الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٨ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) أي : نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية ، وهو يحبنا .
ونقلوا عن كتابهم أن الله [ تعالى ] قال لعبده إسرائيل : " أنت ابني بكري " .
فحملوا هذا على غير تأويله ، وحرفوه .
وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم ، وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني : ربي وربكم .
ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام ، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه .
قال الله تعالى رادا عليهم : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) أي : لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه ، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟
وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟
فلم يرد عليه ، فتلا الصوفي هذه الآية : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) وهذا الذي قاله حسن ، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال : حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني!
وسعت فأخذته ، فقال القوم : يا رسول الله ، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار .
قال : فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا والله ما يلقي حبيبه في النار " .
تفرد به .
[ وقوله ] ( بل أنتم بشر ممن خلق ) أي : لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) أي : هو فعال لما يريد ، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب .
( ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ) أي : الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ، ( وإليه المصير ) أي : المرجع والمآب إليه ، فيحكم في عباده بما يشاء ، وهو العادل الذي لا يجور .
[ و ] قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوفنا يا محمد !
نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى فأنزل [ الله ] فيهم : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) إلى آخر الآية .
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .
ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله [ تعالى ] ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) أما قولهم : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) فإنهم قالوا : إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك - بكرك من الولد - فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ، ثم يناد مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل .
فأخرجوهم فذلك قولهم : ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) [ آل عمران : 24 ]
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.
* * * وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.
11613 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بن أضَاء (1) وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، &; 10-151 &; يا محمد!!
نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!!
(2) = كقول النصارى، فأنـزل الله جل وعز فيهم: " وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، إلى آخر الآية.
(3) * * * وكان السدي يقول في ذلك بما: 11614 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، أما " أبناء الله "، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، (4) أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم.
فذلك قوله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [سورة آل عمران: 24].
وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله.
(5) * * * والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: " نحن الأجواد الكرام "، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير: نَدَسْــنَا أَبَـا مَنْدُوسَـةَ القَيْـنَ بِالقَنَـا وَمَــارَ دَمٌ مِـنْ جَـارِ بَيْبَـةَ نَـاقعُ (6) &; 10-152 &; فقال: " نَدَسْنَا "، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم.
فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.
* * * وقوله: " وأحباؤه "، وهو جمع " حبيب ".
* * * يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم=" فلم يعذبكم " ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟
وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، (7) ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟
يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.
* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه=" بل أنتم بشر ممن خلق "، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، (8) إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.
* * * وقد بينا معنى " المغفرة "، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
(9) .
* * * =" ويعذب من يشاء " يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.
* * * وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، (10) واصطبارهم على ما نابهم فيه.
(11) يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم= (12) لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانـزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي= (13) لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.
* * * وكان السدي يقول في ذلك بما:- 11615 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.
* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، (14) يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، (15) لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك.
فاعلموا أيها القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، (16) وإليه مصير كل شيء ومرجعه.
فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.
------------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "نعمان بن أحي ، ويحرى بن عمرو.." ، وفي المخطوطة: "عثمان بن أصار ويحوى بن عمرو..." ، وكلاهما خطأ ، وصوابه من سيرة ابن هشام.
(2) في المخطوطة: "نحن أبناء الله وأحباءه ، بل أنتم بشر ممن خلق" ، وهو من عجلة الناسخ لا شك في ذلك.
(3) الأثر: 11613- سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11557.
(4) في المخطوطة: "إلى بني إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار" ، وهو خلط بلا معنى ، صوابه ما في المطبوعة على الأرجح.
(5) الأثر: 11614- لم يمض هذا الأثر في تفسير آية سورة البقرة: 80 (2: 274-278) ، ولا آية سورة آل عمران: 24 (6: 292 ، 293).
وهذا أيضا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره.
(6) ديوانه: 372 ، والنقائض: 693 ، واللسان (بيب) (مور) (ندس).
و"ندس": طعن طعنًا خفيفًا.
و"أبو مندوسة" ، هو مرة بن سفيان بن مجاشع ، جد الفرزذق.
قتلته بنو يربوع -قوم جرير- في يوم الكلاب الأول.
و"القين" لقب لرهط الفرزدق ، يهجون به.
و"جاربيبة" ، هو الصمة بن الحارث الجشمي ، قتله ثعلبة بن حصبة ، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع ، من رهط الفرزدق.
و"مار الدم على وجه الأرض": جرى وتحرك فجاء وذهب.
و"دم ناقع" ، أي: طري لم ييبس.
(7) انظر ما سلف 6: 292.
(8) انظر تفسير"بشر" فيما سلف 6: 538.
(9) انظر ما سلف 2: 109 ، 110 ، ثم سائر فهارس اللغة.
(10) في المطبوعة: "واجتنابهم معصيته لمسارعتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وزاد"معصيته" لتستقيم له قراءته.
و"الاجتباء": الاصطفاء والاختيار.
(11) في المخطوطة: "إلى ما نابهم فيه" ، والجيد ما في المطبوعة.
(12) يقول: "نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي..
لا بالأماني".
هكذا السياق.
(13) يقول: "فإني أغفر ذنوب من أشاء..
لا لمن قربت زلفة آبائه مني" ، هكذا السياق.
(14) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبا ص: 148 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(15) في المطبوعة: "كيف أحبه" ، وأثبت الجيد من المخطوطة.
(16) في المطبوعة: "بذنبه" ، وفي المخطوطة: "بدونه" ، ورجحت ما أثبت.
قوله : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصيرقوله تعالى : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قال ابن عباس : خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا : لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه ; فنزلت الآية .
قال ابن إسحاق : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم ، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟
; نحن أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ; فأنزل الله عز وجل فيهم وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم إلى آخر الآية .
قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ; فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده ; فأنزل الله عز وجل : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل إلى قوله : والله على كل شيء قدير .
[ ص: 80 ] السدي : زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكري من الولد .
قال غيره : والنصارى قالت نحن أبناء الله ; لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى " أذهب إلى أبي وأبيكم " ، وقيل : المعنى : نحن أبناء رسل الله ، فهو على حذف مضاف ، وبالجملة .
فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا ; فرد عليهم قولهم فقال : فلم يعذبكم بذنوبكم فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين ; إما أن يقولوا هو يعذبنا .
فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه وأحباءه ; فإن الحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم تقرون بعذابه ; فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ; ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم ، وقيل : معنى يعذبكم عذبكم ; فهو بمعنى المضي ; أي : فلم مسخكم قردة وخنازير ؟
ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم ؟
لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد ، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا ، بل يحتج عليهم بما عرفوه .
ثم قال : بل أنتم بشر ممن خلق أي : كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ، ويجازي كلا بما عمل .
يغفر لمن يشاء أي : لمن تاب من اليهود .
ويعذب من يشاء من مات عليها .
ولله ملك السماوات والأرض فلا شريك له يعارضه .
وإليه المصير أي : يئول أمر العباد إليه في الآخرة .
ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلا منهما ادعى دعوى باطلة، يزكون بها أنفسهم، بأن قال كل منهما: { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح.
قال الله ردا عليهم حيث ادعوا بلا برهان: { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } ؟
فلو كنتم أحبابه ما عذبكم [لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه] { بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ } تجري عليكم أحكام العدل والفضل { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب، { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله عز وجل : ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) قيل : أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف ، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة ، وقال إبراهيم النخعي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري ، فبدلوا يا أبناء أبكاري ، فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله ، وقيل : معناه نحن أبناء رسل الله .
قوله تعالى : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده ، والحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم مقرون أنه معذبكم؟
وقيل : فلم يعذبكم أي : لم عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير؟
( بل أنتم بشر ممن خلق ) كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان ، ( يغفر لمن يشاء ) فضلا ( ويعذب من يشاء ) عدلا ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) .
«وقالت اليهود والنصارى» أي كل منهما «نحن أبناء الله» أي كأبنائه في القرب والمنزلة وهو كأبينا في الرحمة والشفقة «وأحباؤه قل» لهم يا محمد «فلم يعذبكم بذنوبكم» إن صدقتم في ذلك ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم فأنتم كاذبون «بل أنتم بشر ممن» من جملة من «خلق» من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم «يغفر لمن يشاء» المغفرة له «ويعذب من يشاء» تعذيبه لا اعتراض عليه «ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير» المرجع.
وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل لهم -أيها الرسول-: فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟
فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه، وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم، إن أحسنتُم جوزيتم بإحسانكم خيرا، وإن أسَأْتُم جوزيتم بإساءتكم شرًّا، فالله يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو مالك الملك، يُصَرِّفه كما يشاء، وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق.
ثم ساق - سبحانه - بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - :( وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ .
.
.
)قال الإِمام ابن كثير : روى محمد بن إسحاق بن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله - تعالى - وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد؟
نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى؛ فأنزل الله - تعالى - فيهم .( وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ) .
.
الآية .وقوله - تعالى - ( وَقَالَتِ اليهود والنصارى ) حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوي باطلة ، يدل على سفاهة عقولهم ، وبلاده تفكيرهم ، حيث قالوا في حق الله - تعالى - ما لا يليق بعظمته - سبحانه - .قال الآلوسي : ما ملخصه : " ومرادهم بالأبناء : المقربون .
أي نحن مقربون عند الله - تعالى - قرب الأولاد من والدهم .
ومن مرادهم بالأحباء : جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب .ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة ، كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء الآخرة .
ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة .
أي قالت اليهود : نحن أشياع ابنه عزير .
وقالت النصارى : نحن أشياع ابنه عيسى .
وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة .
وهذا كما يقول أتباع الملك : نحن الملوك .وقيل الكلام على حذف المضاف .
أي : نحن أبناء أنبياء الله - تعالى - وهو خلاف الظاهر .ومقصود الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم ( نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ) هو المعنى المتضمن مدحا ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزية عند الله - تعالى - على سائر الخلق .والمعنى : وقالت طائفة اليهود التي تزعم أنها شعب الله المختار ، وقالت طائفة النصارى التي تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما : نحن في القرب من الله - تعالى - بمنزلة أبنائه المدللين ، وأحبائه المختارين ، فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر .والذي حملهم على هذا القول الباطل ، جهلهم بما اشتلمت عليه كتبهم ، وتخبطهم في الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعاني الألفاظ .قال ابن كثير : " ونقلوا عن كتبهم أن الله - تعالى - قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكري .
فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه .
وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم .
وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإِكرام .
كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني : ربي وربكم .
ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه ، وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : ( نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ) .وعطف - سبحانه - قولهم : ( وَأَحِبَّاؤُهُ ) على قولهم ( نَحْنُ أَبْنَاءُ الله ) للإِشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور ، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه .وقد أمر الله - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يكتبهم فقال : ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) .والفاء في قوله ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُم ) للافصاح ، لأنها تفصح عن جواب شرط مقدر أي : قل يا محمد لهؤلاء المغرورين ، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء الله وأحباؤه فلأي شيء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه .وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم ، فقد عذبكم - سبحانه - في الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة .أما في الآخرة فإن كتبكم التي بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون في الآخرة على ما تقترفون من آثام في دنياكم .وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم - في زعمهم - أياما معدودات في الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك في قوله - تعالى - ( قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ) وأقر النصارى بأن الله - تعالى - سيحاسب الناس يوم القيامة ، وسيجازي كل إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير ، وإن شراً فشر .قال القرطبي : " رد الله عليهم قولهم فقال : ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ) فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين ، إما إن يقولوا هو يعذبنا ، فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه ولا أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه .
وأنتم تقرون بعذابه ، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم .
ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم وقوله : ( بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) رد على أصل دعواهم الباطلة ، وبيانلما هو الحق من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر .أي : ليس الأمر كما زعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله وأحباؤه ، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق الله .
فإنكم إن آمنتم وأصلحتم أعمالكم نلتم الثواب من الله ، وإن بقيتم على كفركم وغروركم حق عليكم العقاب ، وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإِيمان والعمل الصالح .قال أبو حيان قوله : ( بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) إضراب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه ، فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث ، وهما يمنعان البنوة ، فإن القديم لا يلد بشرا ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوجهين البنوة .
وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله ، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما .وقوله - سبحانه - ( يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) بيان لعموم قدرته ، وشمول إرادته .أي أنه - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه ، وهم المؤمنون به وبرسله ، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم ، وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .وقوله ( وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير ) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من عموم قدرته ، وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه .أي : والله - تعالى - وحده ملك جميع الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة فيجازيهم على ما عملوا من خير أو شر .
قال - تعالى - ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم ( أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ) وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كذابون فيما يدعون؛ وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالإِيمان والعمل الصالح .
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وفيه سؤال: وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة، فكيف نقل هذا القول عنهم؟
وأما النصارى فإنهم يقولون ذلك في حق عيسى لا في حق أنفسهم، فكيف يجوز هذا النقل عنهم؟
أجاب المفسرون عنه من وجوه: الأول: أن هذا من باب حذف المضاف، والتقدير نحن أبناء رسل الله، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسل الله، ونظيره قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ والثاني: أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضاً على من يتخذ ابناً، واتخاذه ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا أن عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم، لا جرم عبر الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله.
الثالث: أن اليهود لما زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن عزيراً والمسيح كانا منهم، صار ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء الله، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنساناً آخر فقد يقولون: نحن ملوك الدنيا، ونحن سلاطين العالم، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هاهنا، والرابع: قال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
ثم انه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ وفيه سؤال، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه، والاشكال عليه أن يقال: إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة، فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله، ثم أنهم ما خلوا عن محن الدنيا.
انظروا إلى وقعة أحد، وإلى قتل الحسن والحسين، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك.
ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب، إذ لو كان كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافياً، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعاً.
والجواب من وجوه: الأول: أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول: لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال.
الثاني: أن موضع الالزام هو عذاب الآخرة، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ والثالث: المراد بقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ فلم مسخكم، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، إلاّ أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون: لا نسلم أنه تعالى يعذبنا، بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قوياً متيناً.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ كمال رحمته عليهم وكمال عنايته بهم.
وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فإنه يجب على الله عقلاً إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكمة، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، وكما أن قوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ إبطال لقول اليهود.
فبأن يكون إبطالاً لقول المعتزلة أولى وأكمل.
ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقاً واجباً؟
وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه ديناً.
إنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذباً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ المصير ﴾ أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال: ﴿ والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أبناؤا الله ﴾ أشياع ابني الله عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير (الخبيبون) وكما كان يقول رهط مسيلمة: نحن أنبياء الله.
ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه: نحن الملوك.
ولذلك قال مؤمن آل فرعون: لكم الملك اليوم ﴿ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ فإن صحّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم النار أياماً معدودات على زعمكم.
ولو كنتم أبناء الله، لكنتم من جنس الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب.
ولو كنتم أحباءهُ، لما عصيتموه ولما عاقبكم ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ ﴾ من جملة من خلق من البشر ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ﴾ وهم أهل الطاعة ﴿ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ وهم العصاة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ أشْياعُ ابْنَيْهِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ كَما قِيلَ لِأشْياعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الخَبِيبُونَ أوِ المُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ قُرْبَ الأوْلادِ مِن والِدِهِمْ وقَدْ سَبَقَ لِنَحْوِ ذَلِكَ مَزِيدُ بَيانٍ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ» .
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ فَإنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم فَإنَّ مَن كانَ بِهَذا المَنصِبِ لا يَفْعَلُ ما يُوجِبُ تَعْذِيبَهُ، وقَدْ عَذَّبَكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والمَسْخِ واعْتَرَفْتُمْ بِأنَّهُ سَيُعَذِّبُكم بِالنّارِ أيّامًا مَعْدُوداتٍ.
﴿ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ مِمَّنْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ وهم مَن آمَنَ بِهِ وبِرُسُلِهِ.
﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ وهم مَن كَفَرَ، والمَعْنى أنَّهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ سائِرِ النّاسِ لا مَزِيَّةَ لَكم عِنْدَهُ.
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ كُلُّها سَواءٌ في كَوْنِها خَلْقًا ومُلْكًا لَهُ.
﴿ وَإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} أي أعزة عليه كالابن على الأب أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشباع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون كما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناءالملوك أو نحن أبناء رسل الله {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} أي فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياماً معدودة على زعمكم وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الوالد ولده بالنار ثم قال رداً عليهم {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي أنتم خلق من خلقه لا بنوه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} لمن تاب عن الكفر فضلاً {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ} من مات عليه عدلاً {وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير يا} فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان
﴿ وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ لِأنْفُسِهِمْ، وبَيانٌ لِبُطْلانِها إثْرَ ذِكْرِ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِهِما مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ لِغَيْرِهِ وبَيانِ بُطْلانِها، أيْ: قالَ كُلٌّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ هَذا القَوْلَ الباطِلَ، ومُرادُهم بِالأبْناءِ المُقَرَّبُونَ، أيْ: نَحْنُ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قُرْبَ الأوْلادِ مِن والِدِهِمْ، وبِالأحِبّاءِ جَمْعِ حَبِيبٍ بِمَعْنى مُحِبٍّ أوْ مَحْبُوبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادُوا مِنَ الأبْناءِ الخاصَّةَ، كَما يُقالُ: أبْناءُ الدُّنْيا، وأبْناءُ الآخِرَةِ، وأنْ يَكُونَ أرادُوا أشْياعَ مَن وُصِفَ بِالنُّبُوَّةِ، أيْ: قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ عُزَيْرٍ، وقالَتِ النَّصارى: نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ المَسِيحِ، عَلَيْهِما السَّلامُ، وأُطْلِقَ الأبْناءُ عَلى الأشْياعِ مَجازًا، إمّا تَغْلِيبًا أوْ تَشْبِيهًا لَهم بِالأبْناءِ في قُرْبِ المَنزِلَةِ، وهَذا كَما يَقُولُ أتْباعُ المَلِكِ: نَحْنُ المُلُوكُ، وكَما أُطْلِقَ عَلى أشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الخُبَيْبِيُّونَ في قَوْلِهِ: قَدْنِي مِن نَصْرِ الخُبَيْبِيِّينَ قَدِي.
عَلى رِوايَةِ مَن رَواهُ بِالجَمْعِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُرِيدُ أبا خَبِيبٍ ومَن كانَ مَعَهُ، فَحَيْثُ جازَ جَمْعُ خَبِيبٍ وأشْياعِ أبِيهِ فَأوْلى أنْ يَجُوزَ جَمْعُ ابْنِ اللَّهِ - عَزَّ اسْمُهُ - وأشْياعِ الِابْنِ بِزَعْمِ الفَرِيقَيْنِ، فَنَدْفَعُ ما قِيلَ: إنَّهم لا يَقُولُونَ بِبُنُوَّةِ أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يُحْمَلْ عَلى التَّوْزِيعِ بِمَعْنى: أنْفُسُنا الأحِبّاءُ وأبْناؤُنا الأبْناءُ بِجَمْعِ الِابْنَيْنِ لِمُشاكَلَةِ الأحِبّاءِ؛ لِأنَّ خِطابَ ﴿ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ يَأْباهُ ظاهِرًا، أوْ يَدُلُّ عَلى ادِّعائِهِمُ البُنُوَّةَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ.
وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: نَحْنُ أبْناءُ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقائِلُ ذَلِكَ مِنَ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ، ونُسِبَ إلى الجَمِيعِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««أتى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نُعْمانُ بْنُ آصِي، وبَحَرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وشاشُ ابْنُ عَدِيٍّ» فَكَلَّمُوهُ وكَلَّمَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى، وحَذَّرَهم نِقْمَتَهُ، فَقالُوا: ما تُخَوِّفُنا يا مُحَمَّدُ ؟!
نَحْنُ واللَّهِ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالَتِ النَّصارى ذَلِكَ قَبْلَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّصارى تَأوَّلُوا ما في الإنْجِيلِ مِن قَوْلِ المَسِيحِ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ، فَقالُوا ما قالُوا.
وعِنْدِي أنَّ إطْلاقَ ابْنِ اللَّهِ عَلى المُطِيعِ قَدْ كانَ في الزَّمَنِ القَدِيمِ، فَفي التَّوْراةِ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ: إسْرائِيلُ ابْنِي بِكْرِي، أرْسِلْهُ يَعْبُدْنِي، فَإنْ أبَيْتَ أنْ تُرْسِلَ ابْنِي بِكْرِي، قَتَلْتُ ابْنَكَ بِكْرَكَ.
وفِيها أيْضًا في قِصَّةِ الطُّوفانِ: أنَّهُ لَمّا نَظَرَ بَنُو اللَّهِ تَعالى إلى بَناتِ النّاسِ، وهم حِسانٌ جِدًّا، شَغَفُوا بِهِنَّ فَنَكَحُوا مِنهُنَّ ما أحَبُّوا واخْتارُوا، فَوَلَدُوا جَبابِرَةً، فَأفْسَدُوا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لا تَحِلُّ عِنايَتِي عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ، وأُرِيدَ بِأبْناءِ اللَّهِ تَعالى أوْلادُ هابِيلَ، وبِأبْناءِ النّاسِ أبْناءُ قابِيلَ، وكُنَّ حِسانًا جِدًّا فَصَرَفْنَ قُلُوبَهُنَّ عَنْ عِبادِهِ اللَّهِ تَعالى إلى عِبادَةِ الأوْثانِ.
وفِي المَزامِيرِ: أنْتِ ابْنِي سَلْنِي أُعْطِكَ، وفِيها أيْضًا: أنْتَ ابْنِي وحَبِيبِي، وقالَ شَعْيا في نُبُوَّتِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى: تَواصَوْا بِي في أبْنائِي وبَناتِي، يُرِيدُ ذُكُورَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ وإناثَهم.
وقالَ يُوحَنّا الإنْجِيلِيُّ في الفَصْلِ الثّانِي مِنَ الرِّسالَةِ الأُولى: انْظُرُوا إلى مَحَبَّةِ الأبِ لَنا أنْ أعْطانا أنْ نُدْعى أبْناءً، وفي الفَصْلِ الثّالِثِ: أيُّها الأحِبّاءُ الآنَ صِرْنا أبْناءَ اللَّهِ تَعالى، فَيَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْزِلَهُ في الإجْلالِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، فَمَن صَحَّ لَهُ هَذا الرَّجاءُ فَلْيُزَكِّ نَفْسَهُ بِتَرْكِ الخَطِيئَةِ والإثْمِ، واعْلَمُوا أنَّ مَن لابَسَ الخَطِيئَةَ فَإنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ.
وقالَ مَتّى: قالَ المَسِيحُ: أحِبُّوا أعْداءَكُمْ، وبارِكُوا عَلى لاعِنِيكُمْ، وأحْسِنُوا إلى مَن يُبْغِضُكُمْ، وصَلُّوا عَلى مَن طَرَدَكُمْ، كَيْما تَكُونُوا بَنِي أبِيكُمُ المُشْرِقِ شَمْسَهُ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ، والمُمْطِرِ عَلى الصِّدِّيقِينَ والظّالِمِينَ.
وقالَ يُوحَنّا التِّلْمِيذُ في قَصَصِ الحَوارِيِّينَ: يا أحِبّائِي، إنّا أبْناءُ اللَّهِ تَعالى سَمّانا بِذَلِكَ، وقالَ بُولَسُ الرَّسُولُ في رِسالَتِهِ إلى مَلِكِ الرُّومِ: إنَّ الرُّوحَ تَشْهَدُ لِأرْواحِنا أنَّنا أبْناءُ اللَّهِ تَعالى وأحِبّاؤُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً.
وقَدْ جاءَ أيْضًا إطْلاقُ الِابْنِ عَلى العاصِي، ولَكِنْ بِمَعْنى الأثَرِ ونَحْوِهِ، فَفي الرِّسالَةِ الخامِسَةِ لَبُولَسَ: إيّاكم والسَّفَهَ والسَّبَّ واللَّعِبَ؛ فَإنَّ الزّانِيَ والنَّجِسَ كَعابِدِ الوَثَنِ لا نَصِيبَ لَهُ في مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعالى، واحْذَرُوا هَذِهِ الشُّرُورَ، فَمِن أجْلِها يَأْتِي رِجْزُ اللَّهِ عَلى الأبْناءِ الَّذِينَ لا يُطِيعُونَهُ، وإيّاكم أنْ تَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُمْ، فَقَدْ كُنْتُمْ قَبْلُ في ظُلْمَةٍ، فاسْعَوُا الآنَ سَعْيَ أبْناءِ النُّورِ.
ومَقْصُودُ الفَرِيقَيْنِ بِـ( نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ) هو المَعْنى المُتَضَمِّنُ مَدْحًا، وحاصِلُ دَعْواهم أنَّ لَهم فَضْلًا ومِزْيَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الخَلْقِ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ قُلْ ﴾ إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ فَلِأيِّ شَيْءٍ يُعَذِّبُكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالنّارِ أيّامًا بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِذَلِكَ في غَيْرِما مَوْطِنٍ، وهَذا يُنافِي دَعْواكُمُ القُرْبَ ومَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى لَكُمْ، أوْ مَحَبَّتَكم لَهُ المُسْتَلْزِمَةَ لِمَحَبَّتِهِ لَكُمْ، كَما قِيلَ: ما جَزاءُ مَن يُحِبُّ إلّا يُحَبُّ!
أوْ فَلِأيِّ شَيْءٍ أذْنَبْتُمْ بِدَلِيلِ أنَّكم سَتُعَذَّبُونَ، وأبْناءُ اللَّهِ تَعالى إنَّما يُطْلَقُ إنْ أُطْلِقَ في مَقامِ الِافْتِخارِ عَلى المُطِيعِينَ، كَما نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُكُمْ، أوْ إنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ فَلِمَ عَذَّبَكم بِالمَسْخِ الَّذِي لا يَسَعُكم إنْكارَهُ.
وعَّدَ بَعْضُهم مِنَ العَذابِ البَلايا والمِحَنَ كالقَتْلِ والأسْرِ، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْإلْزامِ، فَإنَّ البَلايا والمِحَنَ قَدْ كَثُرَتْ في الصُّلَحاءِ، وقَدْ ورَدَ: ««أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ»» وقالَ الشّاعِرُ: ولَكِنَّهم أهْلُ الحَفائِظِ والعُلا فَهم لِمُلِمّاتِ الزَّمانِ خُصُومُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ مِثْلَ هَذا في أوَّلِ الكَلامِ، وجَعَلْتَ الفاءَ عاطِفَةً، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ( بَشَرٌ ) أيْ: بَشَرٌ كائِنٌ مِن جِنْسِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَكم عَلَيْهِمْ.
﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن أُولَئِكَ المَخْلُوقِينَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِهِ تَعالى وبِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ سُبْحانَهُ، وبِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِثْلُكُمْ، والَّذِي دَلَّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إنْ قُلْنا بِعُمُومِهِ كَما هو المَعْرُوفُ المَشْهُورُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما في شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
هَذا، وأوْرَدَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ هُنا إشْكالًا ذَكَرَ أنَّهُ قَوِيٌّ، وهو أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ ﴾ تَعالى أشْياعُ بَنِيهِ، فَغايَةُ الأمْرِ أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ الِابْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّبَعِيَّةِ، لَكِنْ مِن أيْنَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ الأبِ - كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ - في انْتِفاءِ فِعْلِ القَبائِحِ، وانْتِفاءِ البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِيَحْسُنَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ﴿ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ ؟
نَعَمْ، ما ذَكَرُوهُ في هَذا المَقامِ مِنِ اسْتِلْزامِ المَحَبَّةِ عَدَمَ العِصْيانِ والمُعاقَبَةِ رُبَّما يَتَمَشّى؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُحِبِّ أنْ لا يَعْصِيَ الحَبِيبَ، ولا يَسْتَحِقَّ مِنهُ المُعاقَبَةَ، ومِن هُنا قِيلَ: تَعْصِي الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ∗∗∗ هَذا لَعَمْرِي في الفِعالِ بَدِيعُ لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ وفِيهِ مُناقَشَةٌ؛ لِأنَّ هَذا شَأْنُ المُحِبِّينَ، والأحِبّاءُ هُمُ المُحِبُّونَ، وأجابَ عَنْ إشْكالِ إثْباتِ البَشَرِيَّةِ بِأنَّهُ لَيْسَ إثْباتًا لِمُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لِيَجِبَ أنْ يَكُونَ رَدُّ الدَّعْوى بِانْتِفائِهِ، بَلْ هو إثْباتُ أنَّهم بَشَرٌ مِثْلُ سائِرِ البَشَرِ، ومِن جِنْسِ سائِرِ المَخْلُوقِينَ، مِنهُمُ العاصِي والمُطِيعُ، والمُسْتَحِقُّ لِلْمَغْفِرَةِ والعَذابِ، لا كَما ادَعَّوْا مِن أنَّهُمُ الأشْياعُ المَخْصُوصُونَ بِمَزِيدِ قُرْبٍ واخْتِصاصٍ لا يُوجَدُ في سائِرِ البَشَرِ، ولِذا وصَفَ بَشَرًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ حَتّى لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أيْضًا في مَوْقِعِ الصِّفَةِ عَلى حَذْفِ العائِدِ، أيْ: لِمَن يَشاءُ مِنهم.
وأمّا إشْكالُ الجِنْسِيَّةِ فَقِيلَ في جَوابِهِ: المُرادُ أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ أشْياعَ بَنِي اللَّهِ تَعالى لَكُنْتُمْ عَلى صِفَتِهِمْ في تَرْكِ القَبائِحِ، وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الأشْياعِ والأتْباعِ أنْ يَكُونُوا عَلى صِفَةِ المَتْبُوعِينَ، والمَتْبُوعُونَ هُنا هُمُ الأبْناءُ بِالزَّعْمِ، ومِن شَأْنِ الأبْناءِ أنْ يَكُونُوا عَلى صِفَةِ الأبِ، فَمِن شَأْنِ الأتْباعِ أنْ يَكُونُوا عَلى صِفَةِ الأبِ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: كَلامُ مَن قالَ: يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ الأبِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: لَوْ كُنْتُمْ أشْياعَ بَنِي اللَّهِ تَعالى لَكُنْتُمْ مِن جِنْسِ أشْياعِ الأبِ يَعْنِي أهْلَ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ القَبائِحِ ولا يَسْتَوْجِبُونَ العِقابَ.
وفِي الكَشْفِ إنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ ﴾ تَعالى فِيهِ إثْباتُ الِابْنِ، وأنَّهم مِن أشْياعِهِ، مُسْتَوْجِبُونَ مَحَبَّةَ الأبِ لِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُشْتَمِلًا عَلى هَدْمِ القَوْلَيْنِ، فَقِيلَ: مَن أسْنَدْتُمْ إلَيْهِ البُنُوَّةَ لا يَصْلُحُ لَها لِإمْكانِ القَبِيحِ عَلَيْهِ وصُدُورِهِ هَفْوَةً، ومُؤاخَذَتِهِ بِالزَّلَّةِ، ودَعْواكُمُ المَحَبَّةَ كاذِبَةٌ، وإلّا لَما عُذِّبْتُمْ.
وأيْضًا إذا بَطَلَ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى ابْنٌ بَطَلَ أنْ يَكُونُوا أشْياعَهُ، وكَذَلِكَ المَحَبَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لِإبْطالِ أنْ يَكُونُوا أبِناءً حَقِيقَةً، كَما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ، أوْ مَجازًا كَما فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، وما ذَكَرْناهُ كافٍ في الغَرَضِ.
نَعَمْ، ذَكَرَ الشِّهابُ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - تَوْجِيهًا لا بَأْسَ بِهِ، وهو أنَّ اللّائِقَ أنْ يَكُونَ مُرادُهم بِكَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمُ الِابْنَ - عَلى زَعْمِهِمْ - وأرْسَلَ لِغَيْرِهِمْ رُسُلَ عِبادِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى امْتِيازِهِمْ عَنْ سائِرِ الخَلْقِ، وأنَّ لَهم مَعَ اللَّهِ تَعالى مُناسَبَةٌ تامَّةٌ وزُلْفى، تَقْتَضِي كَرامَةً لا كَرامَةَ فَوْقَها، كَما أنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ لِدَعْوَةِ قَوْمٍ أحَدَ جُنْدِهِ ولِآخَرِينَ ابْنَهُ، عَلِمُوا أنَّهُ مُرِيدٌ لِتَقْرِيبِهِمْ، وأنَّهم آمِنُونَ مِن كُلِّ سُوءٍ يَطْرُقُ غَيْرَهم.
ووَجْهُ الرَّدِّ أنَّكم لا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ غَيْرِكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ لَوْ كانَ - كَما زَعَمْتُمْ - لَما عَذَّبَكم وجَعَلَ المَسْخَ فِيكُمْ، وكَذا عَلى كَوْنِهِ بِمَعْنى المُقَرَّبِينَ، المُرادُ قُرْبٌ خاصٌّ، فَيُطابِقُهُ الرَّدُّ، ويَتَعانَقُ الجَوابانِ، فافْهَمْهُ، انْتَهى.
والجَوابُ عَنِ المُناقَشَةِ الَّتِي فَعَلَها البَعْضُ يُعْلَمُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا، فَلا تَغْفُلْ.
﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ مِن تَتِمَّةِ الرَّدِّ، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى، لا يَنْتَمِي إلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِالمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ والمَقْهُورِيَّةِ، تَحْتَ مَلَكُوتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، إثابَةً وتَعْذِيبًا، فَأنّى لِهَؤُلاءِ إدِّعاءَ ما زَعَمُوا؟!
ورُبَّما يُقالُ: إنَّ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ رَدٌّ لِكَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أشْياعِ بَنِيهِ، فَنَفى أوَّلًا كَوْنَهم أشْياعًا، وثانِيًا وُجُودَ بَنِينَ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ.
﴿ وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ أيِ الرُّجُوعُ في الآخِرَةِ، لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ ولا عاطِفٍ يَلْوِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ يعني: نحن من الله تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر.
ويقال: معناه نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الله تعالى لمحمد : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرِّين بأنه يحرقهم أربعين يوماً أياماً معدودة، قل لهم فهل رأيتم والداً يحرق ولده أو يحرق مُحِبَّه؟
ففي الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه، ولا يعذبه بذنوبه، لأنه احتج عليهم فقال: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ إن كنتم أحباء الله تعالى، وقال في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: 4] ثم قال: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يعني أنتم لستم بأبناء الله ولا أحبائه، ولكن أنتم خلق كسائر خلق الله تعالى.
ثم قال: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ فيهينه ويتركه على الكفر وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الخلق وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني إليه المرجع، فيجزيهم بأعمالهم.
قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما أضافهم إلى الكتاب والله أعلم على وجه التعبير، يعني أنتم أهل الكتاب فلم لا تعملون بكتابكم؟
كقوله: يا عاقل لم لا تفعل كذا وكذا، وإنما تذكر العقل على معنى التعيير أي إنك لا تعمل عمل العقلاء.
ثم قال: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمدا يُبَيِّنُ لَكُمْ الدين والأحكام والشرائع عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ يعني بعد انقطاع من الرسل والوحي.
وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، معناه قد جاءكم رسولنا على فترة من الرسل يبين لكم، وإنما سمي فترة لأن الدين يفتر ويندرس عند انقطاع الرسل، يعني بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- خمسمائة وستون سنة.
وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة.
وقال الضحاك ومقاتل: كان بينهما ستمائة سنة.
وقال وهب: كان بينهما ستمائة وعشرون سنة.
ثم قال: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ يعني لكي لا تقولوا: ما جاءنا من رسول بعد ما درس الدين ليبشرنا وينذرنا فَقَدْ جاءَكُمْ محمد بَشِيرٍ بالجنة وَنَذِيرٌ من النار وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المغفرة والعذاب وبعث الرسل <div class="verse-tafsir"
والد، بل اختراعاً كآدم- عليه السلام-.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ فيما عدا الذَّات، والصفاتِ، والمحالاتِ.
وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ...
الآية:
البُنُوَّة في قولهم هذا: بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلّوا بذلك، وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه: بِكْراً في التشريف أو النبوَّة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبيُّ- عليه السلام- إلى الإيمان به، وخوفِهِم العذابَ، فقالوا: نحن لا نخافُ ما تقول لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه ذكر ذلك ابن عباس «١» ، وقد كانوا قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غير ما موطنٍ: نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يوماً، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه- عليه السلام-: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ/ بِذُنُوبِكُمْ: أي: لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال: بَلْ أنتم بشَرٌ كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد.
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)
وقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ: يعني: اليهودَ والنصارى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:
محمد- عليه السلام-.
وقوله: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: أي: على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً ما، والفترة:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هم يَهُودُ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى إسْرائِيلَ: إنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ فَيَكُونُونَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى تُطَهِّرَهم، وتَأْكُلَ خَطاياهم، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كانَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنّا ابْنُ اللَّهِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ إبْطالٌ لِدَعْواهم، لِأنَّ الأبَ لا يُعَذِّبُ ولَدَهُ، والحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ وهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُنا أرْبَعِينَ يَوْمًا بِالنّارِ.
وَقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: فَلِمَ عَذَّبَ مِنكم مَن مَسَخَهُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟
وهم أصْحابُ السَّبْتِ والمائِدَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ أيْ: أنْتُمْ كَسائِرِ بَنِي آدَمَ تُجازَوْنَ بِالإحْسانِ والإساءَةِ.
قالَ عَطاءٌ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، وهُمُ المُوَحِّدُونَ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، وهُمُ المُشْرِكُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.
ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ: وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ فَتْرَةٌ ∗∗∗.................
مَعْناهُ سُكُونٌ بَعْدَ اضْطِرابٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ قَتادَةُ: خَمْسُمِائَةِ عامٍ وسِتُّونَ عامًا؛ وقالَ الضَحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وفي الصَحِيحِ أنَّ الفَتْرَةَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ اليَهُودِ: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ بَعْدَ مُوسى مِن شَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ تَقُولُوا"؛ ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ اَلْمَعْنى: حَذارَ أنْ تَقُولُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ ؛ وقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ فَهو الهادِي؛ والمُضِلُّ؛ والمُنَعِّمُ؛ والمُعَذِّبُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
مقال آخر مشترك بينهم وبين اليهود يدلّ على غباوتهم في الكفر إذ يقولون ما لا يليق بعظمة الله تعالى، ثمّ هو مناقض لمقالاتهم الأخرى.
عُطف على المقال المختصّ بالنصارى، وهو جملة ﴿ لقد كَفَر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ﴾ [المائدة: 17].
وقد وقع في التّوراة والإنجيل التعبير بأبناء الله؛ ففي سفر التثنية أوّل الفصل الرابع عشر قول موسى «أنتُم أولاد للربّ أبيكم».
وأمّا الأناجيل فهي مملوءة بوصف الله تعالى بأبي المسيح، وبأبي المؤمنين به، وتسمية المؤمنين أبناءَ الله في متّى في الإصحاح الثّالث «وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» وفي الإصْحاح الخامس «طوبى لصانعي السلام لأنّهم أبناءَ الله يُدعون».
وفي الإصحاح السادس «وأبوكم السماوي يقُوتها».
وفي الإصحاح العاشر «لأِنْ لستم أنتم المتكلّمين بل روح أبيكم الّذي يتكلّم فيكم».
وكلّها جائية على ضرب من التشبيه فتوهّمها دهماؤهم حقيقة فاعتقدوا ظاهرها.
وعطف ﴿ وأحبّاؤه ﴾ على ﴿ أبناءُ الله ﴾ أنّهم قصدوا أنّهم أبناء محبوبون إذ قد يكون الابن مغضوباً عليه.
وقد علَّم الله رسوله أن يبطل قولهم بنقْضَيْن: أولهما من الشريعة، وهو قوله ﴿ قل فلِمَ يعذّبكم بذنوبكم ﴾ يعنِي أنّهم قائلون بأنّ نصيباً من العذاب ينالهم بذنوبهم، فلو كانوا أبناء الله وأحبّاءه لما عذّبهم بذنوبهم، وشأن المحبُّ أن لا يعذّب حبيبه وشأن الأب أن لا يعذّب أبناءه.
رُوي أنّ الشِّبْلي سأل أبا بكر بن مجاهد: أين تَجد في القرآن أنّ المُحبّ لا يعذِّب حبيبَه فلم يهتد ابن مجاهد، فقال له الشبلي في قوله: ﴿ قل فلِم يعذّبكم بذنوبكم ﴾ .
وليس المقصود من هذا أنّ يَردّ عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر، مِن تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم، لأنّ ذلك لا يعترفون به فلا يصلح للردّ به، إذ يصير الردّ مُصَادَرَة، بل المقصود الردّ عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء كان عذاب الآخرة أم عذاب الدّنيا.
فأمّا اليهود فكُتبهم طافحة بذكر العذاب في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لَنْ تمسّنا النّار إلاّ أيّاماً معدودة ﴾ [البقرة: 80].
وأمّا النّصارى فلم أر في الأناجيل ذكراً لِعذاب الآخرة إلاّ أنّهم قائلون في عقائدهم بأنّ بني آدم كلّهم استحقّوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاء عيسى ابن مريم مخلّصاً وشافعاً وعرّض نفسه للصلب ليكفّر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يُلزمهم الاعترافَ بأنّ العذاب كان مكتوباً على الجميع لولا كفّارة عيسى فحصل الرّدّ عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا.
ثم أُخذت النتيجةُ من البرهان بقوله: ﴿ بل أنتم بشر ممّن خلق ﴾ أي يَنالكم ما ينال سائر البشر.
وفي هذا تعريض أيضاً بأنّ المسيح بَشَر، لأنّه ناله ما ينال البشر من الأعراض والخوف، وزعموا أنّه ناله الصلب والقتل.
وجملة قوله: ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء ﴾ كالاحتراس، لأنّه لمّا رتّب على نوال العذاب إيّاهم أنهم بشر دفع توهّم النصارى أنّ البشريّة مقتضية استحقاق العذاب بوراثة تَبِعة خطيئة آدم فقال: ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ، أي من البشر ﴿ ويعذّب من يشاء ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ في قَوْلِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ حَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ عِقابَ اللَّهِ، وخَوَّفَهم بِهِ، فَقالُوا لا تُخَوِّفْنا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى إسْرائِيلَ أنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَقالُوا، ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَقالَ الحَسَنُ: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى قُرْبِ الوَلَدِ مِن والِدِهِ، وهو القَوْلُ الثّالِثُ.
وَأمّا النَّصارى، فَفي قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأْوِيلِهِمْ ما في الإنْجِيلِ مِن قَوْلِهِ: اذْهَبْ إلى أبِي وأبِيكم، فَقالُوا لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ الثّانِي: لِأجْلِ قَوْلِهِمْ في المَسِيحِ: ابْنُ اللَّهِ، وهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، فَجَعَلُوا نُفُوسَهم أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ مَنطِقَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ لِأنَّ الأبَ لِإشْفاقِهِ لا يُعَذِّبُ ابْنَهُ، ولا المُحِبُّ حَبِيبَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي، وبحري بن عمرو وشاس بن عدي، فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فأنزل الله فيهم ﴿ وقالت اليهود والنصارى....
﴾ إلى آخر الآية» والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿ قل فلم يعذبكم ﴾ الآية.
أخرج أحمد عن أنس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني...
فأخذته فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والله ولا يلقى حبيبه في النار» .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يعذب الله حبيبه، ولكن يبتليه في الدنيا» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ الآية.
أمال اليهود فقال السدي: إنهم زعموا أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، وكذَبُوا فيما زعموا (١) وقال الحسن: إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد (٢) وهو اختيار ابن قتيبة، قال: يعنون أنه من حدبه وعطفه علينا كالأب المشفق (٣) وأما النصارى فقال سعيد بن المسيب: إنهم قالوا: المسيح ابن الله (٤) ووجه هذا القول أنهم لما قالوا: المسيح ابن الله وادعوا أن المسيح منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله، كقول العرب: هذيل (٥) (٦) (٧) وهذا وجه ثالث في قول اليهود: نحن أبناء الله، لأنهم أيضًا قالوا: عُزَير ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله، ذكره سعيد بن المسيب (٨) وقيل: إنهم تأولوا قول عيسى.
أذهب إلى أبي وأبيكم، وقوله: إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك (٩) وتأويل هذا: أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده (١٠) وذهب بعضهم إلى أن معنى قوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾ معناه: نحن أبناء رسله.
فهو من باب حذف المضاف (١١) قال ابن عباس: إنما قالوا هذا حين حذرهم النبي عقوبة الله (١٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ .
يحلمه (١٣) هذا معنى قول المفسرين (١٤) وقال أهل المعاني: (هذا التعذيب) (١٥) (١٦) ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ فجعل التعذيب بسبب ذنوبهم.
وقال الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ : لم مسخكم؟
(١٧) قال صاحب النظم: تأويل: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ ﴾ لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين بذنوبهم؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر نبيه - - بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، يقولون: فإنا لا نعذب، ولكن أمره بأن يحتج عليهم بما كان وعرفوه.
وكثير ما يذكر لفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقول عنترة: ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُني ..
البيت (١٨) أي: مررت.
وقد بينا هذا في مواضع (١٩) ثم كذبهم في زعمهم فقال تعالى: ﴿بَلْ (٢٠) قال ابن عباس: لحم ودم (٢١) وقال المفسرون: كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة (٢٢) وقولى تعالى: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ .
قال ابن عباس: لمن تاب من اليهودية ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من مات عليها (٢٣) وقال عطاء: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من يوحد الله ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من لا يوحد الله (٢٤) وقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .
أي أنه يملك ذلك، لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء (٢٧) قال أهل المعاني: دل بهذا على أنه لا ولد له؛ لأن (من (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ أي: وإليه يؤول أمر العباد في الآخرة (٣٠) (١) الأثر في "زاد المسير" 2/ 318، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 39.
وقد عزاه ابن كثير في "تفسيره" إلى ابن أبي حاتم والطبري في "تفسيره"، لكن وجدته عند الطبري في "تفسيره" بلفظ: إنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك أدخلهم النار فيكون فيها أربعين يومًا ....
فأخرجهم فذلك قوله ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ ، وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله.
الطبري في "تفسيره" 6/ 164.
(٢) "النكت والعيون" 2/ 23، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، و"البحر المحيط" 3/ 450.
(٣) لم أقف عليه عن ابن قتيبة، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 33، و"البحر المحيط" 3/ 450.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) قبيلة ينتسبون إلى هذيل بن مدركة بن الياس، نبع منهم شعراء كثيرون.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 196 - 198.
(٦) تكرر في (ج).
(٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 164، 165، و"الكشاف" 1/ 329.
(٨) تقدم قريبًا.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33.
(١١) انظر: "الوسيط" 3/ 841، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120، و"البحر المحيط" 3/ 450.
(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" بمعناه 6/ 164، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 486، وعزاه إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل".
(١٣) هذه الكلمة غير واضحة، والأقرب أنها هكذا.
(١٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 165، و"بحر العلوم" 1/ 425، والبغوي في "تفسيره" 3/ 34، و"زاد المسير" 2/ 318.
(١٥) في (ش): (في هذا التعذيب).
(١٦) انظر: الطبرى في "تفسيره" 6/ 164، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120.
(١٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 319.
(١٨) لم أجده في "ديوان عنترة"، وقد نسبه لمولد من بني سلول.
سيبويه في "الكتاب" 3/ 24، وعجزه: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني واستشهد به دون نسبه: ابن جني في "الخصائص" 3/ 330، والسمين في "الدر المصون" 2/ 288.
(١٩) في (ش): (موضع) بالإفراد.
(٢٠) سقطت (بل) من: (ج).
(٢١) لم أقف عليه.
(٢٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 165، والبغوي في "تفسيره" 3/ 34، و"زاد المسير" 2/ 319.
(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.
(٢٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 319.
(٢٥) في (ج): فيعذبه الله وما أثبته هو الموافق للمصادر في التخريج الآتي.
(٢٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 165 - 166، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 486.
(٢٧) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 121.
(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٢٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 121.
(٣٠) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 121.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى ﴾ أي قالت: كل فرقة عن نفسها إنهم أبناء الله وأحباؤه، والبنوّة هنا بنوّة الحنان والرأفة، وقال الزمخشري: المعنى؛ نحن أشياع أبناء الله عندهم، وهما المسيح وعزير كما يقال حشم الملوك: نحن الملوك ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم ﴾ ردّ عليهم، لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أياماً معدودات، وقد أخذ الصوفية من الآية أن المحب لا يعذب حبيبه، ففي ذلك بشارة لمن أحبه الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.
الباقون ﴿ قاسية ﴾ .
الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.
﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.
﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .
﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.
﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.
﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.
﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.
﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: إنه لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.
وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي لولا دفع الله ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.
والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.
وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.
وأصل النقب الطريق في الجبل.
ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.
والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.
ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.
قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.
ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.
ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.
فحذف الرابط للعلم به.
والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.
والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.
فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.
وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.
واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.
والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.
ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ تكراراً.
وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟
وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.
قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.
سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟
وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.
قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟
والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.
وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.
قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.
وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.
فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.
وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.
وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.
ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.
ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.
وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.
ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.
وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟
والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.
فلما سلمتم كونه خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.
وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.
وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم .
وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟
وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.
وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.
وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.
عن ابن عباس أن النبي دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟
ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.
ثم إنه أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.
فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.
وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.
أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.
ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.
﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.
والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.
وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.
قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.
وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.
وكان بين عيسى ومحمد خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.
وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى ومحمد أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.
وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.
والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.
والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.
التأويل: جعل في أمة موسى اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.
فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.
﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .
كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهاً لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربّاً له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .
أي: لا أحد يملك من دون الله شيئاً، إن اراد إهلاك ﴿ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ...
﴾ الآية، أي: لو كان إلهاً - كما تقولون - لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض.
وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئاً من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمَّه ومن في الأرض جميعاً بعذاب أو بموت؟!
وهما واحد.
ثم عظَّم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، فقال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر.
﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ \[الآية\].
يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعاً، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله - -: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ كأن هذا القول: كان كل فريق نفي دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعاً: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ .
ويحتمل: أن كان من النصارى ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى - - قال لقومه: "أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء"؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ، وكان من اليهود: "نحن أحباء الله".
ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعاً، قال كل واحد من الفريقين: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .
وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله ، أي: لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا محمد: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ .
إن كان ما تقولون حقّاً فلم يعذبكم؟!
حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قبله أن يكون ولده أو صديقه قرداً أو خنزيراً.
أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه - بذنب يذنبه - بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل.
ثم قال: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ .
أي: من اتخذ ولداً وحبّاً أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله - - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ دليل أن من رفع أحداً من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته.
وقوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
أي: من تاب وأسلم.
﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ .
من دام على الكفر، ومات عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .
أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبّاً؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده، كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟!
والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة [نبينا] محمد ، لأنهم قالوا قولاً فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله - -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ مما [لكم وعليكم] من الأحكام والشرائع، ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كان عليه الأنبياء والرسل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى - - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل - أنه بعث محمداً على حين فترة من الرسل.
وقيل: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتوراً.
يخبر - والله أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف [أمورهم] ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ .
يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .
بشير بالجنة [لمن أطاع]، ونذير بالنار لمن عصاه.
فقد جاءكم بشير ونذير.
﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
يحتمل: ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وادَّعى كل من اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل -أيها الرسول- ردًّا عليهم: لماذا يعذبكم الله بالذنوب التي ترتكبونها؟!
فلو كنتم أحباءه كما زعمتم لما عذبكم بالقتل والمسخ في الدنيا، وبالنار في الآخرة؛ لأنه لا يعذب من أحب، بل أنتم بشر كسائر البشر، مَنْ أحسن منهم جازاه بالجنة، ومن أساء عاقبه بالنار، فالله يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، ولله وحده ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما، وإليه وحده المرجع.
<div class="verse-tafsir" id="91.8NmeE"