الآية ٢٠ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٠ من سورة المائدة

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام ، فيما ذكر به قومه نعم الله عليهم وآلاءه لديهم ، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة ، فقال تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ) أي : كلما هلك نبي قام فيكم نبي ، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده .

وكذلك كانوا ، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته ، حتى ختموا بعيسى عليه السلام ، ثم أوحى الله [ تعالى ] إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام ، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم .

وقوله : ( وجعلكم ملوكا ) قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن الحكم أو غيره ، عن ابن عباس في قوله : ( وجعلكم ملوكا ) قال : الخادم والمرأة والبيت .

وروى الحاكم في مستدركه ، من حديث الثوري أيضا ، عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال : المرأة والخادم ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ ، ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو هانئ ; أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين؟

فقال عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها؟

قال : نعم .

قال : ألك مسكن تسكنه؟

قال : نعم .

قال : فأنت من الأغنياء .

فقال : إن لي خادما .

قال فأنت من الملوك .

وقال الحسن البصري : هل الملك إلا مركب وخادم ودار ؟

رواه ابن جرير .

ثم روي عن منصور والحكم ومجاهد وسفيان الثوري نحوا من هذا .

وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران .

وقال ابن شوذب : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم ، واستؤذن عليه ، فهو ملك .

وقال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم .

وقال السدي في قوله : ( وجعلكم ملوكا ) قال : يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة ، كتب ملكا " .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقال ابن جرير : حدثنا الزبير بن بكار حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض [ قال ] سمعت زيد بن أسلم يقول : ( وجعلكم ملوكا ) فلا أعلم إلا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له بيت وخادم فهو ملك " .

وهذا مرسل غريب .

وقال مالك : بيت وخادم وزوجة .

وقد ورد في الحديث : " من أصبح منكم معافى في جسده ، آمنا في سربه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .

وقوله : ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) يعني عالمي زمانكم ، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم ، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم كما قال : ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين ) [ الجاثية : 16 ] وقال تعالى إخبارا عن موسى لما قالوا : ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون .

إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون .

قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ) [ الأعراف : 138 - 140 ] والمقصود : أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم ، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم ، وأفضل عند الله ، وأكمل شريعة ، وأقوم منهاجا ، وأكرم نبيا ، وأعظم ملكا ، وأغزر أرزاقا ، وأكثر أموالا وأولادا ، وأوسع مملكة ، وأدوم عزا ، قال الله [ عز وجل ] ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) [ آل عمران : 110 ] وقال ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله ، عند قوله عز وجل : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) من سورة آل عمران .

وروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله : ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) يعني : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله : ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) مع هذه الأمة .

والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا .

وقيل : المراد : ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) يعني بذلك : ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى ، وتظللهم من الغمام وغير ذلك ، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات ، فالله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر: وهذا أيضا من الله تعريفٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قديمَ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدِهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم= مسلِّيًا بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من علاجهم، وينـزل به من مقاساتهم في ذات الله.

يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن الله، والبعد من الحق، وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم= وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم= واذْكُر إذ قال موسى لهم: " يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم "، يقول: اذكروا أيادِي الله عندكم، وآلاءه قبلكم، (26) كما:- 11622 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة: " اذكروا نعمة الله عليكم "، قال: أيادي الله عندكم وأيَّامه.

(27) 11623 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " اذكروا نعمة الله عليكم " يقول: عافية الله عز وجل.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت " العافية " أحد معاني" النعم ".

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنَّ موسى ذكَّر قومه من بني إسرائيل بأيَّام الله عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، (28) فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم، بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه، ويخبرونكم بأنباء الغيب، (29) ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا.

(30) =فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم موسى إذ صار إلى الجبل، وهم السبعون الذين ذكرهم الله فقال: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا [سورة الأعراف: 155].

* * * =" وجعلكم ملوكًا " سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.

* * * وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحدٌ سواهم يخدُمه أحد من بني آدم.

ذكر من قال ذلك: 11624 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكًا "، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا.

* * * وقال آخرون: كل من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو " ملك "، كائنًا من كان من الناس.

ذكر من قال ذلك: 11625 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا أبو هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟

فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟

قال: نعم!

قال ألك مسكن تسكُنُه؟

قال: نعم!

قال: فأنت من الأغنياء!

فقال: إنّ لي خادمًا.

قال: فأنت من الملوك.

(31) 11626 - حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: " وجعلكم ملوكًا " فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك.

(32) 11627 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: " وجعلكم ملوكًا "، فقال: وهل المُلْك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟

فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواج.

ذكر من قال ذلك: 11628 - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور= قال: أراه عن الحكم=: " وجعلكم ملوكًا "، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم، عُدَّ ملكًا.

11629 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= عن منصور، عن الحكم: " وجعلكم ملوكًا " قال: الدار والمرأة، والخادم= قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة.

(33) 11630 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: البيت والخادم.

11631 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: الزوجة والخادم والبيت.

11632 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

11633 - حدثنا المثنى قال، حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمَّى مَلِكًا.

(34) 11634 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: مُلْكُهم الخدم= قال قتادة: كانوا أوَّل من مَلك الخدم.

11635 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

* * * وقال آخرون: إنما عنى بقوله: " وجعلكم ملوكًا " أنهم يملكون أنفُسَهم وأهلِيهم وأموالهم.

ذكر من قال ذلك: 11636 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجعلكم ملوكًا " يملك الرجل منكم نفسَه وأهلَه ومالَه.

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب.

فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 11637 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قالا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال آخرون: عُنِي به قوم موسى صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 11638 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، هم قوم موسى.

11639 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ.

(35) * * * ثم اختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين.

فقال بعضهم: هو المنّ والسلوى والحجر والغمام.

(36) ذكر من قال ذلك: 11640 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام.

11641 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، يعني: أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.

* * * وقال آخرون: هو الدَّار والخادِم والزوجة.

ذكر من قال ذلك: 11642 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة.

(37) 11643 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، المنّ والسلوى والحجر والغمام.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، في سياق قوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ومعطوفٌ عليه.

(38) ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية.

فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم.

فإن ظن ظان أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، لا يجوز أن يكون لهم خطابًا، (39) إذ كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها عليه السلام محمّدٍ، ما لم يُؤتَ أحدٌ غيرهم، (40) =وهم من العالمين= (41) فقد ظنَّ غير الصواب.

وذلك أن قَوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان.

ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه صلى الله عليه وسلم، أحد من العالمين.

(42) فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك، لا على جميع [عالم] كلِّ زمان.

(43) ---------------------- الهوامش : (26) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة.

(27) الأثر: 11622-"عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة الأسدي الحميدي".

روى عن ابن عيينة ، والشافعي وهذه الطبقة.

روى عن البخاري.

ومضى برقم: 9914.

(28) في المطبوعة: "فحرضهم بذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(29) في المطبوعة: "ويخبرونكم بآياته الغيب" ، وهو كلام فارغ من المعنى ، وفي المخطوطة هكذا"بآياتنا الغيب" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(30) انظر تفسير"نبي" فيما سلف 2: 140-142/6: 380 ، وغيرها في فهارس اللغة.

(31) الأثر: 11625-"أبو هانئ" ، هو: "حميد بن هانئ الخولاني المصري" من ثقات التابعين ، مضى: 6039 ، 6657.

و"أبو عبد الرحمن الحبلي" ، هو: "عبد الله بن يزيد المعافري" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 6657 ، 9483.

وهذا حديث صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 18: 109 ، 110 ، من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، عن ابن وهب ، بإسناده ، مطولا.

وقصر السيوطي في الدر المنثور 1: 270 فقال"أخرجه سعيد بن منصور" ، واقتصر عليه.

(32) الأثر: 11626-"الزبير بن بكار" شيخ الطبري ، مضى برقم: 7855.

"وأنس بن عياض بن ضمرة" ، ثقة.

مضى برقم: 7 ، 1679.

والحديث خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 270 ، ولم ينسبه لابن جرير ، ونسبه للزبير بن بكار في الموفقيات ، ولأبي داود في مراسيله.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 112 ، 113 ، وقال: "وهذا مرسل غريب".

(33) في المطبوعة: "واثنتين" بالواو ، والصواب من المخطوطة.

(34) الأثر: 11633-"علي بن محمد بن إسحق الطنافسي" ، روى عن أبي معاوية الضرير.

ثقة صدوق.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/202.

وكان في المخطوطة"الطيالسي" ، وهو خطأ من الناسخ.

و"أبو معاوية" الضرير ، هو: "محمد بن خازم التميمي".

ثقة كثير الحديث ، كان يدلس.

مضى برقم: 2783.

و"حجاج بن تميم الجزري".

روى عن ميمون بن مهران ، وروى عنه أبو معاوية الضرير.

قال النسائي: "ليس بثقة" ، وقال الأزدي: "ضعيف".

وقال العقيلي: "روى عن ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها".

وقال ابن حبان في الثقات: "روى عن ميمون بن مهران.

روى عنه أبو معاوية الضرير".

مترجم في التهذيب.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حجاج بن نعيم" ، وهو خطأ محض كما ترى.

(35) الأثر 11639- هذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 311 ، 312 ، من طريق مصعب بن المقدام ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأعمش ، مطولا.

ونصه: "الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ".

وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

والذي في نص الطبري"هم بين ظهرانيه يومئذ" ، الضمير بالإفراد ، كأنه يعني"العالم" الذي هم بين ظهرانيه يومئذ.

والخبر خرجه السيوطه في الدر المنثور 1: 269 ، وزاد نسبته للفريابي ، وابن المنذر ، والبيهقي في شعب الإيمان.

(36) "الحجر" ، يعني الحجر الذي ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.

وانظر ما سلف 2: 119-122.

(37) الأثر: 11642-"بشر بن السري البصري" ، أبو عمرو الأفوه ، ثقة كثير الحديث.

روى له الجماعة ، وهو من شيوخ أحمد.

مترجم في التهذيب.

و"طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي" ، روى عن عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير وغيرهما.

ضعيف جدًا ، قال أحمد: "لا شيء ، متروك الحديث".

وقال ابن عدي: "روى عنه قوم ثقات ، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".

وقال ابن حبان: "لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه ، إلا على جهة التعجب".

مترجم في التهذيب.

(38) لم يفهم ناشر المطبوعة عربية أبي جعفر ، فجعل الكلام هكذا: "وآتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين ، خطاب لبني إسرائيل حيث جاء في سياق قوله: اذكروا نعمة الله عليكم = ومعطوفًا عليه" ، فغير وزاد وأساء وخان الأمانة!!

(39) في المطبوعة: "لا يجوز أن تكون خطابًا لبني إسرائيل" بزيادة"لبني إسرائيل" ، وفي المخطوطة: "أن تكون له خطابا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(40) في المطبوعة والمخطوطة: "من كرامة الله نبيها عليه السلام محمدًا ما لم يؤت أحدًا غيرهم" ، فأثبت زيادة المخطوطة ، وجعلت"نبيها""بنبيها" ، بزيادة الباء في أوله ، وجعلت"أحدًا""أحد" ، وذلك الصواب المحض.

(41) السياق: "فإن ظن ظان..

فقد ظن غير الصواب".

(42) السياق: "ولم يكن أوتي في ذلك الزمان..

أحد من العالمين".

(43) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف 1: 143-146/2: 23-26/5: 375/6: 393.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكمتبيين من الله تعالى أن أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه ; فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام ، وهو تسلية له ; أي : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، واذكروا قصة موسى ، وروي عن عبد الله بن كثير أنه قرأ " يا قوم اذكروا " بضم الميم ، وكذلك ما أشبهه ; وتقديره يا أيها القوم .

إذ جعل فيكم أنبياء لم ينصرف ; لأنه فيه ألف التأنيث .

وجعلكم ملوكا أي : تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين ، فأنقذكم منه بالغرق ; فهم ملوك بهذا الوجه ، وبنحوه فسر السدي والحسن وغيرهما .

قال السدي : ملك كل واحد منه نفسه وأهله وماله ، وقال قتادة : إنما قال : وجعلكم ملوكا لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني آدم .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف ; لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل ، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا ، وإنما اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط ، وقيل : جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن ; روي معناه عن جماعة من أهل العلم .

قال ابن عباس : إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك ، وعن الحسن أيضا وزيد بن أسلم من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك ; وهو قول عبد الله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟

فقال له [ ص: 83 ] عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟

قال : نعم .

قال : ألك منزل تسكنه ؟

قال : نعم .

قال : فأنت من الأغنياء .

قال : فإن لي خادما .

قال : فأنت من الملوك .

قال ابن العربي : وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في الكفارة ولم يجز له الصيام ، لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام ، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق ، وقال ابن عباس ومجاهد : جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام ، أي : هم مخدومون كالملوك ، وعن ابن عباس أيضا يعني الخادم والمنزل ; وقاله مجاهد وعكرمة والحكم بن عيينة ، وزادوا الزوجة ; وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم : من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك ; ذكره النحاس ، ويقال : من استغنى عن غيره فهو ملك ; وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها .قوله تعالى : وآتاكم أي : أعطاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين ; وهو وجه الكلام .

مجاهد : والمراد بالإيتاء المن والسلوى والحجر والغمام ، وقيل : كثرة الأنبياء فيهم ، والآيات التي جاءتهم ، وقيل : قلوبا سليمة من الغل والغش ، وقيل : إحلال الغنائم والانتفاع بها .قلت : وهذا القول مردود ; فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح ; وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تعزز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة ، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه ، ومعنى من العالمين أي : عالمي زمانكم ; عن الحسن .

وقال ابن جبير وأبو مالك : الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ; وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله .

وتظاهرت الأخبار أن دمشق قاعدة الجبارين .

والمقدسة معناه المطهرة .

مجاهد : المباركة ; والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه .

قتادة : هي الشام .

مجاهد : الطور وما حوله .

ابن عباس والسدي وابن زيد : هي أريحاء .

قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقول قتادة يجمع هذا كله .

التي كتب الله لكم أي : فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم .

ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار ; فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا ، من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم ، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة ، وهم ذوو أجسام هائلة ; حتى قيل : إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم [ ص: 84 ] بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا ; فقال لهم الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ; على ما تقدم ، وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد ، وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر .قلت : وهذا أشبه ; فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم ، ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة .قلت : ولا تعارض بين هذا والأول ; فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال : في حجره - هو عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا ; على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى ، وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصفا في قول مقاتل .

وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا ، والله أعلم .

فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا ، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم ، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما امتن الله على موسى وقومه بنجاتهم من فرعون وقومه وأسرهم واستبعادهم، ذهبوا قاصدين لأوطانهم ومساكنهم، وهي بيت المقدس وما حواليه، وقاربوا وصول بيت المقدس، وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم ليخرجوه من ديارهم.

فوعظهم موسى عليه السلام؛ وذكرهم ليقدموا على الجهاد فقال لهم: { اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } بقلوبكم وألسنتكم.

فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة، { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ } يدعونكم إلى الهدى، ويحذرونكم من الردى، ويحثونكم على سعادتكم الأبدية، ويعلمونكم ما لم تكونوا تعلمون { وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا } تملكون أمركم، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم لكم، فكنتم تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم.

{ وَآتَاكُمْ } من النعم الدينية والدنيوية { مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى.

وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم.

فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ) [ أي : منكم أنبياء ] ( وجعلكم ملوكا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أصحاب خدم وحشم ، قال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم .

وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا " .

وقال أبو عبد الرحمن الحبلي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين؟

فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها؟

قال : نعم .

قال : ألك مسكن تسكنه؟

قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ، قال : فإن لي خادما ، قال : فأنت من الملوك .

قال السدي : وجعلكم ملوكا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم ، قال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك ( وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) يعني عالمي زمانكم ، قال مجاهد : يعني المن والسلوى والحجر وتظليل الغمام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم» أي منكم «أنبياء وجعلكم ملوكا» أصحاب خدم وحشم «وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين» من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- إذ قال موسى عليه السلام لقومه: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكًا تملكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد ، وعزيمة خوارة ، وعصيان لرسلهم .

وإيثار للذلة مع الراحة على العزة مع الجهاد وهي تحكي بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة ، وملخص هذه القصة :أن بني إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى - عليه السلام - إلى بلاد الشام ، عقب غرق فرعون أمام أعينهم .

أوحى الله - تعالى - إلى موسى أن يختار من قومه اثني عشر نقيبا ، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقدسة التي كان يسكنها الكنعانيون حينئذ .

ليتحسسوا أحوال سكانها ، وليعرفوا شيئا من أخبارهم .وقد أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله : ( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً ) ولقد نفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به ربه - سبحانه - ، وكان مما قاله موسى للنقباء عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة : " لا تخبروا أحد سواي عما ترونه " .فلما دخل النقباء الأرض المقدسة ، واطلعوا على أحوال سكانها .

وجدوا منهم قوة عظيمة ، وأجساما ضخمة .

.

فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له - وهو في جماعة من بني إسرائيل - : قد جئنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها ، فإذا هي في الحقيقة تدر لبنا وعسلا ، وهذا شيء من ثمارها ، غير أن الساكنين فيها أقوياء ، ومدينتهم حصينة .

وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال .

إلا اثنين منهم ، فإنما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى - عليه السلام - وبقتال الكنعانيين معه .

ولكن بني إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين ، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة " وأصروا على عدم الجهاد ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في مصر أو في هذه البرية .وحاول موسى - عليه السلام - أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين؛ ولكنهم عموا وصموا .وأوحى الله - تعالى - إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم .هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت في كتب التفسير والتاريخ .

وقد حشا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين - الذين ورد ذكرهم في الآيات الكريمة - لا تقبلها العقول السليمة ، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هي مما يستحي من ذكره كما قال ابن كثير .هذا ، وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم ، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق .و ( إذا ) ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت .وهو مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام ، تقديره اذكر .

وقد خوطب بهذا الفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات .أي : واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك ، قول موسى لآبائهم على سبيل النصح والإِرشاد : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم .

أي : تذكروا إنعامه عليكم بالشكر والطاعة .والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب .قال أبو السعود : وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ، دون ما وقع فيه من حوادث ، - مع أنها هي المقصودة ، لأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا .وفي قول موسى لهم - كما حكى القرآن عنه - : ( يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) تلطف معهم في الخطاب ، وحمل لهم على شكر النعمة ، واستعمالها فيما خلقت له لكي يزيدهم الله منها .

وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من رابطة الدم والقرابة التي تجعله منهم ، يهمه ما يهمهم ، ويسعده ما يسعدهم ، فهو يوجه إليهم ما هو كائن لهدايتهم وسعادتهم .وقوله - تعالى - : ( وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ) بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم .أما النعمة الأولى : فهي جعل كثير من الأنبياء فيهم كموسى وهارون ، واسحق ، ويعقوب ، ويوسف ، - عليهم السلام - .

وقد أرسل الله - تعالى - هؤلاء الأنبياء وغيرهم في بني إسرائيل ، لكي يخرجوهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان ، إلى نور الهداية والطاعة والإِيمان .والتنكير في قوله ( أَنْبِيَآءَ ) للتكثير والتعظيم .

أي : تذكروا يا بني إسرائيل نعم الله عليكم ، وأحسنوا شكرها ، حيث جعل فيكم أنبياء كثيرين يهدونكم إلى الرشد .قال صاحب الكشاف : " لم يبعث الله في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء " .وأما النعمة الثانية : فهي جعلهم ملوكا .

أي : جعلكم أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه ، الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب .أي : جعلكم تملكون المساكن وتستعملون الخدم ، بعد أن كنتم لا تملكون شيئاً من ذلك وأنتم تحت سيطرة فرعون وقومه .قال الآلوسي : " أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين؟

فقال عبد الله : ألك زوجة تأوى إليها؟

قال : نعم ، قال : ألك مسكن تسكنه؟

قال : نعم .

قال : فأنت من الأغنياء .

قال الرجل : فإن لي خادما .

قال عبد الله : فأنت من الملوك " .واخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا " .وهذه النعمة - أي : نعمة الحرية بعد الذل ، والسعة بعد الضيق - من النعم العظمى التي لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة ، التي تعاف الظلم ، وتأبى الضيم ، وتحسن الشكر لله - تعالى - .قال صاحب الانصاف : فإن قلت : فلماذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء ، كما قال : ( وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ) ؟

قلت : لأن النبوة مزية غير الملك .

وآحاد الناس يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا ، ولا كذلك النبوة ، فإن درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ونعتها ، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك .وأما النعمة الثالثة : فهي أنه - سبحانه - : آتاهم من ألوان الإِكرام والمنن ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم .

فقد فلق لهم البحر فساروا في طريق يابس حتى نجوا وغرق عدوهم .

وأنزل عليهم المن والسلوى ليأكلوا من الطيبات ، وفجر لهم من الحجر اثنتي عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم .

.

إلى غير ذلك من ألوان النعم التي حباهم الله - تعالى - بها ، والتي كانت تستلزم منهم المبادرة إلى امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .قال الآلوسي : و " أل " في ( العالمين ) للعهد : والمراد عالمي زمانهم .

أو للاستغراق والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه ، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل : وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية ، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبني إسرائيل ، فوجود خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ﴾ واو عطف، وهو متصل بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل  ﴾ كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى منّ عليهم بأمور ثلاثة: أولها: قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء ﴾ لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل، وأيضاً كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق كانوا من أكابر الأنبياء، وأولاد يعقوب أيضاً كانوا على قول الأكثرين أنبياء، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلاّ من ولد بعقوب ومن ولد إسماعيل، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء، وبالذين كانوا حاضرين مع موسى، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب وإسماعيل بعد ذلك، ولا شك أنه شرف عظيم.

وثانيها: قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال السدي: يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب.

وثانيها: أن كل من كان رسولاً ونبياً كان ملكاً لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكاً، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً  ﴾ .

وثالثها: أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك: أنتم ملوك على سبيل الاستعارة.

ورابعها: أن كل من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

قال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم، ومن كان كذلك كان ملكاً.

والنوع الثالث: من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الاكرام: أحدها: أنه تعالى فلق البحر لهم.

وثانيها: أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم.

وثالثها: أنه أنزل عليهم المن والسلوى.

ورابعها: أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر.

وخامسها: أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام.

وسادسها: أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوّة كما جمع لهم.

وسابعها: أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه.

واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء ﴾ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم: ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء.

وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمِّي إنقاذهم ملكاً.

وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار.

وقيل: من له بيت وخدم.

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين ﴾ من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم ﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ يعني أرض بيت المقدس.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: الشام.

وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن.

وقيل: سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر.

وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر.

ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.

الجبار (فعال) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما كالب ويوشع ﴿ مِنَ الذين يَخَافُونَ ﴾ من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين.

ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم ﴿ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم.

وقراءة من قرأ: ﴿ يخافون ﴾ بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: من المخوفين.

وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة.

أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب.

فإن قلت: ما محل (أنعم الله عليهما)؟

قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له.

فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟

قلت: من جهة إخبار موسى بذلك.

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة.

والباب: باب قريتهم ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.

و ﴿ أَبَدًا ﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول.

و ﴿ مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ بيان للأبد ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فدهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريد قتالهم.

والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة.

والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما.

ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ ﴾ [المائدة: 82] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فَأرْشَدَكم وشَرَّفَكم بِهِمْ ولَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ.

﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ أيْ وجَعَلَ مِنكم أوْ فِيكُمْ، وقَدْ تَكاثَرَ فِيهِمُ المُلُوكُ تَكاثَرَ الأنْبِياءُ بَعْدَ فِرْعَوْنَ حَتّى قَتَلُوا يَحْيى وهَمُّوا بِقَتْلِ عِيسى، وقِيلَ: لِما كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم مالِكِينَ لِأنْفُسِهِمْ وأُمُورِهِمْ سَمّاهم مُلُوكًا.

﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى ونَحْوَها مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ عالَمِي زَمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)

{وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء} لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء {وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء وقيل الملك من له سكن واسع فيه ماء جار وكانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية وقيل من له بيت وخدم أو لأنهم كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله فسمى انقاذهم ملكا {وآتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين} من فلق البحر وإغراق العدوا وإنزال المن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام أو أراد عالمي زمانهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما فَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهُمْ، وتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ نَقْضِهِمْ لَهُ، مَعَ الإشارَةِ إلى انْتِفاءِ فَتْرَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما بَيْنَهُمْ، و( إذْ ) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، خُوطِبَ بِهِ سَيِّدُ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، وصَرَفَهُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ لِيُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ ما سَلَفَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الجِناياتِ، أيْ: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ وقْتَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناصِحًا ومُسْتَمِيلًا لَهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ ﴿ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ أبْلَغُ مِن تَوْجِيهِهِ إلى ما وقَعَ فِيهِ، وإنْ كانَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، و( عَلَيْكم ) مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالنِّعْمَةِ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرًا، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها إذا جُعِلَتِ اسْمًا، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم بِالشُّكْرِ، واذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكُمْ، وكَذا ( إذْ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى كائِنَةً عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ فِيما بَيْنَكم مِن أقْرِبائِكم أنْبِياءَ، وصِيغَةُ الكَثْرَةِ عَلى حَقِيقَتِها كَما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ بِهِمْ: مُوسى، وهارُونُ، ويُوسُفُ، وسائِرُ أوْلادِ يَعْقُوبَ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، أوِ الأوَّلُونَ، والسَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: إنَّهم كانُوا أنْبِياءَ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، والفِعْلُ الماضِي مَصْرُوفٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ مَن تَقَدَّمَ ومَن تَأخَّرَ، ولَمْ يُبْعَثْ مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ما بُعِثَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ وجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( جَعَلَ فِيكم ) وغُيِّرَ الأُسْلُوبُ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لِكَثْرَةِ المُلُوكِ فِيهِمْ أوْ مِنهم صارُوا كُلُّهم كَأنَّهم مُلُوكٌ لِسُلُوكِهِمْ مَسْلَكَهم في السَّعَةِ والتَّرَفُّهِ، فَلِذا تُجُوِّزَ في إسْنادِ المُلْكِ إلى الجَمِيعِ بِخِلافِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّها وإنْ كَثُرَتْ لا يَسْلُكُ أحَدٌ مَسْلَكَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّها أمْرٌ إلَهِيٌّ، يَخُصُّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مَن شاءَ، فَلِذا لَمْ يُتَجَوَّزْ في إسْنادِها.

وقِيلَ: لا مَجازَ في الإسْنادِ، وإنَّما هو في لَفْظِ المُلُوكِ، فَإنَّ القَوْمَ كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ، فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الإنْقاذُ مُلْكًا، وقِيلَ: لا مَجازَ أصْلًا، بَلْ جُعِلُوا كُلُّهم مُلُوكًا عَلى الحَقِيقَةِ، والمَلِكُ مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ، كَما جاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ كَتَبَ مَلِكًا».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ: هَلِ المُلْكُ إلّا مَرْكَبٌ وخادِمٌ ودارٌ؟

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ فَقالَ: «ألَسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ؟

فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ألَكَ زَوْجَةٌ تَأْوِي إلَيْها؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: فَإنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ».

وقِيلَ: المَلِكُ مَن لَهُ مَسْكَنٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ.

وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ، وتَحَمُّلِ المَشاقِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هُنا القَوْلُ بِالمَجازِ، وما ذُكِرَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلال مُحْتَمِلٌ لَهُ أيْضًا.

﴿ وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإغْراقِ العَدُوِّ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وانْفِجارِ الحَجَرِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَخْصُوصَةِ، والخِطابُ لِقَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، و( ألْ ) في العالَمِينَ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ عالِمِي زَمانِهِمْ، أوْ لِلِاسْتِغْراقِ، والتَّفْضِيلُ مِن وجْهٍ لا يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ؛ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمَفْضُولِ ما لَيْسَ لِلْفاضِلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ، وإيتاءُ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ التَّفْضِيلُ، لَكِنِ المُتَبادِرُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ ذَلِكَ، ولِذا أُوِّلَ بِما أُوِّلَ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي مالِكٍ أنَّ الخِطابَ هُنا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، ولا يَكادُ يَرْتَكِبُ مِثْلُهُ في الكِتابِ المَجِيدِ؛ لِأنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ لَبَنِي إسْرائِيلَ فَوُجُودُ خِطابٍ في الأثْناءِ لِغَيْرِهِمْ مِمّا يُخِلُّ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِلْقَوْلِ بِهِ ظَنُّ لُزُومِ التَّفْضِيلِ، مَعَ عَدَمِ دافِعٍ لَهُ سِوى ذَلِكَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ مِن بَعْضِ الظَّنِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.

ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.

قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.

ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.

وهذا كما قال النبي  : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.

ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.

ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.

ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم-  - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.

فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.

وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.

فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم-  - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.

ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.

كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.

قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.

ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى-  - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى-  - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.

ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.

فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟

ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.

فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى-  - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.

فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.

فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.

وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.

وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.

ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.

ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.

وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.

ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى-  - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.

وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.

ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.

ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.

ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.

ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.

ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.

قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم-  - النار، وجعلها برداً وسلاماً.

ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.

وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.

وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد  لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.

ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.

كذا قاله ابن عباس  .

وإنما دخلها أولادهم.

وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال- عليه السلام-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ» ، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «١» .

وقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره.

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ...

الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: فيكم ملوكاً لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «٢» ، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه:

المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «٣» ، وقال قتادة: هي الشام «٤» ، ...

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ أنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى، وهارُونَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وبِماذا جَعَلَهم مُلُوكًا؟

فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ.

والثّانِي: بِأنْ جَعَلَ لِلرَّجُلِ مِنهم زَوْجَةً وخادِمًا.

والثّالِثُ: بِالزَّوْجَةِ والخادِمِ والبَيْتِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا الثّالِثُ اخْتِيارُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: بِالخادِمِ والبَيْتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: بِتَمْلِيكِهِمُ الخَدَمَ، وكانُوا أوَّلَ مَن تَمَلَّكَ الخَدَمَ، ومَنِ اتَّخَذَ خادِمًا فَهو مَلِكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: بِكَوْنِهِمْ أحْرارًا يَمْلِكُ الإنْسانُ مِنهم نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّابِعُ: بِالمَنازِلِ الواسِعَةِ، فِيها المِياهُ الجارِيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّامِنُ: بِأنْ جَعَلَ لَهُمُ المُلْكَ والسُّلْطانَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ مُوسى، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويَعْنِي بِالعالَمِينَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ.

وفي الَّذِي آتاهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَنُّ والسَّلْوى والحَجَرُ والغَمامُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الدّارُ والخادِمُ والزَّوْجَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما أُوتِيَ أحَدٌ مِنَ النِّعَمِ في زَمانِ قَوْمِ مُوسى ما أُوتُوا.

والثّالِثُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿ إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف القصة على القصص والمواعظ.

وتقدّم القول في نظائر ﴿ وإذ قال ﴾ في مواضع منها قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة ﴾ في البقرة (30).

ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أنّ القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى عليهم وحثّ على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيداً لطلب امتثالهم.

وقدّم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليُهيّئ نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليُوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم، فذكر نعمة الله عليهم، وعَدّ لهم ثلاث نعم عظيمة: أولاها: } أنّ فيهم أنبياء، ومعنى جَعْل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياءَ؛ فيحتمل أنّه أراد نفسه، وذلك بعد موت أخيه هارون، لأنّ هذه القصّة وقعتْ بعد موت هارون؛ فيكون قوله ﴿ أنبياءَ ﴾ جمعاً أريد به الجنس فاستوى الإفراد والجمع، لأنّ الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه الجمعية، وهذا الجِنس انحصر في فرد يومئذٍ، كقوله تعالى ﴿ يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ [المائدة: 44] يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء.

فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة، كما هو صريح التوراة (إصحاح 15 من الخروج).

وكذلك ألْدَاد ومَيْدَاد كانا نبيئين في زمنَ موسى، كما في التّوراة (إصحاح11 سفر العدد).

وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أنّ في ذلك ضمانَ الهدى لهم والجري على مراد الله تعالى منهم، وفيه أيضاً حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال.

والثانية: أنْ جعلهم ملوكاً، وهذا تشبيه بليغ، أي كالملوك في تصرّفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبوديّة الّتي كانت عليهم للقبط، وجعلهم سادة على الأمم التي مرّوا بها، من الآموربين، والعَناقيين، والحشبونيين، والرفائيين، والعمالقة، والكنعانيين، أو استعمل فعل ﴿ جعلكم ﴾ في معنى الاستقبال مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1] قصداً لتحقيق الخبر، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم.

والنعمة الثالثة: أنّه آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومَا صدقُ (ما) يجوز أن يكون شيئاً واحداً ممّا خَصّ الله به بني إسرائيل، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة، وأيّدهم بالنّصر في طريقهم، وساق إليهم رزقَهُم المنّ والسلوى أربعين سنة، وتولّى تربية نفوسهم بواسطة رُسله.

وقوله: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ هو الغرض من الخطاب، فهو كالمقصد بعد المقدّمة، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب ﴿ يَا قَوم ﴾ لزيادة استحضار أذهانهم.

والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه، أي تهيَّأوا للدخول.

والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة، أي الّتي بارك الله فيها، أو لأنّها قُدّست بدفن إبراهيم عليه السلام في أوّل قرية من قراها وهي حَبْرون.

وهي هنا أرض كنعان من برية (صِين) إلى مدخل (حَمَاة وإلى حبرون).

وهذه الأرض هي أرض فلسطين، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى (حماة) شمالاً وإلى (غَزّة وحبرون) جنوباً.

وفي وصفها ب ﴿ التي كتب الله ﴾ تحريض على الإقدام لدخولهَا.

ومعنى ﴿ كتب الله ﴾ قَضَى وقدّر، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه، كما قال الحارث بن حلّزة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواء *** فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله، وذلك أنّ الله وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته.

ووعدُ الله لا يُخلف.

وقوله: ﴿ ولا ترتَدّوا على أدباركم ﴾ تحذير ممّا يوجب الانهزام، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال.

والارتداد افتعال من الردّ، يقال: ردّه فارتدّ، والردّ: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه.

والأدبار: جمع دُبُر، وهو الظهر.

والارتداد: الرجوع، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره، كما يقُولون: نكص على عقبيه، وركبوا ظهورهم، وارتدّوا على أدبارهم، وعلى أعقابهم، فعدّي ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلاء، أي استعلاء طريق السير، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه.

والانقلاب: الرجوع، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ [آل عمران: 174].

والمراد به هنا مطلق المصير.

وضمائر ﴿ فيها ﴾ و ﴿ منها ﴾ تعود إلى الأرض المقدّسة.

وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين، واليبوسيين، والأموريين.

والجبّار: القوي، مشتقّ من الجَبْر، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد.

وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم بجودة الأرض وبقوّة سكّانها.

وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون الأرض المقدّسة، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفاً من أهلها، وأكّدوا الامتناع من دخول أرض العدوّ توكيداً قويّاً بمدلول (إنّ) و(لنْ) في ﴿ إنّا لن ندخلها ﴾ تحقيقاً لخوفهم.

وقوله: ﴿ فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون ﴾ تصريح بمفهوم الغاية في قوله: ﴿ وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها ﴾ لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من الجبّارين الذين فيها.

وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد: «أنّ الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلاً جواسيس يتجسّسون أرض كنعان الّتي وعدَها الله بني إسرائيل من كلّ سبط رجلاً؛ فعيّن موسى اثني عشر رجلاً، منهم: يوشع بن نون من سبط أفرايم، ومنهم كالب بن يفنة من سبط يهوذا، ولم يسمّوا بقية الجواسيس.

فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكّانها معتزّين، طوال القامات، ومُدنهم حصينة.

فلمّا سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا وبكوا وتذمّروا على موسى وقالوا: لوْ متنا في أرض مصر كان خيراً لنا من أن تغنم نساؤنا وأطفالنا، فقال يوشع وكالب للشعب: إن رَضي الله عنّا يدخلنا إلى هذه الأرض ولكن لا تعصوا الربّ ولا تخافوا من أهلها، فالله معنا.

فأبى القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم.

وقال لموسى: لا يدخل أحد مَن سِنُّه عشرون سنة فصاعداً هذه الأرض إلاّ يوشع وكالباً وكلّكم ستدفنون في هذا القفر، ويكون أبناؤكم رُعاة فيه أربعين سنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.

﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .

﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.

وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.

﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.

والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.

والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: واسم الله قد جعل نبياً وجعلكم ملوكاً على رقاب الناس، فاشكروا نعمة الله إن الله يحب الشاكرين.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: كنا نحدث أنهم أول من سخَّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: ملَّكهم الخدم، وكانوا أول من ملك الخدم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: كان الرجل من بني إسرائيل، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: الزوجة والخادم والبيت.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: المرأة الخادم ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً» .

وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زوجة ومسكن وخادم» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء المهاجرين؟

قال: ألك امرأة تأوي إليها؟

قال: نعم.

قال: ألك مسكن تسكنه؟

قال: نعم.

قال: فأنت من الأغنياء.

قال: إن لي خادماً.

قال: فأنت كم الملوك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً ﴿ وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين ﴾ قال: المنَّ والسلوى والحجر والغمام.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال: وهل الملك إلا مركب وخادم ودار؟..

وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ قال: المنَّ والسلوى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ .

(أنبيآء) لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأنها مبنية على علامة التأنيث، وهي الألف الممدودة كألف حمراء، فلما بنوا الاسم على علامة التأنيث حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيث قد تكرر فيه فلم ينصرف في النكرة (١) قال الكلبي: ﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ على عهد موس بن عمران، وهم السبعون (الذين) (٢) (٣) ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله  قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكْتَبُ ملكًا (٤) وقال ابن عباس: جعل لكم الحشم والخدم (٥) وقال مجاهد: كل من لا يُدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك (٦) (٧) وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٨) وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وسُخَّر لهم الخدم من بني آدم (٩) وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القِبْط بمنزلة أهل الجزية فينا (١٠) قال الزجاج: ومعناه: جعلتم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما آتاهم في الدنيا من النعمة والكرامة، حيث فلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ونصرهم على جميع من عاداهم (١٢) وقال مجاهد: يعني: المنّ والسلوى والحجر (١٣) (١٤) (١) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 123.

(٢) في (ش): (الذي).

(٣) "بحر العلوم" 1/ 426، و"زاد المسير" 2/ 321.

وقد أشار إليه الطبري في "تفسيره" 6/ 168.

(٤) أخرجه المؤلف في "الوسيط" 3/ 845، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 35 بصيغة التمريض وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 42، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 478، وعزاه كل منهما إلى ابن أبي حاتم، وفي "سنده" ابن لهيعة.

قال ابن كثير في "تفسيره": هذا حديث غريب من هذا الوجه.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 169، بمعناه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 35، و"زاد المسير" 2/ 321، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 42، و"الدر المنثور" 2/ 477.

(٦) في "تفسير مجاهد" 1/ 191: قال: جعل لهم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا، ومن كان كذلك فهو ملك، ونحوه في الطبري في "تفسيره" 6/ 169، بلفظ المؤلف عزاه إلى ابن عباس السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 426، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 162.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 162.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 322.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170، وانظر: "زاد المسير" 2/ 322.

وهذا القول انفرد به قتادة، وقد يكون فيه نظر؛ لأن القول بأن بني إسرائيل أول من ملك الخدم يحتاج إلى تثبت واستقراء تاريخي ما لم يرد دليل سمعي بذلك، والله أعلم.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170، وانظر: "زاد المسير" 2/ 322.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 162.

(١٢) لم أقف على هذا الأثر، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 170 - 171 من طريق عطاء عن ابن عباس قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة، وضعف أحمد شاكر وإسناده.

(١٣) أي: الذي ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.

(١٤) "تفسيره" 1/ 191، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ قيل: جعل منكم ملوكاً أي أمراء، وقيل: الملك من له مسكن وامرأة وخادم ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ﴾ قيل: يعني المنّ والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا يكون العالمين خاصاً بأهل زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم، وقيل: المراد كثرة الأنبياء، فعلى هذا يكون عاماً، لأن الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في سائر الأمم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.

﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.

﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم أنه  كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.

منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.

وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.

وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.

وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.

وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.

وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.

وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.

وقيل: أراد عالمي زمانهم.

روي أن إبراهيم  لما صعد جبل لبنان قال الله  له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.

وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.

ثم بعث موسى  اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.

فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.

قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.

فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.

فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.

والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.

وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.

وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.

ثم إنها ما هي؟

فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.

وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: بيت المقدس.

وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.

قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.

وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.

وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.

وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.

﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى  وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.

فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.

والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.

قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.

ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.

والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله  : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.

ويحتمل أن يكون جملة معترضة.

قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى  في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.

والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله  أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.

وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.

وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.

قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.

ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.

والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.

﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين  ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.

أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.

عن مقاتل أن موسى  لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.

وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد  أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.

واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟

فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.

وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله  سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.

ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون  مات في التيه ومات موسى  بعده فيه بسنة، ودخل يوشع  أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.

ومنهم من قال: بل بقي موسى  بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله  أعلم.

واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.

وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.

وقيل: ستة في اثني عشر.

وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.

ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.

ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟

والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.

وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه  أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.

التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله  للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله  ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة  ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى  لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.

وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله -  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.

ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً  ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.

ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى -  - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.

وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.

ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .

من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى -  - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى -  - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...

﴾ الآية: دل - قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.

والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...

﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله -  -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...

﴾ الآية [طه: 44].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال قائلون: إنما طلب موسى -  - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ الآية.

قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.

وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى -  - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لقومه بني إسرائيل: يا قوم، اذكروا بقلوبكم وألسنتكم نعمة الله عليكم حين جعل فيكم أنبياء يدعونكم إلى الهدى، وجعلكم ملوكًا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين مُسْتعبدين، وأعطاكم من نعمه ما لم يعط أحدًا من العالَمِين في زمانكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.krLlR"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله