الآية ٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 309 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) قال ابن عباس : يعني بذلك مناسك الحج .

وقال مجاهد : الصفا والمروة والهدي والبدن من شعائر الله .

وقيل : شعائر الله محارمه [ التي حرمها ] أي : لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى ; ولهذا قال [ تعالى ] ( ولا الشهر الحرام ) يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال ، وتأكيد اجتناب المحارم ، كما قال تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) [ البقرة : 217 ] ، وقال تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا [ في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ] ) الآية .

[ التوبة : 36 ] .

وفي صحيح البخاري : عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " .

وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت ، كما هو مذهب طائفة من السلف .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ولا الشهر الحرام ) يعني : لا تستحلوا قتالا فيه .

وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري ، واختاره ابن جرير أيضا ، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم ، واحتجوا بقوله : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] قالوا : والمراد أشهر التسيير الأربعة ، [ ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ] قالوا : فلم يستثن شهرا حراما من غيره .

وقد حكى الإمام أبو جعفر [ رحمه الله ] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة ، قال : وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم ، لم يكن ذلك له أمانا من القتل ، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر ، له موضع أبسط من هذا .

[ و ] قوله : ( ولا الهدي ولا القلائد ) يعني : لا تتركوا الإهداء إلى البيت ; فإن فيه تعظيما لشعائر الله ، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام ، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء ، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها ، فإن من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ; ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة ، وهو وادي العقيق ، فلما أصبح طاف على نسائه ، وكن تسعا ، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين ، ثم أشعر هديه وقلده ، وأهل بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين ، من أحسن الأشكال والألوان ، كما قال تعالى : ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) [ الحج : 32 ] .

قال بعض السلف : إعظامها : استحسانها واستسمانها .

وقال علي بن أبي طالب : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن .

رواه أهل السنن وقال مقاتل بن حيان : ( ولا القلائد ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر ، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجر الحرم ، فيأمنون به .

رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال : نسخ من هذه السورة آيتان : آية القلائد ، وقوله : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) [ المائدة : 42 ] .

وحدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن عون قال : قلت للحسن : نسخ من المائدة شيء ؟

قال : لا .

وقال عطاء : كانوا يتقلدون من شجر الحرم ، فيأمنون ، فنهى الله عن قطع شجره .

وكذا قال مطرف بن عبد الله .

وقوله : ( ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) أي : ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام ، الذي من دخله كان آمنا ، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه ، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه .

قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان في قوله : ( يبتغون فضلا من ربهم ) يعني بذلك : التجارة .

وهذا كما تقدم في قوله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) [ البقرة : 198 ] وقوله : ( ورضوانا ) قال ابن عباس : يترضون الله بحجهم .

وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج : أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري ، كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت ، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت ، فأنزل الله عز وجل ( ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) .

وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله ، إذا لم يكن له أمان ، وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس ; فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم ، والله أعلم .

فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به ، فهذا يمنع كما قال [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) [ التوبة : 28 ] ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تسع - لما أمر الصديق على الحجيج - عليا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة ، وألا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان .

وقال [ علي ] بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( ولا آمين البيت الحرام ) يعني من توجه قبل البيت الحرام ، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام ، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر ، ثم أنزل الله بعدها : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) [ التوبة : 28 ] وقال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) [ التوبة : 17 ] وقال [ تعالى ] : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) [ التوبة : 18 ] فنفى المشركين من المسجد الحرام .

وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر عن قتادة في قوله : ( ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ) قال : منسوخ ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر ، فلم يعرض له أحد ، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد .

وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت ، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت ، فنسخها قوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] .

.

وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( ولا القلائد ) يعني : إن تقلد قلادة من الحرم فأمنوه ، قال : ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك ، قال الشاعر : ألم تقتلا الحرجين إذ أعورا لكم يمران الأيدي اللحاء المصفرا وقوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) أي : إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه ، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد .

وهذا أمر بعد الحظر ، والصحيح الذي يثبت على السبر : أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي ، فإن كان واجبا رده واجبا ، وإن كان مستحبا فمستحب ، أو مباحا فمباح .

ومن قال : إنه على الوجوب ، ينتقض عليه بآيات كثيرة ، ومن قال : إنه للإباحة ، يرد عليه آيات أخر ، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه ، كما اختاره بعض علماء الأصول ، والله أعلم .

وقوله : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) ومن القراء من قرأ : " أن صدوكم " بفتح الألف من " أن " ومعناها ظاهر ، أي : لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام ، وذلك عام الحديبية ، على أن تعتدوا [ في ] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا ، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد .

وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة : 8 ] أي : لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل ، فإن العدل واجب على كل أحد ، في كل أحد ، في كل حال .

وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، والعدل به قامت السموات والأرض .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق ، يريدون العمرة ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم .

فأنزل الله هذه الآية .

والشنآن هو : البغض .

قاله ابن عباس وغيره ، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا ، بالتحريك ، مثل قولهم : جمزان ، ودرجان ورفلان ، من جمز ، ودرج ، ورفل .

قال ابن جرير : من العرب من يسقط التحريك في شنآن ، فيقول : شنان .

قال : ولم أعلم أحدا قرأ بها ، ومنه قول الشاعر : وما العيش إلا ما تحب وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وقوله : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات ، وهو البر ، وترك المنكرات وهو التقوى ، وينهاهم عن التناصر على الباطل .

والتعاون على المآثم والمحارم .

قال ابن جرير : الإثم : ترك ما أمر الله بفعله ، والعدوان : مجاوزة ما حد الله في دينكم ، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن جده أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " .

قيل : يا رسول الله ، هذا نصرته مظلوما ، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟

قال : " تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره " .

انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه ، وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " .

قيل : يا رسول الله ، هذا نصرته مظلوما ، فكيف أنصره ظالما؟

قال : " تمنعه من الظلم ، فذاك نصرك إياه " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد حدثنا سفيان بن سعيد ، عن يحيى بن وثاب ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " .

وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر : حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب ، عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، [ قال الأعمش : هو ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .

وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف ، كلاهما عن الأعمش به .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي ، حدثنا بكر بن عبد الرحمن ، حدثنا عيسى بن المختار ، عن ابن أبي ليلى ، عن فضيل بن عمرو ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدال على الخير كفاعله " .

ثم قال : لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد .

قلت : وله شاهد في الصحيح : " من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي ، حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن الحارث ، عن عبد الله بن سالم ، عن الزبيدي قال عباس بن يونس : إن أبا الحسن نمران بن مخمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مشى مع ظالم ليعينه ، وهو يعلم أنه ظالم ، فقد خرج من الإسلام " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } اختلف أهل التأويل في معنى قول الله : { لا تحلوا شعائر الله } فقال بعضهم : معناه : لا تحلوا حرمات الله , ولا تتعدوا حدوده .

كأنهم وجهوا الشعائر إلى المعالم , وتأولوا لا تحلوا شعائر الله : معالم حدود الله , وأمره , ونهيه , وفرائضه .

ذكر من قال ذلك : 8594 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الوهاب الثقفي , قال : ثنا حبيب المعلم , عن عطاء أنه سئل عن شعائر الله , فقال : حرمات الله : اجتناب سخط الله , واتباع طاعته , فذلك شعائر الله .

وقال آخرون : معنى قوله : { لا تحلوا } حرم الله .

فكأنهم وجهوا معنى قوله : { شعائر الله } أي معالم حرم الله من البلاد .

ذكر من قال ذلك : 8595 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } قال : أما شعائر الله : فحرم الله .

وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها .

وكأنهم وجهوا تأويل ذلك إلى : لا تحلوا معالم حدود الله التي حدها لكم في حجكم .

ذكر من قال ذلك : 8596 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج , قال ابن عباس : { لا تحلوا شعائر الله } قال : مناسك الحج .

8597 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام , ويهدون الهدايا , ويعظمون حرمة المشاعر , ويتجرون في حجهم , فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم , فقال الله عز وجل : { لا تحلوا شعائر الله } .

8598 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { شعائر الله } الصفا والمروة , والهدي , والبدن , كل هذا من شعائر الله .

* - حدثني المثنى , قال : ثني أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم .

ذكر من قال ذلك : 8599 - حدثنا محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { لا تحلوا شعائر الله } قال : شعائر الله : ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم .

وكأن الذين قالوا هذه المقالة , وجهوا تأويل ذلك إلى : لا تحلوا معالم حدود الله التي حرمها عليكم في إحرامكم .

وأولى التأويلات بقوله : { لا تحلوا شعائر الله } قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى : لا تحلوا حرمات الله , ولا تضيعوا فرائضه ; لأن الشعائر جمع شعيرة , والشعيرة : فعيلة من قول القائل : قد شعر فلان بهذا الأمر : إذا علم به , فالشعائر : المعالم من ذلك .

وإذا كان ذلك كذلك , كان معنى الكلام : لا تستحلوا أيها الذين آمنوا معالم الله , فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج , من تحريم ما حرم الله إصابته فيها على المحرم , وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها , وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه , وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه ; لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أمارات بين الحق والباطل , يعلم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه .

وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى : { لا تحلوا شعائر الله } لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده , وإحلالها نهيا عاما من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء , فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها , ولا حجة بذلك كذلك .الله ولا الشهر القول في تأويل قوله تعالى : { ولا الشهر الحرام } يعني جل ثناؤه بقوله : { ولا الشهر الحرام } ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم به أعداءكم من المشركين , وهو كقوله : { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره .

ذكر من قال ذلك : 8600 - حدثني المثنى قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { ولا الشهر الحرام } يعني : لا تستحلوا قتالا فيه .

8601 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : كان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت , فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت .

وأما الشهر الحرام الذي عناه الله بقوله : { ولا الشهر الحرام } فرجب مضر , وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال .

وقد قيل : هو في هذا الموضع ذو القعدة .

ذكر من قال ذلك : 8602 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة , قال : هو ذو القعدة .

وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى , وذلك في تأويل قوله : { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه }الحرام ولا الهدي ولا القول في تأويل قوله تعالى : { ولا الهدي ولا القلائد } أما الهدي : فهو ما أهداه المرء من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله , تقربا به إلى الله وطلب ثوابه .

يقول الله عز وجل : فلا تستحلوا ذلك فتغضبوا أهله عليه , ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلغوا به المحل الذي جعله الله محله من كعبته .

وقد روي عن ابن عباس أن الهدي إنما يكون هديا ما لم يقلد .

8603 - حدثني بذلك محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { ولا الهدي } قال : الهدي ما لم يقلد , وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده .

وأما قوله : { ولا القلائد } فإنه يعني : ولا تحلوا أيضا القلائد .

ثم اختلف أهل التأويل في القلائد التي نهى الله عز وجل عن إحلالها , فقال بعضهم : عنى بالقلائد : قلائد الهدي ; وقالوا : إنما أراد الله بقوله : { ولا الهدي ولا القلائد } ولا تحلوا الهدايا المقلدات منها وغير المقلدات ; فقوله : { ولا الهدي } ما لم يقلد من الهدايا , { ولا القلائد } المقلد منها .

قالوا : ودل بقوله : { ولا القلائد } على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلدة .

ذكر من قال ذلك : 8604 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { ولا القلائد } القلائد : مقلدات الهدي , وإذا قلد الرجل هديه فقد أحرم , فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه .

وقال آخرون : يعني بذلك : القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة من لحاء السمر , وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها , من الشعر .

ذكر من قال ذلك : 8605 - حدثني الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } قال : كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد , فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد .

وقال آخرون : بل كان الرجل منهم يتقلد إذا أراد الخروج من الحرم أو خرج من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء .

ذكر من قال ذلك : 8606 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مالك بن مغول , عن عطاء : { ولا القلائد } قال : كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم , يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم , فنزلت : { لا تحلوا شعائر الله } الآية , { ولا الهدي ولا القلائد } .

8607 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا القلائد } قال : القلائد : اللحاء في رقاب الناس والبهائم أمن لهم .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

8608 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { ولا الهدي ولا القلائد } قال : إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة , فيقيم الرجل بمكانه , حتى إذا انقضت الأشهر الحرم فأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر , فيأمن حتى يأتي أهله .

8609 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال ابن زيد في قوله : { ولا القلائد } قال : القلائد : كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم فيتقلدها , ثم يذهب حيث شاء , فيأمن بذلك , فذلك القلائد .

وقال آخرون : إنما نهى الله المؤمنين بقوله : { ولا القلائد } أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم فيتقلدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم .

ذكر من قال ذلك : 8610 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عبد الملك , عن عطاء في قوله : { ولا الهدي ولا القلائد } كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السمر , فيتقلدونها , فيأمنون بها من الناس , فنهى الله أن ينزع شجرها فيتقلد .

8611 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبيد الله , عن أبي جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير , وعنده رجل , فحدثهم في قوله : { ولا القلائد } قال : كان المشركون يأخذون من شجر مكة من لحاء السمر فيتقلدون , فيأمنون بها في الناس , فنهى الله عز ذكره أن ينزع شجرها فيتقلد .

والذي هو أولى بتأويل قوله : { ولا القلائد } إذ كانت معطوفة على أول الكلام , ولم يكن في الكلام ما يدل على انقطاعها عن أوله , ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء ; أن يكون معناه : ولا تحلوا القلائد .

فإذا كان ذلك بتأويله أولى , فمعلوم أنه نهي من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلد هديا كان ذلك أو إنسانا , دون حرمة القلادة ; وأن الله عز ذكره إنما دل بتحريمه حرمة القلادة على ما ذكرنا من حرمة المقلد , فاجتزأ بذكره القلائد من ذكر المقلد , إذ كان مفهوما عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به .

فمعنى الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله , ولا الشهر الحرام , ولا الهدي , ولا المقلد بقسميه بقلائد الحرم .

وقد ذكر بعض الشعراء في شعره , ما ذكرنا عمن تأول القلائد أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلدونه , فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلدا ذلك : ألم تقتلا الحرجين إذ أعوراكما يمران بالأيدي اللحاء المضفرا والحرجان : المقتولان كذلك .

ومعنى قوله : أعوراكما : أمكناكما من عورتهما .القلائد ولا آمين البيت القول في تأويل قوله تعالى : { ولا آمين البيت الحرام } يعني بقوله عز ذكره { ولا آمين البيت الحرام } ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام العامدية , تقول منه : أممت كذا : إذا قصدته وعمدته , وبعضهم يقول : يممته , كما قال الشاعر : إني كذاك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيري غيره بلدا والبيت الحرام : بيت الله الذي بمكة ; وقد بينت فيما مضى لم قيل له الحرام .

{ يبتغون فضلا من ربهم } يعني : يلتمسون أرباحا في تجارتهم من الله .

{ ورضوانا } يقول : وأن يرضى الله عنهم بنسكهم .

وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له الحطم .

ذكر من قال ذلك : 8612 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : أقبل الحطم بن هند البكري , ثم أحد بني قيس بن ثعلبة , حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده , وخلف خيله خارجة من المدينة , فدعاه فقال : إلام تدعو ؟

فأخبره , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة , يتكلم بلسان شيطان " .

فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال : انظروا لعلي أسلم , ولي من أشاوره .

فخرج من عنده , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد دخل بوجه كافر , وخرج بعقب غادر " .

فمر بسرح من سرح المدينة , فساقه , فانطلق به وهو يرتجز : قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر الوضم باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ممسوح القدم ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد وأهدى , فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه , فنزلت هذه الآية , حتى بلغ : { ولا آمين البيت الحرام } قال له ناس من أصحابه : يا رسول الله خل بيننا وبينه , فإنه صاحبنا !

قال : " إنه قد قلد " .

قالوا : إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية .

فأبى عليهم , فنزلت هذه الآية 8613 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة , قال : قدم الحطم أخو بني ضبيعة بن ثعلبة البكري المدينة في عير له يحمل طعاما , فباعه .

ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم , فبايعه , وأسلم .

فلما ولى خارجا نظر إليه , فقال لمن عنده : " لقد دخل علي بوجه فاجر وولى بقفا غادر " .

فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام , وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة , يريد مكة ; فلما سمع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عيره , فأنزل الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } الآية , فانتهى القوم .

قال ابن جريج : قوله : { ولا آمين البيت الحرام } قال : ينهى عن الحجاج أن تقطع سبلهم .

قال : وذلك أن الحطم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ليرتاد وينظر , فقال : إني داعية قومي , فاعرض علي ما تقول !

قال له : " أدعوك إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئا , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتصوم شهر رمضان , وتحج البيت " .

قال الحطم : في أمرك هذا غلظة , أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت , فإن قبلوه أقبلت معهم , وإن أدبروا كنت معهم .

قال له : " ارجع !

" فلما خرج , قال : " لقد دخل علي بوجه كافر وخرج من عندي بعقبى غادر , وما الرجل بمسلم " .

فمر على سرح لأهل المدينة , فانطلق به فطلبه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , ففاتهم .

وقدم اليمامة , وحضر الحج , فجهز خارجا , وكان عظيم التجارة , فاستأذنوا أن يتلقوه ويأخذوا ما معه , فأنزل الله عز وجل : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } 8614 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا آمين البيت الحرام } 000 الآية , قال : هذا يوم الفتح جاء ناس يؤمون البيت من المشركين , يهلون بعمرة , فقال المسلمون : يا رسول الله إنما هؤلاء مشركون , فمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم !

فنزل القرآن : { ولا آمين البيت الحرام } 8615 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { ولا آمين البيت الحرام } يقول : من توجه حاجا .

8616 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا آمين البيت الحرام } يعني : الحاج .

8617 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل , فحدثهم فقال : { ولا آمين البيت الحرام } قال : الذين يريدون البيت .

ثم اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخا , فقال بعضهم : نسخ جميعها .

ذكر من قال ذلك : 8618 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن بيان , عن عامر , قال : لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } .

8619 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الحكم , عن مجاهد : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } نسختها : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن بيان , عن الشعبي , قال : لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } .

8620 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } الآية , قال : منسوخ .

قال : كان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت , فأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحرم ولا عند البيت , فنسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

8621 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو معاوية , عن جويبر , عن الضحاك : { لا تحلوا شعائر الله } إلى قوله : { ولا آمين البيت الحرام } قال : نسختها براءة : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : ثنا هشيم , عن الضحاك , مثله .

* - حدثنا ابن حميد وابن وكيع , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن حبيب بن أبي ثابت : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } قال : هذا شيء نهي عنه , فترك كما هو .

8622 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } قال : هذا كله منسوخ , نسخ هذا أمره بجهادهم كافة .

وقال آخرون : الذي نسخ من هذه الآية , قوله : { ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } ذكر من قال ذلك : 8623 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة بن سليمان , قال : قرأت على ابن أبي عروبة , فقال : هكذا سمعته من قتادة نسخ من المائدة : { آمين البيت الحرام } نسختها براءة , قال الله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } , وقال : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } , وقال : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وهو العام الذي حج فيه أبو بكر , فنادى فيه بالأذان .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا همام بن يحيى , عن قتادة , قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } الآية , قال : فنسخ منها : { آمين البيت الحرام } نسختها براءة , فقال : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } , فذكر نحو حديث عبدة .

8624 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : نزل في شأن الحطم : { ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } ثم نسخه الله فقال : { اقتلوهم حيث ثقفتموهم } .

8625 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { لا تحلوا شعائر الله } إلى قوله : { ولا آمين البيت } جميعا , فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر , ثم أنزل الله بعد هذا : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } , وقال : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } , وقال : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } فنفى المشركين من المسجد الحرام .

8626 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } الآية , قال : منسوخ , كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج , تقلد من السمر فلم يعرض له أحد , وإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد , وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت , وأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحرم ولا عند البيت , فنسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

وقال آخرون : لم ينسخ من ذلك شيء إلا القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء الشجر .

ذكر من قال ذلك : 8627 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } الآية , قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : هذا كله من عمل الجاهلية , فعله وإقامته , فحرم الله ذلك كله بالإسلام , إلا لحاء القلائد , فترك ذلك .

{ ولا آمين البيت الحرام } فحرم الله على كل أحد إخافتهم .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة , قول من قال : نسخ الله من هذه الآية قوله : { ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } لإجماع الجميع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها , وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان .

وقد بينا فيما مضى معنى القلائد في غير هذا الموضع .

وأما قوله : { ولا آمين البيت الحرام } فإنه محتمل ظاهره : ولا تحلوا حرمة آمين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام , لعموم جميع من أم البيت .

وإذا احتمل ذلك , فكان أهل الشرك داخلين في جملتهم , فلا شك أن قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ناسخ له ; لأنه غير جائز اجتماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد .

وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلهم , أموا البيت الحرام أو البيت المقدس في أشهر الحرم وغيرها , ما يعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخ , ومحتمل أيضا : ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك , وأكثر أهل التأويل على ذلك .

وإن كان عني بذلك المشركون من أهل الحرب , فهو أيضا لا شك منسوخ .

وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر , وكان ما كان مستفيضا فيهم ظاهر الحجة , فالواجب وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا , التسليم لما استفاض بصحته نقلهم .الحرام يبتغون فضلا من ربهم القول في تأويل قوله تعالى : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } يعني بقوله : { يبتغون } يطلبون ويلتمسون .

والفضل : الإرباح في التجارة ; والرضوان : رضا الله عنهم , فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحل بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم بحجهم بيته .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8628 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : ثنا معمر , عن قتادة في قوله : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال : هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة بن سليمان , قال : قرأت على ابن أبي عروبة , فقال : هكذا سمعته من قتادة في قوله : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } والفضل والرضوان : اللذان يبتغون أن يصلح معايشهم في الدنيا , وأن لا يعجل لهم العقوبة فيها .

8629 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس .

{ يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } يعني : أنهم يترضون الله بحجهم .

8630 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبيد الله , عن أبي جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير , وعنده رجل , فحدثهم في قوله : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال : التجارة في الحج , والرضوان في الحج .

8631 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي أميمة , قال : قال ابن عمر في الرجل يحج , ويحمل معه متاعا , قال : لا بأس به .

وتلا هذه الآية : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } .

8632 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال : يبتغون الأجر والتجارة .ورضوانا وإذا حللتم القول في تأويل قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } يعني بذلك جل ثناؤه : { وإذا حللتم فاصطادوا } الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم , يقول : فلا حرج عليكم في اصطياده واصطادوا إن شئتم حينئذ ; لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال .

وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8633 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا حصين , عن مجاهد , أنه قال : هي رخصة .

يعني قوله : { وإذا حللتم فاصطادوا } .

8634 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن القاسم , عن مجاهد , قال : خمس في كتاب الله رخصة , وليست بعزمة , فذكر : { وإذا حللتم فاصطادوا } قال : من شاء فعل , ومن شاء لم يفعل .

8635 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن حجاج , عن عطاء , مثله .

8636 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن حصين , عن مجاهد : { وإذا حللتم فاصطادوا } قال : إذا حل , فإن شاء صاد , وإن شاء لم يصطد .

8637 - حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا ابن إدريس , عن ابن جريج , عن رجل , عن مجاهد : أنه كان لا يرى الأكل من هدي المتعة واجبا , وكان يتأول هذه الآية : { وإذا حللتم فاصطادوا } { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } .فاصطادوا ولا القول في تأويل قوله تعالى : { ولا يجرمنكم } يعني جل ثناؤه بقوله : { ولا يجرمنكم } ولا يحملنكم .

كما : 8638 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } يقول : لا يحملنكم شنآن قوم .

8639 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } أي لا يحملنكم .

وأما أهل المعرفة باللغة , فإنهم اختلفوا في تأويلها , فقال بعض البصريين : معنى قوله : { ولا يجرمنكم } لا يحقن لكم ; لأن قوله : { لا جرم أن لهم النار } هو حق أن لهم النار .

وقال بعض الكوفيين معناه : لا يحملنكم .

وقال : يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا : أي حملني عليه .

واحتج جميعهم ببيت الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن , فقال الذين قالوا : { لا يجرمنكم } لا يحقن لكم معنى قول الشاعر : جرمت فزارة : أحقت الطعنة لفزارة الغضب .

وقال الذين قالوا معناه : لا يحملنكم : معناه في البيت : " جرمت فزارة أن يغضبوا " : حملت فزارة على أن يغضبوا .

وقال آخر من الكوفيين : معنى قوله : { لا يجرمنكم } لا يكسبنكم شنآن قوم .

وتأويل قائل هذا القول قول الشاعر في البيت : " جرمت فزارة " : كسبت فزارة أن يغضبوا .

قال : وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله , بمعنى : كاسبهم , وخرج يجرمهم : يكسبهم .

وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه متقاربة المعنى ; وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل فقد أكسبه بغضه , ومن أكسبه بغضه فقد أحقه له .

فإذا كان ذلك كذلك , فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف , ما قاله ابن عباس وقتادة , وذلك توجيههما معنى قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } ولا يحملنكم شنآن قوم على العدوان .

واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء الأمصار : { ولا يجرمنكم } بفتح الياء من : جرمته أجرمه .

وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين , وهو يحيى بن وثاب والأعمش , ما : 8640 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع , قالا : ثنا جرير , عن الأعمش , أنه قرأ : "ولا يجرمنكم " مرتفعة الياء من أجرمته أجرمه وهو يجرمني .

والذي هو أولى بالصواب من القراءتين , قراءة من قرأ ذلك : { ولا يجرمنكم } بفتح الياء , لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار وشذوذ ما خالفها , وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب , وإن كان مسموعا من بعضها : أجرم يجرم , على شذوذه , وقراءة القرآن بأفصح اللغات أولى وأحق منها بغير ذلك ومن لغة من قال : جرمت , قول الشاعر : يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت إلى القبائل من قتل وإبآسيجرمنكم شنآن القول في تأويل قوله تعالى : { شنآن قوم } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه بعضهم : { شنآن } بتحريك الشين والنون إلى الفتح , بمعنى : بغض قوم توجيها منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على فعلان نظير الطيران , والنسلان , والعسلان , والرملان .

وقرأ ذلك آخرون : { شنآن قوم } بتسكين النون وفتح الشين , بمعنى الاسم ; توجيها منهم معناه إلى : لا يحملنكم بغض قوم , فيخرج شنآن على تقدير فعلان ; لأن فعل منه على فعل , كما يقال : سكران من سكر , وعطشان من عطش , وما أشبه ذلك من الأسماء .

والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب , قراءة من قرأ : { شنآن } بفتح النون محركة , لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه : بغض قوم , وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم .

وإذ كان ذلك موجها إلى معنى المصدر , فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على الفعلان بفتح الفاء تحريك ثانيه دون تسكينه , كما وصفت من قولهم : الدرجان , والرملان من درج ورمل , فكذلك الشنآن من شنئته أشنؤه شنآنا .

ومن العرب من يقول : شنآن على تقدير فعال , ولا أعلم قارئا قرأ ذلك كذلك , ومن ذلك قول الشاعر : وما العيش إلا ما يلذ ويشتهى وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وهذا في لغة من ترك الهمز من الشنآن , فصار على تقدير فعال وهو في الأصل فعلان .

ذكر من قال من أهل التأويل : { شنآن قوم } بغض قوم .

8641 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } لا يحملنكم بغض قوم .

* - وحدثني به المثنى مرة أخرى بإسناده , عن ابن عباس , فقال : لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا .

8642 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } لا يجرمنكم بغض قوم .

8643 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم } قال : بغضاؤهم أن تعتدوا .قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن القول في تأويل قوله تعالى : { أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفيين : { أن صدوكم } بفتح الألف من " أن " بمعنى : لا يجرمنكم بغض قوم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا .

وكان بعض قراء الحجاز والبصرة يقرأ ذلك : " ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم " بكسر الألف من " إن "بمعنى : ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدا عن المسجد الحرام , أن تعتدوا .

فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود : " إن يصدكم "فقراءة ذلك كذلك اعتبارا بقراءته .

والصواب من القول في ذلك عندي , أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قراءة الأمصار , صحيح معنى كل واحدة منهما .

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صد عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية , وأنزلت عليه سورة المائدة بعد ذلك .

فمن قرأ : { أن صدوكم } بفتح الألف من " أن " فمعناه : لا يحملنكم بغض قوم أيها الناس من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام , أن تعتدوا عليهم .

ومن قرأ : " إن صدوكم " بكسر الألف , فمعناه : لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله ; لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة قد حاولوا صدهم عن المسجد الحرام قبل أن يكون ذلك من الصادين .

غير أن الأمر وإن كان كما وصفت , فإن قراءة ذلك بفتح الألف أبين معنى ; لأن هذه السورة لا تدافع بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية .

وإذ كان ذلك كذلك , فالصد قد كان تقدم من المشركين , فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادين من أجل صدهم إياهم عن المسجد الحرام , وأما قوله : { أن تعتدوا } فإنه يعني : أن تجاوزوا الحد الذي حده الله لكم في أمرهم .

فتأويل الآية إذن : ولا يحملنكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أيها المؤمنون أن تعتدوا حكم الله فيهم فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه , ولكن الزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم .

وذكر أنها نزلت في النهي عن الطلب بذحول الجاهلية .

ذكر من قال ذلك : 8644 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { أن تعتدوا } رجل مؤمن من حلفاء محمد , قتل حليفا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة ; لأنه كان يقتل حلفاء محمد , فقال محمد صلى الله عليه وسلم : " لعن الله من قتل بذحل الجاهلية " * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

وقال آخرون : هذا منسوخ .

ذكر من قال ذلك : 8645 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا } قال : بغضاؤهم , حتى تأتوا ما لا يحل لكم .

وقرأ { أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } وتعاونوا , قال : هذا كله قد نسخ , نسخه الجهاد .

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد : إنه غير منسوخ لاحتماله أن تعتدوا الحق فيما أمرتكم به .

وإذا احتمل ذلك , لم يجز أن يقال : هو منسوخ , إلا بحجة يجب التسليم لها .تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم القول في تأويل قوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } يعني جل ثناؤه بقوله : { وتعاونوا على البر والتقوى } وليعن بعضكم أيها المؤمنون بعضا على البر , وهو العمل بما أمر الله بالعمل به { والتقوى } هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه .

وقوله : { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } يعني : ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم , يعني : على ترك ما أمركم الله بفعله .

{ والعدوان } يقول : ولا على أن تتجاوزوا ما حد الله لكم في دينكم , وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم .

وإنما معنى الكلام : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا , ولكن ليعن بعضكم بعضا بالأمر بالانتهاء إلى ما حده الله لكم في القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم , والانتهاء عما نهاكم الله أن تأتوا فيهم وفي غيرهم وفي سائر ما نهاكم عنه , ولا يعن بعضكم بعضا على خلاف ذلك .

وبما قلنا في البر والتقوى قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8646 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { وتعاونوا على البر والتقوى } البر : ما أمرت به , والتقوى : ما نهيت عنه .

8647 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله : { وتعاونوا على البر والتقوى } قال : البر : ما أمرت به , والتقوى : ما نهيت عنه .والعدوان واتقوا الله إن الله شديد القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهديد لمن اعتدى حده وتجاوز أمره .

يقول عز ذكره : { واتقوا الله } يعني : واحذروا الله أيها المؤمنون أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حده فيما حد لكم وخالفتم أمره فيما أمركم به أو نهيه فيما نهاكم عنه , فتستوجبوا عقابه وتستحقوا أليم عذابه ثم وصف عقابه بالشدة , فقال عز ذكره : إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من خلقه ; لأنها نار لا يطفأ حرها , ولا يخمد جمرها , ولا يسكن لهبها .

نعوذ بالله منها ومن عمل يقربنا منها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقابفيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله خطاب للمؤمنين حقا ; أي : لا تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور ، والشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة ، وقال ابن فارس : ويقال للواحدة شعارة ; وهو أحسن ، والشعيرة البدنة تهدى ، وإشعارها أن يجز سنامها حتى يسيل منه الدم [ ص: 10 ] فيعلم أنها هدي .

والإشعار الإعلام من طريق الإحساس ; يقال : أشعر هديه أي : جعل له علامة ليعرف أنه هدي ; ومنه المشاعر المعالم ، واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات ، ومنه الشعر ، لأنه يكون بحيث يقع الشعور ; ومنه الشاعر ; لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره ; ومنه الشعير لشعرته التي في رأسه ; فالشعائر على قول : ما أشعر من الحيوانات لتهدى إلى بيت الله ، وعلى قول : جميع مناسك الحج ; قال ابن عباس .

وقال مجاهد : الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر ، وقال الشاعر :نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بها يتقربوكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ; فأنزل الله تعالى : لا تحلوا شعائر الله .

وقال عطاء بن أبي رباح : شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه ، وقال الحسن : دين الله كله ; كقوله : ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب أي : دين الله .قلت : وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره لعمومه .

وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي ، وهي :الثانية : فأجازه الجمهور ; ثم اختلفوا في أي جهة يشعر ; فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : يكون في الجانب الأيمن ; وروي عن ابن عمر ، وثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن ; أخرجه مسلم وغيره وهو الصحيح ، وروي أنه أشعر بدنة من الجانب الأيسر ; قال أبو عمر بن عبد البر : هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس ; والصحيح حديث مسلم عن ابن عباس ، قال : ولا يصح عنه غيره .

وصفحة السنام جانبه ، والسنام أعلى الظهر ، وقالت طائفة : يكون في الجانب الأيسر ; وهو قول مالك ، وقال : لا بأس به في الجانب الأيمن ، وقال مجاهد : من أي الجانبين شاء ; وبه قال أحمد في أحد قوليه ، ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال : إنه تعذيب للحيوان ، والحديث يرد عليه ; وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما تقدم ; وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والإنكار حين لم ير الإشعار فقال : كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة !

لهي أشهر منه في العلماء .قلت : والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية : الإشعار مكروه من قول أبي حنيفة ، [ ص: 11 ] وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح ; لأن الإشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد ، ومن حيث أنه جرح ومثلة كان حراما ، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا ، ولأبي حنيفة أن الإشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان فكان مكروها ، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل هديا ، وكانوا لا يعرفون الهدي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر ; هكذا روي عن ابن عباس ، وحكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه قال : يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه يخاف منه السراية ، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حسن ; وهكذا ذكر أبو جعفر الطحاوي .

فهذا اعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في الإشعار ، فقد سمعوه ووصل إليهم وعلموه ; قالوا : وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحد محرما ; لأن مباشرة المكروه لا تعد من المناسك .الثالثة : قوله تعالى : ولا الشهر الحرام اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي أربعة : واحد فرد وثلاثة سرد ، يأتي بيانها في " براءة " ; والمعنى : لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها ; فإن استبدالها استحلال ، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء ; وكذلك قوله : ولا الهدي ولا القلائد أي : لا تستحلوه ، وهو على حذف مضاف أي : ولا ذوات القلائد جمع قلادة .

فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة ، ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد .الرابعة : قوله تعالى : ولا الهدي ولا القلائد الهدي ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة ; الواحدة هدية وهدية وهدي .

فمن قال : أراد بالشعائر المناسك قال : ذكر الهدي تنبيها على تخصيصها ، ومن قال : الشعائر الهدي قال : إن الشعائر ما كان مشعرا أي : معلما بإسالة الدم من سنامه ، والهدي ما لم يشعر ، اكتفي فيه بالتقليد ، وقيل : الفرق أن الشعائر هي البدن من الأنعام ، والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى ، وقال الجمهور : الهدي عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات ; ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة إلى أن قال : كالمهدي بيضة فسماها هديا ; وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة ; وكذلك قال العلماء : إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به ; إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر [ ص: 12 ] والغنم ، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه ، وهذا إنما تلقي من عرف الشرع في قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وأراد به الشاة ; وقال تعالى : يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وقال تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وأقله شاة عند الفقهاء ، وقال مالك : إذا قال ثوبي هدي يجعل ثمنه في هدي .

والقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم ; فهو على حذف مضاف ، أي : ولا أصحاب القلائد ثم نسخ .قال ابن عباس : آيتان نسختا من " المائدة " آية القلائد وقوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فأما القلائد فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا ، وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله على ما يأتي .

وقيل : أراد بالقلائد نفس القلائد ; فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن ; قاله مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير ، والله أعلم ، وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض .

واتفق الفقهاء على أن من قال : لله علي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة .

وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه ; من نعل أو غيره ، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها الإسلام ، وهي سنة البقر والغنم .

قالت عائشة رضي الله عنها : أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها ; أخرجه البخاري ومسلم ; وإلى هذا صار جماعة من العلماء : الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب ; وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم ، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة رضي الله عنها ; فالقول به أولى ، والله أعلم .

وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن ; قال ابن عمر ; وبه قال مالك ، وقال الشافعي : تقلد وتشعر مطلقا ولم يفرقوا ، وقال سعيد بن جبير : تقلد ولا تشعر ; وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام ، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل ، والله أعلم .الخامسة : واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الإحرام وساقها أنه يصير محرما ; قال الله تعالى : لا تحلوا شعائر الله إلى أن قال : فاصطادوا ولم يذكر الإحرام لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام .السادسة : فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه لم يكن محرما ; لحديث عائشة قالت : ( أنا [ ص: 13 ] فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ; ثم قلدها بيديه ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي ) ; أخرجه البخاري ، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء .

وروي عن ابن عباس أنه قال : يصير محرما ; قال ابن عباس : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي ; رواه البخاري ; وهذا مذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير ، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي ; واحتجوا بحديث جابر بن عبد الله قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه من جيبه ثم أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ، وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة .

في إسناده عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة وهو ضعيف .

فإن قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون : لا يصير محرما ; لأن تقليد الشاة ليس بمسنون ولا من الشعائر ; لأنه يخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البدن ; فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى الشجر وتصل إلى الحرم وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندي .

العهن الصوف المصبوغ ; ومنه قوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن المنفوشالسابعة : ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلد أو أشعر ; لأنه قد وجب ، وإن مات موجبه لم يورث عنه ونفذ لوجهه ; بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول ; فإن أوجبها بالقول قبل الذبح فقال : جعلت هذه الشاة أضحية تعينت ; وعليه ; إن تلفت ثم وجدها أيام الذبح أو بعدها ذبحها ولم يجز له بيعها ; فإن كان اشترى أضحية غيرها ذبحهما جميعا في قول أحمد وإسحاق ، وقال الشافعي : لا بدل عليه إذا ضلت أو سرقت ، إنما الإبدال في الواجب ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إذا ضلت فقد أجزأت ، ومن مات يوم النحر قبل أن يضحي كانت ضحيته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف الهدي ، وقال أحمد وأبو ثور : تذبح بكل حال ، وقال الأوزاعي : تذبح إلا أن يكون عليه دين لا وفاء له إلا من تلك الأضحية فتباع في دينه ، ولو مات بعد ذبحها لم يرثها عنه ورثته ، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما كان له أن يصنع بها ، ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث ، وما أصاب الأضحية قبل [ ص: 14 ] الذبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهدي ، هذا تحصيل مذهب مالك ، وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل ; والأول أصوب .

والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : ولا آمين البيت الحرام يعني القاصدين له ; من قولهم أممت كذا أي : قصدته ، وقرأ الأعمش : " ولا آمي البيت الحرام " بالإضافة كقوله : " غير محلي الصيد " والمعنى : لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة ; وعليه فقيل : ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك ، أو مراعاة حرمة له بقلادة ، أو أم البيت فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلا يمكن المشرك من الحج ، ولا يؤمن في الأشهر الحرم وإن أهدى وقلد وحج ; روي عن ابن عباس وقاله ابن زيد على ما يأتي ذكره ، وقال قوم : الآية محكمة لم تنسخ وهي في المسلمين ، وقد نهى الله عن إخافة من يقصد بيته من المسلمين ، والنهي عام في الشهر الحرام وغيره ; ولكنه خص الشهر الحرام بالذكر تعظيما وتفضيلا ; وهذا يتمشى على قول عطاء ; فإن المعنى لا تحلوا معالم الله ، وهي أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا تحلوه ; ولذلك قال أبو ميسرة : هي محكمة ، وقال مجاهد : لم ينسخ منها إلا القلائد وكان الرجل يتقلد بشيء من لحاء الحرم فلا يقرب فنسخ ذلك .

وقال ابن جريج : هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم ، وقال ابن زيد : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ; جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون فقال المسلمون : يا رسول الله إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم ; فنزل القرآن ولا آمين البيت الحرام .

وقيل : كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكري - ويلقب بالحطم - أخذته جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في عمرته فنزلت هذه الآية ، ثم نسخ هذا الحكم كما ذكرنا ، وأدرك الحطم هذا ردة اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وخلف خيله خارج المدينة فقال : إلام تدعو الناس ؟

فقال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فقال : حسن ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده فقال [ ص: 15 ] عليه الصلاة والسلام : لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم .

فمر بسرح المدينة فاستاقه ; فطلبوه فعجزوا عنه ، فانطلق وهو يقول :قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزار على ظهر وضم باتوا نياما وابن هند لم ينمبات يقاسها غلام كالزلم خدلج الساقين خفاق القدمفلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة فقال : هذا الحطم وأصحابه ، وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة ، فتوجهوا في طلبه ; فنزلت الآية ، أي : لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين ; ذكره ابن عباس .التاسعة : وعلى أن الآية محكمة ، قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله يوجب إتمام أمور المناسك ; ولهذا قال العلماء : إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج ، ولا يجوز أن يترك شيئا منها وإن فسد حجه ; ثم عليه القضاء في السنة الثانية .

قال أبو الليث السمرقندي : وقوله تعالى : ولا الشهر الحرام منسوخ بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وقوله : ولا الهدي ولا القلائد محكم لم ينسخ ; فكل من قلد الهدي ونوى الإحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية ; فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض ; بعضها منسوخ وبعضها غير منسوخ .العاشرة : قوله تعالى : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا قال فيه جمهور المفسرين : معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم ، وقيل : كان منهم من يبتغي التجارة ، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله ; وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت ، وأنه يبعث ، ولا يبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار .

قال ابن عطية : هذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم ; لتنبسط النفوس ، [ ص: 16 ] وتتداخل الناس ، ويردون الموسم فيستمعون القرآن ، ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان ، وهذه الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع ; إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة " براءة " .الحادية عشرة : قوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا أمر إباحة - بإجماع الناس - رفع ما كان محظورا بالإحرام ; حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح ، بل صيغة " أفعل " الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب ; وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره ; لأن المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا ; دليله قوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين فهذه " أفعل " على الوجوب ; لأن المراد بها الجهاد ، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فإذا تطهرن فأتوهن من النظر إلى المعنى والإجماع ، لا من صيغة الأمر .

والله أعلم .الثانية عشرة : قوله تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد أي : لا يحملنكم ; عن ابن عباس وقتادة ، وهو قول الكسائي وأبي العباس ، وهو يتعدى إلى مفعولين ; يقال : جرمني كذا على بغضك أي : حملني عليه ; قال الشاعر :ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبواوقال الأخفش : أي : ولا يحقنكم ، وقال أبو عبيدة والفراء : معنى لا يجرمنكم أي : لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الظلم ، قال عليه السلام : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وقد مضى القول في هذا ، ونظير هذه الآية فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقد تقدم مستوفى ، ويقال : فلان جريمة أهله أي : كاسبهم ، فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب وأجرم فلان أي اكتسب الإثم .

ومنه قول الشاعر :جريمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبامعناه كاسب قوت ، والصليب الودك ، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م .

قال ابن فارس : [ ص: 17 ] يقال جرم وأجرم ، ولا جرم بمنزلة قولك : لا بد ولا محالة ; وأصلها من جرم أي اكتسب ، قال :جرمت فزارة بعدها أن يغضبواوقال آخر :يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت إلى القبائل من قتل وإبآسويقال : جرم يجرم جرما إذا قطع ; قال الرماني علي بن عيسى : وهو الأصل ; فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره ، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب ، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه ، وقال الخليل : لا جرم أن لهم النار لقد حق أن لهم العذاب ، وقال الكسائي : جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد ، أي اكتسب .

وقرأ ابن مسعود " يجرمنكم " بضم الياء ، والمعنى أيضا لا يكسبنكم ; ولا يعرف البصريون الضم ، وإنما يقولون : جرم لا غير ، والشنآن البغض ، وقرئ بفتح النون وإسكانها ; يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا وشنآنا بجزم النون ، كل ذلك إذا أبغضته ; أي : لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا ; والمراد بغضكم قوما ، فأضاف المصدر إلى المفعول .

قال ابن زيد : لما صد المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة ; فقال المسلمون : نصدهم كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية ; أي : لا تعتدوا على هؤلاء ، ولا تصدوهم أن صدوكم أصحابهم ، بفتح الهمزة مفعول من أجله ; أي : لأن صدوكم ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة " إن صدوكم " وهو اختيار أبي عبيد ، وروي عن الأعمش " إن يصدوكم " .

قال ابن عطية : فإن للجزاء ; أي : إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل ، والقراءة الأولى أمكن في المعنى ، وقال النحاس : وأما " إن صدوكم " بكسر " إن " فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء : منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست ، فالصد كان قبل الآية ; وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده ; كما تقول : لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك ; فهذا لا يكون إلا للمستقبل ، وإن فتحت كان للماضي ، فوجب على هذا ألا يجوز إلا أن صدوكم ، وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا ; لأن قوله : لا تحلوا شعائر الله إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في أيديهم ، وأنهم لا ينهون عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام ، فوجب من هذا فتح أن لأنه لما مضى .

أن تعتدوا في موضع نصب ; لأنه [ ص: 18 ] مفعول به ، أي : لا يجرمنكم شنآن قوم الاعتداء .

وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد " شنآن " بإسكان النون ; لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة ; وخالفهما غيرهما وقال : ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى قال الأخفش : هو مقطوع من أول الكلام ، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ; أي : ليعن بعضكم بعضا ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ; وهذا موافق لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الدال على الخير كفاعله ، وقد قيل : الدال على الشر كصانعه .

ثم قيل : البر والتقوى لفظان بمعنى واحد ، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة ، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر .

قال ابن عطية : وفي هذا تسامح ما ، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه ، والتقوى رعاية الواجب ، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز .

وقال الماوردي : ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ; لأن في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته ، وقال ابن خويز منداد في أحكامه : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ; فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ، ويعينهم الغني بماله ، والشجاع بشجاعته في سبيل الله ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ، ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه .

ثم نهى فقال : ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وهو الحكم اللاحق عن الجرائم ، وعن العدوان وهو ظلم الناس .

ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال : واتقوا الله إن الله شديد العقاب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ْ} أي: محرماته التي أمركم بتعظيمها، وعدم فعلها، والنهي يشمل النهي عن فعلها، والنهي عن اعتقاد حلها؛ فهو يشمل النهي، عن فعل القبيح، وعن اعتقاده.

ويدخل في ذلك النهي عن محرمات الإحرام، ومحرمات الحرم.

ويدخل في ذلك ما نص عليه بقوله: { وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ْ} أي: لا تنتهكوه بالقتال فيه وغيره من أنواع الظلم كما قال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ْ} والجمهور من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ْ} وغير ذلك من العمومات التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقا، والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقا.

وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم.

وقال آخرون: إن النهي عن القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ لهذه الآية وغيرها، مما فيه النهي عن ذلك بخصوصه، وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك، وقالوا: المطلق يحمل على المقيد.

وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، وأما استدامته وتكميله إذا كان أوله في غيرها، فإنه يجوز.

وحملوا قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف على ذلك، لأن أول قتالهم في "حنين" في "شوال".

وكل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع.

فأما قتال الدفع إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال، فإنه يجوز للمسلمين القتال، دفعا عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء.

وقوله: { وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ ْ} أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله في حج أو عمرة، أو غيرهما، من نعم وغيرها، فلا تصدوه عن الوصول إلى محله، ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها، ولا تقصروا به، أو تحملوه ما لا يطيق، خوفا من تلفه قبل وصوله إلى محله، بل عظموه وعظموا من جاء به.

{ وَلَا الْقَلَائِدَ ْ} هذا نوع خاص من أنواع الهدي، وهو الهدي الذي يفتل له قلائد أو عرى، فيجعل في أعناقه إظهارا لشعائر الله، وحملا للناس على الاقتداء، وتعليما لهم للسنة، وليعرف أنه هدي فيحترم، ولهذا كان تقليد الهدي من السنن والشعائر المسنونة.

{ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ْ} أي: قاصدين له { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ْ} أي: من قصد هذا البيت الحرام، وقصده فضل الله بالتجارة والمكاسب المباحة، أو قصده رضوان الله بحجه وعمرته والطواف به، والصلاة، وغيرها من أنواع العبادات، فلا تتعرضوا له بسوء، ولا تهينوه، بل أكرموه، وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم.

ودخل في هذا الأمرُ الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله وجعل القاصدين له مطمئنين مستريحين، غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه، ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك.

وهذه الآية الكريمة مخصوصة بقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ْ} فالمشرك لا يُمَكَّن من الدخول إلى الحرم.

والتخصيص في هذه الآية بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت ابتغاء فضل الله أو رضوانه -يدل على أن من قصده ليلحد فيه بالمعاصي، فإن من تمام احترام الحرم صد من هذه حاله عن الإفساد ببيت الله، كما قال تعالى: { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ْ} ولما نهاهم عن الصيد في حال الإحرام قال: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ْ} أي: إذا حللتم من الإحرام بالحج والعمرة، وخرجتم من الحرم حل لكم الاصطياد، وزال ذلك التحريم.

والأمر بعد التحريم يرد الأشياء إلى ما كانت عليه من قبل.

{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ْ} أي: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد، على الاعتداء عليهم، طلبا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جُنِي عليه أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه.

{ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ْ} أي: ليعن بعضكم بعضا على البر.

وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين.

والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة.

وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها وينشط لها، وبكل فعل كذلك.

{ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ْ} وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ويحرج.

{ وَالْعُدْوَانِ ْ} وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه.

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ْ} على من عصاه وتجرأ على محارمه، فاحذروا المحارم لئلا يحل بكم عقابه العاجل والآجل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة البكري ، أتى المدينة وخلف خيله [ خارج ] المدينة ، ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إلى ما تدعو الناس؟

فقال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، [ وأن محمدا رسول الله ] وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فقال : [ حسن ] إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلي أسلم وآتي بهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم [ بلسان ] شيطان ، ثم خرج شريح من عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم ، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق ، فاتبعوه فلم يدركوه ، فلما كان العام القابل خرج حاجا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة ، وقد قلد الهدي ، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الحطم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه قد قلد الهدي ، فقالوا : يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية ، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) .

قال ابن عباس ومجاهد : هي مناسك الحج ، وكان المشركون يحجون ويهدون ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك .

وقال أبو عبيدة : شعائر الله هي الهدايا المشعرة ، والإشعار من الشعار ، وهي العلامة ، وإشعارها : إعلامها بما يعرف أنها هدي ، والإشعار هاهنا : أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم ، فيكون ذلك علامة أنها هدي ، وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل ، لما أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبو نعيم أنا أفلح عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ، ثم قلدها وأشعرها وأهداها ، فما حرم عليه شيء كان أحل له .

وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار ، وأما الغنم فلا تشعر بالجرح ، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها ، وعند أبي حنيفة : لا يشعر الهدي .

وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا تحلوا شعائر الله : هي أن تصيد وأنت محرم ، بدليل قوله تعالى : " وإذا حللتم فاصطادوا " ، وقال السدي : أراد حرم الله ، وقيل : المراد منه النهي عن القتل في الحرم ، وقال عطاء : شعائر الله حرمات الله واجتناب سخطه واتباع طاعته .

قوله : ( ولا الشهر الحرام ) أي : بالقتال فيه ، وقال ابن زيد : هو النسيء ، وذلك أنهم كانوا يحلونه في الجاهلية عاما ويحرمونه عاما ، ( ولا الهدي ) وهو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة ، ( ولا القلائد ) أي : الهدايا المقلدة ، يريد ذوات القلائد ، وقال عطاء : أراد أصحاب القلائد ، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض لهم ، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها .

وقال مطرف بن الشخير : هي القلائد نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها .

قوله تعالى : ( ولا آمين البيت الحرام ) أي : قاصدين البيت الحرام ، يعني : الكعبة فلا تتعرضوا لهم ، ( يبتغون ) يطلبون ( فضلا من ربهم ) يعني الرزق بالتجارة ، ( ورضوانا ) أي : على زعمهم؛ لأن الكافرين لا نصيب لهم في الرضوان ، وقال قتادة : هو أن يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها ، وقيل : ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة ، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة؛ لأن المسلمين والمشركين كانوا يحجون ، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ( سورة التوبة ، 5 ) وبقوله : " فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " ( سورة التوبة ، 28 ) ، فلا يجوز أن يحج مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد .

قوله عز وجل : ( وإذا حللتم ) من إحرامكم ، ( فاصطادوا ) أمر إباحة ، أباح للحلال أخذ الصيد ، كقوله تعالى : " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " ( الجمعة ، 10 ) .

( ولا يجرمنكم ) قال ابن عباس وقتادة : لا يحملنكم ، يقال : جرمني فلان على أن صنعت كذا ، أي حملني ، وقال الفراء : لا يكسبنكم ، يقال : جرم أي : كسب ، وفلان جريمة أهله ، أي : كاسبهم ، وقيل : لا يدعونكم ، ( شنآن قوم ) أي : بغضهم وعداوتهم ، وهو مصدر شنئت ، قرأ ابن عامر وأبو بكر ( شنآن قوم ) بسكون النون الأولى ، وقرأ الآخرون بفتحها ، وهما لغتان ، والفتح أجود ، لأن المصادر أكثرها فعلان ، بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها ، ( أن صدوكم عن المسجد الحرام ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الآخرون بفتح الألف ، أي : لأن صدوكم ، ومعنى الآية : ولا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم .

وقال محمد بن جرير : لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية ، وكان الصد قد تقدم ، ( أن تعتدوا ) عليهم بالقتل وأخذ الأموال ، ( وتعاونوا ) أي : ليعين بعضكم بعضا ، ( على البر والتقوى ) قيل : البر متابعة الأمر ، والتقوى مجانبة النهي ، وقيل : البر : الإسلام ، والتقوى : السنة ، ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) قيل : الإثم : الكفر ، والعدوان : الظلم ، وقيل : الإثم : المعصية ، والعدوان : البدعة .

أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي أنا الحسن بن علي بن عفان أنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ، قال : " البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " .

( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله» جمع شعيرة أي معالم دينه بالصيد في الإحرام «ولا الشهر الحرام» بالقتال فيه «ولا الهدْي» ما أهدى إلى الحرم من النِّعم بالتعرض له «ولا القلائد» جمع قلادة وهي ما كان يقلد به من شجر الحرم ليأمن أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها «ولا» تحلوا «آمِّين» قاصدين «البيت الحرام» بأن تقاتلوهم «يبتغون فضلا» رزقا «من ربهم» بالتجارة «ورضوانا» منه بقصده بزعمهم الفاسد وهذا منسوخ بآية براءة «وإذا حللتم» من الإحرام «فاصطادوا» أمر إباحة «ولا يجرمنَّكم» يكسبنكم «شنَآن» بفتح النون وسكونها بغض (قوم) لأجل «أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا» عليهم بالقتل وغيره «وتعاونوا على البرِّ» بفعل ما أمرتم به «والتقوى» بترك ما نهيتم عنه «ولا تعاونوا» فيه حذف إحدى التاءين في الأصل «على الإثم» المعاصي «والعدوان» التعدي في حدود الله «واتقوا الله» خافوا عقابه بأن تطيعوه «إن الله شديد العقاب» لمن خالفه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تتعدَّوا حدود الله ومعالمه، ولا تستحِلُّوا القتال في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان ذلك في صدر الإسلام، ولا تستحِلُّوا حرمة الهَدْي، ولا ما قُلِّدَ منه؛ إذ كانوا يضعون القلائد، وهي ضفائر من صوف أو وَبَر في الرقاب علامةً على أن البهيمة هَدْيٌ وأن الرجل يريد الحج، ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم.

وإذا حللتم من إحرامكم حلَّ لكم الصيد، ولا يحمِلَنَّكم بُغْض قوم من أجل أن منعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام -كما حدث عام "الحديبية"- على ترك العدل فيهم.

وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله، ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله، واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أشار - سبحانه - إلى ما أحل لعباده من طيبات ، وما حظره عليهم من أفعال ، أتبع ذلك بنداء آخر إليهم نهاهم فيه عن استحلال أشياء معينة فقال - تعالى - :( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ .

.

.

)قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ ) من الإِحلال الذي هو ضد التحريم .

ومعننى عدم إحلالهم لشعائر الله : تقرير حرمتها عملا واعتقادا ، والالتزام بها بالطريقة التي قررتها شريعة الله .والشعائر : جمع شعيرة - على وزن فعلية - وهي في الأصل ما علت شعاراً على الشيء وعلامة عليه من الإِشعار بمعنى الإعلام .

وكل شيء اشتهر فقد علم .

يقال : شعرت بكذا .أي علمته .والمراد بشعائر الله هنا : حدوده التي حدها ، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التي أوجبها على عباده .ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا : مناسك الحج وما حرمه الحج وما حرمه فيه من لبس للثياب في أثناء الإحرام .

ومن غير ذلك من الأفعال التي نهى الله عن فعلها في ذلك الوقت فيكون المعنى .لا تحلوا ما حرم عليكم حال إحرامكم .والقول الأول أولى لشموله جميع التكاليف التي كلف الله بها عباده .

وقد رجحه ابن جرير بقوله : وأولى التأويلات بقوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) قول من قال : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تضيعوا فرائضه .

فيدخل في ذلك مناسك الحج وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه .وإنما قلنا ذلك القول أولى ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها ، نهيا عاماً من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء .

فلم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ولا حجة بذلك .وأضاف - سبحانه - الشعائر إليه .

تشريفا لها ، وتهويلا للعقوبة التي تترتب على التهاون بحرمتها .

وعلى مخالفة ما أمر الله به في شأنها .وقوله : ( وَلاَ الشهر الحرام ) معطوف على شعائر الله .

والمراد به الجنس .

فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم .

وهي أربعة : ذو العقدة ، وذو الحجة والمحرم ، ورجب .وسمي الشهر حراماً : باعتبار أن إيقاع القتال فيه حرام .أي : لا تحلوا - أيها المؤمنون - القتال في الشهر الحرام ، ولا تبدأوا أعداءكم فيه بقتال .قال ابن كثير : يعني بقوله : ( وَلاَ الشهر الحرام ) تحريمه ، والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه ، من الابتداء بالقتال كما قال - تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) وقال - تعالى - : ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ) وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض والسنة اثنا عشر شهراً .

منها أربعة حرم " وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت .

كما هو مذهب طائفة من السلف .وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ .

وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم .واحتجوا بقوله - ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) والمراد أشهر التسيير الأربعة .

قالوا : فلم يستثن شهراً حراما من غيره .والمقصود بالهدى في قوله ( وَلاَ الهدي ) ما يتقرب به الإِنسان إلى الله من النعم ليذبح في الحرم ، وهو جمع هدية - بتسكين الدال - ، أي : ولا تحلوا حرمة ما يهدي إلى البيت الحرام من الأنعام تقربا إلى الله - تعالى - بأن تتعرضوا له بنحو غصب وسرقة أو حبس عن بلوغه إلى محله .وخص ذلك بالذكر مع دخوله في الشعائر ، لأن فيه نفعا للناس ، لأنه قد يتساهل فيه أكثر من غيره ، ولأن في ذكره تعظيما لشأنه .وقوله : ( وَلاَ القلائد ) جمع قلادة ، وهي ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء .

وقد كانوا يضعون في أعناق الهدى ضفائر من صوف ، ويربط بعنقها نعلان أو قطعة من لحاء الشجر أو غيرهما ليعلم أنه هدى فلا يعتدى عليه .والمراد : ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى بأن تتعرضوا لها بسوء .وخصت بالذكر مع أنها من الهدى تشريفاً لها واعناءً بشأنها .

لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر .

فكأنه قيل : لا تحلوا الهدى وخصوصاً ذوات القلائد منه .ويجوز أن يراد النهي عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها أي : لا تتعرضوا لقلائد الهدى فضلا عن ذاته .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين بقوله : وأما القلائد ففيها وجهان :أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدى وهي البدن .

وتعطف على الهدى للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله ( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا .والثاني : أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهي عن التعرض للهدى ، على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها .

كما قال ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها .وقوله : ( ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) معطوف على قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) .وقوله : ( آمِّينَ ) جمع آم من الأم وهو القصد المستقيم .

يقال : أممت كذا أي : قصدته أي : ولا تحلوا أذى قوم قاصدين زيارة البيت الحرام بأن تصدوهم عن دخوله حال كونهم يطلبون من ربهم ثواباً .

ورضواناً لتعبدهم في بيته المحرم .ولكن ما المراد بهؤلاء الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضواناً؟قال بعضهم : المراد بهم المسلمون الذين يقصدون بيت الله للحج والزيارة .

فلا يجوز لأحد أن يمنعهم من ذلك بسبب نزاع أو خصام لأن بيت الله - تعالى - مفتوح للجميع وعلى هذا يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميرهم في قوله ( مِّن رَّبِّهِمْ ) للتشريف والتكريم .وجملة ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) حال من الضمير المستكن في قوله ( آمِّينَ ) وقد جيء بها لبيان مقصدهم الشريف ، ومسعاهم الجليل .أي : قصدوا البيت الحرام يبتغون رزقا أو ثواباً من ربهم ، ويبتغون ما هو أكبر من كل ذلك وهو رضاه - سبحانه - عنهم .وعلى هذا الاقول تكون الآية الكريمة محكمة ولا نسخ فيها ، وتكون توجيهاً عاماً من الله - تعالى - لعباده بعدم التعرض بأذى لمن يقصد زيارة المسجد الحرام من إخوانهم المؤمنين ، مهما حدث بينهم من نزاع أو خلاف .وقال آخرون : المراد بهم المشركون .

واستدلوا بما رواه ابن جرير عن السدي من أن الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له الحطين بن هند ، وذلك نه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله إلام تدعو؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ادعوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فقال له : حسن ما تدعو إليه إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ، ولعلي أسلم وآتي بهم .

فلما خرج مر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به .ثم أقبل من العام القادم جارحاً ومعه تجارة عظيمة .

فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التعرض له .

فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزلت الآية .وعلى هذا القول يفسر ابتغاء الفضل بمطلق الرزق عن طريق التجارة .

وابتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم ، وأن الحج يقربهم من الله ، فوصفهم - سبحانه - على حسب ظنهم وزعمهم .

ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى - ( إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ) وعليه يكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما الدنيوي والأخروي ولو في زعم المشركين .والذي نراه أولى هو القول الأول ، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان ما يجب على المؤمنين أن يفعلوه نحو شعائر الله التي هي حدوده وفرائضه ومعالم دينه ، ولأن قوله - تعالى - : ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) هذا الوصف إنما يليق بالمسلم دون الكافر ، إذ المسلمون وحدهم الذين يقصدون بحجهم وزيارتهم لبيت الله الثواب والرضوان منه - سبحانه - .قال الفخر الرازي : " أمرنا الله في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذا الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين .

والدليل عليه أول الآية وآخرها .أما أول الآية فهو : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعتهم لا بنسك الكفار .وأما آخر الآية فهو قوله : ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر .وبذلك نرى الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال أي شيء من الشعائر التي حرم الله - تعالى - استحلالها ، وخصت بالذكر هذه الأمور الأربعة التي عطفت عليها اهتماماً بشأنها وزجرا للنفوس عن انتهاك حرمتها ، لأن هذه الأمور الأربعة منها ما ترغب فيه النفوس بدافع شهوة الانتقام ، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع المتعة والميل القلبي ، ومنها ما ترغب فيه النفوس بدافع الطمع وحب التملك .ثم أتبع - سبحانه - هذا النهي ببيان جانب من مظاهر فضله .

حيث أباح لهم الصيد بعد الانتهاء من إحرامهم فقال : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ) .أي : وإذا خرجتم من إحرامكم أبيح لكم الصيد ، وأبيح لكم أيضاً كل ما كان مباحاً لكم قبل الإحرام .وإنما خص الصيد بالذكر ، لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيراً .

كبيرهم وصغيرهم ، وغنيهم وفقيرهم .

والإِشارة إلى أن الذي ينبغي الحرص عليه هو ما يعد قوتا تندفع به الحاجة فقط لا ما يكون من الكماليات ولا يكون إرضاء للشهوات .والأمر في قوله : ( فاصطادوا ) للإِباحة ، لأنه ليس من الواجب على المحرم إذا حل من إحرامزه أن يصطاد .

بل يباح له ذلك كما كان الشأن قبل الإِحرام ومثله قوله - تعالى - ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض ) أي : أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة .ثم نهى - سبحانه - المؤمنين على أن يحملهم البعض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام على أن يمنعوهم من دخوله كما منعهم من دخوله أولئك القوم فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ) .والجلمة الكريمة معطوفة على قوله : ( لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ) لزيادة تقرير مضمونه .ومعنى ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) ولا يحملنكم مأخوذ من جرمه على كذا إذا حمله عليه ، أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب ، غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة .وأصل الجرم : قطع الثمرة من الشجرة ، أطلق على الكسب ، لأن الكاسب ينقطع لكسبه .قال صاحب الكشاف : جرم يجري مجرى " كسب " في تعديه إلى مفعول واحد واثنين .تقول : جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا ، نحو كستبه إياه .

ويقال : أجرمته ذنبا ، على نقل المتعدي إلى معفول بالهمزة إلى مفعولين .

كقولهم : أكسبته ذنبا " .والشنآن : البغض الشديد .

يقال : شئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا إذا أبغضته بغضا شديداً .والمعنى : ولا يحملنكم - أيها المؤمنون - بغضكم الشديد لقوم بسبب أنهم منعوكم من دخول المسجد الحرام ، لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم ، فإن الشرك إذا كان يبرر هذا العمل ، فإن الإِسلام - وهو دين العدل والتسامح - لا يبرره ولا يقبله ، ولكن الذي يقبله الإِسلام هو احترام المسجد الحرام ، وفتح الطريق إليه أمام الناس حتى يزداد المؤمن إيماناً ، ويفئ العاصي إلى رشده وصوابه .قال ابن كثير : وقوله : ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ) أي : ولا يحملنكم بغض قوم ، " قد كانوا صدوكم عن المسجد الحرام - وذلك عام الحديبية - ، على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً ، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد ..

فإن العدل واجب على كل أحد .

في كل أحد ، وفي كل حال .

والعدل ، به قامت السموات والأرض .وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .وعن زيد بن أسلم ، قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم ناس من المشركني من أهل المشرق يريدون العمرة .

فقال الصحابة .

نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية " .وقوله : ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) مصدر مضاف لمفعوله .

أي : لا يحملنكم بغضكم قوماً .وقوله : ( أَن صَدُّوكُمْ ) - بفتح همزة أن - مفعول لأجله بتقدير اللام .

أي : لأن صدوكم فهو متعلق بالشنآن .وقوله ( أَن تَعْتَدُواْ ) في موضع نصب على أنه مفعول به .أي : لا يحملنكم بغضكم قوما لصدهم إياكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم .وقراءة ( أَن صَدُّوكُمْ ) بفتح الهمزة - هي قراءة الجمهور ، وهي تشير إلى أن الصد كان في الماضي ، وهي واضحة ولا إشكال عليها .قال الجمل : وفي قراءة لأبي عمرو وابن كثير بكسر همزة أن على أنها شرطية وجواب الشرط دل عليه ما قبله .

وفيها إشكال من حيث إن الشرط يقتضي أن الأمر المشروط لم يقع .

مع أن الصد كان قد وقع .

لأنه كان في عام الحديبية وهي سنة ست .

والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكانت مكة عام الفتح في أيدي المسلمين فيكف يصدون عنه؟

وأجيب بوجهين :أولهما : لا نسلم أن الصد كان قيل نزول الآية فإن نزولها عام الفتح غير مجمع عليه .والثاني : أنه وإن سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها فيكون المعنى : إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية - فلا تعتدوا -قال بعضهم : وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل ، لأن النهي عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام ، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق ، وحينئذ لا يراعى المماثلة ولا يقف عند حدود العدل .ثم أمر الله - تعالى - عباده بالتعاون على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات فقال : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ) .والبر معناه : التوسع في فعل الخير ، وإسداء المعروف إلى الناس .والتقوى تصفية النفس وتطهيرها وإبعادها عن كل ما نهى الله عنه .قال القرطبي : قال الماوردي : ندب الله - تعالى - إلى التعاون بالبر ، وقرنه بالتقوى له ، لأن في التقوى رضا الله ، وفي البر رضا الناس .ومن جمع بين رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته .والإِثم - كما يقول الراغب - اسم للأفعال المبطئة عن الثواب وجمعه آثام ، والآثم هو المتحمل للإِثم .

ثم أطلق على كل ذنب ومعصية .والعدوان : تجاود الحدود التي أمر الشارع الناس بالوقوف عندها .أي : وتعاونوا - أيها المؤمنون - على كل ما هو خير وبر وطاعة لله - تعالى - ، ولا تتعاونوا على ارتكابا الآثام ولا على الاعتداء على حدوده ، فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدي إلى السعادة ، أما التعاون على ما يغضب الله - تعالى - فيدؤي إلى الشقاء .قال الآلوسي : والجملة عطف على قوله ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) من حيث المعنى ، فكأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدوكم عنه ، وتعاونوا على العفو والإِغضاء .وقال بعضهم : هو استئناف ، والوقف على ( أَن تَعْتَدُواْ ) لازم .هذا ، وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن أبي مسعود الانصاري قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أبدع بي - أي : هلكت دابتي التي أركبها - فاحملني فقال : " ما عندي " فقال رجل : يا رسول الله ، أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " وروى الإِمام مسلم - أيضاً - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً .

ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه .

لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً " .وقوله - تعالى - ( واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) تذييل قصد به إنذار الذين يتعاونون على الإِثم والعدوان .

أي : اتقوا الله - أيها الناس - واخشوه فيما مركم ونهاكم ، فإنه - سبحنه شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانحرف عن طريقه القويم .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن استحلال ما حرمه الله عليهم من محارم ، وعن الإِخلال بشيء من أحكامها كما نهتهم عن أن بحملهم بغضهم لغيرهم على الاعتداء عليه وأمرتهم بأن يتعاونوا على فعل الخير الذي ينفعهم وينفع غيرهم من الناس وعلى ما يوصلهم إلى طاعته - سبحانه - وحسن مثوبته ، ولا يتعاونوا على الأفعال التي يأثم فاعلها ، وعلى مجاوزة حدود الله بالاعتداء على غيرهم .

ثم حذرتهم في نهايتها من العقاب الشديد الذي ينزله سبحانه - بكل من عصاه ، وانحرف عن هداء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدى وَلاَ القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ .

اعلم أنه تعالى: لما حرم الصيد على المحرم في الآية الأولى أكد ذلك بالنهي في هذه الآية عن مخالفة تكاليف الله تعالى فقال: ﴿ يُرِيدُ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله ﴾ .

وأعلم أن الشعائر جمع، والأكثرون على أنها جمع شعيرة.

وقال ابن فارس: واحدها شعارة، والشعيرة فعيلة بمعنى مفعلة، والمشعرة المعلمة، والأشعار الأعلام، وكل شيء أشعر فقد أعلم، وكل شيء جعل علماً على شيء أن علم بعلامة جاز أن يسمى شعيرة، فالهدي الذي يهدى إلى مكة يسمى شعائر لأنهت معلمة بعلامات دالة على كونها هدياً.

واختلف المفسرون في المراد بشعائر الله، وفيه قولان: الأول: قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله ﴾ أي لا تخلوا بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم، وعلى هذا القول فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين، ويقرب منه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني: أن المراد منه شيء خاص من التكاليف، وعلى هذا القول فذكروا وجوهاً: الأول: المراد لا تحلوا ما حرّم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

والثاني: قال ابن عباس: إن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله ﴾ الثالث: قال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج ولا يطوفون بهما، فأنزل الله تعالى: لا تستحلوا ترك شيء من مناسك الحج وائتوا بجميعها على سبيل الكمال والتمام.

الرابع: قال بعضهم: الشعائر هي الهدايا تطعن في أسنامها وتقلد ليعلم أنها هدى، وهو قول أبي عبيدة قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله  ﴾ وهذا عندي ضعيف لأنه تعالى ذكر شعائر الله ثم عطف عليها الهدى، والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ الشهر الحرام ﴾ أي لا تحلو الشهر الحرام بالقتال فيه.

واعلم أن الشهر الحرام هو الشهر الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال فيه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ﴾ فقيل: هي ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فقوله: ﴿ وَلاَ الشهر الحرام ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس، ويجوز أن يكون المراد هو رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة في هده الصفة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ الهدى ﴾ قال الواحدي: الهدي ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، واحدها هدية بتسكين الدال، ويقال أيضاً هدية، وجمعها هدى.

قال الشاعر: حلفت برب مكة والمصلى *** وأعناق الهدى مقلدات ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ وقوله: ﴿ والهدى مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ القلائد ﴾ والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق العبير وغيره وهي مشهورة.

وفي التفسير وجوه: الأول: المراد منه الهدى ذوات القلائد، وعطفت على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدي كقوله: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً الثاني: أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلاً عن أن تحلوها، كما قال: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  ﴾ فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواضعها.

الثالث: قال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية مواظبين على المحاربة إلا في الأشهر الحرم، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب منه، إلا أن يكون مشعراً بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم، أو محرماً بعمرة إلى البيت، فحينئذٍ لا يتعرض له، فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى.

ثم قال: ﴿ وَلاَ آمينَ البيت الحرام ﴾ أي قوماً قاصدين المسجد الحرام، وقرأ عبد الله: ولا آمي البيت الحرام على الإضافة.

ثم قال تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حميد بن قيس الأعرج ﴿ تَبْتَغُونَ ﴾ بالتاء على خطاب المؤمنين.

المسألة الثانية: في تفسير الفضل والرضوان وجهان: الأول: يبتغون فضلاً من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم، كقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ  ﴾ قالوا: نزلت في تجاراتهم أيام الموسم، والمعنى: لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم، فابتغاء الفضل للدنيا، وابتغاء الرضوان للآخرة.

قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة.

والوجه الثاني: أن المراد بفضل الله الثواب، وبالرضوان أن يرضى عنهم، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما، فيجوز أن يوصف بذلك بناءً على ظنه، قال تعالى: ﴿ وانظر إلى إلهك  ﴾ وقال: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم  ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلف الناس فقال بعضهم: هذه الآية منسوخة، لأن قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام ﴾ يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام، وذلك منسوخ بقوله: ﴿ اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ قوله: ﴿ وَلاَ آمين البيتالحرام ﴾ يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ﴾ وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة.

وقال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية.

وقال قوم آخرون من المفسرين: هذه الآية غير منسوخة، وهؤلاء لهم طريقان: الأول: أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين، والدليل عليه أول الآية وآخرها، أما أول الآية فهو قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله ﴾ وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار، وأما آخر الآية فهو قوله: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا ﴾ وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ وفي مسائل: المسألة الأولى: قريء: وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل، وقريء بكسر الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء.

المسألة الثانية: هذه الآية متعلقة بقوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ  ﴾ يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام، فإذا زال الاحرام وجب أن يزول المنع.

المسألة الثالثة: ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد هاهنا إلا الإباحة.

وكذا في قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض  ﴾ ونظيره قول القائل: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر هاهنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: هذا معطوف على قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ آمين البيت الحرام ﴾ يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به.

وليس للناس أن يعين بعضهم بعضاً على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضاً على ما فيه البر والتقوى، فهذا هو المقصود في الآية.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف ﴿ جَرَمَ ﴾ يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد، وتارة إلى إثنين، تقول: جرم ذنباً نحو كسبه، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه، ويقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنباً، وعليه قراءة عبد الله ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ بضم الياء، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين.

والثاني: أن تعتدوا، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه.

المسألة الثالثة: الشنآن البغض، يقال: شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ.

ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها، ويقال: رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان، ويقال شنآن بغير صرف، وفعلان قد جاء وصفاً وقد جاء مصدراً.

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم النون الأولى، والباقون بالفتح.

قالوا: والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفاً.

قال الواحدي: ومما جاء مصدراً قولهم: لويته حقه ليانا، وشنان في قول أبي عبيدة.

وأنشد للأحوص: وإن عاب فيه ذو الشنان وفندا *** فقوله: ذو الشنان على التخفيف كقولهم: إني ظمان، وفلان ظمان، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها.

المسألة الخامسة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ إن صَدُّوكُمْ ﴾ بكسر الألف على الشرط والجزاء والباقون بفتح الألف، يعني لأن صدوكم.

قال محمد بن جرير الطبري: وهذه القراءة هي الاختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية، وكان هذا الصد متقدماً لا محالة على نزول هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ ﴾ والمراد منه التهديد والوعيد، يعني اتقوا الله ولا تستحلوا شيئاً من محارمه إن الله شديد العقاب، لا يطيق أحد عقابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الشعائر جمع شعيرة وهي اسم ما اشعر، أي جعل شعاراً وعلماً للنسك، من مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، والنحر.

والشهر الحرام: شهر الحج.

والهدي: ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك.

وهو جمع هدية، كما يقال جدي في جمع جدية السرج والقلائد: جمع قلادة، وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة، أو لحاء شجر، أوغيره.

وآمّو المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار.

وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغضب أو بالمنع من بلوغ محله.

وأما القلائد ففيها وجهان، أحدهما: أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي وهي البدن، وتعطف على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنهاأشرف الهدي، كقوله: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً.

والثاني: أن ينهي عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها، كما قال: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ [النور: 31] فنهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها ﴿ وَلآ ءَآمِّينَ ﴾ ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ﴾ وهو الثواب ﴿ وَرِضْوَاناً ﴾ وأن يرضى عنهم، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرض لمثلهم.

قيل: هي محكمة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» وقال الحسن: ليس فيها منسوخ.

وعن أبي ميسرة: فيها ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ.

وقيل: هي منسوخة.

وعن ابن عباس: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً، فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ [التوبة: 28] ، ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ [التوبة: 17] وقال مجاهد والشعبي: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ ﴾ نسخ بقوله: ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [النساء: 89] .

وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأنّ الحج يقربهم إلى الله، فوصفهم الله بظنهم.

وقرأ عبد الله: ﴿ ولا أمي البيت الحرام ﴾ ، على الإضافة.

وقرأ حميد بن قيس والأعرج: ﴿ تبتغون ﴾ ، بالتاء على خطاب المؤمنين ﴿ فاصطادوا ﴾ إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا.

وقرئ بكسر الفاء.

وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء.

وقرئ: ﴿ وإذا أحللتم ﴾ ، يقال حلّ المحرم وأحلّ.

(جرم) يجري مجرى (كسب) في تعديه إلى مفعول واحد واثنين.

تقول: جرم ذنباً، نحو كسبه.

وجرمته ذنباً، نحو كسبته إياه.

ويقال: أجرمته ذنباً، على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنباً.

وعليه قراءة عبد الله: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بضم الياء، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني: ﴿ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ .

و ﴿ أَن صَدُّوكُمْ ﴾ بفتح الهمزة، متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن: شدة البغض.

وقرئ بسكون النون.

والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدّوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه.

وقرئ: ﴿ إن صدّوكم ﴾ ، على (إن) الشرطية.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ إن يصدوكم ﴾ .

ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء ﴿ ولا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي.

ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوى وكلّ إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مَناسِكَ الحَجِّ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي اسْمُ ما أشْعَرَ أيْ جُعِلَ شِعارًا سَمّى بِهِ أعْمالَ الحَجِّ ومَواقِفَهُ لِأنَّها عَلاماتُ الحَجِّ وأعْلامُ النُّسُكِ.

وقِيلَ دِينُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ أيْ دِينَهُ.

وقِيلَ فَرائِضُهُ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ.

﴿ وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ بِالقِتالِ فِيهِ أوْ بِالنَّسِيءِ.

﴿ وَلا الهَدْيَ ﴾ ما أُهْدِيَ إلى الكَعْبَةِ، جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَجَدْيٍ في جَمْعِ جَدِيَّةِ السَّرْحِ.

﴿ وَلا القَلائِدَ ﴾ أيْ ذَواتَ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وعَطَفَها عَلى الهَدْيِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ، أوِ القَلائِدُ أنْفَسُها والنَّهْيُ عَنْ إحْلالِها مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ والقَلائِدُ جَمْعُ قِلادَةٍ وَهِيَ ما قُلِّدَ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ لِحاءِ شَجَرٍ أوْ غَيْرِهِما لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ هَدْيٌ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ.

﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ قاصِدِينَ لِزِيارَتِهِ.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ أنْ يُثِيبَهم ويَرْضى عَنْهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في آمِّينَ ولَيْسَتْ صِفَةً لَهُ، لِأنَّهُ عامِلٌ والمُخْتارُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ المَوْصُوفِ لا يَعْمَلُ، وفائِدَتُهُ اسْتِنْكارُ تَعَرُّضِ مَن هَذا شَأْنُهُ والتَّنْبِيهُ عَلى المانِعِ لَهُ.

وقِيلَ مَعْناهُ يَبْتَغُونَ مِنَ اللَّهِ رِزْقًا بِالتِّجارَةِ ورِضْوانًا بِزَعْمِهِمْ إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَ القَضِيَّةِ في حُجّاجِ اليَمامَةِ لَمّا هَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمُ الحُطَيْمُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وكانَ قَدِ اسْتاقَ سَرْحَ المَدِينَةِ وعَلى هَذا فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ.

وقُرِئَ «تَبْتَغُونَ» عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ إذْنٌ في الِاصْطِيادِ بَعْدَ زَوالِ الإحْرامِ ولا يَلْزَمُ مِن إرادَةِ الإباحَةِ هاهُنا مِنَ الأمْرِ دَلالَةُ الأمْرِ الآتِي بَعْدَ الحَظْرِ عَلى الإباحَةِ مُطْلَقًا.

وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلَيْها وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.

وقُرِئَ «أحْلَلْتُمْ» يُقالُ حَلَّ المُحْرِمُ وأحَلَّ، ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ لا يَحْمِلَنَّكم أوْ لا يَكْسِبَنَّكم.

﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ شِدَّةُ بُغْضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ النُّونِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كَلَيّانِ أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى: بَغِيضُ قَوْمٍ وفِعْلانُ في النَّعْتِ أكْثَرُ كَعَطْشانَ وسَكْرانَ.

﴿ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ لِأنْ صَدُّوكم عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ أغْنى عَنْ جَوابِهِ لا يَجْرِمَنَّكم.

أنْ تَعْتَدُوا بِالِانْتِقامِ، وهو ثانِي مَفْعُولَيْ يَجْرِمَنَّكم فَإنَّهُ يُعَدّى إلى واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ كَكَسِبَ.

ومَن قَرَأ يُجْرِمَنَّكم بِضَمِّ الياءِ جَعَلَهُ مَنقُولًا مِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ.

﴿ وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ ومُتابَعَةِ الأمْرِ ومُجانَبَةِ الهَوى.

﴿ وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ لِلتَّشَفِّي والِانْتِقامِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ فانْتِقامُهُ أشَدُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله} جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الاحرم والطواف والسعي والحلق والنحر {وَلاَ الشهر الحرام} أي أشهر الحج {وَلاَ الهدى} وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية {وَلاَ القلائد} جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء الشجر أو غيره {ولا آمين البيت الحرام} ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار وإحلال هذه الأشياء أن يتهاونوا بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لانها أشرف الهدى كقوله وجبريل وميكال كأنه قيل والقلائد منها خصوصاً وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال وَلاَ يبدين زينتهن فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها {يَبْتَغُونَ} حال من الضمير في آمين {فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ} أي ثواباً {ورضوانا} وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} خرجتم من الإحرام {فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله غير محلي الصيد وأنتم حرم {ولا يجرمنكم شنآن قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ} جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين تقوم جرم ذنباً نحو

كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني أن تعتدوا وأن صدوكم متعلق بالشنآن بمعنى العلة وهو شدة البغض وبسكون النون شامي وأبو بكر والمعنى ولا يكسبدنكم بعض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه إن صدوكم على الشرط مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو لا يجرمنكم ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى} على العفو والاغضاء

المائدة (٢ _ ٣)

{وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} على الانتقام والتشفي أو البر فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ولك إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار {واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن عصاه وما اتقاه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حُرْمَةَ إحْلالِ الحَرَمِ الَّذِي هو مِن شَعائِرِ الحَجِّ عَقَّبَ - جَلَّ شَأْنُهُ - بِبَيانِ إحْلالِ سائِرِ الشَّعائِرِ، وهو جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي اسْمٌ لِما أُشْعِرَ أيْ: جُعِلَ شِعارًا وعَلامَةً لِلنُّسُكِ مِن مَواقِفِ الحَجِّ، ومَرامِي الجِمارِ، والطَّوافِ والمَسْعى، والأفْعالِ الَّتِي هي عَلاماتُ الحاجِّ يُعْرَفُ بِها مِنَ الإحْرامِ، والطَّوافِ، والَسَّعْيِ، والحَلْقِ، والنَّحْرِ، وإضافَتُها إلى اللَّهِ تَعالى لِتَشْرِيفِها، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في إحْلالِها، والمُرادُ مِنهُ التَّهاوُنُ بِحُرْمَتِها، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَكِّسِينَ بِها.

ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ فَسَّرَ الشَّعائِرَ بِمَعالِمِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ ونَهْيِهِ وفَرْضِهِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِها العَلاماتُ المَنصُوبَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ، ومَعْنى إحْلالُها عِنْدَهُ مُجاوَزَتُها إلى مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ، وقِيلَ: هي الصَّفا والمَرْوَةُ، والهَدْيُ مِنَ البُدْنِ وغَيْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

﴿ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِأنْ تُقاتِلُوا فِيهِ أعْداءَكم مِنَ المُشْرِكِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، أوْ بِالنَّسِيءِ كَما نُقِلَ عَنِ القُتَيْبِيِّ، والأوَّلُ هو الأوْلى بِحالِ المُؤْمِنِينَ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فَقِيلَ: ( رَجَبٌ ) وقِيلَ: ذُو القَعْدَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ والبَلْخِيُّ، وإفْرادُهُ لِإرادَةِ الجِنْسِ.

﴿ ولا الهَدْيَ ﴾ بِأنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بِالغَضْبِ أوْ بِالمَنعِ مِن أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، والمُرادُ بِهِ ما يُهْدى إلى الكَعْبَةِ مِن إبِلٍ، أوْ بَقَرٍ، أوْ شاءٍ، وهو جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وهي ما يُحْشى تَحْتَ السَّرْجِ والرَّحْلِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى دُخُولِهِ في الشَّعائِرِ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعًا لِلنّاسِ؛ ولِأنَّهُ مالِيٌّ قَدْ يُتَساهَلُ فِيهِ، وتَعْظِيمًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مِن أعَظَمِها.

﴿ ولا القَلائِدَ ﴾ جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما يُقَلَّدُ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ أوْ لِحاءِ شَجَرٍ أوْ غَيْرِهِما؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ هَدْيٌ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَواتِ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وهي البُدْنُ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَها واعْتِناءً بِها، أوِ التَّعَرُّضُ لِنَفْسِ القَلائِدِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَواتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ فَإنَّهُنَّ إذا نُهِينَ عَنْ إظْهارِ الزِّينَةِ كالخَلْخالِ والسُّوارِ عُلِمَ النَّهْيُ عَنْ إبْداءِ مَحَلِّها بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

ونُقِلَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ إحْلالِ نَفْسِ القَلائِدِ، وإيجابُ التَّصَدُّقِ بِها إنْ كانَتْ لَها قِيمَةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ مِنَ القَلائِدِ أصْحابُ الهَدْيِ، فَإنَّ العَرَبَ كانُوا يُقَلِّدُونَ مِن لِحاءِ شَجَرِ مَكَّةَ، يُقِيمُ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ حَتّى إذا انْقَضَتِ الأشْهُرُ الحُرُمُ وأرادَ أنْ يَرْجِعَ إلى أهْلِهِ قَلَّدَ نَفْسَهُ وناقَتَهُ مِن لِحاءِ الشَّجَرِ، فَيَأْمَنُ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ.

وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحَرَمِ كانُوا يَتَقَلَّدُونَ بِلِحاءِ الشَّجَرِ، وغَيْرُ أهْلِ الحَرَمِ كانُوا يَتَقَلَّدُونَ بِالصُّوفِ والشَّعَرِ وغَيْرِهِما، وعَنِ الرَّبِيعِ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْزِعُوا شَيْئًا مِن شَجَرِ الحَرَمِ يُقَلِّدُونَ بِهِ، كَما كانَ المُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَهُ في جاهِلِيَّتِهِمْ.

﴿ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ أيْ: ولا تُحِلُّوا أقْوامًا قاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ، بِأنْ تَصُدُّوهم عَنْهُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ أيْ: قِتالَ قَوْمٍ أوْ أذى قَوْمٍ ( آمِّينَ ).

وقُرِئَ: ( ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ ) بِالإضافَةِ، و( البَيْتَ ) مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ، ووَجْهُ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ فِيهِ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( آمِّينَ )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وضُعِّفَ بِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ المَوْصُوفِ لا يَعْمَلُ لِضَعْفِ شَبَهِهِ بِالفِعْلِ الَّذِي عَمِلَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِيَّةَ تُبْعِدُ الشَّبَهَ بِأنَّها مِن خَواصِّ الأسْماءِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ إنَّما يُمْنَعُ مِنَ العَمَلِ إذا تَقَدَّمَ المَعْمُولُ، فَلَوْ تَأخَّرَ لَمْ يُمْنَعْ لِمَجِيئِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِن مُقْتَضاهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ صاحِبُ اللُّبِّ وغَيْرُهُ.

وتَنْكِيرُ ( فَضْلًا ) و( رِضْوانًا ) لِلتَّفْخِيمِ، و( مِن رَبِّهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ العَمَلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( فَضْلًا ) مُغْنِيَةً عَنْ وصْفِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِها أيْ: فَضْلًا كائِنًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَشْرِيفِهِمْ، والإشْعارِ بِحُصُولِ مُبْتَغاهُمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُسْلِمُونَ خاصَّةً، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ.

وفِي الجُمْلَةِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ النَّهْيِ، واسْتِنْكارِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرامٌ مُطْلَقًا سَواءٌ كانُوا ( آمِّينَ ) أمْ لا، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الإحْلالِ، ولِذا قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآمِّينَ هُمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ حِينَئِذٍ الرِّبْحُ في تِجارَتِهِمْ، ومِنَ الرِّضْوانِ ما في زَعْمِهِمْ، ويَجُوزُ إبْقاءُ الفَضْلِ عَلى ظاهِرِهِ إذا أُرِيدَ ما في الزَّعْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ لَمّا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى ما هو في نَفْسِ الأمْرِ كانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ - كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ - «فِي رَجُلٍ مَن بَنِي رَبِيعَةَ، يُقالُ لَهُ: الحُطَيْمُ بْنُ هِنْدَ، وذَلِكَ أنَّهُ أتى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ وخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَ المَدِينَةِ، فَقالَ: إلى مَهْ تَدْعُو النّاسَ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ» فَقالَ: حَسَنٌ، إلّا أنَّ لِي أُمَراءَ لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُمْ، ولَعَلِّي أُسْلِمُ وآتِي بِهِمْ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأصْحابِهِ: «يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ» ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَلَمّا خَرَجَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ وخَرَجَ بِعُقْبى غادِرٍ، وما الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ» فَمَرَّ بِسَرْحِ المَدِينَةِ فاسْتاقَهُ، وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ: قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ولا بِخَوّارٍ عَلى ظَهْرِ قُطَمْ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمِ ∗∗∗ مُدَمْلَجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ فَطَلَبَهُ المُسْلِمُونَ فَعَجَزُوا، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عامَ قَضاءِ العُمْرَةِ الَّتِي أُحْصِرَ عَنْها سَمِعَ تَلْبِيَةَ حُجّاجِ اليَمامَةِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هَذا الحُطَيْمُ وأصْحابُهُ فَدُونَكُمُوهُ» وكانَ قَدْ قَلَّدَ ما نَهَبَ مِنَ السَّرْحِ وجَعَلَهُ هَدْيًا، فَلَمّا تَوَجَّهُوا لِذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَكَفُّوا».

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ في فَوارِسَ يَؤُمُّونَ البَيْتَ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُهِلُّونَ بِعُمْرَةٍ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِثْلُ هَؤُلاءِ دَعْنا نُغِرْ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الآيَةَ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الآمِّينَ المُشْرِكُونَ في النَّسْخِ وعَدَمِهِ، فَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ لا نَسْخَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبْتَدَأ المُشْرِكُونَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ بِالقِتالِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في القِتالِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ما في حَيِّزِ التَّعْلِيمِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا ﴾ وقِيلَ: بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: بِهِما، وقِيلَ: لَمْ يُنْسَخْ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلّا القَلائِدُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالآمِّينَ ما يَعُمُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ، والنَّسْخُ حِينَئِذٍ في حَقِّ المُشْرِكِينَ خاصَّةً.

وبَعْضُ الأئِمَّةِ يُسَمِّي مِثْلَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا، كَما حُقِّقَ في الأُصُولِ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن تَفْسِيرِ الفَضْلِ والرِّضْوانِ بِما يُناسِبُ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الأعْرَجُ ( تَبْتَغُونَ ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، والجُمْلَةُ عَلى ذَلِكَ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ( تُحِلُّوا ) عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ مُنافاةِ حالِهِمْ هَذِهِ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، لا تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ خِطابُ المُؤْمِنِينَ لَكانَ المُناسِبُ ( مِن رَبِّكم ورَبِّهِمْ ) وأُجِيبَ بِأنَّ تَرْكَ التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ لِلتَّخْوِيفِ بِأنَّ رَبَّهم يَحْمِيهِمْ ولا يَرْضى بِما فَعَلُوهُ، وفِيهِ بَلاغَةٌ لا تَخْفى، وإشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى رَبُّ العالَمِينَ لا المُسْلِمِينَ فَقَطْ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ إضافَةَ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ ( آمِّينَ ) عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِلْإيماءِ إلى اقْتِصارِ التَّشْرِيفِ عَلَيْهِمْ وحِرْمانِ المُخاطَبِينَ عَنْهُ، وعَنْ نَيْلِ المُبْتَغى، وفي ذَلِكَ مِن تَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِهِ، والمُبالَغَةِ في اسْتِنْكارِ المَنهِيِّ عَنْهُ ما لا يَخْفى.

﴿ وإذا حَلَلْتُمْ ﴾ مِنَ الإحْرامِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴿ فاصْطادُوا ﴾ أيْ: فَلا جُناحَ عَلَيْكم بِالِاصْطِيادِ لِزَوالِ المانِعِ، فالأمْرُ لِلْإباحَةِ بَعْدَ الحَظْرِ، ومِثْلُهُ: لا تَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدّارَ حَتّى تُؤَدِّيَ ثَمَنَها، فَإذا أدَّيْتَ فادْخُلْها، أيْ: إذا أدَّيْتَ أُبِيحَ لَكَ دُخُولُها، وإلى كَوْنِ الأمْرِ لِلْإباحَةِ بَعْدَ الحَظْرِ ذَهَبَ كَثِيرٌ.

وقالَ صاحِبُ القَواطِعِ: إنَّهُ ظاهِرُ كَلامِ الشّافِعِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ، ونَقَلَهُ ابْنُ بُرْهانٍ عَنْ أكْثَرِ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأنَّ سَبْقَ الحَظْرِ قَرِينَةٌ صارِفَةٌ، وهو أحَدُ ثَلاثَةِ مَذاهِبَ في المَسْألَةِ.

ثانِيها أنَّهُ لِلْوُجُوبِ؛ لِأنَّ الصِّيغَةَ تَقْتَضِيهِ، ووُرُودُهُ بَعْدَ الحَظْرِ لا تَأْثِيرَ لَهُ، وهو اخْتِيارُ القاضِي أبِي الطَّيِّبِ، والشَّيْخِ أبِي إسْحاقَ، والسَّمْعانِيِّ، والإمامِ في المَحْصُولِ، ونَقَلَهُ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الإسْفَرايِنِيُّ في كِتابِهِ عَنْ أكْثَرِ الشّافِعِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلُ كافَّةِ الفُقَهاءِ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ.

وثالِثُها الوَقْفُ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُ إمامِ الحَرَمَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ أبْطَلَ الوَقْفَ في لَفْظِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ حَظْرٍ، ولا يَبْعُدُ - عَلى ما قالَهُ الزَّرْكَشِيُّ - أنْ يُقالَ هُنا بِرُجُوعِ الحالِ إلى ما كانَ قَبْلُ، كَما قِيلَ في مَسْألَةِ النَّهْيِ الوارِدِ بَعْدَ الوُجُوبِ.

ومَن قالَ: إنْ حَقِيقَةَ الأمْرِ المَذْكُورِ لِلْإيجابِ قالَ إنَّهُ مُبالَغَةٌ في صِحَّةِ المُباحِ، حَتّى كَأنَّهُ واجِبٌ، وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ في مِثْلِهِ لِوُجُوبِ اعْتِقادِ الحِلِّ فَيَكُونُ التَّجَوُّزُ في المادَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اعْتَقِدُوا حِلَّ الصَّيْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقُرِئَ ( أحْلَلْتُمْ ) وهو لُغَةٌ في حَلَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قُرِئَ ﴿ فاصْطادُوا ﴾ بِكَسْرِ الفاءِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلَيْها، وضُعِّفَتْ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ؛ بِأنَّ النَّقْلَ إلى المُتَحَرِّكِ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِكَسْرَةٍ مَحْضَةٍ، بَلْ أمالَ لِإمالَةِ الطّاءِ، وإنْ كانَتْ مِنَ المُسْتَعْلِيَةِ.

﴿ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكُمْ، كَما فَسَّرَهُ بِهِ قَتادَةُ، ونُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ والكِسائِيِّ وغَيْرِهِما، وأنْشَدُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ تَغْضَبا فَجَرَمَ عَلى هَذا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِـ( عَلى ) وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى لا يَكْسِبَنَّكُمْ، وجَرَمَ جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المَعْنى والتَّعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا نَحْوُ كَسَبَهُ، وجَرَمْتُهُ ذَنْبًا نَحْوُ كَسَبْتُهُ إيّاهُ، خَلا أنَّ ( جَرَمَ ) يُسْتَعْمَلُ غالِبًا في كَسْبِ ما لا خَيْرَ فِيهِ، وهو السَّبَبُ في إيثارِهِ ها هُنا عَلى الثّانِي، ومِنهُ الجَرِيمَةُ، وأصْلُ مادَّتِهِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعْنى القَطْعِ؛ لِأنَّ الكاسِبَ يَنْقَطِعُ لِكَسْبِهِ، وقَدْ يُقالُ: أجْرَمَتْهُ ذَنْبًا عَلى نَقْلِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما يُقالُ: أكْسَبْتُهُ ذَنَبًا، وعَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ( لا يُجْرِمَنَّكم ) بِضَمِّ الياءِ ( شَنِئانِ قَوْم ) بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ بِسُكُونِها.

وفِيهِما احْتِمالانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ بِمَعْنى البُغْضِ أوْ شِدَّتِهِ شُذُوذًا؛ لِأنَّ ( فَعَلانَ ) بِالفَتْحِ مَصْدَرُ ما يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ كَجَوَلانٍ، ولا يَكُونُ لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ كَما قالَ: سْ، وهَذا مُتَعَدٍّ إذْ يُقالُ: شَنِئْتُهُ، ولا دَلالَةَ عَلى الحَرَكَةِ إلّا عَلى بُعْدٍ، وفِعْلانُ بِالسُّكُونِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ: لَوَيْتُهُ لِيانًا بِمَعْنى مَطَلْتُهُ.

والثّانِي أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لِأنَّ ( فِعْلانِ ) في الصِّفاتِ كَثِيرٌ كَسَكْرانٍ، وبِالفَتْحِ ورَدَ فِيها قَلِيلًا كَحِمارٍ قَطَوانَ عَسِرِ السَّيْرِ، وتَيْسٍ عَدَوانَ كَثِيرِ العَدْوِ، فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فالظّاهِرُ أنَّ إضافَتَهُ إلى المَفْعُولِ أيْ: تُبْغِضُوا قَوْمًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إلى الفاعِلِ، أيْ: أنْ يُبْغِضَكم قَوْمٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ كَما في البَحْرِ، وإنْ كانَ وصْفًا فَهو بِمَعْنى بَغِيضٍ، وإضافَتُهُ بَيانِيَّةٌ، ولَيْسَ مُضافًا إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ كالمَصْدَرِ، أيِ البَغِيضُ مِن بَيْنِهِمْ.

﴿ أنْ صَدُّوكُمْ ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلشَّنَآنِ أيْ: لِأنْ صَدُّوكم عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ ( أنْ ) شَرْطِيَّةٌ، وما قَبْلَها دَلِيلُ الجَوابِ، أوِ الجَوابُ عَلى القَوْلِ المَرْجُوحِ بِجَوازِ تَقَدُّمِهِ، وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لا صَدَّ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى أنَّ الصَّدَّ السّابِقَ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ وُقُوعُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ ( إنْ كانُوا قَدْ صَدُّوكم ) وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ ( يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم ) بَعْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وقُوَّتِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الصَّدِّ السّابِقِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ﴿ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أيْ: عَنْ زِيارَتِهِ والطَّوافِ بِهِ لِلْعُمْرَةِ، وهَذِهِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ في عُمُومِ ( آمِّينَ ) لِلْمُشْرِكِينَ قَطْعًا، وجَعَلَها البَعْضُ دَلِيلًا عَلى تَخْصِيصِهِ بِهِمْ ( أنْ تَعْتَدُوا ) أيْ: عَلَيْهِمْ، وحُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى الظُّهُورِ، وإيماءً إلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مَنعُ صُدُورِ الِاعْتِداءِ مِنَ المُخاطَبِينَ مُحافَظَةً عَلى تَعْظِيمِ الشَّعائِرِ لا مَنعَ وُقُوعِهِ عَلى القَوْمِ مُراعاةً لِجانِبِهِمْ، وأنَّ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ: عَلى أنْ تَعْتَدُوا، والمَحَلُّ بَعْدَهُ إمّا جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى المَذْهَبَيْنِ، أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ لِصَدِّهِمْ إيّاكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى اعْتِدائِكم عَلَيْهِمْ وانْتِقامِكم مِنهم لِلتَّشَفِّي، أوْ لا حَذْفَ، والمُنْسَبِكُ ثانِي مَفْعُولَيْ ( يَجْرِمَنَّكم ) أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم ذَلِكَ اعْتِداؤُكُمْ، وهَذا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ - نَهْيًا لِلشَّنَآنِ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهم عَنِ الِاعْتِداءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويُقالُ: لا أرَيْنَكَ ها هُنا، والمَقْصُودُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَلى الحُضُورِ.

ووَجَّهَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ الِاعْتِراضَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ بَيْنَ ما تَقَدَّمَ وبَيْنَ هَذا النَّهْيِ المُتَعَلِّقِ بِهِ؛ لِيَكُونَ إشارَةً وإدْماجًا إلى أنَّ القاصِدِينَ ما دامُوا مُحْرِمِينَ لا مُبْتَغِينَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ كانُوا كالصَّيْدِ عِنْدَ الحَرَمِ فَلا تَتَعَرَّضُوهُمْ، وإذا حَلَلْتُمْ أنْتُمْ وهم فَشَأْنُكم وإيّاهُمْ؛ لِأنَّهم صارُوا كالصَّيْدِ المُباحِ أُبِيحَ لَكم تَعَرُّضُهم حِينَئِذٍ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ حُرْمَةَ الِاعْتِداءِ لا تَنْتَهِي بِالخُرُوجِ عَنِ الإحْرامِ كانْتِهاءِ حُرْمَةِ الِاصْطِيادِ بِهِ، بَلْ هي باقِيَةٌ ما لَمْ تَنْقَطِعْ عَلاقَتُهم عَنِ الشَّعائِرِ بِالكُلِّيَّةِ، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ بَقاءُ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِسائِرِ الآمِّينِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ولَعَلَّهُ الأوْلى.

﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ عَطْفٌ عَلى ( ولا يَجْرِمَنَّكم ) مِن حَيْثُ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدُوا عَلى قاصِدِي المَسْجِدِ الحَرامِ لِأجْلِ أنْ صُدِدْتُمْ عَنْهُ، وتَعاوَنُوا عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو اسْتِئْنافُ، والوَقْفُ عَلى ( أنْ تَعْتَدُوا ) لازِمٌ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المُرادَ بِالبِرِّ مُتابَعَةُ الأمْرِ مُطْلَقًا، وبِالتَّقْوى اجْتِنابُ الهَوى، لِتَصِيرَ الآيَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ، وتَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ، فَيَدْخُلُ في البِرِّ والتَّقْوى جَمِيعُ مَناسِكِ الحَجِّ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ويَدْخُلُ العَفْوُ والإغْضاءُ أيْضًا دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى العُمُومِ أيْضًا حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ فَيَعُمُّ النَّهْيُ كُلَّ ما هو مِن مَقُولَةِ الظُّلْمِ والمُعاصِي، ويَنْدَرِجُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّعاوُنِ عَلى الِاعْتِداءِ والِانْتِقامِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأبِي العالِيَةِ أنَّهُما فَسَّرا الإثْمَ بِتَرْكِ ما أمَرَهم بِهِ وارْتِكابِ ما نَهاهم عَنْهُ، والعُدْوانَ بِمُجاوَزَةِ ما حَدَّهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ في دِينِهِمْ، وفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وقُدِّمَتِ التَّحْلِيَةُ عَلى التَّخْلِيَةِ مُسارَعَةً إلى إيجابِ ما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أمْرٌ بِالِاتِّقاءِ في جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ ما ذُكِرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ويَثْبُتُ وُجُوبُ الِاتِّقاءِ فِيها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.

﴿ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِمَن لا يَتَّقِيهِ، وهَذا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مدنية وهي مائة وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه  حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة  ا، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟

فقلت: نعم.

قالت: فإنها من آخر ما أنزل الله على نبيه، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.

وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة غير قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [سورة المائدة: 2] الآية.

وقال بعضهم: نسخ منها قوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [سورة: 106] قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهذا نداء المدح، والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح، مثل قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أَيُّهَا الرُّسُلُ.

ونداء الذم، مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا [سورة الجمعة: 6] .

ونداء التنبيه، مثل قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ.

ونداء الإضافة، مثل قوله يا عِبادِيَ ونداء النسبة، مثل قوله: يا بَنِي آدَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ.

ونداء الاسم: مثل قوله يا إِبْراهِيمُ يا داوُدُ.

ونداء التعبير، مثل قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ فهاهنا نداء المدح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو من جوامع الكلم، لأنه قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد  وبالقرآن، وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث، والحساب، والجنة، والنار.

وقال عبد الله بن مسعود: كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنه خير مأمور به أو شر منهي عنه، ويقال: جميع ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزل بالمدينة، وكل ما يقال في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضاً.

ويقال: كلّ ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكر في مقابله في الإنجيل يا أيها المساكين.

ثم قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم أن يوفوا بها.

وقال مقاتل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين.

ويقال: جميع العقود التي بينه وبين الناس، والتي بينه وبين الله تعالى.

وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عبادة من الأوامر والنواهي.

والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين الله تعالى من النذور والأيمان، وغير ذلك.

والنوع الثالث: العقود التي بينه وبين الناس، مثل البيوع والإجارات وغير ذلك.

فوجب الوفاء بهذه العقود كلها.

ثم قال: أُحِلَّتْ لَكُمْ يعني رخصت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [سورة الأنعام: 142] ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وأما البهيمة فهي كل حيّ لا يتميز، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز.

ثم قال: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: رخصت لكم الأنعام كلها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة والبحيرة، فأخبر الله تعالى أنهما حلالان إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني إلا ما بين في هذه السورة.

ثم قال: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني: أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ يعني يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، لأنه أعرف بصلاح خلقه وما يصلحهم وما لا يصلحهم، وليس لأحد أن يدخل في حكمه.

وهذا كقوله وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [سورة الكهف: 26] وقال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [سورة الأنبياء: 23] .

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الشعائر ما جعل الله علامات الطاعات، واحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئاً من ترك المناسك كلها مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، والخروج إلى عرفات، ورمي الجمار، والطواف، واستلام الحجر وغير ذلك.

وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئاً من أمور المناسك.

ثم قال: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا.

وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فيأمن بذلك، فإذا رجع من مكة جعل شيئاً من لحاء شجر مكة في عنق راحلته، فيأمن بذلك ليعرف أنه كان حاجاً، فأمرهم الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له.

ثم قال تعالى وَلَا آمِّينَ يقول: ولا تستحلوا قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ نزلت في «شُرَيْح بن ضُبَيْعة بن شُرَحْبِيل اليماني» دخل على النبيّ  وكلمه، فلما خرج من عنده مَرَّ بسرح لأهل المدينة فساقها، وانتهى إلى اليمامة ثم خرج من هناك نحو مكة ومعه تجارة عظيمة، فهمَّ أصحاب رسول الله  بأن يخرجوا إليه ويغيروا على أمواله، فنزل وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الربح في المال وَرِضْواناً يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا.

ثم نسخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5] ولم ينسخ قوله لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولكنه محكم، فوجب إتمام أمور المناسك، ولهذا قال أصحابنا: إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده، فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك، ثم عليه القضاء في السنة الثانية.

ونسخ قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [سورة التوبة: 36] وقوله تعالى وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ فهو محكم أيضاً، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي وتوجه إلى مكة ونوى الإحرام صار محرماً، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية.

فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة، فإن قيل: قد قال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلاً؟

قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بيّن النهي عن التعرص للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافراً فقد بيّن في آية أخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر هاهنا وهو قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [سورة المائدة: 5] وقال: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا يعني إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [سورة الجمعة: 10] وكقوله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [سورة البقرة: 187] الآية.

وقال الضحاك وَإِذا حَلَلْتُمْ يعني إذا خرجتم من إحرامكم وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا.

ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار مكة أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا على حجاج اليمامة من المشركين فتستحلوا منهم.

وفي الآية دليل أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به، وتكون تلك المكافأة اعتداء لأن الله تعالى قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يعني بغض قوم وعداوتهم أَنْ تَعْتَدُوا يعني تجاوزوا الحد في المكافأة.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر شَنَآنُ بجزم النون.

وقرأ الباقون شَنَآنُ بالنصب.

وقال القتبي: لا يقال في المصادر فعلان، وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان مثل طيران ولهفان وشنآن.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ صَدُّوكُمْ بكسر الألف على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.

ثم قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: تعانوا على أمر الله واعملوا به.

وروى ابن عباس: البرُّ ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثُّوا على أمر الله واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا عنه.

وهذا موافق لما روي عن رسول الله  أنه قال: «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» .

وقد قيل: الدالُّ على الشر كصانعه.

ثم قال: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في السبيل كقوله فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [سورة البقرة: 193] وكقوله فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [سورة القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم كقوله فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المجادلة: 9] وكقوله وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة، وصارت الآية عامة في جميع الناس.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم به إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب.

قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة فهو حرام، إلا الجراد والسمك، فقد أباحهما على لسان رسول الله  حيث قال: «أُحِلَّتْ لَنَا السَّمَكُ والجَرَادُ وَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١) قال القتبي: أصل الذكاة من التوقد، يقال ذكيت النار إذا ألقيت عليها شيئاً من الحطب، وإنما سميت الذكية ذكية لأنها صارت بحال ينتفع بها.

وقال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء.

وقوله: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ يعني ما أدركتم ذبحه على التمام.

ثم قال: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال القتبي: النصب هو حجر أو صنم منصوب، كانوا يذبحون عنده وجمعه أنصاب، ويقال: كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم.

ثم قال: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ والأزلام القداح، واحدها زلم على ميزان قلم وأقلام، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزوراً، وجعلوا لحمه على تسعة أجزاء، وأعطى كل واحد منهم سهماً من سهامه، فجمعوا السهام عند واحد منهم أو شيء من الأحجار، ثم يخرج هذا الرجل واحداً واحداً من السهام، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءاً من ذلك اللحم، فإذا خرج تسعة من السهام لا يبقى شيء من اللحم، ولا يكون للذي بقي اسمه آخراً شيء من اللحم، وكان ثمن الجزور كله عليه.

وكان نوع آخر أنهم كانوا يجعلون عشرة من القداح، وكان لكل واحد منها سهم، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم، وهو السفيح والمنيح والوغد، وكان للسبعة لكل سهم نصيب وهو: القذ، والتوأم، والرقيب، والمعلى، والحلس، والناقس، والمسبل.

ويقال: كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح، في واحد منها مكتوب أمرني ربي، وفي الآخر نهاني ربي، فيخرج أحدهما، فإن خرج باسمه أمرني ربي وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف، وإن خرج الآخر لا يسعه الخروج، فنهى الله تعالى عن ذلك كله بقوله: ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني هذه الأفعال معصية وضلالة واستحلالها كفر.

قم قال: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني كفار العرب أن تعودوا كفاراً حين حج النبيّ  حجة الوداع وليس معهم مشرك.

وقال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك أن رسول الله  فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة سبع، ويقال: سنة ثمان.

ودخلها ونادى منادي رسول الله  : ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.

فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا.

قال الله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ يقول: فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم وناصركم وَاخْشَوْنِ في ترك أمري.

ثم قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني أتممت لكم شرائع دينكم، وذلك أن النبيّ  حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام، فنزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني دينكم، حلالكم وحرامكم.

وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال له يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.

فقال ابن عباس فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة، ويوم عرفة.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب: إنكم لتقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

فقال عمر: إني لأعلم حيث نزلت، وفي أي يوم نزلت، أنزلت بيوم عرفة ورسول الله  واقف بعرفة.

فإن قيل: في ظاهر هذه الآية دليل أن الدّين يزيد حيث قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

قيل له: ليس فيها دليل، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم، وليس فيها دليل أنه لم يكمل قبل ذلك.

ألا ترى أنه قال في سياق الآية وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك، ولكن معناه أنه قد أظهر وقرر، كما جاء في الخبر أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه، فأعتق رسول الله  اثنين منهم يعني أظهر عتقهما، وقرر ولم يرد به الابتداء.

وقال مجاهد: معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم وغلبة دينكم ونصرته.

وقال قتادة: معناه أخلص لكم دينكم.

ثم قال: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني منتي، فلم يحج معكم مشرك وَرَضِيتُ يعني اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وروي في الخبر أن النبيّ  عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ثم مضى لسبيله صلوات الله عليه.

وقال الزجاج: الْيَوْمَ صار نصباً للظرف، ومعناه اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

وقال معاذ بن جبل: النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة، فصار كأنه قال: رضيت لكم الجنة لأنه لا تكون النعمة تماماً حتى يضع قدميه فيها.

ثم رجع إلى أول الآية فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وذلك أنه لما بيّن المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى أكله، فأباح لهم أكله عند الضرورة فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ يعني: أجهد إلى شيء مما حرم الله تعالى عليه فِي مَخْمَصَةٍ يعني مجاعة، وأصل الخمص ضمور البطن ودقته، فإذا جاع فقد خمص بطنه.

ثم قال: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعني غير متعمد المعصية لأكله فوق الشبع، وأصل الجنف الميل.

وقال الزجاج: يعني غير متجاوز للحد، وغير آكل لها على وجه التلذذ فلا إثم عليه في أكله.

وقال أهل المدينة: المضطر يأكل حتى يشبع.

وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يأكل مقدار ما يأمن به الموت، وكذلك قال الشافعي.

ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: غفور فيما أكل، رحيم حين رَخَّص له في أكله عند الاضطرار.

قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون لاجتماع الساكنين، وقرأ الباقون بالضم.

(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم الحديث (5727) ج 2/ 415 بلفظ: «أحلت لنا ميتتان ودمان.

فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلّا في أجلاد.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: خطابٌ للمؤمنين حقًّا ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ: شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه «١» ، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ: قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ.

وقوله تعالى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: أي: لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ.

وقوله سبحانه: وَلَا الْهَدْيَ: أي: لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ «٢» عبَّاس.

وقال الجمهورُ: الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ: ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره أَمَنَةً لهم.

وقال ص: وَلَا الْقَلائِدَ: أي: ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل: بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ.

انتهى.

وقوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: أيْ: قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار المعنى: لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب «آية السَّيْف» بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] فكلُّ ما في هذه الآية ممّا يتصوّر في مسلم حاجّ، فهو

مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ.

وقوله سبحانه: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً، قال فيه جمهور المفسِّرين:

معناه: يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم لِتَنْبسطَ النفوسُ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ» .

وقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا: مجيءُ/ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل.

وقوله سبحانه: فَاصْطادُوا: أمرٌ، ومعناه الإباحةُ بإجماع.

وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ: معناه: كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم «١» ، والمعنى: متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ.

وقوله تعالى: شَنَآنُ قَوْمٍ: الشَّنَآنُ: هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ- بفتح النون-، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ كأنَّه قَالَ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان.

وقرأ أبو عمرو «٢» ، وابن كَثِيرٍ: «إنْ صَدُّوكُمْ» ، ومعناه: إنْ وقع مثل ذلك في

المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ.

ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم: هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى:

رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز.

قُلْتُ: قال أحمدُ بْنُ نصر الداوديّ: قال ابنُ عباس: البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه «١» .

انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور» ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» «٢» ، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث: وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ: «مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» «٣» ، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثاً.

ثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعّد توعّدا

مجملاً، قال النوويُّ: وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «١» : «أنّه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ؟

قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: استفت قَلْبَكَ البِرُّ: مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» «٢» حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني: ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم» ، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» «٣» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ شُرَيْحَ بْنَ ضَبِيعَةَ أتى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ: إلامَ تَدْعُو؟

فَقالَ: "إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ" فَقالَ: إنَّ لِي أُمَراءَ خَلْفِي أرْجِعُ إلَيْهِمْ أُشاوِرُهم، ثُمَّ خَرَجَ، فَقالَ: النَّبِيُّ  : "لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ وخَرَجَ بِعَقِبَيْ غادِرٍ، وما الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ"، فَمَرَّ شُرَيْحٌ بِسَرْحٍ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فاسْتاقَهُ، فَلَمّا كانَ عامُ الحُدَيْبِيَةِ، خَرَجَ شُرَيْحٌ إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، ومَعَهُ تِجارَةٌ، فَأرادَ أهْلُ السَّرْحِ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ كَما أغارَ عَلَيْهِمْ، فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُهُ الحُطَمُ ابْنُ هِنْدٍ البَكْرِيُّ.

قالَ: ولَمّا ساقَ السَّرْحَ جَعَلَ يَرْتَجِزُ: قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمِ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمِ ولا بِجَزّارِ عَلى ظَهْرِ وضَمْ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ ∗∗∗ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ والثّانِي: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ جاؤُوا يَؤُمُّونَ البَيْتَ يَوْمَ الفَتْحِ مُهِلِّينَ بِعُمْرَةٍ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لا نَدَعُ هَؤُلاءِ بَلْ نُغِيرُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وشَعائِرُ اللَّهِ: ما جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَمًا لِطاعَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ عامَّةُ العَرَبِ لا يَرَوْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنَ الشَّعائِرِ، ولا يَطُوفُونَ بَيْنَهُما، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لا تَسْتَحِلُّوا تَرْكَ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّها ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في حالِ الإحَرامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: حُدُودُ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ.

والخامِسُ: حَرَمُ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: الهَدايا المُشْعَرَةُ لِبَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

والسّابِعُ: أنَّها أعْلامُ الحَرَمِ، نَهاهم أنْ يَتَجاوَزُوها غَيْرَ مُحْرِمِينَ إذا أرادُوا دُخُولَ مَكَّةَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، والقاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُحِلُّوا القِتالَ فِيهِ.

وَفِي المُرادِ بِالشَّهْرِ الحَرامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ذُو القِعْدَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ يَقُومُ في سُوقِ عُكاظَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقُولُ: ألا إنِّي قَدْ أحْلَلْتُ كَذا، وحَرَّمْتُ كَذا.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَجَبٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

و "الهَدْيُ": كُلُّ ما أهْدِيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مِن شَيْءٍ.

وفي القَلائِدِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المُقَلَّداتُ مِنَ الهَدْيِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَ المُشْرِكُونَ يُقَلِّدُونَ بِهِ إبِلَهم وأنْفُسَهم في الجاهِلِيَّةِ، لِيَأْمَنُوا بِهِ عَدُّوَّهم، لِأنَّ الحَرْبَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ العَرَبِ إلّا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَمَن لَقُوهُ.

مُقَلِّدًا نَفْسَهُ، أوْ بَعِيرَهُ، أوْ مُشْعِرًا بَدَنَهُ، أوْ سائِقًا هَدْيًا لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مَن أرادَ أنْ يُسافِرَ في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، قَلَّدَ بَعِيرَهُ مِنَ الشَّعْرِ والوَبَرِ، فَيَأْمَنُ حَيْثُ ذَهَبَ.

ورَوى مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، فَيَأْمَنُونَ بِهِ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَّمُرِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ، وإذا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلادَةَ شَعْرٍ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ.

وَقالَ الفَرّاءُ: كانَ أهْلُ مَكَّةَ يُقَلِّدُونَ بِلِحاءِ الشَّجَرِ، وسائِرُ العَرَبِ يُقَلِّدُونَ بِالوَبَرِ والشَّعْرِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَسْتَحِلُّوا المُقَلَّداتِ مِنَ الهَدْيِ.

والثّانِي: لا تَسْتَحِلُّوا أصْحابَ القَلائِدِ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْزِعُوا شَيْئًا مِن شَجَرِ الحَرَمِ، فَيَتَقَلَّدُوهُ كَما كانَ المُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَ في جاهِلِيَّتِهِمْ، رَواهُ عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطاءٍ، وبِهِ قالَ مُطَرِّفٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ "الآمُّ": القاصِدُ، و ﴿ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ : الكَعْبَةُ، و "الفَضْلُ": الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، والرِّضْوانُ مِنَ اللَّهِ يَطْلُبُونَهُ في حَجِّهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ.

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي  ﴾ وقِيلَ: ابْتِغاءُ الفَضْلِ عامٌّ، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ: الإباحَةُ، نَظِيرُهُ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ  ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى إحْرامٍ مُتَقَدِّمٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ورَوى الوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ "يَجْرِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُّونِ، وتَخْفِيفِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَحْمِلَنَّكم، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُدْخِلَنَّكم في الجُرْمِ، كَما تَقُولُ: آثَمْتُهُ، أيْ: أدْخَلْتُهُ في الإثْمِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَكْسِبَنَّكم يُقالُ: فُلانٌ جارِمُ أهْلِهِ، أيْ: كاسِبُهم، وكَذَلِكَ جَرِيمَتُهم.

وقالَ الهُذَلِيُّ ووَصَفَ عُقابًا: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبًا والنّاهِضُ: فَرْخُها، يَقُولُ: هي تَكْسِبُ لَهُ، وتَأْتِيهِ بِقُوتِهِ.

و "الشَّنَآنُ": البُغْضُ، يُقالُ: شَنِئْتُهُ أشَنْؤُهُ: إذا أبْغَضْتُهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "الشَّنَآنُ": البُغْضُ، و "الشَّنْآنُ" بِتَسْكِينِ النُّونِ: البَغِيضُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في نُونِ الشَّنَآنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتَحْرِيكِها، وأسْكَنَها ابْنُ عامِرٍ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَحْرِيكَها، وأبُو بَكْرٍ عَنْهُ تَسْكِينَها، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْ نافِعٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الشَّنَآنُ"، قَدْ جاءَ وصْفًا، وقَدْ جاءَ اسْمًا، فَمَن حَرَّكَ، فَلِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ يَكْثُرُ عَلى فَعَلانِ، نَحْوُ النَّزَوانِ، ومَن سَكَّنَ، قالَ: هو مَصْدَرٌ، وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى فَعْلانِ، تَقُولُ: لَوَيْتُهُ دَيْنَهُ لَيّانًا، فالمَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ.

واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ صَدُّوكُمْ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، فَمَن فَتَحَ جَعَلَ الصَّدَّ ماضِيًا، فَيَكُونُ المَعْنى مِن أجْلِ أنْ صَدُّوكم، ومَن كَسَرَها، جَعَلَها لِلشَّرْطِ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُتَرَقَّبًا.

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: وقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ ماضِيًا مَعَ الكَسْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ  ﴾ وقَدْ كانَتِ السَّرِقَةُ عِنْدَهم قَدْ وقَعَتْ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ∗∗∗ ولَمْ تَجِدِي مِن أنْ تُقِرِّي بِها بُدّا [فانْتِفاءُ الوِلادَةِ أمْرٌ ماضٍ وقَدْ جَعَلَهُ جَزاءً، والجَزاءُ إنَّما يَكُونُ بِالمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنْ نَنْتَسِبْ لا تَجِدْنِي مَوْلُودَ لَئِيمَةٍ] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقِراءَةُ مَن فَتْحَ الألِفَ أبْيَنُ، لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ كانَ الصَّدُّ تَقَدَّمُ.

فَعَلى هَذا في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ولا يَحَمِلَنَّكم بُغْضُ أهْلِ مَكَّةَ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا فِيهِ، فَتُقاتِلُوهم، وتَأْخُذُوا أمْوالَهم إذا دَخَلْتُمُوهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَحَمِلَنَّكم بُغْضُ أهْلِ مَكَّةَ، وصَدُّهم إيّاكم أنْ تَعْتَدُوا بِإتْيانِ ما لا يَحِلُّ لَكم مِنَ الغارَةِ عَلى المُعْتَمِرِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، عَلى ما سَبَقَ في نُزُولِ الآيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيُعِنْ بَعْضُكم بَعْضًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البِرُّ ما أُمِرْتَ بِهِ، و"التَّقْوى": تَرَكُ ما نُهِيتَ عَنْهُ.

فَأمّا "الإثْمُ": فالمَعاصِي.

و "العُدْوانُ": التَّعَدِّي في حُدُودِ اللَّهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ما نُسِخَ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو مَيْسَرَةَ في آخَرِينَ: قالُوا: ولا يَجُوزُ اسْتِحْلالُ الشَّعائِرِ، ولا الهَدْيِ قَبْلَ أوانِ ذَبْحِهِ.

واخْتَلَفُوا في "القَلائِدِ" فَقالَ قَوْمٌ: يَحْرُمُ رَفْعُ القِلادَةِ عَنِ الهَدْيِ حَتّى يُنْحَرَ، وقالَ آخَرُونَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُقَلِّدُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَحِلُّوا أخْذَ القَلائِدِ مِنَ الحَرَمِ، ولا تَصُدُّوا القاصِدِينَ إلى البَيْتِ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ، وفي المَنسُوخِ مِنها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ جَمِيعَها مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّها ورَدَتْ في حَقِّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُقَلِّدُونَ هَداياهم، ويُظْهِرُونَ شَعائِرَ الحَجِّ مِنِ الإحْرامِ والتَّلْبِيَةِ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي نُسِخَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ نَسَخَهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا  ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ المَنسُوخَ مِنها: تَحْرِيمُ الشَّهْرِ الحَرامِ، وآمُّونَ البَيْتَ الحَرامِ: إذا كانُوا مُشْرِكِينَ.

وهَدْيُ المُشْرِكِينَ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ المُسْلِمِينَ أمانٌ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المائِدَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ؛ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: "يا عَلِيُّ؛ أُشْعِرْتُ أنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ؛ ونِعْمَتِ الفائِدَةُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ومِن هَذِهِ السُورَةِ ما نَزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ؛ ومِنها ما نَزَلَ عامَ الفَتْحِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وكُلُّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مَدَنِيٌّ؛ سَواءٌ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ؛ أو في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ أو بِمَكَّةَ؛ وإنَّما يُوسَمُ بِالمَكِّيِّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "سُورَةُ المائِدَةِ تُدْعى في مَلَكُوتِ اللهِ المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صاحِبَها مِن أيْدِي مَلائِكَةِ العَذابِ".» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ قالَ عَلْقَمَةُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ فَهو مَدَنِيٌّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا؛ ويُقالُ: "وَفى"؛ و"أوفى"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عامَّةً بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وهِيَ: اَلرُّبُوطُ في القَوْلِ؛ كانَ ذَلِكَ في تَعاهُدٍ عَلى بِرٍّ؛ أو في عُقْدَةِ نِكاحٍ؛ أو بَيْعٍ؛ أو غَيْرِهِ؛ ولَفْظُ "اَلْمُؤْمِنِينَ"؛ يَعُمُّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ عَقْدٌ في أداءِ الأمانَةِ فِيما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ يَعُمُّ عُقُودَ الجاهِلِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى بِرٍّ؛ مِثْلَ دَفْعِ الظُلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ وأمّا في سائِرِ تَعاقُدِهِمْ عَلى الظُلْمِ؛ والغاراتِ؛ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ؛ فَإنَّما مَعْنى الآيَةِ أمْرُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ عَلى عَقْدٍ جارٍ عَلى رَسْمِ الشَرِيعَةِ؛ وفَسَّرَ الناسُ لَفْظَ "اَلْعُقُودِ"؛ بِـ "اَلْعُهُودِ"؛ وذَكَرَ بَعْضُهم مِنَ العُقُودِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ قَتادَةَ: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِعَهْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُوِيَ لَنا عن رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أوفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِقْهُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ عَقْدَ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَخُصُّ المُتَعاقِدَيْنِ؛ إذْ كانَ الجُمْهُورُ عَلى ظُلْمٍ وضَلالٍ؛ والإسْلامِ قَدْ رَبَطَ الجَمِيعَ؛ وجَعَلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ فالَّذِي يُرِيدُ أنْ يَخْتَصَّ بِهِ المُتَعاقِدانِ قَدْ رَبَطَهُما إلَيْهِ الشَرْعُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ نازِلَةٍ مِن نَوازِلِ الظُلاماتِ؛ فَيَلْزَمُ في الإسْلامِ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ؛ والوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ وإمّا عَهْدٌ خاصٌّ لِما عَسى أنْ يَقَعَ؛ يَخْتَصُّ المُتَعاهِدُونَ بِالنَظَرِ فِيهِ؛ والمَنفَعَةِ؛ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ في الإسْلامِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وذُكِرَ «أنَّ فُراتَ بْنَ حَيّانَ العِجْلِيَّ سَألَ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَقالَ: "لَعَلَّكَ تَسْألُ عن حِلْفِ لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ"؛ قالَ: نَعَمْ يا نَبِيَّ اللهِ؛ قالَ: "لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ أوفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بِما أحَلَّ اللهُ؛ وبِما حَرَّمَ؛ وبِما فَرَضَ؛ وبِما حَدَّ في جَمِيعِ الأشْياءِ"؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْعُقُودُ في الآيَةِ هي كُلُّ ما رَبَطَهُ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن بَيْعٍ؛ أو نِكاحٍ؛ أو غَيْرِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدَةَ: اَلْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الإيمانِ؛ وعُقْدَةُ النِكاحِ؛ وعُقْدَةُ العَهْدِ؛ وعُقْدَةُ البَيْعِ؛ وعُقْدَةُ الحِلْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَقَدْ تَنْحَصِرُ إلى أقَلَّ مِن خَمْسٍ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛ ﴾ قالَ: هي العُقُودُ الَّتِي أخَذَها اللهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما جاءَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ: «قَرَأْتُ كِتابَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ حِينَ بَعَثَهُ إلى نَجْرانَ؛ وفي صَدْرِهِ: "هَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ ﴾ "؛ فَكَتَبَ الآياتِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ  ﴾ ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَأصْوَبُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تُعَمَّمَ ألْفاظُها بِغايَةِ ما تَتَناوَلُ؛ فَيُعَمَّمَ لَفْظُ المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً في مُظْهِرِ الإيمانِ - إنْ لَمْ يُبْطِنْهُ -؛ وفي المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً؛ ويُعَمَّمَ لَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ في كُلِّ رَبْطٍ بِقَوْلٍ مُوافِقٍ لِلْحَقِّ؛ والشَرْعِ".

ومِن لَفْظِ العَقْدِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِكُلِّ مَنِ التَزَمَ الإيمانَ عَلى وجْهِهِ وكَمالِهِ؛ وكانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ في الأنْعامِ؛ مِنَ السائِبَةِ؛ والبَحِيرَةِ؛ والحامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "بَهِيمَةُ الأنْعامِ"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ والرَبِيعُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: هي الأنْعامُ كُلُّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ قالَ: "أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ"؛ فَأضافَ الجِنْسَ إلى أخَصَّ مِنهُ.

وقالَ الحَسَنُ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ.

ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَبْحِ لِلْأُمَّهاتِ؛ فَهي تُؤْكَلُ دُونَ ذَكاةٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الأجِنَّةُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ قَوْمٌ: ﴿ بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ : وحْشُها؛ كالظِباءِ؛ وبَقَرِ الوَحْشِ؛ والحُمُرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُ الطَبَرِيِّ عَنِ الضَحّاكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَمانِيَةُ الأزْواجُ؛ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَوانِ يُقالُ لَهُ "أنْعامٌ"؛ بِمَجْمُوعِهِ مَعَها؛ وكانَ المُفْتَرِسُ مِنَ الحَيَوانِ - كالأسَدِ؛ وكُلِّ ذِي نابٍ - قَدْ خَرَجَ عن حَدِّ الأنْعامِ؛ فَصارَ لَهُ نَظَرٌ ما؛ فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ؛ وهَذِهِ - عَلى ما قِيلَ - إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ؛ كَـ "دارُ الآخِرَةِ"؛ و"مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ وما هي عِنْدِي إلّا إضافَةُ الشَيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ وصَرَّحَ القُرْآنُ بِتَحْلِيلِها؛ واتَّفَقَتِ الآيَةُ وقَوْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ حَرامٌ"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ الِاسْتِثْناءانِ بَعْدُ؛ إذْ أحَدُهُما اسْتُثْنِيَ فِيهِ أشْخاصٌ نالَتْها صِفاتٌ ما؛ وتِلْكَ الصِفاتُ واقِعاتٌ كَثِيرًا في الراعِي مِنَ الحَيَوانِ؛ والثانِي اسْتُثْنِيَ فِيهِ حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وهي الإحْرامُ؛ والحُرُمُ؛ والصَيْدُ لا يَكُونُ إلّا مِن غَيْرِ الثَمانِيَةِ الأزْواجِ؛ فَتَرَتَّبَ الِاسْتِثْناءانِ في الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ.

والبَهِيمَةُ - في كَلامِ العَرَبِ -: ما أبْهَمَ؛ مِن جِهَةِ نَقْصِ النُطْقِ والفَهْمِ؛ ومِنهُ: "بابٌ مُبْهَمٌ"؛ و"حائِطٌ مُبْهَمٌ"؛ و"لَيْلٌ بَهِيمٌ"؛ و"بُهْمَةٌ"؛ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يُدْرى مِن أيْنَ يُؤْتى لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ مِمّا تُلِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ؛ وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى البَدَلِ؛ وعَلى أنْ تَكُونَ "إلّا" عاطِفَةً؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا مِن نَكِرَةٍ؛ أو ما قارَبَها مِن أسْماءِ الأجْناسِ؛ نَحْوَ قَوْلِكَ: "جاءَ الرِجالُ إلّا زَيْدٌ"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "غَيْرُ زَيْدٍ"؛ بِالرَفْعِ.

﴿ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ ﴾ نُصِبَ "غَيْرَ"؛ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "غَيْرُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ووَجْهُها الصِفَةُ لِلضَّمِيرِ فِي: "يُتْلى"؛ لِأنَّ "غَيْرُ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ: "غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ إذا كانَ صَيْدًا"؛ أو يَتَخَرَّجُ عَلى الصِفَةِ لِـ "بَهِيمَةُ"؛ عَلى مُراعاةِ مَعْنى الكَلامِ؛ كَما ذَكَرْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ خَلَطَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ في نَصْبِ "غَيْرَ"؛ وقَدَّرُوا فِيها تَقْدِيماتٍ؛ وتَأْخِيراتٍ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى اطِّرادِهِ مُتَمَكِّنٌ اسْتِثْناءٍ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ.

و"حُرُمٌ" جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو المُحْرِمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ أيْ: "مُلَبٍّ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "حُرْمٌ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ: هَذِهِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ؛ يَقُولُونَ في "رُسُلٌ": "رُسْلٌ"؛ وفي "كُتُبٌ": "كُتْبٌ"؛ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِهَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَعْهُودِ أحْكامِ العَرَبِ؛ أيْ: فَأنْتَ أيُّها السامِعُ لِنَسْخِ تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي عُهِدَتْ تَنَبَّهْ؛ فَإنَّ اللهَ الَّذِي هو مالِكُ الكُلِّ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَلُوحُ فَصاحَتُها وكَثْرَةُ مَعانِيها؛ عَلى قِلَّةِ ألْفاظِها؛ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ بِالكَلامِ؛ ولِمَن عِنْدَهُ أدْنى إبْصارٍ؛ فَإنَّها تَضَمَّنَتْ خَمْسَةَ أحْكامٍ: اَلْأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وتَحْلِيلَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ واسْتِثْناءَ ما تُلِيَ بَعْدُ؛ واسْتِثْناءَ حالِ الإحْرامِ فِيما يُصادُ؛ وما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الآيَةِ مِن إباحَةِ الصَيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ أصْحابَ الكِنْدِيِّ قالُوا لِلْكِنْدِيِّ: أيُّها الحَكِيمُ؛ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ؛ فَقالَ: نَعَمْ..

أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ؛ فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً؛ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ؛ إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ؛ فَخَرَجَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ"؛ فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَكْثِ؛ وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً بَعْدَ اسْتِثْناءٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ في سَطْرَيْنِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِهَذا إلّا في أجْلادٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.

و"اَلشَّعائِرُ": جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ أيْ: "قَدْ أشْعَرَ اللهُ أنَّها حَدُّهُ؛ وطاعَتُهُ"؛ فَهي بِمَعْنى "مَعالِمُ اللهِ"؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المَقْصُودِ مِنَ الشَعائِرِ؛ الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَ هَذا العُمُومُ في الشَعائِرِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: "شَعائِرَ اللهِ": "حُرَمَ اللهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "شَعائِرَ اللهِ": "مَناسِكَ الحَجِّ"؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ ويُهْدُونَ؛ ويَنْحَرُونَ؛ ويُعَظِّمُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ؛ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ﴾ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "شَعائِرَ اللهِ": ما حَدَّ تَحْرِيمَهُ في الإحْرامِ؛ وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "شَعائِرَ اللهِ": "جَمِيعَ ما أمَرَ بِهِ؛ أو نَهى عنهُ"؛ وهَذا هو القَوْلُ الراجِحُ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ عامَّةُ العَرَبِ لا يَعُدُّونَ الصَفا والمَرْوَةَ مِنَ الشَعائِرِ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقِفُ بِعَرَفاتٍ؛ فَنُهُوا بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا الشَهْرَ الحَرامَ ﴾ ؛ اِسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ في جَمِيعِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ وهي كَما قالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ذُو القِعْدَةِ؛ وذُو الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمُ؛ ورَجَبُ مُضَرَ؛ الَّذِي بَيْنَ جُمادى؛ وشَعْبانَ"؛» وإنَّما أُضِيفَ إلى مُضَرَ لِأنَّها كانَتْ تَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ وتُزِيلُ فِيهِ السِلاحَ؛ وتَنْزِعُ الأسِنَّةَ مِنَ الرِماحِ؛ وتُسَمِّيهِ "مُنْصِلَ الأسِنَّةِ"؛ وتُسَمِّيهِ " اَلْأصَمَّ "؛ مِن حَيْثُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ سِلاحٍ؛ وكانَتِ العَرَبُ مُجْمِعَةً عَلى "ذِي القِعْدَةِ؛ وذِي الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمِ"؛ وكانَتْ تَطُولُ عَلَيْها الحُرْمَةُ؛ وتَمْتَنِعُ مِنَ الغاراتِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَسِيءَ؛ وهو أنْ يُحِلَّ لَها ذَلِكَ المُتَكَلِّمُ "نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ"؛ وغَيْرُهُ المُحَرَّمَ؛ ويُحَرِّمَ بَدَلُهُ صَفَرًا؛ فَنَهى اللهُ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ  ﴾ ؛ وجُعِلَ المُحَرَّمُ أوَّلَ شُهُورِ السَنَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ الحَجُّ والمَوْسِمُ غايَةَ العامِ؛ وثَمَرَتَهُ؛ فَبِذَلِكَ يَكْمُلُ؛ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ عامٌ آخَرُ؛ ولِذَلِكَ - واللهُ أعْلَمُ - دَوَّنَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الدَواوِينَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا الشَهْرَ الحَرامَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِقِتالٍ؛ ولا غارَةٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ فَإنَّ تَبْدِيلَهُ اسْتِحْلالٌ لِحُرْمَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الشَهْرَ الحَرامَ أُرِيدَ بِهِ رَجَبٌ؛ لِيَشْتَدَّ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِقُرَيْشٍ؛ ثُمَّ فَشا في مُضَرَ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ: وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا حَبَسَتْ مُضَرِّجَها الدِماءُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ رَجَبًا؛ لِأنَّهُ شَهْرٌ كانَتْ مَشايِخُ قُرَيْشٍ تُعَظِّمُهُ؛ فَنَسَبَهُ إلى بَنِي أُمَيَّةَ؛ ذَكَرَ هَذا الأخْفَشُ في "المُفَضَّلِيّاتِ"؛ وقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ رَجَبُ مُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَوَجْهُ هَذا التَخْصِيصِ هو - كَما قَدْ ذَكَرْتُ - أنَّ اللهَ تَعالى شَدَّدَ أمْرَ هَذا الشَهْرِ؛ إذْ كانَتِ العَرَبُ غَيْرَ مُجْمِعَةٍ عَلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ ذُو القِعْدَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ أوَّلَها؛ وقَوْلُنا فِيها: "أوَّلُ": تَقْرِيبٌ وتَجَوُّزٌ؛ إنَّ الشُهُورَ دائِرَةٌ؛ فالأوَّلُ إنَّما يَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ نازِلَةٍ؛ أو قَرِينَةٍ ما؛ مُخْتَصَّةٍ بِقَوْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ﴾ ؛ أمّا الهَدْيُ فَلا خِلافَ أنَّهُ ما أُهْدِيَ مِنَ النَعَمِ إلى بَيْتِ اللهِ؛ وقُصِدَتْ بِهِ القُرْبَةُ؛ فَأمَرَ اللهُ ألّا يُسْتَحَلَّ؛ ويُغارَ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في القَلائِدِ؛ فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ؛ وأنَّ الهَدْيَ إنَّما يُسَمّى هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ؛ والمُقَلَّدَ مِنهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ؛ وإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الهَدْيِ جُمْلَةً؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً في التَنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في التَقْلِيدِ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: اَلْهَدْيُ عامٌّ في أنْواعِ ما أُهْدِيَ قُرْبَةً؛ والقَلائِدُ ما كانَ الناسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهُمْ؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَمُرِ قِلادَةً؛ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ؛ إذْ كانَتْ تِلْكَ عَلامَةَ إحْرامِهِ؛ وحَجِّهِ؛ وقالَ عَطاءٌ ؛ وغَيْرُهُ: بَلْ كانَ الناسُ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ في حَوائِجَ لَهم تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ ومِن لِحائِهِ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ الحَرَمِ؛ أو مِن حُجّاجِهِ؛ فَيَأْمَنُونَ بِذَلِكَ؛ فَنَهى اللهُ تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن تَحَرَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المَعانِي؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وعَطاءٌ: بَلِ الآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أنْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ؛ وقالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ عن مُطَرِّفِ بْنِ الشِخِّيرِ؛ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُحِلُّوهُمْ؛ فَتُغِيرُوا عَلَيْهِمْ"؛ ونَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَعْمَدُوا لِلْكُفّارِ القاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ عَلى جِهَةِ التَعَبُّدِ؛ والقُرْبَةِ.

وكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ مِن نَهْيٍ عن مُشْرِكٍ؛ أو مُراعاةِ حُرْمَةٍ لَهُ بِقِلادَةٍ؛ أو أمِّ البَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهو كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ؛ أخِي بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا لِأصْحابِهِ: "يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ"؛ فَجاءَ الحُطَمُ؛ فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ؛ ودَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَلَمّا عَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ الإسْلامَ؛ ودَعاهُ إلى اللهِ قالَ: أنْظُرُ؛ ولَعَلِّي أُسْلِمُ؛ وأرى في أمْرِكَ غِلْظَةً؛ ولِي مَن أُشاوِرُهُ؛ فَخَرَجَ؛ فَقالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهٍ كافِرٍ؛ وخَرَجَ بِعَقِبٍ غادِرٍ"؛ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ؛ فَساقَهُ وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَقُولُ: قَدْ لَفَّها اللَيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرِ وضَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُلَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ خَدَلَّجُ الساقَيْنِ خَفّاقُ القَدَمْ ثُمَّ أقْبَلَ الحُطَمُ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا؛ وساقَ هَدْيًا؛ فَأرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ؛ وخَفَّ إلَيْهِ ناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الحُجّاجِ أنْ تُقْطَعَ سُبُلُهُمْ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ الحُطَمِ؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ عامَ الفَتْحِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ؛ «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّما هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؛ فَلَنْ نَدَعَهم إلّا أنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا يُتَصَوَّرُ في مُسْلِمٍ حاجٍّ؛ فَهو مُحْكَمٌ؛ وكُلُّ ما كانَ مِنها في الكُفّارِ فَهو مَنسُوخٌ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وأصْحابُهُ: "وَلا آمِّي البَيْتَ"؛ بِالإضافَةِ إلى البَيْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ ؛ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: "يَبْتَغُونَ الفَضْلَ في الأرْباحِ في التِجارَةِ؛ ويَبْتَغُونَ - مَعَ ذَلِكَ - رِضْوانَهُ في ظَنِّهِمْ؛ وطَمَعِهِمْ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما الفَضْلُ والرِضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ وهو رِضا اللهِ وفَضْلُهُ؛ بِالرَحْمَةِ والجَزاءِ؛ فَمِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَعْتَقِدُ جَزاءً بَعْدَ المَوْتِ؛ وأكْثَرُهم إنَّما كانُوا يَرْجُونَ الجَزاءَ والرِضْوانَ في الدُنْيا؛ والكَسْبَ وكَثْرَةَ الأولادِ؛ ويَتَقَرَّبُونَ رَجاءَ الزِيادَةِ في هَذِهِ المَعانِي؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَرُضْوانًا"؛ بِضَمِّ الراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْلافٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْعَرَبِ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ؛ لِتَنْبَسِطَ النُفُوسُ؛ ويَتَداخَلَ الناسُ؛ ويَرِدُوا المَوْسِمَ؛ فَيَسْمَعُوا القُرْآنَ؛ ويَدْخُلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ؛ وتَقُومَ عِنْدَهُمُ الحُجَّةُ كالَّذِي كانَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ ونَسَخَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْدَ عامٍ؛ سَنَةَ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبُو بَكْرٍ ؛ ونُودِيَ الناسُ بِسُورَةِ "بَراءَةٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدى وَلاَ القلائد ولا ءَامِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا ﴾ .

اعتراض بين الجمل التي قبله وبين جملة ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا.

ولذلك أعيد الخطاب بالنداء بقوله: يا أيها الذين آمنوا ﴾ .

وتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا مع أنّهم لا يظنّ بهم إحلال المحرّمات، يدلّ على أنّ المقصود النهي عن الاعتداء على الشعائر الإلهية التي يأتيها المشركون كما يأتيها المسلمون.

ومعنى ﴿ لا تحلّوا شعائر الله ﴾ لا تحلّوا المحرّم منها بين الناس، بقرينة قوله: ﴿ لا تحلّوا ﴾ ، فالتقدير: لا تحلّوا مُحرّم شعائرِ الله، كما قال تعالى: في إحلال الشهر الحرام بعمل النسيء ﴿ فيحلّوا ما حرّم الله ﴾ [التوبة: 37]؛ وإلاّ فمِن شعائر الله ما هو حلال كالحَلق، ومنها ما هو واجب.

والمحرّمات معلومة.

والشعائر: جمع شعيرة.

وقد تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ إنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ [البقرة: 158].

وقد كانت الشعائر كلّها معروفة لديهم، فلذلك عدل عن عدّها هنا.

وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا، والمروة، والمشعر الحرام، من الأمكنة.

وقد مضت في سورة البقرة.

والشهر الحرام من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد من الشعائر الذوات.

فعطف الشهر الحرام والهدي وما بعدهما من شعائر الله عطف الجزئيّ على كلّيّة للاهتمام به، والمراد به جنس الشهر الحرام، لأنَّه في سياق النفي، أي الأشهر الحرم الأربعة التي في قوله تعالى: ﴿ منها أربعة حُرُم...

فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ﴾ [التوبة: 36].

فالتعريف تعريف الجنس، وهو كالنكرة يستوي فيه المفرد والجمع.

وقال ابن عطيّة: الأظهر أنّه أريد رجب خاصّة ليشتدّ أمر تحريمه إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، فإنَّما خُصّ بالنهي عن إحلاله إذ لم يكن جميع العرب يحرّمونه، فلذلك كان يعرف برَجب مضر؛ فلم تكن ربيعة ولا إياد ولا أنمار يحرّمونه.

وكان يقال له: شهر بني أميّة أيضاً، لأنّ قريشاً حرّموه قبل جميع العرب فتبعتهم مضر كلّها لقول عوف بن الأحوص: وشهرِ بني أميّة والهَدايا *** إذا حبست مُضرّجُها الدقاء وعلى هذا يكون التعريف للعهد فلا يعمّ.

والأظهر أنّ التعريف للجنس، كما قدّمناه.

والهدي: هو ما يهدى إلى مناسك الحجّ لينحر في المنحر من مِنى، أو بالمروة، من الأنعام.

والقلائد: جمع قِلادة وهي ظفائر من صوف أو وَبَر، يربط فيها نعلان أو قطعة من لِحَاءِ الشجر، أي قِشره، وتوضع في أعناق الهدايا مشبَّهة بقلائد النساء، والمقصود منها أن يُعرف الهدي فلا يُتَعرّض له بغارة أو نحوها.

وقد كان بعض العرب إذا تأخّر في مكة حتّى خرجت الأشهر الحُرُم، وأراد أن يرجع إلى وطنه، وضع في عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يُتَعرّضُ له بسوء.

ووجه عطف القلائد على الهدي المبالغة في احترامه بحيث يحرم الاعتداء على قلادته بله ذاته، وهذا كقول أبي بكر: والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.

على أنّ القلائد ممّا ينتفع به، إذ كان أهل مكة يتّخذون من القلائد نعالاً لفقرائهم، كما كانوا ينتفعون بجلال البدن، وهي شُقق من ثياب توضع على كفل البدنة؛ فيتّخذون منها قُمصاً لهم وأزُراً، فلذلك كان النهي عن إحلالها كالنهي عن إحلال الهدي لأنّ في ذلك تعطيل مصالح سكان الحرم الذين استجاب الله فيهم دعوة إبراهيم إذ قال: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ﴾ [إبراهيم: 37] قال تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ﴾ [المائدة: 97].

وقوله: ﴿ ولا آمّين البيت الحرام ﴾ عطف على ﴿ شعائر الله ﴾ : أي ولا تحلّوا قاصدي البيت الحرام وهم الحجّاج، فالمراد قاصدوه لحجّه، لأنّ البيت لا يقصد إلاّ للحجّ، ولذلك لم يقل: ولا آمِّين مكة، لأنّ من قصد مكة قد يقصدها لتجر ونحوه، لأنّ من جملة حُرمَة البيت حرمة قاصده.

ولا شك أنّ المراد آمِّين البيت من المشركين؛ لأنّ آمِّين البيت من المؤمنين محرّم أذاهم في حالة قصد البيت وغيرها من الأحوال.

وقد روي ما يؤيّد هذا في أسباب النزول: وهو أن خيلاً من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضُبَيْعَة الملقّب بالحُطَم (بوزن زُفر)، والمكنّى أيضاً بابننِ هند.

نسبة إلى أمّه هند بنت حسّان بن عَمْرو بننِ مَرْثَد، وكان الحُطَم هذا من بكر بن وائل، من نزلاء اليمامة، فترك خيلَه خارج المدينة ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إلام تدعو» فقال رسول الله: " هذا أوَانُ الشَّدّ فاشْتَدّي زِيَمْ *** قد لَفَّها الليلُ بسَوّاق حُطَم ليسَ براعِي إبِللٍ ولا غَنَم *** ولا بَجَزّار على ظَهْر وَضَم بَاتوا نِيَاماً وابنُ هِنْد لم ينمْ *** باتَ يُقَاسِيها غُلام كالزّلَم خَدَلَّجُ الساقَيْننِ خَفَّاقُ القَدَم *** ثم أقبل الحُطم في العام القابل وهو عام القَضية فسمعوا تلبيَة حُجَّاج اليمامة فقالوا: هذا الحُطَم وأصحابه ومعهم هَدْي هو ممَّا نهبه من إبل المسلمين، فاستأذنوا رسول الله في نَهبهم، فنزلت الآية في النهي عن ذلك.

فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية، وكان النهي عن التعرّض لبُدْن الحُطم مشمولاً لما اشتملت عليه هذه الآية.

والبيت الحرام هو الكعبة.

وسيأتي بيان وصفه بهذا الوصف عند قوله: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ [المائدة: 97] في هذه السورة.

وجملة ﴿ يبتغون فضلاً من ربّهم ﴾ صفة ل ﴿ آمِّين ﴾ من قصدهم ابتغاء فضل الله ورضوانه وهم الذين جاءوا لأجل الحجّ إيماء إلى سبب حرمة آمِّي البيت الحرام.

وقد نهى الله عن التعرّض للحجيج بسوء لأنّ الحجّ ابتغاء فضل الله ورضوانه، وقد كان أهل الجاهلية يقصدون منه ذلك، قال النابغة: حيّاك ربّي فإنَّا لا يَحِلّ لنا *** لَهْوُ النساءِ وإنّ الدّين قد عَزَما مشمّرين على خُوص مزمَّمة *** نرجو الإله ونرجو البِرّ والطُعَما ويتنزّهون عن فحش الكلام، قال العجّاج: وَرَبِّ أسْراب حَجيج كُظَّم *** عن اللَّغَا ورَفَث التكلّم ويظهرون الزهد والخشوع، قال النابغة: بمُصطحبات من لَصَاففٍ وثَبْرة *** بَزُرْنَ إلالاً سَيْرُهُنّ التَّدَافُعُ عَلَيْهِنّ شُعْث عامدون لربّهم *** فهُنّ كأطراف الحَنِيّ خَوَاشِعُ ووجه النَّهي عن التعرّض للحجيج بسوء وإن كانوا مشركين: أَنّ الحالة التي قصدوا فيها الحجّ وتلبّسوا عندها بالإحرام، حالة خَيْر وقرب من الإيمان بالله وتذكّر نعمه، فيجب أن يعانوا على الاستكثار منها لأنّ الخير يتسرّب إلى النفس رويداً، كما أن الشرّ يتسرّب إليها كذلك، ولذلك سيجيء عقب هذه الآية قوله: ﴿ وتَعاونوا على البِرّ والتقوى ﴾ .

والفضلُ: خير الدنيا، وهو صلاح العمل.

والرضوان: رضي الله تعالى عنهم، وهو ثواب الآخرة، وقيل: أراد بالفضل الربح في التجارة، وهذا بعيد أن يكون هو سبب النهي إلاّ إذا أريد تمكينهم من إبلاغ السلع إلى مكَّة.

﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ .

تصريح بمفهوم قوله: ﴿ غير محلّي الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 1] لقصد تأكيد الإباحة.

فالأمر فيه للإباحة، وليس هذا من الأمر الوارد بعد النهي، لأنّ تلك المسألة مفروضة في النهي عن شيء نهياً مستمرّاً، ثم الأمر به كذلك، وما هنا: إنَّما هو نهي موقّت وأمر في بقيّة الأوقات، فلا يجري هنا ما ذكر في أصول الفقه من الخلاف في مدلول صيغة الأمر الوارد بعد حظر: أهو الإباحة أو الندب أو الوجوب.

فالصيد مباح بالإباحة الأصليّة، وقد حُرّم في حالة الإحرام، فإذا انتهت تلك الحالة رجع إلى إباحته.

و ﴿ اصطادوا ﴾ صيغة افتعال، استعملت في الكلام لغير معنى المطاوعة التي هي مدلول صيغة الافتعال في الأصل، فاصطاد في كلامهم مبالغة في صاد.

ونظيره: اضطرّه إلى كذا.

وقد نُزّل ﴿ اصطادوا ﴾ منزلة فعل لازم فلم يذكر له مفعول.

﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ .

عطف على قوله: ﴿ لا تحِلّوا شعائر الله ﴾ لِزيادة تقرير مضمونه، أي لا تحلّوا شعائر الله ولو مع عدوّكم إذا لم يبدأوكم بحرب.

ومعنى ﴿ يجر منّكم ﴾ يكسبنّكم، يقال: جرَمه يجرمه، مثل ضَرب.

وأصله كسب، من جرم النخلة إذا جذّ عراجينها، فلمّا كان الجرم لأجل الكسب شاع إطلاق جرَم بمعنى كسب، قالوا: جَرم فلان لنفسه كذا، أي كسب.

وعدّي إلى مفعول ثان وهو ﴿ أن تعتدوا ﴾ ، والتقدير: يكسبكم الشنآن الاعتداء.

وأمّا تعديته بعلى في قوله: ﴿ ولا يجرمنّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا ﴾ [المائدة: 8] فلتضمينه معنى يحملنّكم.

والشنآن بفتح الشين المعجمة وفتح النون في الأكثر، وقد تسكّن النون إمَّا أصالة وإمَّا تخفيفاً هو البغض.

وقيل: شدّة البغض، وهو المناسب، لعطفه على البغضاء في قول الأحوص: أنمِي على البغضاء والشنآن *** وهو من المصادر الدالّة على الاضطراب والتقلّب، لأنّ الشنآن فيه اضطراب النفس، فهو مثل الغَليان والنزَوان.

وقرأ الجمهور: ﴿ شَنَئان ﴾ بفتح النون.

وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر بسكون النون.

وقد قيل: إنّ ساكن النون وصف مثل غضبان، أي عدوّ، فالمعنى: لا يجرمنّكم عدوّ قوم، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.

وإضافة شنآن إذا كان مصدراً من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي بُغضكم قوماً، بقرينة قوله: ﴿ أنْ صدّوكم ﴾ ، لأنّ المبغض في الغالب هو المعتدى عليه.

وقرأ الجمهور: ﴿ أن صدّوكم ﴾ بفتح همزة (أنْ).

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بكسر الهمزة على أنَّها (إن) الشرطية، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبل الشرط.

والمسجدُ الحرام اسم جعل علَماً بالغلبة على المكان المحيط بالكعبة المحصور ذي الأبواب، وهو اسم إسلاميّ لم يكن يُدعى بذلك في الجاهليّة، لأنّ المسجد مكان السجود ولم يَكن لأهل الجاهليّة سجود عند الكعبة، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ في سورة البقرة (144)، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبْده ليلاً من المسجد الحرام ﴾ [الإسراء: 1].

﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ ﴾ .

تعليل للنهي الذي في قوله: ﴿ ولا يَجْرَمنَّكم شَنئان قوم ﴾ .

وكان مقتضى الظاهر أن تكون الجملة مفصولة، ولكنَّها عُطفت: ترجيحاً لما تضمَّنته من التشريع على ما اقتضته من التعليل، يعني: أنّ واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البرّ والتقوى، وإذا كان هذا واجبهم فيما بينهم، كان الشأن أن يُعينوا على البرّ والتقوى، لأنّ التعاون عليها يكسب محبّة تحصيلها، فيصير تحصيلها رغبة لهم، فلا جرم أن يعينوا عليها كلّ ساع إليها، ولو كان عدوّاً، والحجّ بِرّ فأعينوا عليه وعلى التقوى، فهم وإن كانوا كفّاراً يُعاونُون على ما هو برّ: لأنّ البرّ يَهدي للتقوى، فلعلّ تكرّر فعله يقرّبهم من الإسلام.

ولمَّا كان الاعتداء على العدوّ إنَّما يكون بتعاونهم عليه نبّهوا على أنّ التعاون لا ينبغي أن يكون صدّاً عن المسجد الحرام، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً؛ فالضمير والمفاعلة في ﴿ تعاونوا ﴾ للمسلمين، أي ليعن بعضكم بعضاً على البرّ والتقوى.

وفائدة التعاون تيسير العمل، وتوفير المصالح، وإظهار الاتّحاد والتناصر، حتّى يصبح ذلك خلقاً للأمّة.

وهذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [التوبة: 28].

وقوله: ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ تأكيد لمضمون ﴿ وتعاونوا على البرّ والتقوى ﴾ لأنّ الأمر بالشيء، وإن كان يتضمّن النهي عن ضدّه، فالاهتمام بحكم الضدّ يقتضي النهي عنه بخصوصه.

والمقصود أنّه يجب أن يصدّ بعضكم بعضاً عن ظلم قوم لكُم نحوَهم شنآن.

وقوله: ﴿ واتّقوا الله ﴾ الآية تذييل.

وقوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ تعريض بالتهديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُهُودُ اللَّهِ، الَّتِي أخَذَ بِها الإيمانُ، عَلى عِبادِهِ فِيما أحَلَّهُ لَهم، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها العُهُودُ الَّتِي أخَذَها اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ مِن تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عُهُودُ الجاهِلِيَّةِ وهي الحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الرّابِعُ: عُهُودُ الدِّينِ كُلُّها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّها العُقُودُ الَّتِي يَتَعاقَدُها النّاسُ بَيْنَهم مِن بَيْعٍ، أوْ نِكاحٍ، أوْ يَعْقِدُها المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ، أوْ يَمِينٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأنْعامُ كُلُّها، وهي الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ الَّتِي تُوجَدُ مَيِّتَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِها، إذا نُحِرَتْ أوْ ذُبِحَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ وحْشِيُّها كالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ، ولا يَدْخُلُ فِيها الحافِرُ، لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نِعْمَةِ الوَطْءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ أيْ مَعالِمُ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ وهو الإعْلامُ.

وَفي شَعائِرِ اللَّهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها ما حَرَّمَهُ اللَّهُ في حالِ الإحْرامِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها حَرَمُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها حُدُودُ اللَّهِ فِيما أحَلَّ وحَرَّمَ وأباحَ وحَظَّرَ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والخامِسُ: هي دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ  ﴾ أيْ دِينَ اللَّهِ.

﴿ وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ أيْ لا تَسْتَحِلُّوا القِتالَ فِيهِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَجَبُ مُضَرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذُو القِعْدَةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ﴾ أمّا الهَدْيُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ ما أهْداهُ مِن شَيْءٍ إلى بَيْتِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ ما لَمْ يُقَلِّدْ مِنَ النَّعَمِ، وقَدْ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ، أنْ يُهْدِيَهُ ويُقَلِّدَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا القَلائِدُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أنَّها قَلائِدُ الهَدْيِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ يَرى أنَّهُ إذا قَلَّدَ هَدْيَهُ صارَ مُحْرِمًا.

والثّانِي: أنَّها قَلائِدُ مِن لِحاءِ الشَّجَرِ، كانَ المُشْرِكُونَ إذا أرادُوا الحَجَّ قَلَّدُوها في ذَهابِهِمْ إلى مَكَّةَ، وعَوْدِهِمْ لِيَأْمَنُوا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ لِحاءَ الشَّجَرِ مِنَ الحَرَمِ إذا أرادُوا الخُرُوجَ مِنهُ، فَيَتَقَلَّدُونَهُ لِيَأْمَنُوا، فَنُهُوا أنْ يَنْزِعُوا شَجَرَ الحَرَمِ فَيَتَقَلَّدُوهُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ يَعْنِي ولا تَحِلُّوا قاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ، يُقالُ أمَّمْتُ كَذا إذا قَصَدْتَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ يَمَّمْتُهُ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ إنِّي لِذاكَ إذا ما ساءَنِي بَلَدٌ يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدًا ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: الأجْرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ يَعْنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِنُسُكِهِمْ.

﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ وهَذا وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ، فَهو بَعْدَ حَظْرٍ، فاقْتَضى إباحَةَ الِاصْطِيادِ بَعْدَ الإحْلالِ دُونَ الوُجُوبِ.

﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ في يَجْرِمَنَّكم تَأْوِيلانِ.

أحَدُهُما: لا يَحْمِلَنَّكم، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَسائِيِّ، وأبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ يُقالُ: جَرَمَنِي فُلانٌ عَلى بُغْضِكَ ، أيْ حَمَلَنِي، قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَّمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا والثّانِي: مَعْناهُ ولا يَكْسِبَنَّكم، يُقالُ جَرَمْتُ عَلى أهْلِي، أيْ كَسَبْتُ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وَفي ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ بُغْضُ قَوْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَداوَةُ قَوْمٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقالَ السُّدِّيُّ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، إلامَ تَدْعُو؟

فَأخْبَرَهُ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ  قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ فَلَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ  قالَ: أنْظِرْنِي حَتّى أُشاوِرَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ، وخَرَجَ بِقَفا غادِرٍ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ، فاسْتَقاهُ وانْطَلَقَ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ: لَقَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَواقِ حُطَمْ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ∗∗∗ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرٍ وضَمْ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ ∗∗∗ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُّلَمْ ∗∗∗ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ ثُمَّ أقْبَلَ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا قَدْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فاسْتَأْذَنَ أصْحابُ النَّبِيِّ  أنْ يَقْتُلُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى بَلَغَ ﴿ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ فَقالَ لَهُ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ صاحِبُنا، فَقالَ: إنَّهُ قَدْ قَلَّدَ.

» ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّ مِنها مَنسُوخًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ جَمِيعَها مَنسُوخٌ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنها " ولاَ الشَّهْرَ الحَرامَ ولاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ " وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنها ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَتَقَلَّدَهُ مِن لِحاءِ الشَّجَرِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ يعني لا تستحلوا قتالاً فيه ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ يعني من توجه قبل البيت، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعاً، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً يحج البيت، أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذا ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [ التوبة: 28] وفي قوله: ﴿ يبتغون فضلاً ﴾ يعني أنهم يترضون الله بحجهم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ يقول: لا يحملنكم ﴿ شنآن قوم ﴾ يقول: عداوة قوم ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ قال: البر.

ما أمرت به ﴿ والتقوى ﴾ ما نهيت عنه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدي ما لم يقلدوا القلائد مقلدات الهدي ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ يقول: من توجه حاجاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ قال: مناسك الحج.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ قال: معالم الله في الحج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عطاء أنه سئل عن شعائر الحج فقال: حرمات الله اجتناب سخط الله واتباع طاعته، فذلك شعائر الله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد، واذا تقلد بقلادة شعر لم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمر الله أن لا يقاتل المشركون في الشهر الحرام ولا عند البيت، ثم نسخها قوله: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: نسخ منها ﴿ آمّين البيت الحرام ﴾ نسختها الآية التي في براءة ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وقال: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ [ التوبة: 17] وقال: ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ [ التوبة: 28] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر بالآذان.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله...

﴾ الآية.

قال: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...

﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم، فنزلت ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ قال: القلائد.

اللحاء في رقاب الناس والبهائم أماناً لهم، والصفا والمروة والهدي والبدن كل هذا من شعائر الله قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم «هذا كله عمل أهل الجاهلية فعله وإقامته، فحرم الله ذلك كله بالإسلام إلا اللحاء القلائد ترك ذلك» .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في الآية قال: أما القلائد.

فإن أهل الجاهلية كانوا ينزعون من لحاء السمر فيتخذون منها قلائد يأمنون بها في الناس، فنهى الله عن ذلك أن ينزع من شجر الحرم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ قال: هو ذو القعدة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: «كان رسول الله ص بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا، فأنزل الله: ﴿ ولا يجرمنكم....

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال: إلام تدعو؟

فأخبره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: انظروا لعلي أسلم ولي من أشاوره، فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر» ، فمر بسرح من سرح المدينة، فساقه ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد وأهدى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ فقال ناس من أصحابه: يا رسول الله خلِّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا.

قال: أنه قد قلد!

قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية، فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قدم الحطم بن هند البكري المدينة في عير له تحمل طعاماً، فباعه ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأسلم، فلما ولى خارجاً نظر اليه فقال لمن عنده «لقد دخل عليَّ بوجه فاجر وولى بقفا غادر، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تهيأ للخروج اليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عيره، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الآية.

فانتهى القوم» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ قال: هذا يوم الفتح، جاء ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون، فمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً ﴾ قال: يبتغون الأجر والتجارة حرم الله على كل أحد إخافتهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً ﴾ قال: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضواناً نماء يصلح لهم دنياهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: خمس آيات في كتاب الله رخصة وليست بعزمة ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ إن شاء اصطاد وإن شاء لم يصطد ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ [ الجمعة: 10] .

﴿ أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ [ البقرة: 184] ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ [ الحج: 28] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: خمس آيات من كتاب الله رخصة وليست بعزيمة ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ [ الحج: 28] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفر ﴾ [ البقرة: 184] فمن شاء صام ومن شاء أفطر ﴿ فكاتبوهم إن علمتم ﴾ [ النور: 33] إن شاء كاتب وإن شاء لم يفعل، ﴿ فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا ﴾ [ الجمعة: 10] ، إن شاء انتشر وإن شاء لم ينتشر.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم ﴾ قال: لا يحملنكم بغض قوم.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ قال: الذين يريدون الحج ﴿ يبتغون فضلاً من ربهم ﴾ قال: التجارة في الحج ﴿ ورضواناً ﴾ قال: الحج ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم ﴾ قال: عداوة قوم ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ قال: البر.

ما أمرت به، والتقوى.

ما نهيت عنه.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في هذه الآية والبخاري في تاريخه عن وابصة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أريد أن أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه، فقال لي «يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل؟

قلت: يا رسول الله أخبرني!

قال: جئت لتسأل عن البر والاثم، ثم جمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري، ويقول: يا وابصة استفت قلبك، استفت نفسك، البر: ما اطمأن اليه القلب واطمأنت اليه النفس، والإثم: ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن النوّاس بن سمعان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: «ما حاك في نفسك فدعه قال: فما الإيمان؟

قال: من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن مسعود قال: الإثم حوّاز القلوب.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: الاثم حوّاز القلوب، فإذا حز في قلب أحدكم شيء فليدعه.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإثم حوّاز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل ينعش لسانه حقاً يعمل به إلا أجرى عليه أجره إلى يوم القيامة، ثم بوَّأه الله ثوابه يوم القيامة» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك؟

قال: يا داود أحب عبادي إليّ نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءاً، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟!

قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته، إلا أُثَبِّتُ قدميه يوم تزل الأقدام» .

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» .

وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله ورسوله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع» .

وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن أوس بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» .

وأخرج البيهقي من طريق فسيلة.

أنها سمعت أباها وهو واثلة بن الأسقع يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن المعصية أن يحب الرجل قومه؟

قال «لا، ولكن من المعصية أن يعين الرجل قومه على الظلم» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع، وقتال المسلم كفر، وسبابه فسوق» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان قوماً على ظلم فهو كالبعير المتردي، فهو ينزع بذنبه» .

ولفظ الحاكم: «مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى، فهو يمد بذنبه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ الآية.

الشعائر واحدتها: شعيرة، وهي فعيلة بمعنى مُفْعَلَة، والمُشْعَرة: المُعْلَمة، والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، والشعر: العلم من طريق الحس.

ذكرنا ذلك في أول البقرة.

وكل شيء أُعلِم فقد أشعر، ومنه السنّة في إشعار الهدي، هذا معنى الشعائر في اللغة (١) والهدي التي تهدى إلى مكة تسمى شعائر؛ لأنها مُشعَرةٌ بالدم (٢) نُقَتَّلهم جيلًا فجيلًا تراهم ...

شعائرَ قُربانٍ بهِم يُتَقَرَّبُ (٣) فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: أن (الحَطيم بن ضبيعة -واسمه شريح (٤) (٥)  - من اليمامة (٦)  الإسلام، فلم يسلم، فلما خرج مرّ بسّرح المدينة فاستاق الإبل، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: "هذا الحطيم وأصحابه، فدونكم" وكان قد قلّد ما نهب من سرح النبي  وأهداه إلى الكعبة، فلما توجّهوا في طلبه أنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ يريد (ما) (٧) (٨) (٩) وهذا قول جماعة من أهل المعاني.

قال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب: الهدايا المُشعرة (١٠) وقال الزجاج: هي ما أشعر، أي أُعلم ليهدى إلى بيت الله الحرام (١١) وقال جماعة: هي جميع متعبدات (الله) (١٢) (١٣) قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج (١٤) وقال عبد الله بن مسلم: هي كل شيء جعل علمًا من أعلام طاعته (١٥) فالشعائر: العلامات والمعالم للحج نحو الصفا والمروة والمواقيت وعرفة وما أشبهها، فإن قلنا: المراد بالشعائر في هذه الآية الهدايا كان المعنى: لا تحلوها بإباحة نهبها والإغارة، وإن قلنا: إنها معالم الحج كان المعنى: لا تحلوها بتجاوز حدودها والتقصير فيها والتضييع لها.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج، ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: لا تستحلوا ترك ذلك (١٦) وروى أبو صالح عن ابن عباس: يقول: لا تستحلوا شيئًا من ترك المناسك كلها التي أمر الله بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ومسح الركن، والإفاضتين، من عرفات ومن جَمْع ورمي الجمار؛ لأن عامة العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله والحُمس (١٧) (١٨) (١٩) لا يرون عرفات من شعائر الله (٢٠) وقال في رواية أخرى: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله: ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٢١) وقال الكلبي: أي لا تستحلوا ترك شيء من المناسك (٢٢) وزعم بعضهم أن هذا ورد في النهي عن مجاوزة الميقات بغير إحرام (٢٣) وهذا معنى يحتمله اللفظ؛ لأن تقدير الآية على القول الذي يقول: إن الشعائر المعالم: لا تحلوا شعائر الله بتركها على ما بينا، والمواقيت من شعائر الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ .

بالقتال فيه.

عن ابن عباس (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْهَدْيَ ﴾ .

الهدي ما أُهدِي إلى بيت الله تعالى من ناقة وبقرة أو شاة (٢٦) (٢٧) حلفت بربَّ مكة والمُصَلَّى ...

وأعناق الهديَّ مُقلَّدَات (٢٨) وقد مضى الكلام فيه (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ .

هي جمع قلادة، وهي: ما جُعل في العنق، سواء جعل في عنق الإنسان أو البدنة أو الكلب (٣٠) واختلفوا في تفسير القلائد ههنا، فقال أكثر المفسرين: هي الهدايا المُقلَّدة (٣١) وعلى هذا المراد: ولا ذوات القلائد، ثم حذف المضاف، وذكر ذوات القلائد بعد ذكر الهدي؛ لأنهم نهوا عنها مقلدة وغير مقلدة، أو أراد المقلدة مما لا يكون هديًا، ولكنها قلدت ليأمنوا بها (٣٢) وقال ابن عباس: يقول لا تعترضوا الهدي ولا تُخيفوا من قلّد بعيره (٣٣) وهذا يدل على أن المراد بالقلائد أصحابها، وهو أيضًا من باب حذف المضاف.

قال المفسرون: كانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب طول الدهر، يتغاورون ويتناهبون إلا في الأشهر الحرم، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه إلا أن يكون مشعرًا بدنة أو سائقًا هديًا أو مقلدًا نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم، أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت، فلا يُتعرض لهؤلاء، فأمر الله المسلمين بإقرار هذه الأَمَنَة على ما كانت في الجاهلية لضرب من المصلحة إلى أن نسخها (٣٤) وقال ابن الأنباري: إن الرجل من العرب كان إذا خاف على نفسه عدوا، أو مُطالبا بثأر، وأراد سفرًا تقلد بشيء من لحاء شجر الحرم، فلا يلقاه أحد فيعرض له، وكان إذا خاف على بعيره قلده أيضًا فلا يتعرض له من يراه من أعدائه، وإن تعرض له عُيَّر بذلك وسُبّ ولم يزل مأثورًا عليه، قال الشاعر يعيب رجلين [قتلا رجلين] (٣٥) أَلَم تَقْتُلا الحِرجَينِ إذ أعوَرَا لكم ...

يُمِرَّانِ بالأيدي اللِّحاءَ المُضَفَّرَا (٣٦) يريد باللحاء: شجر الحرم (٣٧) وقال مُطَرَّف بن الشخير (٣٨) (٣٩) والظاهر القول الأول، وهو اختيار الفراء والزجاج (٤٠) قال الفراء: كانت العرب إذا أرادت أن تسافر في غير الأشهر الحرم قلد أحدهم بعيره فيأمن بذلكن فقال لا تخيفوا من قلد، وكان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب تقلد بالوبر والشعر (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ .

قال الفراء: يقول: ولا تمنعوا من أمّ البيت الحرام أو أراده من المشركين (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد التجارة (٤٣) وقال ابن عمر: الربح في التجارة (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ .

قال ابن عباس: يعني: أنهم يترضون الله بحجهم (٤٥) ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ : يريد وإن كانوا مشركين (٤٦) قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله، وإن كانوا لا ينالون ذلك فغير بعيد أن يثبت لهم بذلك القصد نوع من الحرمة (٤٧) وقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ أىِ: على زعمهم وفيما يظنون؛ لأن الكافر لا ينال الرضوان (٤٨) ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  ﴾ ، وذلك على حكاية قولهم: نطلب الرضوان (٤٩) وقد جاءت هذه الحكاية عن العرب مجيئًا متبعًا، قال زهرة اليمن (٥٠) أبلغ كُلَيبا وأبِلغ عنكَ شاعَرها ...

أني الأغرّ وأني زُهرةٌ اليمنِ (٥١) وقال جرير: ألم يَكنْ في وُسوم قَد وُسِمتَ بها ...

مَن حَان موعظةً يا زُهرةَ اليَمنِ (٥٢) قال أكثر (٥٣) (٥٤) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة (٥٥) وأكثر أهل العلم قالوا: نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا  ﴾ فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن الكافر بالأشهر الحرم والهدي والقلائد والحج (٥٦) وقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة إلا آية واحدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٥٧) وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه الآية محكمة (٥٨) قال أبو بكر ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة قال: ما ندبنا الله تعالى إلى أن نُخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في غيره، وفصل الشهر الحرام من غيره بالذكر تعظيمًا له وتفضيلاً، وحرم علينا أخذ الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله، وحرم علينا القلائد، أي إخافة المستجيرين بالبلد الحرام.

هذا كلامه (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ .

قال أبو إسحاق: هذا لفظ أمر، معناه الإباحة؛ لأن الله عز وجل حرم الصيد على المحرم وأباحه له إذا حل من إحرامه، ليس أنه واجب عليه إذا حلّ أن يصطاد، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا  ﴾ تأويله: أنه قد أبيح لك ذلك بعد الفراغ من الصلاة، ومثل ذلك في الكلام: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت ثمنها فادخلها، تأويله: فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ .

قال ابن الأعرابي: الجَرْم مصدر الجارم الذي يجرم نفسه وقومه شرًا (٦١) والمفسرون يقولون في هذا: لا يحملنكم بغض قوم (٦٢) وهو قول ابن عباس وقتادة (٦٣) (٦٤) قال أبو العباس: يقال: جرمني زيد على بغضك، أي: حملني عليه (¬6).

وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يُكْسِبَنَّكم (٦٥) قال الفراء: سمعت العرب تقول (٦٦) (٦٧) وقال في قول الشاعر: جَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدَها أنْ يَغْضبُوا (٦٨) (فزارة) منصوبة في البيت، المعنى: جرمتهم الطعنة الغضب، أي: أكسبتهم (٦٩) ومثل ذلك قال ابن الأنباري في: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وأنشد: نصَبنا رأسه في رأس جِذْع ...

بما جَرَمَت يداه وما اعتَدَيْنَا (٧٠) وقال أبو علي: تأويل: ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ يكسبنكم، وهو فعل متعدًّ إلى مفعولين، كما أن (يكسبنكم) كذلك، وأما قول الشاعر في صفة عقاب: جَريمةُ ناهضٍ ....

البيت (٧١) يحتمل تأويلين: أحدهما: جريمة قوتِ ناهضٍ، أي: كاسبُ قوته، وجريم وجارم، كما قالوا: ضاربُ قداحٍ، وضريب قداح، وعريفٌ وعارفٌ.

والآخر: أن لا يقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة إلى ناهض، والمعنى: كاسب ناهض، كما تقول: بديعٌ كاسبُ مولاهُ، أي يسعى له ويردّ عليه.

فَجَرمَ يستعمل في الكسب وما يُردُّ سعيُ الإنسان عليه، وأما أجرم فيقال في اكتساب الإثم (٧٢) ومعنى ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانًا ولا تقترفوه.

ولفظ النهي واقع على الشنآن، والمعنى بالنهي المخاطبون، كما قالوا: لا أرينك ههنا، ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ ، وكذلك: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ  ﴾ (أن يصيبكم) المفعول الثاني، وأسماء المخاطبين المفعول الأول، ولفظ النهي واقع على الشقاق، والمعنيّ بالنهي المخاطبون.

كذلك في هذه الآية، المفعول الأول: المخاطبون، والثاني قوله ﴿ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ ، والمعني بالنهي المخاطبون، وإن كان لفظ النهي واقعًا على الشقاق، أي: لا تكتسبوا أنتم (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ .

قال أبو زيد: شنئت الرجل أشَنؤُه شنْأً، وشنآنًا، وشُنأً، ومشنأةً، إذا أبغضتَه (٧٤) وزاد الفراء وأبو عمرو: شنْأ، بالكسر (٧٥) (٧٦) (٧٧) وقال أبو زيد: رجل شنآنٌ، وامرأة شنآَنةٌ، مصروفان.

قال: وقد يقال: رجل شنآنُ بغير صرف، لأنك تقول: امرأة شَنْأى (٧٨) (٧٩) (٨٠) وإن عَابَ فيه ذُو الشنَانِ وفَنَّدا (٨١) قوله: (ذو الشنانِ) على التخفيف القياسي، كقولك في تخفيف ظمآن، وملآن: ظمان، وملان.

تحذف الهمزة وتلقي حركتها على ما قبلها.

وأما فعلان في الوصف فليس بالكثير إذا لم يكن له فعلى، ومن ذلك: شيحان (٨٢) وفعلان قد جاء أيضًا مصدرًا ووصفًا، فالمصدر كالنَّقَزان، والنّغَران، والغَلَيَان، والنَّفَيَان، والغَثَيَان.

والشنآن جاءت على ما جاءت عليه هذه المصادر.

والوصف نحو: الزَّفَيان، والصَّمَيان، والقَطَوان من (قولك (٨٣) (٨٤) وقبلك ما هاب الرجالُ ظلامَعي ...

وفقَّأت عَينَ الأشوسِ (الأبيان (٨٥) وقد يجيء الاسم الذي لا يكون صفة على فَعَلان نحو: الوَرَشَان، والعلَجَان، وهو شجر يستاك به (٨٦) واختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرءوا على: فَعْلاَن (٨٧) ومن أسكن النون فإن المصدر قد جاء أيضًا على: فعلان، كما ذكرنا.

وإذا كان كذلك فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان، والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم -أي بغضكم قوما بصدهم إياكم ومن أجل صدهم أياكم- أن تعتدوا، فأضيف المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، كقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ ، و ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ ، ونحو ذلك (٨٨) واختلفوا في قوله: ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة، والباقون بفتحها (٨٩) وحجة من كسر الهمزة أنه جعل (أنْ) للجزاء وإن كان الصد ماضيًا؛ لأن المراد: بالصد ههنا: ما كان من المشركين من صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية، والماضي لا يكون فيه الجزاء، غير أنه قد يقع في الجزاء لا على أن المراد بالماضي الجزاء، ولكن المراد بالماضي ما كان مثل هذا الفعل؛ كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل لا يقع منكم كذل، وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتَسَبنْا لم تَلِدني لَئِيمةٌ ...

ولم تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرَّي بِه بُدّا (٩٠) فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، فكأن المعنى: إن (أنتسب (٩١) (٩٢) ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُم ﴾ المعنى: إن صدوكم (٩٣) وأما قول من فتح فبين لا مؤونة فيه، وهو أنه مفعول له، التقدير: لا يجرمنكم شنآن قوم؛ لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

فأنْ الثانية في موضع نصب لأنه المفعول الثاني، والأولى منصوبة لأنه مفعول له (٩٤) قال مقاتل في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ ﴾ الآية: يقول لا يحملنكم بغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرمًا، وتمنعوهم عن المسجد الحرام كما منعكم كفار مكة، أو تعرضوا للهدي (٩٥) وقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ .

قال الفراء: لِيعُن بعضكم بعضًا.

(قال): وهو في موضع جزم؛ لأنه أمر وليس بمعطوف على (تعتدوا) (٩٦) وقال الزجاج: ما مضى من هذه الآية: كله منسوخ إلا تعاون (المسلمين (٩٧) (٩٨) قال ابن عباس: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ وهو ما أمرت به، (والتقوى) ترك ما نهيت عنه (٩٩) (١٠٠) وقال عطاء في البر والتقوى: يريد كل ما كان لله فيه رضي (١٠١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ .

قال عطاء: يريد معاصي الله والتعدي في حدوده (١٠٢) قال مقاتل ثم حذرهم فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فلا تستحلوا مُحَرّمًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ إذا عاقب (١٠٣) (١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137، والطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٣) استشهد به في "مجاز القرآن" 1/ 146.

(٤) ما بين القوسين سقط من (ش).

(٥) لم أقف له على ترجمة.

(٦) اليمامة: مدينة من اليمن تقع على بعد مرحلتين من الطائف وأربع مراحل من مكة.

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 210.

(٧) ساقطة من (ش).

(٨) في (ج): (الله).

(٩) جاء ذلك مقطوعًا عن السدي وعكرمة كما في الطبري في "تفسيره" 6/ 58، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 191، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 5، "لباب == النقول" ص 86.

ولم أقف على رواية عطاء.

وانظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن" لهبة الله بن سلامة ص 62.

(١٠) "مجاز القرآن" 1/ 146.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 142.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"بحر العلوم" 1/ 413.

(١٤) "تفسير ابن عباس" ص 166، والطبري في "تفسيره" 6/ 54، و"تفسير مجاهد" 1/ 183.

(١٥) "غريب القرآن" ص 137.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 298.

(١٧) الحُمس بضم الحاء وسكون الميم: قبائل من العرب تشددوا في دينهم.

"الاشتقاق" ص 250.

(١٨) قبيلة من العرب وتعد من الحُمس وتضم بطونًا كثيرة، نسبة إلى جدهم الجاهلي عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، من في علان من العدنانية.

انظر: "الاشتقاق" ص 293، و"جمهرة أنساب العرب" / 272، و"الأعلام" 3/ 251.

(١٩) عبارة عن قبائل من العرب منهم: بنو الحُطيط وبنو غاضره وغيرهم، وينتسبون إلى قسي بن منبه.

انظر: "الاشتقاق" ص 301 - 307، و"جمهرة أنساب العرب" / 266.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) "تفسير ابن عباس" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 54 من طريق ابن أبي طلحة أيضاً.

(٢٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٢٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 6، و"زاد المسير" 2/ 272 (٢٤) في "تفسيره" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 55، 56.

(٢٧) انظر: "الصحاح" 6/ 2533، و"اللسان" 8/ 4642 (هدى).

(٢٨) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 108، و"اللسان" 8/ 4642.

(٢٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل 120.

(٣٠) "تهذيب اللغة" 3/ 3029 (قلد).

(٣١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56.

(٣٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137 - 138، والطبري في "تفسيره" 6/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٣٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 56 من طريق العوفي عن ابن عباس قال: (القلائد مقلدات الهدي، وإذا زيد الرجل هديه فقد أحرم، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه).

هذا ما وجدته عن ابن عباس.

(٣٤) هذا معنى قول عطاء وقتادة ومجاهد.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56 ، 57، و"زاد المسير" 1/ 441.

(٣٥) ساقط من (ج).

(٣٦) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 3/ 19، و"المعاني الكبير" 2/ 1120، و"اللسان" 2/ 823 (حرج)، وعند الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7 دون نسبة.

والحرجان: رجلان أبيضان، وقد يكون ذلك لقبًا لهما.

ومعنى أعورا لكم: أمكناكم من عورتهما، ويمران من أمر الحبل إذا قتله واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: المجدول ضفائر.

والشاهد منه عيب من قتل المتقلدين بلحاء شجر الحرم.

(٣٧) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7.

(٣٨) هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة 95 هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 88، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 187، و"التقريب" 534 رقم (6706).

(٣٩) أخرج نحوه عن عطاء: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وذكره عن مطرف وعطاء ابن كثير في "تفسيره" 2/ 6.

(٤٠) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٢) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٤٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 62، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 7.

(٤٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٦) لم أقف عليه.

(٤٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 274.

(٤٩) انظر: "الخصائص" 2/ 461، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 405.

(٥٠) لم أقف على ترجمة له.

(٥١) البيت في "الحجة" 2/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، 161، و"الخصائص" 2/ 461.

(٥٢) "ديوان جرير" ص 467، وفيه: (يا حارث اليمن)، و"الحجة" 3/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، و"الخصائص" 2/ 461.

والشاهد من البيتين أن جريرًا دعا هذا الرجل بزهرة اليمن بناء على زعمه وقوله، الوسوم: جمع وسم، وهو أثر الكي، والمراد: أذى الهجاء، وحان: هلك.

(٥٣) لعل الصواب: بعض؛ لأن المؤلف ذكر رأي الأكثرية عقب هذا.

(٥٤) في (ش): (هنا).

(٥٥) هذا هو المشهور عن ابن عباس وقتادة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 167، و"الناسخ والمنسوخ" لقتادة ص 40، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 61، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٨) قال الطبري في "تفسيره" 6/ 60: اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا، ونحو ذلك في "النكت والعيون" 2/ 6، وقد == نسب ما ذكره المؤلف من أنها محكمة إلى الحسن.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"زاد المسير" 2/ 277.

(٥٩) لم أقف عليه.

(٦٠) "معاني الزجاج" 2/ 143.

(٦١) "تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٢) الطبري في "تفسيره" 6/ 63، و"معاني الزجاج" 2/ 143، و"تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٣) "تفسير ابن عباس" ص 168، وأخرجه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 63.

(٦٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٦٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138.

قال الفراء: والمعنى متقارب.

(٦٦) في (ش): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في "معاني الفراء".

(٦٧) من "معاني القرآن" 1/ 299، و"تهذيب اللغة" 1/ 588 بتصرف.

(٦٨) عجز بيت لأبي أسماء بن الضريبة الفزاري، وصدره: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة "الكتاب" 3/ 138، و"مجاز القرآن" 1/ 147، و"المقتضب" 2/ 351، و"اللسان" 1/ 605 (جرم).

(٦٩) من "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٧٠) لم أقف عليه.

(٧١) جزء من شطر بيت لأبي خراش الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 2/ 133، و"الحجة" 3/ 196، و"تهذيب اللغة" 1/ 589 (جرم)، وتمام: جريمة ناهض في رأس نيق ...

ترى لعظام ما جمعت صليبا وجريمة: أي كاسبة.

والناهض: فرخ العقاب، والنيق: أرفع موضع في الجبل.

والصليب: ودك العظاء.

(٧٢) "الحجة" 3/ 196، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 587 - 588 (جرم).

(٧٣) انظر: "الحجة" 3/ 195 - 197.

(٧٤) "الحجة" 3/ 197.

(٧٥) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٦) "مجاز القرآن" 1/ 148، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 300، و"تهذيب اللغة" 1/ 1941 (شنأ).

(٧٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٨) "الحجة" 3/ 199.

(٧٩) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الحجة" 3/ 199.

(٨٠) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، شاعر هجاء لقب بالأحوص لضيق في مؤخر عينيه، كان معاصرًا لجرير والفرزدق، وقد نفي إلى اليمن من قبل بني أمية لمبالغته في النسيب.

توفي سنة 105هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 345، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 593، و"الأعلام" 4/ 116.

(٨١) عجز بيت للأحوص في "ديوانه" ص 58 وصدره: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي والبيت في "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الشعر والشعراء" ص 344، و"الحجة" 3/ 199.

والشاهد أن شنان جاء مخففًا، ومعناه: البغض والكره، وفندا: من التفنيد وهو التكذيب.

(٨٢) "الحجة" 3/ 201.

(٨٣) في (ج): (ذلك).

(٨٤) انظر: "الحجة" 3/ 202، 203.

(٨٥) في "النوادر" لأبي زيد ص 148، ونسبه لأبي المجشر الضبي شاعر جاهلي، و"الحجة" 3/ 209، والأشوس هو الرافع رأسه كثيراً.

انظر: "اللسان" 4/ 2359 (شوس).

(٨٦) انظر: "الحجة" 3/ 202.

(٨٧) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وابن عامر ورواية عن عاصم ونافع.

انظر: "الحجة" 3/ 195، و"التيسير" ص 98.

(٨٨) "الحجة" 3/ 211.

(٨٩) "الحجة" 3/ 212، و"التيسير" ص 98.

(٩٠) البيت لزائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجته وكانت أمها سرية.

انظر: "شرح أبيات المغني" 1/ 125.

(٩١) في (ش): (تنسب) وهو الموافق لما في "الحجة" 3/ 213.

(٩٢) في (ش): (مولودًا لئيمًا)، وفي "الحجة" 3/ 213: (مولود لئيمة)، ولعله هو الأرجح.

(٩٣) هكذا في (ش)، (ج)، وفي "الحجة" 3/ 293: (صدكم)، وهو الأولى.

(٩٤) انتهى من "الحجة" 3/ 212 - 214.

(٩٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 449، 450.

(٩٦) "معاني القرآن" 1/ 300.

(٩٧) تكررت في (ج).

(٩٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 144، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 442، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٩٩) "تفسيره" ص 168، وأخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 6/ 67.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 67.

(١٠١) في (ج): (رضا) بالألف، ولم أقف عليه عن عطاء.

(١٠٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 277.

(١٠٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 414.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ﴾ قيل: هي مناسك الحج، كان المشركون يحجون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقيل لهم: لا تحلوا شعائر الله: أي لا تغيروا عليهم ولا تصدّوهم وقيل: هي الحرَم، وإحلاله الصيد فيه، وقيل هي ما يحرم على الحاج من النساء والطيب والصيد وغير ذلك، وإحلاله: فعله ﴿ وَلاَ الشهر الحرام ﴾ قيل: هو جنس الأشهر الحرام الأربعة، وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة وذو الحجة، وإحلالها هو: القتال فيها وتغيير حالها، ﴿ وَلاَ الهدي ﴾ هو ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويذبح تقرّباً إلى الله فنهى الله أن يستحل بأن يغار عليه، أو يصد عن البيت ﴿ وَلاَ القلائد ﴾ قيل: هي التي تعلق في أعناق الهدي، فنهى عن التعرّض لها، وقيل: أراد ذوات القلائد من الهدي وهي البُدن وجدّدها بالذكر بعد دخولها في الهدي اهتماماً بها وتأكيداً لأمرها ﴿ ولا آمِّينَ البيت الحرام ﴾ أي قاصدين إلى البيت لحج أو عمرة، ونهى الله عن الإغارة عليهم أو صدّهم عن البيت، ونزلت الآية على ما قال السهيلي بسبب الحطم البكري واسمه: شُريح بن ضبيعة أخذته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر، وهاذ النهي عن إحلال هذه الأشياء: عام في المسلمين والمشركين، ثم نسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] وبقوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام ﴾ [التوبة: 28] وبقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ [التوبة: 17] ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا ﴾ الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة في الدنيا والآخرة ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ أي إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم، فالأمر هنا إباحة بإجماع ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ معنى لا يجرمنكم: لا يكسبنكم، يقال: جرم فلان فلاناً هذا الأمر إذا أكسبه إياه وحمله عليه، والشنآن: هو البغض والحقد، ويقال: بفتح النون وإسكانها، وأن صدوكم: مفعول من أجله، وأن تعتدوا: مفعول ثان ليجرمنكم، ومعنى الآية: لا تحملنكم عداوة قوم على أن تعتدوا عليهم من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل، لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم، لأن الله علم أنهم يؤمنون ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى ﴾ وصية عامة، والفرق بين البرّ والتقوى أن البرّ عام في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات، وفي كل ما يقرب إلى الله، والتقوى في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات فالبر أعم من التقوى ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ الفرق بينهما أن الإثم كل ذنب بين العبد وبين الله أو بينه وبين الناس، والعدوان على الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.

الباقون مثقلة.

﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.

الباقون بالفتح.

﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.

الباقون بالفتح.

﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.

﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.

الباقون بالجر.

الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.

﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.

﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.

﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.

﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.

﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.

﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.

﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.

﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.

﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.

والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.

والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.

والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.

ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله  : " "لا نذر في معصية الله" .

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله  : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.

وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله:  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح  ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.

والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.

ثم إنه  لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.

وهذا باب مبهم أي مسدود.

ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.

والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.

قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.

وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.

وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.

وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.

وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

الثاني أنها الأجنة.

عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه  يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.

وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله  وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله  في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.

والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.

على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.

قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.

وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.

ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟

فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.

ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".

وقال ابن فارس: واحدها شعارة.

ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.

ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.

وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.

وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي  من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي  فقال له: إلام تدعو الناس؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.

فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.

وقد كان النبي  قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.

فلما خرج قال رسول الله  : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .

فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله  وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله  : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟

فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.

والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.

والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.

والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.

والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.

ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.

وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله  ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.

وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه  أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله  ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.

﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.

تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.

الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.

والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.

ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.

وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.

قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله  والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.

﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.

والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله  وتعالى .

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.

﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.

الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.

قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.

وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.

والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.

الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.

وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.

السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.

وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.

السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.

الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.

والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.

وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.

تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.

التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.

قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.

أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.

وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.

وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.

وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.

الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.

فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.

فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.

والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.

يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.

وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.

وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه  مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.

ثم إنه  حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.

وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي  واقف على ناقته العضباء.

وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.

فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله  محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.

قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي  مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟

وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.

وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.

وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.

والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.

قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.

وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.

قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.

وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.

روي أنه لما نزلت الآية على النبي  فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.

وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.

قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي  عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.

والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.

ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.

واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.

ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.

وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.

تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.

أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل  جاء إلى النبي  فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله  فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي  فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله  إلى أن نزلت هذه الآية.

فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .

وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله  زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.

الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي  نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.

ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله  عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .

الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.

الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.

الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.

ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.

ومنه الفواسق الخمس.

روي أنه  قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .

السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه  نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.

السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله  : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.

فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.

وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.

وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.

والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه  قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.

ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.

قوله  : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.

قال  : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار  ﴾ أي كسبتم.

وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.

وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.

نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.

والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.

قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله  : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.

واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.

ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.

ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله  لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.

وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.

ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.

وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.

ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.

و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره  ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.

وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.

والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.

ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.

أما قوله  : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.

وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله  .

/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.

وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.

وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.

وقد يرجح الأول بأنه  قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.

ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.

وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله  ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.

وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.

فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟

وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.

﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.

وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.

وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله  : ﴿ حتى يعطوا الجزية  ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.

والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله  في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.

ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.

وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.

وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.

وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.

واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.

ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.

ثم إنه  لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله  نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.

وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.

ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.

الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.

والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.

وأيضاً إنه طهارة وقد قال  في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال  : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.

الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.

وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.

وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.

وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.

ويروى "أنّ النبي  كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه  صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.

قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .

أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.

وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.

الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.

وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.

ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.

وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.

نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله  والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال  : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.

الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.

الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.

وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله  : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين  ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.

وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.

السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.

وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.

وقال  في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .

وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.

ثم إنه  أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله  عنه.

وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.

ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.

وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.

السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه  رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.

الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.

وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه  احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .

التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.

وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.

الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.

وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.

الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟

قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.

قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.

الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟

يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.

وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.

الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.

الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.

السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.

السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.

الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.

وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.

التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.

أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.

حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.

العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.

الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.

الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.

لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.

الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.

الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.

مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.

الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.

الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.

السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.

السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.

ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.

وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.

وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.

وهذا الجواب اختيار الزجاج.

وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.

الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.

لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.

التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.

الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.

الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.

أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه  مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.

الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.

الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.

وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه  مسح على العمامة.

وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.

الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر  أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.

وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.

وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.

والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.

الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.

وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.

والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.

حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه  قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .

السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.

حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.

السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.

الثامنة والثلاثون.

قوله  : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.

وللجنابة سببان: نزول المني لقوله  : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه  قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.

التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.

لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون  ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله  : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله  : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.

ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله  : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.

الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.

الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.

الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.

قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.

وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.

الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله  : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.

الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.

السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.

السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.

الشافعي يكره للحديث.

الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي  من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.

وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.

التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.

الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.

الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.

حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.

الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.

وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.

الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.

والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.

الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.

وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.

حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله  : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله  : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.

السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.

وقال أبو حنيفة: نجسه.

السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.

وقال زفر: لا يجب.

الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.

أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.

التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله  : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .

الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي  وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.

لنا قوله  : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.

الحادية والستون.

الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله  فيبقى في التيمم على ظاهره.

أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.

أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.

الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.

وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.

الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.

وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.

الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.

الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.

السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.

والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.

ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.

وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.

السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.

الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.

/واعلم أن قوله  وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.

وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.

أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول  : ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ولقوله  : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.

التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله  لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.

﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.

ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.

فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟

فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.

الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.

وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.

ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.

وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.

وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟

ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟

فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.

وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.

بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.

عن جابر "أن النبي  نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي  سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله  فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟

قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي  يقول: الله.

فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي  أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .

وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي  رجلين من بني سليم - وبين النبي  وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟

فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.

فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل  وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.

وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.

التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.

فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.

ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.

﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.

﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي  ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.

وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين  ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ .

أجمع أهل التأويل على أن العقود - هاهنا - هي العهود، ثم العهود على قسمين: عهود فيما بين الخلق، أمر الله - عز وجل - بوفائها.

وعهود فيما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم، من نحو: الفرائض التي فرض الله عليهم، والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك، أمر عز وجل بوفائها.

وأما العهود التي فيما بينهم من نحو: الأيمان وغيرها، أمر بوفاء ذلك إذَا لم يكن فيها معصيَة الرب؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا...

﴾ الآية [النحل: 91] أمر هاهنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها، ثم جاء في الخبر أنه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ [عن] يَمِيْنَهُ" .

أمر فيما فيه معصية بفسخها، وأمر بوفاء ما لم يكن فيه معصية، ونهى عن نقضها بقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ...

﴾ الآية [النحل: 91].

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ : وهي العهود، وهو ما أحل وما حرم، وما فرض وما حدَّ، في القرآن كله، وهو ما ذكرنا.

وقيل: إن العقود التي أمر الله -  - بوفائها هي العهود التي أخذ الله -  - على أهل الكتاب: أن يؤمنوا بمحمد  ، ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ \[الآية\] [المائدة: 12].

فالخطاب لهم على هذا التأويل؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ .

قال بعضهم: هي الوحوش، وهو قول الفراء؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؟!.

وقال الحسن: هي الإبل والبقر والغنم.

وقال آخرون: البهيمة: كل مركوب.

لكن عندنا: كل مأكول من الغنم، والوحش، والصيد، وغيره، وإن لم يذكر.

دليله، ما استثنى: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؛ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من ﴿ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ الآية [المائدة: 3] ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر؛ لأنه استثنى الصيد منه، وأبداً: إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان فيه ذلك، وأما إذا لم يكن؛ فلا معنى للاستثناء، فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على أن الصيد فيه، وإن لم يذكر.

ودل قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ على أن النهي كان عن الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله؛ لأن للمحرم أن يأكل صيداً صاده حلالٌ.

ودل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد قد دخل في قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم: أن البيان في الجواب يدل على كونه في السؤال، وإن لم يكن مذكوراً في السؤال؛ فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على كونه فيه، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ الثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام: ﴿ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143].

والآية تدل على أن الذي أحل من البهائم - الأنعام منها - ثمانية؛ دل عليه قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ ؛ ففصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير؛ [فالخير والبغال والحمير] خلقها للركوب، والأنعام للأكل.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد، ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل: يتلى على الوعد، أي: يتلى عليكم من بعد ما ذكر على أثره: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...

﴾ إلى آخر [المائدة: 3]، ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ وهو ما ذكر.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "إلا ما يتلى عليكم فيها"، في سورة الأنعام: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...

﴾ إلى آخره [الأنعام: 145].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - أي: إلى الله الحكم، يحكم بما شاء من التحريم والتحليل، فيما شاء، على ما شاء، ليس إليكم التحكم عليه، وهذا ينقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يريد طاعة كل أحد، ولو أراد ذلك لحكم؛ لأنه أخبر أنه يحكم ما يريد، ولا جائز أن يريد ولا يحكم؛ فدل أنه: لم يرد؛ لأنه لو أراد لحكم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ .

عن ابن عباس: -  - قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم؛ فأنزل الله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ، يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه، ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ...

﴾ الآية.

وقال غيره: قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني: المناسك، لا تستحلوا ترك شعائر الله، والشعائر هي المناسك؛ ألا ترى أن الله -  - سمى كل منسك من الحج شعائر الله؟!

كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، كل هذا من شعائر الله، وهن معالم الله في الحج.

وقيل: شعائر الله: فرائض الله؛ كأنه قال: لا تستحلوا ترك ما فرض الله عليكم.

وقال الحسن: ﴿ شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال: دين الله، وهو واحد.

وقيل في قوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ...

 ﴾ حتى بلغ ﴿ وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ  ﴾ ، فقال: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية؛ فكان الرجل لو جر جريرة وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم الله -  - لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتلَ أبيه في الأشهر الحرم لم يَتَعَرَّضْ له، وكان الرجل لو لقي الهدى مقلداً - وهو يأكل العصب من الجوع - لم يعرض له، ولم يقربه؛ فإذا أراد البيت يقلَّد قلادة من شعر؛ فحرمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تستحلوا ما أشعركم الله حرمته، وهو من الأعلام، ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ذكرنا.

وقال: لا تحلُّوا الحرام ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد.

وهذه أمور كانت من قبل فَنُسِخَتْ بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وعن الشعبي [أنه] قال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية؛ نسخها: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقالت عائشة -  ا -: "إنها آخر ما أنزل؛ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ فهو هو كقوله -  -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ .

وقد ذكرنا أن الله - عز وجل - أطلق الحرم في الشهر الحرام بعد ما كان محظوراً بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ ﴾ .

فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية فيما ذكرنا، وفيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله - حيث قالوا: إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر تقلد؛ لأنه ذكر الهدي والقلائد؛ فدل أن من الهدي ما يقلد، ومنه ما لا يقلد.

﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ .

أي: قاصدين البيت الحرام.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ .

قيل: إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام يلتمسون فضل الله ورضوانه؛ بما يصلح لهم دنياهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ  ﴾ .

وقد يجوز أن يكونوا لما التمسوا عند أنفسهم رضوان الله - أمر الله المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في توجيه العبادة؛ فجعلوها لغير الله؛ كقوله  : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ ﴾ .

[دل] هذا على أن النهي في قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أي: أخذ الصيد واصطياده في الإحرام، لا أكله، وهو إباحة ما حُظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره أمراً، ومعناه: فإذا حللتم لكم أن تصطادوا.

وأصله: أن كل أمر خرج على أثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور المحرم، لا أمر إلزام وإيجاب؛ من نحو قوله -  -: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وهو المحظور المتقدم، وقوله -  -: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ أمر إطلاق وإباحة ما حُظر عليهم، ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره.

وفي حرف ابن مسعود -  - في قوله: ﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ : "ولا تأموا"، وكذلك في حرفه؛ "فأموا صعيداً طيباً".

وقيل في قوله -  -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ : حجهم؛ فلا يقبل عنهم حتى يسلموا؛ فنهى الله -  - رسوله عن قتالهم.

وقال بعضهم: "إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة يقال له: شريح، وذلك أنه أتى المدينة، فدخل على النبي  فقال: أنت محمد النبي؟

فقال: نَعَمْ، فقال: إلام تدعو؟

قال: أَدْعُوا إِلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَأَنَّي [مُحَمَّدٌ] رَسُولُ الله، فقال شريح: يا محمد، هذا شرط شديد، وإن لي أمراء خلفي أرجع إليهم؛ فأعرض عليهم ما اشترطت عليَّ، وأستأمرهم في ذلك، فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت فكنت معهم، ثم انصرف خارجاً من عند رسول الله  ، فلما خرج، قال رسول الله  : لَقَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعَقِبَىْ غَادِرٍ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهٍ كَافِرٍ، وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ فمرَّ شريح بسرح لأهل المدينة فساقها منهم.

فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يُغِير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر الحرم، أمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، فمن أراد أن يسافر قلد بعيره من الشعر أو الوبر؛ فيأمن بذلك الهدي حيثما ذهب، فلما سمع أصحاب رسول الله  بحج شريح، وقدومه إلى مكة، أرادوا أن يغيروا على شريح؛ فيأخذوا ما معه، ويقتلوهم؛ كما أغار شريح على سريح أهل المدينة قبل ذلك؛ فاستأمروا رسول الله  [في ذلك]؛ فنزلت الآية فيهم: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ...

﴾ " إلى آخره؛ فلا ندري كيف كانت القصة؟

وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة، إلا القدر الذي ذكر الله في ذلك.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ ، وقال  في موضع آخر: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ الآية [المائدة: 8]، وقال في آية أخرى: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً ﴾ الآية [النساء: 135].

ذكر في بعضها الاعتداء ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حُد لهم.

وذكر في بعضها العدل، وأمر به، ونهى عن الظلم والجور.

ثم الأسبابُ التي تحملهم وتبعثهم على الاعتداء والظلم، وتمنع القيام بالشهادة والعدل - ثلاثة: أحدها: ما ذكر - عز وجل - البغض والعداوة، بقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ] أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2]، وقال: ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً  ﴾ أمرهم بالقيام بالشهادة، وأخبر ألا يمنعكم الولاية والقرب القيام بالشهادة، أو طَمَعُ غِنًى أو خَوْفُ فَقْرٍ.

هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتبعثهم على الجور والاعتداء؛ فنهاهم الله - عز وجل - أن يحملهم بغض قوم، أو عداوة أحد على الجور والاعتداء.

أو تمنعهم الشفقة، أو القرب، أو طمع غنى أحد، أو خوف فقر - القيامَ بالشهادة وما عليهم من الحق.

وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، فإذا كان كله لله، قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاوزة الحد الذي حد له، وقدر على القيام بالشهادة، وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به، من نحو ما ذكر: من البغض والعداوة، والقرب والشفقة، أو طمع الغنى وخوف الفقر؛ إذا جعل الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء، وكذلك الشهادة إذا جعلها لله قام بأدائها، ولو على نفسه، أو ما ذكر، لم يمنعه شيء عن القيام بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كأن البر هو اسم كل خير، والتقوى: هي ترك كل شرٍّ.

﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ ﴾ .

ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر: الإثمَ، وبإزاء التقوى: العدوانَ؛ فهذا يبين أن البرَّ: اسم لكل خير، والتقوى: هي الانتهاء عن كل شرٍّ.

ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به، وهو قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ يقول: عاونوهم على ما يأتون به من ذلك؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برًّا؛ لعبادتهم غير الله  .

وإنما أمروا بمعاونتهم، وترك التعرض لهم - إن ثبت ما ذكر في القصة -: إذا أحرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم وبَيعِهِم، وإن كانوا يعصون الله فيها؛ لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البرّ عند أنفسهم.

فلما أمر بنقض عهود مشركي العرب، أمر بمنعهم من دخول المسجد، وأن يقتلوا حيث وجدوا، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم الله، والله أعلم - في فَرْقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم، وشهادة فُسَّاق المسلمين؛ لأن أهل الذمة متدينون بكفرهم، والفساق غير متدينين بفسقهم.

وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه المشركون من أموال المسلمين، وبين ما يغلب عليه الفساق من أموال المسلمين.

وكذلك سبيل الدماء التي يصيبها المحاربون من أهل البغي من أهل العدل، لا تشبه ما يصيبه الفساق منها؛ لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر المقر بالذنب فيه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يُطْلَقَ لمن يعاقدونه من أهل الكتاب الصلاة في كنائسهم، وإن كان ذلك عندنا معصية حراما، ولا يجوز أن يُطْلَقَ المعصية لفساق المسلمين بحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أي: نقمة الله وعذابه: في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

قال ابن عباس:  - في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ : أي: لا يحملنكم بغض قوم؛ لصدهم إياكم عن البيت الحرام؛ فتأثموا فيهم: أن تعتدوا؛ فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم.

وقال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ البر: ما أمرت به، والتقوى: الكف عما نهيت عنه.

وقال: والعدوان: هو المجاوزة عن حد الله الذي حده لعباده.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ : قال بعضهم: لا يؤثمنكم بغض قوم أن تعتدوا.

وقال آخرون: لا يحملنكم.

وفيه لغتان: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ برفع الياء، وبنصبها: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا لا تستحلوا حرمات الله التي أمركم بتعظيمها، وكُفوا عن محظورات الإحرام: كلبس المخيط، وعن محرمات الحَرَم كالصيد، ولا تستحلوا القتال في الأشهر الحرم، وهي (ذو القعدة، ذو والحجة، والمحرم، ورجب)، ولا تستحلُّوا ما يهدى إلى الحرم من الأنعام ليذبح لله هناك بغصب ونحوه، أو مَنْع من وصوله إلى محله، ولا تستحلُّوا البهيمة عليها قلادة من صوف وغيره للإشعار بأنه هدي، ولا تستحلوا قاصدي بيت الله الحرام يطلبون ربح التجارة ومرضاة الله، وإذا حللتم من الإحرام بحج أو عمرة، وخرجتم من الحرم فاصطادوا إن شئتم، ولا يحملنكم بغض قوم لصدهم لكم عن المسجد الحرام على الجَور وترك العدل فيهم، وتعاونوا -أيها المؤمنون- على فعل ما أُمِرْتم به، وترك ما نُهِيتُم عنه، وخافوا الله بالتزام طاعته والبعد عن معصيته، إن الله شديد العقاب لمن عصاه، فاحذروا من عقابه.

من فوائد الآيات عناية الله بجميع أحوال الورثة في تقسيم الميراث عليهم.

الأصل هو حِلُّ الأكل من كل بهيمة الأنعام، سوى ما خصه الدليل بالتحريم، أو ما كان صيدًا يعرض للمحرم في حجه أو عمرته.

النهي عن استحلال المحرَّمات، ومنها: محظورات الإحرام، والصيد في الحرم، والقتال في الأشهر الحُرُم، واستحلال الهَدْي بغصب ونحوه، أو مَنْع وصوله إلى محله.

<div class="verse-tafsir" id="91.ADeKa"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد