الآية ١٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٤ من سورة المائدة

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) أي : ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام ، وليسوا كذلك ، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره ، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض ، أي : ففعلوا كما فعل اليهود خالفوا المواثيق ونقضوا العهود ; ولهذا قال : ( فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) أي : فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا ، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة .

وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين ، يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ; فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها ، فالملكية تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون ، وكذلك النسطورية والأريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

ثم قال تعالى : ( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله ، وما نسبوه إلى الرب ، عز وجل ، وتعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا ، من جعلهم له صاحبة وولدا ، تعالى الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتي وأداء فرائضي، واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذتُه عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينَهم، ونقضوه نقضَهم، (1) وتركوا حظّهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي، وضيَّعوا أمري، (2) كما:- 11596 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًّا مما ذكروا به "، نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي عهده إليهم، وأمرَ الله الذي أمرهم به.

11597 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًّا مما ذكروا به.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فأغرينا بينهم " حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء.

يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى، الذين أخذتُ ميثاقهم بالوفاء بعهدي، حظَّهم مما عهدتُ إليهم من أمري ونهيي، أغريتُ بينهم العداوة والبغضاء.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة " إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء ".

(3) فقال بعضهم: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم.

ذكر من قال ذلك: 11598 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي في قوله: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء "، قال: هذه الأهواء المختلفة والتباغُض، فهو الإغراء.

11599 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب قال: سمعت النخعي يقول: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء "، قال: أغرى بعضهم ببعض بخصُومات بالجدال في الدين.

11600 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي والتّيمي، قوله: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء "، قال: ما أرى " الإغراء " في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة= وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تُحْبِط الأعمال.

* * * وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء.

ذكر من قال ذلك: 11601 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " الآية، إنّ القوم لما تركوا كتابَ الله، وعصَوْا رسله، وضَيّعوا فرائضه، وعطّلوا حدُوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعْمالهم أعمالِ السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمرَه، ما افترقوا ولا تباغَضُوا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأولين في ذلك عندنا بالحق، تأويلُ من قال: " أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم "، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى &; 10-138 &; بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله.

* * * واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بـ" الهاء والميم " اللتين في قوله: " فأغرينا بينهم ".

فقال بعضهم: عني بذلك اليهود والنصارى.

فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به.

ذكر من قال ذلك: 11602 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وقال في النصارى أيضا: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، فلما فعلوا ذلك، أغرى الله عز وجل بينَهم وبين اليهود العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة.

11603 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، قال: هم اليهود والنصارى.

قال ابن زيد: كما تُغْري بين اثنين من البهائم.

11604 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء "، قال: اليهود والنصارى.

11605 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

11606 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.

* * * وقال آخرون: بل عنى الله بذلك النصارَى وحدَها.

وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به.

قالوا: وعليها عادت " الهاء والميم " في" بينهم "، دون اليهود.

ذكر من قال ذلك: 11607 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، (4) عن أبيه، عن الربيع قال: إن الله عز ذكره تقدَّم إلى بني إسرائيل: أن لا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرًا، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذُوا الرّشوة في الحكم، وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [سورة المائدة: 64]، وقال في النصارى: " فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة= وأنّ" الهاء والميم " عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر " الإغراء " في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، (5) أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا.

* * * فإن قال قائل: وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك؟

قيل: ذلك عداوة النسطوريةِ واليعقوبيةِ، الملكيةَ= والملكيةِ النسطوريةَ واليعقوبيةَ.

(6) وليس الذي قاله من قال: " معنيٌّ بذلك: إغراء الله بين اليهود والنصارى " ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي، وأشبهُ بتأويل الآية، لما ذكرنا.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم.

------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "ونقضوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(2) انظر تفسير"أخذ الميثاق" فيما سلف ص: 110 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك= وتفسير"النسيان" و"الحظ" فيما سلف ص: 129 ، تعليق: 3 ، 4 ، والمراجع هناك= وتفسير"التذكير" فيما سلف ص: 130 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(3) انظر تفسير"البغضاء" فيما سلف 7: 146.

(4) في المطبوعة والمخطوطة: "عبيد الله بن أبي جعفر" ، والصواب"عبد الله" كما أثبته ، وهو"عبد الله بن أبي جعفر الرازي" ، مضى مئات من المرات في الأسانيد السالفة.

(5) في المطبوعة: "فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة" ، وهو كلام بريء من العربية.

وفي المخطوطة: "فلا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة" ، وهو مثله ، ولكنه سهو من الناسخ وغفلة ، أخطأ فكتب"فلأن يكون""فلا يكون" ، ثم زاد"إلا".

وهذا كله فساد ، صوابه ما أثبت.

(6) في المطبوعة: "ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية".

وهو كلام خال من المعنى ، صوابه من المخطوطة.

يعني عداوة هؤلاء لهؤلاء= وعداوة هؤلاء لهؤلاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون[ ص: 77 ] قوله تعالى : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم أي : في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ; إذ هو مكتوب في الإنجيل ، فنسوا حظا وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ; أي : لم يعملوا بما أمروا به ، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .

ومعنى أخذنا ميثاقهم هو كقولك : أخذت من زيد ثوبه ودرهمه ; قاله الأخفش ، ورتبة ( الذين ) أن تكون بعد ( أخذنا ) وقبل ( الميثاق ) ; فيكون التقدير : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ; لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا ، وتقديره عند الكوفيين ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه ; فالهاء والميم تعودان على " من " المحذوفة ، وعلى القول الأول تعودان على الذين ، ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ، ولا ألينها لبست من الثياب ; لئلا يتقدم مضمر على ظاهر ، وفي قولهم : إنا نصارى ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها ; روي معناه عن الحسن .قوله تعالى : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء أي : هيجنا ، وقيل : ألصقنا بهم ; مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه .

يقال : غري بالشيء يغرى غرا " بفتح الغين " مقصورا وغراء " بكسر الغين " ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به ، وحكى الرماني : الإغراء تسليط بعضهم على بعض ، وقيل : الإغراء التحريش ، وأصله اللصوق ; يقال : غريت بالرجل غرا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذا لصقت به ، وقال كثير :إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا غراء ومدتها حوافل نهلوأغريت زيدا بكذا حتى غري به ; ومنه الغراء الذي يغرى به للصوقه ; فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التسليط عليه ، وأغريت الكلب أي : أولعته بالصيد .

بينهم ظرف للعداوة .

والبغضاء البغض .

أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما .

عن السدي وقتادة : بعضهم لبعض عدو ، وقيل : أشار إلى افتراق النصارى خاصة ; قاله الربيع بن أنس ، لأنهم أقرب مذكور ; وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية ; أي : كفر بعضهم بعضا .

قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معنى فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم ، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار .

وقوله : وسوف ينبئهم الله تهديد لهم ; أي : سيلقون جزاء نقض الميثاق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ْ} لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان بالله ورسله وما جاءوا به، فنقضوا العهد، { فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ْ} نسيانا علميا، ونسيانا عمليا.

{ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ} أي: سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق.

{ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ْ} فيعاقبهم عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) قيل : أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما ، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة لأنه قد تقدم ذكر اليهود ، وقال الحسن : فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى ، أخذنا ميثاقهم في التوحيد والنبوة ، ( فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) بالأهواء المختلفة والجدال في الدين ، قال مجاهد وقتادة : يعني بين اليهود والنصارى ، وقال قوم : هم النصارى وحدهم صاروا فرقا ، منهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية ، وكل فرقة تكفر الأخرى ، ( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الذين قالوا إنا نصارى» متعلق بقوله «أخذنا ميثاقهم» كما أخذنا على بني إسرائيل اليهود «فنسوا حظاً مما ذكِّروا به» في الإنجيل من الإيمان وغيره ونقضوا الميثاق «فأغرينا» أوقعنا «بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» بتفرقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى «وسوف ينبئهم الله» في الآخرة «بما كانوا يصنعون» فيجازيهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأخذنا على الذين ادَّعوا أنهم أتباع المسيح عيسى -وليسوا كذلك- العهد المؤكد الذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يُتابعوا رسولهم وينصروه ويؤازروه، فبدَّلوا دينهم، وتركوا نصيبًا مما ذكروا به، فلم يعملوا به، كما صنع اليهود، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون يوم الحساب، وسيعاقبهم على صنيعهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - جانباً من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ببيان حال النصارى فقال - تعالى - :( وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا .

.

.

)قوله - تعالى - : ( وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ) معطوف على قوله قبل ذلك : ( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ ) ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : ( وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ) جمع نصران كندامى جمع ندمان ، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب .

وقد صارت كلمة نصراني لكل من اعتنق المسيحية .وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم .

أو نسبة إلى بلدة الناصرة التي فيها نشأ عيسى - عليه السلام - وأعلن دعوته للناس .والمعنى : وكما أخذنا على بني إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه ، ويستجيبوا لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به الكتب السماوية ، فقد أخذنا - أيضاً - من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك ، ولكنهم كان شأنهم في الكفر ونقض العهود كشأن اليهود ، إذ ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى قدراً كبيراً ، ونصيباً عظيما مما ذكروا به على لسان عيسى عليه السلام - فقد أمرهم بتوحيد الله ، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإِيمان به ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإِيمان ، فكان دأبهم كدأب بني إسرائيل في العناد والضلال .ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : ( وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ) ولم يقل : " ومن النصارى " للإِشارة إلى أن ادعاءهم النصرانية وهي الدين الذي جاء به عيسى .

إنما هو قول يقولونه بافواههم دون أن يتبعوه بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقاً لما جاء به عيسى عليه السلام - لأقروا لله - تعالى - بالوحدانية ولآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى - عليه السلام - .وإلى هذا المعنى أشار - صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : فهلا قيل : ومن النصارى؟قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله ، وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار الله .

ثم اختلفوا بعد : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية ، أنصاراً للشيطان .وقوله - تعالى : ( فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ) بيان لما حدث منهم بعد أخذ الميثاق .أي : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل تركوا نصيباً كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم .

والمراد بالنسيان هنا الترك والإِهمال عن تعمد وقصد ، لأن الناسي حقيقة لا يؤاخذه الله - تعالى - :والإِتيان بالفاء في قوله : ( فَنَسُواْ ) للإشارة إلى أن تركهم لما أخذ عليهم من ميثاق ، كان عن تعجل وعدم تمهل بسبب استيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم .والتنكير في قوله تعالى : ( حَظّاً ) للتهويل والتكثير .أي تركوا نصيباً كبيراً مما أمرتهم به شريعتهم من وجوب ابتاعهم للحق وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم عن ظهوره " فكان تركهم لهذا النصيب العظيم مما ذكروا به سببا في ضلالهم وسوء عاقبتهم " .قال بعضه العلماء : " وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به ، هو اضطهاد النصارى اضطهاداً شديداً في عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا .

وما ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها - ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات المختلفة - إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان في المسيحية ، وغير وبدل في مجمع نيقية الذي انقعد في سنة 325 ميلادية .وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد .وقوله : ( فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما أرشدوا إليه ، ولما ذكروا به .فالفاء في قوله - تعالى - ( فَأَغْرَيْنَا ) للسبيبة وأغرينا أي : ألقينا وهيجنا وألصقنا .

يقال : أغريت فلانا بكذا حتى أغرى به ، أي : ألزمته به وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشيء .وقوله : ( بينهم ) ظرف لأغرينا .

والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى المتعددة عند جمهور المفسرين .والمعنى : بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به فرقناهم شيعاً وأحزاباً وجعلنا كل فرقة منهم تعادي الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة .ويرى بعضهم أن الضمير في قوله : ( بينهم ) تعود إلى اليهود والنصارى ، فيكون المعنى :بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال ، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، فهم في عداوة شديدة ، وكراهية مستحكمة .وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال :وأولى التأويلين بالآية عندي : ما قاله الربيع بن أنس وغيره .

وهو أن المعنى بالإِغراء بينهم : النصارى في هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى ، دون اليهود ، لأن ذكر الإِغراء في خبر الله عن النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود ، وبعد ابتداء خبره عن النصارى ، فلأن يكون ذلك معنياً به النصارى خاصة .

أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لام ذكرناه .وقال ابن كثير : قوله - تعالى - : ( فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة ) أي : فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا ، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة .

وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها فالملكانية تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون .

وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقود الأشهاد .والذي تطمئن إليه النفس أن قوله - تعالى - ( فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة ) يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائي في كل العصور والأزمان ، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة .وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتي الكاثوليك والبروستانت في .

إيرلاندا وفي غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم ، وأنه من عند الله - عز وجل -وقوله - تعالى - : ( وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة بعد بيان ما حكم به عليه في الدنيا من عداوة وبغضاء .

( سوف ) هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة .والمعنى : لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف يخبرهم الله في الآخرة بما كانوا يصنعون من كتمان الحق ، ومخالفة للرسل ، وانغماس في الباطل ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

والمراد أن سبيل الصنارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله، وإنما قال: ﴿ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ﴾ ولم يقل: ومن النصارى، وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله  ﴾ فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح، فبيّن الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى، وقوله: ﴿ أَخَذْنَا ميثاقهم ﴾ أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتنكير ﴿ الحظ ﴾ في الآية يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم الله تعالى به لأن هذا هو المعظم والمهم، وقوله: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء ﴾ أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم، يقال: أغرى فلان بفلان إذا ولع به كأنه ألصق به، ويقال لما التصق به الشيء: الغراء، وفي قوله: ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ وجهان: أحدهما: بين اليهود والنصارى.

والثاني: بين فرق النصارى، فإن بعضهم يكفر بعضاً إلى يوم القيامة، ونظيره قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ وعيد لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَخَذْنَا ميثاقهم ﴾ أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك.

فإن قلت: فهلا قيل: من النصارى؟

قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية.

أنصاراً للشيطان ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره.

ومنه الغراء الذي يلصق به ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ بين فرق النصارى المختلفين.

وقيل: بينهم وبين اليهود.

ونحوه ﴿ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ [الأنعام: 129] ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 69] .

﴿ يا أَهْلَ الكتاب ﴾ خطاب لليهود والنصارى ﴿ مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ ﴾ من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نحو الرجم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لابد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، لإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق.

أو لأنّه ظاهر الإعجاز ﴿ مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ﴾ من آمن به ﴿ سُبُلَ السلام ﴾ طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ وأخَذْنا مِنَ النَّصارى مِيثاقَهم كَما أخَذْنا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى قَوْمٌ أخَذْنا، وإنَّما قالَ قالُوا إنّا نَصارى لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا ﴾ فَألْزَمْنا مِن غَرِيَ بِالشَّيْءِ إذا لَصِقَ بِهِ.

﴿ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى، وهم نُسْطُورِيَّةٌ ويَعْقُوبِيَّةٌ ومَلْكانِيَّةٌ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ.

﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ بِالجَزاءِ والعِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ومن في قوله {وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم} وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم فقدم على

المائدة (١٤ _ ١٧)

الفعل الجار والمجرور وفصل بين الفعل والواو بالجار والمجرور وإنما لم يقل من النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصاراً للشيطان {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فأغرينا} فألصقنا وألزمنا من غرى بالشئ إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به {وبينهم} بين فرق النصارى المختلفين {العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة} بالأهواء المختلفة {وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي في القيامة بالجزاء والعقاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ قَبائِحِ النَّصارى وجِناياتِهِمْ إثْرَ بَيانِ قَبائِحِ وجِناياتِ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ، و( مِنَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( أخَذْنا ) وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلِاهْتِمامِ، ولِأنَّ ذِكْرَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مِمّا يُوقِعُ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّ حالَ الأُخْرى ماذا؟

كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى أيْضًا ( أخَذْنا مِيثاقَهم ) والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، أوْ عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ عادَتْ إلَيْهِمُ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مِيثاقَ عَمْرٍو، أيْ: مِثْلَ مِيثاقِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا، وجُمْلَةُ ( أخَذْنا ) صِفَةٌ أيْ: ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى قَوْمٌ أخَذْنا مِنهم مِيثاقَهُمْ، وقِيلَ: المُبْتَدَأُ المَحْذُوفُ ( مِنَ ) المَوْصُولَةُ أوِ المَوْصُوفَةُ، ولا يَخْفى أنَّ جَوازَ حَذْفِ المَوْصُولِ وإبْقاءِ صِلَتِهِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ سِوى الكُوفِيِّينَ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ( قالُوا إنّا نَصارى ) ولَمْ يَقِلْ جَلَّ وعَلا: ( ومِنَ النَّصارى ) كَما هو الظّاهِرُ دُونَ إطْنابٍ لِلْإيماءِ - كَما قالَ بَعْضُهُمْ: - إلى أنَّهم عَلى دِينِ النَّصْرانِيَّةِ بِزَعْمِهِمْ، ولَيْسُوا عَلَيْها في الحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِمُوجِبِها، ومُخالَفَتِهِمْ لِما في الإنْجِيلِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لَقَّبُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم عَلى مَعْنى أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ تَعالى، وأفْعالُهم تَقْتَضِي نُصْرَةَ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ لِيُتَصَوَّرَ تِلْكَ الحالُ في ذِهْنِ السّامِعِ، ويُتَقَرَّرَ أنَّهُمُ ادَّعَوْا نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى وهم مِنها بِمَعْزِلٍ، ونُكْتَةُ تَخْصِيصِ هَذا المَوْضِعِ بِإسْنادِ النَّصْرانِيَّةِ إلى دَعْواهم أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّهم بِنَقْضِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى ناسَبَ ذَلِكَ أنْ يَصْدُرَ الكَلامُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْصُرُوا اللَّهَ تَعالى، ولَمْ يَفُوا بِما واثَقُوا عَلَيْهِ مِنَ النُّصْرَةِ، وما كانَ حاصِلُ أمْرِهِمْ إلّا التَّفَوُّهُ بِالدَّعْوى، وقَوْلُها دُونَ فِعْلِها.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ وجْهَ تَسْمِيَتِهِمْ نَصارى كَوْنُهم أنْصارَ اللَّهِ تَعالى، وهو وجْهٌ مَشْهُورٌ، ولِهَذا يُقالُ لَهم أيْضًا: أنْصارٌ.

وفِي غَيْرِما مَوْضِعٍ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ في سَنَةِ أرْبَعٍ وثَلاثِمِائَةٍ لِغَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ في بَيْتِ لَحْمٍ مِنَ المَقْدِسِ، ثُمَّ سارَتْ بِهِ أُمُّهُ - عَلَيْها السَّلامُ - إلى مِصْرَ، ولَمّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً عادَتْ بِهِ إلى الشّامِ، فَأقامَ بِبَلْدَةٍ تُسَمّى النّاصِرَةُ أوْ نَصُورِيَةُ، وبِها سُمِّيَتِ النَّصارى ونُسِبُوا إلَيْها، وقِيلَ: إنَّهم جَمْعُ نَصْرانٍ كَنَدامى ونَدْمانٍ، أوْ جَمْعُ نَصْرِيٍّ كَمَهْرِيٍّ ومَهارى، والنَّصْرانِيَّةُ والنَّصْرانَةُ واحِدَةُ النَّصارى، والنَّصْرانِيَّةُ أيْضًا دِينُهُمْ، ويُقالُ لَهُمْ: نَصارى وأنْصارٌ، وتَنَصَّرَ دَخَلَ في دِينِهِمْ ﴿ فَنَسُوا ﴾ عَلى إثْرِ أخْذِ المِيثاقِ ﴿ حَظًّا ﴾ نَصِيبًا وافِرًا ﴿ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ في تَضاعِيفِ المِيثاقِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَرائِضِ، وقِيلَ: هو ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ في الإنْجِيلِ مِنَ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ، وتَفَرَّقُوا إلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً ﴿ فَأغْرَيْنا ﴾ أيْ: ألْزَمْنا وألْصَقْنا، وأصْلُهُ اللُّصُوقُ، يُقالُ: غَرِيتُ بِالرَّجُلِ غَرًى إذا لَصِقْتَ بِهِ قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقالَ غَيْرُهُ: غَرِيتُ بِهِ غَراءً بِالمَدِّ، وأغْرَيْتُ زَيْدًا بِكَذا حَتّى غَرِيَ بِهِ، ومِنهُ الغِراءُ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ الأشْياءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( بَيْنَهم ) ظَرْفٌ لِـ( أغْرَيْنا ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: أغْرَيْنا ( العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) كائِنَةً بَيْنَهم.

قالَ أبُو البَقاءِ: ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ ظَرْفًا لَهُما؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنهم مَن أجازَ ذَلِكَ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ إمّا غايَةٌ لِلْإغْراءِ أوْ لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ، أيْ: يَتَعادُّونَ ويَتَباغَضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أهْواؤُهُمُ المُخْتَلِفَةُ، وآراؤُهُمُ الزّائِغَةُ، المُؤَدِّيَةُ إلى التَّفَرُّقِ إلى الفَرْقِ الكَثِيرَةِ، ومِنها النُّسْطُورِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِمْ، فَضَمِيرُ ( بَيْنَهم ) إلى النَّصارى كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى.

﴿ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِن نَقْضِ المِيثاقِ ونِسْيانِ الحَظِّ الوافِرِ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ، والكَلامُ مَساقٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالجَزاءِ والعِقابِ، فالإنْباءُ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وانْكِشافِهِ لَهُمْ، لا أنَّ ثَمَّتْ أخْبارًا حَقِيقَةً، والنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ بِالإنْباءِ الإنْباءُ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ واسْتِتْباعِها لِلْعَذابِ، فَيَكُونُ تَرْتِيبُ العَذابِ عَلَيْها في إفادَةِ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ حالِها بِمَنزِلَةِ الإخْبارِ بِها، والِالتِفاتُ إلى ذِكْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِرارًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِالصُّنْعِ لِلْإيذانِ بِرُسُوخِهِمْ فِيهِ ( وسَوْفَ ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه وأن يعملوا بما في التوراة، ثم قال: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال مقاتل: يعني شهداء على قومهم، بعث الله تعالى من كل سِبْطٍ منهم رجلاً ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجلاً، أرسلهم موسى-  - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافن، ويقال كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال.

وقال القتبي: النقيب الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة.

ويقال: نقيباً يعني أميناً.

وقال ابن عباس: نقيباً يعني ملكاً، حين بعثهم موسى إلى بيت المقدس جعل موسى-  - عليهم اثني عشر ملكاً، على كل سبط منهم ملك قالَ اللَّهُ تعالى للنقباء: إِنِّي مَعَكُمْ ويقال: قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة: إِنِّي مَعَكُمْ أي معينكم وحافظكم وناصركم لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ يعني: ما دمتم أقمتم الصّلاة وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي يعني: صدقتم برسلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يعني: أعنتموهم.

وقال القتبي: أي عظمتموهم والتعزير التعظيم.

وقال السدي: يعني نصرتموهم بالسيف.

وقال الأخفش: يعني وقَّرْتموهم وقَوَّيتموهم.

وقال الضحاك: شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى.

ويقال: آمنتم برسلي أي أمرتم قومكم، حتى يؤمنوا برسلي ونصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي تأمرون قومكم بذلك.

ثم بيّن جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك فقال: لَأُكَفِّرَنَّ أي لأمحونَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوبكم وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثم قال: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ العهد والميثاق مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني أخطأ قصد الطريق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يعني لما أخذ عليهم الميثاق نقضوا الميثاق، فبنقضهم ميثاقهم لَعَنَّاهُمْ أي لعنهم الله، يعني طردهم من رحمته.

ويقال: لَعَنَّاهُمْ يعني عذبناهم بالمسخ.

ويقال: بالجزية.

ثم قال: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان.

قرأ حمزة والكسائي قاسِيَةً بغير ألف، وقرأ الباقون قاسِيَةً ومعناهما واحد ويقال: قست فهي قاسية وقسية.

ثم قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد  عَنْ مَواضِعِهِ يعني في كتابهم مما وافق القرآن، يعني عن صفة رسول الله  في كتابهم، ويقال: استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم ولم يعملوا به، فكان ذلك تغيير الكلم عن مواضعه.

ثم قال: وَنَسُوا حَظًّا يعني تركوا نصيباً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني مما أمروا به في كتابهم وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد.

وقال القتبي عن أبي عبيدة: إن العرب تضع لفظ الفاعل في موضع المصدر، كقولهم للخوان مائدة، وإنما يميد بهم ما في الخوان فيجوز أن يكون الهاء صفة للخائن، كما يقال رجل طاغية وراوية للحديث.

ثم قال: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يعني: مؤمنيهم لم ينقضوا العهد فَاعْفُ عَنْهُمْ يعني اتركهم ولا تعاقبهم وَاصْفَحْ عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين يعفون عن الناس، وهذا قبل الأمر بقتال أهل الكتابين.

قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وذلك أن الله تعالى لما ذكر حال اليهود ونقضهم الميثاق، فقال على أثر ذلك إن النصارى لم يكونوا أحسن معاملة من اليهود، ثم بيّن معاملتهم فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ في الإنجيل، بأن يتبعوا قول محمد  فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني تركوا نصيباً مما أمروا به في الإنجيل من اتباع قول محمد  ، ويقال: نقضوا العهد كما نقض اليهود، ويقال إنما سموا أنفسهم النصارى لأنهم نزلوا قرية يقال لها «ناصرة» ، نزل فيها عيسى-  - فنزلوا هناك وتواثقوا بينهم، ويقال: إنما سموا النصارى لقول عيسى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: 52، والصف: 14] .

ثم قال: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ يعني ألقينا بينهم العداوة وَالْبَغْضاءَ ويقال: الإغراء في أصل اللغة الإلصاق، يقال: أغريت الرجل إغراءً إذا ألصقت به.

ويقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس» ، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهودياً فقتل منهم خلقاً كثيراً، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضاً، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم: أتعرفوني؟

فقالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني.

فقال: أي شيء تريد من قومي؟

فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكراً وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به.

فقال لهم يوماً من الأيام: اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم؟

قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟

يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم مَّا فِى الارض جميعاً، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرني علم.

فاجتمعوا وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟

قالوا: الله تعالى: فقال: فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفةً منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة.

وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قرباناً لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك.

ويقال أيضاً إنه أصبح يوماً وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم: جاءني عيسى الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قرباناً.

ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟

فقالوا: لا.

فقال: إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله.

فخرجوا من عنده.

ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضاً، وقال: إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قرباناً، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا وكذا.

وقال الفريق الآخر: أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقاً كثيراً وبقيت العداوة بينهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله.

وصنف منهم يقال: لهم المار يعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح.

وصنف يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله.

فأغرى بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة.

ويقال: ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال.

وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال.

ثم قال: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني: ينبئهم في الآخرة الذي هو على الحق.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ «١» الجَحْدَرِيُّ: «وَعَزَرْتُمُوهُمْ» - خفيفة الزاي- حيثُ وقع، وقرأ في «سورة الفتحِ» : «وتَعْزُرُوهُ» - بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي-، وسَواءُ السَّبِيلِ:

وَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان.

وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ...

الاية: أيْ:

فبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ: غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتى لا ينفعلَ لخَيْرٍ.

وقوله تعالى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ: نصٌّ على سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي: قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه، وتركُوه، ثم أخبر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع على خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ.

قالت فرقة: خَائِنَة: مصدرٌ، والمعنى: على خِيَانَةٍ، وقال آخرون: معناه: على فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث.

وقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ: منسوخٌ بما في «براءة» ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: «مِنْ» : متعلِّقة ب أَخَذْنا، التقديرُ:

وأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا: إنَّا نصارى ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على خائِنَةٍ مِنْهُمْ، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم: «نصارى» بقولهم ودعواهم مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون استحقاق.

وقوله سبحانه: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ: أي: أثبتْنَاها بيْنَهم وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ:

مأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ: الإغراءُ: التسليط.

انتهى.

والضمير في بَيْنَهُمُ يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارى لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النصارى فقطْ لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار.

واعلَمْ (رحمك اللَّه) أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا» ، وفي روايةٍ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ واثنين، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذلك اليوم/ لكلّ امرئ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً ...

» الحديث «١» .

انتهى.

وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: «لاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا على صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئاً يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا على صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ» ، أُرَاهُ قَالَ: أَبَداً «٢» .

انتهى، وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك: أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الرِّشْكِ «٣» ، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ «٤» ، قَالَتْ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامر «٥» يقول: سمعت

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّما قالَ: قالُوا إنّا نَصارى، ولَمْ يَقُلْ: مِنَ النَّصارى، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى مِنهاجِ النَّصارى حَقِيقَةً، وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانُوا بِقَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: ناصِرَةٌ، فَسُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ.

قالَ مُقاتِلٌ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، كَما أُخِذَ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، فَتَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ ﴾ قالَ النَّضْرُ: هَيَّجْنا، وقالَ المُؤَرِّجُ: حَرَّشْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ألْصَقْنا بِهِمْ ذَلِكَ، يُقالُ: غَرَيْتُ بِالرَّجُلِ غَرًى مَقْصُورًا: إذا لَصِقْتَ بِهِ، هَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ.

وقالَ غَيْرُ الأصْمَعِيِّ: غَرَّيْتُ بِهِ غِراءً مَمْدُودٌ، وهَذا الغِراءُ الَّذِي يُغْرّى بِهِ إنَّما يُلْصَقُ بِهِ الأشْياءُ، ومَعْنى أغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ: أنَّهم صارُوا فِرَقًا يُكَفِّرُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وفي الهاءِ والمِيمِ مِن قَوْلِهِ "بَيْنَهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الرَّبِيعُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ النَّصارى، مِنهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلَكِيَّةُ، وكُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى.

وفي تَمامِ الآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ "وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛  ﴾ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛ ﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.

وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ذكر بعد ميثاق اليهود ميثاق النصارى.

وجاءت الجملة على سبه اشتغال العامل عن المعمول بضميره حيث قُدّم متعلِّق ﴿ أخَذْنا ميثاقهم ﴾ وفيه اسْم ظاهر، وجيء بضميره مع العامل للنكتة الداعية للاشتغال من تقرير المتعلِّق وتثبيته في الذهن إذ يتعلّق الحكم باسمه الظاهر وبضميره، فالتقدير: وأخذنا، من الذين قالوا: إنّا نصارى، ميثاقهم، وليس تقديم المجرور بالحرف لقصد الحصر.

وقيل: ضمير ﴿ ميثاقهم ﴾ عائد إلى اليهود، والإضافة على معنى التشبيه، أي من النصارى أخذنا ميثاقَ اليهود، أي مثلَه، فهو تشبيه بليغ حذفت الأداة فانتصب المشبّه به.

وهذا بعيد، لأنّ ميثاق اليهود لم يفصّل في الآية السابقة حتّى يشبّه به ميثاق النّصارى.

وعبّر عن النصارى ب ﴿ الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ هُنا وفي قوله الآتي: ﴿ ولتجدنّ أقبربهم مودّة للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82] تسجيلاً عليهم بأنّ اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله، وهو أن يكون أتباعه أنصاراً لِما يأمر به الله، ﴿ كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاريَ إلى الله قال الحواريّون نحن أنصار الله ﴾ [الصف: 14].

ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدّين بعْد عيسى من أتباعه، مثل بُولس وبَطرس وغيرهما من دعاة الهدى؛ وأعظم من ذلك كلّه أن ينصروا النبيءَ المبشَّر به في التَّوراة والإنجيل الّذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلِّص النّاس من الضلال ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثُمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمِنُنّ به ولتَنْصُرُنَّه ﴾ [آل عمران: 81] الآية.

فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصّة النّصارى، فهذا اللقب، وهو النصارى، حجّة عليهم قائمة بهم متلبّسة بجماعتهم كلّها.

ويفيد لفظ ﴿ قالوا ﴾ بطريق التعريض الكنائي أنّ هذا القول غير موفًّى به وأنّه يجب أن يوفّى به.

هذا إذا كان النصارى جمعاً لنَاصرِيّ أو نصْرانِي على معنى النسبة إلى النّصر مبالغة، كقولهم: شَعْرَاني، ولِحيَاني، أي النّاصر الشديد النصر؛ فإن كان النّصارى اسم جمع ناصريّ، بمعنى المنسوب إلى الناصري، والناصري عيسى، لأنّه ظهر من مدينة الناصرة.

فالناصري صفة عرف بها المسيح عليه السّلام في كتب اليهود لأنّه ظهر بدعوة الرسالة من بلد النّاصرة في فلسطين؛ فلذلك كان معنى النسبة إليه النسبة إلى طريقته وشرعه؛ فكلّ من حاد عن شرعه لم يكن حقيقاً بالنسبة إليه إلاّ بدعوى كاذبة، فلذلك قال: ﴿ قالوا إنَّا نصارى ﴾ .

وقيل: إنّ النصارى جمع نصراني، منسوب إلى النصْر: كما قالوا: شعراني، ولِحياني، لأنّهم قالوا: نحن أنصار الله.

وعليه فمعنى ﴿ قالوا: إنّا نصارى ﴾ أنّهم زعموا ذلك بقولهم ولم يؤيّدوه بفعلهم.

وقد أخذ الله على النصارى ميثاقاً على لسان المسيح عليه السّلام.

وبعضه مذكور في مواضع من الأناجيل.

وقوله: ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حقيقة الإغراء حَثّ أحدٍ على فعل وتحسينُه إليه حتّى لا يتوانى في تحصيله؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم، أي لزومهما لهم فيما بينهم، شُبّه تكوين العداوة والبغضاء مع استمرارهما فيهم بإغراء أحد أحداً بعمل يعمل تشبيه معقول بمحسوس.

ولمّا دلّ الظرف، وهو ﴿ بينَهم ﴾ ، على أنّهما أغْرِيَتَا بهم استُغني عن ذكر متعلّق ﴿ أغرينا ﴾ .

وتقدير الكلام: فأغرينا العداوة والبغضاء بِهم كائنتين بينهم.

ويُشبه أن يكون العدول على تعدية «أغرينا» بحرف الجرّ إلى تعليقه بالظرف قرينة أو تجريداً لبيان أنّ المراد ب ﴿ أغرينا ﴾ ألْقينا.

وما وقع في «الكشاف» من تفسير ﴿ أغرينا ﴾ بمعنى ألصقنا تطوّح عن المقصود إلى رائحة الاشتقاق من الغِرَاءِ، وهو الدهن الذي يُلْصق الخشب به، وقد تنوسي هذا المعنى في الاستعمال.

والعداوة والضمير المجرور بإضافة بينَ إليه يعود إلى النصارى لتنتسق الضّمائر.

والعداوَة والبغضاءُ اسمان لمعنيين من جنس الكراهية الشديدة، فهما ضدّان للمحبّة.

وظاهر عطف أحدِ الاسمين على الآخر في مواضع من القرآن، في هذه الآية وفي الآيتين بعدها في هذه السورة وفي آية سورة الممتحنة، أنّهما ليسا من الأسماء المترادفة؛ لأنّ التزام العطف بهذا الترتيب بُبعِّد أن يكون لمجرّد التّأكيد، فليس عطف أحدهما على الآخر من قبيل عطف المرادف لمجرّد التّأكيد، كقوله عَدِي: وألْفَى قَولهَا كَذِبا وَمَيْنا *** وقد ترك علماء اللّغة بيان التفرقة بين العداوة والبغضاء، وتابعهم المفسّرون على ذلك؛ فلا تجد من تصدّى للفرق بينهما سوى الشيخ ابن عرفة التّونسي، فقال في «تفسيره» «العداوة أعمّ من البغضاء لأنّ العداوة سبب في البغضاء؛ فقد يتعادى الأخ مع أخيه ولا يتمادى على ذلك حتّى تنشأ عنه المباغضة، وقد يتمادى على ذلك» اه.

ووقع لأبي البقاء الكفوي في كتاب «الكليّات» أنّه قال: «العداوة أخصّ من البغضاء لأنّ كلّ عدوّ مبغض، وقد يُبغِض من ليس بعدوّ».

وهو يخالف كلام ابن عرفة.

وفي تعليليْهما مصادرة واضحة، فإن كانت العداوة أعمّ من البغضاء زادتْ فائدةُ العطف لأنّه يصير في معنى الاحتراس، وإن كانت العداوة أخصّ من البغضاء لم يكن العطف إلاّ للتّأكيد، لأنّ التأكيد يحصل بذكر لفظ يدلّ على بعْضضٍ مُطلققٍ من معنى الموكَّذ، فيتقرّر المعنى ولو بوجه أعمّ أو أخصّ، وذلك يحصل به معنى التّأكيد.

وعندي: أنّ كلا الوجهين غير ظاهر، والذي أرى أنّ بين معنيي العداوة والبغضاء التضادّ والتباين؛ فالعداوة كراهية تصدر عن صاحبها: معاملةٌ بجفاء، أو قطيعة، أو إضرار، لأنّ العداوة مشتقّة من العدو وهو التجاوز والتباعد، فإنّ مشتقّات مادة (ع د و) كلّها تحوم حول التفرّق وعدم الوئام.

وأمّا البغضاء فهي شدّة البغض، وليس في مادة (ب غ ض) إلاّ معنَى جنس الكراهية فلا سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها.

نعم يمكن أن يرجع فيه إلى طريقة القلب، وهو من علامات الاشتقاق، فإنّ مقلوب بَغِض يكون غَضِب لا غير، فالبغضاء شدّة الكراهية غير مصحوبة بَعَدوْ، فهي مضمرة في النفس.

فإذا كان كذلك لم يصحّ اجتماع معنيي العداوة والبغضاء في موصوف واحد في وقتتٍ واحد فيتعيّن أن يكون إلقاؤهما بينهما على معنى التّوزيع، أي أغرينا العداوة بين بعض منهم والبغضاءَ بين بعضضٍ آخر.

فوقع في هذا النظم إيجاز بديع، لأنّه يرجع إلى الاعتماد على علم المخاطبين بعدم استقامة اجتماع المعنيين في موصوف واحد.

ومن اللّطائف ما ذكره ابن هشام، في شرح قصيدة كعب بن زهير عند قول كعب: لكنَّها خُلّة قد سِيط من دَمها *** فَجْع وولْع وإخلاف وتبديل أنّ الزمخشري قال: إنّه رأى نفسه في النّوم يقول: العداوة مشتقّة من عُدوة الوادي، أي جانبه، لأنّ المتعاديين يكون أحدهما مفارقاً للآخر فكأنّ كلّ واحد منهما على عدوة اه.

فيكون مشتقّاً من الاسم الجامد وهو بعيد.

وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقاباً في الدنيا لقوله: ﴿ إلى يوم القيامة وسوف ينبّئهم الله بما كانوا يصنعون ﴾ جزاء على نكثهم العهد.

وأسباب العداوة والبغضاء شدّة الاختلاف: فتكون من اختلافهم في نحَل الدّين بين يعاقبة، وملكانية، ونسطورية، وهراتقة (بروتستانت)؛ وتكون من التحاسد على السلطان ومتاع الدّنيا، كما كان بين ملوك النّصرانية، وبينهم وبين رؤساء ديانتهم.

فإن قيل: كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلْبا على المسلمين؟

فجوابه: أنّ العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فِرقاً، كما قدّمناه في سورة النساء (171) عند قوله تعالى: ﴿ وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه ﴾ ، وذلك الانقسام يجرّ إليهم العداوة وخذْل بعضهم بعضاً.

ثمّ إنّ دولهم كانت منقسمة ومتحاربة، ولم تزل كذلك، وإنّما تألّبوا في الحروب الصّليبية على المسلمين ثمّ لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن.

وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتّحاد بينهم، وكان اختلافهم لطفاً بالمسلمين في مختلف عصور التّاريخ الإسلامي، على أنّ اتّفاقهم على أمّة أخرى لا ينافي تمكُّن العداوة فيما بينهم، وكفى بذلك عقاباً لهم على نسيانهم ما ذكّروا به.

وقيل: الضمير عائد على الفريقين، أي بين اليهود والنصارى، ولا إشكال في تجسّم العداوة بين الملّتين.

وقوله: وسوف ينبّئُهم الله } تهديد لأنّ المراد بالإنباء إنباء المؤاخذة بصنيعهم، كقوله: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ [الأنعام: 135].

وهذا يحتمل أن يحصل في الآخرة فالإنباء على حقيقته، ويحتمل أن يحصل في الدنيا، فالأنباء مجاز في تقدير الله لهم حوادث يعرفون بها سوء صنيعتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَصَرْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: عَظَّمْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وَأصْلُهُ المَنعُ، قالَ الفَرّاءُ: عَزَّرْتُهُ عُزْرًا إذا رَدَدْتَهُ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن مُعاوَدَةِ القُبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ ﴾ وتَقْدِيرُهُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم، و (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ.

﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ مِنَ القَسْوَةِ وهي الصَّلابَةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أبْلَغُ مِن قاسِيَةٍ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قاسِيَةٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ.

أحَدُهُما: يَعْنِي خِيانَةً مِنهم.

والثّانِي: يَعْنِي فِرْقَةً خائِنَةً.

﴿ إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في الصَّفْحِ والعَفْوِ إذا رَآهُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وفي الَّذِي نَسَخَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ  ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ قال: كانوا بقرية يقال لها ناصرة، كان عيسى بن مريم ينزلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ قال: كانوا بقرية يقال لها ناصرة نزلها عيسى، وهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به.

وفي قوله: ﴿ ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال: نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهد لهم، وأمر الله الذي أمر به وضيعوا فرائضه ﴿ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ قال: بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم بكتاب الله وأمره ما تفرقوا وما تباغضوا.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم في قوله: ﴿ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ قال: أغرى بعضهم بعضاً بالخصومات والجدال في الدين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: إن الله تقدم إلى بني إسرائيل أن لا يشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، ويعلموا الحكمة ولا يأخذوا عليها أجراً، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله ﴿ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ [ المائدة: 64] وقال في النصارى ﴿ فنسوا حَظًّا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ .

ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسمَّوا لها.

وهذا يُروى عن الحسن (١) وقوله تعالى: ﴿ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ .

قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل (٢) قال الأخفش: وهذا كما تقول: من عبد الله أخذت الدرهم (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ .

قال الكلبي ومقاتل: فتركوا ما أُمِروا به من الإيمان بمحمد  فكان ذلك الحظ (٤) وتنكير الحظّ في الآية: يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو ما ذكره المفسرون من الإيمان بمحمد، وإنما خص هذا الواحد مع كثرة ما تركوا مما أمروا به؛ لأن هذا هو المُعظم (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ .

يقال: غرِيتُ بالشيء أغرى به غرًى وغراءً ممدودًا أي أُولِعت به (٦) وقال شَمر: يقال لما يلصق به الأشياء الغِراء والغَرى بفتح الغين مقصور، وأغرى فلان بفلان إغراءً، إذا أولع به، كأنه ألصق به، فأصل الباب هو اللصوق والإلصاق؛ لأن المولع بالشيء كالملصق به.

ذكره الزجاج وغيره (٧) (٨) (٩) فأما التفسير: فقال المؤرج: (أغرينا): حرشنا بعضهم على بعض (١٠) وقال الكسائي: سلطنا (١١) وقال النضر: هيجنا (١٢) وقال الكلبي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء (١٣) فقوله: ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ظرف للعداوة والبغضاء، أي العداوة التي بينهم أغريت بأن حرشت وهيجت، ويجوز أن يكون ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ بمنزلة بالصيد في قولك: أغريت الكلب بالصيد، فيكون المعنى: أغرينا العداوة والبغضاء بالحالة التي بينهم.

واختلفوا في الضمير الذي في ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ، فقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: الضمير (١٤) (١٥) وقال الربيع: يعود على النصارى خاصة (١٦) وهذا اختيار الزجاج (١٧) ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ أي صاروا فَرقًا يكفر بعضهم بعضًا (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ وعيد لهم.

(١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 32، و"زاد المسير" 2/ 315.

وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية كانوا بها اسمها: ناصرة.

انظر: "تفسير الهواري" 1/ 457، و"زاد المسير" 2/ 315.

(٢) "تفسيرمقاتل" 1/ 462.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 467، وانظر: القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 117 (٤) "تفسير مقاتل" 1/ 462، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٥) في (ش): (العظيم).

(٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2661، وانظر: "اللسان" 6/ 3250 (غرى).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"اللسان" 6/ 3250 (غرى).

(٨) في (ج): (أسددته)، وما أثبته هو الموافق لـ"تهذيب اللغة" 3/ 2661 (غرى).

(٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2661، وانظر: "اللسان " 6/ 3250 (غرى).

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"البحر المحيط" 3/ 443.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"البحر المحيط" 3/ 443.

(١٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(١٤) تكررت الكلمة في (ج).

(١٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 159، و"زاد المسير" 2/ 315.

(١٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 159 - 160، وانظر: "زاد المسير" 2/ 315.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وقد اختاره الطبري في "تفسيره" أيضًا.

انظر: "جامع البيان" 6/ 160.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ﴾ أي ادعوا أنهم أنصار الله، وسموا أنفسهم بذلك، ثم كفروا بالله ووصفوه بما لا يليق به، وتتعلق من الذين بأخذنا ميثاقهم والضمير عائد على النصارى ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ أي أثبتنا وألصقنا، وهو مأخوذ من الإغراء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.

الباقون ﴿ قاسية ﴾ .

الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.

﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.

﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .

﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.

﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.

﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.

﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.

﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.

وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي  لولا دفع الله  ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.

والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.

وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.

وأصل النقب الطريق في الجبل.

ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.

والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.

ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله  اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى  أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.

ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.

فحذف الرابط للعلم به.

والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.

والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.

فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.

واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.

والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.

ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه  ﴾ تكراراً.

وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟

وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.

قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى  ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.

سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟

وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.

قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً  ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟

والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.

﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد  أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.

قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد  ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.

فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.

ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى  نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.

ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد  فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله  وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.

ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.

وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟

والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.

فلما سلمتم كونه  خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.

وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.

وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم  .

وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله  يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟

وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.

وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله  بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.

وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.

عن ابن عباس أن النبي  دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟

ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.

ثم إنه  أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.

فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد  كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.

وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.

أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.

ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.

﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.

والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.

وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.

قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.

وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

وكان بين عيسى  ومحمد  خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى  ومحمد  أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.

وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.

والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله  عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.

والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.

التأويل: جعل في أمة موسى  اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال  : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى  وواحد على خلق محمد  " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله  في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.

فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال  : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.

﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ .

هذا - والله أعلم - تعليم من الله -  - هذه الأمة وإنباء من أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية.

ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها.

أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق؛ ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها وسياقها، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل ما قال ابن عباس: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ في التوراة: ألاَّ تشركوا به شيئا، وبالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، وحسن مؤازرتهم.

﴿ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ، يعني: ملكاً، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس؛ ليعلموا له علمها.

ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ فيكون ما أخذ على أولئك من المواثيق والعهود عليهم، والله أعلم.

ثم اختلف في النقيب: قال بعضهم: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عباس.

وقال أبو عوسجة: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء.

وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم.

وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فرق العريف؛ يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء.

والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف.

وقال القتبي: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة بالعرافة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قال للنقباء: إني معكم في النصر والدفع عنكم، ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...ِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عباس،  .

ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض [ذلك] العهد: النقيب وغير النقيب.

ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت.

ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ .

يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعاً، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ببعض؛ كقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم.

وقال بعضهم: نصرتموهم.

وعن ابن عباس -  - قال: "وعزرتموهم: أعنتموهم"، يعني: الأنبياء، عليهم السلام.

[{وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه الله.

وقال بعضهم]: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي: محتسباً طيبة بها نفسه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، أي اجعلوا عند الله لأنفسكم أيادي محاسنَ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم من المواثيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ .

قال بعضهم: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من كفر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ ، أي: أخطأ قصد السبيل.

وقوله -  -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم.

﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير.

ويحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: دعونا عليهم باللعن.

﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر الله؛ لأن الله -  - أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر الله وأطاعوا رسوله الرحمة والرأفة بقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً  ﴾ ؛ فإذا نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند الله.

ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره.

﴿ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

قيل: ضيعوا كتاب الله بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ﴾ .

وهم الذين أسلموا منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .

ولا تكافئهم لما آذوك.

ثم قال بعضهم: هو منسوخ بآية القتال في سورة براءة، وهو قوله -  -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ويحتمل ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ إلى أن تؤمر بالقتال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ .

عن الحسن قال: قال للنصارى: ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فقالوا: بل نكون نصارى؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ : ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ الله - عز وجل - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية، وأخبر - أيضاً - أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ ، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد بالله، والإيمان بالرسل كلهم، والتمسك بكتاب الله -  وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا.

ويحتمل: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

قيل: ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ : ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم الله -  - أن يلقى بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة.

وقال بعض المعتزلة: قوله -  -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ ، أي: خذلناهم، وتركناهم.

لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلاناً، وإن شئتم تركاً، اجعلوا ما شئتم، ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك [إلى نفسه] ولا صنع له في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك، ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعاً، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعاً، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على [ما في] قلوبهم من الخيانة والقساوة، وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بالله ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

في الآخرة.

﴿ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ في الدنيا، وهو قول ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما أخذنا على اليهود عهدًا مؤكدًا موثقًا أخذنا على الذين زَكَّوْا أنفسهم بأنهم أتباع عيسى -  -، فتركوا العمل بجزء مما ذُكِّرُوا به، كما فعل أسلافهم من اليهود، وألقينا بينهم الخصومة والكراهة الشديدة إلى يوم القيامة، فأصبحوا متقاتلين متناحرين يُكَفِّرُ بعضهم بعضًا، وسوف يخبرهم الله بما كانوا يصنعون، ويجازيهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.407ge"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل