الآية ١٠٩ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٩ من سورة المائدة

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١٠٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة ، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم ، كما قال تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) [ الأعراف : 6 ] وقال تعالى : ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) [ الحجر : 92 ، 93 ] .

وقول الرسل : ( لا علم لنا ) قال مجاهد والحسن البصري والسدي : إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم .

قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن مجاهد : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) فيفزعون فيقولون : ( لا علم لنا ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام ، حدثنا عنبسة قال : سمعت شيخا يقول : سمعت الحسن يقول في قوله : ( يوم يجمع الله الرسل ) الآية ، قال : من هول ذلك اليوم .

وقال أسباط ، عن السدي : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ) ذلك : أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا قالوا : ( لا علم لنا ) ثم نزلوا منزلا آخر ، فشهدوا على قومهم .

رواه ابن جرير .

ثم قال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج قوله : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) ماذا عملوا بعدكم؟

وماذا أحدثوا بعدكم؟

قالوا : ( لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) يقولون للرب ، عز وجل : لا علم لنا ، إلا علم أنت أعلم به منا .

رواه ابن جرير .

ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة ولا شك أنه قول حسن ، وهو من باب التأدب مع الرب ، عز وجل ، أي : لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء ، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا ، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره ، لا علم لنا بباطنه ، وأنت العليم بكل شيء ، المطلع على كل شيء .

فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم ، فإنك ( أنت علام الغيوب )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (109) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله، أيها الناس.

واسمعوا وَعْظه إياكم وتذكيرَه لكم, واحذروا يَوْم يَجْمع الله الرسل = ثم حذف وَاحْذَرُوا ، واكتفى بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ، عن إظهاره, كما قال الراجز: عَلَفْتُهَـــا تِبْنًــا وَمَــاءً بَــارِدًا حَــتَّى شَــتَتْ هَمَّالَــةً عَيْنَاهَــا (1) يريد: " وسقيتها ماء باردًا ", فاستغنى بقوله " علفتها تبنًا " من إظهار " سقيتها ", إذ كان السامع إذا سَمِعه عرف معناه.

فكذلك في قوله: " يوم يجمع الله الرسل " ، حذف وَاحْذَرُوا لعلم السامع معناه, اكتفاءً بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ، إذ كان ذلك تحذيرًا من أمر الله تعالى ذكره، خلقَه عقابَه على معاصيه.

* * * وأما قوله: " ماذا أُجبتم " ، فإنه يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم، (2) حين دعوتموهم إلى توحيدي، والإقرار بي، والعمل بطاعتي، والانتهاء عن معصيتي؟

=" قالوا لا علم لنا ".

* * * فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قولهم: " لا علم لنا " ، لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم, ولكنهم ذَهِلوا عن الجواب من هَوْلِ ذلك اليوم, ثم أجابوا بعد أن ثَابَتْ إليهم عقولهم بالشَّهادة على أممهم.

* ذكر من قال ذلك: 12986 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل.

قال ، حدثنا أسباط, عن السديّ: " يوم يجمع الله الرسل فيقول مَاذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، قال: فذلك أنهم نـزلوا منـزلا ذَهِلت فيه العقول, (3) فلما سئلوا قالوا: " لا علم لنا "، ثم نـزلوا منـزلا آخر, فشهدوا على قومهم.

12987 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام, عن عنبسة.........

قال : سمعت الحسن يقول في قوله: " يوم يجمع الله الرسل " ، الآية، قال : من هول ذلك اليوم.

(4) 12988 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري, عن الأعمش, عن مجاهد في قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، فيفزعون, فيقول: ماذا أجبتم؟

فيقولون: لا علم لنا !

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علّمتنا.

* ذكر من قال ذلك: 12989- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم "، فيقولون: = لا علم لنا إلا ما علمتنا =" إنك أنتَ علام الغيوب ".

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا.

* ذكر من قال ذلك: 12990- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، إلا علم أنت أعلم به منا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم؟

وماذا أحدثوا؟

* ذكر من قال ذلك: 12991 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم؟

وماذا أحدثوا بعدكم؟

=" قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: " معناه: لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منّا ", لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: " لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب " ، أي: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها.

فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره = لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا.

كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء, (5) فقال تعالى ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [سورة البقرة:143].

* * * وأما الذي قاله ابن جريج، من أن معناه: " ماذا عملت الأمم بعدكم؟

وماذا أحدثوا؟" فتأويل لا معنَى له.

لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك, وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك، فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟

وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك.

------------------------ الهوامش : (1) مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف 1: 264 ، وكان في المطبوعة هنا: "حتى غدت همالة" ، غير ما في المخطوطة.

(2) انظر تفسير"ماذا" فيما سلف 4: 292 ، 346 ، 347/8: 359.

(3) في المطبوعة: "ذلك أنهم لما نزلوا" ، وفي المخطوطة: "فذلك أنهم لما نزلوا" وأثبت ما في المخطوطة ، وحذفت"لما" لأنه لا موضع لها هنا ، وكأنها زيادة من عجلة الناسخ.

(4) الأثر: 12987 - هذا إسناد ناقص بلا شك ، بين"عتبة" ، و"الحسن البصري" ، فوضعت مكانه النقط ، وقد أعجلت أن أجد مثله فيما سلف ، فتركته حتى أجد تمامه.

(5) في المطبوعة: "سيشهدون على تبليغهم" ، حرف ما في المخطوطة وأساء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوبقوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل يقال : ما وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ؟

فالجواب : أنه اتصال الزجر عن الإظهار خلاف الإبطان في وصية أو غيرها مما ينبئ أن المجازي عليه عالم به .

ويوم ظرف زمان والعامل فيه واسمعوا أي : واسمعوا خبر يوم ، وقيل : التقدير واتقوا يوم يجمع الله الرسل عن الزجاج ، وقيل : التقدير اذكروا أو احذروا يوم القيامة حين يجمع الله الرسل ، والمعنى متقارب ; والمراد التهديد والتخويف .

فيقول ماذا أجبتم أي : ما الذي أجابتكم به أممكم ؟

وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي ؟

قالوا أي : فيقولون : لا علم لنا واختلف أهل التأويل في المعنى المراد بقولهم : لا علم لنا فقيل : معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنا ; لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء ; وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا ، فحذف ; عن ابن عباس ومجاهد بخلاف ، وقال ابن عباس أيضا : معناه لا علم لنا إلا علما أنت أعلم به منا ، وقيل : إنهم يذهلون من هول ذلك ويفزعون من الجواب ، ثم يجيبون بعدما تثوب [ ص: 278 ] إليهم عقولهم فيقولون : لا علم لنا قاله النحاس ومجاهد والسدي .

قال النحاس : وهذا لا يصح ; لأن الرسل صلوات الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .قلت : هذا في أكثر مواطن القيامة ; ففي الخبر ( إن جهنم إذا جيء بها زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صديق إلا جثا لركبتيه ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبريل ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ؟

فقال لي : يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة .قلت : فإن كان السؤال عند زفرة جهنم - كما قال بعضهم - فقول مجاهد والحسن صحيح ; والله أعلم .

قال النحاس : والصحيح في هذا أن المعنى : ماذا أجبتم في السر والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار ; فيقولون : لا علم لنا ; فيكون هذا تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها ، وقال ابن جريج : معنى قوله : ماذا أجبتم ماذا عملوا بعدكم ؟

قالوا : لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب .

قال أبو عبيد : ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يرد علي أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، وكسر الغين من الغيوب حمزة والكسائي وأبو بكر ، وضم الباقون .

قال الماوردي فإن قيل : فلم سألهم عما هو أعلم به منهم ؟

فعنه جوابان : أحدهما : أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم .

الثاني : أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رءوس الأشهاد ليكون ذلك نوعا من العقوبة لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم: { مَاذَا أُجِبْتُمْ } أي: ماذا أجابتكم به أممكم.

فـ { قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا } وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا.

{ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( يوم يجمع الله الرسل ) وهو يوم القيامة ، ( فيقول ماذا أجبتم ) أي : ما الذي أجابتكم أمتكم؟

وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟

( قالوا ) أي : فيقولون ( لا علم لنا ) قال ابن عباس معناه : لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا ، وقيل : لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا ، وقال ابن جريج : لا علم لنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا من بعد ، دليله أنه قال : ( إنك أنت علام الغيوب ) أي : أنت الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا وهيب أنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك " .

وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي : إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها ، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب ، ثم بعدما ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «يوم يجمع الله الرسل» هو يوم القيامة «فيقول» لهم توبيخا لقومهم «ماذا» أي الذي «أُجبتم» به حين دعوتم إلى التوحيد «قالوا لا علم لنا» بذلك «إنك أنت علام الغيوب» ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدة هول يوم القيامة وفزعهم ثم يشهدون على أممهم لما يسكنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل عليهم السلام، فيسألهم عن جواب أممهم لهم حينما دعوهم إلى التوحيد فيجيبون: لا علم لنا، فنحن لا نعلم ما في صدور الناس، ولا ما أحدثوا بعدنا.

إنك أنت عليم بكل شيء مما ظهر وخفي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ما ساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة .

بعد كل ذلك اتجهت السورة في أواخرها إلى الكلام عن أحوال الناس يوم القيامة وعن معجزات عيسى - عليه السلام - وعن موقف الحواريين منه .

قال - تعالى :( يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ .

.

.

)قال الفخر الرازي : اعلم أن عادة الله تعالى - جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما بالإِلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء أو بشرح أحوال القيامة ، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر - فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع ، أتبعها بوصف أحوال القيامة .ثم قال وفي هذه الآية قولان :أحدهما : أنها متصلة بما قبلها والتقدير : واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل - فيكون قوله : ( يَوْمَ يَجْمَعُ ) بدل اشتمال من قوله في الآية السابقة ( واتقوا الله ) والقول الثاني : أنها منقطعة عما قبلها والتقدير :اذكروا ( يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل ) .والمعنى : لقد سقنا لكم - أيها الناس - ما سقنا من الترغيب والترهيب وبينا لكم ما بينا من الأحكام والآداب ، فمن الواجب عليهك أن تتقوا الله وأن تحذروا عقابه ، وأن تذكروا ذلك اليوم الهائل الشديد يوم يجمع الله الرسل الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام .

في شتى الأمكنة والأزمان فيقول لهم : ماذا أجبتم من أقوامكم؟أي : ما الإِجابة التي أجابكم بها أقوامكم؟وخص - سبحانه - الرسل بالذكر - مع أن الرسل وغيرهم سيجمعون للحساب يوم القيامة - لإِظهار شرفهم وللإِيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم من الأقوام لأن هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم .وقال - سبحانه - ( مَاذَآ أُجِبْتُمْ ) ولم يقل - مثلا - " هل بلغتم رسالتي أولا "؟

للإِشعار بأن الرسل الكرام قد بلغوا رسالة الله على أكمل وجه وأن الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون وزر مخالفتهم يوم القيامة .وقوله : ( قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب ) حكاية لاجابة الرسل فإن قيل : لماذا نفوا عن أنفسهم لاعلم مع أن عندهم بعض العلم؟

فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأديب مع الله - تعالى - فكأنهم يقولون : لا علم لنا يذكر بجانب عليمك المحيط بكل شيء ، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا به أقوامنا ، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر ، أما علمك أنت - يا ربنا - فشامل للظواهر والبواطن ، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكي والالتجاء إلى الله ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم .

أو أن مرادهم لا علم لنا بما كان منهم بعد أن فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس ، لأن علمنا مقصور على حال من شاهدناهم وعاصرناهم .ورحم الله صاحب الكشاف قد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال :فإن قلت : ما معنى سؤالهم؟

قلت : توبيخ قومهم .

كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد .

فإن قلت : كيف يقولون : " لا علم لنا وقد عملوا بما أجيبوا؟

" .قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم - أي : بما ابتلوا به منهم - ، وكابدوا من سوء إجابتهم ، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وذلك أعظم على الكفرة ، وأفت في أعضادهم ، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم ، إذا اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم .

ومثاله : أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة ، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه .

فجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجي؟

- وهو عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيته ، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بي ، تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه ، وإظهارا للكشاية وتعظيما لما حل به منه - ولله المثل الأعلى - وقيل : من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب ، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم .وقيل معناه : علمنا ساقط مع علمك ومغمور ، لأنك علام الغيوب ، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم .وقيل معناه : " لا علم لنا بما كان منهم بعدنا ، وإنما الحكم للخاتمة ، وكيف يخفي عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجه موبخين " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ﴾ اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعاً كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولاً، ثم ذكر أحوال عيسى.

أما وصف أحوال القيامة فهو قوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال الزجاج تقديره: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول له.

الثاني: قال القفال رحمه الله: يجوز أن يكون التقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا  إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا  ﴾ والقول الثاني: أنها منقطعة عما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه أيضاً وجهان: الأول: أن التقدير: اذكر يوم يجمع الله الرسل.

والثاني: أن يكون التقدير: يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب مصدره على معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار.

ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم.

فإن قيل: وأي فائدة في هذا السؤال؟

قلنا: توبيخ قومهم كما أن قوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ  بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ  ﴾ المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل.

المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم.

والجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ مشكل.

وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك.

والجواب عنه من وجوه: الأول: قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالاً بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها.

فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور، فهنالك يقولون لا علم لنا، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم.

وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف، لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر  ﴾ وقال أيضاً ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ بل إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوفٌ وَلا هُم يَحزَنُونَ  ﴾ فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون ألبتة.

والوجه الثاني: أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني، كأنه قيل: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره، وهذا أيضاً ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تريد الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم.

والوجه الثالث: في الجواب وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا.

فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم.

والوجه الرابع: في الجواب أنهم قالوا: لا علم لنا، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا.

والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا.

فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب ﴾ يشهد بصحة هذين الجوابين.

الوجه الخامس: وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة، أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير والظن غير والحاصل عند كل أحد من حال الغير إنما هو الظن لا العلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السّرائر» وقال عليه الصلاة والسلام: «إنكم لتختصمون لدي ولعلّ بعضَكم ألحنُ بحجَّته، فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قِطْعةً من النار» أو لفظ هذا معناه.

فالأنبياء قالوا: لا علم لنا ألبتة بأحوالهم، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبراً في الدنيا، لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء، وبواطن الأمور.

فلهذا السبب قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ ولم يذكروا ألبتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة.

الوجه السادس: أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل، حكيم لا يسفه، عادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيراً، ولا يدفع شراً فرأوا أن الأدب في السكوت، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت.

المسألة الرابعة: قريء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب.

قال صاحب الكشاف والتقدير أن الكلام قد تمّ بقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ﴾ أي أنت الموصوف بأوصافك المعروفة، من العلم وغيره.

ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص، أو على النداء، أو وصفاً لاسم إن.

المسألة الخامسة: دلّت الآية على جواز إطلاق لفظ العلام عليه، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه.

أما العلاّمة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ﴾ بدل من المنصوب في قوله: (واتقوا الله) وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل: واتقوا الله يوم جمعه.

أو ظرف لقوله: (لا يهدي) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم.

أو ينصب على إضمار اذكر.

أو يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت.

و ﴿ مَاذَا ﴾ منتصب بأجبتم انتصاب مصدره، على معنى: أي إجابة أجبتم.

ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟

قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

فإن قلت: كيف يقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا ﴾ وقد علموا بما أجيبوا؟

قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهاراً للتشكي واللجإ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم.

ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالاً عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماً لما حلّ به منه.

وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم.

وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب.

ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك.

وقيل: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة.

وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين.

وقرئ: ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ﴾ أي أنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص، أو على على النداء، أو هو صفة لاسم أنّ ﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ بدل من (يوم يجمع) والمعنى: أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبوهم وسموهم سحرة.

أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات ﴿ هذا سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7] واتخذه بعضهم وأمه إلهين ﴿ أَيَّدتُّكَ ﴾ قوّيتك.

وقرئ: ﴿ أيدتك ﴾ ، على أفعلتك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ تُكَلّمَ الناس ﴾ و ﴿ فِى المهد ﴾ في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً ﴿ وَكَهْلاً ﴾ إلا أن في المهد فيه دليل على حدّ من الطفولة.

وقيل روح القدس: جبريل عليه السلام، أيّد به لتثبيت الحجة.

فإن قلت: ما معنى قوله: (في المهد وكهلاً)؟

قلت: معناه تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ خصّا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة.

وقيل: (الكتاب) الخط.

و(الحكمة) الكلام المحكم الصواب ﴿ كَهَيْئَةِ الطير ﴾ هيئة مثل هيئة الطير ﴿ بِإِذْنِى ﴾ بتسهيلي ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها؛ لأنها ليست في خلقه ولا من نفخه في شيء.

وكذلك الضمير في فتكون ﴿ تُخْرِجُ الموتى ﴾ تخرجهم من القبور وتبعثهم.

قيل: أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية ﴿ وَإِذَا كَفَفْتُ بَنِى إسراءيل عَنكَ ﴾ يعني اليهود حين هموا بقتله.

وقيل: لما قال الله تعالى لعيسى ﴿ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ ﴾ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول: مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ ظَرْفٌ لَهُ.

وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ واتَّقُوا بَدَلُ الِاشْتِمالِ، أوْ مَفْعُولِ واسْمَعُوا عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ واسْمَعُوا خَبَرَ يَوْمِ جَمْعِهِمْ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

﴿ فَيَقُولُ ﴾ أيْ لِلرُّسُلِ.

﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ أيَّ إجابَةٍ أجَبْتُمْ، عَلى أنَّ ماذا في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أوْ بِأيِّ شَيْءٍ أجَبْتُمْ فَحَذَفَ الجارَّ، وهَذا السُّؤالُ لِتَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ كَما أنَّ سُؤالَ المَوْؤُدَةِ لِتَوْبِيخِ الوائِدِ ولِذَلِكَ ﴿ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ﴾ أيْ لا عِلْمَ لَنا بِما لَسْتَ تَعْلَمُهُ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ فَتَعْلَمُ ما نَعْلَمُهُ مِمّا أجابُونا وأظْهَرُوا لَنا وما لا نَعْلَمُ مِمّا أضْمَرُوا في قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ التَّشَكِّي مِنهم ورَدُّ الأمْرِ إلى عِلْمِهِ بِما كابَدُوا مِنهم.

وقِيلَ المَعْنى لا عِلْمَ لَنا إلى جَنْبِ عِلْمِكَ، أوْ لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ.

وقُرِئَ «عَلّامَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ، أيْ إنَّكَ أنْتَ المَوْصُوفُ بِصِفاتِكَ المَعْرُوفَةِ وعَلّامَ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ الغِيُوبِ بِكَسْرِ الغَيْنِ حَيْثُ وقَعَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يوم} منصوب باذكروا أو احذروا {يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان وهذا السؤال توبيخ لمن انكرهم وماذا منصوب بأجبتم نصب المصدر على

معنى أيَّ إجابة أجبتم {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا} بإخلاص قومنا دليله {إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب} أو بما أحدثوا بعدنا دليله كنت أنت الرقيب عليهم أو قالوا ذلك تأدباً أي علمنا ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ قِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَهْدِي ﴾ ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَهْدِيهِمْ مُطْلَقًا لا في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا في الدُّنْيا، وهَذا احْتِمالٌ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ونُقِلَ عَنِ المَغْرِبِيِّ أيْضًا، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ وفِيهِ مُراعاةٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ المُطْلَقَةِ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا ولِذَلِكَ خُصِّصَ المَهْدِيُّ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ (واتَّقُوا) فَهو حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ لا ظَرْفٌ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ، وقالَ الحَلَبِيُّ: لا بُعْدَ فَإنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِن تَمامِ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى وهو عِنْدَ القائِلِينَ بِالبَدَلِيَّةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ العَلَمُ العِراقِيُّ بِأنَّ الإنْصافَ أنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ هَهُنا مُمْتَنِعٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنِ اشْتِمالِ البَدَلِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ أوْ بِالعَكْسِ وهُنا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ الحَلَبِيُّ: لا بُدَّ في هَذا الوَجْهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ لِيَصِحَّ، والمُرادُ اتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ يَوْمَ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ انْتِصابُ اليَوْمِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقالَ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ: وجْهُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ بِغَيْرِ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ بِطَرِيقِ اشْتِمالِ المُبْدَلِ مِنهُ عَلى البَدَلِ لا كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ بِمَعْنى أنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ ويَقْتَضِيهِ بِوَجْهٍ إجْمالِيٍّ مَثَلًا إذا قِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ يَتَبادَرُ الذِّهْنُ مِنهُ إلى أنَّهُ مِن أيِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ وأيِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ أفْعالِهِ يَجِبُ الِاتِّقاءُ أيَوْمَ جَمْعِهِ سُبْحانَهُ لِلرُّسُلِ أمْ غَيْرِ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ اشْتُرِطَ في ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ظَرْفِيَّةً وهَذا ظَرْفُ زَمانٍ لَوْ أُبْدِلَ مِنهُ لَأُوهِمَ ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (اتَّقُوا) إلَخْ أيْ واحْذَرُوا أوْ واذْكُرُوا يَوْمَ إلَخْ فَإنَّ تَذْكِيرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ مِمّا يَضْطَرُّهم إلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى وتَلَقِّي أمْرَهُ بِسَمْعِ الإجابَةِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ واسْمَعُوا ﴾ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ واسْمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ اليَوْمَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى ضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ إلَخْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهم.

وقِيلَ ولا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ الآتِيَةِ في الآيَةِ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ ذِكْرِ الشُّهَداءِ، والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُمُ الشُّهَداءُ عَلى أُمَمٍ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ فَفي بَيانِ حالِهِمْ وما يَقَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهم هم مَن وعَظَ الشُّهَداءَ الَّذِينَ البَحْثُ فِيهِمْ ما لا يَخْفى، وبِهَذا تَتَّصِلُ الآيَةُ بِما قَبْلَها أتَمَّ اتِّصالٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ ﴿ فَيَقُولُ ﴾ لَهم ﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ أيْ في الدُّنْيا حِينَ بَلَّغْتُمُ الرِّسالَةَ وخَرَجْتُمْ عَنِ العُهْدَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ العُدُولُ عَنْ تَصْدِيرِ الخِطابِ بِهَلْ بَلَّغْتُمْ، وفي العُدُولِ عَنْ ماذا أجابَ أُمَمُكم ما لا يَخْفى مِنَ الإنْباءِ عَنْ كَمالِ تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ وشَدَّةِ السُّخْطِ والغَيْظِ عَلَيْهِمْ، والسُّؤالُ لِتَوْبِيخِ أُولَئِكَ أيْضًا وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ.

و (ماذا) مُتَعَلِّقٌ بِأُجِبْتُمْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ أيْ أيُّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ مِن قِبَلِ أُمَمِكم إجابَةَ قَبُولٍ أوْ إجابَةَ رَدٍّ.

وقِيلَ: التَّقْدِيرُ بِماذا أُجِبْتُمْ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ أُجِبْتُمْ عَلى أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الجَوابِ لا الإجابَةُ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وانْتَصَبَ المَجْرُورُ.

وضُعِّفَ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ وانْتِصابَ مَجْرُورِهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ: تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا وكَذا تَقْدِيرُهُ مَجْرُورًا.

وقالَ العَوْفِيُّ: إنَّ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ و(إذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُهُ و(أُجِبْتُمْ) صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ ما الَّذِي أجَبْتُمْ بِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ إلّا إذا جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الحَرْفِ الجارِّ واتَّحَدَ مُتَعَلِّقاهُما، وغايَةُ ما أجابُوا بِهِ عَنْ ذَلِكَ أنَّ الحَذْفَ وقَعَ عَلى التَّدْرِيجِ، وهو كَما تَرى قالُوا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ فَقِيلَ: يَقُولانِ ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ كَنَفْخٍ في الصُّورِ وغَيْرِهِ ونَفْيِ العِلْمِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِماذا أُجِيبُوا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ شَهادَتُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَمِهِمْ هُنالِكَ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ بَعْضُ الآياتِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ التَّشَكِّيِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لِنَفْيِ العِلْمِ بِماذا أُجِيبُوا عِنْدَ التَّبْلِيغِ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ بِما كانَ في عاقِبَةِ الأمْرِ وءاخِرِهِ الَّذِي بِهِ الِاعْتِبارُ واعْتُرِضَ بِأنَّهم يَرَوْنَ آثارَ سُوءِ الخاتِمَةِ عَلَيْهِمْ فَلا يَصِحُّ أيْضًا نَفْيُ العِلْمِ بِحالِهِمْ وبِما كانَ مِنهم بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ لَهم وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى سُوءِ الخاتِمَةِ وظُهُورِ الشَّقاوَةِ في العاقِبَةِ لا عَلى حَقِيقَةِ الجَوابِ بَعْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَعَلَّهم أجابُوا إجابَةَ قَبُولٍ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِـ ﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ نَفْسَ الجَوابِ الَّذِي يَقُولُونَهُ أوِ الإجابَةُ الَّتِي تَحْدُثُ مِنهم بَلْ ما كانُوا عَلَيْهِ في أمْرِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الِامْتِثالِ والِانْقِيادِ أوْ عَكْسِ ذَلِكَ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ (لا عِلْمَ لَنا) كَعِلْمِكَ لِأنَّكَ تَعْلَمُ باطِنَهم ولَسْنا نَعْلَمُ ذَلِكَ وعَلَيْهِ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ النَّفْيِ تَحْقِيقُ فَضِيحَةِ أُمَمِهِمْ أيْ أنْتِ أعْلَمُ بِحالِهِمْ مَنًّا ولا يَحْتاجُ إلى شَهادَتِنا وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تَأْرِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ نَفْيُ العِلْمِ نَظَرًا إلى خُصُوصِ الزَّمانِ وهو أوَّلُ الأمْرِ حِينَ تَزْفِرُ جَهَنَّمُ فَتَجْثُو الخَلائِقُ عَلى الرَّكْبِ، وتَنْهَمِلُ الدُّمُوعُ وتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَطِيشُ الأحْلامُ وتَذْهَلُ العُقُولُ ثُمَّ أنَّهم يُجِيبُونَ في ثانِي الحالِ وبَعْدَ سُكُونِ الرَّوْعِ واجْتِماعِ الحَواسِّ وذَلِكَ وقْتَ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ وبِهَذا أجابَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ حِينَ سَألَهُ عَنِ المُنافاةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ في آية أُخْرى ورُوِيَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ومُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وأنْكَرَهُ الجَبائِيُّ، وقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ القَوْلُ بِذُهُولِهِمْ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الطَّبَرْسِيُّ ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الفَزَعَ الأكْبَرَ دُخُولُ النّارِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ إنَّما هو كالبِشارَةِ بِالنَّجاةِ مِن أهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِثْلَ ما يُقالُ لِلْمَرِيضِ لا بَأْسَ عَلَيْكَ ولا خَوْفَ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الذُّهُولَ لَمْ يَكُنْ لِخَوْفٍ ولا حُزْنٍ وإنَّما هو مِن بابِ العَوْمِ في بِحارِ الإجْلالِ لِظُهُورِ ءاثارِ تَجَلِّي الجَلالِ واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ولا يُلائِمُ ما ذُكِرَ، و (عَلّامٌ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ والمُرادُ الكامِلُ في العِلْمِ و(الغُيُوبُ) جَمْعُ غَيْبٍ وجَمْعٍ وإنْ كانَ مُصَدِّرًا عَلى ما قالَهُ السَّمِينُ لِاخْتِلافِ أنْواعِهِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّيْءُ الغائِبُ أوْ قُلْنا إنَّهُ مُخَفَّفُ غَيْبٍ فالأمْرُ واضِحٌ وقُرِئَ (عَلّامُ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ (إنَّكَ أنْتَ) ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى المَدْحِ أوِ النِّداءِ أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ (إنَّ)، ومَعْنى إنَّكَ أنْتَ إنَّكَ المَوْصُوفُ بِصِفاتِكَ المَعْرُوفَةِ والكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ (الغُيُوبِ) بِكَسْرِ الغَيْنِ حَيْثُ وقَعَ وقَدْ سُمِعَ في كُلِّ جَمْعٍ عَلى وزْنِ فُعُولٍ كَبُيُوتٍ كُسِرَ أوَّلُهُ لِئَلّا يَتَوالى ضَمَّتانِ وواوٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَوْمَ صار نصباً لأن معناه: اتقوا يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ يقول: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد قالُوا لاَ عِلْمَ لَنا من هول ذلك اليوم، ومن شدة المسألة، وهي في بعض مواطن يوم القيامة قالوا: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما لم يكن.

وروى أسباط عن السدي قال: نزلوا منزلاً ذهبت فيه العقول فلما سئلوا؟

قالوا: لا علم لنا ثم نزلوا منزلاً آخر، فشهدوا على قومهم.

ويقال: هذا عند زفرة جهنم فلا يبقى ملك مقرَّب، ولا نبي مرسل عند ذلك إلا قال: نفسي نفسي فعند ذلك قالوا: لا علم لنا.

ويقال: كان ذلك عند أول البعث، ثم يشهدون بعد ذلك بتبليغ الرسالة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ: تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ.

وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ...

الآية: الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين هذا قولُ ابنِ عبَّاس «١» ، وجُمِعَ الضميرُ في يَأْتُوا ويَخافُوا إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى: ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن.

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)

وقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في يَوْمَ: ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى: لاَّ يَهْدِي، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر» ، أو: «تَذَكَّرُوا» ، أو «احذروا» ، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، وماذا أُجِبْتُمْ: معناه: ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم- عليهم السلام-: لاَ عِلْمَ لَنا: قال الطبريُّ «٢» : ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع وقاله الحسنُ «٣» ، وعن مجاهدٍ أنه قال: يَفْزَعُون، فيقولُون: لا علْمَ لنا، وضعَّف «٤» بعضُ النَّاس هذا المنْزَع بقوله تعالى: / لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ

[الأنبياء: ١٠٣] ، وقال ابنُ عبَّاس: معنى الآية: لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ «١» ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ: قال ابنُ عباس: المعنى: لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به «٢» منَّا، وهو اختيار «٣» الطبريِّ، وقيل: لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر قال مكِّيٌّ: وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال: ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أرسلوا إليه كما قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨] ، انتهى من «الهداية» .

وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ...

الآية: قالَ هنا بمعنى يَقُولُ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة تقدمة لقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] .

وقوله سبحانه: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى، أي: من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه- عليه السلام- هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ.

وقوله سبحانه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ، هو مِنْ جملة تعديدِ النّعم على عيسى- عليه السلام-: وأَوْحَيْتُ في هذا الموضع: إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية: عيسى، وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ: يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "يَوْمٍ" مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ : واتَّقَوْا يَوْمَ جَمْعِهِ لِلرُّسُلِ.

ومَعْنى مَسْألَتِهِ لِلرُّسُلِ تَوْبِيخُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ.

فَأمّا قَوْلُ الرُّسُلِ: "لا عِلْمَ لَنا" فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم طاشَتْ عُقُولُهم حِينَ زَفَرَتْ جَهَنَّمُ، فَقالُوا: "لا عِلْمَ لَنا" ثُمَّ تُرَدُّ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، فَيَنْطَلِقُونَ بِحُجَّتِهِمْ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ إلّا عِلْمٌ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ : ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم، وأحْدَثُوا، فَيَقُولُونَ: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وفِيهِ بُعْدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ مَعَ عِلْمِكَ، لِأنَّكَ تَعْلَمُ الغَيْبَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ كَعِلْمِكَ، إذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ما أظْهَرَ القَوْمُ وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ نَعْلَمُ ما أظْهَرُوا، ولا نَعْلَمُ ما أضْمَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

والسّادِسُ: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ إذْ كُنّا نَعْلَمُ بَعْضَها وقْتَ حَياتِنا، ولا نَعْلَمُ ما كانَ بَعْدَ وفاتِنا، وإنَّما يُسْتَحَقُّ الجَزاءُ بِما تَقَعُ بِهِ الخاتِمَةُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا رَدَّ الأنْبِياءُ العِلْمَ إلى اللَّهِ أبْلَسَتِ الأُمَمُ، وعَلِمَتْ أنَّ ما أتَتْهُ في الدُّنْيا غَيْرُ غائِبٍ عَنْهُ، وأنَّ الكُلَّ لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: العَلّامُ: بِمَنزِلَةِ العَلِيمِ، وبِناءُ "فَعّالٍ" بِناءُ التَّكْثِيرِ، فَأمّا "الغُيُوبُ" فَجَمْعُ غَيْبٍ، وهو ما غابَ عَنْكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى جَمِيعِ ما حَدَّ اللهُ قَبْلُ؛ مِن حَبْسِ الشاهِدَيْنِ؛ مِن بَعْدِ الصَلاةِ؛ لِلْيَمِينِ؛ ثُمَّ إنْ عُثِرَ عَلى جَوْرِهِما؛ رُدَّتِ اليَمِينَ؛ وغُرِّما؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَلاةِ؛ ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ؛ ورَدَّ اليَمِينِ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِ السُدِّيِّ أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ"؛ إنَّما هي إلى الحَبْسِ مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَقَطْ؛ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ ﴾ ؛ بِإزاءِ: ﴿ فَإنْ عُثِرَ  ﴾ ؛ اَلْآيَةِ.

وجُمِعَ الضَمِيرِ في "يَأْتُوا"؛ و"يَخافُوا"؛ إذِ المُرادُ صِنْفٌ ونَوْعٌ مِنَ الناسِ؛ و"أو"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ السُدِّيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "تَجِيئُنِي يا زَيْدُ أو تُسْخِطَنِي"؛ كَأنَّكَ تُرِيدُ: "وَإلّا أسْخَطْتَنِي"؛ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: "ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها؛ وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ"؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فالمَعْنى: "ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا؛ وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى وجْهِها ﴾ ؛ مَعْناهُ: "عَلى جِهَتِها القَوِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ؛ ولا حُرِّفَتْ".

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى؛ الَّتِي هي الِاعْتِصامُ بِاللهِ ؛ وبِالسَمْعِ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُنْجِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ؛ وإلّا فَهو تَعالى يَهْدِيهِمْ إذا تابُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ "اَلْفاسِقِينَ"؛ عامًّا؛ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن لا يَتُوبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ويَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ ؛ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ العامِلَ في "يَوْمَ"؛ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: "لا يَهْدِي"؛ وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ ورَصْفُ الآيَةِ وبَراعَتُها إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنِفًا؛ والعامِلُ مُقَدَّرًا؛ إمّا: "اُذْكُرُوا"؛ وإمّا: "تَذَكَّرُوا"؛ وإمّا: "اِحْذَرُوا"؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ؛ لِعِلْمِ السامِعِ.

والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وخُصَّ الرُسُلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ؛ وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ؛ وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا.

و ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ؛ مِن إيمانٍ؛ أو كُفْرٍ؛ وطاعَةٍ؛ أو عِصْيانٍ؟"؛ وهَذا السُؤالُ لِلْأنْبِياءِ الرُسُلِ؛ إنَّما هو لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الأُمَمِ؛ ويُبْتَدَأ حِسابُهم عَلى الواضِحِ المُسْتَبِينِ لِكُلِّ مَفْطُورٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -: ﴿ "لا عِلْمَ لَنا"؛ ﴾ فَقالَ الطَبَرِيُّ: ذَهِلُوا عَنِ الجَوابِ؛ لِهَوْلِ المَطْلَعِ؛ وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا مِن هَوْلٍ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وعَنِ السُدِّيِّ: نَزَلُوا مُنْزَلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ؛ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ ثُمَّ نَزَلُوا مُنْزَلًا آخَرَ شَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ؛ وعن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَفْزَعُونَ؛ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَضَعَّفَ بَعْضُ الناسِ هَذا المَنزَعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ ؛ والأنْبِياءُ في أشَدِّ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ وحالَةِ جَوازِ الصِراطِ يَقُولُونَ: سَلِّمْ؛ سَلِّمْ؛ وحالُهم أعْظَمُ؛ وفَضْلُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْهَلَ عُقُولُهم حَتّى يَقُولُوا ما لَيْسَ بِحَقٍّ في نَفْسِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْنى الآيَةِ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسَنٌ؛ كَأنَّ المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ": ﴾ "ماذا عَمِلُوا بِعْدَكُمْ؟

وما أحْدَثُوا؟"؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ؛ لَكِنَّ لَفْظَةَ "أُجِبْتُمْ"؛ لا تُساعِدُ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ إلّا عَلى كُرْهٍ؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ هَذِهِ المَناحِي؛ لِأنَّهُ يُتَخَرَّجُ عَلى التَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى؛ ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ؛ إذْ قَوْلُهُ: ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛ ﴾ لا عِلْمَ عِنْدَهم في جَوابِهِ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ؛ ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وكَذَلِكَ يَنْقُصُهم ما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَّتِهِمْ؛ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَفْصِيلِ؛ والكَمالِ؛ فَرَأوُا التَسْلِيمَ لَهُ والخُضُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ماذا أجَبْتُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ يوم يجمع الله الرّسُلَ ﴾ استئناف ابتدائي متّصل بقوله: ﴿ وذلك جزاء المحسنين ﴾ [المائدة: 85].

وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتّبعوا عيسى عليه السلام، فبدّل كثير منهم تبديلاً بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم ممّا أحدثه أممهم بعدهم في الدين ممّا لم يأذن به الله، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته.

وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى: ﴿ ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82].

فإنّ في تلك الآيات ترغيباً وترهيباً، وإبعاداً وتقريباً، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى، وذلك من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [المائدة: 87] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة.

ولقد جاء هذا مناسباً للتذكير العامّ بقوله تعالى: ﴿ واتّقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [المائدة: 108].

ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضاً بإبطال دعوى أنّه ابن لله تعالى.

ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى، فإنّ الأديان وصايا الله إلى خلقه.

قال تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ [الشورى: 13].

وقد سمّاهم الله تعالى شهداء في قوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41].

فقوله: ﴿ يوم يجمع ﴾ ظرف، والأظهر أنه معمول لعامللٍ محذوف يقدّر بنحو: اذكر يوم يجمع الله الرسل، أو يقدّر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف، لأنّ الظرف إذا تقدّم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جواباً.

وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن من التهويل، تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طُولُ التعبير فينبغي طيّه.

ويجوز أن يكون متعلّقاً بفعل ﴿ قالوا لا علم لنا...

﴾ الخ، أي أنّ ذلك الفعل هو المقصود من الجملة المستأنفة.

وأصل نظم الكلام: يجمع الله الرسل يوم القيامة فيقول الخ.

فغيّر نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية للاهتمام بالخبر، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليوردَ الاستشهاد في صورة المقاولة بين الله والرسل.

والمقصود من الكلام هو ما يأتي بقوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴾ [المائدة: 116] وما بينهما اعتراض.

ومن البعيد أن يكون الظرف متعلّقاً بقوله: ﴿ لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [المائدة: 108] لأنّه لا جدوى في نفي الهداية في يوم القيامة، ولأنّ جزالة الكلام تناسب استئنافه، ولأنّ تعلّقه به غير واسع المعنى.

ومثله قول الزجّاج: إنّه متعلّق بقوله: ﴿ واتّقوا الله ﴾ [المائدة: 108] على أنّ ﴿ يوم ﴾ مفعول لأجله، وقيل: بدل اشتمال من اسم الجلالة في قوله: ﴿ واتّقوا الله ﴾ [المائدة: 108] لأنّ جمع الرسل ممّا يشمل عليه شأن الله، فالاستفهام في قوله: ﴿ ماذا أجبتم ﴾ مستعمل في الاستشهاد.

ينتقل منه إلى لازمه، وهو توبيخ الذين كذّبوا الرسل في حياتهم أو بدّلوا وارتدّوا بعد مماتهم.

وظاهر حقيقة الإجابة أنّ المعنى: ماذا أجابكم الأقوام الذين أرسلتم إليهم، أي ماذا تلقّوا به دعواتكم، حملاً على ما هو بمعناه في نحو قوله تعالى: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ [النمل: 56].

ويحمل قول الرسل: ﴿ لا علم لنا ﴾ على معنى لا علم لنا بما يضمرون حين أجابوا فأنت أعلم به منّا.

أو هو تأدّب مع الله تعالى لأنّ ما عدا ذلك ممّا أجابت به الأمم يعلمه رسلهم؛ فلا بدّ من تأويل نفي الرسل العلم عن أنفسهم وتفويضهم إلى علم الله تعالى بهذا المعنى.

فأجمع الرسل في الجواب على تفويض العلم إلى الله، أي أنّ علمك سبحانك أعلى من كلّ علم وشهادتك أعدل من كلّ شهادة، فكان جواب الرسل متضمّناً أموراً: أحدها: الشهادة على الكافرين من أممهم بأنّ ما عاملهم الله به هو الحقّ.

الثاني: تسفيه أولئك الكافرين في إنكارهم الذي لا يجديهم.

الثالث: تذكير أممهم بما عاملوا به رسلهم لأنّ في قولهم: ﴿ إنّك أنت علاّم الغيوب ﴾ ، تعميماً للتذكير بكلّ ما صدر من أممهم من تكذيب وأذى وعناد.

ويقال لمن يَسأل عن شيء لا أزيدك علماً بذلك، أو أنت تعرف ما جرى.

وإيراد الضمير المنفصل بعد الضمير المتّصل لزيادة تقرير الخبر وتأكيده.

وعن ابن الأنباري تأويل قول الرسل ﴿ لا علم لنا ﴾ بأنّهم نفوا أن يكونوا يعلمون ما كان من آخر أمر الأمم بعد موت رسلهم من دوام على إقامة الشرائع أو التفريط فيها وتبديلها فيكون قول الرسل ﴿ لا علم لنا ﴾ محمولاً على حقيقته ويكون محمل ﴿ ماذا ﴾ على قوله: ﴿ ماذا أجبتم ﴾ هو ما أجيبوا به من تصديق وتكذيب ومن دوام المصدّقين على تصديقهم أو نقض ذلك، ويعضّد هذا التأويل ما جاء بعد هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله ﴾ ، وقولُ عيسى عليه السلام ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ الآية فإنّ المحاورة مع عيسى بعض من المحاورة مع بقية الرسل.

وهو تأويل حسن.

وعبّر في جواب الرسل ب ﴿ قالوا ﴾ المفيد للمضي مع أنّ الجواب لم يقع، للدلالة على تحقيق أنّه سيقع حتى صار المستقبل من قوة التحقّق بمنزلة الماضي في التحقّق.

على أنّ القول الذي تحكى به المحاورات لا يلتزم فيه مراعاة صيغته لزمان وقوعه لأنّ زمان الوقوع يكون قد تعيّن بقرينة سياق المحاورة.

وقرأ الجمهور ﴿ الغيُوب ﴾ بضم الغين.

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم بكسر الغين وهي لغة لدفع ثقل الانتقال من الضمّة إلى الباء، كما تقدّم في بيوت في قوله تعالى ﴿ فأمسكوهنّ في البيوت ﴾ من سورة النساء (15).

وفصل قالوا } جرياً على طريقة حكاية المحاورات، كما تقدّم في قوله ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة البقرة (30).

وقوله: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } ظرف، هو بدل من ﴿ يومَ يجمع الله الرسل ﴾ بدل اشتمال، فإنّ يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها.

والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى يومئذٍ هو تقريع اليهود.

والنصارى الذين ضلّوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط بغض وإفراط حبّ.

فقوله ﴿ اذكر نعمتي عليك ﴾ إلى قوله ﴿ لا أعذّبه أحداً من العالمين ﴾ [المائدة: 115] استئناس لعيسى لئلاّ يفزعه السؤال الوارد بعده بقوله: ﴿ أأنت قلت للناس الخ...

﴾ [المائدة: 116] وهذا تقريع لليهود، وما بعدها تقريع للنصارى.

والمراد من ﴿ اذكر نعمتي ﴾ الذُّكر بضمّ الذال وهو استحضار الأمر في الذهن.

والأمر في قوله ﴿ اذكر ﴾ للامتنان، إذ ليس عيسى بناس لنعم الله عليه وعلى والدته.

ومن لازمه خزي اليهود الذين زعموا أنّه ساحر مفسد إذ ليس السحر والفساد بنعمة يعدّها الله على عبده.

ووجه ذكر والدته هنا الزيادة من تبكيت اليهود وكمدهم لأنّهم تنقّصوها بأقذع ممّا تنقّصوه.

والظرف في قوله ﴿ إذْ أيّدتك بروح القدس ﴾ متعلّق ب ﴿ نعمتي ﴾ لما فيها من معنى المصدر، أي النعمة الحاصلة في ذلك الوقت، وهو وقت التأييد بروح القدس.

وروح القدس هنا جبريل على الأظهر.

والتأييد وروح القدس تقدّماً في سورة البقرة (87) عند قوله: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البيِّنات وأيّدناه بروح القدس ﴾ وجملة تكلّم } حال من الضمير المنصوب بِ ﴿ أيّدتك ﴾ وذلك أنّ الله ألقى الكلام من الملَك على لسان عيسى وهو في المهد، وفي ذلك تأييد له لإثبات نزاهة تكوّنه، وفي ذلك نعمة عليه، وعلى والدته إذ ثبتت براءتها ممّا اتّهمت به.

والجارّ والمجرور في قوله ﴿ في المهد ﴾ حال من ضمير ﴿ تُكلّم ﴾ .

و ﴿ كَهْلاً ﴾ معطوف على ﴿ في المهد ﴾ لأنّه حال أيضاً، كقوله تعالى: ﴿ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ﴾ [يونس: 12].

والمهد والكهل تقدّماً في تفسير سورة آل عمران.

وتكليمه كهلاً أريد به الدعوة إلى الدين فهو من التأييد بروح القدس، لأنّه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه.

وقوله: ﴿ وإذْ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ تقدّم القول في نظيره في سورة آل عمران، وكذلك قوله ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ إلى قوله وإذ تخرج الموتى بإذني تقدّم القول في نظيره هنالك.

إلاّ أنّه قال هنا ﴿ فتنفخ فيها ﴾ وقال في سورة آل عمران (49) ﴿ فانفخ فيه ﴾ فعن مكّي بن أبي طالب أنّ الضمير في سورة آل عمران عادَ إلى الطير، والضمير في هذه السورة عاد إلى الهيئة.

واختار ابن عطية أن يكون الضمير هنا عائداً إلى ما تقتضيه الآية ضرورة.

أي بدلالة الاقتضاء.

وذلك أنّ قوله: وإذْ تَخْلُق من الطين كهيئة الطير } يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكّر في سورة آل عمران (49) يعود على المخلوق الذي يقتضيه ﴿ أخْلُق ﴾ وجعله في الكشاف } عائداً إلى الكاف باعتبار كونها صفة للفظ هيئة المحذوف الدّال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكلّ ذلك ناظر إلى أنّ الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلّق ﴿ تنفخ ﴾ ، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا تكون طائراً.

وقرأ نافع وحده ﴿ فتكون طائراً ﴾ بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران.

وتوجيهها هنا أنّ الضمير جرى على التأنيث فتعيّن أن يكون المراد وإذ تخلق، أي تقدّر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائراً، أي كلّ هيئة تقدّرها تكون واحداً من الطير.

وقرأ البقية «طيراً» بصيغة اسم الجمع باعتبار تعدّد ما يقدّره من هيئات كهيئة الطير.

وقال هنا ﴿ وإذا تخرج الموتى ﴾ ولم يقل: ﴿ وأحي الموتى ﴾ ، كما قال في سورة آل عمران (49)، أي تخرجهم من قبورهم أحياء، فأطلق الإخراج وأريد به لازمه وهو الإحياء، لأنّ الميّت وضع في القبر لأجل كونه ميّتاً فكان إخراجه من القبر ملزوماً الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر.

وقد سمّى الله الإحياء خروجاً في قوله: ﴿ وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج ﴾ [ق: 11] وقال: ﴿ إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ﴾ [المؤمنون: 35].

وقوله: ﴿ وإذ كففت بني إسرائيل عنك ﴾ عطف على ﴿ إذْ أيّدتك ﴾ وما عطف عليه.

وهذا من أعظم النعم، وهي نعمة العصمة من الإهانة؛ فقد كفّ الله عنه بني إسرائيل سنين، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلّة أنصاره، فصرفهم الله عن ضرّه حتى أدّى الرسالة، ثمّ لمّا استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه الله منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به، وماتت نفوسهم بغيظها.

وقد دلّ على جميع هذه المدّة الظرف في قوله: ﴿ إذ جئتم بالبيّنات ﴾ فإنّ تلك المدّة كلّها مدّة ظهور معجزاته بينهم.

وقوله: ﴿ فقال الذين كفروا منهم ﴾ تخلّص من تنهية تقريع مكذّبيه إلى كرامة المصدّقين به.

واقتصر من دعاوي تكذيبهم إيّاه على قولهم ﴿ إنْ هذا إلاّ سحر مبين ﴾ ، لأنّ ذلك الادّعاء قصدوا به التوسّل إلى قتله، لأنّ حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام، فقد قرنت التوراة السحر وعِرافةَ الجانّ بالشرك، كما جاء في سفر اللاويّيين في الإصحاح العشرين.

وقرأ الجمهور: ﴿ إنْ هذا إلاّ سحر ﴾ ، والإشارة بِ ﴿ هذا ﴾ إلى مجموع ما شاهدوه من البيّنات.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف ﴿ إلاّ ساحر ﴾ .

والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله: ﴿ إذْ جئتهم بالبيّنات ﴾ .

ولا شك أنّ اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ لا عِلْمَ لَنا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنْكارًا لِما عَلِمُوهُ ولَكِنْ ذَهَلُوا عَنِ الجَوابِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أجابُوا بَعْدَما ثابَتْ عُقُولُهم، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمٌ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لا عِلْمَ لَنا بِما أجابَ بِهِ أُمَمَنا، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ماذا أُجِبْتُمْ ﴾ أيْ ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم ﴿ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُبالَغَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ لِكَثِيرِ المَعْلُوماتِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ سَألَهم عَمّا هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُمْ؟

فَعَلَيْهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما سَألَهم لِيُعْلِمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا مِن كُفْرِ أُمَمِهِمْ ونِفاقِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَفْضَحَهم بِذَلِكَ عَلى الأشْهادِ لِيَكُونَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنَ العُقُوبَةِ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ فيفزعون فيقول: ماذا أجبتم فيقولون: لا علم لنا، فيرد إليهم أفئدتهم فيعلمون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ قال: ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا، ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ فيقولون للرب تبارك وتعالى: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ قال: فرقا تذهل عقولهم، ثم يرد الله عقولهم إليهم، فيكونون هم الذين يسألون يقول الله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ [ الأعراف: 6] .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ قال: من هول ذلك اليوم.

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: يأتي على الخلق ساعة يذهل فيها عقل كل ذي عقل، ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: والذي نفسي بيده لتفسرن لي آياً من كتاب الله عز وجل أو لأكفرن به، فقال ابن عباس: ويحك..

!

أنا لها اليوم، أي آي؟

قال: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله ﴾ [ القصص: 75] فكيف علموا وقد قالوا لا علم لنا؟

وأخبرني عن قول الله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ [ الزمر: 31] وقال في آية أخرى ﴿ لا تختصموا لديَّ ﴾ [ ق: 38] فكيف يختصمون وقد قال: لا تختصموا لديَّ؟

وأخبرني عن قول الله: ﴿ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ﴾ [ يس: 65] فكيف شهدوا وقد ختم على الأفواه؟

فقال ابن عباس: ثكلتك أمك يا ابن الأزرق، إن للقيامة أحوالاً وأهوالاً وفظائع وزلازل، فإذا تشققت السموات، وتناثرت النجوم، وذهب ضوء الشمس والقمر، وذهلت الأمهات عن الأولاد، وقذفت الحوامل ما في البطون، وسجرت البحار، ودكدكت الجبال، ولم يلتفت والد إلى ولد، ولا ولد إلى والد، وجيء بالجنة تلوح فيها قباب الدر والياقوت حتى تنصب على يمين العرش، ثم جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد ممسك بكل زمام سبعون ألف ملك، لها عينان زرقاوان، تجر الشفة السفلى أربعين عاماً، تخطر كما يخطر الفحل، لو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر، ثم يؤتى بها حتى تنصب عن يسار العرش، فتستأذن ربها في السجود فيأذن لها، فتحمده بمحامد لم يسمع الخلائق بمثلها تقول: لك الحمد إلهي إذ جعلتني أنتقم من أعدائك ولم تجعل لي شيئاً مما خلقت تنتقم به مني إلى أهلي، فلهي أعرف بأهلها من الطير بالحب على وجه الأرض، حتى إذا كانت من الموقف على مسيرة مائة عام، وهو قول الله تعالى: ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد ﴾ [ الفرقان: 12] زفرت زفرة فلا يبقي ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صديق منتخب، ولا شهيد مما هنالك الآخر جاثياً على ركبتيه، ثم تزفر الثانية زفرة فلا يبقى قطرة من الدموع إلا بدرت، فلو كان لكل آدمي يومئذ عمل اثنين وسبعين نبياً لظن أنه سيواقعها، ثم تزفر الثالثة زفرة فتنقطع القلوب من أماكنها، فتصير بين اللهوات والحناجر، ويعلو سواد العيون بياضها، ينادي كل آدمي يومئذ يا رب نفسي نفسي، لا أسألك غيرها، حتى أن إبراهيم ليتعلق بساق العرش ينادي: يا رب نفسي نفسي، لا أسألك غيرها، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: يا رب أمتي أمتي، لا همة له غيركم، فعند ذلك يدعى بالأنبياء والرسل فيقال لهم ﴿ ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ طاشت الأحلام وذهلت العقول، فإذا رجعت القلوب إلى أماكنها ﴿ نزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله ﴾ [ القصص: 75] وأما قوله تعالى ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ [ الزمر: 31] فيؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمملوك من المالك، وللضعيف من الشديد، وللجماء من القرناء حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه، فإذا أدى إلى كل ذي حق حقه أمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، اختصموا فقالوا: ربنا هؤلاء أضلونا ﴿ ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار ﴾ [ ص: 16] فيقول الله تعالى ﴿ لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ [ ق: 38] إنما الخصومة بالموقف، وقد قضيت بينكم بالموقف، فلا تختصموا لدي.

وأما قوله: ﴿ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ﴾ [ يس: 65] فهذا يوم القيامة، حيث يرى الكفار ما يعطي الله أهل التوحيد من الفضائل والخير.

يقولون: تعالوا حتى نحلف بالله ما كنا مشركين، فتتكلم الأيدي بخلاف ما قالت الألسن: وتشهد الأرجل تصديقاً للأيدي، ثم يأذن الله للأفواه فتنطق ﴿ فقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ [ فصلت: 21] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ ، انتصاب اليوم يجوز أن يكون بفعل محذوف وهو: احذروا أو اذكروا، وقال الزجاج: وهو محمول على قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾ (١) ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ ﴾ أي: واتقوا ذلك اليوم، فدل ذكر الاتقاء في الآية الأولى على الاتقاء في هذه الآية، ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا أُجِبْتُمْ ﴾ ، قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد (٢) قال أهل المعاني: ومعنى المسألة من الله للرسل التوبيخ للذين أرسلوا إليهم كما قال عز وجل: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ  ﴾ وإنما تُسأل ليُوبَّخ قاتلوها (٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن للقيامة زلازل وأهوالًا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم وشهدوا على من كذبهم، يريد أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا (٤) (٥) (٦) ونحو هذا قال الكلبي: من شدة هذه المسألة وهول ذلك الموطن، قالوا: لا علم لنا، ثم رجعت إليهم عقولهم، فشهدوا على قومهم أنهم بلغوهم الرسالة، وكيف ردوا عليهم (٧) ومثل هذا قال مقاتل (٨) (٩) قال ابن عباس في رواية الوالبي (١٠) (١١) (١٢) وذكر الزجاج هذا القول فقال: وقال بعضهم: معنى قول الرسل: لا علم لنا، أي: لا علم لنا بما غاب عنا ممن أُرسِلنا إليه، وأنت تعلم باطنهم، فلسنا نعلم غيبهم، أنت علام الغيوب (١٣) يدل على صحة هذا التأويل: قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ  ﴾ ، أي: أنت تعلم ما غاب، ونحن نعلم ما نشاهده، ولا نعلم ما في البواطن (١٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.

(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 218، "النكت والعيون" 2/ 78، "زاد المسير" 2/ 453.

(٤) أخرجه الخطيب في تاريخه كما في "الدر المنثور" 2/ 607 - 608، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 125، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير الوسيط" 2/ 244، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.

(٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324.

(٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(٨) في "تفسيره" 1/ 515.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) علي بن أبي طلحة وهي من أصح الطرق عن ابن عباس.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 126 بمعناه، "النكت والعيون" 2/ 78، البغوي 3/ 115، "زاد المسير" 2/ 453.

(١٢) "تفسير الوسيط" 2/ 244، "زاد المسير" 2/ 453.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 126.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل ﴾ هو يوم القيامة، وانتصب الظرف بفعل مضمر أي ماذا أجابكم به الأمم من إيمان وكفر وطاعة ومعصية؟

والمقصود بهذا السؤال توبيخ من كفر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم وانتصب ماذا أجبتم انتصاب مصدره، ولو أريد الجواب، لقيل بماذا أجبتم ﴿ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ إنما قالوا ذلك تأدباً مع الله فوكلوا العلم إليه قال ابن عباس: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا، وقيل معناه علمنا ساقط في جنب علمك ويقوي ذلك قوله إنك أنت علام الغيوب، لأنّ من علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر، وقيل ذهلوا عن الجواب لهول ذلك اليوم، وهذا بعيد لأنّ الأنبياء في ذلك اليوم آمنون، وقيل أرادوا بذلك توبيخ الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

قال أهل التأويل: [بل] إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم.

أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك.

والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله -  -: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ كأنهم قالوا: إن عيسى -  - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟

فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُمْ إلى ما ادَّعَوْا من الأمور.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج.

﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ .

أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ  ﴾ ، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضاً: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي...

﴾ الآية.

إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر - أيضاً - في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟

ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  ﴾ ، وما ذكر في قوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: ﴿ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ وفي ذكر النعم شكرها، وأمر - أيضاً - بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادتهم له.

وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه.

وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  ﴾ أي: جبريل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة.

وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم.

وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ .

قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾ : أي: تصور وتقدر ﴿ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشيء تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقاً؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ ﴾ قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيراً.

وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

قوله  : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله  هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [و] الاختلاف فيه.

ثم قوله: ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى -  - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ  ﴾ وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا، فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم.

والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ الآية، وقوله -  - ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ .

والخطر يكون من الله  ، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله  يكون خيراً، يتبين ذلك في آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون.

ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله -  -: ﴿ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إن قوماً من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى -  - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى -  - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى -  - ليسأل ربه.

وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى -  - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة [من السماء]، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: [الأول]: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فاحبّوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقيناً، وهو كقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقيناً فعلى ذلك أولئك كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم طمأنينة ويقيناً وصلابة في التصديق، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله ؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم.

والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى -  - عند الله وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟

والله أعلم.

وإن كان السؤال من قوم [غير] الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، [و] لا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.

وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ يقرأ بالياء والتاء جميعاً: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضماراً؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.

ومن قرأ بالياء قال: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.

قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟

وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟!

لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.

ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ : هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: اتقوا الله، [و] لا تسألوا شيئاً لم يأذن لكم في ذلك ﴿ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ .

[قوله: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يدل على أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى -  - فيما يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ .

اختلف في تلاوته وفي تأويله: قال بعضهم بالنصب ﴿ نعلم ﴾ ، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا.

والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت.

قوله  : ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ .

أي: طعاماً دائماً.

قال بعضهم: قوله ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ ، أي: مجتمعاً، وسمى يوم العيد؛ لاجتماع الخلق.

ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم.

ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر.

والثاني: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث [نبيُّنا] محمد  فنسخ ذلك بيوم الجمعة.

وقالوا: قوله: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقيل: يحتمل قوله -  -: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكروا -أيها الناس- يوم القيامة حيث يجمع الله أممكم لرسل، فيقول لهم: ماذا أجابتكم به أممكم التي أرسلتكم إليها؟

قالوا مُفوِّضين الجواب إلى الله: لا علم لنا، وإنما العلم لك -ربنا- إنك أنت وحدك من تعلم الأمور الغائبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.xevoG"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله