الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٦ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام "أي : طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) أي : ينجيهم من المهالك ، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور ، ويحصل لهم أنجب الأمور ، وينفي عنهم الضلالة ، ويرشدهم إلى أقوم حالة .
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ قال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله= ويعني بقوله: " يهدي به الله "، يرشد به الله ويسدِّد به، (16) = و " الهاء " في قوله: " به " عائدة على " الكتاب "=" من اتبع رضوانه "، يقول: من اتبع رِضَى الله.
(17) * * * واختلف في معنى " الرضى " من الله جل وعز.
فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء "، القبول له والمدح والثناء.
قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل.
(18) * * * وقال آخرون: معنى " الرضى " من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني: " الرضى " الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي.
قالوا: فالرضا معنًى، و " الثناء " و " المدح " معنًى ليس به.
* * * ويعني بقوله: " سُبُل السلام "، طرق السلام (19) = و " السلام "، هو الله عزَّ ذكره.
11612 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " من اتبع رضوانه سبل السلام "، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.
* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه=" ويخرجهم "، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه= و " الهاء والميم " في: " ويخرجهم " إلى من ذُكر=" من الظلمات إلى النور "، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه (20) =" بإذنه "، يعني: بإذن الله جل وعز.
و " إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام.
(21) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله: " ويهديهم "، ويرشدهم ويسددهم (22) =" إلى صراط مستقيم "، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.
(23) ---------------------- الهوامش : (16) انظر تفسير"يهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.
(17) انظر تفسير"الرضوان" فيما سلف 6: 262/9: 480.
(18) في المطبوعة والمخطوطة: "وفضل" بالضاد المعجمة ، و"الفصل" هنا هو حق المعنى ، لأنه يفصل بين الحق والباطل.
(19) انظر تفسير"سبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.
(20) انظر تفسير"من الظلمات إلى النور" فيما سلف 5: 424-426.
(21) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 516 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"يهدي" في فهارس اللغة.
(23) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 8: 529 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
يهدي به الله من اتبع رضوانه أي : ما رضيه الله .
سبل السلام طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة ، والمؤمنة من كل مخافة ; وهي الجنة ، وقال الحسن والسدي : السلام الله عز وجل ; فالمعنى دين الله - وهو الإسلام - كما قال : إن الدين عند الله الإسلام .
ويخرجهم من الظلمات إلى النور أي : من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات .
بإذنه أي : بتوفيقه وإرادته .
{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ْ} أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار قصده حسنا -سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا.
{ وَيُخْرِجُهُم مِّن ْ} ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم، والذكر.
وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
{ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ْ}
( يهدي به الله من اتبع رضوانه ) رضاه ، ( سبل السلام ) قيل : السلام هو الله عز وجل ، وسبيله دينه الذي شرع لعباده ، وبعث به رسله ، وقيل : السلام هو السلامة ، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد ، والمراد به طرق السلامة ، ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور ) أي : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ( بإذنه ) بتوفيقه وهدايته ، ( ويهديهم إلى صراط مستقيم ) وهو الإسلام .
«يهدي به» أي بالكتاب «الله من اتبع رضوانه» بأن آمن «سبل السلام» طرق السلامة «ويخرجهم من الظلمات» الكفر «إلى النور» الإيمان «بإذنه» بإرادته «ويهديهم إلى صراط مستقيم» دين الإسلام.
يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضا الله تعالى، طرق الأمن والسلامة، ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويوفقهم إلى دينه القويم.
ثم بين - سبحانه - الغاية من رسالته صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - ( يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام ) .والضمير في قوله ( به ) يعود إلى مجموع ما ذكر ، أو إلى الكتاب المبين باعتباره أقرب مذكور و ( سبل ) جمع سبيل بمعنى طريق .
و ( السلام ) مصدر بمعنى السلامة .والمعنى : قد جاءكم - يا معشر أهل الكتاب - من الله نور وكتاب مبين - يهدي الله - تعالى - بذلك أو بالكتاب ( مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ) أي : من علم - سبحانه - منه أنه يريد اتباع ما يرضي بأن يخلص له العبادة ويستجيب للحق الذي أرسل به أنبياءه فإنه متى كان كذلك ، أوصله - سبحانه - إلى ( سُبُلَ السلام ) أي : إلى طرق السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء ، بأن يثبته في الدنيا على طريق الحق ، ويكرمه في الآخرة بمثوبته وجنته هذه هي الثمرة الأولى من ثمار اتباع ما جاء من عندالله من نور وكتاب مبين .
أما الثمرة الثانية فقد بينها - سبحانه - بقوله : ( وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ ) .والضمير المنصوب في قوله ( ويخرجهم ) وهو ( هم ) يعود إلى ( من ) في قوله ( مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ) باعتبار المعنى .أي : ويخرج - سبحانه - هؤلاء الأخيار الذين علم منهم اتباع ما يرضيه يخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الحق والإِيمان ( بإذنه ) أي : بإرادته وعلمه .وقوله : ( وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) بيان للثمرة الثالثة من ثمار اتباع ما جاء من عند الله من حق وخير .أي : ويهدي - سبحانه - هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم ، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب ، وهو طريق الإِسلام الذي يوصل إلى الفوز الفلاح في الدنيا والآخرة .وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى اتباع الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله ، بأوضح أسلوب ، وأكمل بيان ، وبينتا لهم ما يترتب على اتباعه صلى الله عليه وسلم من منافع جليلة ، وفوائد عظيمة تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
ثم قال تعالى: ﴿ يَهْدِى بِهِ الله ﴾ أي بالكتاب المبين ﴿ مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ﴾ من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ سُبُلَ السلام ﴾ أي طرق السلامة، ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي سبل دار السلام، ونظيره قوله: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ ومعلوم أنه ليس المراد هداية الإسلام، بل الهداية إلى طريق الجنة.
ثم قال: ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ ﴾ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالإيمان إلى طرق الجنة كما يهتدي بالنور، وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي بتوفيقه، والباء تتعلق بالاتباع أي اتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ولا بالإخراج لأنه لا معنى له، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلاّ من أراد الله منه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الدين الحق، لأن الحق واحد لذاته، ومتفق من جميع جهاته، وأما الباطل ففيه كثرة، وكلها معوجة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَخَذْنَا ميثاقهم ﴾ أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك.
فإن قلت: فهلا قيل: من النصارى؟
قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية.
أنصاراً للشيطان ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره.
ومنه الغراء الذي يلصق به ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ بين فرق النصارى المختلفين.
وقيل: بينهم وبين اليهود.
ونحوه ﴿ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ [الأنعام: 129] ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 69] .
﴿ يا أَهْلَ الكتاب ﴾ خطاب لليهود والنصارى ﴿ مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ ﴾ من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نحو الرجم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لابد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة.
وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، لإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق.
أو لأنّه ظاهر الإعجاز ﴿ مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ﴾ من آمن به ﴿ سُبُلَ السلام ﴾ طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ وحَّدَ الضَّمِيرَ لِأنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ، أوْ لِأنَّهُما كَواحِدٍ في الحُكْمِ.
﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ﴾ مَنِ اتَّبَعَ رِضاهُ بِالإيمانِ مِنهم.
﴿ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ طُرُقَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، أوْ سُبُلَ اللَّهِ.
﴿ وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ.
﴿ بِإذْنِهِ ﴾ بِإرادَتِهِ أوْ تَوْفِيقِهِ.
﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ طَرِيقٍ هو أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ومُؤَدٍّ إلَيْهِ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
{يَهْدِي بِهِ الله} أي بالقرآن {مَنِ اتبع رضوانه} ومن آمن منهم {سبل السلام} أو الله {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام {بِإِذْنِهِ} بإرادته وتوفيقه {وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ}
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ بِالذّاتِ، أوْ لِكَوْنِهِما في حُكْمِ الواحِدِ، أوْ لِكَوْنِ المُرادِ ( يَهْدِي بِما ذُكِرَ ) وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ؛ نَظَرًا إلى المَقامِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الهِدايَةِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ ثانِيَةٍ لِـ( كِتابٌ ) أوِ النُّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ( رَسُولُنا ) بَدَلًا مِن ( يُبَيِّنُ ) وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُبَيِّنُ ) وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُبِينٌ ) وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ( نُورٌ ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ﴾ أيْ: مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُرِيدُ اتِّباعَ رِضا اللَّهِ تَعالى بِالإيمانِ بِهِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ ﴿ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَخافَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، فالسَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّلامَةِ.
وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ أنَّهُ اسْمُهُ تَعالى، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى الواصِفِينَ لَهُ سُبْحانَهُ بِالنَّقائِصِ، تَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والمُرادُ حِينَئِذٍ بِسُبُلِهِ تَعالى شَرائِعُهُ سُبْحانَهُ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونَصَبَها، قِيلَ: عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( يَهْدِي ) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، نَحْوُ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ .
وقِيلَ: إنَّها بَدَلٌ مِن ( رِضْوانَ ) بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، أوِ اشْتِمالٍ، والرِّضْوانُ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها لُغَتانِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، و( السُّبُلُ ) بِضَمِّ الباءِ، والتَّسْكِينُ لُغَةٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ ﴿ ويُخْرِجُهُمْ ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ( اتَّبَعَ ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
﴿ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى الإيمانِ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ.
﴿ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ، المُوَصِّلُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قالَهُ الحَسَنُ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهَذِهِ الهِدايَةُ عَيْنُ الهِدايَةِ إلى ( سُبُلِ السَّلامِ ) وإنَّما عُطِفَتْ عَلَيْها تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ .
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طَرِيقُ الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ يعني: يكتمون ما بين في التوراة، وذلك أنهم كتموا آية الرجم وتحريم الخمر وأكل الربا ونعت محمد وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني يتجاوز عن كثير ولا يخبركم به، وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيّ ، فسأله فقال: ما هذا الذي عفوت عنا؟
فأعرض عنه رسول الله ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه أنه لم يترك شيئاً، وقد بينه كله، فلما لم يبين له رسول الله قام من عنده وذهب، وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول، لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله.
ثم قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعني ضياء من الضلالة، وهو محمد والقرآن، والنور هو الذي يبين الأشياء ويري الأبصار حقيقتها، فيسمى القرآن نوراً لأنه يقع في القلوب مثل النور، لأنه إذا وقع في قلبه يبصر به.
ثم قال: وَكِتابٌ مُبِينٌ يعني القرآن يبين لكم الحق من الباطل.
قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يعني بالقرآن مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ يعني مَنْ طلب الحق ورغب فيه سُبُلَ السَّلامِ يعني دين الله الإسلام، والسبل جماعة السبيل وهو الطريق، يعني به طريق الهدى، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، يعني هو دين الله تعالى.
ثم قال وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ يعني يخرج من قلوبهم حلاوة الكفر، ويدخل فيها حلاوة الإيمان ويوفقهم لذلك وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني يوفقهم إلى دين الإسلام.
قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثم قال الله تعالى لمحمد : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول من يقدر أن يمنع من عذاب الله شيئا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: لَّوْ أَرَادَ الله أَن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك، فكيف يكون إلهاً وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه.
ثم قال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يعني خزائن السموات والأرض، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم.
ثم قال: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشراً كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقاً بغير أب وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من خلق عيسى وغيره.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكر الحديثَ.
وقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ» : ليس على ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.
وقوله سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ...
الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مهاجره، وفي إعلامه صلّى الله عليه وسلّم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ- دليلٌ على صحَّة نبوَّته لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: أي: لم يفْضَحْهم فيه إبقاءً عليهم، والضمير في يَعْفُوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وكِتابٌ مُبِينٌ: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى- عليه السلام-، والتوراةُ: أي: لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وسُبُلَ السَّلامِ: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزّ وجلّ، فالمعنى: طرق الله، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر.
وقوله سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ.
وقوله سبحانه: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ: إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير
وَ "السُّبُلُ": جَمْعُ سَبِيلٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُبُلُ السَّلامِ: دِينُ الإسْلامِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: "السَّلامُ": هو اللَّهُ، و "سُبُلُهُ": دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "سُبُلُ السَّلامِ" طَرِيقَ السَّلامَةِ الَّتِي مَن سَلَكَها سَلِمَ في دِينِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "السَّلامُ" اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ المَعْنى: طُرُقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الكُفْرَ ﴿ إلى النُّورِ ﴾ يَعْنِي: الإيمانَ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الإسْلامُ.
وقالَ الحَسَنُ: طَرِيقُ الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.
و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".
وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا ﴾ ؛ أيْ: وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الذاتَ؛ والصِفاتِ؛ والمُحالاتِ؛ والشَيْءُ في اللُغَةِ هو المَوْجُودُ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن ذكر من أحوال فريقي أهل الكتاب وأنبَائهم ما لا يعرفه غير علمائهم وما لا يستطيعون إنكاره أقبل عليهم بالخطاب بالموعظة؛ إذ قد تهيَّأ من ظهور صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يسهّل إقامة الحجّة عليهم، ولذلك ابتدئ وصفُ الرسول بأنّه يبيَّن لهم كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، ثم أعقبه بأنَّه يعفو عن كثير.
ومعنى ﴿ يعفو ﴾ يُعرض ولا يُظهر، وهو أصل مادّة العفو.
يقال: عفا الرسم، بمعنى لم يظهر، وعفاه: أزال ظهوره.
ثم قالوا: عفا عن الذنب، بمعنى أعرض، ثم قالوا: عفا عن المذنب، بمعنى ستر عنه ذنبه، ويجوز أن يراد هنا معنى الصفح والمغفرة، أي ويصفح عن ذنوب كثيرة، أي يبيّن لكم دينكم ويعفو عن جلهكم.
وجملة ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ بدل من جملة ﴿ قد جاءكم رسولنا ﴾ بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن، فوزانها وزان (عِلمُه) من قولهم: نفعني زيد علمه، ولذلك فصلت عنها، وأعيد حرف (قَد) الداخل على الجملة المبدل منها زيادة في تحقيق مضمون جملة البدل، لأنّ تعلّق بدل الاشتمال بالمبدل منه أضعف من تعلّق البدل المطابق.
وضمير ﴿ به ﴾ راجع إلى الرسول أو إلى الكتاب المبين.
وسُبلُ السلام: طرق السلامة الّتي لا خوف على السائر فيها.
وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سُحيم بن وثيل الرياحي: ومررتُ على وادي السباع ولا أرى *** كوادِي السباع حين يُظلِم وادِيا أقَلّ به ركبٌ أتوهَ تَئِيَّةً *** وأخوفَ إلاّ ما وقى اللّهُ ساريا فسبيل السلام استعارة لطرق الحقّ.
والظلماتُ والنّور استعارة للضلال والهدى.
والصراط المستقيم مستعار للإيمان.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي: نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ، ورَجْمَ الزّانِينَ.
﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِمّا سِواهُ.
﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ في النُّورِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
الثّانِي: القُرْآنُ وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَبِيلُ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ، ومَعْناهُ دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: طَرِيقُ السَّلامَةِ مِنَ المَخافَةِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ﴾ يَعْنِي: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ بِلُطْفِهِ.
﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طَرِيقُ الحَقِّ وهو دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم، وقال: لكنا نخفيه، فنزلت ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يبين لكم كثيراً ﴾ يقول: يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: رجم الزانيين المحصنين.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟
فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم، هل تجدون الرجم في كتابكم؟
فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ صراط مستقيم ﴾ .
وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب.
قال تعالى ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ قال: فكان الرجم مما أخفوا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ﴾ قال: سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ .
أي بالكتاب المبين.
﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ .
اتبع ما رضيه الله تعالى مما مدحه وأثنى عليه، وهو دين الإسلام، يدل على هذا قول ابن عباس: يريد من صدق النبي لما جاء به (١) (٢) .
وقوله تعالى: ﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد دين الإسلام، دين الله (٣) وهو قول الحسن (٤) ﴿ السَّلَامِ ﴾ ههنا الله عز وجل، والسلام من أسمائه تعالى (٥) قال الزجاج: والسبل الطرق، فجائز أن يكون والله أعلم: طريق السلام طرق السلامة التي من سلكها سلم في دينه (٦) قال أبو علي: ويجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: سبل دار السلام، كما قال: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾ ويراد بها طرق الجنة؛ لأن من اتبع رضوانه فقد أوتي الهداية التي هي الإستدلال، فتكون الهداية في هذه الآية مثل التي في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ ، في أنه ليس بهداية الاستدلال، ولكن الهداية إلى طرق الجنة للثواب (٧) ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ .
قال ابن عباس: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (٨) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ .
أي: بتوفيقه وإرادته (٩) والجار من صلة الاتباع، أي: يتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن يتعلق بالهداية، ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل على (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ .
قال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتى يؤديه إلى الجنة (١١) وقال ابن عباس: يعني: الإسلام (١٢) والقولان سواء.
(١) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.
(٢) في (ش): (بصدق).
(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.
(٤) "تفسير الهواري" 1/ 458، و"النكت والعيون" 2/ 22، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 448.
(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 162، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317، و"البحر المحيط" 3/ 448.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161.
(٧) من "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 20، 21، وانظر: "الحجة" 1/ 184.
(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.
(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 162، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317.
(١٠) في (ش): (فدل هذا على).
(١١) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، وذكر عن الحسن أنه قال: طريق الحق، من "النكت والعيون" 2/ 22، و"زاد المسير" 2/ 317، و"البحر المحيط" 3/ 448.
(١٢) لم أقف عليه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَا أَهْلَ الكتاب ﴾ في الموضعين يعم اليهود والنصارى وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة فإنهم كانوا يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية دلالة على صحة نبوته، لأنه بين لهم ما أخفوه مما في كتبهم، وهو أمي لم يقرأ كتبهم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: يتركه ولا يفضحكم فيه ﴿ نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.
الباقون ﴿ قاسية ﴾ .
الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.
﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.
﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .
﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.
﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.
﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.
﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.
﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: إنه لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.
وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي لولا دفع الله ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.
والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.
وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.
وأصل النقب الطريق في الجبل.
ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.
والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.
ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.
قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.
ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.
ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.
فحذف الرابط للعلم به.
والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.
والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.
فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.
وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.
واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.
والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.
ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ تكراراً.
وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟
وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.
قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.
سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟
وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.
قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟
والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.
وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.
قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.
وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.
فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.
وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.
وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.
ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.
ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.
وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.
ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.
وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟
والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.
فلما سلمتم كونه خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.
وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.
وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم .
وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟
وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.
وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.
وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.
عن ابن عباس أن النبي دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟
ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.
ثم إنه أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.
فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.
وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.
أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.
ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.
﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.
والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.
وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.
قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.
وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.
وكان بين عيسى ومحمد خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.
وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى ومحمد أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.
وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.
والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.
والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.
التأويل: جعل في أمة موسى اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.
فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.
﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ الآية.
قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾ ، ولم يقل: فلان بن فلان؛ ليعلم أن الرسل - عليهم السلام - ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب؛ ولكن إنما يعرفون بالآيات المعجزة والبراهين النيرة.
وفيه دليل أن من آمن بالرسل كلهم ولم يعرف أسماءهم أنه يكون مؤمناً، ولم يؤخذ علينا معرفة أسامي الرسل؛ إنما أخذ علينا الإيمان بهم جملة؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - لم يذكر في الكتاب الأنبياء والرسل جميعاً واحداً فواحداً، ولا ذكر أسماءهم؛ إنما ذكر بعضاً منهم؟!
أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمناً؟!
هذا بعيد.
وفيه دلالة إثبات رسالة [سيدنا] محمد ؛ لأنه قال: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وهم إذا كتموا ذلك وأخفوه - أعني: الرؤساء - ولم يخبروا أحداً أنهم كتموا ذلك وأخفوه، حتى يبلغ الخبر إلى رسول الله ، ولا كان رسول الله اختلف إلى أحد منهم، أو نظر في كتابهم قط؛ ليعلم ما كتموا، فلما بين لهم ما قد كتموا وأخفوا من الناس؛ دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .
اختلف في تأويله وقراءته: قال بعضهم: "نبين" بالنون، "ونعفوا عن كثير"، أي: الله يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون [من الكتاب]، ويعفوا الله - - عن كثير إذا آمنوا ورجعوا عما كانوا يخفون ويكتمون.
وقال آخرون: يبين لهم كثيراً، أي: جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ذلك.
وأمَّا عندنا فقوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ بالياء، أي: رسول الله يبين لهم كثيراً، ويعفو عن كثير، على قدر ما أذن له البيان لهم؛ لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين والحجج على قدر ما أذن لهم، لا بكل ما لهم من الآيات؛ ألا ترى أن سحرة فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت حيات، لم يلق موسى عصاه حتى أذن الله له في ذلك؟!
وهو قوله - -: ﴿ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ .
إنما أتى بالآية بعد ما أذن له بذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً ﴾ إنما يبين على قدر ما أذن له بالبيان والحجة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل مما كنتم تخفون من الكتاب: من الشرائع والأحكام، ويحتمل: كتموا ما في الكتاب من نعت محمد وصفته [الكريمة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ ﴾ .
عن الحسن: النور والكتاب واحد، وكذلك ما قال في قوله: ﴿ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ هما واحد.
وقال غيره: النور: هو محمد، والكتاب: هو القرآن، سماه: نوراً؛ لما يوضح ويضيء كل شيء على ما هو عليه حقيقة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [النور: 35]، أي: به يتضح كل شيء على ما هو عليه في الحقيقة، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بمحمد ، ويحتمل: بالقرآن، أي: به يهدي الله ﴿ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ ، يحتمل: رضاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .
السلام: قيل: هو الله؛ كقوله - -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ﴾ ، أي: به يهدي سبل السلام، سمي سبلا؛ لأن سبيل الله - وإن كان كثيراً في الظاهر - فهو في الحقيقة واحد، وسمي سبل الشيطان سبلاً وقال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ...
﴾ الآية [الأنعام: 153]؛ لأن سبله متفرقة مختلفة، ليست ترجع إلى واحد، وأما سبل الله - وإن كانت سبلاً في الظاهر - فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم.
<div class="verse-tafsir"
يهدي الله بهذا الكتاب من اتبع ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح إلى طُرقِ السلامة من عذاب الله، وهي الطرق الموصلة إلى الجنة، ويخرجهم من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة بإذنه، ويوفقهم إلى الطريق القويم المستقيم طريق الإسلام.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZVOr2"