الآية ١١٧ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١٧ من سورة المائدة

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٧ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به )بإبلاغه ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) أي : ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه : ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) أي : هذا هو الذي قلت لهم ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) أي : كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة قال : انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان فأملاه على سفيان وأنا معه ، فلما قام انتسخت من سفيان ، فحدثنا قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموعظة ، فقال : " يا أيها الناس ، إنكم محشورون إلى الله ، عز وجل ، حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده ، وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي .

فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .

فأقول كما قال العبد الصالح : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " .

ورواه البخاري عند هذه الآية عن الوليد ، عن أبي شعبة - وعن محمد بن كثير ، عن سفيان الثوري ، كلاهما عن المغيرة بن النعمان ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى, يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم, وهو أن قلت لهم: " اعبدوا الله ربي وربكم " =" وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم "، يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم (21) =" فلما توفيتني" ، يقول: فلما قبضتني إليك (22) =" كنت أنت الرقيب عليهم " ، يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني, (23) لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.

وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ .

=" وأنت على كل شيء شهيد " يقول: وأنت تشهد على كل شيء, لأنه لا يخفى عليك شيء, وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء, وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم, فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت.

* * * وبنحو الذي قلنا في قوله: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13032 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدى: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، أما " الرقيب "، فهو الحفيظ.

13033 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال: الحفيظ.

* * * وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربَّه من الله تعالى، توقيفًا منه له فيه.

(24) * ذكر من قال ذلك: 13034 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، قال: الله وقَّفَه.

(25) 13035- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو داود الحفري قال ، قرئ على سفيان, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه طاوس قال : احتج عيسى، والله وقّفه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، الآية.

13036 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن عطاء, عن ميسرة قال : قال الله تعالى ذكره: " يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ؟

قال: فأُرعدت مفاصله, وخشى أن يكون قد قالها, فقال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ .

---------------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير: "شهيد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) = وتفسير"ما دام" فيما سلف 10: 185/ 11 : 74.

(22) انظر تفسير"توفاه" فيما سلف 6: 455 - 461/8 : 73/9 : 100.

(23) انظر تفسير"الرقيب" فيما سلف 7 : 523.

(24) في المطبوعة والمخطوطة: "توفيقًا" (بالفاء قبل القاف) ، في هذا الموضع وما يليه.

وهو خطأ من الناسخ والناشر لا شك فيه ، صوابه ما أثبت.

يقال: "وقفت الرجل على الكلمة توقيفًا" ، إذا علمته الكلمة لم يكن يعلمها ، أو غابت عنه.

أي أنها كانت من تعليم الله إياه ، لم يقلها من عند نفسه.

(25) في المطبوعة والمخطوطة: "الله وفقه" ، وانظر التعليق السالف ، وكذلك ما سيأتي في الأثر التالي.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيدقوله تعالى : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به يعني في الدنيا بالتوحيد .

أن اعبدوا الله أن لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل وانطلق الملأ منهم أن امشوا .

ويجوز أن تكون في موضع نصب ; أي : ما ذكرت لهم إلا عبادة الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض ; أي : بأن اعبدوا الله ; وضم النون أولى ; لأنهم يستثقلوا كسرة بعدها ضمة ، والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين .قوله تعالى : وكنت عليهم شهيدا أي : حفيظا بما أمرتهم .

ما دمت فيهم ما في موضع نصب أي : وقت دوامي فيهم .

فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه قبل أن يرفعه ; وليس بشيء ; لأن الأخبار تظاهرت برفعه ، وأنه في السماء حي ، وأنه ينزل ويقتل الدجال - على ما يأتي بيانه - وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء .

قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وذلك قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها يعني وقت انقضاء أجلها ، ووفاة النوم ; قال الله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل يعني الذي ينيمكم ، ووفاة الرفع ، قال الله تعالى : يا عيسى إني متوفيك .

وقوله كنت أنت أنت هنا توكيد الرقيب خبر كنت ومعناه الحافظ عليهم ، والعالم بهم والشاهد على أفعالهم ; وأصله المراقبة أي : [ ص: 291 ] المراعاة ; ومنه المرقبة لأنها في موضع الرقيب من علو المكان .

وأنت على كل شيء شهيد أي : من مقالتي ومقالتهم : وقيل على من عصى وأطاع ; خرج مسلم عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم - عليه السلام - ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال : ( فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل، فقال: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ } فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي.

{ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به.

{ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم.

{ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) [ وحدوه ] ولا تشركوا به شيئا ، ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت ) أقمت ، ( فيهم فلما توفيتني ) قبضتني ورفعتني إليك ، ( كنت أنت الرقيب عليهم ) والحفيظ عليهم ، تحفظ أعمالهم ، ( وأنت على كل شيء شهيد )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به» وهو «أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنتُ عليهم شهيدا» رقيبا أمنعهم مما يقولون «ما دمت فيهم فلما توفيتني» قبضتني بالرفع إلى السماء «كنتَ أنت الرقيب عليهم» الحفيظ لأعمالهم «وأنت على كل شيء» من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك «شهيد» مطلع عالم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال عيسى عليه السلام: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة، وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنت أنت المطَّلِع على سرائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التنزيه من عيسى - عليه السلام - لله عز وجل - ، بوبعد هذا النفي المؤكد لما سئل عنه بعد كل ذلك يحكي القرآن ما قاله عيسى لقومه فيقول : ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ) أي : ما قلت لهم - يا إلهي - ( اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) وإنما القول الذي قلته لهم هو الذي أمرتني أن أبلغهم إياه وهو عبادتك وحدك لا شريك لك ، فأنت ربي وربهم ، وأنت الذي خلقتني وخلقتهم ، فجيب أن ندين لك جميعاً بالعبادة والخضوع والطاعة ، وأنت تعلم يا إلهي - أنن لم أقصر في ذلك ، وأنني كنت رقيباً وشهيداً على قومي ، وداعياً لهم إلى إخلاص العبادات لك والعمل بموجب أمرك مدة بقائي فيهم .قال الفخر الرازي : وأن في قوله ( أَنِ اعبدوا الله ) مفسرة والمفسر هو الهاء في ( به ) من قوله ( إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ) وهو يعود إلى القول المأمور به .والمعنى : ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به ، وذلك القول هو أن : اعبدوا الله ربي وربكم واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا ، ودل على الأصل بذكرأن المفسرة .وقوله : ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) بيان لانتهاء مهمته بعد فراقه لقومه .أي : أنت تعلم يا إلهي بأني ما أمرتهم إلا بعبادتك وبني ما قصرت في حملهم على طاعتك مدة وجودي معهم ، ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) يا إلهي أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا ، كنت أنت الرقيب عليهم .

أي : كنت أنت وحدك الحفيظ عليهم المراقب لأحوالهم ، العليم بتصرفاتهم الخبير بمن أحسن منهم وبمن أساء وأنت - يا إلهي - على كل شيء شهيد ، لا تخفى عليك خافية من أمور خلقك .هذا .

وما ذهبنا إليه من أن معنى ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) أي : قبضتني بالرفع إلى السماء حيا قول جمهور العلماء .ومنهم من يرى أن معنى ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) أي : أمتني وزعموا أن رفعه إلى السماء كان بعد موته .قال بعض العلماء مؤيدا ما ذهب إليه الجمهور قوله : ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) أي فلما أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء حيا ، إنجاء لي مما دبروه من قتلي ، من التوفي وهو أخذ الشيء وافيا أي كاملا .

وقد جاء التوفي بهذا المعنى في قوله - تعالى - ( ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ .

.

.

) ولا يصح أن يحمل التوفي على الإِماتة ، لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه له ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ، ورفعه إلأى السماء جثة هامدة سخف من القول ، وقد نزه الله السماء أن تكون قبرا لجثث الموتى ، وإن كان الرفع بالروح فقط ، فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا بجسده وروحه وقد جعله الله آية ، والله على كل شيء قدير .وقال الشيخ القاسمي : وقد دلت الآية الكريمة على أن الأنبياء بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم :" يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا " أي غير مختونين - ثم قال : ( كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) .

ثم قال صلى الله عليه وسلم : " ألا وإن أول الخلائق يكسي يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ، فيقال لي : إن هؤلاء لا يزالون مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى حكاية عن عيسى ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ ﴾ أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به والمعنى ما قلت لهم إلا قولاً أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم.

واعلم أنه كان الأصل أن يقال: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولاً على موجب الأدب الحسن، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معاً، ودلّ على الأصل بذكر أن المفسرة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي كنت أشهد على ما يفعلون ما دمت مقيماً فيهم.

﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى ﴾ والمراد منه، وفاة الرفع إلى السماء، من قوله: ﴿ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ  ﴾ .

﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ قال الزجاج: الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم.

﴿ وَأَنتَ على كُلّ شَيء شَهِيدٌ ﴾ يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية، ويجوز حمله على العلم، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(أن) في قوله ﴿ أَنِ اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسر.

والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله.

ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا الله.

وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير الله عزّ وجلّ.

فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به، أو من الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم: لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه.

ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال.

وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت (أن اعبدوا الله) مقام الهاء، فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.

فإن قلت: فكيف يصنع؟

قلت: يحمل فعل القول على معناه؛ لأن معنى (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به).

ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم.

ويجوز أن تكون (أن) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز ﴾ القوي القادر على الثواب والعقاب ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.

فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وإن تغفر لهم)؟

قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا راجِعٍ، أوْ خَبَرُ مُضْمَرٍ أوْ مَفْعُولُهُ مِثْلُ هو أوْ أعْنِي، ولا يَجُوزُ إبْدالُهُ مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ فَإنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ مَفْعُولَ القَوْلِ ولا أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم والقَوْلُ لا يُفَسَّرُ بَلِ الجُمْلَةُ تُحْكى بَعْدَهُ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ القَوْلُ بِالأمْرِ فَكَأنَّ قِيلَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ.

﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أيْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ أمْنَعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَعْتَقِدُوهُ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ.

﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ ﴾ والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ ﴿ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ المُراقِبَ لِأحْوالِهِمْ فَتَمْنَعُ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ القَوْلِ بِهِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ.

﴿ وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مُراقِبٌ لَهُ.

﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ أيْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادَكَ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ.

﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ فَإنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ.

وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيَمْنَعَ التَّرْدِيدَ والتَّعْلِيقَ بِأنْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} أى ماأمرتهم إلا بما أمرتنى به ثم فسرما أمر به فقال {أَنِ اعبدوا الله رَبّي وربكم} فإن مفسرة بمعنى أي {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} رقيباً {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} مدة كوني فيهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} الحفيظ وَأَنتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُدْرِجَ فِيهِ عَدَمُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ حَكَمَ بِانْتِفاءِ صُدُورِ جَمِيعِ الأقْوالِ المُغايِرَةِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَدَخَلَ فِيهِ انْتِفاءُ صُدُورِ القَوْلِ مَذْكُورًا دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ عِنْدَ البَعْضِ ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: ﴿ ما قُلْتُ لَهُمْ ﴾ نُزُولًا عَلى قَضِيَّةِ حُسْنِ الأدَبِ لِئَلّا يَجْعَلَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ونَفْسَهُ مَعًا آمِرِينَ ومُراعاةً لِما ورَدَ في الِاسْتِفْهامِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإقْحامِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ ولا يَرُدُّ أنَّ الأمْرَ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى المَأْمُورِ بِهِ إلّا قَلِيلًا كَقَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ فَكَذا ما أُوِّلَ بِهِ لِأنَّهُ -كَما قالَ ابْنُ هِشامٍ - لا يَلْزَمُ مِن تَأْوِيلِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ أنْ يَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ كَما صَرَّحُوا بِهِ لِأنَّ التَّعْدِيَةَ تَنْظُرُ إلى اللَّفْظِ، نَعَمْ قِيلَ: في جَعْلِ - أنْ - مُفَسِّرَةً بِفِعْلِ الأمْرِ المَذْكُورِ صِلَتُهُ نَحْوَ أمَرْتُكَ بِهَذا أنْ قُمْ، نُظِرَ إمّا في طَرِيقِ القِياسِ فَلِأنَّ أحَدَهُما مُغْنٍ عَنِ الآخَرِ، وإمّا في الِاسْتِعْمالِ فَلِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، ونُظِرَ فِيما ذُكِرَ في طَرِيقِ القِياسِ لِأنَّ الأوَّلَ لا يُغْنِي عَنِ الثّانِي والثّانِي لا يُغْنِي عَنِ الأوَّلِ، ولِلتَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ شَأْنٌ ظاهِرٌ، وادَّعى ابْنُ المُنِيرِ أنَّ تَأْوِيلَ هَذا القَوْلِ بِالأمْرِ كُلْفَةٌ لا طائِلَ وراءَها وفِيهِ نَظَرٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ عَلى مَعْناهُ و (أنِ اعْبُدُوا) إمّا خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ أيْ: هو أنِ اعْبُدُوا أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في (بِهِ)، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ عَطْفَ البَيانِ في الجَوامِدِ بِمَنزِلَةِ النَّعْتِ في المُشْتَقّاتِ فَكَما أنَّ الضَّمِيرَ يُنْعَتُ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ عَطْفُ بَيانٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُخْتَلِفِ فِيهِ، وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ جَوَّزَهُ، وما في المُغْنِي قَدْ أشارَ شُرّاحُهُ إلى رَدِّهِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلِّ، ورَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ بِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في حُكْمِ التَّنْحِيَةِ والطَّرْحِ، فَيَلْزَمُ خُلُوُّ الصِّلَةِ مِنَ العائِدِ بِطَرْحِهِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَذْهَبَ المَنصُورَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ الطَّرْحِ مُطْلَقًا بَلْ قَدْ يُعْتَبَرُ طَرْحُهُ في بَعْضِ الأحْكامِ، كَما إذا وقَعَ مُبْتَدَأٌ فَإنَّ الخَبَرَ لِلْبَدَلِ نَحْوَ: زَيْدٌ عَيْنُهُ حَسَنَةٌ، ولا يُقالُ حَسَنٌ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُبْدَلٍ مِنهُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ فِيما إذا كانَ البَدَلُ بَدَلَ غَلَطٍ، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ وإنْ لَزِمَ خُلُوُّ الصِّلَةِ مِنَ العائِدِ بِالطَّرْحِ لَكِنْ لا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ يَقُومُ مَقامَهُ كَما في قَوْلِهِ: وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ ولا يَخْفى أنَّ في صِحَّةِ قِيامِ الظّاهِرِ هُنا مَقامَ الضَّمِيرِ خِلافًا لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما أمَرْتَنِي بِهِ) واعْتُرِضَ بِأنَّ (ما) مَفْعُولُ القَوْلِ ولا بُدَّ فِيهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَحْكِيَّةً أوْ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاها أوْ ما أُرِيدَ لَفْظُهُ، وإذا كانَ العِبادَةُ بَدَلًا كانَتْ مَفْعُولَ القَوْلِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ واحِدًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَلا يُقالُ: ما قُلْتُ لَهم إلّا العِبادَةَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ العِبادَةَ وإنْ لَمْ تُقَلْ فالأمْرُ بِها يُقالُ و(أنِ) المَوْصُولَةُ بِفِعْلِ الأمْرِ يُقَدَّرُ مَعَها الأمْرُ فَيُقالُ هُنا: ما قُلْتُ لَهم إلّا الأمْرَ بِالعِبادَةِ، ولا رَيْبَ في صِحَّتِهِ لِأنَّ الأمْرَ مَقُولٌ بَلْ قَوْلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ العِبادَةِ مَقُولَةً غَيْرُ بَعِيدٍ عَلى طَرِيقَةِ ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ أيِ الوَطَنِ الَّذِي قالُوا قَوْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، وفي الفَوائِدِ أنَّ المُرادَ: ما قُلْتُ لَهم إلّا عِبادَتَهُ أيِ الزَمُوا عِبادَتَهُ فَيَكُونُ هو المُرادَ مِن ﴿ ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ ويَصِحُّ كَوْنُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿ ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ مِن حَيْثُ أنَّها في حُكْمِ المُرادِ لِأنَّها مَقُولَةٌ و ﴿ ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ مُفْرَدٌ لَفْظًا وجُمْلَةً مَعْنًى ولا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، وجُوِّزَ إبْقاءُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ و(أنْ) مُفَسِّرَةٌ إمّا لِفِعْلِ القَوْلِ أوْ لِفِعْلِ الأمْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ لا يُفَسَّرُ بَلْ يُحْكى بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ ونَحْوِها، وبِأنَّ فِعْلَ الأمْرِ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وهو لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِـ ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ بَلْ بِـ (اعْبُدُونِي) أوِ (اعْبُدُوا اللَّهَ) ونَحْوِهِ وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى مَعْنى قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبارَةٍ أُخْرى، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مُرْهم بِعِبادَتِي، أوْ قالَ لَهم عَلى لِسانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ عِيسى ورَبَّكُمْ، فَلَمّا حَكاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ، فَكَنّى عَنِ اسْمِهِ الظّاهِرِ بِضَمِيرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى ﴾ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ أخْرَجْنا بَلْ فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى، لَكِنْ لَمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدَّ الكَلامَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وأضافَ الإخْراجَ إلى ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى طَرِيقَةِ المُتَكَلِّمِ لا الحاكِي، وإنْ كانَ أوَّلُ الكَلامِ حِكايَةً ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وقالَ أبُو حَيّانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَسَّرُ ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ويَكُونَ ﴿ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إضْمارٍ، أعْنِي لا عَلى الصِّفَةِ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، واعْتَمَدَهُ ابْنُ الصّائِغِ وجَعَلَهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ عَلى رَأْيٍ، وفي أمالِي ابْنِ الحاجِبِ: إذا حَكى حاكٍ كَلامًا فَلَهُ أنْ يَصِفَ المُخْبَرَ عَنْهُ بِما لَيْسَ في كَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقُسِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ وقِيلَ عَلى الأوَّلِ: إنَّ بَعْضَهم أجازَ وُقُوعَ (أنِ) المُفَسِّرَةِ بَعْدَ لَفْظِ القَوْلِ ولَمْ يَقْتَصِرْ بِها عَلى ما في مَعْناهُ فَيَقَعُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرًا لَهُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في أنَّهُ يَقْتَرِنُ المَقُولُ المَحْكِيُّ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ مَقُولَ القَوْلِ في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لا مَحِلَّ لَها فَلَعَلَّ مُرادَ البَعْضِ مُجَرَّدُ الوُقُوعِ والتِزامُ أنَّ المَقُولَ مَحْذُوفٌ وهو المَحْكِيُّ وهَذا تَفْسِيرٌ لَهُ أيْ ما قُلْتُ لَهم مَقُولًا فَتَدَبَّرْ فَقَدِ انْتَشَرَتْ كَلِماتُ العُلَماءِ هُنا ﴿ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ أيْ رَقِيبًا أُراعِي أحْوالَهم وأحْمِلُهم عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ أمْرِكَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ومُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ (عَلَيْهِمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ مُتَعَلِّقٌ بِشَهِيدًا ولَعَلَّ التَّقْدِيمَ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ ما دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أيْ مُدَّةُ دَوامِي فِيما بَيْنَهم ﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ أيْ قَبَضْتَنِي بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ كَما يُقالُ تَوَفَّيْتُ المالَ إذا قَبَضْتُهُ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ وعَنِ الجَبائِيِّ أنَّ المَعْنى أمَتَّنِي وادَّعى أنَّ رَفْعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ كانَ بَعْدَ مَوْتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ النَّصارى وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ الحَفِيظَ المُراقِبَ فَمَنَعْتَ مَن أرَدْتَ عِصْمَتَهُ عَنِ المُخالَفَةِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الآياتِ وخَذَلْتَ مَن خَذَلْتَ مِنَ الضّالِّينَ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّقِيبِ المُطَّلِعِ المُشاهِدِ، ومَعْنى الجُمْلَتَيْنِ إنِّي ما دُمْتُ فِيهِمْ كُنْتُ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ فَيُمْكِنُ لِي بَيانُها فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ المُشاهِدَ لِذَلِكَ لا غَيْرَكَ فَلا أعْلَمُ حالَهم ولا يُمْكِنُنِي بَيانُها، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ وقَدْ نَصَّ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الرَّقِيبَ والشَّهِيدَ هُنا بِمَعْنًى واحِدٍ وهو ما فُسِّرَ بِهِ الشَّهِيدُ أوَّلًا ولَكِنْ تَفَنَّنَ في العِبارَةِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الشَّهِيدِينَ والرَّقِيبَيْنِ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَقِيبًا لَيْسَ كالرَّقِيبِ الَّذِي يَمْنَعُ ويُلْزِمُ بَلْ كالشّاهِدِ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ ومَنعُهُ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مَنعَ إلْزامٍ بِالأدِلَّةِ والبَيِّناتِ و (أنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ أوْ تَأْكِيدٌ و(الرَّقِيبَ) خَبَرُ كانَ.

وقُرِئَ (الرَّقِيبُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ (أنْتَ) والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ و(عَلَيْهِمْ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقِيبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ 711 - تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وفِيهِ -عَلى ما قِيلَ- إيذانٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ هُوَ الشَّهِيدَ في الحَقِيقَةِ عَلى الكُلِّ حِينَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم و (عَلى) مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهِيدٍ، والتَّقْدِيمُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني: يوم القيامة أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي روى أسباط عن السدي قال: لما رفع عيسى، وقالت النصارى ما قالت.

وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، سأله عن قولهم.

وقال الضحاك: يدعى بعيسى يوم القيامة، ويدعى بالنصارى، فيقفهم، ويسأله ليفضحهم على رؤوس الناس.

وقال الزجاج: هو سؤال التوبيخ للذين اعتدوا عليهم، لأنهم مجمعون أنه صادق وأنه لا يكذبهم الصادق عنده.

وذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ.

والتوبيخ ضرب من العقوبة.

ويقال: إن الله تعالى لما قال لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أخذته الرّعدة من هيبة ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه قالَ سُبْحانَكَ فنزُّه الرب عن ذلك، أن يكون أمرهم بذلك.

فقال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يقول: ما ينبغي وما يجوز لى أَنْ أَقُولَ مَا ليس لى بحق.

يعني: ليس بعدل أن يعبدوا غيرك إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ يعني: إن قلت لهم ذلك القول فَقَدْ عَلِمْتَهُ فإنك تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي يعني: ما كان مني في الدنيا وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ يعني: ولا أطلع على غيبك وما كان منك.

وقال أهل اللغة: نفس الشيء: جملة الشيء، وحقيقته، وذاته فمعناه: تعلم ما في ضميري، وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى حقيقتك وغيبك.

إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون.

وقيل: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي التي نسبت إلي، وأمرتني بالتسليم إليك.

وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ التي سلمت إليك، فأنت مالكها بجميع ما كان وما يكون منها، وأنت علام الغيوب قبل كونها وكون فعلها.

قرأ حمزة: الْغُيُوبِ بكسر الغين ومعناهما واحد.

وقرأ نافع وعاصم وابن عامر: إِنِّي مُنَزِّلُها بالتشديد.

وقرأ الباقون: بالتخفيف.

وهما لغتان نَزَل وأنْزَلَ بمعنى واحد.

ثم قال: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ يعني: في الدنيا بالتوحيد أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: وحدوا الله وأطيعوه رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يعني: على بني إسرائيل، أي: بلغتهم الرسالة.

ويقال: شهيداً يعني: حفيظاً بما أمرتهم مَّا دُمْتُ فِيهِمْ يعني: ما دمت مقيماً في الدنيا بين أظهرهم.

فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يعني: رفعتني إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يعني: الحفيظ والشاهد عليهم.

وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من مقالتي ومقالتهم.

وما أدري ما أحدثوا بعدي إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قرأ ابن مسعود: فَإِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم وقرأ غيره: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فإن قيل: وكيف سأل المغفرة للكفار.

قيل له: لأن عيسى علم أن بعضهم قد تاب ورجع عن ذلك.

فقال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ يعني: الذين ماتوا على الكفر، فإنهم عبادك وأنت القادر عليهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يعني: الذين أسلموا ورجعوا عن ذلك.

وقال بعضهم: احتمل أنه لم يكن في كتابه إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 116] فلهذا المعنى دعا لهم، ولكن التأويل الأول أحسن.

ويقال: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يعني: لكذبهم الذي قالوا عليّ خاصة، لا لشركهم.

وهذا التأويل ليس بسديد، والأول أحسن.

وروي عن أبي ذر الغفاري عن النبيّ  أنه قرأ هذه الآية ذات ليلة، فردّدها حتى أصبح: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ الآية وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنك أنت العزيز الحكيم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإنهم عبادك قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...

الآية: اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره: لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم، فقال: سُبْحانَكَ ...

«١» الآية، ويجيء على هذا قولُهُ:

وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، أي: في التوبة مِنَ الكُفْر لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس: هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنّ ما كانوا فيه باطل، فقال «٢» على هذا التأويلِ بمعنى: «يَقُولُ» ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ: معناه: إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك فلأنك أهْلٌ لذلك لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩] .

وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، أي: ما يكون/ لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً، وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً، فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ، وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات.

والمعنى: أن اللَّه- سبحانه- يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ أيْ: عَلى ما يَفْعَلُونَ ما كُنْتُ مُقِيمًا فِيهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ.

والثّانِي: بِالمَوْتِ عِنْدَ انْتِهاءِ الأجَلِ.

و "الرَّقِيبُ" مَشْرُوحٌ في سُورَةِ (النِّساءِ) و "الشَّهِيدُ" في (آلِ عِمْرانَ) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهُ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ اِخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في وقْتِ وُقُوعِ هَذا القَوْلِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: لَمّا رَفَعَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِ؛ قالَتِ النَصارى ما قالَتْ؛ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أمَرَهم بِذَلِكَ؛ فَسَألَهُ تَعالى حِينَئِذٍ عن قَوْلِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ "سُبْحانَكَ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ "قالَ"؛ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ في المُضِيِّ؛ ويَجِيءُ قَوْلُهُ آخِرًا: ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ ؛ أيْ بِالتَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ هَذا ما قالَهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - وهم أحْياءٌ في الدُنْيا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ إنَّما هو في يَوْمِ القِيامَةِ؛ يَقُولُ اللهُ لَهُ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ؛ فَيَرى الكُفّارُ تَبَرِّيهِ مِنهُمْ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ ما كانُوا فِيهِ باطِلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"قالَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: "يَقُولُ"؛ ونُزِّلَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ دَلالَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ وثُبُوتِهِ؛ وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ ؛ مَعْناهُ: إنْ عَذَّبْتَ العالَمَ كُلَّهُ فَبِحَقِّكَ؛ وإنْ غَفَرْتَ؛ وسَبَقَ ذَلِكَ في عِلْمِكَ؛ فَلِأنَّكَ أهْلٌ لِذَلِكَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِكَ؛ ولا مُنازِعَ لَكَ؛ ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ تَفْعَلَ أحَدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ بَلْ قالَ هَذا القَوْلَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ وفائِدَةُ هَذا التَوْقِيفِ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ - ظُهُورُ الذَنْبِ عَلى الكَفَرَةِ في عِبادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو تَوْقِيفٌ لَهُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ بَيانُ ضَلالِ الضالِّينَ.

و"سُبْحانَكَ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَكَ عن أنْ يُقالَ هَذا؛ ويُنْطَقَ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ؛ فَهَذا مُمْتَنِعٌ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الأُلُوهِيَّةَ؛ وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الصِيغَةُ فِيما لا يَنْبَغِي؛ ولا يَحْسُنُ؛ مَعَ إمْكانِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ ؛ فَوَفَّقَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِهَذِهِ الحُجَّةِ البالِغَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ﴾ ؛ بِإحاطَةِ اللهِ بِهِ؛ وخَصَّ النَفْسَ بِالذِكْرِ لِأنَّها مَظِنَّةُ الكَتْمِ والِانْطِواءِ عَلى المَعْلُوماتِ؛ والمَعْنى إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في نَفْسِ عِيسى ويَعْلَمُ كُلَّ أمْرِهِ؛ مِمّا عَسى ألّا يَكُونَ في نَفْسِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ مِنَ المَعْلُوماتِ؛ وما أحَطْتَ بِهِ؛ وذِكْرُ النَفْسِ هُنا مُقابَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ في اللِسانِ العَرَبِيِّ؛ يَقْتَضِيها الإيجازُ؛ وهَذا يَنْظُرُ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ  ﴾ ؛ ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ؛ فَتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ إنَّما قادَ إلَيْها طَلَبُ المُقابَلَةِ اللَفْظِيَّةِ؛ إذْ هي مِن فَصِيحِ الكَلامِ؛ وبارِعِ العِبارَةِ؛ ثُمَّ أقَرَّ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِلَّهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ؛ والمَعْنى: "وَلا عِلْمَ لِي أنا بِغَيْبٍ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ لِيَ الأُلُوهِيَّةُ؟"؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا صَنَعَ في الدُنْيا؛ وقالَ في تَبْلِيغِهِ؛ وهو أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللهِ في أنْ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ ؛ وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللهَ ﴾ ؛ مُفَسِّرَةٌ؛ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "ما"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنِ اعْبُدُوا اللهَ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ".

ثُمَّ أخْبَرَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهُ كانَ شَهِيدًا ما دامَ فِيهِمْ في الدُنْيا؛ فَـ "ما"؛ ظَرْفِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ ؛ أيْ: قَبَضْتَنِي إلَيْكَ بِالرَفْعِ؛ والتَصْيِيرِ في السَماءِ؛ و"اَلرَّقِيبُ": اَلْحافِظُ المُراعِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذْ قَالَ الله ﴾ عطف على قوله: ﴿ إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك ﴾ [المائدة: 110] فهو ما يقوله الله يوم يجمع الرسل وليس ممّا قاله في الدنيا، لأنّ عبادة عيسى حدثت بعد رفعه، ولقوله: ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ .

فقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به يوم القيامة.

وأنّ قوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴾ قول يقوله يوم القيامة.

وهذا مبدأ تقريع النصارى بعد أن فُرغ من تقريع اليهود من قوله: ﴿ إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك ﴾ [المائدة: 110] إلى هنا.

وتقريع النصارى هو المقصود من هذه الآيات كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ [المائدة: 109] الآية، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله تعالى للرسل ﴿ ماذا أجبتم ﴾ [المائدة: 109] والله يعلم أنّ عيسى لم يقل ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ يدلّ على أنّ الاستفهام متوجّه إلى تخصيصه بالخبر دون غيره مع أنّ الخبر حاصل لا محالة.

فقول قائلين: اتّخِذوا عيسى وأمّه إلهين، واقع.

وإنّما ألقي الاستفهام لعيسى أهو الذي قال لهم ذلك تعريضاً بالإرهاب والوعيد بتوجّه عقوبة ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصّل منه عيسى فيعلم أحبارهم الذين اخترعوا هذا القول أنّهم المراد بذلك.

والمعنى أنّه إن لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله لأنّهم زعموا أنّهم يتّبعون أقوال عيسى وتعاليمه، فلو كان هو القائل لقال: اتّخذوني وأمّي، ولذلك جاء التعبير بهذين اللفظين في الآية.

والمراد بالناس أهل دينه.

وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ متعلّق بِ ﴿ اتّخذوني ﴾ ، وحرف ﴿ من ﴾ صلة وتوكيد.

وكلمة ﴿ دون ﴾ اسم للمكان المجاوز، ويكثر أن يكون مكاناً مجازياً مراداً به المغايرة، فتكون بمعنى (سوى).

وانظر ما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [المائدة: 76].

والمعنى اتّخذوني وأمّي إلهين سوى الله.

وقد شاع هذا في استعمال القرآن قال تعالى: ﴿ ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحبّ الله ﴾ [البقرة: 165]، وقال: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، وغير ذلك من الآيات التي خوطب بها المشركون مع أنّهم أشركوا مع الله غيره ولم ينكروا إلهيّة الله.

وذُكر هذا المتعلّق إلزاماً لهم بشناعة إثبات إلهية لغير الله لأنّ النصارى لمّا ادّعوا حلول الله في ذات عيسى توزّعت الإلهية وبطلت الوحدانية.

وقد تقدّم بيان هذا المذهب عند تفسير قوله تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ في هذه السورة (17).

وجواب عيسى عليه السلام بقوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه لله تعالى عن مضمون تلك المقالة.

وكانت المبادرة بتنزيه الله تعالى أهمّ من تبرئته نفسه، على أنّها مقدّمة للتبرّي لأنّه إذا كان ينزّه الله عن ذلك فلا جرم أنّه لا يأمر به أحداً.

وتقدّم الكلام على ﴿ سبحانك ﴾ في قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ في سورة البقرة (32).

وبرّأ نفسه فقال: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ؛ فجملة ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾ مستأنفة لأنّها جواب السؤال.

وجملة ﴿ سبحانك ﴾ تمهيد.

وقوله: ﴿ ما يكون لي ﴾ مبالغة في التبرئة من ذلك، أي ما يوجد لديّ قول ما ليس لي بحقّ، فاللام في قوله: ﴿ ما يكون لي ﴾ للاستحقاق، أي ما يوجد حقّ أن أقول.

وذلك أبلغ من لم أقله لأنّه نفى أن يوجد استحقاقه ذلك القول.

والباء في قوله ﴿ بحقّ ﴾ زائدة في خبر ﴿ ليس ﴾ لتأكيد النفي الذي دلّت عليه ﴿ ليس ﴾ .

واللام في قوله ﴿ ليس لي بحقّ ﴾ متعلّقة بلفظ ﴿ حقّ ﴾ على رأي المحقّقين من النحاة أنّه يجوز تقديم المتعلّق على متعلّقه المجرور بحرف الجرّ.

وقدّم الجارّ والمجرور للتنصيص على أنّه ظرف لغو متعلّق ﴿ بحقّ ﴾ لئلا يتوهّم أنّه ظرف مستقرّ صفة ل ﴿ حقّ ﴾ حتى يفهم منه أنّه نفى كون ذلك حقّاً له ولكنّه حقّ لغيره الذين قالوه وكفروا به، وللمبادرة بما يدلّ على تنصّله من ذلك بأنّه ليس له.

وقد أفاد الكلام تأكيدَ كون ذلك ليس حقّاً له بطريق المذهب الكلامي لأنّه نفى أن يباح له أن يقول ما لا يحقّ له، فعُلم أنّ ذلك ليس حقّاً له وأنّه لم يقله لأجل كونه كذلك.

فهذا تأكيد في غاية البلاغة والتفنّن.

ثم ارتقى في التبرّئ فقال: ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ ، فالجملة مستأنفة لأنّها دليل وحجّة لمضمون الجملة التي قبلها، فكانت كالبيان فلذلك فصلت.

والضمير المنصوب في ﴿ قلته ﴾ عائد إلى الكلام المتقدّم.

ونصْب القول للمفرد إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى: ﴿ كلاّ إنّها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100]، فاستدلّ على انتفاء أن يقوله بأنّ الله يعلم أنّه لم يقله، وذلك لأنّه يتحقّق أنّه لم يقله، فلذلك أحال على علم الله تعالى.

وهذا كقول العرب: يعلم الله أني لم أفعل، كما قال الحارث بن عبّاد: لَم أكُنْ من جُنَاتِعَا عَلِمَ الله وأني لِحرّها اليومَ صالٍ *** ولذلك قال: ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ ، فجملة ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ بيان لجملة الشرط ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ فلذلك فُصلت.

والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان، إنسان وهي الروح الإنساني، وتطلق على الذات.

والمعنى هنا: تعلم ما أعتقده، أي تعلم ما أعلمه لأنّ النفس مقرّ العلوم في المتعارف.

وقوله: ﴿ ولا أعلم ما في نفسك ﴾ اعتراض نشأ عن ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ لقصد الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كلّ حال.

وذلك مبالغة في التنزيه وليس له أثر في التبرّئ، والتنصّل، فلذلك تكون الواو اعتراضية.

وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يُطلع عليه غيره، أي ولا أعلم ما تعلمه، أي ممّا انفردت بعمله.

وقد حسّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في «الكشاف».

وفي جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلة خلاف؛ فمن العلماء من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح «المفتاح» و«التخليص».

وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو ﴿ ويحذّركم الله نفسه ﴾ [آل عمران: 28] من قبيل المتشابه.

ومن العلماء من جوّز ذلك مثل إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في «التفسير» عند قوله تعالى: ﴿ كتب ربّكم على نفسه الرحمة ﴾ في سورة الأنعام (54)، ويشهد له تكرّر استعماله في القرآن وكلام النبي كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي } .

وقوله: ﴿ إنّك أنت علاّم الغيوب ﴾ علّة لقوله: ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ ولذلك جيء بِ (إنّ) المفيدة التعليل.

وقد جمع فيه أربع مؤكّدات وطريقة حصر، فضمير الفصل أفاد الحصر، وإنّ وصيغة الحصر، وجمع الغيوب، وأداة الاستغراب.

وبعد أن تبرّأ من أن يكون أمرَ أمّته بما اختلقوه انتقل فبيّن أنّه أمرهم بعكس ذلك حسبما أمره الله تعالى فقال ﴿ ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به ﴾ ، فقوله: ﴿ ما قلت لهم ﴾ ارتقاء في الجواب، فهو استئناف بمنزلة الجواب الأول وهو ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾ الخ...

صرّح هنا بما قاله لأنّ الاستفهام عن مقاله.

والمعنى: ما تجاوزتُ فيما قلتُ حدّ التبليغ لما أمرتني به، فالموصول وصلته هومقول ﴿ ما قلت لهم ﴾ وهو مفرد دالّ على جُمل، فلذلك صحّ وقوعه منصوباً بفعل القول.

و ﴿ أنْ ﴾ مفسّرة ﴿ أمرتني ﴾ لأنّ الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة ﴿ اعبدوا الله ربّي وربّكم ﴾ تفسيرية لِ ﴿ أمرتني ﴾ .

واختير ﴿ أمرتني ﴾ على (قلت لي) مبالغة في الأدب.

ولمّا كان ﴿ أمرتني ﴾ متضمّناً معنى القول كانت جملة ﴿ اعبدوا الله ربّي وربّكم ﴾ هي المأمورُ بأن يبلّغه لهم فالله قال له: قل لهم اعبدوا الله ربّي وربّكم.

فعلى هذا يكون ﴿ ربّي وربّكم ﴾ من مقول الله تعالى لأنّه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبّر عن ذلك بفعل ﴿ أمرتني به ﴾ صح تفسيره بحرف ﴿ أن ﴾ التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره الله بأن يقوله.

فلا حاجة إلى ما تكلّف به في «الكشاف» على أنّ صاحب «الانتصاف» جوّز وجهاً آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى، فيكون الله تعالى قال له: قل لهم أن يعبدوا ربّك وربّهم.

فلمّا حكاه عيسى قال: اعبدوا الله ربّي وربّكم اه.

وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالاً لحكاية القول بالمعنى.

وأقول: هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿ مكنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم ﴾ في سورة الأنعام (6) إذَا أخبرت أنّك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له: فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها، فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه.

وعندي أنّه ضعيف في هذه الآية.

ثمّ تبرّأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} أي كنت مشاهداً لهم ورقيباً يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء.

و ﴿ ما دمت ﴾ (ما) فيه ظرفية مصدرية، و(دام) تامّة لا تطلب منصوباً، و ﴿ فيهم ﴾ متعلّق بِ ﴿ دمتُ ﴾ ، أي بينهم، وليس خبراً لِ (دام) على الأظهر، لأنّ (دام) التي تطلب خبراً هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معيّن هو مضمون خبرها، أمّا هي هنا فهي بمعنى البقاء، أي ما بقيت فيهم، أي ما بقيت في الدنيا.

ولذلك فرّع عنه قوله: ﴿ فلمّا توفّيتني كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم ﴾ ، أي فلمّا قضيت بوفاتي، لأنّ مباشر الوفاة هو ملك الموت.

والوفاة الموت، وتوفّاه الله أماته، أي قضى به وتوفّاه ملك الموت قبض روحه وأماته.

وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى ﴿ إنّي متوفّيك ﴾ في سورة آل عمران (55).

والمعنى: أنّك لمّا توفّيتني قد صارت الوفاة حائلاً بيني وبينهم فلم يكن لي أن أنكر عليهم ضلالهم، ولذلك قال كنتَ أنتَ الرقيب عليهم } ، فجاء بتضير الفصل الدّال على القصر، أي كنت أنتَ الرقيب لا أنا إذ لم يبق بيني وبين الدنيا اتّصال.

والمعنى أنّك تعلم أمرهم وترسل إليهم من يهديهم متى شئت.

وقد أرسل إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وهداهم بكلّ وجوه الاهتداء.

وأقصى وجوه الاهتداء إبلاغهم ما سيكون في شأنهم يوم القيامة.

وقوله: ﴿ وأنت على كلّ شيء شهيد ﴾ تذييل، والواو اعتراضية إذ ليس معطوفاً على ما تقدّم لئلاّ يكون في حكم جواب ﴿ لمّا ﴾ .

وقوله: ﴿ إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم ﴾ فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بما يجازيهم به لأنّ المقام مقام إمساك عن إبداء رغبة لشدّة هول ذلك اليوم، وغاية ما عرّض به عيسى أنه جوّز المغفرة لهم رحمة منه بهم.

وقوله: ﴿ فإنّك أنت العزيز الحكيم ﴾ ذكر العزيز كناية عن كونه يغفر عن مقدرة، وذكر الحكيم لمناسبته للتفويض، أي المحكِم للأمور العالم بما يليق بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةَ.

( إذْ ) ها هُنا بِمَعْنى (إذا ) كَما قالَ أبُو النَّجْمِ ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلا يَعْنِي إذا جَزى، فَأقامَ الماضِي مَقامَ المُسْتَقْبَلِ وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ  ﴾ .

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في مَعْنى هَذا السُّؤالِ ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ إنْكارُهُ بَعْدَ السُّؤالِ أبْلَغَ في التَّكْذِيبِ وأشَدَّ في التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَصَدَ بِهَذا السُّؤالِ تَعْرِيفَهُ أنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.

فَإنْ قِيلَ: فالنَّصارى لَمْ تَتَّخِذْ مَرْيَمَ إلَهًا، فَكَيْفَ قالَ تَعالى فِيهِمْ ذَلِكَ؟

قِيلَ: لِما كانَ مِن قَوْلِهِمْ أنَّها لَمْ تَلِدْ بَشَرًا وإنَّما ولَدَتْ إلَهًا لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا إنَّها لِأجْلِ البَعْضِيَّةِ بِمَثابَةِ مَن ولَدَتْهُ، فَصارُوا حِينَ لَزِمَهم ذَلِكَ كالقائِلِينَ لَهُ.

وَفي زَمانِ هَذا السُّؤالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِعِيسى حِينَ رَفَعَهُ إلَيْهِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ ومَيْسَرَةُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وهو أصَحُّ القَوْلَيْنِ.

﴿ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ أيِ أدَّعِي لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، يَعْنِي أنَّنِي مَرْبُوبٌ ولَسْتُ بِرَبٍّ، وعابِدٌ ولَسْتُ بِمَعْبُودٍ.

وَبَدَأ بِالتَّسْبِيحِ قَبْلَ الجَوابِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.

الثّانِي: خُضُوعًا لِعِزَّتِهِ وخَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ فَرَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ تَعالى، وقَدْ كانَ اللَّهُ عالِمًا بِهِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، ولَكِنْ قالَهُ تَقْرِيعًا لِمَنِ اتَّخَذَ عِيسى إلَهًا.

﴿ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ.

والثّانِي: تَعْلَمُ ما أعْلَمُ ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُ.

وَفي النَّفْسِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الجُمْلَةِ كُلِّها.

والثّانِي: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ بَعْضِهِ، كَقَوْلِهِمْ قَتَلَ فُلانٌ نَفْسَهُ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عالِمُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

والثّانِي: عالِمُ ما كانَ وما يَكُونُ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والعَلّامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَلّامَ الَّذِي تَقَدَّمَ عِلْمُهُ، والعالِمُ الَّذِي حَدَثَ عِلْمُهُ.

والثّانِي: أنَّ العَلّامَ الَّذِي يَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ، والعالِمَ الَّذِي يَعْلَمُ ما كانَ ولا يَعْلَمُ ما يَكُونُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ لَمْ يَذْكُرْ عِيسى ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَكْذِيبًا لِمَنِ اتَّخَذَ إلَهًا مَعْبُودًا.

والثّانِي: الشَّهادَةُ بِذَلِكَ عَلى أُمَّتِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم أنَّ اللَّهَ رَبَّهُ ورَبَّهم واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوا رَبًّا واحِدًا حَتّى لا يُخالِفُوا فِيما عَبَدُوهُ.

﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شاهِدًا.

والثّانِي: شاهِدًا عَلَيْهِمْ.

﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَفْعُهُ إلى السَّماءِ.

﴿ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحافِظُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: العالِمُ بِهِمْ.

﴿ وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: شاهِدًا لِما حَضَرَ وغابَ.

والثّانِي: شاهِدًا عَلى مَن عَصى، وأطاعَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ لَهم والرَّأْفَةِ بِهِمْ كَما يَسْتَعْطِفُ العَبْدُ سَيِّدَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ رَبِّهِ والِاسْتِجارَةِ مِن عَذابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: يلقي الله عيسى والله لقاه في قوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ قال أبو هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلقاه الله ﴿ سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ » .

الآية كلها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ميسرة قال: لما ﴿ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ أرعد كل مفصل منه حتى وقع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال: لما قال: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ زال كل مفصل له من مكانه خيفة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ متى يكون ذلك؟

قال: يوم القيامة ألا ترى أنه يقول ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ [ المائدة: 119] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ قال: لما رفع الله عيسى بن مريم إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في هذه الآية قال: احتج عيسى وربه والله وفقه ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ من طريق طاوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عيسى حاجه ربه فحاج عيسى ربه، والله لقاه حجته بقوله: ﴿ أأنت قلت للناس...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم، قال: ويدعى عيسى فيقول لعيسى ﴿ يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ فيقول ﴿ سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ إلى قوله: ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، فأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما كان يقول أنه إنما كان يقول باطلاً.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ قال: سيدي وسيدكم.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ثم قرأ ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ﴾ [ الأنبياء: 104] ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ﴾ فيقال: أما هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كنت أنت الرقيب عليهم ﴾ قال: الحفيظ.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ قال: الحفيظ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ذكر أبو إسحاق في محل (أن) وجوهًا: النصب على البدل من ما، والخفض على البدل من الضمير في (بِهِ)، قال: ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسِّرة لما أمره به في قوله: ﴿ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أي: اعبدوا الله، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب (١) وقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيمًا فيهم ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ قال ابن عباس والحسن والقرظي: رفعتني (٢) ﴿ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ ﴾ قال ابن عباس والسدي وابن جريج وقتادة: الحفيظ عليهم (٣) وقال الزجاج: أي: الحافظ عليهم (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهدت مقالتي فيهم وبعدما رفعتني إليك شهدت ما يقولون بعدي (٦) ﴿ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أي: شاهد عليه لعلمك به (٧) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223 بتصرف.

(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، البغوي 3/ 122، "النكت والعيون" 2/ 89.

(٣) أخرجه عن السدي وابن جريح الطبري 7/ 139، وعن ابن عباس ابن المنذر وعن قتادة عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 616.

(٤) ليس في معانيه.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) "تفسير الوسيط" 1/ 248 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 105.

(٧) "النكت والعيون" 2/ 89 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية بدل من الضمير في به ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم؟

والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه، لأن الخلق عباده، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزته، وفرق بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هاذ الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حيّ معرض للتوبة، السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم، لقوله: وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور الرحيم؟

والجواب من ثلاثة أوجه.

الأول: يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته.

الجواب الثاني: قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم؛ لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم.

فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب.

إذ لا تطلب المغفرة للكفار، وهذا قريب من قولنا.

الثالث: حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ويجعل فإنك أنت العزيز استئنافاً وجواب إن في قوله فإنهم عبادك كأنه قال إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل هذا القول أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك.

ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه.

وقيل: إنه يقول ذلك له يوم القيامة ويكون "قال" بمعنى: "يقول"؛ كقوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ أي: يقولون، وذلك جائز "قال" بمعنى: "يقول"، وذلك في القرآن كثير.

واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سمَّوها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن تكون إلهاً؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلهاً، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن سفه.

﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .

أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق.

﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ .

يتكلم في النفس على وجهين: أحدهما: يراد ما يضمر.

والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان الله يتعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك.

﴿ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق.

قوله  : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ .

أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك.

وقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .

أي: شاهداً عليهم.

هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، أو يكون يوم القيامة.

ويقال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت عليهم حفيظاً ما كنتُ بين أظهرهم.

﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: الحفيظ عليهم.

﴿ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهداً عليهم بما قالوا من البهتان.

وذكر في بعض القصة: لما قال الله -  - لعيسى: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ - قيل: فَأُرْعِدَتْ مفاصله، وخشي أن يكون قالها؛ فقال: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

﴾ الآية.

وذكر - أيضاً - متكلمان يتكلمان يوم القيام: نبي الله عيسى ابن مريم -  - وعدو الله إبليس - لعنه الله -: فأما كلام عيسى -  - يقول الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فقال عيسى ابن مريم -  -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وأما كلام اللعين: فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

اختلف فيه: عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في الله، ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ ؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في الله.

وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ ، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ ﴾ من أكرمت له الهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) [و] هو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة.

وروي في الخبر أن نبي الله -  - كان أحيا ليله بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - والله أعلم - على التشفع والتضرع إليه، كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟!

وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.

والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: "قال..." بمعنى: "يقول الله يوم القيامة" ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق - أيضاً - في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.

ثمَّ اختلف في الصادقين من هم؟: قال بعضهم: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

و"خالدين" و"أبداً" واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .

لسعيهم في الدنيا.

﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .

بالثواب لسعيهم.

ويحتمل: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛ لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ﴾ .

[كأن] هذا خرج على إثر قوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كيف يتخذ أرباباً وولداً وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

لا يعجزه شيء، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال عيسى لربه: ما قلتُ للناس إلا ما أمرتَني بقوله من أمرهم بإفرادك بالعبادة، وكنتُ رَقِيبًا على ما يقولون طيلة وجودي بين أظهرهم، فلما أنهيتَ مدة بقائي بينهم برفعي إلى السماء حيًّا كنتَ -يا رب- أنت الحفيظ لأعمالهم، وأنت على كل شيءشهيد، لايغيب عنك شيء، فلا يخفى عليك ما قلت لهم، وما قالوا بعدي.

<div class="verse-tafsir" id="91.VlzdV"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد