الآية ٢٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٢ من سورة المائدة

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : اعتذروا بأن في هذه البلدة - التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها - قوما جبارين ، أي : ذوي خلق هائلة ، وقوى شديدة ، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم ، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها ، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم .

وقد قال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان قال : قال أبو سعيد قال عكرمة عن ابن عباس قال : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين .

قال : فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة - وهي أريحا - فبعث إليهم اثني عشر عينا ، من كل سبط منهم عين ، ليأتوه بخبر القوم .

قال : فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجثثهم وعظمهم ، فدخلوا حائطا لبعضهم ، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه ، فجعل يجتني الثمار .

وينظر إلى آثارهم ، فتتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة ، حتى التقط الاثني عشر كلهم ، فجعلهم في كمه مع الفاكهة ، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا ، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم .

قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم .

وفي هذا الإسناد نظر .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لما نزل موسى وقومه ، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله ، فبعثهم ليأتوه بخبرهم ، فساروا ، فلقيهم رجل من الجبارين ، فجعلهم في كسائه ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه ، فقالوا : من أنتم؟

قالوا : نحن قوم موسى ، بعثنا نأتيه بخبركم .

فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل ، فقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم : اقدروا قدر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا : يا موسى ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) رواه ابن أبي حاتم ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال : رأيت أنس بن مالك أخذ عصا ، فذرع فيها بشيء ، لا أدري كم ذرع ، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ، ثم قال : هكذا طول العماليق .

وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين ، وأنه كان فيهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السلام ، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع ، تحرير الحساب !

وهذا شيء يستحى من ذكره .

ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله [ تعالى ] خلق آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن " .

ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا ، وأنه كان ولد زنية ، وأنه امتنع من ركوب السفينة ، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء ، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين ، فقال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [ نوح : 26 ] وقال تعالى : ( فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين ) [ الشعراء : 119 - 120 ] وقال تعالى : [ قال ] ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) [ هود : 43 ] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق ، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟!

هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع .

ثم في وجود رجل يقال له : " عوج بن عنق نظر والله أعلم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، (52) واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا، إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها، قومًا جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم.

وسموهم " جبّارين "، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، (53) فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم.

وأصل " الجبار "، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له= بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه=" جبار "، وإنما هو " فعّال " من قولهم: " جبر فلان هذا الكسر "، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز: (54) قَــدْ جَــبَرَ الــدِّينَ الإلـهُ فَجَـبَرْ وَعَـوَّرَ الرَّحـمنُ مَـنْ وَلَّـى العَـوَرْ (55) يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح.

ومن أسماء الله تعالى ذكره " الجبار "، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته.

* * * ومما ذكرته من عظم خلقهم ما:- 11656 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قصة ذكرها من أمر مُوسى وبني إسرائيل، قال، ثم أمرهم بالسير إلى أريحا= وهي أرض بيت المقدس= فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له: " عاج "، (56) فأخذ الاثنى عشر فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حَمْلة حطب، (57) وانطلق بهم إلى امرأته فقال، انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!!

فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟

فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يُخْبروا قومهم بما رأوا!

ففعل ذلك.

(58) 11657 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين.

قال: فسار موسى بمن معه حتى نـزل قريبًا من المدينة =وهي أريحاء= فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم.

قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم.

فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم.

قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم.

11658 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " إن فيها قومًا جبَّارين "، ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم.

11659 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: " إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم "= وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: " سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا "= وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، (59) فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه =فيما ذكر= أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب.

فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم.

فقال قائل منهم: " فإنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم "!!

(60) وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّثوه العجب.

11660 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدُوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاءً، ولا يحمل عنقود عِنبهم إلا خمسة أنفُسٍ بينهم في خشبة، ويدخُل في شطر الرمانة إذا نـزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة.

(61) 11661 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

11662 - حدثني محمد بن الوزير بن قيس، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك: " إن فيها قومًا جبارين " قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم.

(62) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قولِ قوم موسى لموسى، جوابًا لقوله لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، فقالوا: " إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها "، يعنون: [حتى يخرج] من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، (63) جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم.

وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يَدَان.

(64) 11663 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة!

وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا!

ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد!

فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء.

فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، (65) فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر!

وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة!

ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر.

------------------------- الهوامش : (52) في المطبوعة والمخطوطة: "إجابة إلى ما أمرهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(53) في المطبوعة والمخطوطة: "بشدة بطشهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(54) هو العجاج.

(55) ديوانه: 15 ، واللسان (جبر) (عور) ، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقد مضت منها أبيات ، وذكرنا خبرها فيما سلف ، انظر 1: 190/2: 157/3: 229/4: 321.

وقوله: "قد جبر الدين الإله" ، من قولهم: "جبرت العظم" متعديًا ، "فجبر" ، لازمًا ، أي: انجبر العظم نفسه.

و"العور" في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده ، وترك الحق فيه ، وليس من عور العين.

و"عور الشيء" قبحه.

يدعو فيقول: قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه.

من قولهم"ولي الشيء وتولاه" ، أي اتبعه وفي التنزيل: "ولكل وجهة هو موليها" ، أي مستقبلها ومتبعها ، فهذا تفسير البيت بلا خلط في تفسيره.

(56) في المطبوعة: "عوج" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لما سلف رقم: 11572 ، وتاريخ الطبري.

(57) انظر ما سلف ص 112 تعليق: 1 ، 2 ، وما غيره ، مصحح المطبوعة السالفة هناك.

(58) الأثر: 11656- مضى مطولا برقم: 11572 ، وهو في تاريخ الطبري 1: 221 ، 222.

(59) في المطبوعة: "ثم إن القوم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(60) في المطبوعة: "إن هؤلاء" ، بحذف الفاء ، وأثبت ما في المخطوطة.

(61) الأثر: 11660- مضى هذا الأثر برقم: 11573 ، 11574.

(62) الأثر: 11662-"محمد بن وزير بن قيس الواسطي" ، روى عن أبيه ، وابن عيينة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وغيرهم.

روى عنه الترمذي وابن أبي حاتم ، وغيرهما.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/115.

وأبوه"وزير بن قيس الواسطي" ، روى عن جويبر.

مترجم في ابن أبي حاتم 4/2/44.

(63) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.

(64) في المطبوعة: "ولا يد" ، وفي المخطوطة"ولا يدان" غير منقوطة.

(65) "وسوس عليه" ، انظر تفسيرها في الأثر رقم: 11697 ص: 195 ، تعليق: 7.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين أي : عظام الأجسام طوال ، وقد تقدم ; يقال : نخلة جبارة أي : طويلة ، والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر .

وقال الزجاج : الجبار من الآدميين العاتي ، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ; فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه ; فإنه يجبر غيره على ما يريده ; وأجبره أي : أكرهه .

وقيل : هو مأخوذ من جبر العظم ; فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه ، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل ، وقيل : إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه .

قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ; جبار من أجبر ودراك من أدرك .

ثم قيل : كان هؤلاء من بقايا عاد ، وقيل : هم من ولد عيصوا بن إسحاق ، وكانوا من الروم ، وكان معهم عوج الأعنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا ; قاله ابن عمر ، وكان يحتجن السحاب أي : يجذبه بمحجنه ويشرب منه ، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله ، وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة ، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها ، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته ، وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع ; وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما [ ص: 85 ] أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله ، وقيل : بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم سنة .

ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم ، وقال الكلبي : عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت ، والله أعلم .قوله تعالى : إنا لن ندخلها يعني البلدة إيلياء ، ويقال : أريحاء حتى يخرجوا منها أي : حتى يسلموها لنا من غير قتال ، وقيل : قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان ; فإنهم قالوا :فإن يخرجوا منها فإنا داخلون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقالوا قولا يدل على ضعف قلوبهم، وخور نفوسهم، وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله.

{ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } شديدي القوة والشجاعة، أي: فهذا من الموانع لنا من دخولها.

{ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } وهذا من الجبن وقلة اليقين، وإلا فلو كان معهم رشدهم، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم، وأن القوي من أعانه الله بقوة من عنده، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولعلموا أنهم سينصرون عليهم، إذ وعدهم الله بذلك، وعدا خاصا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ) وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا ، قال لهم موسى : اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا ، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلان وفيا بما قال لهما موسى ، أحدهما يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى ، والآخر كالب بن يوقنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران ، وكان من سبط يهود وهما من النقباء فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في أرض مصر ، وليتنا نموت في هذه [ البرية ] ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم ، وجعل الرجل يقول لصاحبه : تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر ، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) أصل الجبار : المتعظم الممتنع عن القهر ، يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها ، وسمي أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم ، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد ، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خر موسى وهارون ساجدين ، وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين» من بقايا عاد طوالا ذي قوة «وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون» لها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: يا موسى، إن فيها قومًا أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها، فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل ، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة ، وطبيعتهم المنتكسة لم تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة : ( ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) وقوله : ( جَبَّارِينَ ) جمع جبار " والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي .ويطلق في اللغة على الطويل القوي العاتي الذي يجير غيره على ما يريد .

مأخوذ من قولهم : مخلة جبارة أي : طويلة لا ينال ثمرها بالأيدي .أي : قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - إن الأرض التي وعدتنا بدخولها فيها قوم متغلبون على من يقاتلهم ، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا لن ندخل هذه الأرض المقدسة التي أمرتنا بدخولها ما دام هؤلاء الجبارين فيها ، فإن يخرجوا منها لأي سبب من الأسباب التي لا شأن لنا بها ، فنحن على استعداد لدخولها في راحة ويسر ، وبلا أدنى تعب أو جهد ولا شك أن قولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن والضعف ، لأنهم لا يريدون أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو العقلية ، وإنما يريدون أن ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات ، وأمة هذا شأنها لا تستحق الحياة الكريمة ، لأنها لم تقدم العمل الذي يؤهلها لتلك الحياة :وفي ندائهم لنبيهم باسمه مجرداً ( قَالُوا ياموسى ) سوء أدب منهم معه ، حيث استهانوا بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد .

وفي قولهم ( وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا ) امتناع عن القتال بإصرار شديد ، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفي ( لن ) وجعلوا غاية النفي أن يخرج الجبارون منها ، مع أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد ، وهم لا يريدون قتالا ، بل يريدون دخولا من غير معاناة ومجاهدة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم ﴿ قَالُواْ يأَبَانَا موسى إن فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ وفي تفسير الجبارين وجهان: الأول: الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، وهذا هو اختيار الفرّاء والزجاج.

قال الفرّاء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين وهما: جبار من أجبر، ودراك من أدرك، والثاني: أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها، ويقال: رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً، تشبيهاً بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم، فسموهم جبارين لهذا المعنى.

ثم قال القوم ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون ﴾ وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمّ الخياط  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء ﴾ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم: ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء.

وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمِّي إنقاذهم ملكاً.

وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار.

وقيل: من له بيت وخدم.

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين ﴾ من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم ﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ يعني أرض بيت المقدس.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: الشام.

وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن.

وقيل: سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر.

وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر.

ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.

الجبار (فعال) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما كالب ويوشع ﴿ مِنَ الذين يَخَافُونَ ﴾ من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين.

ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم ﴿ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم.

وقراءة من قرأ: ﴿ يخافون ﴾ بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: من المخوفين.

وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة.

أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب.

فإن قلت: ما محل (أنعم الله عليهما)؟

قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له.

فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟

قلت: من جهة إخبار موسى بذلك.

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة.

والباب: باب قريتهم ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.

و ﴿ أَبَدًا ﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول.

و ﴿ مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ بيان للأبد ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فدهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريد قتالهم.

والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة.

والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما.

ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ ﴾ [المائدة: 82] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرْضَ بَيْتِ المَقْدِسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ.

وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ.

وقِيلَ الشّامُ.

﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قَسَمَها لَكم أوْ كُتِبَ في اللَّوْحِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ لِقَوْلِهِ لَهم بَعْدَ ما عَصَوْا فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ ولا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ قِيلَ لَمّا سَمِعُوا حالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: لَيْتَنا مُتْنا بِمِصْرَ تَعالَوْا نَجْعَلْ عَلَيْنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ثَوابَ الدّارَيْنِ، ويَجُوزُ في فَتَنْقَلِبُوا الجَزْمُ عَلى العَطْفِ والنَّصْبُ عَلى الجَوابِ.

﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، والجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ وهو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُهُ.

﴿ وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ إذْ لا طاقَةَ لَنا بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قالوا يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا} بالقتال {حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بغير قتال {فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا} بلا قتال {فَإِنَّا داخلون} بلادهم حينئذ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ شَدِيدِي البَطْشِ، مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، ولا تُجَزُّ لَهم ناصِيَةٌ، والجَبّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن ( جَبَرَ ) الثُّلاثِيِّ عَلى القِياسِ، لا مِن ( أجْبَرَهُ ) عَلى خِلافِهِ، كالحَسّاسِ مَنَ الإحْساسِ، وهو الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُكْرِهُهم كائِنًا مَن كانَ عَلى ما يُرِيدُهُ كائِنًا ما كانَ، ومَعْناهُ في البُخْلِ ما فاتَ اليَدَ طُولًا، وكانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ مِنَ العَمالِقَةِ بَقايا قَوْمِ عادٍ، وكانَتْ لَهم أجْسامٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.

أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ قالَ: اسْتَظَلَّ سَبْعُونَ رَجُلًا مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَحْفِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رُؤِيَتْ ضَبْعٌ وأوْلادُها رابِضَةً في فِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وهي عِنْدِي كَأخْبارِ عُوجِ بْنِ عُنُقَ، وهي حَدِيثُ خُرافَةٍ.

﴿ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها ﴾ بِقِتالِ غَيْرِنا، أوْ بِسَبَبٍ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها، وهَذا امْتِناعٌ عَنِ القِتالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿ فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها ﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها ﴿ فَإنّا داخِلُونَ ﴾ فِيها حِينَئِذٍ، وأتَوْا بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مَفْهُومًا مِمّا تَقَدَّمَ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ امْتِناعَهم مِن دُخُولِها لَيْسَ إلّا لِمَكانِهِمْ فِيها، وأتَوْا في الجَزاءِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِـ( إنْ ) دَلالَةً عَلى تَقَرُّرِ الدُّخُولِ وثَباتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لامَحالَةَ، وإظْهارًا لِكَمالِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وفي الِامْتِثال بِالأمْرِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.

ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.

قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.

ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.

وهذا كما قال النبي  : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.

ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.

ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.

ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم-  - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.

فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.

وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.

فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم-  - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.

ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.

كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.

قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.

ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى-  - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى-  - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.

ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.

فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟

ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.

فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى-  - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.

فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.

فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.

وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.

وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.

ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.

ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.

وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.

ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى-  - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.

وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.

ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.

ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.

ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.

ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.

ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.

قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم-  - النار، وجعلها برداً وسلاماً.

ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.

وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.

وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد  لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.

ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.

كذا قاله ابن عباس  .

وإنما دخلها أولادهم.

وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال- عليه السلام-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ» ، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «١» .

وقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره.

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ...

الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: فيكم ملوكاً لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «٢» ، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه:

المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «٣» ، وقال قتادة: هي الشام «٤» ، ...

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ: الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، يُقالُ: جَبّارٌ: بَيِّنُ الجَبَرِيَّةِ، والجِبِرِيَّةِ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، والجَبَرُوَّةُ والجُبُّورَةُ والتَّجْبارُ والجَبَرُوتُ.

وَفِي مَعْنى وصَفِهِ هَؤُلاءِ بِالجَبّارِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا عِظامَ الخَلْقِ والأجْسامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا قَتّالِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ مُوسى وقَوْمُهُ بِمَدِينَةِ الجَبّارِينَ، بَعَثَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، فَجَعَلَهم في كِسائِهِ، فَأتى بِهِمُ المَدِينَةَ، ونادى في قَوْمِهِ، فاجْتَمَعُوا، فَقالُوا لَهُمْ: مِن أيْنَ أنْتُمْ؟

فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسى بَعَثَنا لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكم، فَأعْطَوْهم حَبَّةً مِن عِنَبٍ تُوقِرُ الرَّجُلَ، وقالُوا لَهُمْ: قُولُوا لِمُوسى وقَوْمِهِ: اقْدُرُوا قَدْرَ فاكِهِهِمْ، فَلَمّا رَجَعُوا، قالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الَّذِي لَقِيَهم، يُقالُ لَهُ: عاجٌ، يَعْنِي: عَوْجَ بْنَ عَناقٍ، فَأخَذَ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَجَعَلَهم في حُجْرَتِهِ وعَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ، فَقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها، وقالَ: ألا أطْحَنَهم بِرِجْلِي؟

فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لا، بَلْ خَلِّ عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا.

فَلَمّا خَرَجُوا قالُوا: يا قَوْمُ إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ بِخَبَرِ القَوْمِ، ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، فَأخَذُوا المِيثاقَ بَيْنَهم عَلى كِتْمانِ ذَلِكَ، فَنَكَثَ عَشْرَةٌ، وكَتَمَ رَجُلانِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا رَأى النُّقَباءُ الجَبّارِينَ وجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهم، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمّانَةِ إذا نَزَعَ حَبَّها خَمْسَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ، إلّا يُوشَعَ، وابْنَ يُوقَنّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿ إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف القصة على القصص والمواعظ.

وتقدّم القول في نظائر ﴿ وإذ قال ﴾ في مواضع منها قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة ﴾ في البقرة (30).

ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أنّ القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى عليهم وحثّ على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيداً لطلب امتثالهم.

وقدّم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليُهيّئ نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليُوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم، فذكر نعمة الله عليهم، وعَدّ لهم ثلاث نعم عظيمة: أولاها: } أنّ فيهم أنبياء، ومعنى جَعْل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياءَ؛ فيحتمل أنّه أراد نفسه، وذلك بعد موت أخيه هارون، لأنّ هذه القصّة وقعتْ بعد موت هارون؛ فيكون قوله ﴿ أنبياءَ ﴾ جمعاً أريد به الجنس فاستوى الإفراد والجمع، لأنّ الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه الجمعية، وهذا الجِنس انحصر في فرد يومئذٍ، كقوله تعالى ﴿ يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ [المائدة: 44] يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء.

فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة، كما هو صريح التوراة (إصحاح 15 من الخروج).

وكذلك ألْدَاد ومَيْدَاد كانا نبيئين في زمنَ موسى، كما في التّوراة (إصحاح11 سفر العدد).

وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أنّ في ذلك ضمانَ الهدى لهم والجري على مراد الله تعالى منهم، وفيه أيضاً حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال.

والثانية: أنْ جعلهم ملوكاً، وهذا تشبيه بليغ، أي كالملوك في تصرّفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبوديّة الّتي كانت عليهم للقبط، وجعلهم سادة على الأمم التي مرّوا بها، من الآموربين، والعَناقيين، والحشبونيين، والرفائيين، والعمالقة، والكنعانيين، أو استعمل فعل ﴿ جعلكم ﴾ في معنى الاستقبال مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1] قصداً لتحقيق الخبر، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم.

والنعمة الثالثة: أنّه آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومَا صدقُ (ما) يجوز أن يكون شيئاً واحداً ممّا خَصّ الله به بني إسرائيل، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة، وأيّدهم بالنّصر في طريقهم، وساق إليهم رزقَهُم المنّ والسلوى أربعين سنة، وتولّى تربية نفوسهم بواسطة رُسله.

وقوله: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ هو الغرض من الخطاب، فهو كالمقصد بعد المقدّمة، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب ﴿ يَا قَوم ﴾ لزيادة استحضار أذهانهم.

والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه، أي تهيَّأوا للدخول.

والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة، أي الّتي بارك الله فيها، أو لأنّها قُدّست بدفن إبراهيم عليه السلام في أوّل قرية من قراها وهي حَبْرون.

وهي هنا أرض كنعان من برية (صِين) إلى مدخل (حَمَاة وإلى حبرون).

وهذه الأرض هي أرض فلسطين، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى (حماة) شمالاً وإلى (غَزّة وحبرون) جنوباً.

وفي وصفها ب ﴿ التي كتب الله ﴾ تحريض على الإقدام لدخولهَا.

ومعنى ﴿ كتب الله ﴾ قَضَى وقدّر، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه، كما قال الحارث بن حلّزة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواء *** فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله، وذلك أنّ الله وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته.

ووعدُ الله لا يُخلف.

وقوله: ﴿ ولا ترتَدّوا على أدباركم ﴾ تحذير ممّا يوجب الانهزام، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال.

والارتداد افتعال من الردّ، يقال: ردّه فارتدّ، والردّ: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه.

والأدبار: جمع دُبُر، وهو الظهر.

والارتداد: الرجوع، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره، كما يقُولون: نكص على عقبيه، وركبوا ظهورهم، وارتدّوا على أدبارهم، وعلى أعقابهم، فعدّي ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلاء، أي استعلاء طريق السير، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه.

والانقلاب: الرجوع، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ [آل عمران: 174].

والمراد به هنا مطلق المصير.

وضمائر ﴿ فيها ﴾ و ﴿ منها ﴾ تعود إلى الأرض المقدّسة.

وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين، واليبوسيين، والأموريين.

والجبّار: القوي، مشتقّ من الجَبْر، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد.

وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم بجودة الأرض وبقوّة سكّانها.

وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون الأرض المقدّسة، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفاً من أهلها، وأكّدوا الامتناع من دخول أرض العدوّ توكيداً قويّاً بمدلول (إنّ) و(لنْ) في ﴿ إنّا لن ندخلها ﴾ تحقيقاً لخوفهم.

وقوله: ﴿ فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون ﴾ تصريح بمفهوم الغاية في قوله: ﴿ وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها ﴾ لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من الجبّارين الذين فيها.

وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد: «أنّ الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلاً جواسيس يتجسّسون أرض كنعان الّتي وعدَها الله بني إسرائيل من كلّ سبط رجلاً؛ فعيّن موسى اثني عشر رجلاً، منهم: يوشع بن نون من سبط أفرايم، ومنهم كالب بن يفنة من سبط يهوذا، ولم يسمّوا بقية الجواسيس.

فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكّانها معتزّين، طوال القامات، ومُدنهم حصينة.

فلمّا سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا وبكوا وتذمّروا على موسى وقالوا: لوْ متنا في أرض مصر كان خيراً لنا من أن تغنم نساؤنا وأطفالنا، فقال يوشع وكالب للشعب: إن رَضي الله عنّا يدخلنا إلى هذه الأرض ولكن لا تعصوا الربّ ولا تخافوا من أهلها، فالله معنا.

فأبى القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم.

وقال لموسى: لا يدخل أحد مَن سِنُّه عشرون سنة فصاعداً هذه الأرض إلاّ يوشع وكالباً وكلّكم ستدفنون في هذا القفر، ويكون أبناؤكم رُعاة فيه أربعين سنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.

﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .

﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.

وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.

﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.

والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.

والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن فيها قوماً جبارين ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين ﴾ قال: هم أطول منا أجساماً وأشد قوّة.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي ضمرة قال: استظل سبعون رجلاً من قوم موسى خلف رجل من العماليق.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رُئِيَتْ ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العمالقة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك.

أنه أخذ عصا فذرع فيها شيئاً، ثم قاس في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين، ثم قال: هكذا أطول العماليق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر نقيباً من كل سبط منهم عين فيأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيبتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجني من حائطه، فجعل يحش الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم.

قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.

فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول: اكتم عني فأشيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهم اللذان أنزل الله فيهما ﴿ قال رجلان من الذين يخافون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ادخلوا الأرض المقدسة ﴾ قال: هي مدينة الجبارين، لما نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلاً، وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كساءته، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه: فاجتمعوا إليه فقالوا: من أنتم؟

قالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: أقدروا قدر فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا: يا موسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [ المائدة: 24] ﴿ فقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى، فقالا لموسى ﴿ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال رجلان ﴾ قال: يوشع بن نون وكالب.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية العوفي في قوله: ﴿ قال رجلان ﴾ قال: كالب ويوشع بن النون فتى موسى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ قال: في بعض القراءة ﴿ يخافون أنعم الله عليهما ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير.

أنه كان يقرأها بضم الياء ﴿ يخافون ﴾ .

وأخرج ابن منذر عن سعيد بن جبير قال: كانا من العدو، فصارا مع موسى.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ﴿ قال رجلان من الذين يخافون ﴾ برفع الياء.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ من الذين يخافون ﴾ بنصب الياء في يخافون.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ بالهدى فهداهما فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبارين.

وأخرج ابن جرير عن سهل بن علي ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ بالخوف.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ﴾ قال: هم النقباء.

وفي قوله: ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ قال: هي قرية الجبارين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ .

قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد (١) وللجبار ههنا معنيان: قال الأخفش: أراد الطُّول والقوة والعظم (٢) (٣) وهذا معنى قول قتادة: كانت لهم أجسما وخلق عجيب ليس لغيرهم (٤) قال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان (٥) وجائز أن يكون الجبّار من: أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه.

قال الفراء: لم أسمع فعَّالا من أفْعَل إلا في حرفين، وهما: جبّار من أَجْبَر، ودرَّاك من أدْرَك (٦) وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال في هذه الآية: تأويل الجبّار من الآدميين العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد (٧) قال المفسرون: وبلغ من جبرية هؤلاء، أن موسى لما بعث النقباء ليتحسسوا (٨) (٩) وللجبار معانٍ نذكرها في مواضعها إن شاء الله.

(١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، القرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

(٢) ليس في "معاني القرآن" للأخفش، وقد نسبه الأزهري إلى أبي الحسن اللحياني.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 532 (جبر).

(٣) من "تهذيب اللغة" 1/ 532 (جبر)، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، و"اللسان" 1/ 535 (جبر).

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 174، وانظر: "زاد المسير" 2/ 324.

(٥) "تهذيب اللغة" 1/ 533، وانظر: "اللسان" 1/ 536 (جبر).

(٦) من "تهذيب اللغة" 1/ 532، وانظر: "اللسان" 1/ 534 (جبر).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 163، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 427، و"زاد المسير" 2/ 324.

(٨) في (ش): (ليتجسسو ا) بالجيم.

(٩) أخرج الأثر مطولًا الطبري في "تفسيره" 6/ 174، ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 43، وقال: وفي هذا الإسناد نظر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن يقدموا على أنفسهم رئيساً ويرجعوا إلى مصر ﴿ قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ هم العمالقة ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ يَخَافُونَ ﴾ أي يخافون الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ﴾ أي باب المدينة ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ﴿ لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله.

وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فافرق بَيْنَنَا ﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.

﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.

﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم أنه  كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.

منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.

وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.

وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.

وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.

وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.

وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.

وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.

وقيل: أراد عالمي زمانهم.

روي أن إبراهيم  لما صعد جبل لبنان قال الله  له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.

وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.

ثم بعث موسى  اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.

فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.

قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.

فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.

فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.

والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.

وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.

وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.

ثم إنها ما هي؟

فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.

وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: بيت المقدس.

وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.

قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.

وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.

وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.

وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.

﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى  وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.

فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.

والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.

قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.

ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.

والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله  : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.

ويحتمل أن يكون جملة معترضة.

قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى  في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.

والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله  أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.

وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.

وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.

قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.

ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.

والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.

﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين  ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.

أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.

عن مقاتل أن موسى  لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.

وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد  أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.

واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟

فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.

وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله  سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.

ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون  مات في التيه ومات موسى  بعده فيه بسنة، ودخل يوشع  أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.

ومنهم من قال: بل بقي موسى  بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله  أعلم.

واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.

وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.

وقيل: ستة في اثني عشر.

وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.

ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.

ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟

والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.

وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه  أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.

التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله  للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله  ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة  ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى  لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.

وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله -  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.

ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً  ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.

ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى -  - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.

وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.

ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .

من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى -  - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى -  - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...

﴾ الآية: دل - قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.

والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...

﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله -  -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...

﴾ الآية [طه: 44].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال قائلون: إنما طلب موسى -  - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ الآية.

قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.

وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى -  - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال له قومه: يا موسى، إن في الأرض المقدسة قومًا أولي قوة وأولي بأس شديد، وهذا يمنعنا من دخولها، فلن ندخلها ما دام هؤلاء فيها؛ لأنه لا حول لنا ولا قوة بقتالهم، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.QD46q"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل