كتباً مُنَزَّلَةً فَاتَّبَعَتْ فرقة الصُّحُفَ، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجِيلَ، ثم حَرَّفَ الكُلُّ وَبَدَّلَ، وهذا قول قتادة «٢» - والثاني: أنَّهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالةً ألَّفُوها قاله ابن زيد «٣» ، وقرأ أبو عمرو «٤» بخلاف: «زُبَراً» بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقاً كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكرُ الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش- خاطب الله سبحانه نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلّم في شأنهم مُتَّصلاً بقوله: فَذَرْهُمْ أي: فذِرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَنْ تقدم، والغمرة: ما عَمَّهُمْ من ضلالهم وفُعِلَ بهم فعلَ الماء الغمر بما حصل فيه، والخيراتُ هنا نَعِمُ الدنيا.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ...
الآية: أسند الطبريُّ «٥» عن عائشة أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، قوله تعالى: يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أَهي في الذي يَزْنِي وَيَسْرِقُ؟
قال: «لا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هِيَ في الرَّجُلِ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وقلبه وجل، يخاف ألّا يتقبّل منه» «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ إذْ يَخْتَصِمُونَ، يَعْنِي أهْلَ النّارِ، والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [سُورَةِ] [إبْراهِيمَ: ٢١]، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ القادَةُ.
ومَعْنى ﴿ إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ أيْ: قَضى هَذا عَلَيْنا وعَلَيْكم.
ومَعْنى قَوْلِ الخَزَنَةِ لَهُمْ: ﴿ فادْعُوا ﴾ أيْ: نَحْنُ لا نَدْعُو لَكم ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ ولا يَنْفَعُ.
﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ بِإثْباتِ حُجَجِهِمْ.
والثّانِي: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ: والثّالِثُ: بِأنَّ العاقِبَةَ تَكُونُ لَهم.
وفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ لابُدَّ مِنهُ، فَتارَةً يَكُونُ بِإعْلاءِ أمْرِهِمْ كَما أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ المُلْكِ ما قَهَرا بِهِ كُلَّ كافِرٍ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا عَلى مُكَذِّبِيهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بِإنْجاءِ الرُّسُلِ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، كَما فَعَلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ومُوسى وقَوْمِهِ، وتارَةً يَكُونُ بِالِانْتِقامِ مِن مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وفاةِ الرُّسُلِ، كَتَسْلِيطِهِ بُخْتُنَصَّرَ عَلى قَتَلَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا.
وأمّا نَصْرُهم يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، وواحِدُ الأشْهادِ شاهِدٌ، كَما أنَّ واحِدَ الأصْحابِ صاحِبٌ.
وفي الأشْهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْفَعُ" بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ؛ لِأنَّ المَعْذِرَةَ والِاعْتِذارَ بِمَعْنًى ﴿ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَقْبَلُ مِنهم إنِ اعْتَذَرُوا ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ: البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.
وقَدْ بَيَّنّا في [الرَّعْدِ: ٢٥] أنَّ "لَهُمْ" بِمَعْنى "عَلَيْهِمْ"، و ﴿ سُوءُ الدّارِ ﴾ : النّارُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهُمُ سُوءُ الدارِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأورَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ ﴿ هُدًى وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنَّ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والمُؤْمِنِينَ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وهَذا خاصٌّ فِيمَن أظْهَرَهُ اللهُ عَلى أُمَّتِهِ كَنُوحٍ وَمُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، ولَيْسَ بِعامٍّ، لِأنّا نَجَدُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَن قَتَلَهُ قَوْمُهُ كَيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ ولَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: الخَبَرُ عامٌّ عَلى وجْهِهِ، وذَلِكَ أنَّ نُصْرَةَ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ واقِعَةٌ ولا بُدَّ، إمّا في حَياةِ الرَسُولِ المَنصُورِ كَنُوحٍ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وإمّا فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمانِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ألّا تَرى إلى ما صَنَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَسْلِيطِ بُخْتَنَصَّرَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَصَرَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ؟
ونَصْرُ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في نَصْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وأيْضًا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الفُضَلاءِ وُدًّا، ووَهَبَهم نَصْرًا إذا ظُلِمُوا، وحَضَّتِ الشَرِيعَةُ عَلى نَصْرِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "مَن رَدَّ عن أخِيهِ المُسْلِمِ في عَرْضِهِ، كانَ حَقًّا عَلى اللهِ أنْ يَرُدَّ عنهُ نارَ جَهَنَّمَ"،» وقَوْلُهُ : « "مَن حَمى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ يَغْتابُهُ، بَعَثَ اللهُ مَلَكًا يَحْمِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ ، يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ -: [تَقُومُ] بِالتاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: [يَقُومُ] بِالياءِ، و[الأشْهادُ]: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَهادَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: أشْهادٌ جَمْعُ شاهِدٍ كَصاحِبٍ وأصْحابُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشْهادٌ جُمَعُ شَهْدٍ، وشَهْدٌ جَمْعُ شاهِدٍ كَصاحِبٍ وصَحِبٍ وتاجَرٍ وتَجْرٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أشْهادٌ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ.
و ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وقَتادَةُ، وعِيسى، وأهْلُ مَكَّةَ: "لا تَنْفَعُ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ الباقُونَ: "لا يَنْفَعُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، وأبِي رَجاءٍ، وهَذا لِأنَّ تَأْنِيثَ المَعْذِرَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ الحائِلَ قَدْ وقَعَ، و"المَعْذِرَةُ" مَصْدَرٌ كالعُذْرِ.
و[اللَعْنَةُ]: الإبْعادُ، و ﴿ سُوءُ الدارِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُوءُ عاقِبَةِ الدارِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وما آتاهُ اللهُ تَعالى مِنَ النُبُوَّةِ تَأْنِيسًا لِمُحَمَّدٍ ، وضَرَبَ أُسْوَةً، وتَذْكِيرًا لِما كانَتِ العَرَبُ تُعْرِفُهُ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِبِدَعٍ مِنَ الرُسُلِ.
و"الهُدى": النُبُوَّةُ والحِكْمَةُ، والتَوْراةُ تَعُمُّ جَمِيعَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأورَثْنا" ﴾ عِبارَةٌ عن أنَّ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ تَصِيرُ فِيهِمُ التَوْراةُ إمامًا، فَكانَ بَعْضُهم يَرِثُها عن بَعْضٍ، وتَجِيءُ التَوْراةُ في حَقِّ الصَدْرِ الأوَّلِ مِنهم عَلى تَجَوُّزٍ.
و"الكِتابَ": التَوْراةُ.
ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَبْرِ وانْتِظارِ إنْجازِ الوَعْدِ، أيْ: فَسَتَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكَ كَعاقِبَةِ أمْرِهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَسَخَتْ آيَةُ القِتالِ الصَبْرَ حَيْثُ وقَعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ إعْلامِ اللهِ إيّاهُ أنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّ آيَةَ هَذِهِ السُورَةِ مَكِّيَّةٌ وآيَةَ سُورَةِ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ مُتَأخِّرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُطّابُ في هَذِهِ الآيَةِ لَهُ والمُرادُ أمَّتُهُ، أيْ أنَّهُ إذا أُمِرَ هو بِهَذا فَغَيْرُهُ أحْرى بِامْتِثالِهِ.
و"الإبْكارُ" والبُكُورُ بِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الإبْكارِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثانِي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَمْسِ إلى ارْتِفاعِ الضُحى، وقالَ الحَسَنُ: "بِالعَشِيِّ" يُرِيدُ صَلاةَ العَصْرِ، [والإبْكارِ] يُرِيدُ بِهِ صَلاةَ الصُبْحِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ طَمْسَها والرَدِّ في وجْهِها، أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، بَلْ في صُدُورِهِمْ وضَمائِرِهِمْ كِبْرٌ وأنَفَةٌ عَلَيْكَ حَسَدًا مِنهم عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاكَ اللهُ تَعالى، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ آمالَهم بِحَسْبِ ذَلِكَ الكِبَرِ فَقالَ: ﴿ ما هم بِبالِغِيهِ ﴾ ، وهُنا حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: بِبالِغَيْ إرادَتِهِمْ فِيهِ، وهَذا النَفْيُ الَّذِي تَضْمَّنَ أنَّهم لا يَبْلُغُونَ أمَلًا تَأْنِيسٌ لِمُحَمَّدٍ .
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللهِ في كُلِّ أمْرِهِ مِن كُلِّ مُسْتَعاذٍ مِنهُ لِأنَّ اللهَ يَسْمَعُ أقْوالَهُ وأقْوالَ مُخالِفِيهِ، وهو بَصِيرٌ بِمَقاصِدِهِمْ ونِيّاتِهِمْ ويُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَوْجِبُهُ، والمَقْصِدُ بِأنْ يُسْتَعاذَ مِنهُ عِنْدَ قَوْمِ الكِبَرِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ لَهم كِبَرٌ لا يَبْلُغُونَ مِنهُ أمَلًا، فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِن حالِهِمْ في ذَلِكَ.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةَ هي مِنَ الدَجّالِ وفِتْنَتِهِ، والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مُسْتَعاذٍ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
كلام مستأنف وهو استخلاص للعبرة من القصص الماضية مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ووعده بحسن العاقبة، وتسلية المؤمنين ووعدهم بالنصر وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
وذلك أن الكلام من ابتداء السورة كان بذكر مجادلة المشركين في القرآن بقوله تعالى: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4] وأومأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن شِيَعهم آيلة إلى خسار بقوله: ﴿ فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ [غافر: 4]، وامتد الكلام في الرد على المجادلين وتمثيل حالهم بحال أمثالهم من الأمم التي آل أمرها إلى خيبة واضمحلال في الدنيا وإلى عذاب دائم في الآخرة ولما استوفى الغرضُ مقتضاه من اطناب البيان بَيّن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عَقِبَه أنه ينصر رسله وَالذين آمنوا في الدنيا كما دل عليه قوله في آخر الكلام ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ﴾ [غافر: 77].
وقد عُلم من فعل النصر أن هنالك فريقاً منصوراً عليهم الرسلُ والمؤمنون في الدنيا والآخرة، ومن المتعين أنهم الفريقُ المعاند للرسل وللمُؤمنين، فنصر الرسل والمؤمنين عليهم في الدنيا بإظهارهم عليهم وإبادتهم، وفي الآخرة بنعيم الجنة لهم وعذاب النار لأعدائهم.
والتعبير بالمضارع في قوله: لننصر } لما فيه من استحضار حالات النصر العجيبة التي وُصفَ بعضها في هذه السورة ووصف بعضٌ آخر في سُور أخرى تقدم نزولها، وإلا فإن نصر الرسل الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم قد مضى ونصْرُ محمد صلى الله عليه وسلم مترقّب غير حاصل حين نزول الآية.
وتأكيد الخبر ب (إنَّ) وبجَعْل المسند فعلياً في قوله: ﴿ لننصر ﴾ مراعًى فيه حال المعرَّض بهم بأن الله ينصر رسله عليهم وهم المشركون لأنهم كانوا يكذبون بذلك.
وهذا وعْد للمؤمنين بأن الله ناصرهم على من ظلمهم في الحياة الدنيا بأن يوقع الظالم في سوء عاقبة أو بأن يسلط عليه من ينتقم منه بنحوٍ أو أشدَّ مما ظلَم به مؤمناً.
والأشهاد: جمع شَاهد.
والقيام: الوقوف في الموقف.
والأشهاد: الرسل، والملائكة الحفَظةُ والمؤمنون من هذه الأمة، كما أشار إليه قوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ [البقرة: 143]، وذلك اليوم هو يوم الحشر، وشهادة الرسل على الذين كفروا بهم من جملة نصرهم عليهم وكذلك شهادة المؤمنين.
و ﴿ يومَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُم ﴾ بدل من ﴿ يوم يقوم الأشهاد ﴾ وهو منصوب على البدلية من الظرف.
والمراد بالظالمين: المشركون.
والمعذرة اسم مَصْدر اعتَذر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ في سورة [الأعراف: 164].
وظاهرُ إضافة المعذرة إلى ضميرهم أنهم تصدر منهم يومئذٍ معذرة يعتذرون بها عن الأسباب التي أوجبت لهم العذاب مثل قولهم: ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا ﴾ [الأعراف: 38] وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 36] الذي هو في انتفاء الاعتذار من أصله لأن ذلك الاعتذار هو الاعتذار المأذون فيه، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فيومئذٍ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ﴾ في سورة [الروم: 57].
(وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ﴿ لا ينفع ﴾ بالياء التحتية لأن الفاعل وهو «معذرة» غير حقيقي التأنيث وللفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول.
وقرأ الباقون بالتاء الفوقية على اعتبار التأنيث اللفظي.
و ﴿ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ عطف على جملة ﴿ لا يَنفَعُ الظالمين معذِرَتُهُم ﴾ أي ويوم لهم اللعنة.
واللعنة: البعد والطرد، أي من رحمة الله، ﴿ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ هي جهنم.
وتقديم (لهم) في هاتين الجملتين للاهتمام بالانتقام منهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِإفْلاجِ حُجَّتِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ قالَ السُّدِّيُّ: ما قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أوْ قَوْمًا مِن دُعاةِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا بَعَثَ اللَّهُ مَن يَنْتَقِمُ لَهم فَصارُوا مَنصُورِينَ فِيها وإنْ قُتِلُوا.
﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ.
وَفي نَصْرِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِمْ وإجْزالِ ثَوابِهِمْ.
الثّانِي: إنَّهُ بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِمْ.
وَفي ﴿ الأشْهادُ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالإبْلاغِ، وعَلى الأُمَمِ بِالتَّكْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم أرْبَعَةٌ: المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ والمُؤْمِنُونَ والأجْسادُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ثُمَّ في ﴿ الأشْهادُ ﴾ أيْضًا وجْهانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ شَهِيدٍ مِثْلَ شَرِيفٍ، وأشْرافٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ شاهِدٍ مِثْلَ صاحِبٍ وأصْحابٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ في آيَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يُعَذِّبَ كُفّارَ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: هو ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُعْطِيَهُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ أيْ مِن ذَنْبٍ إنْ كانَ مِنكَ.
قالَ الفُضَيْلُ: تَفْسِيرُ الِاسْتِغْفارِ أقِلْنِي.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: وصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ.
﴿ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ والغَداةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ العَشِيَّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارَ أوَّلُ الفَجْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: هي صَلاةُ مَكَّةَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ رَكْعَتانِ غُدْوَةً ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ جاءَتْهم.
﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِبْرَ العَظَمَةُ الَّتِي في كُفّارِ قُرَيْشٍ، ما هم بِبالِغِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما يُسْتَكْبَرُ مِنَ الِاعْتِقادِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو ما أمَّلَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ في النَّبِيِّ وفي أصْحابِهِ أنْ يَهْلَكَ ويَهْلَكُوا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: هو أنَّ اليَهُودَ قالُوا إنَّ الدَّجّالَ مِنّا وعَظَّمُوا أمْرَهُ، واعْتَقَدُوا أنَّهم يَمْلِكُونَ، ويَنْتَقِمُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن كِبْرِهِمْ.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِما يَقُولُونَهُ ﴿ البَصِيرُ ﴾ بِما يُضْمِرُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه نار جهنم.
ثم تلا ﴿ إنا لننصر رسلنا..
﴾ الآية» .
وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا..
﴾ الآية.
قال: ذلك في الحجة.
يفتح الله حجتهم في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في هذه الآية قال: لم يبعث الله إليهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا وهم منصورون فيها.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم يقوم الأشهاد ﴾ قال: هم الملائكة.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان رضي الله عنه قال: سألت الأعمش عن قوله: ﴿ ويوم يقوم الأشهاد ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ الأشهاد ﴾ ملائكة الله، وأنبياؤه، والمؤمنون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: ﴿ الأشهاد ﴾ أربعة: الملائكة الذين يحصون أعمالنا.
وقرأ ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ [ ق: 21] .
والنبيون شهداء على أممهم.
وقرأ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ [ النساء: 41] .
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم.
وقرأ ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ [ الحج: 78] .
والأجساد والجلود.
وقرأ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ [ فصلت: 21] .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وسبح بحمد ربك بالعشي والإِبكار ﴾ قال: صل لربك ﴿ بالعشي والإِبكار ﴾ قال: الصلوات المكتوبات.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بالعشي والإِبكار ﴾ قال: صلاة الفجر والعصر.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ قيل: إن هذا خاص فيمن أظهره الله على الكفار، وليس بعام؛ لأن من الأنبياء من قتله قومه كزكريا ويحيى، والصحيح أنه عام، والجواب عما ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرسل، إنما كانا من الأنبياء الذي ليسوا بمرسلين، وإنما ضمن الله نصر الرسل خاصة، لا نصر الأنبياء كلهم ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ يعني يوم القيامة، والأشهاد جمع شاهد أو شهيد، ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور.
أو الشهادة على الناس أو الشهادة في سبيل الله، والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس لقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ [النساء: 41].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.
﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.
الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.
وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.
﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.
التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.
ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.
وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".
ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.
ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.
والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.
وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.
ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.
والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.
قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.
وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.
ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.
ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.
ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.
ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.
وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.
وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.
وفي الدعاء.
قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.
ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.
وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.
وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.
ثم إنه ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".
وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.
وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟
ففي تحريض على الدعاء.
وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".
قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.
قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.
قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.
قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.
وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.
وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.
وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.
ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.
وما أرسل به الرسل سائر الكتب.
وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.
بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.
والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.
ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.
والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.
وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.
ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.
ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.
ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.
وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.
وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.
وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.
﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.
ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.
قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.
لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.
وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.
وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.
ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.
ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.
ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.
عن علي .
بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.
ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.
وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.
ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.
أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.
وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.
وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.
وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .
ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.
وقد سبق.
وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.
وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.
قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.
وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى فقيل له: لو هاجرت إليه؟
فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.
ويروى أن جالينوس قال لعيسى : بعثت لغيرنا.
ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.
وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.
ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.
ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.
وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.
وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.
وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.
قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
يحتمل ما ذكر من النصر للرسل والمؤمنين وجوهاً: أحدها: أن ينصرهم في الدنيا بالحجج والآيات التي أعطاهم في الدين حتى يدفع بها تسويلات الشيطان وتمويهات السحرة وتغلبها وتعلو على كل هذا في الدنيا، وفي الآخرة أيضاً ينصرهم بما يشهد لهم عليهم الملائكة والجوارح بالتكذيب للرسل والمؤمنين، وأنهم دعوهم إلى التوحيد والإيمان، لكنهم كذبوهم وكفروا بما دعوهم إليه، فذلك نصره إياهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
والثاني: ينصرهم؛ لما يجعل لهم العواقب وآخر الأمر وإن كان في الابتداء قد يكون عليهم، وعلى ذلك لم يذكر عن أحد من الرسل إلا وقد كان عاقبة الأمر له؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ؛ فهذا النصر هو النصر في الأبدان والأول هو نصر في الدين، ولكن إن كان هو نصرا في الأبدان فهو نصر يرجع إلى الدين؛ لما يقوم الدين بسلامة الأبدان، ويتحقق به عز المسلمين، والله الموفق.
والثالث: ذكر نصرهم؛ لما أعطاهم من النعمة في الدنيا والسعة فيها، وهو يذكر للرسل والمؤمنين نصرا ونعمة ومعونة، أما هي للكفرة فتنة ومحنة لا غير لا تذكر باسم النصر والنعمة؛ إذ هي في حق المسلمين وسيلة إلى النعمة الأبدية، وفي حق الكفرة إلى العذاب الأبدي، فتكون نعمة في حقهم حقيقة؛ ولذلك قال : ﴿ الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 56\]، وقد أخبر أن ما أعطاهم من الأموال والسعة إنما هي فتنة ومحنة له، والله أعلم.
فإن قيل: ذكر أنه ينصرهم، وقد نرى مؤمناً قد ينقطع حججه ويعجز عن إقامتها ونراه مغلوباً، والكافر هو الغالب؟!
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: من جعل العاقبة له والغلبة والنصر في آخر الأمر.
والثاني: جائز أن يكون وعده النصر لهم والظفر بالحجة بالشريطة، وهي القيام بوفاء ما لله عليهم من الحق في ذلك، فالنصر والظفر بالحجة في المناظرة أن يكون يزجى عمره في معرفة الحجج والدلائل وأن يكون عارفاً بطرق النظر، ومتى كان هذا الشرط موجوداً يكون النصر له لا محالة، وشرط الظفر في المحاربة أن يكونوا قاصدين إعزاز دين الله ، دون ابتغاء الدنيا وكلمتهم واحدة ونحوها، ومتى كان المحاربة بشرائطها يكون الظفر لا محالة للمسلمين؛ وذلك كقوله : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ ﴾ .
قال بعضهم: الأشهاد: هم الملائكة يكتبون أعمال بني آدم، يشهدون عليهم بما عملوا من الأعمال.
وقال بعضهم: الأشهاد: هم الرسل يشهدون عند رب العالمين على الكفرة بالتكذيب والرد.
وقال بعضهم: يشهد عليهم الجوارح يومئذ بما كان منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ .
ذكر هاهنا: ﴿ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ ، وذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ وبينهما اختلاف من حيث الظاهر؛ لأن القول بأنه لا ينفع معذرتهم بعد وجودها منهم، وقد أخبر أنه لا يؤذن لهم بالاعتذار، لكنهم يعتذرون بلا إذن لهم، فلا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم ذلك؛ فيكون جمعا بينهما من هذا الوجه.
ويحتمل لا ينفع الظالمين معذرتهم لو كان منهم الاعتذار، ولا يقبل اعتذارهم، لكن لم يؤذنوا بالاعتذار حتى يعتذروا؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ ، أي: لو كان منهم فذلك لا يقبل، وكذا قوله : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لو كانت لهم شفعاء يشفعون لهم، لكان لا ينفعهم شفاعتهم لا أن كان شفعاء؛ فعلى ذلك قوله : ﴿ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ ، أي: لو كانوا يعتذرون لا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم معذرتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
يحتمل الهدى هاهنا وجوهاً: أحدها: أي: آتيناه التوراة وفيها البيان والدعاء إلى الرشد، وجميع كتب الله فيها هدى ونور ورحمة.
والثاني: أي: آتاه التوحيد والإسلام.
ويحتمل: آتاه النبوة والرسالة، وآتاه كل ما لله عليه من حق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱلْكِتَابَ ﴾ : التوراة خاصة، ويحتمل التوراة وسائر الكتب؛ لأن الكتب في بني إسرائيل كانت كثيرة، كان فيها التوراة والزبور والإنجيل وغير ذلك، فجائز أن يريد بالكتاب: جميع الكتب التي كانت فيهم؛ إذ ذكر الكتاب بالألف واللام، وإنه يحتمل الجنس والعهد؛ فيجوز الصرف إلى التوراة لمكان العهد، ويجوز الصرف إلى الجميع لمكان الجنس، والله أعلم.
وفي الآية دلالة أن لا جميعَ كتب الله التي أنزلت فيهم غيرت وبدلت، بل فيهم ما لم يغير ولم يبدل حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ هُدًى ﴾ : هو ما ذكرنا أن جميع كتب الله هدى من الضلالة إلى الرشد، وبيان لما لله عليهم وما لبعض على بعض.
وقوله: ﴿ وَذِكْرَىٰ ﴾ قال بعضهم: موعظة.
وقال بعضهم: تفكرا لأهل اللب والعقل.
وجائز ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ ، أي: ذكر ما سبق، أي: يذكرهم ما نسوا.
وقوله: ﴿ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ ؛ لأن أهل اللب هم الذين يتفكرون ويتأملون فيه، أو أن أهل اللب هم المنتفعون بالذكرى وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ وجوهاً: أحدها: التكذيب، كان يتأذى بتكذيبهم إياه.
والثاني: كان يتأذى باستهزائهم به.
والثالث: أنواع ما يكيدون: من همهم قتله وضربه وغير ذلك.
والرابع: يحتمل قوله : ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ ، أي: اصبر على تبليغ الرسالة إليهم، ولا يضجرك تكذيبهم إياك، ولا يمنعك ذلك عن تبليغها، والله أعلم.
والخامس: اصبر ولا تستعجل لهم العذاب قبل ميقاته، وذلك أن الرسل - عليهم السلام - كانوا لا يستعجلون العذاب ما لم يؤذن لهم بذلك، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ إن كان المراد من وعده نفس الوعد؛ فيكون تأويله: إن وعد الله صدق، أي: لا يخلف، ولا يكون كذباً؛ لأن خلف الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد معنيين: إما لعجزه عن القيام بوفائه.
وإما لضرر يخاف أن يلحقه لو قام بوفاء ما وعد، والله بريء عن المعنيين جميعاً متعال عن ذينك.
وإن كان المراد من قوله - -: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ ، أي: موعود الله؛ فيكون تأويله: إن موعد الله لكائن حقّاً، فوعد الله على الوجهين اللذين ذكرناهما، وعلى هذا يذكر أمر الله : قد يراد به نفس الأمر، كقوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ ، ويذكر ويراد به المفعول؛ كقوله : ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: ما يكون بأمره مفعولا، ويكون موعود الله مفعولا، والله أعلم.
وما ذكر الصلاة أمر الله.
ثم لسنا ندري ما كان من وعده لرسوله حتى أخبر أنه كائن، فجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إنه وعد له أن يعذب كفار مكة يوم بدر بالقتل وغير ذلك، فكذبوه، وقالوا مستهزئين به: ﴿ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ قال: ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ يحتمل غيره.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ ﴾ .
جائز أن يكون ما ذكر في قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ باستغفاره إياه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ ما يغفر له من أمته بشفاعته كما ذكر في الخبر: "يغفر للمؤذن مد صوته" أي: يجعل له الشفاعة إلى حيث يبلغ صوته.
وقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .
قد ذكرنا التسبيح بحمد ربه، ثم جائز أن يريد بالتسبيح نفس التسبيح، فإن كان كذلك فيكون ذكر العشي والإبكار ليس هو ذكر التوقيت له، ولكن الأوقات كلها الليل والنهار؛ كقوله - -: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ : ليس يريد نفس الغداة والعشي خاصة دون غيرهما من الأوقات، بل هما عبارة عن جميع الأوقات كأنه يقول: اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم آناء الليل والنهار؛ فعلى ذلك الأول يحتمل هذا، والله أعلم.
وإن كان المراد من التسبيح هاهنا: الصلاة، فكأنه يقول: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ كناية عن صلاة النهار.
أو أن يكون ﴿ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ كناية عن صلاة الغداة، و ﴿ بِٱلْعَشِيِّ ﴾ كناية عن صلاة العشاء على ما ذكره بعض الناس، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا بالله وبرسله في الدنيا بإظهار حجتهم وتأييدهم على أعدائهم، وننصرهم يوم القيامة بإدخالهم الجنة، وبعقاب خصومهم في الدنيا بإدخالهم النار بعد أن يشهد الأنبياء والملائكة والمؤمنون على حصول التبليغ وتكذيب الأمم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DgD4q"