الآية ٣ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣ من سورة المائدة

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 414 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي : ما مات من الحيوان حتف أنفه ، من غير ذكاة ولا اصطياد ، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة ، لما فيها من الدم المحتقن ، فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله ، عز وجل ، ويستثني من الميتة السمك ، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها ، لما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر ، فقال : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .

وهكذا الجراد ، لما سيأتي من الحديث ، وقوله : ( والدم ) يعني [ به ] المسفوح ; لقوله : ( أو دما مسفوحا ) [ الأنعام : 145 ] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا كثير بن شهاب المذحجي ، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق ، حدثنا عمرو - يعني ابن قيس - عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : أنه سئل عن الطحال فقال : كلوه .

فقالوا : إنه دم .

فقال : إنما حرم عليكم الدم المسفوح .

وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم عن عائشة ، قالت : إنما نهى عن الدم السافح .

وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالحوت والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .

وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف .

قال الحافظ البيهقي : ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر مرفوعا .

قلت : وثلاثتهم ضعفاء ، ولكن بعضهم أصلح من بعض .

وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، فوقفه بعضهم عليه .

قال الحافظ أبو زرعة الرازي : وهو أصح .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا بشير بن سريج ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة - وهو صدي بن عجلان - قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله ، وأعرض عليهم شرائع الإسلام ، فأتيتهم ، فبينا نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة من دم ، فاجتمعوا عليها يأكلونها ، قالوا : هلم يا صدي فكل .

قال : قلت : ويحكم!

إنما أتيتكم من عند محرم هذا عليكم ، وأنزل الله عليه ، قالوا : وما ذاك؟

قال : فتلوت عليهم هذه الآية : ( حرمت عليكم الميتة والدم [ ولحم الخنزير ] ) الآية .

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناد مثله ، وزاد بعد هذا السياق : قال : فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ، ويأبون علي ، فقلت لهم : ويحكم ، اسقوني شربة من ماء ، فإني شديد العطش - قال : وعلي عباءتي - فقالوا : لا ولكن ندعك حتى تموت عطشا .

قال : فاغتممت وضربت برأسي في العباء ، ونمت على الرمضاء في حر شديد ، قال : فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه ، وفيه شراب لم ير الناس [ شرابا ] ألذ منه ، فأمكنني منها فشربتها ، فحيث فرغت من شرابي استيقظت ، فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تيك الشربة .

ورواه الحاكم في مستدركه ، عن علي بن حمشاذ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري ، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب ، عن أبي أمامة ، قد ذكر نحوه وزاد بعد قوله : " بعد تيك الشربة " : فسمعتهم يقولون : أتاكم رجل من سراة قومكم ، فلم تمجعوه بمذقة ، فأتوني بمذقة ، فقلت : لا حاجة لي فيها ، إن الله أطعمني وسقاني ، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم .

وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق : وإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا أي : لا تفعل كما يفعل الجاهلية ، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع أخذ شيئا محددا من عظم ونحوه ، فيفصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان ، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه ; ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة ، ثم قال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تأتينه ولا تعبد الأصنام والله فاعبدا وقوله : ( ولحم الخنزير ) يعني : إنسيه ووحشيه ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم ، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله : ( فإنه رجس أو فسقا ) يعنون قوله تعالى : ( إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس ) [ الأنعام : 145 ] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير ، حتى يعم جميع أجزائه ، وهذا بعيد من حيث اللغة ، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه ، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد ، وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه " فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به ، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره .

وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " .

فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة ، فإنها تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس؟

فقال : " لا هو حرام " .

وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان : أنه قال لهرقل ملك الروم : " نهانا عن الميتة والدم " .

وقوله : ( وما أهل لغير الله به ) أي : ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله ، فهو حرام ; لأن الله أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم ، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك ، من سائر المخلوقات ، فإنها حرام بالإجماع .

وإنما اختلف العلماء في المتروك التسمية عليه ، إما عمدا أو نسيانا ، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا ابن فضيل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : نزل آدم بتحريم أربع : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط ، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض ، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم ، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم [ عليه السلام ] وأحل لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه .

وهذا أثر غريب .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا ربعي بن عبد الله قال : سمعت الجارود بن أبي سبرة - قال : هو جدي - قال : كان رجل من بني رياح يقال له : ابن وثيل ، وكان شاعرا ، نافر - غالبا - أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة ، على أن يعقر هذا مائة من إبله ، وهذا مائة من إبله ، إذا وردت الماء ، فلما وردت الماء قاما إليها بالسيوف ، فجعلا يكسفان عراقيبها .

قال : فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم - قال : وعلي بالكوفة - قال : فخرج علي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وهو ينادي : يا أيها الناس ، لا تأكلوا من لحومها فإنما أهل بها لغير الله .

هذا أثر غريب ، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود : حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف عن أبي ريحانة ، عن ابن عباس قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن معاقرة الأعراب .

ثم قال أبو داود : محمد بن جعفر - هو غندر - أوقفه على ابن عباس .

تفرد به أبو داود وقال أبو داود أيضا : حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، حدثنا أبي ، حدثنا جرير بن حازم ، عن الزبير بن خريت قال : سمعت عكرمة يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل .

ثم قال أبو داود : أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس .

تفرد به أيضا .

وقوله : ( والمنخنقة ) وهي التي تموت بالخنق إما قصدا أو اتفاقا ، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به ، فهي حرام .

وأما ) الموقوذة ) فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت ، كما قال ابن عباس وغير واحد : هي التي تضرب بالخشب حتى توقذ بها فتموت .

وقال قتادة : كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها .

وفي الصحيح : أن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب .

قال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " .

ففرق بين ما أصابه بالسهم ، أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله ، وما أصابه بعرضه فجعله وقيذا فلم يحله ، وقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم هاهنا ، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه ، على قولين ، هما قولان للشافعي رحمه الله : أحدهما : [ أنه ] لا يحل ، كما في السهم ، والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ .

والثاني : أنه يحل ; لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ، ولم يستفصل ، فدل على إباحة ما ذكرناه ; لأنه قد دخل في العموم .

وقد قررت لهذه المسألة فصلا فليكتب هاهنا .

.

فصل : اختلف العلماء رحمهم الله تعالى ، فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه ، أو صدمه ، هل يحل أم لا ؟

على قولين : أحدهما : أن ذلك حلال ; لعموم قوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) [ المائدة : 4 ] وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم .

وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي رحمه الله ، وصححه بعض المتأخرين [ منهم ] كالنووي والرافعي .

قلت : وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر ، فإنه قال في كلا الموضعين : " يحتمل معنيين " .

ثم وجه كلا منهما ، فحمل ذلك الأصحاب منه فأطلقوا في المسألة قولين عنه ، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلا ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم به .

والقول بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة ، من رواية الحسن بن زياد ، عنه ، ولم يذكر غير ذلك ، وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر .

وهذا غريب جدا ، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم ، إلا أنه من تصرفه ، رحمه الله ورضي عنه .

والقول الثاني : أن ذلك لا يحل ، وهو أحد القولين عن الشافعي رحمه الله ، واختاره المزني ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا ، والله أعلم .

ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة ، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ، رضي الله عنه وهذا القول أشبه بالصواب ، والله أعلم ، لأنه أجرى عن القواعد الأصولية ، وأمس بالأصول الشرعية .

واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج ، قلت : يا رسول الله ، إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟

قال : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " .

الحديث بتمامه ، وهو في الصحيحين .

وهذا وإن كان واردا على سبب خاص ، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع ، كما سئل عليه السلام عن البتع - وهو نبيذ العسل - فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " أفيقول فقيه : إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟

وهكذا هذا كما سألوه عن شيء من الذكاة ، فقال لهم كلاما عاما يشمل ذاك المسئول عنه وغيره ; لأنه عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم .

إذا تقرر هذا فما صدمه الكلب أو غمه بثقله ، ليس مما أنهر دمه ، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث .

فإن قيل : هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء ; لأنهم إنما سألوا عن الآلة التي يذكى بها ، ولم يسألوا عن الشيء الذي يذكى ; ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر ، حيث قال : " ليس السن والظفر ، وسأحدثكم عن ذلك : أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة " .

والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه ، وإلا لم يكن متصلا فدل على أن المسئول عنه هو الآلة ، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم .

فالجواب عن هذا : بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا ، حيث يقول : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " .

ولم يقل : " فاذبحوا به " فهذا يؤخذ منه الحكمان معا ، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها ، وحكم المذكى ، وأنه لا بد من إنهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرا .

هذا مسلك .

والمسلك الثاني : طريقة المزني وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل ، وإن خزق فكل .

والكلب جاء مطلقا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق ; لأنهما اشتركا في الموجب ، وهو الصيد ، فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب ، كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل ، بل هذا أولى .

وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي ، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة ، فلا بد لهم من جواب عن هذا .

وله أن يقول : هذا قتله الكلب بثقله ، فلم يحل قياسا على ما قتله السهم بعرضه والجامع أن كلا منهما آلة للصيد ، وقد مات بثقله فيهما .

ولا يعارض ذلك بعموم الآية ; لأن القياس مقدم على العموم ، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور ، وهذا مسلك حسن أيضا .

مسلك آخر ، وهو : أن قوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) [ المائدة : 4 ] عام فيما قتلن بجرح أو غيره ، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو : إما أن يكون نطيحا أو في حكمه ، أو منخنقا أو في حكمه ، وأيا ما كان فيجب تقديم [ حكم ] هذه الآية على تلك لوجوه : أحدها : أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد ، حيث يقول لعدي بن حاتم : " وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " .

ولم نعلم أحدا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية ، فقال : إن الوقيذ معتبر حالة الصيد ، والنطيح ليس معتبرا ، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل به ، وهو محظور عند كثير من العلماء .

الثاني : أن تلك الآية : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) [ المائدة : 4 ] ليست على عمومها بالإجماع ، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول ، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق ، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ .

.

المسلك الآخر : أن هذا الصيد - والحالة هذه - في حكم الميتة سواء ; لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات ، فلا تحل قياسا على الميتة .

المسلك الآخر : أن آية التحريم ، أعني قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) إلى آخرها محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص ، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة ، أعني قوله : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات [ وما علمتم من الجوارح مكلبين ] ) [ المائدة : 4 ] فينبغي ألا يكون بينهما تعارض أصلا وتكون السنة جاءت لبيان ذلك ، وشاهد ذلك قصة السهم ، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية ، وهو ما إذا خزفه المعراض فيكون حلالا ; لأنه من الطيبات ، وما دخل في حكم تلك الآية ، آية التحريم ، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل ; لأنه وقيذ ، فيكون أحد أفراد آية التحريم ، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء ، إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل .

وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالا .

فإن قيل : فلم لا فصل في حكم الكلب ، فقال ما ذكرتم : إن جرحه فهو حلال ، وإن لم يجرحه فهو حرام ؟

فالجواب : أن ذلك نادر ; لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا ، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر ، وكذا قتله إياه بثقله ، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره ، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة .

وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه أو للهواء أو نحو ذلك ، بل خطؤه أكثر من إصابته ; فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا ، والله أعلم ; ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد ، فقال : " إن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " وهذا صحيح ثابت في الصحيحين وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين فقالوا : لا يحل ما أكل منه الكلب ، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس .

وبه قال الحسن والشعبي والنخعي .

وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه .

وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس : أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب ، حتى قال سعد وسلمان وأبو هريرة وابن عمر ، وغيرهم : يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة .

وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم ، وأومأ في الجديد إلى قولين ، قال ذلك الإمام أبو نصر ابن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه .

وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي ، عن أبي ثعلبة الخشني ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيد الكلب : " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه ، وكل ما ردت عليك يدك " .

ورواه أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ; أن أعرابيا يقال له : أبو ثعلبة قال : يا رسول الله ، فذكر نحوه .

وقال محمد بن جرير في تفسيره : حدثنا عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا عبد العزيز بن موسى - هو اللاحوني - حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي - عن أبي إياس - وهو معاوية بن قرة - عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان الفارسي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه ، فليأكل ما بقي .

ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان موقوفا وأما الجمهور فقدموا حديث " عدي " على ذلك ، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره .

وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه وطال عليه الفصل ولم يجئ ، فأكل منه لجوعه ونحوه ، فإنه لا بأس بذلك ; لأنه - والحالة هذه ; لا يخشى أنه أمسك على نفسه ، بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة ، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه ، والله أعلم .

فأما الجوارح من الطير فنص الشافعي على أنها كالكلاب ، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور ، ولا يحرم عند الآخرين .

واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد قالوا : لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه ، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد ، فيعفى عن ذلك ، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير .

وقال الشيخ أبو علي في " الإفصاح " : إذا قلنا : يحرم ما أكل منه الكلب ، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان ، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب ، لنص الشافعي رحمه الله على التسوية بينهما ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وأما ) المتردية ) فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك ، فلا تحل .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( المتردية ) التي تسقط من جبل .

وقال قتادة : هي التي تتردى في بئر .

وقال السدي : هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر .

وأما ) النطيحة ) فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها ، فهي حرام ، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها .

والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة ، أي : منطوحة .

وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث ، فيقولون : كف خضيب ، وعين كحيل ، ولا يقولون : كف خضيبة ، ولا عين كحيلة : وأما هذه فقال بعض النحاة : إنما استعمل فيها تاء التأنيث ; لأنها أجريت مجرى الأسماء ، كما في قولهم : طريقة طويلة .

وقال بعضهم : إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة ، بخلاف : عين كحيل ، وكف خضيب ; لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام .

وقوله : ( وما أكل السبع ) أي : ما عدا عليها أسد ، أو فهد ، أو نمر ، أو ذئب ، أو كلب ، فأكل بعضها فماتت بذلك ، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدماء ولو من مذبحها ، فلا تحل بالإجماع .

وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين .

وقوله : ( إلا ما ذكيتم ) عائد على ما يمكن عوده عليه ، مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة ، وفيه حياة مستقرة ، وذلك إنما يعود على قوله : ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ) وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا ما ذكيتم ) يقول : إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح ، فكلوه ، فهو ذكي .

وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي قال : ( وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ) قال : إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها ، أو طرفت بعينها فكل .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم وعباد قالا : حدثنا حجاج عن حصين عن الشعبي عن الحارث عن علي قال : إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة ، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها .

وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد : أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح ، فهي حلال .

وهذا مذهب جمهور الفقهاء ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل .

وقال ابن وهب : سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها ؟

فقال مالك : لا أرى أن تذكي أي شيء يذكى منها .

وقال أشهب : سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش ، فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت ، فيؤكل ؟

قال إن كان قد بلغ السحرة ، فلا أرى أن يؤكل وإن كان أصاب أطرافه ، فلا أرى بذلك بأسا .

قيل له : وثب عليه فدق ظهره ؟

فقال : لا يعجبني ، هذا لا يعيش منه .

قيل له : فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء ؟

فقال : إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل .

هذا مذهب مالك رحمه الله ، وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها ، فيحتاج إلى دليل مخصص للآية ، والله أعلم .

وفي الصحيحين : عن رافع بن خديج أنه قال : قلت : يا رسول الله ، إنا لاقو العدو غدا ، وليس معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟

فقال : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ، ليس السن والظفر ، وسأحدثكم عن ذلك ، أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة " .

وفي الحديث الذي رواه الدارقطني [ عن أبي هريرة‍ ] مرفوعا ، وفيه نظر ، وروي عن عمر موقوفا ، وهو أصح " ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق " .

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من رواية حماد بن سلمة ، عن أبي العشراء الدارمي ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق ؟

فقال : " لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك .

وهو حديث صحيح ولكنه محمول على ما [ لم ] يقدر على ذبحه في الحلق واللبة .

وقوله : ( وما ذبح على النصب ) قال مجاهد وابن جريج كانت النصب حجارة حول الكعبة قال ابن جريج : وهي ثلاثمائة وستون نصبا ، كان العرب في جاهليتها يذبحون عندها ، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب .

وكذا ذكره غير واحد ، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع ، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله .

وينبغي أن يحمل هذا على هذا ; لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله .

وقوله تعالى : ( وأن تستقسموا بالأزلام ) أي : حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام : واحدها : زلم ، وقد تفتح الزاي ، فيقال : زلم ، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك ، وهي عبارة عن قداح ثلاثة ، على أحدها مكتوب : " أفعل " وعلى الآخر : " لا تفعل " والثالث " غفل ليس عليه شيء .

ومن الناس من قال : مكتوب على الواحد : " أمرني ربي " وعلى الآخر : " نهاني ربي " .

والثالث غفل ليس عليه شيء ، فإذا أجالها فطلع السهم الآمر فعله ، أو الناهي تركه ، وإن طلع الفارغ أعاد [ الاستقسام ] والاستقسام : مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام .

هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا الحجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء عن ابن عباس : ( وأن تستقسموا بالأزلام ) قال : والأزلام : قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور .

وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان .

وقال ابن عباس : هي القداح كانوا يستقسمون بها الأمور .

وذكر محمد بن إسحاق وغيره : أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له : هبل ، وكان داخل الكعبة ، منصوب على بئر فيها ، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه ، كان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه ، مما أشكل عليهم ، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه .

وثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها ، وفي أيديهما الأزلام ، فقال : " قاتلهم الله ، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا " وفي الصحيح : أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين ، قال : فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟

فخرج الذي أكره : لا تضرهم .

قال : فعصيت الأزلام وأتبعتهم ، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة ، كل ذلك يخرج الذي يكره : لا تضرهم وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ، ثم أسلم بعد ذلك .

وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد ، عن رقبة عن عبد الملك بن عمير ، عن رجاء بن حيوة ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا " .

وقال مجاهد في قوله : ( وأن تستقسموا بالأزلام ) قال : هي سهام العرب ، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها .

وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر ، اللهم إلا أن يقال : إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة ، وفي القمار أخرى ، والله أعلم .

فإن الله سبحانه [ وتعالى ] قد فرق بين هذه وبين القمار وهو الميسر ، فقال في آخر السورة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .

إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء [ في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ] منتهون ) [ الآيتان : 90 ، 91 ] وهكذا قال هاهنا : ( وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ) أي : تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك ، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه ، كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن ، من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ، ويقول : " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ; فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر - ويسميه باسمه - خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه ، اللهم إن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفني عنه ، واصرفه عني ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به " .

لفظ أحمد .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي .

قوله : ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني : يئسوا أن يراجعوا دينهم .

.

وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان .

وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن بالتحريش بينهم " .

ويحتمل أن يكون المراد : أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين ، بما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله ; ولهذا قال تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ، ولا يخافوا أحدا إلا الله ، فقال : ( فلا تخشوهم واخشون ) أي : لا تخافوا منهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم ، وأشف صدوركم منهم ، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة .

وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) هذه أكبر نعم الله عز وجل ، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره ، ولا إلى نبي غير نبيهم ، صلوات الله وسلامه عليه ; ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء ، وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف ، كما قال تعالى : ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الأخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي ، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم ; ولهذا قال [ تعالى ] ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) أي : فارضوه أنتم لأنفسكم ، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام ، وأنزل به أشرف كتبه .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وهو الإسلام ، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان ، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا ، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا ، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا .

وقال أسباط عن السدي : نزلت هذه الآية يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات .

قالت أسماء بنت عميس : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة ، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة ، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن ، فبركت فأتيته فسجيت عليه بردا كان علي .

قال ابن جريج وغير واحد : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما .

رواهما ابن جرير ، ثم قال : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا ابن فضيل ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه قال : لما نزلت ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وذلك يوم الحج الأكبر ، بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك؟

" قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذ أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص .

فقال : " صدقت " .

ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت : " إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا ، فطوبى للغرباء " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] فقال : يا أمير المؤمنين ، إنكم تقرءون آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا .

قال : وأي آية؟

قال قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) فقال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نزلت عشية عرفة في يوم جمعة .

ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به .

ورواه أيضا مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم ، به ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري ، عن قيس عن طارق قال : قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية ، لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا .

فقال عمر : إني لأعلم حين أنزلت ، وأين أنزلت وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت يوم عرفة ، وأنا والله بعرفة - قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة أم لا ( اليوم أكملت لكم دينكم ) الآية .

وشك سفيان رحمه الله ، إن كان في الرواية فهو تورع ، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟

وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة ، فهذا ما إخاله يصدر عن الثوري رحمه الله ، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به ، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء ، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها ، والله أعلم ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة ، أخبرنا عبادة بن نسي ، أخبرنا أميرنا إسحاق - قال أبو جعفر بن جرير : هو إسحاق بن خرشة - عن قبيصة - يعني ابن ذؤيب - قال : قال كعب : لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية ، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم ، فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه .

فقال عمر : أي آية يا كعب ؟

فقال : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) فقال عمر : قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه ، والمكان الذي أنزلت فيه ، نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا قبيصة حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمار - هو مولى بني هاشم - أن ابن عباس قرأ : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فقال يهودي : لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا .

فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : يوم عيد ويوم جمعة .

وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا يحيى بن الحماني ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن إسماعيل بن سلمان ، عن أبي عمر البزار ، عن ابن الحنفية ، عن علي [ رضي الله عنه ] قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قائم عشية عرفة : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وقال ابن جرير : حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا ابن عياش ، حدثنا عمرو بن قيس السكوني : أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) حتى ختمها ، فقال : نزلت في يوم عرفة ، في يوم جمعة .

وروى ابن مردويه ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عمر بن موسى بن وجيه ، عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال : نزلت هذه الآية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على الموقف .

فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حنش بن عبد الله الصنعاني ، عن ابن عباس قال : ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، [ ونبئ يوم الاثنين ] وخرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ورفع الذكر يوم الاثنين ، فإنه أثر غريب وإسناده ضعيف .

وقد رواه الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس قال : ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، واستنبئ يوم الاثنين ، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ، وقدم المدينة يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ، ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين .

هذا لفظ أحمد ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين فالله أعلم .

ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم ، فاشتبه على الراوي ، والله أعلم .

[ و ] قال ابن جرير : وقد قيل : ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس ، ثم روي من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) يقول : ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس قال : وقد قيل : إنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى حجة الوداع .

ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس .

قلت : وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العيدي ، عن أبي سعيد الخدري ; أنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي : " من كنت مولاه فعلي مولاه " .

ثم رواه عن أبي هريرة وفيه : أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، يعني مرجعه عليه السلام من حجة الوداع .

ولا يصح هذا ولا هذا ، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية : أنها أنزلت يوم عرفة ، وكان يوم جمعة ، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان ، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب ، رضي الله عنهم ، وأرسله [ عامر ] الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب ، وغير واحد من الأئمة والعلماء ، واختاره ابن جرير الطبري ، رحمه الله .

وقوله : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) أي : فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك ، فله تناول ذلك ، والله غفور رحيم له ; لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر ، وافتقاره إلى ذلك ، فيتجاوز عنه ويغفر له .

وفي المسند وصحيح ابن حبان ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته " لفظ ابن حبان .

وفي لفظ لأحمد من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة " .

ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان ، وهو ما إذا خاف على مهجته التلف ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، و [ قد ] يكون مباحا بحسب الأحوال .

واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أو له أن يشبع ، أو يشبع ويتزود؟

على أقوال ، كما هو مقرر في كتاب الأحكام .

وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير ، أو صيدا وهو محرم : هل يتناول الميتة ، أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء ، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟

على قولين ، هما قولان للشافعي رحمه الله .

وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما ، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم ، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية ، عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا : يا رسول الله ، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة ، فمتى تحل لنا بها الميتة ؟

فقال : " إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تجتفئوا بقلا فشأنكم بها " .

تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين .

وكذا رواه ابن جرير ، عن عبد الأعلى بن واصل ، عن محمد بن القاسم الأسدي ، عن الأوزاعي به ، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية ، عن مسلم بن يزيد ، عن أبي واقد ، به ومنهم من رواه عن الأوزاعي عن حسان عن مرثد - أو أبي مرثد - عن أبي واقد ، به ورواه ابن جرير عن هناد بن السري ، عن عيسى بن يونس ، عن حسان عن رجل قد سمي له ، فذكره .

ورواه أيضا عن هناد عن ابن المبارك ، عن الأوزاعي عن حسان مرسلا .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن عون قال : وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه ، فكان فيه : " ويجزى من الاضطرار غبوق أو صبوح " .

حدثنا أبو كريب ، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي حدثنا الحسن أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : [ إلى ] متى يحل [ لي ] الحرام؟

قال : فقال : " إلى متى يروى أهلك من اللبن ، أو تجيء ميرتهم " .

حدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، حدثنا عمر بن عبد الله بن عروة ، عن جده عروة بن الزبير ، عن جدته ; أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه ، والذي أحل له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تحل لك الطيبات ، وتحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام لا يحل لك ، فتأكل منه حتى تستغني عنه " .

فقال الرجل : وما فقري الذي يحل لي؟

وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا كنت ترجو نتاجا ، فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك ، أو كنت ترجو غنى ، تطلبه ، فتبلغ من ذلك شيئا ، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه " .

فقال الأعرابي : ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟

فقال [ النبي ] صلى الله عليه وسلم : " إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل ، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام ، وأما مالك فإنه ميسور كله ، ليس فيه حرام " .

ومعنى قوله : " ما لم تصطبحوا " : يعني به : الغداء ، " وما لم تغتبقوا " : يعني به : العشاء ، " أو تختفئوا بقلا فشأنكم بها " [ أي ] فكلوا منها .

وقال ابن جرير : يروى هذا الحرف - يعني قوله : " أو تختفئوا [ بقلا ] على أربعة أوجه : " تختفئوا " بالهمزة ، " وتحتفيوا " بتخفيف الياء والحاء ، " وتحتفوا " بتشديد [ الفاء ] وتحتفوا " بالحاء وبالتخفيف ، ويحتمل الهمز ، كذا ذكره في التفسير .

حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري ; أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا من الميتة؟

قال : " ما طعامكم؟

" قلنا : نغتبق ونصطبح .

قال أبو نعيم : فسره لي عقبة : قدح غدوة ، وقدح عشية .

قال : " ذاك - وأبي - الجوع " .

وأحل لهم الميتة على هذه الحال .

تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم ، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم ، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع ، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق ، والله أعلم .

حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد حدثنا سماك عن جابر بن سمرة ، أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده ، فقال له رجل : إن ناقة لي ضلت ، فإن وجدتها فأمسكها ، فوجدها ولم يجد صاحبها ، فمرضت فقالت امرأته : انحرها ، فأبى ، فنفقت ، فقالت له امرأته : اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها فنأكله .

فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه فسأله ، فقال : " هل عندك غنى يغنيك ؟

" قال : لا .

قال : " فكلوها " .

قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر ، فقال : هلا كنت نحرتها ؟

قال : استحييت منك .

تفرد به وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع ، والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها ، والله أعلم .

وقوله : ( غير متجانف لإثم ) أي : [ غير ] متعاط لمعصية الله ، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر ، كما قال في سورة البقرة : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) [ الآية : 173 ] .

وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر ; لأن الرخص لا تنال بالمعاصي ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حرمت عليكم الميتة القول في تأويل قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } يعني بذلك جل ثناؤه : حرم الله عليكم أيها المؤمنون الميتة , والميتة : كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره , مما أباح الله أكلها , وأهليها ووحشيها , فارقتها روحها بغير تذكية .

وقد قال بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية مما أحل الله أكله .

وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك في كتابنا : كتاب " لطيف القول في الأحكام " .والدم وأما الدم : فإنه الدم المسفوح دون ما كان منه غير مسفوح ; لأن الله جل ثناؤه قال : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } فأما ما كان قد صار في معنى اللحم كالكبد والطحال , وما كان في اللحم غير منسفح , فإن ذلك غير حرام , لإجماع الجميع على ذلك .ولحم الخنزير وأما قوله : { ولحم الخنزير } فإنه يعني : وحرم عليكم لحم الخنزير , أهليه وبريه .

فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم , والمراد منهما الخصوص وأما لحم الخنزير , فإن ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره , حرام جميعه لم يخصص منه شيء .وما أهل لغير الله به وأما قوله : { وما أهل لغير الله به } فإنه يعني : وما ذكر عليه غير اسم الله .

وأصله من استهلال الصبي وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه , ومنه إهلال المحرم بالحج إذا لبى به , ومنه قول ابن أحمر : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر وإنما عنى بقوله : { وما أهل لغير الله به } وما ذبح للآلهة وللأوثان يسمى عليه غير اسم الله .

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل , وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى فكرهنا إعادته .والمنخنقة القول في تأويل قوله تعالى : { والمنخنقة } اختلفت أهل التأويل في صفة الانخناق الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله { والمنخنقة } فقال بعضهم بما : 8648 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والمنخنقة } قال : التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة , فتختنق فتموت .

8649 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك , في المنخنقة , قال : التي تختنق فتموت .

8650 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : حدثنا معمر , عن قتادة في قوله : { والمنخنقة } التي تموت في خناقها .

وقال آخرون : هي التي توثق فيقتلها بالخناق وثاقها .

ذكر من قال ذلك : 8651 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والمنخنقة } قال : الشاة توثق , فيقتلها خناقها , فهي حرام .

وقال آخرون : بل هي البهيمة من النعم , كان المشركون يخنقونها حتى تموت , فحرم الله أكلها .

ذكر من قال ذلك : 8652 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { والمنخنقة } التي تخنق فتموت .

8653 - حدثنا بشر قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { والمنخنقة } كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة , حتى إذا ماتت أكلوها .

وأولى هذه الأقوال بالصواب , قول من قال : هي التي تختنق , إما في وثاقها , وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره ; لأن المنخنقة : هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها , ولو كان معنيا بذلك أنها مفعول بها لقيل : والمخنوقة , حتى يكون معنى الكلام ما قالوا .والموقوذة القول في تأويل قوله تعالى : { والموقوذة } يعني جل ثناؤه بقوله { والموقوذة } والميتة وقيذا , يقال منه : وقذه يقذه وقذا : إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك , ومنه قول الفرزدق : شغارة تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الأبكار وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8654 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { والموقوذة } قال : الموقوذة التي تضرب بالخشب حتى يقذها فتموت .

8655 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال ثنا سعيد , عن قتادة : { والموقوذة } كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا , حتى إذا ماتت أكلوها .

* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا روح , قال : ثنا شعبة , عن قتادة في قوله : { والموقوذة } قال : كانوا يضربونها حتى يقذوها , ثم يأكلوها .

* - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { والموقوذة } التي توقذ فتموت .

8656 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك , قال : { الموقوذة } التي تضرب حتى تموت .

8657 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والموقوذة } قال : هي التي تضرب فتموت .

8658 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والموقوذة } كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها .

* - حدثنا العباس بن الوليد , قال : أخبرني عقبة بن علقمة , ثني إبراهيم بن أبي عبلة , قال : ثني نعيم بن سلامة , عن أبي عبد الله الصنابحي , قال : ليست الموقوذة إلا في مالك , وليس في الصيد وقيذ .والمتردية القول في تأويل قوله تعالى : { والمتردية } يعني بذلك جل ثناؤه : وحرمت عليكم الميتة ترديا من جبل , أو في بئر , أو غير ذلك .

وترديها : رميها بنفسها من مكان عال مشرف إلى سفله .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8659 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { والمتردية } قال : التي تتردى من الجبل .

8660 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { والمتردية } كانت تتردى في البئر فتموت فيأكلونها .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا روح , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { والمتردية } قال : التي تردت في البئر .

8661 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : { والمتردية } قال : هي التي تردى من الجبل أو في البئر , فتموت .

8662 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { والمتردية } التي تردى من الجبل فتموت .

8663 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , يقول : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والمتردية } قال : التي تخر في ركي أو من رأس جبل فتموت .والنطيحة القول في تأويل قوله تعالى : { والنطيحة } يعني بقوله { النطيحة } الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية , فحرم الله جل ثناؤه ذلك على المؤمنين إن لم يدركوا ذكاته قبل موته .

وأصل النطيحة : المنطوحة , صرفت من مفعولة إلى فعيلة .

فإن قال قائل : وكيف أثبتت الهاء هاء التأنيث فيها , وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت الهاء في نظائرها إذا صرفوها صرف النطيحة من مفعول إلى فعيل , إنما تقول : لحية دهين , وعين كحيل , وكف خضيب , ولا يقولون كف خضيبة ولا عين كحيلة ؟

قيل : قد اختلفت أهل العربية في ذلك , فقال بعض نحويي البصرة : أثبتت فيها الهاء , أعني في النطيحة ; لأنها جعلت كالاسم مثل الطويلة والطريقة فكأن قائل هذا القول وجه النطيحة إلى معنى الناطحة .

فتأويل الكلام على مذهبه : وحرمت عليكم الميتة نطاحا , كأنه عنى : وحرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها .

وقال بعض نحويي الكوفة : إنما تحذف العرب الهاء من الفعيلة المصروفة عن المفعول إذا جعلتها صفة لاسم , قد تقدمها , فتقول : رأينا كفا خضيبا وعينا كحيلا .

فأما إذا حذفت الكف والعين والاسم الذي يكون فعيل نعتا لها واجتزءوا بفعيل منها , أثبتوا فيه هاء التأنيث , ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر , فتقول : رأينا كحيلة وخضيبة وأكيلة السبع , قالوا : ولذلك أدخلت الهاء في النطيحة ; لأنها صفة المؤنث , ولو أسقطت منها لم يدر أهي صفة مؤنث أو مذكر .

وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب الشائع من أقوال أهل التأويل , بأن معنى النطيحة : المنطوحة .

ذكر من قال ذلك : 8664 - حدثني المثنى , قال ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن أبي عباس , قوله : { والنطيحة } قال : الشاة تنطح الشاة .

8665 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , عن قيس , عن أبي إسحاق , عن أبي ميسرة , قال : كان يقرأ : " والمنطوحة " .

8666 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { والنطيحة } الشاتان تنتطحان فتموتان .

8667 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والنطيحة } هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت .

يقول : هذا حرام ; لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه .

8668 - حدثنا بشر , قال ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { والنطيحة } كان الكبشان ينتطحان , فيموت أحدهما , فيأكلونه .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا روح , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { والنطيحة } الكبشان ينتطحان فيقتل أحدهما الآخر , فيأكلونه .

* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والنطيحة } قال : الشاة تنطح الشاة فتموت .وما أكل السبع القول في تأويل قوله تعالى : { وما أكل السبع } يعني جل ثناؤه بقوله : { وما أكل السبع } وحرم عليكم ما أكل السبع غير المعلم من الصوائد .

وكذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8669 - حدثني المثنى , قال ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { وما أكل السبع } يقول : ما أخذ السبع .

8670 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن جويبر , عن الضحاك : { وما أكل السبع } يقول : ما أخذ السبع .

8671 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وما أكل السبع } قال : كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئا من هذا أو أكل منه , أكلوا ما بقي .

8672 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , عن قيس , عن عطاء بن السائب , عن أبي الربيع , عن ابن عباس أنه قرأ : " وأكيل السبع " .إلا ما ذكيتم القول في تأويل قوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } يعني جل ثناؤه بقوله : { إلا ما ذكيتم } إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا .

ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله : { إلا ما ذكيتم } فقال بعضهم : استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه , من قوله { وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } ذكر من قال ذلك : 8673 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { إلا ما ذكيتم } يقول : ما أدركت ذكاته من هذا كله , يتحرك له ذنب أو تطرف له عين , فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال .

8674 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل , عن أشعث , عن الحسن : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } قال الحسن : أي هذا أدركت ذكاته فذكه وكل .

فقلت : يا أبا سعيد كيف أعرف ؟

قال : إذا طرفت بعينها أو ضربت بذنبها .

8675 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { إلا ما ذكيتم } قال : فكل هذا الذي سماه الله عز وجل هاهنا ما خلا لحم الخنزير إذا أدركت منه عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو قائمة تركض , فذكيته , فقد أحل الله لك ذلك .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { إلا ما ذكيتم } من هذا كله , فإذا وجدتها تطرف عينها , أو تحرك أذنها من هذا كله , فهي لك حلال .

8676 - حدثنا حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني هشيم وعباد , قالا : أخبرنا حجاج , عن حصين , عن الشعبي , عن الحارث , عن علي , قال : إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها .

8677 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا معمر , عن إبراهيم , قال : إذا أكل السبع من الصيد أو الوقيذة , أو النطيحة أو المتردية فأدركت ذكاته , فكل .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن سلام التميمي , قال : ثنا جعفر بن محمد , عن أبيه , عن علي بن أبي طالب , قال : إذا ركضت برجلها أو طرفت بعينها أو حركت ذنبها , فقد أجزأ .

8678 - حدثنا ابن المثنى وابن بشار , قالا : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني ابن طاوس , عن أبيه , قال : إذا ذبحت فمصعت بذنبها أو تحركت فقد حلت لك .

أو قال : فحسبه .

8679 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن حميد , عن الحسن , قال : إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها , أو تركض برجلها , أو تمصع بذنبها , فاذبح وكل .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن قتادة , بمثله .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , عن أبي الزبير , أنه سمع عبيد بن عمير , يقول : إذا طرفت بعينها , أو مصعت بذنبها , أو تحركت , فقد حلت لك .

8680 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك يقول : كان أهل الجاهلية يأكلون هذا , فحرم الله في الإسلام إلا ما ذكي منه , فما أدرك فتحرك منه رجل أو ذنب أو طرف فذكي , فهو حلال .

8681 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } وقوله : { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة } الآية , { وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } هذا كله محرم , إلا ما ذكي من هذا .

فتأويل الآية على قول هؤلاء : حرمت الموقوذة والمتردية إن ماتت من التردي والوقذ والنطح وفرس السبع , إلا أن تدركوا ذكاتها , فتدركوها قبل موتها , فتكون حينئذ حلالا أكلها .

وقال آخرون : هو استثناء من التحريم , وليس باستثناء من المحرمات التي ذكرها الله تعالى في قوله : { حرمت عليكم الميتة } لأن الميتة لا ذكاة لها ولا للخنزير .

قالوا : وإنما معنى الآية : حرمت عليكم الميتة والدم , وسائر ما سمينا مع ذلك , إلا ما ذكيتم مما أحله الله لكم بالتذكية , فإنه لكم حلال .

وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة ذكر بعض من قال ذلك : 8682 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال مالك : وسئل عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها , فقال مالك : لا أرى أن تذكى ولا يؤكل أي شيء يذكى منها .

8683 - حدثني يونس , عن أشهب , قال : سئل مالك , عن السبع يعدو على الكبش , فيدق ظهره , أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل ؟

قال : إن كان بلغ السحر , فلا أرى أن يؤكل , وإن كان إنما أصاب أطرافه , فلا أرى بذلك بأسا .

قيل له : وثب عليه فدق ظهره ؟

قال : لا يعجبني أن يؤكل , هذا لا يعيش منه .

قيل له : فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء ؟

قال : إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل .

وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله : { إلا ما ذكيتم } استثناء منقطعا , فيكون تأويل الآية : حرمت عليكم الميتة والدم , وسائر ما ذكرنا , ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال .

وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الأول , وهو أن قوله : { إلا ما ذكيتم } استثناء من قوله : { وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } لأن كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موته , فيقال : لما قرب المشركون لآلهتهم فسموه لهم : هو { ما أهل لغير الله به } بمعنى : سمي قربانا لغير الله .

وكذلك المنخنقة : إذا انخنقت , وإن لم تمت فهي منخنقة , وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله : { وما أهل لغير الله به } إلا بالتذكية فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته , فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفا .

فإذ كان ذلك كذلك , فتأويل الآية : وحرم عليكم ما أهل لغير الله به , والمنخنقة , وكذا وكذا وكذا , إلا ما ذكيتم من ذلك ف " ما " إذ كان ذلك تأويله في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها , وقد يجوز فيه الرفع .

وإذ كان الأمر على ما وصفنا , فكل ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده , فحلال أكله إذا كان مما أحله الله لعباده .

فإن قال لنا قائل : فإذ كان ذلك معناه عندك , فما وجه تكريره ما كرر بقوله : { وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية } وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية , وقد افتتح الآية بقوله : { حرمت عليكم الميتة } ؟

وقد علمت أن قوله : { حرمت عليكم الميتة } شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه , من علة به من غير جناية أحد عليه , أو كان موته من ضرب ضارب إياه , أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع ؟

وهلا كان قوله إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك , دون أن يكون معنيا به تحريمه إذا تردى أو انخنق , أو فرسه السبع , فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة ; { حرمت عليكم الميتة } مغنيا من تكرير ما كرر بقوله ; { وما أهل لغير الله به والمنخنقة } وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد ؟

قيل : وجه تكراره ذلك وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف , وقد تقدم بقوله : { حرمت عليكم الميتة } أن الذين خوطبوا بهذه الآية لا يعدون الميتة من الحيوان , إلا ما مات من علة عارضة به , غير الانخناق والتردي والانتطاح , وفرس السبع , فأعلمهم الله أن حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة , وأن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها , ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به .

كالذي : 8684 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } يقول : هذا حرام ; لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا , إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع , فحرمه الله عليهم , إلا ما ذكروا اسم الله عليه وأدركوا ذكاته وفيه الروح .وما ذبح على النصب القول في تأويل قوله تعالى : { وما ذبح على النصب } يعني بقوله جل ثناؤه : { وما ذبح على النصب } وحرم عليكم أيضا الذي ذبح على النصب .

ف " ما " في قوله { وما ذبح } رفع عطفا على " ما " التي في قوله : { وما أكل السبع } والنصب : الأوثان من الحجارة جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض , فكان المشركون يقربون لها , وليست بأصنام .

وكان ابن جريج يقول في صفته ما : 8685 - حدثنا القاسم : قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج : النصب : ليست بأصنام , الصنم يصور وينقش , وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجرا , منهم من يقول : ثلثمائة منها لخزاعة .

فكانوا إذا ذبحوا , نضحوا الدم على ما أقبل من البيت , وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة , فقال المسلمون : يا رسول الله , كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم , فنحن أحق أن نعظمه !

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك , فأنزل الله : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } ومما يحقق قول ابن جريج في أن الأنصاب غير الأصنام ما : 8686 - حدثنا به ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وما ذبح على النصب } قال : حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية .

* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { النصب } قال : حجارة حول الكعبة , يذبح عليها أهل الجاهلية , ويبدلونها إن شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

8687 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وما ذبح على النصب } والنصب : حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها , ويذبحون لها , فنهى الله عن ذلك .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { وما ذبح على النصب } يعني : أنصاب الجاهلية .

8688 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وما ذبح على النصب } والنصب : أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن محمد بن عبد الرحمن , عن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد , قوله : { وما ذبح على النصب } قال : كان حول الكعبة حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها إذا شاءوا بحجر هو أحب إليهم منها .

8689 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : الأنصاب حجارة كانوا يهلون لها , ويذبحون عليها .

8690 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وما ذبح على النصب } قال : ما ذبح على النصب , وما أهل لغير الله به , وهو واحد .وأن تستقسموا بالأزلام القول في تأويل قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } يعني بقوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } وأن تطلبوا علم ما قسم لكم أو لم يقسم , بالأزلام .

وهو استفعلت من القسم : قسم الرزق والحاجات .

وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو نحو ذلك , أجال القداح , وهي الأزلام , وكانت قداحا مكتوبا على بعضها : نهاني ربي , وعلى بعضها : أمرني ربي , فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه : أمرني ربي , مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك ; وإن خرج الذي عليه مكتوب : نهاني ربي , كف عن المضي لذلك وأمسك فقيل : { وأن تستقسموا بالأزلام } لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يقسمن لهم .

ومنه قول الشاعر مفتخرا بترك الاستقسام بها : ولم أقسم فتربثني القسوم وأما الأزلام , فإن واحدها زلم , ويقال زلم , وهي القداح التي وصفنا أمرها .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8691 - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع , قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : القداح , كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر , جعلوا قداحا للجلوس والخروج , فإن وقع الخروج خرجوا , وإن وقع الجلوس جلسوا .

8692 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شريك , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : حصى بيض كانوا يضربون بها .

قال أبو جعفر : قال لنا سفيان بن وكيع : هو الشطرنج .

8693 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عباد بن راشد البزار , عن الحسن في قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا , يعمدون إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب : أؤمرني , وعلى الآخر : انهني , ويتركون الآخر محللا بينهما ليس عليه شيء .

ثم يجيلونها , فإن خرج الذي عليه " أؤمرني " , مضوا لأمرهم , وإن خرج الذي عليه " انهني " كفوا , وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها .

8694 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وأن تستقسموا بالأزلام } حجارة0 كانوا يكتبون عليها يسمونها القداح .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

8695 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن آدم .

عن زهير , عن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : كعاب فارس التي يقمرون بها , وسهام العرب .

* - حدثني أحمد بن حازم الغفاري , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا زهير , عن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : سهام العرب وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها .

8696 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرا , كتب في قداح : هذا يأمرني بالمكث , وهذا يأمرني بالخروج , وجعل معها منيحا , شيء لم يكتب فيه شيئا , ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج , فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث , وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج , وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين .

* - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وأن تستقسموا بالأزلام } وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجا , أخذ قدحا فقال : هذا يأمر بالخروج , فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرا ; ويأخذ قدحا آخر فيقول : هذا يأمر بالمكوث , فليس يصيب في سفره خيرا ; والمنيح بينهما .

فنهى الله عن ذلك , وقدم فيه .

8697 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : كانوا يستقسمون بها في الأمور .

8698 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : الأزلام قداح لهم كان أحدهم إذا أراد شيئا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد , فيضرب بها , فأي قدح خرج وإن كان أبغض تلك , ارتكبه وعمل به .

8699 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : الأزلام : قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة , فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو يحدث أمرا , أتى الكاهن , فأعطاه شيئا , فضرب له بها , فإن خرج منها شيء يعجبه أمره ففعل , وإن خرج منها شيء يكرهه نهاه فانتهى , كما ضرب عبد المطلب على زمزم وعلى عبد الله والإبل .

8700 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عبد الله بن كثير , قال : سمعنا أن أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظعن والإقامة أو الشيء يريدونه , فيخرج سهم الظعن فيظعنون , والإقامة فيقيمون .

وقال ابن إسحاق في الأزلام ما : 8701 - حدثني به ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة , وكانت على بئر في جوف الكعبة , وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة , وكانت عند هبل سبعة أقداح , كل قدح منها فيه كتاب : قدح فيه " العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله وقدح فيه : " نعم " للأمر إذا أرادوا يضرب به , فإن خرج قدح " نعم " عملوا به ; وقدح فيه لا , فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح , فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر .

وقدح فيه : " منكم " .

وقدح فيه : " ملصق " .

وقدح فيه : " من غيركم " .

وقدح فيه : المياه , إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح , فحيثما خرج عملوا به .

وكانوا إذا أرادوا أن يجتبوا غلاما , أو أن ينكحوا منكحا , أو أن يدفنوا ميتا , ويشكوا في نسب واحد منهم , ذهبوا به إلى هبل , وبمائة درهم وبجزور , فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها , ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون , ثم قالوا : يا إلهنا , هذا فلان ابن فلان , قد أردنا به كذا وكذا , فأخرج الحق فيه !

ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب , فيضرب , فإن خرج عليه " منكم " كان وسيطا , وإن خرج عليه : " من غيركم " , كان حليفا , وإن خرج : " ملصق " , كان على منزلته منهم , لا نسب له ولا حلف ; وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به " نعم " عملوا به ; وإن خرج : " لا " , أخروه عامهم ذلك , حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح .

8702 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { وأن تستقسموا بالأزلام } يعني : القدح , كانوا يستقسمون بها في الأمور .ذلكم فسق القول في تأويل قوله تعالى : { ذلكم فسق } يعني جل ثناؤه بقوله : { ذلكم } هذه الأمور التي ذكرها , وذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله .

والاستقسام بالأزلام .

{ فسق } يعني : خروج عن أمر الله وطاعته إلى ما نهى عنه وزجر , وإلى معصيته .

كما : 8703 - حدثني المثنى : قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { ذلكم فسق } يعني : من أكل من ذلك كله , فهو فسق .اليوم يئس الذين كفروا من دينكم القول في تأويل قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } .

يعني بقوله جل ثناؤه : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود أيها المؤمنون من دينكم , يقول : من دينكم أن تتركوه , فترتدوا عنه راجعين إلى الشرك .

كما : 8704 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } يعني : أن ترجعوا إلى دينهم أبدا .

8705 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } قال : أظن يئسوا أن ترجعوا عن دينكم .

فإن قال قائل : وأي يوم هذا اليوم الذي أخبر الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين ؟

قيل : ذكر أن ذلك كان يوم عرفة , عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع , وذلك بعد دخول العرب في الإسلام .

ذكر من قال ذلك : 8706 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال مجاهد : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } اليوم أكملت لكم دينكم ; هذا حين فعلت .

قال ابن جريج : وقال آخرون : ذلك يوم عرفة في يوم جمعة لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم , فلم ير إلا موحدا ولم ير مشركا ; حمد الله , فنزل عليه جبريل عليه السلام : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أن يعودوا كما كانوا .

8707 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } قال : هذا يوم عرفة .فلا تخشوهم واخشون القول في تأويل قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشون } يعني بذلك : فلا تخشوا أيها المؤمنون هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار , ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم فيقهروكم ويردوكم عن دينكم , { واخشون } يقول : ولكن خافون إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي وتعديتم حدودي , أن أحل بكم عقابي وأنزل بكم عذابي .

كما : 8708 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج : { فلا تخشوهم واخشون } فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم .اليوم أكملت لكم دينكم القول في تأويل قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : يعني جل ثناؤه بقوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي , وأمري إياكم ونهيي , وحلالي وحرامي , وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي , وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي , والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم , فأتممت لكم جميع ذلك , فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم .

قالوا : وكان ذلك في يوم عرفة , عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع .

وقالوا : لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض ولا تحليل شيء ولا تحريمه , وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة .

ذكر من قال ذلك : 8709 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } وهو الإسلام , قال : أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا , وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدا , وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا .

8710 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } هذا نزل يوم عرفة , فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام , ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات , فقالت أسماء بنت عميس : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة , فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل صلى الله عليه وسلم على الراحلة , فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن , فبركت , فأتيته فسجيت عليه برداء كان علي 8711 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة , قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } 8712 - حدثنا سفيان , قال : ثنا ابن فضيل , عن هارون بن عنترة , عن أبيه , قال : لما نزلت : { اليوم أكملت لكم دينكم } وذلك يوم الحج الأكبر , بكى عمر , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك " ؟

قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا , فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص , فقال : " صدقت " * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أحمد بن بشير , عن هارون بن أبي وكيع , عن أبيه , فذكر نحو ذلك .

وقال آخرون : معنى ذلك : { اليوم أكملت لكم دينكم } حجكم , فأفردتم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين لا يخالطكم في حجكم مشرك .

ذكر من قال ذلك : 8713 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن أبي عتبة , عن أبيه , عن الحكم : { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : أكمل لهم دينهم أن حجوا ولم يحج معهم مشرك .

8714 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : أخلص الله لهم دينهم , ونفى المشركين عن البيت .

8715 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا قيس , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : تمام الحج , ونفي المشركين عن البيت .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به , أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية على نبيه دينهم , بإفرادهم بالبلد الحرام , وإجلائه عنه المشركين , حتى حجه المسلمون دونهم , لا يخالطونهم المشركون .

فأما الفرائض والأحكام , فإنه قد اختلف فيها , هل كانت أكملت ذلك اليوم أم لا ؟

فروي عن ابن عباس والسدي ما ذكرنا عنهما قبل .

وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض , بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا .

فإذ كان ذلك كذلك , وكان قوله : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } آخرها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض , كان معلوما أن معنى قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } على خلاف الوجه الذي تأوله من تأوله , أعني : كمال العبادات والأحكام والفرائض .

فإن قال قائل : فما جعل قول من قال : قد نزل بعد ذلك فرض أولى من قول من قال : لم ينزل ؟

قيل لأن الذي قال لم ينزل , مخبر أنه لا يعلم نزول فرض , والنفي لا يكون شهادة , والشهادة قول من قال : نزل , وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقا .وأتممت عليكم نعمتي القول في تأويل قوله تعالى : { وأتممت عليكم نعمتي } يعني جل ثناؤه بذلك : وأتممت نعمتي أيها المؤمنون بإظهاركم على عدوي وعدوكم من المشركين , ونفيي إياهم عن بلادكم , وقطعي طمعهم من رجوعكم , وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : * - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا , فلما نزلت براءة , فنفى المشركين عن البيت , وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين , فكأن ذلك من تمام النعمة : { وأتممت عليكم نعمتي } .

8716 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } الآية , ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة يوم جمعة , حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام , وأخلص للمسلمين حجهم 8717 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا داود , عن الشعبي , قال : .

نزلت هذه الآية بعرفات , حيث هدم منار الجاهلية , واضمحل الشرك , ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عامر في هذه الآية : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات , وقد أطاف به الناس , وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم , واضمحل الشرك , ولم يطف حول البيت عريان , فأنزل الله : { اليوم أكملت لكم دينكم } * - حدثني يعقوب , قال .

ثنا ابن علية , عن داود , عن الشعبي , بنحوه .ورضيت لكم الإسلام دينا القول في تأويل قوله تعالى : { ورضيت لكم الإسلام دينا } يعني بذلك جل ثناؤه : ورضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي , على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه { دينا } يعني بذلك : طاعة منكم لي .

فإن قال قائل : أوما كان الله راضيا الإسلام لعباده , إلا يوم أنزل هذه الآية ؟

قيل : لم يزل الله راضيا لخلقه الإسلام دينا , ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالا بعد حال , حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه , ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية : { ورضيت لكم الإسلام دينا } بالصفة التي هو بها اليوم , والحال التي أنتم عليها اليوم منه { دينا } فالزموه ولا تفارقوه .

وكان قتادة يقول في ذلك ما : 8718 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال .

ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة , فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله , ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام .

فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام , فيقول : إياك اليوم أقبل , وبك اليوم أجزي .

وأحسب أن قتادة وجه معنى الإيمان بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان ; لأن ذلك معنى الإيمان عند العرب , ووجه معنى الإسلام إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد , وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى , فلذلك قيل للإسلام : إياك اليوم أقبل , وبك اليوم أجزي .

ذكر من قال : نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم : 8719 - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع , قالا : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن قيس بن مسلم , عن طارق بن شهاب , قال : قالت اليهود لعمر : إنكم تقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدا .

فقال عمر : إني لأعلم حين أنزلت , وأين نزلت , وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ; أنزلت يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة - قال سفيان : وأشك , كان يوم الجمعة أم لا - { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } * - حدثنا أبو كريب وابن وكيع .

قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت أبي , عن قيس بن مسلم , عن طارق بن شهاب , قال : قال يهودي لعمر : لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } لو نعلم ذلك اليوم اتخذنا ذلك اليوم عيدا .

فقال عمر : قد علمت اليوم الذي نزلت فيه والساعة , وأين رسول الله أو حين نزلت ; نزلت ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات .

لفظ الحديث لأبي كريب , وحديث ابن وكيع نحوه * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جعفر بن عون , عن أبي العميس , عن قيس بن مسلم , عن طارق , عن عمر , نحوه .

8720 - حدثنا ابن وكيع , قال .

ثنا أبي , عن حماد بن سلمة , عن عمار مولى بني هاشم , قال : قرأ ابن عباس : { اليوم أكملت لكم دينكم } وعنده رجل من أهل الكتاب , فقال : لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا , فقال ابن عباس : فإنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا قبيصة , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن عمار : أن ابن عباس قرأ : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فقال يهودي : لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا , فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : يوم عيد , ويوم جمعة .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن عمار بن أبي عمار , عن ابن عباس نحوه .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا رجاء بن أبي سلمة , قال : أخبرنا عبادة بن نسي , قال : ثنا أميرنا إسحاق , قال أبو جعفر إسحاق - هو ابن خرشة - عن قبيصة قال : قال كعب : لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه , فقال عمر : أي آية يا كعب ؟

فقال : { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر : قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه , والمكان الذي أنزلت فيه , يوم جمعة , ويوم عرفة , وكلاهما بحمد الله لنا عيد .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن عيسى بن حارثة الأنصاري , قال : كنا جلوسا في الديوان , فقال لنا نصراني : يا أهل الإسلام : لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدا ما بقي منا اثنان : { اليوم أكملت لكم دينكم } فلم يجبه أحد منا , فلقيت محمد بن كعب القرظي , فسألته عن ذلك , فقال : ألا رددتم عليه ؟

فقال : قال عمر بن الخطاب : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة , فلا يزال ذلك اليوم عيدا للمسلمين ما بقي منهم أحد 8721 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا داود , عن عامر , قال : أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } عشية عرفة وهو في الموقف 8722 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , قال : قلت لعامر : إن اليهود تقول : كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه ؟

فقال عامر : أوما حفظته ؟

قلت له : فأي يوم ؟

قال : يوم عرفة , أنزل الله في يوم عرفة .

8723 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : بلغنا أنها نزلت يوم عرفة , ووافق يوم الجمعة .

8724 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن حبيب , عن ابن أبي نجيح , عن عكرمة : أن عمر بن الخطاب , قال : نزلت سورة المائدة يوم عرفة , ووافق يوم الجمعة .

8725 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن ليث , عن شهر بن حوشب , قال : نزلت سورة المائدة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة على راحلته , فتنوخت لأن يدق ذراعها 8726 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن شهر بن حوشب , عن أسماء بنت يزيد , قالت : نزلت سورة المائدة جميعا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء ; قالت : فكادت من ثقلها أن يدق عضد الناقة 8727 - حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني , قال : ثنا هشام بن عمار , قال : ثنا ابن عياش , قال : ثنا عمرو بن قيس السكوني أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية : { اليوم أكملت لكم دينكم } حتى ختمها , فقال : نزلت في يوم عرفة , في يوم جمعة .

وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية , أعني قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } يوم الاثنين , وقالوا : أنزلت سورة المائدة بالمدينة .

ذكر من قال ذلك : 8728 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : أخبرنا محمد بن حرب , قال : ثنا ابن لهيعة , عن خالد بن أبي عمران , عن حنش , عن ابن عباس : ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين , وخرج من مكة يوم الاثنين , ودخل المدينة يوم الاثنين , وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين { اليوم أكملت لكم دينكم } ورفع الذكر يوم الاثنين 8729 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا همام , عن قتادة , قال : المائدة مدنية .

وقال آخرون : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في حجة الوداع .

ذكر من قال ذلك : 8730 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس , قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسير في حجة الوداع , وهو راكب راحلته , فبركت به راحلته من ثقلها وقال آخرون : ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس , وإنما معناه اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي , أكملت لكم دينكم .

ذكر من قال ذلك : 8731 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { اليوم أكملت لكم دينكم } يقول : ليس بيوم معلوم يعلمه الناس .

وأولى الأقوال في وقت نزول الآية , القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة , لصحة سنده ووهي أسانيد غيره .فمن اضطر في مخمصة القول في تأويل قوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة } يعني تعالى ذكره بقول : { فمن اضطر } فمن أصابه ضر في مخمصة , يعني في مجاعة , وهي مفعلة مثل المجبنة والمبخلة والمنجبة , من خمص البطن , وهو اضطماره , وأظنه هو في هذا الموضع معني به اضطماره من الجوع وشدة السغب , وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسغب , ولكن من خلقة , كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخمص البطن : والبطن ذو عكن خميص لين والنحر تنفجه بثدي مقعد فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله خميص بالهزال والضر من الجوع , ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها ; لأن ذلك مما يحمد من النساء .

ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر , من ذلك , قول أعشى بني ثعلبة : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا يعني بذلك : يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضر , فمن هذا المعنى قوله : في مخمصة .

وكان بعض نحويي البصرة يقول : المخمصة : المصدر من خمصه الجوع .

وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر وليست بمصدر ; ولذلك تقع المفعلة اسما في المصادر للتأنيث والتذكير .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 8732 حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن عباس : { فمن اضطر في مخمصة } يعني في مجاعة .

8733 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { فمن اضطر في مخمصة } أي في مجاعة .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , مثله .

8734 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم[ ص: 19 ] فيه ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به تقدم القول فيه كاملا في البقرة .الثانية : قوله تعالى : والمنخنقة هي التي تموت خنقا ، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه ، وذكر قتادة : أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها ; وذكر نحوه ابن عباس .الثالثة : قوله تعالى : والموقوذة الموقوذة هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية ; عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي ; يقال منه : وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ ، والوقذ شدة الضرب ، وفلان وقيذ أي : مثخن ضربا .

قال قتادة : كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه ، وقال الضحاك : كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها ، ومنه المقتولة بقوس البندق ، وقال الفرزدق :شغارة تقذ الفصيل برجلها فطارة لقوادم الأبكاروفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب ; فقال : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله وفي رواية فإنه وقيذ .

قال أبو عمر : اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض ; فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته ; على ما روي عن ابن عمر ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي ، وخالفهم الشاميون في ذلك ; قال الأوزاعي في المعراض : كله خزق أو لم يخزق ; فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا ; قال أبو عمر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن [ ص: 20 ] عمر ، والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه ، والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه حديث عدي بن حاتم وفيه ( وما أصاب بعرضه فلا تأكله فإنما هو وقيذ ) .الرابعة : قوله تعالى : والمتردية المتردية هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت ; كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه ; وهي متفعلة من الردى وهو الهلاك ; وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها ، وإذا أصاب السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا ; لأنه ربما مات بالصدمة والتردي لا بالسهم ; ومنه الحديث وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك أخرجه مسلم ، وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف ; فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة ; فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها ، وبقيت هذه كلها ميتة ، وهذا كله من المحكم المتفق عليه .

وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل .الخامسة : قوله تعالى : والنطيحة النطيحة فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى ، وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة ; لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان ، وقيل : نطيحة ولم يقل نطيح ، وحق فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال : كف خضيب ولحية دهين ; لكن ذكر الهاء هاهنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به ; يقال : شاة نطيح وامرأة قتيل ، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول : رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم ; لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت : رأيت قتيل بني فلان لم يعرف أرجل هو أم امرأة .

وقرأ أبو ميسرة " والمنطوحة " .السادسة : قوله تعالى : وما أكل السبع يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان ، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها ، هذه كلها سباع .

يقال : سبع فلان فلانا أي : عضه بسنه ، وسبعه أي : عابه ووقع فيه ، وفي الكلام إضمار ، أي : وما أكل منه السبع ; لأن ما أكله السبع فقد فني ، ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد ، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها ، وكذلك إن أكل بعضها ; قاله قتادة وغيره ، وقرأ الحسن وأبو حيوة " السبع " بسكون الباء ، وهي لغة لأهل نجد ، وقال حسان في عتبة بن أبي لهب :من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع[ ص: 21 ] وقرأ ابن مسعود : " وأكيلة السبع " وقرأ عبد الله بن عباس : " وأكيل السبع " .السابعة : قوله تعالى : إلا ما ذكيتم نصب على الاستثناء المتصل ، عند الجمهور من العلماء والفقهاء ، وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة ; فإن الذكاة عاملة فيه ; لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام ، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له .

روى ابن عيينة وشريك وجرير عن الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال : سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قصبها فأدركت ذكاتها فذكيتها فقال : كل وما انتثر من قصبها فلا تأكل .

قال إسحاق بن راهويه : السنة في الشاة على ما وصف ابن عباس ، فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حية بعد ، وموضع الذكاة منها سالم ; وإنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ميتة ، ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها ؟

فكذلك المريضة ; قال إسحاق : ومن خالف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء .قلت : وإليه ذهب ابن حبيب وذكر عن أصحاب مالك ; وهو قول ابن وهب والأشهر من مذهب الشافعي .

قال المزني : وأحفظ للشافعي قولا آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها السبع أو التردي إلى ما لا حياة معه ; وهو قول المدنيين ، والمشهور من قول مالك ، وهو الذي ذكره عبد الوهاب في تلقينه ، وروي عن زيد بن ثابت ، ذكره مالك في موطئه ، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيين البغداديين ، والاستثناء على هذا القول منقطع ; أي : حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم .

قال ابن العربي : اختلف قول مالك في هذه الأشياء ; فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذكي بذكاة صحيحة ; والذي في الموطأ أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري ، وهي تضطرب فليأكل ; وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره فهو أولى من الروايات النادرة ، وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة ; وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض ، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر ، وسلمت من الشبهة الفكر ، وقال أبو عمرو : قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها ، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذنبها أو نحو ذلك ; وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها ; وكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردية وما ذكر معها في الآية ، والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : ذكيتم الذكاة في كلام العرب الذبح ; قاله قطرب ، وقال ابن سيده في ( المحكم ) والعرب تقول ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) ; قال ابن عطية : وهذا إنما هو [ ص: 22 ] حديث ، وذكى الحيوان ذبحه ; ومنه قول الشاعر :يذكيها الأسلقلت : الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه ، وبه يقول جماعة أهل العلم ، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال : إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا لم يحل أكله ; لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين .

قال ابن المنذر : وفي قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : ذكاة الجنين ذكاة أمه دليل على أن الجنين غير الأم ، وهو يقول : لو أعتقت أمة حامل إن عتقه عتق أمه ; وهذا يلزمه أن ذكاته ذكاة أمه ; لأنه إذا أجاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين ; على أن الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء عن أصحابه ، وما عليه جل الناس مستغنى به عن قول كل قائل ، وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة له ، واختلفوا إذا ذكيت الأم وفي بطنها جنين ; فقال مالك وجميع أصحابه : ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره ، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج به رمق من الحياة ، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك ، فإن سبقهم بنفسه أكل ، وقال ابن القاسم : ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها ، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم ; فأمرت أهلي أن يشووه ، وقال عبد الله بن كعب بن مالك .

كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه .

قال ابن المنذر : وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وإسحاق .

قال القاضي أبو الوليد الباجي : وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أنه حديث ضعيف ; فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال الذي عليه عامة فقهاء الأمصار .

وبالله التوفيق .التاسعة : قوله تعالى : ذكيتم الذكاة في اللغة أصلها التمام ، ومنه تمام السن ، والفرس المذكى الذي يأتي بعد تمام القروح بسنة ، وذلك تمام استكمال القوة ، ويقال : ذكى يذكي ، والعرب تقول : جري المذكيات غلاب .

والذكاء حدة القلب ; وقال الشاعر هو زهير :يفضله إذا اجتهدوا عليه تمام السن منه والذكاء[ ص: 23 ] والذكاء سرعة الفطنة ، والفعل منه ذكي يذكى ذكا ، والذكوة ما تذكو به النار ، وأذكيت الحرب والنار أوقدتهما ، وذكاء اسم الشمس ; وذلك أنها تذكو كالنار ، والصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها .

فمعنى ذكيتم أدركتم ذكاته على التمام .

ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب ; يقال : رائحة ذكية ; فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب ، لأنه يتسارع إليه التجفيف ; وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما " ذكاة الأرض يبسها " يريد طهارتها من النجاسة ; فالذكاة في الذبيحة تطهير لها ، وإباحة لأكلها فجعل يبس الأرض بعد النجاسة تطهيرا لها وإباحة الصلاة فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة ; وهو قول أهل العراق ، وإذا تقرر هذا فاعلم أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور ، مقرونا بنية القصد لله وذكره عليه ; على ما يأتي بيانه .العاشرة : واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة ; فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والعظم ; على هذا تواترت الآثار ، وقال به فقهاء الأمصار ، والسن والظفر المنهي عنهما في التذكية هما غير المنزوعين ; لأن ذلك يصير خنقا ; وكذلك قال ابن عباس : ذلك الخنق ; فأما المنزوعان فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما عندهم ، وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل حال ; منزوعة أو غير منزوعة ; منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد ، وروي عن الشافعي ; وحجتهم ظاهر حديث رافع بن خديج قال : قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى - في رواية - فنذكي بالليط ؟

.

وفي موطأ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ : أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : لا بأس بها وكلوها ، وفي مصنف أبي داود : أنذبح بالمروة وشقة العصا ؟

قال : أعجل وأرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة الحديث أخرجه مسلم ، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ما ذبح بالليطة والشطير والظرر فحل ذكي .

الليطة فلقة القصبة ويمكن بها الذبح والنحر .

والشطير فلقة العود ، وقد يمكن بها الذبح لأن لها جانبا [ ص: 24 ] دقيقا ، والظرر فلقة الحجر يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر ; وعكسه الشظاظ ينحر به ، لأنه كطرف السنان ولا يمكن به الذبح .الحادية عشرة : قال مالك وجماعة : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين ، وقال الشافعي : يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين ; لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة ، وهو الغرض من الموت .

ومالك وغيره اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم ، ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة ; وعليه يدل حديث رافع بن خديج في قوله : ما أنهر الدم ، وحكى البغداديون عن مالك أنه يشترط قطع أربع : الحلقوم والودجين والمريء ; وهو قول أبي ثور ، والمشهور ما تقدم وهو قول الليث .

ثم اختلف أصحابنا في قطع أحد الودجين والحلقوم هل هو ذكاة أم لا ؟

على قولين .الثانية عشرة : وأجمع العلماء على أن الذبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة فقد تمت الذكاة ; واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن هل ذلك ذكاة أم لا ، على قولين : وقد روي عن مالك أنها لا تؤكل ; وكذلك لو ذبحها من القفا واستوفى القطع وأنهر الدم وقطع الحلقوم والودجين لم تؤكل ، وقال الشافعي : تؤكل ; لأن المقصود قد حصل ، وهذا ينبني على أصل ، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود منها إنهار الدم ففيها ضرب من التعبد ; وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونحر في اللبة وقال : إنما الذكاة في الحلق واللبة فبين محلها وعين موضعها ، وقال مبينا لفائدتها : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل .

فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنية ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حظ التعبد ، فلم تؤكل لذلك ، والله أعلم .الثالثة عشرة : واختلفوا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في الفور وأكمل الذكاة ; فقيل : يجزئه ، وقيل : لا يجزئه ; والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها .الرابعة عشرة : ويستحب ألا يذبح إلا من ترضى حاله ، وكل من أطاقه وجاء به على سنته من ذكر أو أنثى ، بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلما أو كتابيا ، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي ، ولا يذبح نسكا إلا مسلم ; فإن ذبح النسك كتابي فقد اختلف فيه ; ولا يجوز في تحصيل المذهب ، وقد أجازه أشهب .[ ص: 25 ] الخامسة عشرة : وما استوحش من الإنسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسي ، في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد ; وكذلك المتردي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق واللبة على سنة الذكاة ، وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم ; وفي الباب حديث رافع بن خديج وقد تقدم ، وتمامه بعد قوله : ( فمدى الحبشة ) قال : وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا - وفي رواية - فكلوه ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ; قال الشافعي : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة ; واحتج بما رواه أبو داود والترمذي عن أبي العشراء عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟

قال : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك .

قال يزيد بن هارون : وهو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل ورواه عن أبي داود ، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه .

قال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية والمستوحش ، وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة ; وهو قول انفرد به عن مالك وأصحابه .

قال أبو عمر : قول الشافعي أظهر في أهل العلم ، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي ; لحديث رافع بن خديج ; وهو قول ابن عباس وابن مسعود ; ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسي ; لأنه صار مقدورا عليه ; فكذلك ينبغي في القياس إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي .قلت : أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته ، وهو مقتضى الحديث وظاهره ; لقوله : ( فحبسه ) ولم يقل إن السهم قتله ; وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النادر منه ، وإنما يكون ذلك في الصيد ، وقد صرح الحديث بأن السهم حبسه وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه ; فلا يؤكل إلا بالذبح والنحر ، والله أعلم ، وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه الترمذي : " حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث ، واختلفوا في اسم أبي العشراء ; فقال بعضهم : اسمه أسامة بن قهطم ، ويقال : اسمه يسار بن برز - ويقال : بلز - ويقال : اسمه عطارد نسب إلى جده " .

فهذا سند مجهول لا [ ص: 26 ] حجة فيه ; ولو سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حجة ; إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره ، ولا قائل به في المقدور ; فظاهره ليس بمراد قطعا .

وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه ; فلا يكون فيه حجة ، والله أعلم .

قال أبو عمر : وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه ، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا .

وهذا لا حجة فيه ; لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه ، وهذا غير مقدور عليه .السادسة عشرة : ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد بن أوس قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب فذكره .

قال علماؤنا : إحسان الذبح في البهائم الرفق بها ; فلا يصرعها بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر ، وإحداد الآلة ، وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى القبلة ، والإجهاز ، وقطع الودجين والحلقوم ، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد ، والاعتراف لله بالمنة ، والشكر له بالنعمة ; بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا ، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا .

وقال ربيعة : من إحسان الذبح ألا يذبح بهيمة وأخرى تنظر إليها ; وحكي جوازه عن مالك ; والأول أحسن ، وأما حسن القتلة فعام في كل شيء من التذكية والقصاص والحدود وغيرها ، وقد روى أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان ، زاد ابن عيسى في حديثه ( وهي التي تذبح فتقطع ولا تفرى الأوداج ثم تترك فتموت ) .السابعة عشرة : قوله تعالى : وما ذبح على النصب قال ابن فارس : النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح ، وهو النصب أيضا ، والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد ، وغبار منتصب مرتفع ، وقيل : النصب جمع ، واحده نصاب كحمار وحمر ، وقيل : هو اسم مفرد والجمع أنصاب ; وكانت ثلاثمائة وستين حجرا ، وقرأ طلحة " النصب " بجزم الصاد .

وروي عن ابن عمر " النصب " بفتح النون وجزم الصاد .

الجحدري : بفتح النون والصاد جعله اسما موحدا كالجبل والجمل ، والجمع أنصاب ; كالأجمال والأجبال .

قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها .

قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة ; فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن أحق أن نعظم هذا [ ص: 27 ] البيت بهذه الأفعال ، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك ; فأنزل الله تعالى : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ونزلت وما ذبح على النصب المعنى : والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز ، وقال الأعشى :وذا النصب المنصوب لا تنسكنه لعافية والله ربك فاعبداوقيل : على بمعنى اللام ; أي : لأجلها ; قال قطرب قال ابن زيد : ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد .

قال ابن عطية : ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله ، ولكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له .الثامنة عشرة : قوله تعالى : وأن تستقسموا بالأزلام معطوف على ما قبله ، وأن في محل رفع ، أي : وحرم عليكم الاستقسام .

والأزلام قداح الميسر ، واحدها زلم وزلم ; قال :بات يقاسيها غلام كالزلموقال آخر فجمع :فلئن جذيمة قتلت سرواتها فنساؤها يضربن بالأزلاموذكر محمد بن جرير : أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها .

قال محمد بن جرير : قال لنا سفيان بن وكيع : هي الشطرنج .

فأما قول لبيد :تزل عن الثرى أزلامهافقالوا : أراد أظلاف البقرة الوحشية ، والأزلام للعرب ثلاثة أنواع :منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه ، على أحدها افعل ، وعلى الثاني لا تفعل ، والثالث مهمل لا شيء عليه ، فيجعلها في خريطة معه ، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له ، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب ; وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة ; وإنما قيل لهذا الفعل : استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون ; كما يقال : الاستسقاء في الاستدعاء للسقي .

ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا ، واخرج من أجل نجم كذا ، وقال جل وعز : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله .[ ص: 28 ] والنوع الثاني : سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل ، كل قدح منها فيه كتاب ; قدح فيه العقل من أمر الديات ، وفي آخر " منكم " وفي آخر " من غيركم " ، وفي آخر " ملصق " ، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك ، وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه إذ كان نذر نحر أحدهم إذا كملوا عشرة ; الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق .

وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم ; على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل .والنوع الثالث : هو قداح الميسر وهي عشرة ; سبعة منها فيها حظوظ ، وثلاثة أغفال ، وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا ، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف ، وقال مجاهد : الأزلام هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقال سفيان ووكيع : هي الشطرنج ; فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب كما بينا ; وهو من أكل المال بالباطل ، وهو حرام ، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كله ; وهو ضرب من التكهن والتعرض لدعوى علم الغيب .

قال ابن خويز منداد : ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات من السهام التي معهم ، ورقاع الفأل في أشباه ذلك ، وقال إلكيا الطبري : وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب ; فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا ، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر ; فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العتق ، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بني على الأخبار الصحيحة ، وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام ; فإن العتق حكم شرعي ، يجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على إثبات حكم العتق قطعا للخصومة ، أو لمصلحة يراها ، ولا يساوي ذلك قول القائل : إذا فعلت كذا أو قلت كذا فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور ، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح علما على شيء يتجدد في المستقبل ، ويجوز أن يجعل خروج القرعة علما على العتق قطعا ; فظهر افتراق البابين .[ ص: 29 ] التاسعة عشرة : وليس من هذا الباب طلب الفأل ، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح ; أخرجه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب ; وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل ; فيحسن الظن بالله عز وجل ، وقد قال : ( أنا عند ظن عبدي بي ) ، وكان عليه السلام يكره الطيرة ; لأنها من أعمال أهل الشرك ; ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل .

قال الخطابي : الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله ، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه ، وقال الأصمعي : سألت ابن عون عن الفأل فقال : هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم ، أو يكون باغيا فيسمع يا واجد ; وهذا معنى حديث الترمذي ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا طيرة وخيرها الفأل ، قيل : يا رسول الله وما الفأل ؟

قال : الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ، وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ، ومن يتحر الخير يعطه ، ومن يتوق الشر يوقه ، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا ; من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة .الموفية عشرين : قوله تعالى : ذلكم فسق إشارة إلى الاستقسام بالأزلام ، والفسق الخروج ، وقد تقدم ، وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات ، وكل شيء منها فسق وخروج من الحلال إلى الحرام ، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود ، إذ قال : أوفوا بالعقود .الحادية والعشرون : قوله تعالى : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا .

قال الضحاك : نزلت هذه الآية حين فتح مكة ; وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، ويقال : سنة ثمان ، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن ، ومن وضع السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن " ، وفي يئس لغتان ، يئس ييأس يأسا ، وأيس يأيس إياسا وإياسة ; قاله النضر بن شميل .

فلا تخشوهم واخشوني أي : لا تخافوهم وخافوني فإني أنا القادر على نصركم .[ ص: 30 ] الثانية والعشرون : قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها ، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حج ; فلما حج وكمل الدين نزلت هذه الآية : اليوم أكملت لكم دينكم الآية ; على ما نبينه .

روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ; قال : وأي آية ؟

قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه ; نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة .

لفظ مسلم ، وعند النسائي ليلة جمعة .

وروي أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر ; فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟

فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص .

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت ، وروى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة .قلت : القول الأول أصح ، أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء ، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت .

واليوم قد يعبر بجزء منه عن جميعه ، وكذلك عن الشهر ببعضه ; تقول : فعلنا في شهر كذا وكذا وفي سنة كذا كذا ، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة ; وذلك مستعمل في لسان العرب والعجم ، والدين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا ; فإنها نزلت نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية ، ولم ينزل بعدها حكم ، قاله ابن عباس والسدي ، وقال الجمهور : المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم ، قالوا : وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير ، ونزلت آية الربا ، ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك ، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج ، إذ لم يطف معهم في هذه السنة مشرك ، ولا طاف بالبيت عريان ، ووقف الناس كلهم بعرفة ، وقيل : أكملت لكم دينكم بأن أهلكت لكم عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول : قد تم لنا ما نريد إذا كفيت عدوك .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : وأتممت عليكم نعمتي أي : بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام كما وعدتكم ، إذ قلت : ولأتم نعمتي عليكم وهي دخول مكة .

آمنين مطمئنين وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالى .[ ص: 31 ] الرابعة والعشرون : لعل قائلا يقول : قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات ، وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا والحديبية وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعتين جميعا ، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهم من أنواع المحن ماتوا على دين ناقص ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كان يدعو الناس إلى دين ناقص ، ومعلوم أن النقص عيب ، ودين الله تعالى قيم ، كما قال تعالى : دينا قيما فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه ؟

ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا ، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها ، ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله : وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره أهو عيب له ، ونقصان أيام الحيض عن المعهود ، ونقصان أيام الحمل ، ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر صاحبه ، فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالى هذه ليست بشين ولا عيب ، وما أنكرت أن معنى قول الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم يخرج على وجهين :أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته ، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب ، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه ; كالرجل يبلغه الله مائة سنة فيقال : أكمل الله عمره ; ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين كان ناقصا نقص قصور وخلل ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر .

ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال : كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه مبلغه إياه ومعمره إليه .

وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات ; فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا ، ولا يجب عن ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل ; ولو قيل : كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا ، هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه الذي كان له عنده ، والله أعلم .والوجه الآخر : أنه أراد بقوله : اليوم أكملت لكم دينكم أنه وفقهم للحج الذي لم [ ص: 32 ] يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا ; فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه وقياما بفرائضه ; فإنه يقول عليه السلام : بني الإسلام على خمس .

الحديث ، وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا ; فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فإنما أراد أكمل وضعه لهم ; وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : ورضيت لكم الإسلام دينا أي : أعلمتكم برضاي به لكم دينا ; فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا ; فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره .

و ( دينا ) نصب على التمييز ، وإن شئت على مفعول ثان ، وقيل : المعنى ورضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم ، ويحتمل أن يريد ورضيت لكم الإسلام دينا أي : ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية لا أنسخ منه شيئا ، والله أعلم .

والإسلام في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام وهو الذي يفسر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام ، وهو الإيمان والأعمال والشعب .السادسة والعشرون : قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية .

والمخمصة الجوع وخلاء البطن من الطعام .

والخمص ضمور البطن ، ورجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة ; ومنه أخمص القدم ، ويستعمل كثيرا في الجوع والغرث ; قال الأعشى :تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصاأي : منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن .

وقال النابغة في خمص البطن من جهة ضمره :والبطن ذو عكن خميص لين والنحر تنفجه بثدي مقعدوفي الحديث : خماص البطون خفاف الظهور .

الخماص جمع الخميص البطن ، [ ص: 33 ] وهو الضامر .

أخبر أنهم أعفاء عن أموال الناس ; ومنه الحديث : إن الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، والخميصة أيضا ثوب ; قال الأصمعي : الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة ، وهي سوداء ، كانت من لباس الناس ، وقد تقدم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة .السابعة والعشرون : قوله تعالى : غير متجانف لإثم أي : غير مائل لحرام ، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم .

والجنف الميل ، والإثم الحرام ; ومنه قول عمر رضي الله عنه : ما تجانفنا فيه لإثم ; أي : ما ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه : وكل مائل فهو متجانف وجنف .

وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي " متجنف " دون ألف ، وهو أبلغ في المعنى ، لأن شد العين يقتضي مبالغة وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه ; وتفاعل إنما هو محاكاة الشيء والتقرب منه ; ألا تراك أنك إذا قلت : تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأودا ومقاربة ميل ، وإذا قلت : تميل فقد ثبت حكم الميل ، وكذلك تصاون الرجل وتصون ، وتعاقل وتعقل ; فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده ; قاله قتادة والشافعي .

فإن الله غفور رحيم أي : فإن الله له غفور رحيم فحذف ، وأنشد سيبويه [ الرجز لأبي النجم العجلي ] :قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنعأراد لم أصنعه فحذف ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا الذي حولنا الله عليه في قوله: { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ْ} واعلم أن الله تبارك وتعالى لا يحرّم ما يحرّم إلا صيانة لعباده، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات، وقد يبين للعباد ذلك وقد لا يبين.

فأخبر أنه حرم { الْمَيْتَة ْ} والمراد بالميتة: ما فُقِدَت حياتُهُ بغير ذكاة شرعية، فإنها تحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها المضر بآكلها.

وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها، فتضر بالآكل.

ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك، فإنه حلال.

{ وَالدَّمَ ْ} أي: المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى.

{ وَلَحْم الْخِنْزِيرِ ْ} وذلك شامل لجميع أجزائه، وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع، لأن طائفة من أهل الكتاب من النصارى يزعمون أن الله أحله لهم.

أي: فلا تغتروا بهم، بل هو محرم من جملة الخبائث.

{ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ْ} أي: ذُكر عليه اسم غير الله تعالى، من الأصنام والأولياء والكواكب وغير ذلك من المخلوقين.

فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة، فذكر اسم غيره عليها، يفيدها خبثا معنويا، لأنه شرك بالله تعالى.

{ وَالْمُنْخَنِقَةُ ْ} أي: الميتة بخنق، بيد أو حبل، أو إدخالها رأسها بشيء ضيق، فتعجز عن إخراجه حتى تموت.

{ وَالْمَوْقُوذَةُ ْ} أي: الميتة بسبب الضرب بعصا أو حصى أو خشبة، أو هدم شيء عليها، بقصد أو بغير قصد.

{ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ْ} أي: الساقطة من علو، كجبل أو جدار أو سطح ونحوه، فتموت بذلك.

{ وَالنَّطِيحَةُ ْ} وهي التي تنطحها غيرها فتموت.

{ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ْ} من ذئب أو أسد أو نمر، أو من الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع، فإنها لا تحل.

وقوله: { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ْ} راجع لهذه المسائل، من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ونطيحة، وأكيلة سبع، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها، ولهذا قال الفقهاء: { لو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، كان وجود حياتها كعدمه، لعدم فائدة الذكاة فيها ْ} وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة فإذا ذكاها وفيها حياة حلت ولو كانت مبانة الحشوة وهو ظاهر الآية الكريمة { وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ْ} أي: وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام.

ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم ويقدر بها، وهي قداح ثلاثة كانت تستعمل في الجاهلية، مكتوب على أحدها "افعل" وعلى الثاني "لا تفعل" والثالث غفل لا كتابة فيه.

فإذا هَمَّ أحدهم بسفر أو عرس أو نحوهما، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم، ثم أخرج واحدا منها، فإن خرج المكتوب عليه "افعل" مضى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه "لا تفعل" لم يفعل ولم يمض في شأنه، وإن ظهر الآخر الذي لا شيء عليه، أعادها حتى يخرج أحد القدحين فيعمل به.

فحرمه الله عليهم، الذي في هذه الصورة وما يشبهه, وعوضهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم.

{ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ْ} الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات، التي حرمها الله صيانة لعباده، وأنها فسق، أي: خروج عن طاعته إلى طاعة الشيطان.

ثم امتن على عباده بقوله: { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ْ} واليوم المشار إليه يوم عرفة، إذ أتم الله دينه، ونصر عبده ورسوله، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم، طامعين في ذلك.

فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره، يئسوا كل اليأس من المؤمنين، أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشون، ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع - لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.

ولهذا قال: { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ْ} أي: فلا تخشوا المشركين، واخشوا الله الذي نصركم عليهم وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم.

{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ْ} بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين أصوله وفروعه.

فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله.

{ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ْ} الظاهرة والباطنة { وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ْ} أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها.

{ فَمَنِ اضْطُرَّ ْ} أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة، في قوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ْ} { فِي مَخْمَصَةٍ ْ} أي: مجاعة { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ْ} أي: مائل { لِإِثْمٍ ْ} بأن لا يأكل حتى يضطر، ولا يزيد في الأكل على كفايته { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ْ} حيث أباح له الأكل في هذه الحال، ورحمه بما يقيم به بنيته من غير نقص يلحقه في دينه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) أي : ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى ، ( والمنخنقة ) وهي التي تختنق فتموت ، قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها ، ( والموقوذة ) هي المقتولة بالخشب ، قال قتادة : كانوا يضربونها بالعصا فإذا ماتت أكلوها ، ( والمتردية ) هي التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت ، ( والنطيحة ) وهي التي تنطحها أخرى فتموت ، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل ، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث ، نحو عين كحيل وكف خضيب ، فإذا حذفت الاسم وأفردت الصفة ، أدخلوا الهاء فقالوا : رأينا كحيلة وخضيبة ، وهنا أدخل الهاء لأنه لم يتقدمها الاسم ، فلو أسقط الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر ، ومثله الذبيحة والنسيكة ، وأكيلة السبع ( وما أكل السبع ) يريد ما بقي مما أكل السبع ، وكان أهل الجاهلية يأكلونه ، ( إلا ما ذكيتم ) يعني : إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء .

وأصل التذكية الإتمام ، يقال : ذكيت النار إذا أتممت إشعالها ، والمراد هنا : إتمام فري الأوداج وإنهار الدم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر " .

وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المريء والحلقوم وكما له أن يقطع الودجين معهما ، ويجوز بكل محدد يقطع من حديد أو قصب أو زجاج أو حجر إلا السن والظفر ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما ، وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته ، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح ، فهو في حكم الميتة ، فلا يكون حلالا وإن ذبحته ، وكذلك المتردية والنطيحة إذا أدركتها حية قبل أن تصير إلى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه فسقط على الأرض فمات كان حلالا؛ لأن الوقوع على الأرض من ضرورته ، فإن سقط على جبل أو شجر أو سطح ثم تردى منه فمات فلا يحل ، وهو من المتردية إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء فيحل كيف ما وقع؛ لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح .

( وما ذبح على النصب ) قيل : النصب جمع واحده نصاب ، وقيل : هو واحد وجمعه أنصاب مثل عنق وأعناق ، وهو الشيء المنصوب .

واختلفوا فيه ، فقال مجاهد وقتادة : كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة ، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها ، وليست هي بأصنام ، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة ، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة ، ومعناه : وما ذبح على اسم النصب ، قال ابن زيد : وما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به : هما واحد ، قال قطرب : على بمعنى اللام أي : وما ذبح لأجل النصب .

( وأن تستقسموا بالأزلام ) أي : ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام ، والأزلام هي : القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها : زلم ، وزلم بفتح الزاي وضمها ، وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط يكون عند سادن الكعبة ، مكتوب على واحد : نعم ، وعلى واحد : لا وعلى واحد : منكم ، وعلى واحد : من غيركم ، وعلى واحد : ملصق ، وعلى واحد : العقل ، وواحد غفل ليس عليه شيء ، فكانوا إذا أرادوا أمرا من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره ، أو تدارءوا في نسب أو اختلفوا في تحمل عقل جاءوا إلى هبل ، وكان أعظم أصنام قريش بمكة ، وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح حتى يجيل القداح ، ويقولون : يا إلهنا إنا أردنا كذا وكذا ، فإن خرج نعم ، فعلوا ، وإن خرج لا لم يفعلوا ذلك حولا ثم عادوا إلى القداح ثانية ، فإذا أجالوا على نسب ، فإن خرج منكم كان وسطا منهم ، وإن خرج من غيركم كان حليفا ، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ولا حلف ، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله ، وإن خرج الغفل أجالوا ثانيا حتى يخرج المكتوب ، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه ، وقال : ( ذلكم فسق ) قال سعيد بن جبير : الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها ، وقال مجاهد : هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقال الشعبي وغيره : الأزلام للعرب ، والكعاب للعجم ، وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج ، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العيافة والطرق والطيرة من الجبت " والمراد من الطرق : الضرب بالحصى .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا ابن فنجويه أنا ابن الفضل الكندي أخبرنا الحسن بن داود الخشاب أنا سويد بن سعيد أنا [ أبو المختار ] عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلا من الجنة يوم القيامة " .

قوله عز وجل : ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) يعني : أن ترجعوا إلى دينهم كفارا ، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم فلما قوي الإسلام يئسوا ، ويئس وأيس بمعنى واحد .

( فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) نزلت هذه الآية يوم الجمعة ، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء ، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثني الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون أنا أبو العميس أنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له : " يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرأونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أية آية؟

قال : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة .

أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا " .

قال ابن عباس : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده .

روى هارون بن عنترة عن أبيه قال : لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا عمر " ؟

فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لم يكن شيء قط إلا نقص ، قال : صدقت .

وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين يوما ، ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول [ سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وقيل : توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول ] وكانت هجرته في الثاني عشر .

قوله عز وجل : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) يعني : يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم ، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام ، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ، ولا شيء من الفرائض .

هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وروي عنه أن آية الربا نزلت بعدها .

وقال سعيد بن جبير وقتادة : أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك .

وقيل : أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو .

قوله عز وجل : ( وأتممت عليكم نعمتي ) يعني : وأنجزت وعدي في قول " ولأتم نعمتي عليكم " ( سورة البقرة ، 150 ) ، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين ، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين ، ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) سمعت عبد الواحد المليحي قال : سمعت أبا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت أبا بكر النيسابوري سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي ، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي ، سمعت عبد الملك بن مسلمة أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه ، سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى : هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه " قوله عز وجل : ( فمن اضطر في مخمصة ) أي : أجهد في مجاعة ، والمخمصة خلو البطن من الغذاء ، يقال : رجل خميص البطن إذا كان طاويا خاويا ، ( غير متجانف لإثم ) أي : مائل إلى إثم وهو أن يأكل فوق الشبع ، وقال قتادة : غير متعرض لمعصية في مقصده ، ( فإن الله غفور رحيم ) وفيه إضمار ، أي : فأكله فإن الله غفور رحيم .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام أنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي قال رجل : يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟

فقال : " ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حرِّمت عليكم الميتة» أي أكلها «والدم» أي المسفوح كما في الأنعام «ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به» بأن ذُبح على اسم غيره «والمنخنقة» الميتة خنقا «والموقوذة» المقتولة ضربا «والمتردية» الساقطة من علو إلى أسفل فماتت «والنطيحة» المقتولة بنطح أخرى لها «وما أكل السبع» منه «إلا ما ذكيتم» أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه «وما ذُبح على» اسم «النصب» جمع نصاب وهي الأصنام «وأن تستقسموا» تطلبوا القسم والحكم «بالأزلام» جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح _بكسر القاف_ صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا «ذلكم فسق» خروج عن الطاعة.

ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع «اليوم يئس الذين كفروا من دينكم» أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته «فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملتُ لكم دينكم» أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام «وأتممت عليكم نعمتي» بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين «ورضيت» أي اخترت «لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة» مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله «غير متجانف» مائل «لإثم» معصية «فإن الله غفور» له ما أكل «رحيم» به في إباحته له بخلاف المائل لإثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حرَّم الله عليكم الميتة، وهي الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذكاة، وحرَّم عليكم الدم السائل المُراق، ولحم الخنزير، وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح، والمنخنقة التي حُبِس نَفَسُها حتى ماتت، والموقوذة وهي التي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت، والمُتَرَدِّية وهي التي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت، والنطيحة وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرنها فماتت، وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع، كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك.

واستثنى -سبحانه- مما حرَّمه من المنخنقة وما بعدها ما أدركتم ذكاته قبل أن يموت فهو حلال لكم، وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره، وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام، وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا قبل أن يقدموا عليه.

ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته.

الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، فلا تخافوهم وخافوني.

اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه.

فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم شرع - سبحانه - في بيان المحرمات التي أشار إليها قبل ذلك بقوله : ( إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ) فبين ما يحرم أكله من الحيوان لأسباب معينة فقال - تعالى - :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم .

.

.

)في هذه المحرمات يتلى في قوله - تعالى - : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ) .

.والميتة كما يقول ابن جرير - كل ما له نفس - أي دم ونحوه - سائلة من دواب البر وطيره ، مما أباح الله أكلها .

أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية .وقال : بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية شرعية ، مما أحل الله أكله " أي : حرم الله عليكم - أيها المؤمنون - أكل الميتة لخبث لحمها ، ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها .وقد أجمع العلماء على حرمة أكل الميتة ، أما شعرها وعظمها فقال الأحناف بطارتهما وبجواز الانتفاع بهما .

وقال الشافعية بنجاستهما وبعدم جواز استعمالهما .وقد استثنى العلماء من الميتة المحرمة السمك والجراد .

فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن أبي أوفي قال : " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد " .وفيهما - أيضاً - من حديث جابر ، " إن البحر ألقى حوتاً ميتاً فأكل منه الجيش .

فلما قدموا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : فقال : " كلوا رزقاً أخرجه الله لكم : أطعمونا منه إن كان معكم .

فأتاه بعضهم بشيء منه " .وعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد .

وأما الدمان فالكبد والطحال " .وثاني هذه المحرمات ما ذكره - سبحانه - في قوله : ( والدم ) أي : وحرم عليكم أكل الدم .والمراد به : الدم المسفوح .

أي السائل من الحيوان عند التذكية .

لقوله - تعالى - في آية أخرى ( أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ) وهي خاصة .

والآية التي معنا عامة .

والخاص مقدم على العام .وكان أهل الجاهلية يجعلونه في الماعز ويشوونه ويأكلونه ، فحرمه الله - تعالى - لأنه يضر الأجسام .

أما الدم الذي يكون جامداً بأصل خلقته كالكبد والطحال فإنه حلال كما جاء في حديث ابن عمر الذي سقناه منذ قليل .وثالث هذه المحرمات ما جاء في قوله - تعالى - ( وَلَحْمُ الخنزير ) أي : وحرم عليكم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده وجميع أجزائه ، لأنهن مستقذر تعافه الفطرة ، وتتضرر به الأجسام .وخص لحم الخنزير بالذكر مع أن جميع أجزائه محرمة لأنه هو المقصود بالأكل قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( وَلَحْمُ الخنزير ) يعني إنسيه ووحشية ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم .

كما هو المفهوم من لغة العرب ، ومن العرف المطرد .

.

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .

فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود .

ويستصبح بها الناس؟

فقال : لا .

هو حرام : ثم قال : قاتل الله اليهود .

إن الله لما حرم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه " .ورابع هذه المحرمات بينه - سبحانه - بقوله : ( وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ) .الإِهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً .

ومنه : إهلال الصبي أي : صراخه بعد ولادته ، والإِهلال بالحج أي رفع الصوت بالتلبية .وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم ، وسمي ذلك إهلالا .

ثم توسع فيه فقيل لكل ذابح : مهل سمي أو لم يسم .

جهر بالتسمية أو لم يجهر .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح فذكر عليه عند ذبحه غير اسم الله - تعالى - سواء اقتصر على ذكر غيره كقوله عند الذبح باسم الصنم فلان ، أو باسم المسيح أو عزير أو فلان ، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله : باسم الله واسم فلان .أما إذا جمع الذابح بين اسم الله واسم غيره بدون عطف بأن قال : باسم الله المسيح نبي الله ، أو باسم الله محمد رسول الله ، فالأحناف يجوزون الأكل من الذبيحة ويعتبرون ذكر غير الله كلاماً مبتدأً بخلاف العطف فإنه يكون نصا في ذكر غير الله .وجمهور العلماء يحرمون الأكل من الذبيحة متى ذكر مع اسم الله آخر سواء أكان ذلك بالعطف أو بدونه .وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً والتحريم هنا ليس لذات الحيوان ، بل لما صحبه من عمل فيه شرك بالله - تعالى -ثم ذكر - سبحانه - أربعة أنواع أخرى من المحرمات فقال : ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ) .والمنخنقة : هي التي تموت خنقاً إما قصداً بأن يخنقها آدمي .

وإما اتفاقاً بأن يعرض لها من ذاتها ما يخنقها .والموقوذة : هي التي تضرب بمثقل غير محدد كخشب أو حجر حتى تموت وكانوا في الجاهلية يضربون البهيمة بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها .والوقذ : شدة الضرب .

وفلان وقيذ أي : مثخن ضرباً .

ويقال : وقذه يقذه وقذا : ضربه ضرباً حتى استرخى وأشرف على الموت .قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال " قلت يا رسول الله فإني أرمي الصيد فأصيب؟

- والمعراض : وهو سهم يرمى به بلا ريش وأكثر ما يصيب بعرض عوده دون حده - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رميت بالمعراض فخزق - أي نفذ وأسال الدم - فكله .

وإن أصاب بعرضه فلا تأكله " .والمتردية : هي التي تتردى أي : تسقط من أعلى إلى أسفل فتموت من التردي مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك سواء تردت بنفسها أم رداها غيرها .والنطيحة : هي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح يقال : نطحه ينطحه وينطحه أي أصابه بقرنه .والمعنى : وحرم الله عليكم كذلك - أيها المؤمنون - الأكل من المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، إذا ماتت كل واحدة من هذه الأنواع لهذه الأسباب دون أن تذكوها ذكاة شرعية ، لأن الأكل منها في هذه الحالة يعود عليكم بالضرر .وتاسع هذه المحرمات ذكره - سبحانه - في قوله : ( وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) .المراد بالسبع كل ذي ناب وأظفار من الحيوان .

كالأسد والنمر والذئب ونحوها من الحيوانات المفترسة .وقوله ( ذَكَّيْتُمْ ) من التذكية وهي الإتمام .

يقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها .والمراد هنا : إسالة الدم وفرى الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور .والمعنى : وحرم عليكم - أيضاً - الأكل مما افترسه السبع حتى مات سواء أكل منه أم لم يأكل ، إلا ما أدركتموه من هذه الأنواع وقد بقيت فيه حياة يضرب معها اضطراب المذبوح وذكيتموه أي ذبحتموه ذبحا شرعياً : فإنه في هذه الحالة يحل لكم الأكل منه .

فقوله ( إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) الاستثناء هنا يرجع إلى هذه الأنواع الخمسة .وقيل : إن الاستثناء هنا مختص بقوله : ( وَمَآ أَكَلَ السبع ) .أي : وحرم عليكم ما أكل السبع بعضه فمات بسبب جرحه ، إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه ذكاة شرعية فإنه في هذه الحالة يحل الأكل منه ، والأول أولى ، لأن هذه الأنواع الخمسة تشترك في أنها تعلقت بها أحوال قد تفضي بها إلى الهلاك ، فإن هلكت بتلك الأحوال لم يبح أكلها لأنها حينئذ ميتة ، وإذا أدركت بالذكاة في وقت تنفع فيه الذكاة لها جاز الأكل منها .أما النوع العاشر في هذه المحرمات فيتجلى في قوله - تعالى - ( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ) والنصب : جمع نصاب : ككتب وكتاب .

أو جمع نصب كسقف وسقف .

ويصح أن يكون لفظ النصب واحداً وجمعه أنصاب مثل : طنب أطناب .وعلى كل فهي حجارة كان الجاهليون ينصبونهها حول الكعبة ، وكان عددها ثلاثمائة وستين حجراً ، وكانوا يذبحون عليها قرابينهم التي يتقربون بها إلى أصنامهم .

ويعتبرون الذبح أكثر قربة إلى معبوداتهم متى تم على هذه النصب .

وليست هذه النصب هي الأوثان ، فإن النصب حجارة غير منقوشة بخلاف الأوثان فإنها حجارة مصورة منقوشة .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تأكلوا مما ذبح على النصب لأنه لم يتقرب به إلى الله ، وإنما تقرب به إلى الأصنام وما تقرب به إلى غير الله فهو فسق ورجس يجب البعد عنه .هذه عشرة أنواع من المأكولان حرمت الآية الكريمة الأكل منها ، لما اشتملت عليه من مضرة وأذى ، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله ، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن وأذى ، ولما صاحب بعضها من تقرب لغير الله ، ويكفى لتجنب الأكل من هذه المطعومات أن الله - تعالى - قد حرمها ، لأنه - سبحانه - لا يحرم الخبائث .ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن يقف عند ما أحله الله - تعالى - وحرم .ثم ذكر - سبحانه - نوعا من الأفعال المحرمة ، بعد ذكره لعشرة أنواع من المطاعم المحرمة فقال : ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ ) .وإنما ذكر - سبحانه - هذا الفعل المحرم مع جملة المطاعم المحرمة ، لأنه مما ابتدعه أهل الجاهلية؛ كما ابتدعوا ما ابتدعوه في شأن المطاعم .والاستقسام : طلب معرفة ام قسم للإِنسان من خير أو شر .والأزلام : قداح الميسر واحدها زلم - بفتح اللام وبفتح الزاي أو ضمها - وسميت قداح الميسر بالأزلام ، لأنها زلمت أي سويت ، ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة ، إذا كان جيد القد ، جميل القوام .وكان لأهل الجاهلية طرق للاستقسام بالأزلام من أشهرها : أنه كانت لديهم سهام مكتوب على أحدها : أمرني ربي وعلى الآخر : نهاني ربي .

والثالث غفل من الكتابة ، فإذا أرادوا سفراص أو حرباً أو زواجاً أو غير ذلك أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها فإن خرج الآمر أقدموا على ما يريدونه وإن خرج الناهي امسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي .والمعنى : وحرم عليكم - سبحانه - أن تطلبوا معرفة ما قسم لكم في سفر أو غزو أو زواج أو ما يشبه ذلك بواسطة الأزلام ، لأن هذا الفعل فسق ، أي : خروج عن أمر الله وطاعته .فاسم الإِشارة " ذلكم " يعود إلى الاستقسام بالأزلام خاصة .

ويجوز أن يعود إليه وإلى تناول ما حرم عليهم .قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة ، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها .

وفي أيديهما الأزلام .

فقال صلى الله عليه وسلم : " قاتلهم الله .

لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا " .وثبت في الصحيحين أيضاً " أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين : قال فاستقسمت بالأزلام .

هل أضرهم أولا؟

فخرج الذي أكره : لا تضرهم .

قال : فعصيت الأزلام واتبعتهم .

ثم استقسم بها ثانية وثالثة .

كل ذلك يخرج الذي يكره : لا تضرهم .

وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ، ثم أسلم بعد ذلك " .فإن قيل إن الاستقسام بالأزلام هو لون من التفاؤل ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن فلم صار فسقاً؟فالجواب أن هناك فرقا واسعاً بين الاستقسام بالأزلام وبين الفأل؛ فإن الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه بخلاف الاستقسام بالأزلام فإن القوم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام بإرشاد من الأصنام فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وخروجا عن طاعة الله .وفضلا عن هذا فإن الاستقسام بالأزلام طلب لمعرفة علم الغيب الذي استأثر الله به ، وذلك حرام وافتراء على الله - تعالى - .وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد ذكرت أحد عشر نوعاً من المحرمات عشرة منها تتعلق بالمأكولات ، وواحدا يتعلق بالأفعال .وهناك مطعومات أخرى جاء تحريمها عن طريق السنة النبوية ، كتحريمه صلى الله عليه وسلم الأكل من لحوم الحمر الأهلية .وبعد أن بين - سبحانه - هذه الأنواع من المحرمات التي حرمها على المؤمنين رحمة بهم ، ورعاية لهم ، أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم ، وأمرهم بأن يجعلوا خشيتهم منه وحده ، فقال - تعالى - : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ) .وقوله ( اليوم ) ظرف منصوب على الظرفية بقوله ( يَئِسَ ) والألف واللام فيه للعهد الحضوري ، فيكون المراد به يوماً معيناً وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع .ويصح أن لا يكون المراد به يوما بعينه ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية .وقد حكى الإِمام الرازي هذين الوجهين فقال ما ملخصه : وقوله : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) فيه قولان :الأول : أنه ليس المراد به ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان أي لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار ، لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخاً .

لا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه .الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية .

وقد " نزلت يوم الجمعة من يوم عرفة بعد العصر في عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء " .وقوله : ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) أي انقطع رجاؤهم في التغلب عليكم ، وفي إبطال أمر دينكم .

وفي صرف الناس عنه بعد أن دخلوا فيه أفواجاً وبعد أن صار المشركون مهقورين لكم .

أذلة أمام قوتكم .

وما دام الأمر كذلك ( فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ) أي : فلا تجعلوا مكاناً لخشية المشركين في قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا ، بل اجعلوا خشيتكم وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذي جعل لكم الغلبة والنصر عليهم .ثم عقب ذلك - سبحانه - بيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإِسلامية فقال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) .أي؛ اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي ، ونصري لكم على أعدائكم وتمكيني إياكم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم في الطواف بالبيت أحد من المشركين .وأتممت عليكم نعمتي ، بأن أزلت دولة الشرك من مكة ، وجعلت كلمتكم هي العليا وكلمة أعدائكم هي السفلى ، ورضيت لكم الإِسلام دينا ، بأن اخترته لكم من بين الأديان .

وجعلته الدين المقبول عندي ، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال - تعالى - : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) وليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصاً قبل اليوم ثم أكمله ، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتاً في علم الله قابلا للنسخ .

ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للنسخ ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإِمام الرازي : قال القفال : إن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبداً كاملا .

يعني : كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت إلا أنه - تعالى - كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم بكامل في الغد ولا صلاح فيه .

فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت .

وكان يزيد بعد العدم .

وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة .

فالشرع أبداً كان كاملا .

إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص .

والثاني كمال إلى يوم القيامة .

فلأجل هذا قال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .وقال القرطبي ما ملخصه : لعل قائلا يقول : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات .

وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار .

قبل نزول هذه الآية - ماتوا على دين ناقص .

ومعلوم أن النقص عيب؟فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه؟

ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا ، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها .

.

؟

لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب .وقوله : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) يخرج على وجهين :أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته ، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب ، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصاً عما كان عند الله أنه ملحقه به ، وضامه إليه .

.

وهكذا شرائع الإِسلام شرعها الله شيئاً فشيئاً إلى أن أنهى - سبحانه - الدين منتهاه الذي كان له عنده .وثانيهما : أنه أراد بقوله ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره ، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء أركانه ، وقياما بفرائضه وفي الحديث :" بني الإِسلام على خمس " وقد كانوا تشهدوا ، وصلوا ، وزكوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا حجوا ، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله وهم بالموقف عشية عرفة ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أي : أكمل وضعه لهم .وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : " جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا .

قال وأي آية؟

قال : ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة " .وروى أنها " لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى عمر ، فقال له ما يبكيك؟

فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة في ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " صدقت " " .وبعد أن ذكر - سبحانه - في صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات ، وأتبع ذلك ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين .

جاء ختام الآية لبيان حكم المضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فقال - تعالى - : ( فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .وقوله ( اضطر ) من الاضطرار بمعنى الوقوع في الضرورة .والمخمصة : خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد .

يقال خمصه الجوع خمصا ومخمصة .إذا اشتد به .

وفي الحديث : " إن الطير تغدو خماصاً - أي جياعا ضامرات البطون - وتروح بطانا - أي مشبعات " وقال الأعشى :يبيتون في المشتى ملاءً بطونهم ...

وجاراتهم غرثى يبتن خمائصاأي : وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهن من شدة الجوع .وقوله ( مُتَجَانِفٍ ) من الجنف وهو الميل ، يقال : جنف عن الحق - كفرح - إذا مال عنه وجنف عن طريقه - كفرح وضرب - جنفاً وجنوفاً إذا مال عنه .والمعنى : فمن ألجأته الضرورة إلى كل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة حالة كونه غير مائل إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه في ذلك لأن الله - تعالى - واسع المغفرة .فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا إلى تناوله لدفع الضرورة بدون بغي أو تعد ، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما .قال الآلوسي : وقوله : ( غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ) أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام .

وقيل : يجوز أن يشبع عند الضرورة .

وقيل : المراد غير عاص بأن يكون باغياً أو عادياً بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجاً في معصية .وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم في حالة الاختيار ، وما يحل في حالة الاضطرار .وجاءت بين ذلك بجمل معترضة - وهي قوله ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) إلى قوله : ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) لتأكيد تحريم هذه الأشياء ، لأن تحريمها من جملة الدين الكامل ، والنعمة التامة ، والإِسلام المرضى عند الله .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي :1 - حرمة هذه الأنواع الأحد عشر التي ذكرها الله - تعالى - في هذه الآية ووجوب الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق ، ولأن استحلال شيء منها يكون خروجا عن تعاليم دين الله ، وانتهاكا لحرماته .2 - حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، متى ذبحت ذبحاً شرعياً وكانت بها بقية حياة تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب المذبوح .وللفقهاء كلام طويل في ذلك يؤخذ منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الذكاة محللة له .

أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له بسبب الخنق أو الوقذ أو التردي أو النطح أو أكل السبع منه ، فقد أفتى كثير من العلماء بعمل الذكاة فيه ، وقد أخذ بذلك الأحناف .

فقد قالوا : متى كانت عينه أو ذنبه يتحرك أو رجله ترك ثم ذكى فهو حلال .وقال قوم لا تعمل الذكاة فيه ويحرم أكله .ومنشأ اختلافهم في أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى : هل الاستثناء هن متصل أو منقطع؟فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ ، فما قبل حرف الاستثناء حرام ، وما بعده خرج منه فيكون حلالا .ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة .

وكأنه قال : ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتع به .

أما هذه الحيوانات التي حرمها الله في الآية فلا يجوز لكم الأكل منها مطلقا .وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل ، وقالوا : يؤيد القول بأن الاستثناء متصل بالإِجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش فيكون مخرجاً لبعض ما يتناوله المستثنى منه ، فيكون الاستثناء فيه متصلا .هذا ملخص لما قاله العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفروع .3 - إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر ، ومن هذه الإباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان .الأول : أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط .الثاني : ألا يتجاوز ما يسد الحاجة ، أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة ، أو تجلوز المقدار الذي يدفع الضرر فإنه في هذه الأحوال يكون واقعا في المحرم الذي نهى الله عنه .وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال : قوله - تعالى - ( فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم ) أي : فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناول والله غفور له رحيم به ، لأنه - تعالى - يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له .وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعاً - قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يكره أن تؤتي معصيته " .ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان ، و هو إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها ، وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحاً بحسب الأحوال .

واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أوله أن يشبع ويتزود على أقوال ، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً ، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى اضطر إلى ذلك جاز له .وقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا : يا رسول الله ، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة ، فمتى تحل لنا بها الميتة؟

فقال : " إذا لم تصطحبوا ولم تغتبقوا ولم تحتفثوا بقلا فشأنكم بها " .والاصطباح شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة ، وما كان منه بالعشي فهو الاغتباق ومعنى لم تحتفثوا : أي تقتلعوا .وقوله : ( غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ) أي متعاط لمعصية الله .وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر ، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي .4 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ ) أن الاستقسام بالأزلام محرم ، ومحرم أيضاً كل ما يشبهه من القمار والتنجيم والرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء : من عمل بالأيام في السعد والنحس معتقداً لها تأثيراً كفر وإن لم يعتقد أثم .وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة ، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " العيافة والطرق والطيرة من الجبت " .والعيافة : زجر الطير .

والطرق : الخط يخط في الأرض .

وقيل : الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء .وفي القاموس : عفت الطير عيافة زجرتها .

وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها فتسعد وتتشاءم .

وهو من عادة العرب كثيراً .

والطيرة : من اطيرت وتطيرت وهو ما يتشاءم من الفأل الرديء ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة .والجبت : كل ما عبد من دون الله .وقد روى مسلم في صحيحيه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه ، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً " .وروى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى عرافاً أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - " .وعن عمران بن حصين مرفوعا : " ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن أو تكهن له .

أو سحر أو سحر له "5 - استدل بعضهم بقوله - تعالى - ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) على نفي القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضي أنه نص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقى بعض لم يبين حكمه لم يكن الدين كاملا .وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون الله - تعالى - قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر الله بالقياس ، وتعبد المكلفين به بمثل قوله - تعالى - ( فاعتبروا ياأولي الأبصار ) فكان هذا مع النصوص الصريحة بياناً لكل أحكام الوقائع ، غاية الأمر أن الوقائع صارت قسمين : قسما نص الله على حكمه ، وقسما أرشد الله - تعالى - إلى أنه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول .

فلم تصلح الآية متمسكا لهم .6 - الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإِسلامية فقد بشرتهم - أولا - بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم في إبطال أمر الإِسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التي كتب الله لها البقاء .وها نحن أولا .

نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم في معارك حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ومبادئه .

بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد روى الإِمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبه حجة الوداع : " إن الشيطان قد يئس أن يعيده المصلون في جزيرة العرب ولكنه رضي بالتحريش بينهم " .وبشرتهم - ثالثاً - بإتمام نعمة الله عليهم .

وأي نعمة أتم على المؤمنين من إخراج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم في الأرض واستخلافهم فيها ، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا في ضعف من أمرهم وفساد في أحوالهم .وبشرتهم - رابعا - بأن الله قد اختار لهم الإِسلام دينا ، وجعله هو الدين المرضي عنده وهو الذي يجب على الناس أن يدخلوا فيه ، وأن يعملوا بأوامره ونواهيه ، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذي اختاره الله وارتضاه ليختاره لنفسه طريقاً من نزغات نفسه وهواه .وهذه بعض الأحكام والآداب التي استلهمها العلماء من الآية الكريمة .

وهناك أحكام أخرى ذكرناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ .

اعلم أنه تعالى قال في أول السورة ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام  ﴾ ثم ذكر فيه استثناء أشياء تتلى عليكم، فهاهنا ذكر الله تعالى تلك الصور المستثناة من ذلك العموم، وهي أحد عشر نوعاً: الأول: الميتة: وكانوا يقولون: إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

وأعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول، لأن الدم جوهر لطيف جداً، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة.

والثاني: الدم: قال صاحب الكشاف كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف، فالله تعالى حرم ذلك عليهم.

والثالث: لحم الخنزير، قال أهل العلم: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي، فلابد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان لئل يتكيف بتلك الكيفية، وأما الشاة فإنها حيوان في غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان.

الرابع: ما أهل لغير الله به، والإهلال رفع الصوت، ومنه يقال أهل فلان بالحج إذا لبى به، ومنه استهل الصبي وهو صراخة إذا ولد، وكانوا يقولون عند الذبح: باسم اللآت والعزى فحرم الله تعالى ذلك.

والخامس: المنخنقة، يقال: خنقه فاختنق، والخنق والاختناق انعصار الحلق.

واعلم أن المنخنقة على وجوه: منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، ومنها ما يخنق بحبل الصائد، ومنها ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام.

وأعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميت حتف أنفه.

والسادس: الموقوذة، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال: وقذها وأوقذها إذا ضربها إلى أن ماتت، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي أيضاً في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة فإنها ماتت ولم يسل دمها.

السابع: المتردية، والمتردي هو الواقع في الردى وهو الهلاك.

قال تعالى: ﴿ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى  ﴾ أي وقع في النار، ويقال: فلان تردى من السطح، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت، وهذا أيضاً من الميتة لأنها ماتت وما سال منها الدم، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم.

والثامن: النطيحة، وهي المنطوحة إلى أن ماتت، وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أو مات أحدهما، وهذا أيضاً داخل في الميتة لأنها ماتت من غير سيلان الدم.

وأعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع، أعني: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل.

فإن قيل: لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى النطيحة، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة، كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل.

قلنا: إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف، تقول: رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة، والتاسع: قوله: ﴿ وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ ذَكَّيْتُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: السبع: اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها، مثل الأسد وما دونه، ويجوز التخفيف في سبع فيقال: سبع وسبعة، وفي رواية عن أبي عمرو: السبع بسكون الباء، وقرأ ابن عباس: وأكيل السبع.

المسألة الثانية: قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي، فحرمه الله تعالى.

وفي الآية محذوف تقديره: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي.

المسألة الثالثة: أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم وهو تمامه، ومنه الذكاء في السن، وقيل: جري المذكيات غلاب، أي جري المسنات التي قد أسنت، وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن، ويقال ذكيت النار أي أتممت إشعالها.

إذا عرفت هذا الأصل فنقول: الاستثناء المذكور في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ فيه أقوال: الأول: أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا أَكَلَ السبع ﴾ وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فإنه حلال، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه.

والقول الثاني: أن هذا الاستثناء مختص بقوله: ﴿ وَمَا أَكَلَ السبع ﴾ .

والقول الثالث: أنه استثناء منقطع كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال.

والقول الرابع: أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعاً أيضاً.

العاشر: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: النصب يحتمل أن يكون جمعاً وأن يكون واحداً، فإن قلنا إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه: الأول: أن واحده نصاب، فقولنا: نصاب ونصب كقولنا: حمار وحمر.

الثاني: أن واحده النصب، فقولنا نصب ونصب كقولنا: سقف وسقف ورهن ورهن، وهو قول ابن الأنباري.

والثالث: أن واحدة النصبة.

قال الليث: النصب جمع النصبة، وهي علامة تنصب للقوم، أما إن قلنا: أن النصب واحد فجمعه أنصاب، قفولنا: نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب.

قال الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحداً فقال: ولا النصب المنصوب لا تنسكنه *** لعاقبة والله ربك فاعبدا المسألة الثانية: من الناس من قال: النصب هي الأوثان، وهذا بعيد لأن هذا معطوف على قوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ وذلك هو الذبح على اسم الأثان، ومن حق المعطوف أن يكون مغايراً للمعطوف عليه.

وقال ابن جريج: النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصورة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها، فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكره، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا  ﴾ .

واعلم أن ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ ﴾ في محل الرفع لأنه عطف على قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا أَكَلَ السبع ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ فيه وجهان: أحدهما: وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، والثاني: وما ذبح للنصب، و(اللام) و(على) يتعاقبان، قال تعالى: ﴿ فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين  ﴾ أي فسلام عليك منهم، وقال: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي فعليها.

النوع الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ﴾ قال القفال رحمه الله: ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقاً لما كانوا فعلوه في المطاعم، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت، وكذا الاستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا هناك، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، وتركوا بعضها خالياً عن الكتابة، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

الثاني: قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة: الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه، والأزلام قداح الميسر، والقول الأول اختيار الجمهور.

المسألة الثانية: الأزلام القداح واحدها زلم، ذكره الأخفش.

وإنما سميت القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت.

ويقال: رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفاً قليل العلائق، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته، وما أحسن ما زلم سهمه، أي سواه، ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن يكون راجعاً إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصراً عليه.

والثاني: أن يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم، فمن خالف فيه راداً على الله تعالى كفر.

فإن قيل: على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقاً؟

أليس أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل، وهذا أيضاً من جملة الفأل فلم صار فسقاً؟

قلنا: قال الواحدي: إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً  ﴾ وقال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله  ﴾ وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».

ولقائل أن يقول: لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلباً لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيباً أو كفراً لأنه طلب للغيب، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفراً لأنه طلب للغيب، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفاراً، ومعلوم أن ذلك كله باطل، وأيضاً فالآيات إنما وردت في العلم، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علماً وإنما يستفيد من ذلك ظناً ضعيفاً، فلم يكن ذلك داخلاً تحت هذه الآيات.

وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم، فلهذا السبب كان ذلك فسقاً وكفراً، وهذا القول عندي أولى وأقرب.

قوله تعالى: ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرّمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله: ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال: ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين عليكم، فإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا إليهم، وأن تقبلوا على طاعة الله تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ فيه قولان: الأول: أنه ليس المراد هو ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان معناه لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم، ونظيره قوله: كنت بالأمس شاباً واليوم قد صرت شيخاً، ولا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه.

والقول الثاني: أن المراد به يوم نزول هذه الآية، وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ فيه قولان: الأول: يئسوا من أن تحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة.

والثاني: يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم، وذلك لأنه تعالى كان قد وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان، وهو قوله تعالى: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ [الفتح: 28] [الصف: 9] فحقق تلك النصرة وأزال الخوف بالكلية وجعل الكفار مغلوبين بعد أن كانوا غالبين، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وهذا القول أولى.

المسألة الثالثة: قال قوم: الآية دالة على أن التقية جائزة عند الخوف، قالوا لأنه تعالى أمرهم بإظهار هذه الشرائع وإظهار العمل بها وعلل ذلك بزوال الخوف من جهة الكفار، وهذا يدل على أن قيام الخوف يجوز تركها.

ثم قال تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية سؤال وهو أن قوله: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ يقتضي أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وذلك يوجب أن الدين الذي كان صلى الله عليه وسلم مواظباً عليه أكثر عمره كان ناقصاً، وأنه إنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة.

واعلم أن المفسرين لأجل الاحتراز عن هذا الاشكال ذكروا وجوهاً: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم، وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهراً كلياً: اليوم كمل ملكنا، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصاً.

الثاني: أن المراد: إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز.

الثالث: وهو الذي ذكره القفال وهو المختار: أن الدين ما كان ناقصاً، البتة، بل كان أبداً كاملاً، يعني كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم، وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع أبداً كان كاملاً، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .

المسألة الثانية: قال نفاة القياس: دلت الآية على أن القياس باطل، وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملاً، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص كان عبثاً، وإن كان على خلافه كان باطلاً.

أجاب مثبتو القياس بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بيّن حكم جميع الوقائع بعضها بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين أحدهما التي نص على أحكامها، والقسم الثاني أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم الأول، ثم أنه تعالى لما أمر بالقياس وتعبد المكلفين به كان ذلك في الحقيقة بياناً لكل الأحكام، وإذا كان كذلك كان ذلك إكمالاً للدين.

قال نفاة القياس: الطريق المقتضية لإلحاق غير المنصوص بالمنصوص إما أن تكون دلائل قاطعة أو غير قاطعة، فإن كان القسم الأول فلا نزاع في صحته، فإنا نسلم أن القياس المبني على المقدمات اليقينية حجة، إلا أن مثل هذا القياس يكون المصيب فيه واحداً، والمخالف يكون مستحقاً للعقاب، وينقض قضاء القاضي فيه وأنتم لا تقولون بذلك، وإن كان الحق هو القسم الثاني كان ذلك تمكيناً لكل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم أنه هل هو دين الله أم لا، وهل هو الحكم الذي حكم به الله أم لا، ومعلوم أن مثل هذا لا يكون إكمالاً للدين، بل يكون ذلك إلقاء للخلق في ورطة الظنون والجهالات، قال مثبتو القياس: إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان ذلك إكمالاً للدين، ويكون كل مكلف قاطعاً بأنه عامل بحكم الله فزال السؤال.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا: هذه الآية دالة على بطلان قول الرافضة، وذلك لأنه تعالى بيّن أن الذين كفروا يئسوا من تبديل الدين، وأكد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون ﴾ فلو كانت إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصوصاً عليها من قبل الله تعالى وقبل رسوله صلى الله عليه وسلم نصاً واجب الطاعة لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيساً من ذلك بمقتضى هذه الآية، فكان يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص وعلى تغييره وإخفائه، ولما لم يكن الأمر كذلك، بل لم يجر لهذا النص ذكر، ولا ظهر منه خبر ولا أثر، علمنا أن ادعاء هذا النص كذب، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان منصوصاً عليه بالإمامة.

المسألة الرابعة: قال أصحاب الآثار: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحداً وثمانين يوماً، أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل ألبتة، وكان ذلك جارياً مجرى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً، ومما يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جداً وأظهروا السرور العظيم إلا أبا بكر رضي الله عنه فإنه بكى فسئل عنه فقال: هذه الآية تدل على قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال، فكان ذلك دليلاً على كمال علم الصديق حيث وقف من هذه الآية على سر لم يقف عليه غيره.

المسألة الخامسة: قال أصحابنا: دلت الآية على أن الدين لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وإيجاده، والدليل عليه أنه أضاف إكمال الدين إلى نفسه فقال: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ولن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله أيضاً منه.

واعلم أنا سواء قلنا: الدين عبارة عن العمل، أو قلنا إنه عبارة عن المعرفة، أو قلنا إنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والاقرار والفعل فالاستدلال ظاهر.

وأما المعتزلة فإنهم يحملون ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار شرائعه، ولا شك أن الذي ذكروه عدول عن الحقيقة إلى المجاز.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ ومعنى أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشريعة كأنه قال: اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي بسبب ذلك الاكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام.

واعلم أن هذه الآية أيضاً دالة على أن خالق الإيمان هو الله تعالى، وذلك لأنا نقول: الدين الذي هو الإسلام نعمة، وكل نعمة فمن الله، فيلزم أن يكون دين الإسلام من الله.

إنما قلنا: إن الإسلام نعمة لوجهين: الأول: الكلمة المشهورة على لسان الأمة وهي قولهم: الحمد لله على نعمة الإسلام.

والوجه الثاني: أنه تعالى قال في هذه الآية ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ ذكر لفظ النعمة مبهمة، والظاهر أن المراد بهذه النعمة ما تقدم ذكره وهو الدين.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بإتمام النعمة جعلهم قاهرين لأعدائهم، أو المراد به جعل هذا الشرع بحيث لا يتطرق إليه نسخ.

قلنا: أما الأول فقد عرف بقوله: ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ فحمل هذه الآية عليه أيضاً يكون تكريراً.

وأما الثاني فلأن إبقاء هذا الدين لما كان إتماماً للنعمة وجب أن يكون أصل هذا الدين نعمة لا محالة، فثبت أن دين الإسلام نعمة.

وإذا ثبت هذا فنقول: كل نعمة فهي من الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ وإذا ثبت هاتان المقدمتان لزم القطع بأن دين الإسلام إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه وإيجاده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً ﴾ والمعنى أن هذا هو الدين المرضى عند الله تعالى ويؤكده قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى، يعني أنها وإن كانت محرمة إلا أنها تحل في حالة الاضطرار، ومن قوله: ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ إلى هاهنا اعتراض وقع في البين، والغرض منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام الذي هو الدين المرضي عند الله تعالى، ومعنى اضطر أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة، والمخمصة المجاعة.

قال أهل اللغة: الخمص والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع، وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن.

يقال: رجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة والجمع خمائص وخمصانات، وقوله: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ أي غير متعمد، وأصله في اللغة من الجنف الذي هو الميل، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا  ﴾ أي ميلاً، فقوله غير ﴿ مُتَجَانِفٍ ﴾ أي غير مائل وغير منحرف، ويجوز أن ينتصب ﴿ غَيْرِ ﴾ بمحذوف مقدر على معنى فتناول غير متجانف، ويجوز أن ينصب بقوله: ﴿ اضطر ﴾ ويكون المقدر متأخراً على معنى: فمن اضطر غير متجانف لاثم فتناول فإن الله غفور رحيم، ومعنى الإثم هاهنا في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذاً، وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصياً بسفره، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في تفسير سورة البقرة في قوله: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ  ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يعني يغفر لهم أكل المحرم عندما اضطر إلى أكله، ورحيم بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى أكله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشونها ويقولون: لم يحرم من فزد له ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ أي رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه ﴿ والمنخنقة ﴾ التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسبب ﴿ والموقوذة ﴾ التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت ﴿ والمتردية ﴾ التي تردَّت من جبل أو في بئر فماتت ﴿ والنطيحة ﴾ التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح ﴿ وَمَا أَكَلَ السبع ﴾ بعضه ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه.

وقرأ عبد الله ﴿ والمنطوحة ﴾ .

وفي رواية عن أبي عمرو ﴿ السبْع ﴾ بسكون الباء.

وقرأ ابن عباس: ﴿ وأكيل السبع ﴾ ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، ويعظمونها بذلك ويتقرّبون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد.

قال الأعشى: وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لاَ تَعْبُدَنَّه ** لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهِ رَبَّكَ فَاعْبُدَا وقيل: هو جمع، والواحد نصاب.

وقرئ: ﴿ النصْب ﴾ بسكون الصاد ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ﴾ وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام أي بالقداح.

كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وبعضها غفل؛ فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عوداً.

فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام.

وقيل: هو الميسر.

وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ الإشارة إلى الاستقسام: أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.

فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام لتعرف الحال فسقاً؟

قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب وقال: ﴿ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ [النمل: 65] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه، وقوله: أمرني ربي، ونهاني ربي: افتراء على الله.

وما يدريه أنه أمره أو نهاه.

والكهنة والمنجمون بهذه المثابة.

وإن كان أراد بالرب الصنم- فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم- فأمره ظاهر ﴿ اليوم ﴾ لم يرد به يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شاباً، وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك.

ونحوه (الآن) في قوله: الآنَ لَمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبتِي ** وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِي عَلَى جَذَمِ وقيل: أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ﴿ يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم.

وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه؛ لأن الله عزّ وجلّ وفىَّ بوعده من إظهاره على الدين كله ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعدما كانوا غالبين ﴿ واخشونى ﴾ وأخلصوا لي الخشية ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ كفيتكم أمر عدوِّكم، وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم.

أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأنَّ لم يحجّ معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.

أو أتمتت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بذلك، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ﴾ يعني اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] ، ﴿ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الأنبياء: 92] .

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ فَمَنِ اضطر ﴾ ؟

قلت: بذكر المحرّمات.

وقوله: ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ما بعده؛ لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل.

ومعناه: فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها ﴿ فِى مَخْمَصَةٍ ﴾ في مجاعة ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ غير منحرف إليه، كقولِهِ: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ [البقرة: 173] .

﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ ﴾ لا يؤاخذه بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ بَيانُ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، والمَيْتَةُ ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ تَذْكِيَةٍ.

﴿ والدَّمُ ﴾ أيِ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَصُبُّونَهُ في الأمْعاءِ ويَشْوُونَها.

﴿ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ أيْ رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى عِنْدَ ذَبْحِهِ.

﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ أيِ الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ.

﴿ والمَوْقُوذَةُ ﴾ المَضْرُوبَةُ بِنَحْوِ خَشَبٍ، أوْ حَجَرٍ حَتّى تَمُوتَ مِن وقَذْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ.

﴿ والمُتَرَدِّيَةُ ﴾ الَّتِي تَرَدَّتْ مِن عُلُوٍّ أوْ في بِئْرٍ فَماتَتْ.

﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَّطْحِ والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ.

﴿ وَما أكَلَ السَّبُعُ ﴾ وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أكَلَتْ مِمّا اصْطادَتْهُ لَمْ تَحِلَّ.

﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ مِن ذَلِكَ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مَخْصُوصٌ بِما أكَلَ السَّبُعُ.

والذَّكاةُ في الشَّرْعِ لِقَطْعِ الحُلْقُومِ والمِرِّيءِ بِمُحَدَّدٍ.

﴿ وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ النُّصُبُ واحِدُ الأنْصابِ وهي أحْجارٌ كانَتْ مَنصُوبَةً حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها ويَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً.

وقِيلَ هي الأصْنامُ وعَلى بِمَعْنى اللّامِ أوْ عَلى أصْلِها بِتَقْدِيرِ وما ذُبِحَ مُسَمًّى عَلى الأصْنامِ.

وقِيلَ هو جَمْعٌ والواحِدُ نِصابٌ.

﴿ وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ أيْ وحَرُمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ.

مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِها، أمَرَنِي رَبِّي.

وعَلى الآخَرِ: نَهانِي رَبِّي.

والثّالِثُ غُفْلٌ، فَإنْ خَرَجَ الأمْرُ مَضَوْا عَلى ذَلِكَ وإنْ خَرَجَ النّاهِي تَجَنَّبُوا عَنْهُ وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أجالُوها ثانِيًا، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم دُونَ ما لَمْ يُقْسَمْ لَهم بِالأزْلامِ.

وقِيلَ: هو اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ وواحِدُ الأزْلامِ زَلَمٌ كَجَمَلٍ وزُلَمٌ كَصُرَدٍ.

﴿ ذَلِكم فِسْقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ، وكَوْنُهُ فِسْقًا لِأنَّهُ دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ وضَلالٌ بِاعْتِقادِ أنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْ أُرِيدَ بِرَبِّي اللَّهُ، وجَهالَةٌ وشِرْكٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّنَمُ أوِ المَيْسِرُ المُحَرَّمُ أوْ إلى تَناوُلِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ.

﴿ اليَوْمَ ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ يَوْمًا بِعَيْنِهِ وإنَّما أرادَ الزَّمانَ الحاضِرَ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ.

وقِيلَ أرادَ يَوْمَ نُزُولِها وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ عَصْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ في عَرَفَةَ حِجَّةِ الوَداعِ.

﴿ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ أيْ مِن إبْطالِهِ ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ وغَيْرِها أوْ مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلَيْهِ.

فَلا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم.

واخْشَوْنِ وأخْلِصُوا الخَشْيَةَ لِي.

﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ بِالنَّصْرِ والإظْهارِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلى قَواعِدِ العَقائِدِ والتَّوْقِيفِ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وقَوانِينِ الِاجْتِهادِ.

﴿ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ أوْ بِإكْمالِ الدِّينِ أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ.

﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ﴾ اخْتَرْتُهُ لَكم دِينًا مِن بَيْنِ الأدْيانِ وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ لا غَيْرَ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِما يُوجِبُ التَّجَنُّبَ عَنْها، وهو أنَّ تَناوُلَها فُسُوقٌ وحُرْمَتُها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ والنِّعْمَةِ التّامَّةِ والإسْلامِ المَرْضِيِّ.

والمَعْنى: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ مَجاعَةٍ ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ غَيْرَ مائِلٍ لَهُ ومُنْحَرِفٍ إلَيْهِ بِأنْ يَأْكُلَها تَلَذُّذًا أوْ مُجاوِزًا حَدَّ الرُّخْصَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ ﴾ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِأكْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} أي البهيمة التي تموت حتف أنفها {والدم} أي المسفوح وهو السائل {وَلَحْمَ الخنزير} وكله نجس وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم باسم اللات والعزة عند ذبحه {والمنخنقة} التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها {والموقوذة} التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت {والمتردية} التي تردت من جبل أو في بئر فماتت {والنطيحة} المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح {وَمَا أَكَلَ السبع} بعضه ومات بجرحه {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت

يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب أو هو جمع والواحدنصاب {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام} في موضع الرفع بالعطف على المتية أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب أمرني ربي وعلى الآخر نهاني والثالث غُفْلٌ فإن خرج الآمر مضى لحاجته وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاده فمعنى الاسقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام قال الزجاج لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا وفي شرح التأويلات رد هذا وقال لا يقول المنجم إن نجم كذا يأمر بكذا أو نجم كذا ينهى عن كذا كما كان فعل أولئك ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه وقيل هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة {ذلكم فِسْقٌ} الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية {اليوم} ظرف لبئس ولم يرد به

المائدة (٣ _ ٤)

يوم بعينه وإنما معناه الآن وهذا كما تقول أنا اليوم قد كبرت تريد الآن وقيل أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع {يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين {واخشون} بغير ياء في الوصل والوقف أى أخلصوا إلى الخشية {اليوم} ظرف لقوله {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم

عليهم كما يقول الملوك اليوم كمل لنا الملك أي كفينا من كنا نخافه أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوفيق على شرائع الإسلام وقوانين القياس {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} حال اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده وَمَن يَبْتَغِ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه {فَمَنِ اضطر} متصل بذكر المحرمات وقوله ذلكم فسق اعتراض أكد به معنى التحريم وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها {فِي مَخْمَصَةٍ} مجاعة {غَيْرَ} حال {مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق {فإن الله غفور رحيم} لا يؤاخذه بذلك {رحيم} إباحة المحظور للمعذور

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ والمُرادُ تَحْرِيمُ أكْلِ المَيْتَةِ، وهي ما فارَقَهُ الرُّوحُ حَتْفَ أنْفِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ خارِجٍ عَنْهُ ﴿ والدَّمُ ﴾ أيِ المَسْفُوحُ مِنهُ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَهُ في المَباعِرِ ويَشْوُونَهُ ويَأْكُلُونَهُ، وأمّا الدَّمُ غَيْرُ المَسْفُوحِ كالكَبِدِ فَمُباحٌ، وأمّا الطِّحالُ فالأكْثَرُونَ عَلى إباحَتِهِ، وأجْمَعَتِ الإمامِيَّةُ عَلى حُرْمَتِهِ، ورُوِيَتِ الكَراهِيَةُ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ ﴾ إقْحامُ اللَّحْمِ لِما مَرَّ، وأخَذَ داوُدُ وأصْحابُهُ بِظاهِرِهِ فَحَرَّمُوا اللَّحْمَ، وأباحُوا غَيْرَهُ، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّهُ حَرامٌ حُرْمَةَ غَيْرِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «مِن أكَلَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ عُرِضَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ» وهو غَرِيبٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ أكْلَهُ صارَ اليَوْمَ مِن عَلاماتِ الكُفْرِ كَلُبْسِ الزُّنّارِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

﴿ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ أيْ رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَبْحِهِ، والمُرادُ بِالإهْلالِ هُنا ذِكْرُ ما يُذْبَحُ لَهُ كاللّاتِ والعُزّى ﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هي الَّتِي يَدْخُلُ رَأْسُها بَيْنَ شُعْبَتَيْنِ مِن شَجَرَةٍ فَتَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: هي الَّتِي تَخْتَنِقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ، فَتَمُوتُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ البَهِيمَةَ ويَأْكُلُونَها، فَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ عَلى الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ مُطْلَقًا ﴿ والمَوْقُوذَةُ ﴾ أيِ الَّتِي تُضْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وهو مِن وقَذْتُهُ بِمَعْنى ضَرَبْتُهُ، وأصْلُهُ أنْ تَضْرِبَهُ حَتّى يَسْتَرْخِيَ، ومِنهُ وقَذَهُ النُّعاسُ أيْ: غَلَبَ عَلَيْهِ.

﴿ والمُتَرَدِّيَةُ ﴾ أيِ الَّتِي تَقَعُ مِن مَكانٍ عالٍ أوْ في بِئْرٍ فَتَمُوتُ ﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ أيِ الَّتِي يَنْطَحُها غَيْرُها فَتَمُوتُ، وتاؤُها لِلنَّقْلِ، فَلا يَرِدُ أنَّ فَعِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَدْخُلُهُ التّاءُ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ ذَلِكَ حَيْثُ ذُكِرَ المَوْصُوفُ، مِثْلُ: كَفٌّ خَضِيبٌ، وعَيْنٌ كَحِيلٌ، وأمّا إذا حُذِفَ فَيَجُوزُ دُخُولُ التّاءِ فِيهِ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّها لِلنَّقْلِ، وقُرِئَ والمَنطُوحَةُ.

﴿ وما أكَلَ السَّبُعُ ﴾ أيْ: ما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وفُسِّرَ بِذَلِكَ لِأنَّ ما أكَلَهُ كُلَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ أيْ: إلّا ما أدْرَكْتُمُوهُ وفِيهِ بَقِيَّةُ حَياةٍ، يَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ وذَكَّيْتُمُوهُ.

وعَنِ السَّيِّدَيْنِ السَّنَدَيْنِ الباقِرِ والصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ أدْنى ما يُدْرَكُ بِهِ الذَّكاةُ أنْ يُدْرِكَهُ وهو يُحَرِّكُ الأُذُنَ أوِ الذَّنَبَ أوِ الجِفْنَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، وطاوُسٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ الحَياةُ المُسْتَقِرَّةُ، وهي الَّتِي تَكُونُ عَلى شَرَفٍ الزَّوالِ، وعَلامَتُها عَلى ما قِيلَ: أنْ يَضْطَرِبَ بَعْدَ الذَّبْحِ لا وقْتَهُ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، سِوى ما لا يَقْبَلُ الذَّكاةَ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ والخِنْزِيرِ وما أكَلَ السَّبُعُ عَلى تَقْدِيرِ إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ التَّحْرِيمِ لا مِنَ المُحَرَّماتِ، والمَعْنى حُرِّمَ عَلَيْكم سائِرُ ما ذُكِرَ لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّذْكِيَةِ فَإنَّهُ حَلالٌ لَكم.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والتَّذْكِيَةُ في الشَّرْعِ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِّيءِ بِمُحَدَّدٍ، والتَّفْصِيلُ في الفِقْهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أُكِلَتْ مِمّا صادَتْهُ لَمْ يَحِلَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( السَّبْعُ ) بِسُكُونِ الياءِ، وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ( وأكِيلُ السَّبُعِ ).

﴿ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ جَمْعُ نِصابٍ، كَحُمُرٍ وحِمارٍ، وقِيلَ: واحِدُ الأنْصابِ كَطُنُبٍ وأطْنابٍ، واخْتُلِفَ فِيها، فَقِيلَ: هي حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ وكانَتْ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ حَجَرًا، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها، فَـ( عَلى ) عَلى أصْلِها، ولَعَلَّ ذَبْحَهم عَلَيْها كانَ عَلامَةً لِكَوْنِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: هي الأصْنامُ؛ لِأنَّها تُنْصَبُ فَتُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، و( عَلى ) إمّا بِمَعْنى اللّامِ، أوْ عَلى أصْلِها بِتَقْدِيرِ: وما ذُبِحَ مُسَمًّى عَلى الأصْنامِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) والأمْرُ في ذَلِكَ هَيِّنٌ، والمَوْصُولُ مَعْطُوفٌ عَلى المُحَرَّماتِ، وقُرِئَ ( النُّصْبُ ) بِضَمِّ النُّونِ وتَسْكِينِ الصّادِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وبِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ﴿ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ جَمْعُ زَلَمٍ كَجَمَلٍ، أوْ زُلَمٍ كَصُرَدٍ، وهو القَدَحُ، أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الِاسْتِقْسامُ بِالأقْداحِ، وذَلِكَ أنَّهم كَما رُوِيَ عَنِالحَسَنِ وغَيْرِهِ إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ، مَكْتُوبٍ عَلى أحَدِها ( أمَرَنِي رَبِّي ) وعَلى الثّانِي ( نَهانِي رَبِّي ) وأبْقَوُا الثّالِثَ غُفْلًا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ مَضَوْا لِحاجَتِهِمْ، وإنْ خَرَجَ النّاهِي تَجَنَّبُوا، وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أجالُوها ثانِيًا، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم دُونَ ما لَمْ يُقْسَمْ بِالأزْلامِ، واسْتُشْكِلَ تَحْرِيمُ ما ذُكِرَ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ التَّفاؤُلِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ الفَأْلَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ اسْتِشارَةً مَعَ الأصْنامِ، واسْتِعانَةً مِنهم كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مِن أنَّهم إذا أرادُوا ذَلِكَ أتَوْا بَيْتَ أصْنامِهِمْ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا، فَلِهَذا صارَ حَرامًا، وقِيلَ: لِأنَّ فِيهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ تَعالى - إنْ أُرِيدَ ( بِرَبِّي ) اللَّهُ تَعالى، وجَهالَةً وشِرْكًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّنَمُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الدُّخُولَ في عِلْمِ الغَيْبِ حَرامٌ، ومَعْنى اسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ أنَّهُ لا يُعْلَمُ إلّا مِنهُ، ولِهَذا صارَ اسْتِعْلامُ الخَيْرِ والشَّرِّ مِنَ المُنَجِّمِينَ والكَهَنَةِ مَمْنُوعًا حَرامًا بِخِلافِ الِاسْتِخارَةِ مِنَ القُرْآنِ فَإنَّهُ اسْتِعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا أطْبَقُوا عَلى جَوازِها، ومَن يَنْظُرْ في تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ أوْ يَرْتاضُ فَهو لا يَطْلُبُ إلّا عِلْمَ الغَيْبِ مِنهُ سُبْحانَهُ، فَلَوْ كانَ طَلَبُ عِلْمِ الغَيْبِ حَرامًا لانْسَدَّ طَرِيقُ الفِكْرِ والرِّياضَةِ، ولا قائِلَ بِهِ.

وقالَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَوْ لَمْ يَجُزْ طَلَبُ عِلْمِ الغَيْبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ التَّعْبِيرِ كُفْرًا؛ لِأنَّهُ طَلَبٌ لِلْغَيْبِ، وأنْ يَكُونَ أصْحابُ الكَراماتِ المُدَّعُونَ لِلْإلْهاماتِ كُفّارًا، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ، وتُعُقِّبَ القَوْلُ بِجَوازِ الِاسْتِخارَةِ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ فِعْلُها عَنِ السَّلَفِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الإمامَ مالِكًا كَرِهَها.

وأمّا ما في فَتاوى الصُّوفِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ مِن أنَّهُ لا بَأْسَ بِها، وأنَّهُ قَدْ فَعَلَها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - ومُعاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «مَن أرادَ أنْ يَتَفاءَلَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلْيَقْرَأْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ سَبْعَ مَرّاتٍ، ولْيَقُلْ ثَلاثَ مَرّاتٍ: اللَّهُمَّ بِكِتابِكَ تَفاءَلْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، اللَّهُمَّ أرِنِي في كِتابِكَ ما هو المَكْتُومُ مِن سِرِّكَ المَكْنُونِ في غَيْبِكَ ثُمَّ يَتَفاءَلُ بِأوَّلِ الصَّحِيفَةِ» فَفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ.

وفِي كِتابِ الأحْكامِ لِلْجَصّاصِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القُرْعَةِ في عِتْقِ العَبِيدِ؛ لِأنَّها في مَعْنى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ إذا كانَ فِيها إثْباتٌ ما أخْرَجَتْهُ القُرْعَةُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، كَما إذا أعْتَقَ أحَدَ عَبِيدِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بُيِّنَ في الفِقْهِ، ولا يَرِدُ أنَّ القُرْعَةَ قَدْ جازَتْ في قِسْمَةِ الغَنائِمِ مَثَلًا، وفي إخْراجِ النِّساءِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّها فِيما ذُكِرَ لِتَطْيِيبِ النُّفُوسِ والبَراءَةِ مِنَ التُّهْمَةِ في إيثارِ البَعْضِ، ولَوِ اصْطَلَحُوا عَلى ذَلِكَ جازَ مِن غَيْرِ قُرْعَةٍ، وأمّا الحُرِّيَّةُ الواقِعَةُ عَلى واحِدٍ مِنَ العَبِيدِ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَغَيْرُ جائِزٍ نِقالُها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وفي اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ النَّقْلُ، وخالَفَ الشّافِعِيُّ في ذَلِكَ فَجَوَّزَ القُرْعَةَ في العِتْقِ كَما جَوَّزَها في غَيْرِهِ، وظَواهِرُ الأدِلَّةِ مَعَهُ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.

والحَقُّ عِنْدِي أنَّ الِاسْتِقْسامَ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ حَرامٌ بِلا شُبْهَةٍ، كَما هو نَصُّ الكِتابِ، وأنَّ حُرْمَتَهُ ناشِئَةٌ مِن سُوءِ الِاعْتِقادِ، وأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ تَشاؤُمٍ، ولَيْسَ بِتَفاؤُلٍ مَحْضٍ، وإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الدُّخُولِ في عِلْمِ الغَيْبِ أصْلًا، بَلْ هو مِن بابِ الدُّخُولِ في الظَّنِّ، وأنَّ الِاسْتِخارَةَ بِالقُرْآنِ مِمّا لَمْ يَرِدْ فِيها شَيْءٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَنِ الصَّدْرِ الأوَّلِ، وتَرْكُها أحَبُّ إلَيَّ، لاسِيَّما وقَدْ أغْنى اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْها بِما سُنَّ مِنَ الِاسْتِخارَةِ الثّابِتَةِ في غَيْرِما خَبَرٍ صَحِيحٍ، وأنَّ تَصْدِيقَ المُنَجِّمِينَ فِيما لَيْسَ مِن جِنْسِ الخُسُوفِ والكُسُوفِ مِمّا يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ مَحْظُورٌ، ولَيْسَ مِن عِلْمِ الغَيْبِ ولا دُخُولًا فِيهِ، وإنْ زَعَمَهُ الزَّجّاجُ لِبِنائِهِ عَلى الأسْبابِ.

ونَقَلَ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، عَنِ القاضِي: كانَتِ الكِهانَةُ في العَرَبِ ثَلاثَةَ أضْرُبٍ: أحُدُها أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رِئْيٌ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ بِما يَسْتَرِقُهُ مِنَ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ، وهَذا القِسْمُ بَطَلَ مِن حِينِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.

الثّانِي أنْ يُخْبِرَهُ بِما يَطْرَأُ ويَكُونُ في أقْطارِ الأرْضِ وما خَفِيَ عَنْهُ مِمّا قَرُبَ أوْ بَعُدَ، وهَذا لا يُبْعَدُ وُجُودُهُ، ونَفَتِ المُعْتَزِلَةُ وبَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ، وأحالُوهُما، ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ ولا بُعْدَ في وُجُودِهِ، لَكِنَّهم يُصَدَّقُونَ ويُكَذَّبُونَ، والنَّهْيُ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ والسَّماعِ مِنهم عامٌّ.

الثّالِثُ المُنَجِّمُونَ، وهَذا الضَّرْبُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى في بَعْضِ النّاسِ قُوَّةً ما، لَكِنِ الكَذِبُ فِيهِ أغْلَبُ، ومِن هَذا الفَنِّ العِرافَةُ فَصاحِبُها عَرّافٌ، وهو الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلى الأُمُورِ بِأسْبابٍ ومُقَدِّماتٍ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهُ بِها، كالزَّجْرِ والطَّرْقِ بِالحَصى، وهَذِهِ الأضْرُبُ كُلُّها تُسَمّى كِهانَةً، وقَدْ أكْذَبَهُمُ الشَّرْعُ، ونَهى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وإتْيانِهِمُ، انْتَهى.

ولَعَلَّ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الكَذِبِ في كَلامِهِمْ، ولِأنَّ في تَصْدِيقِهِمْ فَتْحُ بابٍ يُوصِلُ إلى ( لَظى ) إذْ قَدْ يَجُرُّ إلى تَعْطِيلِ الشَّرِيعَةِ والطَّعْنِ فِيها، لاسِيَّما مِنَ العَوامِّ، واسْتِثْناءُ ما هو مِن جِنْسِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ لِنُدْرَةِ خَطَئِهِمْ فِيهِ، بَلْ لِعَدَمِهِ إذا أمْكَنُوا الحِسابَ، ولا كَذَلِكَ ما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الحَوادِثِ؛ إذْ قَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أوْضاعِ السَّيّاراتِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، أوْ مَعَ بَعْضِ الثَّوابِتِ، ولا شَكَّ أنْ ذَلِكَ لا يَكْفِي في الغَرَضِ والوُقُوفِ عَلى جَمِيعِ الأوْضاعِ وما تَقْتَضِيهِ، مِمّا يَتَعَذَّرُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ لِغَيْرِ عَلّامِ الغُيُوبِ، فَلْيُفْهَمْ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِقْسامِ اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ، أيْ: طَلَبُ قِسْمٍ مِنَ الجَزُورِ أوْ ما قَسَمَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهُ، وهَذا هو المَيْسِرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، ورَوى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ عَنِ الأئِمَّةِ الصّادِقِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ورُجِّحَ بِأنَّهُ يُناسِبُ ذِكْرَهُ مَعَ مُحَرَّماتِ الطَّعامِ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ الأزْلامَ بِسِهامِ العَرَبِ، وكِعابِ فارِسَ، الَّتِي يَتَقامَرُونَ بِها.

وعَنْ وكِيعٍ أنَّها أحْجارُ الشَّطْرَنْجِ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، ومَعْنى البُعْدِ في الإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ ﴿ فِسْقٌ ﴾ أيْ: ذَنْبٌ عَظِيمٌ، وخُرُوجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى إلى مَعْصِيَتِهِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ ( ذَلِكم ) إشارَةٌ إلى تَناوُلِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ ﴿ اليَوْمَ ﴾ أيِ الزَّمانَ الحاضِرَ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ، وقِيلَ: يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وكانَ - كَما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَصْرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَرَفَةَ حَجَّةِ الوَداعِ، وقِيلَ: يَوْمَ دُخُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ، لِثَمانٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقِيلَ: سَنَةَ ثَمانٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ واليَأْسُ انْقِطاعُ الرَّجاءِ، وهو ضِدُّ الطَّمَعِ.

والمُرادُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِن إبْطالِ دِينِكم ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ وغَيْرِها، أوْ مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلَيْهِ لِما شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى وفّى بِوَعْدِهِ، حَيْثُ أظْهَرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ نَظَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَوْقِفِ فَلَمْ يَرَ إلّا مُسْلِمًا، ورُجِّحَ هَذا الِاحْتِمالُ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ اليَأْسِ ﴿ واخْشَوْنِ ﴾ أنْ أُحِلَّ بِكم عِقابِي إنْ خالَفْتُمْ أمْرِي، وارْتَكَبْتُمْ مَعْصِيَتِي.

﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ بِالنَّصْرِ والإظْهارِ؛ لِأنَّهم بِذَلِكَ يُجْرُونَ أحْكامَ الدِّينِ مِن غَيْرِ مانِعٍ، وبِهِ تَمامُهُ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَمَّ لِي المُلْكُ إذا كُفِيتَ ما تَخافُهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم حُدُودِي، وفَرائِضِي، وحَلالِي، وحَرامِي، بِتَنْزِيلِ ما أنْزَلْتُ، وبَيانِ ما بَيَّنْتُ لَكُمْ، فَلا زِيادَةَ في ذَلِكَ ولا نُقْصانَ مِنهُ بِالنَّسْخِ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ، وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والبَلْخِيُّ وغَيْرُهُما، وادَّعُوا أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الفَرائِضِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْلِيلٍ ولا تَحْرِيمٍ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَلْبَثْ بَعْدُ سِوى أحَدٍ وثَمانِينَ يَوْمًا، ومَضى - رُوحِي فِداهُ - إلى الرَّفِيقِ الأعْلى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وفَهِمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا سَمِعَ الآيَةَ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَنْتَرَةَ: ««أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ بَكى، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ما يُبْكِيكَ؟

قالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا فَأمّا إذا كَمُلَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ قَطُّ إلّا نَقُصَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: صَدَقْتَ»» ولا يُحْتَجُّ بِها - عَلى هَذا القَوْلِ - عَلى إبْطالِ القِياسِ كَما زَعَمَ بَعْضُهُمْ؛ لِأنَّ المُرادَ إكْمالُ الدِّينِ نَفْسِهِ بِبَيانِ ما يَلْزَمُ بَيانُهُ، ويُسْتَنْبَطُ مِنهُ غَيْرُهُ، والتَّنْصِيصُ عَلى قَواعِدِ العَقائِدِ، والتَّوْقِيفُ عَلى أُصُولِ الشَّرْعِ وقَوانِينِ الِاجْتِهادِ.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى: ( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم ) حَجَّكُمْ، وأقْرَرْتُكم بِالبَلَدِ الحَرامِ، تَحُجُّونَهُ دُونَ المُشْرِكِينَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وقالَ: يَرِدُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ آيَةَ الكَلالَةِ، وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، واعْتُرِضَ بِالمَنعِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الإكْمالَ لِمَنفَعَتِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ، وفِيهِ أيْضًا تَشْوِيقٌ إلى ذِكْرِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ ولَيْسَ الجارُّ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِـ( نِعْمَتِي ) لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ ولا بَأْسَ بِتَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ إذا كانَ ظَرْفًا.

وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى المُخاطَبِينَ بِفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِها آمِنِينَ ظاهِرِينَ، وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ ومَناسِكِها، والنَّهْيِ عَنْ حَجِّ المُشْرِكِينَ، وطَوافِ العُرْيانِ، وقِيلَ: بِإتْمامِ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ بِإتْمامِ سَبَبِهِما، وقِيلَ: بِإكْمالِ الدِّينِ، وقِيلَ: بِإعْطائِهِمْ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ ما لَمْ يُعْطَهُ أحَدًا قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( أتُمِّمَتْ عَلَيْكم نعمتِي ) أنْجَزْتُ لَكم وعْدِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ .

﴿ ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ﴾ أيِ اخْتَرْتُهُ لَكم مِن بَيْنِ الأدْيانِ، وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا غَيْرُ، وهو المَقْبُولُ، وعَلَيْهِ المَدارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّهُ يُمَثَّلُ لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ دِينَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا الإيمانُ فَيُبَشِّرُ أصْحابَهُ وأهْلَهُ ويَعِدُهم في الخَيْرِ، حَتّى يَجِيءَ الإسْلامُ فَيَقُولُ: رَبِّ أنْتَ السَّلامُ وأنا الإسْلامُ، فَيَقُولُ: إيّاكَ اليَوْمَ أقْبَلُ، وبِكَ اليَوْمَ أجْزِي» وقَدْ نُظِرَ في الرِّضا مَعْنى الِاخْتِيارِ، ولِذى عُدِّيَ بِاللّامِ، ومِنهم مَن جَعَلَ الجارَّ صِفَةً لدِّينٍ، قُدِّمَ عَلَيْهِ فانْتُصِبَ حالًا، و( الإسْلامَ ) و( دِينًا ) مَفْعُولًا ( رَضِيتُ ) إنَّ ضُمِّنَ مَعْنى ( صَيَّرَ ) أوْ ( دِينًا ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الإسْلامِ، أوْ تَمْيِيزٌ مِن ( لَكم ) والجُمْلَةُ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَرْخِيُّ - مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى ( أكْمَلْتُ ) وإلّا كانَ مَفْهُومُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَرْضَ لَهُمُ الإسْلامَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ دِينًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إذِ الإسْلامُ لَمْ يَزَلْ دِينًا مَرْضِيًّا لِلَّهِ تَعالى، ولِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مُنْذُ شُرِعَ، والجُمْهُورُ عَلى العَطْفِ، وأُجِيبَ عَنِ التَّقْيِيدِ بِأنَّ المُرادَ بِرِضاهُ سُبْحانَهُ حُكْمُهُ جَلَّ وعَلا بِاخْتِيارِهِ حُكْمًا أبَدِيًّا، لا يُنْسَخُ، وهو كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وأخْرَجَ الشِّيعَةُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في غَدِيرِ خُمٍّ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَلَمّا نَزَلَتْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُ أكْبَرُ عَلى إكْمالِ الدِّينِ، وإتْمامِ النِّعْمَةِ، ورِضاءِ الرَّبِّ بِرِسالَتِي، ووِلايَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدِي»» ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ، ورَكاكَةُ الخَبَرِ شاهِدَةٌ عَلى ذَلِكَ في مُبْتَدَأِ الأمْرِ، نَعَمْ، ثَبَتَ عِنْدَنا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في حَقِّ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هُناكَ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وزادَ عَلى ذَلِكَ - كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ لَكِنْ لا دَلالَةَ في الجَمِيعِ عَلى ما يَدَّعُونَهُ مِنَ الإمامَةِ الكُبْرى، والزَّعامَةِ العُظْمى، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ بَعِيدٍ.

وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في كِتابِنا ( النَّفَحاتِ القُدْسِيَّةِ في رَدِّ الإمامِيَّةِ ) ولَمْ يَتِمَّ إلى الآنَ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى إتْمامَهُ.

ورِواياتُهم في هَذا الفَصْلِ يُنادِي لَفْظُها عَلى وضْعِها، وقَدْ أكْثَرَ مِنها يُوسُفُ الأُوالِي، عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ وما بَيْنَهُما، وهو سَبْعُ جُمَلٍ - عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ - اعْتِراضٌ بِما يُوجِبُ التَّجَنُّبَ عَنْها، وهو أنَّ تَناوُلَها فِسْقٌ عَظِيمٌ، وحُرْمَتَها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ، والنِّعْمَةِ التّامَّةِ، والإسْلامِ المَرْضِيِّ، والِاضْطِرارُ الوُقُوعُ في الضَّرُورَةِ، أيْ: فَمَن وقَعَ في ضَرُورَةِ تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أيْ: مَجاعَةٍ تُخْمَصُ لَها البُطُونُ، أيْ: تُضْمَرُ يُخافُ مَعَها المَوْتُ أوْ مُبادِيهِ ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مائِلٍ ومُنْحَرِفٍ إلَيْهِ ومُخْتارٍ لَهُ، بِأنْ يَأْكُلَ مِنها زائِدًا عَلى ما يُمْسِكُ رَمَقَهُ فَإنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وبِهِ قالَ أهْلُ العِراقِ، وقالَ أهْلُ المَدِينَةِ: يَجُوزُ أنْ يَشْبَعَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ غَيْرُ عاصٍ بِأنْ يَكُونَ باغِيًا، أوْ عادِيًا بِأنْ يَنْتَزِعَها مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ، أوْ خارِجًا في مَعْصِيَتِهِ، ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِأكْلِهِ، وهو الجَوابُ في الحَقِيقَةِ، وقَدْ أُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ في الكَلامِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مدنية وهي مائة وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه  حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة  ا، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟

فقلت: نعم.

قالت: فإنها من آخر ما أنزل الله على نبيه، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.

وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة غير قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [سورة المائدة: 2] الآية.

وقال بعضهم: نسخ منها قوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [سورة: 106] قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهذا نداء المدح، والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح، مثل قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أَيُّهَا الرُّسُلُ.

ونداء الذم، مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا [سورة الجمعة: 6] .

ونداء التنبيه، مثل قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ.

ونداء الإضافة، مثل قوله يا عِبادِيَ ونداء النسبة، مثل قوله: يا بَنِي آدَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ.

ونداء الاسم: مثل قوله يا إِبْراهِيمُ يا داوُدُ.

ونداء التعبير، مثل قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ فهاهنا نداء المدح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو من جوامع الكلم، لأنه قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد  وبالقرآن، وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث، والحساب، والجنة، والنار.

وقال عبد الله بن مسعود: كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنه خير مأمور به أو شر منهي عنه، ويقال: جميع ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزل بالمدينة، وكل ما يقال في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضاً.

ويقال: كلّ ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكر في مقابله في الإنجيل يا أيها المساكين.

ثم قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم أن يوفوا بها.

وقال مقاتل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين.

ويقال: جميع العقود التي بينه وبين الناس، والتي بينه وبين الله تعالى.

وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عبادة من الأوامر والنواهي.

والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين الله تعالى من النذور والأيمان، وغير ذلك.

والنوع الثالث: العقود التي بينه وبين الناس، مثل البيوع والإجارات وغير ذلك.

فوجب الوفاء بهذه العقود كلها.

ثم قال: أُحِلَّتْ لَكُمْ يعني رخصت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [سورة الأنعام: 142] ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وأما البهيمة فهي كل حيّ لا يتميز، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز.

ثم قال: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: رخصت لكم الأنعام كلها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة والبحيرة، فأخبر الله تعالى أنهما حلالان إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني إلا ما بين في هذه السورة.

ثم قال: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني: أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ يعني يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، لأنه أعرف بصلاح خلقه وما يصلحهم وما لا يصلحهم، وليس لأحد أن يدخل في حكمه.

وهذا كقوله وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [سورة الكهف: 26] وقال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [سورة الأنبياء: 23] .

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الشعائر ما جعل الله علامات الطاعات، واحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئاً من ترك المناسك كلها مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، والخروج إلى عرفات، ورمي الجمار، والطواف، واستلام الحجر وغير ذلك.

وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئاً من أمور المناسك.

ثم قال: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا.

وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فيأمن بذلك، فإذا رجع من مكة جعل شيئاً من لحاء شجر مكة في عنق راحلته، فيأمن بذلك ليعرف أنه كان حاجاً، فأمرهم الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له.

ثم قال تعالى وَلَا آمِّينَ يقول: ولا تستحلوا قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ نزلت في «شُرَيْح بن ضُبَيْعة بن شُرَحْبِيل اليماني» دخل على النبيّ  وكلمه، فلما خرج من عنده مَرَّ بسرح لأهل المدينة فساقها، وانتهى إلى اليمامة ثم خرج من هناك نحو مكة ومعه تجارة عظيمة، فهمَّ أصحاب رسول الله  بأن يخرجوا إليه ويغيروا على أمواله، فنزل وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الربح في المال وَرِضْواناً يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا.

ثم نسخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5] ولم ينسخ قوله لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولكنه محكم، فوجب إتمام أمور المناسك، ولهذا قال أصحابنا: إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده، فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك، ثم عليه القضاء في السنة الثانية.

ونسخ قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [سورة التوبة: 36] وقوله تعالى وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ فهو محكم أيضاً، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي وتوجه إلى مكة ونوى الإحرام صار محرماً، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية.

فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة، فإن قيل: قد قال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلاً؟

قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بيّن النهي عن التعرص للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافراً فقد بيّن في آية أخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر هاهنا وهو قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [سورة المائدة: 5] وقال: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا يعني إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [سورة الجمعة: 10] وكقوله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [سورة البقرة: 187] الآية.

وقال الضحاك وَإِذا حَلَلْتُمْ يعني إذا خرجتم من إحرامكم وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا.

ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار مكة أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا على حجاج اليمامة من المشركين فتستحلوا منهم.

وفي الآية دليل أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به، وتكون تلك المكافأة اعتداء لأن الله تعالى قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يعني بغض قوم وعداوتهم أَنْ تَعْتَدُوا يعني تجاوزوا الحد في المكافأة.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر شَنَآنُ بجزم النون.

وقرأ الباقون شَنَآنُ بالنصب.

وقال القتبي: لا يقال في المصادر فعلان، وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان مثل طيران ولهفان وشنآن.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ صَدُّوكُمْ بكسر الألف على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.

ثم قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: تعانوا على أمر الله واعملوا به.

وروى ابن عباس: البرُّ ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثُّوا على أمر الله واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا عنه.

وهذا موافق لما روي عن رسول الله  أنه قال: «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» .

وقد قيل: الدالُّ على الشر كصانعه.

ثم قال: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في السبيل كقوله فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [سورة البقرة: 193] وكقوله فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [سورة القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم كقوله فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المجادلة: 9] وكقوله وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة، وصارت الآية عامة في جميع الناس.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم به إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب.

قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة فهو حرام، إلا الجراد والسمك، فقد أباحهما على لسان رسول الله  حيث قال: «أُحِلَّتْ لَنَا السَّمَكُ والجَرَادُ وَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١) قال القتبي: أصل الذكاة من التوقد، يقال ذكيت النار إذا ألقيت عليها شيئاً من الحطب، وإنما سميت الذكية ذكية لأنها صارت بحال ينتفع بها.

وقال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء.

وقوله: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ يعني ما أدركتم ذبحه على التمام.

ثم قال: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال القتبي: النصب هو حجر أو صنم منصوب، كانوا يذبحون عنده وجمعه أنصاب، ويقال: كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم.

ثم قال: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ والأزلام القداح، واحدها زلم على ميزان قلم وأقلام، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزوراً، وجعلوا لحمه على تسعة أجزاء، وأعطى كل واحد منهم سهماً من سهامه، فجمعوا السهام عند واحد منهم أو شيء من الأحجار، ثم يخرج هذا الرجل واحداً واحداً من السهام، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءاً من ذلك اللحم، فإذا خرج تسعة من السهام لا يبقى شيء من اللحم، ولا يكون للذي بقي اسمه آخراً شيء من اللحم، وكان ثمن الجزور كله عليه.

وكان نوع آخر أنهم كانوا يجعلون عشرة من القداح، وكان لكل واحد منها سهم، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم، وهو السفيح والمنيح والوغد، وكان للسبعة لكل سهم نصيب وهو: القذ، والتوأم، والرقيب، والمعلى، والحلس، والناقس، والمسبل.

ويقال: كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح، في واحد منها مكتوب أمرني ربي، وفي الآخر نهاني ربي، فيخرج أحدهما، فإن خرج باسمه أمرني ربي وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف، وإن خرج الآخر لا يسعه الخروج، فنهى الله تعالى عن ذلك كله بقوله: ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني هذه الأفعال معصية وضلالة واستحلالها كفر.

قم قال: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني كفار العرب أن تعودوا كفاراً حين حج النبيّ  حجة الوداع وليس معهم مشرك.

وقال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك أن رسول الله  فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة سبع، ويقال: سنة ثمان.

ودخلها ونادى منادي رسول الله  : ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.

فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا.

قال الله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ يقول: فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم وناصركم وَاخْشَوْنِ في ترك أمري.

ثم قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني أتممت لكم شرائع دينكم، وذلك أن النبيّ  حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام، فنزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني دينكم، حلالكم وحرامكم.

وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال له يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.

فقال ابن عباس فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة، ويوم عرفة.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب: إنكم لتقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

فقال عمر: إني لأعلم حيث نزلت، وفي أي يوم نزلت، أنزلت بيوم عرفة ورسول الله  واقف بعرفة.

فإن قيل: في ظاهر هذه الآية دليل أن الدّين يزيد حيث قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

قيل له: ليس فيها دليل، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم، وليس فيها دليل أنه لم يكمل قبل ذلك.

ألا ترى أنه قال في سياق الآية وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك، ولكن معناه أنه قد أظهر وقرر، كما جاء في الخبر أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه، فأعتق رسول الله  اثنين منهم يعني أظهر عتقهما، وقرر ولم يرد به الابتداء.

وقال مجاهد: معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم وغلبة دينكم ونصرته.

وقال قتادة: معناه أخلص لكم دينكم.

ثم قال: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني منتي، فلم يحج معكم مشرك وَرَضِيتُ يعني اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وروي في الخبر أن النبيّ  عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ثم مضى لسبيله صلوات الله عليه.

وقال الزجاج: الْيَوْمَ صار نصباً للظرف، ومعناه اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

وقال معاذ بن جبل: النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة، فصار كأنه قال: رضيت لكم الجنة لأنه لا تكون النعمة تماماً حتى يضع قدميه فيها.

ثم رجع إلى أول الآية فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وذلك أنه لما بيّن المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى أكله، فأباح لهم أكله عند الضرورة فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ يعني: أجهد إلى شيء مما حرم الله تعالى عليه فِي مَخْمَصَةٍ يعني مجاعة، وأصل الخمص ضمور البطن ودقته، فإذا جاع فقد خمص بطنه.

ثم قال: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعني غير متعمد المعصية لأكله فوق الشبع، وأصل الجنف الميل.

وقال الزجاج: يعني غير متجاوز للحد، وغير آكل لها على وجه التلذذ فلا إثم عليه في أكله.

وقال أهل المدينة: المضطر يأكل حتى يشبع.

وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يأكل مقدار ما يأمن به الموت، وكذلك قال الشافعي.

ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: غفور فيما أكل، رحيم حين رَخَّص له في أكله عند الاضطرار.

قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون لاجتماع الساكنين، وقرأ الباقون بالضم.

(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم الحديث (5727) ج 2/ 415 بلفظ: «أحلت لنا ميتتان ودمان.

فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ...

الآية: تعديدٌ لما يتلى على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ، وَالدَّمُ: معناه: المَسْفُوح، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ: مقتض لشخمه بإجماع، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: قد تقدّم، وَالْمُنْخَنِقَةُ: معناه: التي تموت حنقا، وَالْمَوْقُوذَةُ: التي ترمى أو تُضْرَبُ بِعَصاً، وشبهها، وَالْمُتَرَدِّيَةُ: هي التي تتردى مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، فتموتُ، وَالنَّطِيحَةُ: فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ: يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك.

واختلف العلماءُ في قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء: الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَباً «١» ، وبالجُمْلة/: ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يذكى على سُنَّة الذَّكَاة، ويُؤْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضاً، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة: إنَّ قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ: معناه: مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتى صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات واحتج لمالِكٍ بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولاً يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ: إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب: الذَّبْح.

وقوله سبحانه: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب: حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ: وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها «٢» ، قال ابنُ زَيْدٍ: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: شيْءٌ واحدٌ «٣» «٤» .

قال ع: ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ لشهرة أمْرِه.

وقوله سبحانه: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ: حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسْمِ- بفتح القاف-، وهو المصدَرُ بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ «سلاح المؤمن» : والاستقسامُ: هُوَ الضَّرْب بها لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم.

انتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ على أنواعٍ منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه على أحدها «افعل» ، وعلى الآخر «لاَ تَفْعَلْ» ، وثالثٌ مهملٌ لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهى بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ فِسْقٌ: إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام.

وقوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ: معناه عند ابن عباس وغيره:

مِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم «١» ، وظاهر أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدِّين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلى دينهم قد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من اضمحلال أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار ألا ترى إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ «٢» في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى انكشف المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً: «أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ» ، إلى غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ عُمَرَ بْنِ الخطابِ «٣» وغيره: نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ امحى أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى:

الْيَوْمَ: أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ: هذا الأوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم.

وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا/: يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم وهذا يقوِّي أنَّ اليأْس إنما هو مِنَ انحلال أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأس كلّ عبادة كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ومفتاح كلّ خير» .

وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ: تحتملُ الإشارةَ ب «اليَوْم» ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ «١» أنَّ النبيَّ- عليه السلام- لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحدى وثمانِين ليلة، والظاهر أنه عاش صلّى الله عليه وسلّم أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ: وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك:

بلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ على بابه، فقال: «إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اعملا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» ، قال ابن رُشْدٍ: هذا حديثٌ يدلُّ على صحَّته قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] ، وقال تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] ، فالمعنى في ذلك: أنَّ الله عز وجل نَصَّ على بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] فبيَّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما أجمله اللَّه في كتابه كما أمره حيثُ يقول: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] ، فما أحلّ صلّى الله عليه وسلّم، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحديث، والله أعلم، فما ينطق صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الهوى إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى.

انتهى من «البيان والتحصيل» .

وفي «الصحيح» «أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كتابكم تقرءونها، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً، فقال له عُمَرُ: أيُّ آيَة هِيَ؟

فَقَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فقالَ له عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ نَزَلَتْ على رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة» «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

وَ "المُتَرَدِّيَةُ": الواقِعَةُ مِن جَبَلٍ أوْ حائِطٍ، أوْ في بِئْرٍ، يُقالُ: تَرَدّى: إذا سَقَطَ.

وَ "النَّطِيحَةُ": الَّتِي تَنْطَحُها شاةٌ أُخْرى، أوْ بَقَرَةٌ، "فَعَيْلَةٌ" في مَعْنى "مَفْعُولَةٍ" ﴿ وَما أكَلَ السَّبُعُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى: السَّبْعُ: بِسُكُونِ الباءِ.

والمُرادُ: ما افْتَرَسَهُ فَأكَلَ بَعْضَهُ ﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ أيْ: إلّا ما لَحِقْتُمْ مِن هَذا كُلِّهِ، وبِهِ حَياةٌ، فَذَبَحْتُمُوهُ.

فَأمّا الِاسْتِثْناءُ فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَذْكُورِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى ما أكَلَ السَّبُعُ خاصَّةً، والعُلَماءُ عَلى الأوَّلِ.

* فَصْلٌ في الذَّكاةِ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الذَّكاةِ في اللُّغَةِ: تَمامُ الشَّيْءِ، فَمِنهُ الذَّكاءُ في السِّنِّ، وهو تَمامُ السِّنِّ.

قالَ الخَلِيلُ: الذَّكاءُ: أنْ تَأْتِيَ عَلى قُرُوحِهِ سَنَةٌ، وذَلِكَ تَمامُ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ، ومِنهُ الذَّكاءُ في الفَهْمِ، وهو أنْ يَكُونَ فَهْمًا تامًّا، سَرِيعَ القَبُولِ.

وذَكَيْتُ النّارَ، أيْ: أتْمَمْتُ إشْعالَها.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ أنَّهم قالُوا: ما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ بِأنْ تُوجَدَ لَهُ عَيْنٌ تَطْرِفُ، أوْ ذَنَبٌ يَتَحَرَّكُ، فَأكْلُهُ حَلالٌ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ إنْ كانَ يَعِيشُ مَعَ ما بِهِ، حَلَّ بِالذَّبْحِ، فَإنْ كانَ لا يَعِيشُ مَعَ ما بِهِ، نَظَرْتَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ حَياتُهُ مُسْتَقِرَّةً، وإنَّما حَرَكَتُهُ حَرَكَةُ المَذْبُوحِ، مِثْلَ أنْ شُقَّ جَوْفُهُ، وأُبِيَنَتْ حَشَوْتُهُ، فانْفَصَلَتْ عَنْهُ، لَمْ يَحِلَّ أكْلُهُ، وإنْ كانَتْ حَياتُهُ مُسْتَقِرَّةً يَعِيشُ اليَوْمَ واليَوْمَيْنِ، مِثْلَ أنْ يُشَقَّ جَوْفُهُ، ولَمْ تُقْطَعِ الأمْعاءُ، حَلَّ أكْلُهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إذا كانَتْ فِيهِ حَياةٌ في الجُمْلَةِ أُبِيحُ بِالذَّكاةِ، والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا، لِأنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَهو في حُكْمِ المَيِّتِ.

ألا تَرى أنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ حَشْوَةَ آدَمِيٍّ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فالأوَّلُ هو القاتِلُ، لَأنَّ الحَياةَ لا تَبْقى مَعَ الفِعْلِ الأوَّلِ.

وَفِي ما يَجِبُ قَطْعُهُ في الذَّكاةِ رِوايَتانِ.

إحْداهُما: أنَّهُ الحُلْقُومُ والمَرِيءُ، والعِرْقانِ اللَّذانِ بَيْنَهُما الحُلْقُومُ والمَرِيءُ، فَإنْ نَقْصَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، لَمْ يُؤْكَلْ، هَذا ظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ في رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّانِيَةُ: يُجْزِئُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ، وهو ظاهِرُ كَلامِهِ في رِوايَةِ حَنْبَلَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ وأحَدِ الوَدَجَيْنِ.

وقالَ مالِكٌ: يُجْزِئُ قَطْعُ الأوْداجِ، وإنْ لَمْ يُقْطَعِ الحُلْقُومَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحُلْقُومُ بَعْدَ الفَمِ، وهو مَوْضِعُ النَّفَسِ، وفِيهِ شُعَبٌ تَتَشَعَّبُ مِنهُ في الرِّئَةِ.

والمَرِيءُ: مَجْرى الطَّعامِ، والوَدَجانِ: عِرْقانِ يَقْطَعُهُما الذّابِحُ.

فَأمّا الآلَةُ الَّتِي تَجُوزُ بِها الذَّكاةُ، فَهي كُلُّ ما أنْهَرَ الدَّمَ، وفَرى الأوْداجَ سِوى السِّنِّ والظُّفْرِ، سَواءٌ كانا مَنزُوعَيْنِ، أوْ غَيْرَ مَنزُوعَيْنِ.

وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ الذَّكاةَ بِالمَنزُوعَيْنِ.

فَأمّا البَعِيرُ إذا تَوَحَّشَ، أوْ تَرَدّى في بِئْرٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ الصَّيْدِ ذَكاتُهُ عَقْرُهُ.

وقالَ مالِكٌ: ذَكاتُهُ ذَكاةُ المَقْدُورِ عَلَيْهِ.

فَإنْ رَمى صَيْدًا، فَأبانَ بَعْضَهُ، وفِيهِ حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَذَكّاهُ، أوْ تَرَكَهُ حَتّى ماتَ جازَ أكْلُهُ، وفي أكْلِ ما بانَ مِنهُ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ في النُّصُبِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها أصْنامٌ تُنْصَبُ، فَتُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المَعْنى، وما ذُبِحَ عَلى اسْمِ النُّصُبِ، وقِيلَ: لِأجْلِها، فَتَكُونُ "عَلى" بِمَعْنى: "اللّامِ"، وهُما يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ  ﴾ أيْ: عَلَيْكَ، وقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْها، ويُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ عَلَيْها ويُعَظِّمُونَها، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: عَلى النَّصْبِ، بِفَتْحِ النُّونِ، وسُكُونِ الصّادِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: نُصُبٌ ونُصْبٌ ونَصْبٌ، وجَمْعُهُ أنْصابٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأنْ تَطْلُبُوا عِلْمَ ما قُسِمَ لَكم، أوْ لَمْ يُقْسَمْ بِالأزْلامِ، وهو اسْتَفْعَلْتُ مِنَ القَسْمِ [قَسْمِ الرِّزْقِ والحاجاتِ] .

قالابْنُ قُتَيْبَةَ: الأزْلامُ: القِداحُ، واحِدُها: زَلَمٌ وزُلَمٌ.

والِاسْتِقْسامُ بِها: أنْ يُضْرَبَ [بِها] فَيُعْمَلَ بِما يَخْرُجُ فِيها مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ، فَكانُوا إذا أرادُوا أنْ يَقْتَسِمُوا شَيْئًا بَيْنَهم، فَأحَبُّوا أنْ يَعْرِفُوا قِسْمَ كُلِّ امْرِئٍ تَعَرَّفُوا ذَلِكَ مِنها، فَأُخِذَ الِاسْتِقْسامُ مِنَ القِسْمِ وهو النَّصِيبُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الأزْلامُ: حَصًى بِيضٌ، كانُوا إذا أرادُوا غُدُوًّا، أوْ رَواحًا، كَتَبُوا في قَدَحَيْنِ، في أحَدِهِما: أمَرَنِي رَبِّي، وفي الآخَرِ: نَهانِي رَبِّي، ثُمَّ يَضْرِبُونَ بِهِما، فَأيُّهُما خَرَجَ، عَمِلُوا بِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الأزْلامُ: سِهامُ العَرَبِ، وكِعابُ فارِسٍ الَّتِي يَتَقامَرُونَ بِها.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ الأزْلامُ تَكُونُ عِنْدَ الكَهَنَةِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: في بَيْتِ الأصْنامِ.

وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ عِنْدَ سَدَنَةِ الكَعْبَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وبَيْنَ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ: لا تَخْرُجْ مِن أجْلِ نَجْمِ كَذا، أوِ اخْرُجْ مِن أجْلِ نَجْمِ كَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فِسْقٌ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ ما ذَكَرَ في الآيَةِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ في هَذا اليَوْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ في حَجَّةِ الوَداعِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ يَوْمًا بِعَيْنِهِ، وإنَّما المَعْنى: الآنَ يَئِسُوا كَما تَقُولُ: أنا اليَوْمَ قَدْ كَبِرْتُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ اليَوْمَ عَلى الزَّمانِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى السّاعاتِ واللَّيالِي، فَيَقُولُونَ: قَدْ كُنْتُ في غَفْلَةٍ، فاليَوْمَ اسْتَيْقَظْتُ، يُرِيدُونَ: فالآنَ، ويَقُولُونَ: كانَ فُلانٌ يَزُورُنا، وهو اليَوْمَ يَجْفُونا، ولا يَقْصِدُونَ بِاليَوْمِ قَصْدَ يَوْمٍ واحِدٍ.

قالَ الشّاعِرُ: فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نَسَرُّ أرادَ: فَزَمانٌ لَنا، وزَمانٌ عَلَيْنا، ولَمْ يَقْصِدْ لِيَوْمٍ واحِدٍ لا يَنْضَمُّ إلَيْهِ غَيْرُهُ.

وَفِي مَعْنى يَأْسِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم يَئِسُوا أنْ يَرْجِعَ المُؤْمِنُونَ إلى دِينِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: يَئِسُوا مِن بُطْلانِ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما يَئِسُوا مِن إبْطالِ دِينِهِمْ لَمّا نَقَلَ اللَّهُ خَوْفَ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ، وأمْنَهم إلى المُسْلِمِينَ، فَعَلِمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إبْطالِ دِينِهِمْ، ولا عَلى اسْتِئْصالِهِمْ، وإنَّما قاتَلُوهم بَعْدَ ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّ كُفْرَهم يَبْقى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: لا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلى دِينِكم، واخْشَوْنِي في مُخالَفَةِ أمْرِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تَقْرَؤُونَ آيَةً مِن كِتابِكم لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قالَ: وأيُّ آيَةٍ هِيَ؟

قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ فَقالَ عُمَرُ: إنِّي لِأعْلَمَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، وفي لَفْظٍ "نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ"» قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عاشَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ ذَلِكَ أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا.

فَأمّا قَوْلُهُ "اليَوْمَ" فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا آنِفًا.

وفي مَعْنى إكْمالِ الدِّينِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إكْمالُ فَرائِضِهِ وحُدُودِهِ، ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ تَحْلِيلٌ ولا تَحْرِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم شَرائِعَ دِينِكم.

والثّانِي: أنَّهُ بِنَفْيِ المُشْرِكِينَ عَنِ البَيْتِ، فَلَمْ يَحُجَّ مَعَهم مُشْرِكٌ عامَئِذٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: كَمالُ الدِّينِ هاهُنا: عِزُّهُ وظُهُورُهُ، وذُلُّ الشِّرْكِ ودُرُوسُهُ، لا تَكامُلُ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، لِأنَّها لَمْ تَزَلْ تَنْزِلُ إلى أنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم نَصْرَ دِينِكم.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَفْعُ النَّسْخِ عَنْهُ.

وأمّا الفَرائِضُ فَلَمْ تَزَلْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ حَتّى قُبِضَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّهُ زَوالُ الخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ، والظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّهُ أمَّنَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مِن أنْ تُنْسَخَ بِأُخْرى بَعْدَها، كَما نَسَخَ بِها ما تَقَدَّمَها.

وفي إتْمامِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَنعُ المُشْرِكِينَ مِنَ الحَجِّ مَعَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: الهِدايَةُ إلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الإظْهارُ عَلى العَدُوِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أيْ: دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِ ما حَرُمَ عَلَيْهِ.

﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أيْ: مَجاعَةٍ، و "الخَمْصُ": الجُوعُ، قالَ الشّاعِرُ يَذُمُّ رَجُلًا: يَرى الخَمْصَ تَعْذِيبًا وإنْ يَلْقَ شَبْعَةً ∗∗∗ يَبِتْ قَلْبُهُ مِن قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَمًا وَهَذا الكَلامُ يَرْجِعُ إلى المُحَرَّماتِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَيْرَ مائِلٍ إلى ذَلِكَ، و "الجَنَفُ": المَيْلُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِإثْمٍ.

وَفِي مَعْنى "تَجانُفِ الإثْمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَتَناوَلَ مِنهُ بَعْدَ زَوالِ الضَّرُورَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَتَعَرَّضَ لِمَعْصِيَةٍ في مَقْصِدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَن بَغى وخَرَجَ في مَعْصِيَةٍ، حَرُمَ عَلَيْهِ أكْلُهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا أصَحُّ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي اجْتِماعَ تَجانُفِ الإثْمِ مَعَ الِاضْطِرارِ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ في سَفَرِ العاصِي، ولا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى تَناوُلِ الزِّيادَةِ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ، لِأنَّ الِاضْطِرارَ قَدْ زالَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ومَعْنى الآيَةِ: فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَهُ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ، فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، أيْ: مُتَجاوِزٌ عَنْهُ، رَحِيمٌ إذْ أحَلَّ ذَلِكَ لِلْمُضْطَرِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ  ﴾ ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَطِيحَةُ وما أكَلَ السَبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ جاءَتْ إباحَةُ الصَيْدِ عَقِبَ التَشَدُّدِ في حَرَمِ البَشَرِ حَسَنَةً في فَصاحَةِ القَوْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "فاصْطادُوا"؛ صِيغَةُ أمْرٍ؛ ومَعْناهُ الإباحَةُ؛ بِإجْماعٍ مِنَ الناسِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِيغَةِ "اِفْعَلْ"؛ إذا ورَدَتْ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِها بَيانٌ واضِحٌ في أحَدِ المُحْتَمَلاتِ؛ فَقالَ الفُقَهاءُ: هي عَلى الوُجُوبِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: هي عَلى الوَقْفِ حَتّى تُطْلَقَ القَرِينَةُ؛ ولَنْ يُعَرّى أمْرٌ مِن قَرِينَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي عَلى النَدْبِ؛ حَتّى يَدُلَّ الدَلِيلُ؛ وقَوْلُ الفُقَهاءِ أحْوَطُها؛ وقَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ أقْيَسُها؛ وغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ.

ولَفْظَةُ "اِفْعَلْ"؛ قَدْ تَجِيءُ لِلْوُجُوبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ أقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلنَّدْبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ  ﴾ ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلْإباحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فاصْطادُوا  ﴾ ؛ و ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ  ﴾ و ﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ  ﴾ ؛ ويَحْتَمِلُ الِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللهِ أنْ يَكُونَ نَدْبًا؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلْوَعِيدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ ؛ وقَدْ تَجِيءُ لِلتَّعْجِيزِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ كُونُوا حِجارَةً  ﴾ .

وَقَرَأ أبُو واقِدٍ؛ والجَرّاحُ؛ ونُبَيْحٌ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "فِاصْطادُوا"؛ بِكَسْرِ الفاءِ؛ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ ومِن تَوْجِيهِها أنْ يَكُونَ راعى كَسْرَ ألِفِ الوَصْلِ إذا بَدَأْتَ؛ فَقُلْتَ: "اِصْطادُوا"؛ فَكَسَرَ الفاءَ مُراعاةً؛ وتَذَكُّرًا لِكَسْرِ ألِفِ الوَصْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ"؛  ﴾ مَعْناهُ: "وَلا يُكْسِبَنَّكُمْ"؛ و"جَرَمَ الرَجُلُ"؛ مَعْناهُ: "كَسَبَ"؛ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ كَما يَتَعَدّى "كَسَبَ"؛ وفي الحَدِيثِ: "وَتُكْسِبُ المَعْدُومَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أجْرَمَ"؛ بِالألِفِ؛ عَرَّفَهُ: اَلْكَسْبُ في الخَطايا والذُنُوبِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: "جَرَمَ"؛ و"أجْرَمَ"؛ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ أيْ: "كَسَبَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "يَجْرِمَنَّكُمْ"؛ مَعْناهُ: يَحِقُّ لَكُمْ؛ كَما أنَّ ﴿ "لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ"؛  ﴾ مَعْناهُ: "حُقَّ لَهم أنَّ لَهُمُ النارَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "يَجْرِمَنَّكُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَحْمِلَنَّكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تَتَقارَبُ بِالمَعْنى؛ فالتَفْسِيرُ الَّذِي يَخُصُّ اللَفْظَةَ هو مَعْنى الكَسْبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا مَعْناهُ: "كاسِبُ قُوتٍ ناهِضٍ"؛ ويُقالُ: "فُلانٌ جَرِيمَةُ قَوْمِهِ"؛ إذا كانَ الكاسِبَ لَهُمْ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرُهُ: "يُجْرِمَنَّكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ والمَعْنى أيْضًا: "لا يُكْسِبَنَّكُمْ"؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: ولَقَدْ طَعنتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا فَمَعْناهُ: "كَسَبَتْ فَزارَةُ بَعْدَها الغَضَبَ"؛ وقَدْ فُسِّرَ بِغَيْرِ هَذا؛ مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "شَنَآنُ قَوْمٍ"؛  ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "شَنَآنُ"؛ مُتَحَرِّكَةَ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "شَنْآنُ" ساكِنَةَ النُونِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ونافِعٍ ؛ يُقالُ: "شَنَأْتُ الرَجُلَ شَنْئًا"؛ بِفَتْحِ الشِينِ؛ و"شَنَآنًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ و"شَنْآنًا"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ والفَتْحُ أكْثَرُ؛ كُلُّ ذَلِكَ إذا أبْغَضْتَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ ما كانَ مِنَ المَصادِرِ عَلى "فَعَلانٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ لَمْ يَتَعَدَّ فِعْلُهُ إلّا أنْ يَشِذَّ شَيْءٌ كالشَنَآنِ؛ وإنَّما عُدِّيَ "شَنَأْتُ"؛ مِن حَيْثُ كانَ بِمَعْنى "أبْغَضْتُ"؛ كَما عُدِّيَ "اَلرَّفَثُ"؛ بِـ "إلى"؛ مِن حَيْثُ كانَ بِمَعْنى "اَلْإفْضاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَأمّا مَن قَرَأ: "شَنَآنُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ فالأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ - مِن أجْلِ أنْ صَدُّوكم - عُدْوانًا عَلَيْهِمْ؛ وظُلْمًا لَهُمْ"؛ والمَصادِرُ عَلى هَذا الوَزْنِ كَثِيرَةٌ: كَـ "اَلنَّزَوانُ"؛ و"اَلْغَلَيانُ"؛ و"اَلطَّوَفانُ"؛ و"اَلْجَرَيانُ"؛ وغَيْرِهِ؛ ويَحْتَمِلُ "اَلشَّنَآنُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ أنْ يَكُونَ وصْفًا؛ فَيَجِيءَ المَعْنى: "وَلا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ؛ أو بَغْضاءُ قَوْمٍ؛ عُدْوانًا".

ومِمّا جاءَ عَلى هَذا الوَزْنِ صِفَةً قَوْلُهُمْ: "حِمارٌ قَطَوانُ"؛ إذا لَمْ يَكُنْ سَهْلَ السَيْرِ؛ وقَوْلُهُمْ: "عَدْوٌ وصَمانُ"؛ أيْ: ثَقِيلٌ؛ كَعَدْوِ الشَيْخِ؛ ونَحْوِهِ؛ إلى غَيْرِ هَذا؛ مِمّا لَيْسَ في الكَثْرَةِ كالمَصادِرِ؛ ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ: وقَبْلَكَ ما هابَ الرِجالُ ظُلامَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ وفَقَّأْتُ عَيْنَ الأشْوَسِ الأبَيانِ بِفَتْحِ الباءِ؛ وأمّا مَن قَرَأ: "شَنْآنُ"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ عَلى هَذا الوَزْنِ في قَوْلِهِمْ: "لَوَيْتُهُ دَيْنَهُ لَوْيانًا"؛ وقَوْلِ الأحْوَصِ: ..................

∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَنانِ وفَنَّدا إنَّما هو تَخْفِيفٌ مِن "شَنْآنٌ"؛ اَلَّذِي هو مَصْدَرٌ بِسُكُونِ النُونِ؛ لِأنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الساكِنِ؛ هَذا هو التَخْفِيفُ القِياسِيُّ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن زَعَمَ أنَّ "فَعَلانٌ"؛ إذا أُسْكِنَتْ عَيْنُهُ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ وتَحْتَمِلُ القِراءَةُ بِسُكُونِ النُونِ أنْ يَكُونَ وصْفًا؛ فَقَدْ حُكِيَ: "رَجُلٌ شَنْآنُ؛ وامْرَأةٌ شَنْآنَةٌ"؛ وقِياسُ هَذا أنَّهُ مِن فِعْلٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ؛ وقَدْ يُشْتَقُّ مِن لَفْظٍ واحِدٍ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ؛ وفِعْلٌ واقِفٌ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: "وَلا يُكْسِبَنَّكم بَغِيضُ قَوْمٍ؛ أو بَغْضاءُ قَوْمٍ؛ عُدْوانًا"؛ وإذا قُدِّرَتِ اللَفْظَةُ مَصْدَرًا فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ ومِمّا جاءَ وصْفًا عَلى "فَعْلانُ"؛ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "خَمْصانُ"؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "نَدْمانُ"؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِنهُ "رَحْمانُ".

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ حِينَ أرادَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَسْتَطِيلُوا عَلى قُرَيْشٍ؛ وألْفافِها مِنَ القَبائِلِ؛ المُتَظاهِرِينَ عَلى صَدِّ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأصْحابِهِ؛ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ فَحَصَلَتْ بِذَلِكَ بِغْضَةٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ وحَسِيكَةٌ لِلْكُفّارِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ - عامَ الفَتْحِ؛ وهو سَنَةَ ثَمانٍ -: "لا يَحْمِلَنَّكم ذَلِكَ البُغْضُ؛ أو أُولَئِكَ البُغَضاءُ؛ مِن أجْلِ أنْ صَدُّوكُمْ؛ عَلى أنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ إذْ لِلَّهِ فِيهِمْ إرادَةُ خَيْرٍ؛ وفي عِلْمِهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ"؛ كالَّذِي كانَ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَوْمٍ أنَّها نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا صُدَّ المُسْلِمُونَ عَنِ البَيْتِ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ يُرِيدُونَ البَيْتَ؛ فَقالُوا: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صُدِدْنا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ صَدُّوكُمْ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "أنْ صَدُّوكُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ إشارَةً إلى الصَدِّ الَّذِي وقَعَ؛ وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وهي أمْكَنَ في المَعْنى؛ وكَسْرُ الهَمْزَةِ مَعْناهُ: "إنْ وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنْ يَصُدُّوكُمْ"؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو ؛ وابْنِ كَثِيرٍ.

ثُمَّ أمَرَ اللهِ تَعالى الجَمِيعَ بِالتَعاوُنِ عَلى البِرِّ والتَقْوى؛ قالَ قَوْمٌ: هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى؛ وكَرَّرَ بِاخْتِلافِ اللَفْظِ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً؛ إذْ كُلُّ بِرٍّ تَقْوًى؛ وكُلُّ تَقْوًى بِرٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا تَسامُحٌ ما؛ والعُرْفُ في دَلالَةِ هَذَيْنِ اللَفْظَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَناوَلُ الواجِبَ؛ والمَندُوبَ إلَيْهِ؛ والتَقْوى رِعايَةُ الواجِبِ؛ فَإنْ جُعِلَ أحَدُهُما بَدَلَ الآخَرِ فَبِتَجَوُّزٍ؛ ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ التَعاوُنِ عَلى الإثْمِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ الجَرائِمِ؛ وعَنِ العُدْوانِ؛ وهو ظُلْمُ الناسِ؛ ثُمَّ أمَرَ بِالتَقْوى؛ وتَوَعَّدَ تَوَعُّدًا مُجْمَلًا بِشِدَّةِ العِقابِ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ نَهْيًا عَنِ الطَلَبِ بِذُحُولِ الجاهِلِيَّةِ؛ إذْ أرادَ قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَدْ قُتِلَ بِذَلِكَ حَلِيفٌ لِأبِي سُفْيانَ مِن هُذَيْلٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَعْدِيدٌ لِما يُتْلى عَلى الأُمَّةِ مِمّا اسْتُثْنِيَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ والمَيْتَةُ: كُلُّ حَيَوانٍ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ؛ خَرَجَتْ نَفْسُهُ مِن جَسَدِهِ عَلى غَيْرِ طَرِيقِ الذَكاةِ المَشْرُوعِ؛ سِوى الحُوتِ؛ والجَرادِ؛ عَلى أنَّ الجَرادَ قَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن فِعْلٍ فِيها يَجْرِي مُجْرى الذَكاةِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْمَيْتَةُ بِسُكُونِ الياءِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اَلْمَيِّتَةُ"؛ بِالتَشْدِيدِ في الياءِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: "اَلْمَيْتُ"؛ بِسُكُونِ الياءِ: ما قَدْ ماتَ؛ و"اَلْمَيِّتُ"؛ يُقالُ لِما قَدْ ماتَ؛ ولِما لَمْ يَمُتْ وهو حَيٌّ بَعْدُ؛ ولا يُقالُ لَهُ: "مَيْتٌ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ ورَدَّ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ؛ واسْتَشْهَدَ عَلى رَدِّهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَأوَّلَ شاهِدًا عَلَيْهِ؛ لا لَهُ؛ وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ "اِسْتَراحَ"؛ في هَذا البَيْتِ بِمَعْنى "اِكْتَسَبَ رائِحَةً"؛ إذْ قائِلُهُ جاهِلِيٌّ؛ لا يَرى في المَوْتِ راحَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والدَمُ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "اَلْمَسْفُوحُ"؛ لِأنَّهُ بِهَذا تُقُيِّدَ الدَمُ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَيُرَدُّ المُطْلَقُ إلى المُقَيَّدِ؛ وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْلِيلِ الدَمِ المُخالِطِ لِلَحْمٍ؛ وعَلى تَحْلِيلِ الطِحالِ؛ ونَحْوِهِ؛ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَسْتَبِيحُ الدَمَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "لَمْ يُحْرَمْ مَن فُصِدَ لَهُ"؛ و"اَلْعِلْهِزُ": دَمٌ؛ ووَبَرٌ يَأْكُلُونَهُ في الأزَماتِ.

و ﴿ "وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ"؛ ﴾ مُقْتَضٍ لِشَحْمِهِ؛ بِإجْماعٍ؛ واخْتُلِفَ في اسْتِعْمالِ شَعْرِهِ؛ وجِلْدِهِ بَعْدَ الدِباغِ؛ فَأُجِيزَ؛ ومُنِعَ؛ وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الخِنْزِيرِ حَرامٌ بِإجْماعٍ؛ جِلْدًا كانَ أو عَظْمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ﴾ ؛ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى؛ وقُصِدَ بِهِ صَنَمٌ؛ أو بَشَرٌ مِنَ الناسِ؛ كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ؛ وكَذَلِكَ النَصارى؛ وعادَةُ الذابِحِ أنْ يُسَمِّيَ مَقْصُودَهُ ويَصِيحَ بِهِ؛ فَذَلِكَ إهْلالُهُ؛ ومِنهُ اسْتِهْلالُ المَوْلُودِ إذا صاحَ عِنْدَ الوِلادَةِ؛ ومِنهُ إهْلالُ الهِلالِ؛ أيْ: اَلصِّياحُ بِأمْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ؛ ومِنَ الإهْلالِ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما يُهِلُّ الراكِبُ المُعْتَمِرْ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والمُنْخَنِقَةُ"؛ ﴾ مَعْناهُ: اَلَّتِي تَمُوتُ خَنْقًا؛ وهو حَبْسُ النَفَسِ؛ سَواءٌ فَعَلَ بِها ذَلِكَ آدَمِيٌّ؛ أوِ اتَّفَقَ لَها ذَلِكَ في حَجَرٍ؛ أو شَجَرَةٍ؛ أو بِحَبَلٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وهَذا بِإجْماعٍ؛ وقَدْ ذَكَرَ قَتادَةُ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَخْنُقُونَ الشاةَ وغَيْرَها؛ فَإذا ماتَتْ أكَلُوها؛ وذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و ﴿ "والمَوْقُوذَةُ": ﴾ اَلَّتِي تُرْمى أو تُضْرَبُ بِعَصًا؛ أو بِحَجَرٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وكَأنَّها الَّتِي تُحْذَفُ بِهِ؛ وقالَ الفَرَزْدَقُ: شَغّارَةٌ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ فَطّارَةٌ لِقَوادِمِ الأبْكارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "اَلْمَوْقُوذَةُ": اَلَّتِي تُضْرَبُ بِالخَشَبِ حَتّى يُوقِذَها فَتَمُوتَ؛ وقالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويَأْكُلُونَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُعاوِيَةَ: "وَأمّا ابْنُ عُمَرَ فَرَجُلٌ قَدْ وقَذَهُ الوَرَعُ؛ وكَفى أمْرَهُ ونَزْوَتَهُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "كانُوا يَضْرِبُونَ الأنْعامَ بِالخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ - حَتّى يَقْتُلُوها - فَيَأْكُلُونَها"؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللهِ الصُنابِحِيُّ: "لَيْسَ المَوْقُوذَةُ إلّا في مالِكَ ؛ ولَيْسَ في الصَيْدِ وقِيذٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهاءِ في الصَيْدِ ما حُكْمُهُ حُكْمُ الوَقِيذِ؛ وهو نَصٌّ في قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في المِعْراضِ: « "وَإذا أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ".» وَ ﴿ "والمُتَرَدِّيَةُ": ﴾ هي الَّتِي تَتَرَدّى مِنَ العُلُوِّ؛ إلى السُفْلِ؛ فَتَمُوتُ؛ كانَ ذَلِكَ مِن جَبَلٍ؛ أو في بِئْرٍ؛ ونَحْوِهِما؛ هي "مُتَفَعِّلَةٌ"؛ مِن "اَلرَّدى"؛ وهو الهَلاكُ؛ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَأْكُلُ المُتَرَدِّيَ؛ ولَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ مِيتَةَ إلّا ما ماتَ بِالوَجَعِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ دُونَ سَبَبٍ يُعْرَفُ؛ فَأمّا هَذِهِ الأسْبابُ فَكانَتْ عِنْدَها كالذَكاةِ؛ فَحَصَرَ الشَرْعُ الذَكاةَ في صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ وبَقِيَتْ هَذِهِ كُلُّها مَيْتَةً.

و ﴿ "والنَطِيحَةُ": ﴾ "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مُفْعُولَةٌ"؛ وهي الشاةُ تَنْطَحُها أُخْرى؛ أو غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَتَمُوتُ؛ وتَأوَّلَ قَوْمٌ "اَلنَّطِيحَةُ"؛ بِمَعْنى "اَلنّاطِحَةُ"؛ لِأنَّ الشاتَيْنِ قَدْ تَتَناطَحانِ فَتَمُوتانِ؛ وقالَ قَوْمٌ: لَوْ ذَكَرَ الشاةَ لَقِيلَ: "والشاةُ النَطِيحُ"؛ كَما يُقالُ: "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ فَلَمّا لَمْ تُذْكَرْ أُلْحِقَتِ الهاءُ لِئَلّا يُشَكَلَ الأمْرُ: أمُذَكَّرًا يُرِيدُ أمْ مُؤَنَّثًا؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلنَّطِيحَةُ: اَلشّاةُ تُناطِحُ الشاةَ؛ فَتَمُوتانِ؛ أوِ الشاةُ تَنْطَحُها البَقَرُ والغَنَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ ما ماتَ ضَغْطًا فَهو نَطِيحٌ؛ وقَرَأ أبُو مَيْسَرَةَ: "والمَنطُوحَةُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أكَلَ السَبُعُ ﴾ ؛ يُرِيدُ كُلَّ ما افْتَرَسَهُ ذُو نابٍ؛ وأظْفارٍ مِنَ الحَيَوانِ؛ كالأسَدِ؛ والنَمِرِ؛ والثَعْلَبِ؛ والذِئْبِ؛ والضَبْعِ؛ ونَحْوِهِ؛ هَذِهِ كُلُّها سِباعٌ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يُوقِفُ اسْمَ السَبُعِ عَلى الأسَدِ؛ وكانَ العَرَبُ إذا أخَذَ السَبُعُ شاةً فَقَتَلَها؛ ثُمَّ خَلَصَتْ مِنهُ أكَلُوها؛ وكَذَلِكَ إنْ أكَلَ بَعْضَها؛ قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "وَما أكَلَ السَبْعُ"؛ بِسُكُونِ الباءِ؛ وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ؛ وقَرَأ بِذَلِكَ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَأكِيلَةُ السَبُعِ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: "وَأكِيلُ السَبُعِ".

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطاوُسٌ ؛ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: اَلِاسْتِثْناءُ هو مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ فَما أُدْرِكَ مِنها يَطْرِفُ بِعَيْنٍ؛ أو يَمْصَعُ بِرِجْلٍ؛ أو يُحَرِّكُ ذَنَبًا؛ وبِالجُمْلَةِ ما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَمْ تَفِضْ نَفْسُهُ؛ بَلْ لَهُ حَياةٌ؛ فَإنَّهُ يُذَكّى عَلى سُنَّةِ الذَكاةِ؛ ويُؤْكَلُ؛ وما فاضَتْ نَفْسُهُ فَهو في حُكْمِ المَيْتَةِ بِالوَجَعِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - مَرَّةً بِهَذا القَوْلِ؛ وقالَ أيْضًا - وهو المَشْهُورُ عنهُ؛ وعن أصْحابِهِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "إلا ما ذَكَّيْتُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ في وقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ ذَكاتُها؛ وهو ما لَمْ تَنْفُذْ مُقاتِلُها؛ ويَتَحَقَّقْ أنَّها لا تَعِيشُ؛ ومَتى صارَتْ في هَذا الحَدِّ فَهي في حُكْمِ المَيْتَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ مُتَّصِلٌ؛ وفي قَوْلِ مالِكٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: "لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ مِمّا تَجُوزُ تَذْكِيَتُهُ فَكُلُوهُ"؛ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى: "إلّا ما ذَكَّيْتُمْ مِن غَيْرِ هَذِهِ فَكُلُوهُ"؛ وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ؛ بَلْ الِاسْتِثْناءُ عَلى قَوْلِ مالِكٍ مُتَّصِلٌ؛ لَكِنَّهُ يُخالِفُ في الحالِ الَّتِي تَصِحُّ فِيها ذَكاةُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ عِنْدَ مالِكٍ مِنَ التَحْرِيمِ؛ لا مِنَ المُحَرَّماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ؛ وحِينَئِذٍ يَلْتَئِمُ المَعْنى.

والذَكاةُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلذَّبْحُ؛ قالَهُ ثَعْلَبٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: « "ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا إنَّما هو حَدِيثُ.

و"ذَكّى الحَيَوانَ": ذَبَحَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يُذَكِّيها الأسَلْ وَمِمّا احْتَجَّ بِهِ المالِكِيُّونَ لِقَوْلِ مالِكٍ: "إنَّ ما تُيُقِّنَ أنَّهُ يَمُوتُ مِن هَذِهِ الحَوادِثِ فَهو في حُكْمِ المَيْتَةِ"؛ أنَّهُ لَوْ لَمْ تُحَرَّمْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ مَوْتُها إلّا بِأنْ تَمُوتَ؛ لَكانَ ذِكْرُ المَيْتَةِ أوَّلًا يُغْنِي عنها؛ فَمِن حُجَّةِ المُخالِفِ أنْ قالَ: إنَّما ذُكِرَتْ بِسَبَبِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ كالذَكاةِ؛ فَلَوْ لَمْ يُذْكُرْ لَها غَيْرُ المَيْتَةِ لَظَنَّتْ أنَّها مِيتَةُ الوَجَعِ؛ حَسْبَما كانَتْ هي عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ .

استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ [المائدة: 1]، فهو بيان لما ليس بحلال من الأنعام.

ومعنى تحريم هذه المذكورات تحريم أكلها، لأنَّه المقصود من مجموع هذه المذكورات هنا.

وهي أحوال من أحوال الأنعام تقتضي تحريم أكلها.

وأدمج فيها نوع من الحيوان ليس من أنواع الأنعام وهو الخنزير، لاستيعاب محرّمات الحيوان.

وهذا الاستيعاب دليل لإباحة ما سوى ذلك، إلاّ ما ورد في السنّة من تحريم الحُمُر الأهلية، على اختلاف بين العلماء في معنى تحريمها، والظاهر أنَّه تحريم منظور فيه إلى حالة لا إلى الصنف.

وألحَق مالك بها الخيلَ والبغال قياساً، وهو من قياس الأدْون، ولقول الله تعالى إذ ذكرها في معرض الامتنان ﴿ الخيلَ والبغالَ والحمير لتركبوها وزينة ﴾ [النحل: 8].

وهو قول أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه، وهو استدلال لا يعرف له نظير في الأدلّة الفقهية.

وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: يَجوز أكل الخيل.

وثبت في الصحيح، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ذبحنا فرساً على عهد رسول الله فأكلناه.

ولم يُذكر أنّ ذلك منسوخ.

وعن جابر بن عبد الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر ورخَّص في لحوم الخيل.

وأمّا الحُمُر الأهلية فقد ورد في الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها في غزوة خيبر.

فقيل: لأنّ الحُمر كانت حَمولتهم في تلك الغَزاة.

وقيل: نهى عنها أبداً.

وقال ابن عباس بإباحتها.

فليس لتحريم هذه الثلاثة على الإطلاق وجه بيّن من الفقه ولا من السنّة.

والميْتة الحيوان الذي زالت منه الحياة، والموتُ حالة معروفة تنشأ عن وقوف حركة الدم باختلال عمل أحد الأعضاء الرئيسية أو كلّها.

وعلَّة تحريمها أنّ الموت ينشأ عن علل يكون معظمها مضرّاً بسبب العدوى، وتمييز ما يُعدي عن غيره عسير، ولأنّ الحيوان الميّت لا يُدرى غالباً مقدار ما مضى عليه في حالة الموت، فربَّما مضت مدّة تستحيل معها منافع لحمه ودمه مضارّ، فنيط الحكم بغالب الأحوال وأضبطها.

والدم هنا هو الدم المُهراق، أي المسفوح، وهو الذي يمكن سيلانه كما صرّح به في آية الأنعام (145)، حَملاً لمطلققِ هذه الآية على مقيّد آية الأنعام، وهو الذي يخرج من عروق جسد الحيوان بسبب قطع العِرق وما عليه من الجِلد، وهو سائل لزج أحمر اللون متفاوت الحمرة باختلاف السنّ واختلاف أصناف العروق.

والظاهر أنّ علّة تحريمه القذارة: لأنّه يكتسب رائحة كريهة عند لقائه الهواءَ، ولذلك قال كثير من الفقهاء بنجاسة عينه، ولا تعرّض في الآية لذلك، أو لأنَّه يحمل ما في جسد الحيوان من الأجزاء المضرّة التي لا يحاط بمعرفتها، أو لما يحدثه تعوّد شرب الدم من الضراوة التي تعود على الخُلق الإنساني بالفساد.

وقد كانت العرب تأكل الدم، فكانوا في المجاعات يفصدون من إبلهم ويخلطون الدم بالوَبَر ويأكلونه، ويسمّونه العِلْهِز بكسر العين والهاء.

وكانوا يملأون المَصير بالدم ويشوونها ويأكلونها، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنَّما حرّم عليكم الميتة والدم ﴾ في سورة البقرة (173).

وإنَّما قال: ولحمَ الخنزير } ولم يقل والخنزير كما قال: ﴿ وما أهلّ لغير الله به ﴾ إلى آخر المعطوفات.

ولم يذكر تحريم الخنزير في جميع آيات القرآن إلاّ بإضافة لفظ لحم إلى الخنزير.

ولم يأت المفسّرون في توجيه ذلك بوجه ينثلج له الصدر.

وقد بيّنا ذلك في نظير هذه الجملة من سورة البقرة (173).

ويبدو لي أنّ إضافة لفظ لحم إلى الخنزير للإيماء إلى أنّ المحرّم أكل لحمه لأنّ اللحم إذا ذكر له حكم فإنَّما يراد به أكله.

وهذا إيماء إلى أنّ ما عدا أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه هو فيها كسائر الحيوان في طهارة شعره، إذا انتزع منه في حياته بالجزّ، وطهارة عرقه وطهارة جلده بالدبغ، إذا اعتبرنا الدبغ مطهّراً جلد الميتة، اعتباراً بأنّ الدبغ كالذكاة.

وقد روي القول بطهارة جلد الخنزير بالدبغ عن داود الظاهري وأبي يوسف أخذاً بعموم قوله صلى الله عليه وسلم «أيما إهاب دبغ فقد طهر» رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس.

وعلّة تحريم الخنزير أنّ لحمه يشتمل على جراثيم مضرّة لا تقتلها حرارة النار عند الطبخ، فإذا وصلت إلى دم آكله عاشت في الدم فأحدثت أضراراً عظيمة، منها مرض الديدان التي في المعدة.

﴿ وما أهلّ لغير الله به ﴾ هو ما سُمّي عليه عند الذبح اسمُ غير الله.

والإهلالُ: الجهر بالصوتتِ ومنه الإهلال بالحجّ، وهو التلبية الدالّة على الدخول في الحجّ، ومنه استهلّ الصبي صارخاً.

قيل: ذلك مشتقّ من اسم الهلال، لأنّ العرب كانوا إذا رأوا هلال أوّل ليلة من الشهر رفعوا أصواتهم بذلك ليَعلم الناس ابتداءَ الشهر، ويحتمل عندي أن يكون اسم الهلال قد اشتقّ من جَهر الناس بالصوت عند رؤيته.

وكانوا إذا ذبحوا القرابين للأصنام نادَوا عليها باسم الصنم، فقالوا: باسم اللاّت، باسم العُزّى.

﴿ والمنخنقة ﴾ هي التي عرض لها ما يخنقها.

والخَنْق: سَدّ مجاري النفَس بالضغط على الحلق، أو بسدّه، وقد كانوا يربطون الدابّة عند خشبة فربما تخبّطت فانخنقت ولم يشعروا بها، ولم يكونوا يخنقونها عند إرادة قتلها.

ولذلك قيل هنا: المنخنقة، ولم يقل المخنوقة بخلاف قوله ﴿ والموقوذة ﴾ ، فهذا مراد ابن عباس بقوله: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها.

وحكمة تحريم المنخنقة أنّ الموت بانحباس النفس يفسد الدم باحتباس الحوامض الفحمية الكائنة فيه فتصير أجزاء اللحم المشتمل على الدم مضرّة لآكله.

﴿ والموقوذة ﴾ : المضروبة بحجر أو عصا ضرباً تموت به دون إهراق الدم، وهو اسم مفعول من وقَذ إذا ضرب ضرباً مثخِناً.

وتأنيث هذا الوصف لتأويله بأنَّه وصف بهيمة.

وحكمة تحريمها تُماثل حكمة تحريم المنخنقة.

﴿ والمتردّية ﴾ : هي التي سقطت من جَبَل أو سقطت في بئر تردّياً تموت به، والحكمة واحدة.

﴿ والنطيحة ﴾ فعيلة بمعنى مَفعولة.

والنطح ضربُ الحيوان ذي القرنين بقَرنيه حيواناً آخر.

والمراد التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت.

وتأنيث النطيحة مثل تأنيث المنخنقة، وظهرت علامة التأنيث في هذه الأوصاف وهي من باب فَعيل بمعنى مفعول لأنَّها لم تجر على موصوف مذكور فصارت بمنزلة الأسماء.

﴿ وما أكل السبع ﴾ : أي بهيمة أكَلَها السبع، والسبع كلّ حيوان يفترس الحيوان كالأسد والنمر والضبع والذئب والثعلب، فحرّم على الناس كلّ ما قتله السبع، لأنّ أكيلة السبع تموت بغير سفح الدم غالباً بل بالضرب على المقاتل.

وقوله: ﴿ إلاّ ما ذكّيتم ﴾ استثناء من جميع المذكور قبله من قوله: ﴿ حرّمت عليكم الميتة ﴾ ؛ لأنّ الاستثناء الواقع بعد أشياء يصلح لأن يكون هو بعضها، يرجع إلى جميعها عند الجمهور، ولا يرجع إلى الأخيرة إلاّ عند أبي حنيفة والإمام الرازي، والمذكورات قبلُ بعضها محرّمات لذاتها وبعضها محرّمات لصفاتها.

وحيث كان المستثنى حالاً لا ذاتاً، لأنّ الذكاة حالة، تعيَّن رجوع الاستثناء لِما عدا لحمَ الخنزير، إذ لا معنى لتحريم لحمه إذا لم يُذكّ وتحليلِه إذا ذكِّي، لأنّ هذا حكم جميع الحيوان عند قصد أكله.

ثم إنّ الذكاة حالة تقصد لقتل الحيوان فلا تتعلّق بالحيوان الميّت، فعُلِم عدم رجوع الاستثناء إلى الميْتة لأنَّه عبث، وكذلك إنَّما تتعلّق الذكاة بما فيه حياة فلا معنى لتعلّقها بالدم، وكذا ما أهِلّ لغير الله به، لأنهم يهلّون به عند الذكاة، فلا معنى لتعلّق الذكاة بتحليله، فتعيّن أنّ المقصود بالاستثناء: المنخنقة، والموقوذة، والتمردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، فإنّ هذه المذكورات تعلّقت بها أحوال تفضي بها إلى الهلاك، فإذا هلكت بتلك الأحوال لم يُبح أكلها لأنّها حينئذٍ ميْتة، وإذا تداركوها بالذكاة قبل الفوات أبيح أكلها.

والمقصود أنّها إذا ألحقت الذكاة بها في حالة هي فيها حيّة.

وهذا البيان ينبّه إلى وجه الحصر في قوله تعالى: ﴿ قل لا أجدُ فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنَّه رجْس أو فسقاً أهلّ لغير الله به ﴾ [الأنعام: 145].

فذكر أربعة لا تعمل الذكاة فيها شيئاً ولم يذكرالمنخنقة والموقوذة وما عطف عليها هنا، لأنّها تحرُم في حال اتّصال الموت بالسبب لا مطلقاً.

فعَضّوا على هذا بالنواجذ.

وللفقهاء في ضبط الحالة التي تعمل فيها الذكاة في هاته الخمس عبارات مختلفة: فالجمهور ذهبوا إلى تحديدها بأن يبقى في الحيوان رمق وعلامةُ حياة، قبل الذبح أو النحر، من تحريك عضو أو عين أو فم تحريكاً يدلّ على الحياة عرفاً، وليس هو تحريك انطلاق الموت.

وهذا قول مالك في «الموطّأ»، ورواية جمهور أصحابه عنه.

وعن مالك: أنّ المذكورات إذا بلغت مبلغاً أنْفِذَتْ معه مقاتلها، بحيث لا ترجى حياتها لو تركت بلا ذكاة، لا تصحّ ذكاتها، فإن لم تنفذ مقاتلها عملت فيها الذكاة.

وهذه رواية ابن القاسم عن مالك، وهو أحد قولي الشافعي.

ومن الفقهاء من قالوا: إنَّما ينظر عند الذبح أحيَّة هي أم ميّتة، ولا ينظر إلى حالة هل يعيش مثلها لو تركت دون ذبح.

وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك، واختاره ابن حبيب، وأحد قولين للشافعي.

ونفس الاستثناء الواقع في الآية يدلّ على أنّ الله رخّص في حالة هي محلّ توقّف في إعمال الذكاة، أمَّا إذا لم تُنْفَذ المقاتل فلا يخفى على أحد أنّه يباح الأكل، إذ هو حينئذٍ حيوان مرضوض أو مجروح، فلا يحتاج إلى الإعلام بإباحة أكله بذكاة، إلاّ أنّ يقال: إنّ الاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن، أي لكن كلوا ما ذكّيتم دون المذكورات، وهو بعيد.

ومن العلماء من جعل الاستثناء من قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ على رأي من يجعل الاستثناء للأخيرة، ولا وجه له إلاّ أن يكون ناظراً إلى غلبة هذا الصنف بين العرب، فقد كانت السباع والذئاب تنتابهم كثيراً، ويكثر أن يلحقوها فتترك أكيلتها فيدْركوها بالذكاة.

﴿ وما ذُبح على النُصب ﴾ هو ما كانوا يذبحونه من القرابين والنُشُرات فوق الأنصاب.

والنُصُب بضمّتين الحجر المنصوب، فهو مفرد مراد به الجنس، وقيل: هو جمع وواحده نِصاب، ويقال: نَصْب بفتح فسكون ﴿ كأنّهم إلى نَصْب يوفضون ﴾ [المعارج: 43].

وهو قد يطلق بما يرادف الصنم، وقد يخصّ الصنم بما كانت له صورة، والنصُب بما كان صخرة غير مصوّرة، مثل ذي الخَلصة ومثل سَعْد.

والأصحّ أنّ النصب هو حجارة غير مقصود منها أنَّها تمثال للآلهة، بل هي موضوعة لأنّ تذبح عليها القرابين والنسائك التي يتقرّب بها للآلهة وللجنّ، فإنّ الأصنام كانت معدودة ولها أسماء وكانت في مواضع معيّنة تقصد للتقرّب.

وأمّا الأنصاب فلم تكن معدودة ولا كانت لها أسماء وإنَّما كانوا يتّخذها كلّ حَيّ يتقرّبون عندها، فقد روى أيمَّة أخبار العرب: أنّ العرب كانوا يعظّمون الكعبة، وهم ولد إسماعيل، فلمّا تفرّق بعضهم وخرجوا من مكة عظم عليهم فراق الكعبة فقالوا: الكعبةُ حجر، فنحن ننصب في أحيائنا حجارة تكون لنا بمنزلة الكعبة، فنصبوا هذه الأنصاب، وربما طافوا حولها، ولذلك يسمّونها الدّوار بضمّ الدال المشدّدة وبتشديد الواو ويذبحون عليها الدماء المتقرّب بها في دينهم.

وكانوا يطلبون لذلك أحسن الحجارة.

وعن أبي رجاء العطاردي في «صحيح البخاري»: كنّا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً خيراً منه ألقينا الأوّل وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً (أي في بلاد الرمل) جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ليصير نظير الحجر ثمّ طفنا به.

فالنصب: حجارة أعدّت للذبح وللطواف على اختلاف عقائد القبائل: مِثل حجر الغَبْغَببِ الذي كان حول العُزّى.

وكانوا يذبحون على الأنصاب ويشرّحون اللحم ويشوونه، فيأكلون بعضه ويتركون بعضاً للسدنة، قال الأعشى، يذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته التي صنعها في مدحه: وذا النُصُبَ المَنْصُوب لا تَنْسُكَنَّه *** وقال زيد بن عَمْرو بن نفيل للنبيء صلى الله عليه وسلم قبلَ البعثة، وقد عرض عليه الرسولُ سُفرة ليَأكل معه في عكاظ: ﴿ إنّي لا آكل ممّا تذبَحُون على أنصابكم ﴾ .

وفي حديث فتح مكَّة: كان حول البيت ثلاثمائة ونيّف وستّون نصباً، وكانوا إذا ذبحوا عليها رشّوها بالدم ورشّوا الكعبة بدمائهم.

وقد كان في الشرائع القديمة تخصيص صخور لذبح القرابين عليها، تمييزاً بين ما ذُبِح تديّناً وبين ما ذبح للأكل، فمن ذلك صخرة بيت المقدس، قيل: إنَّها من عهد إبراهيم وتحتها جبّ يعبّر عنها ببئر الأرواح، لأنَّها تسقط فيها الدماء، والدمُ يسمّى رُوحاً.

ومن ذلك فيما قيل: الحجر الأسود كان على الأرض ثم بناه إبراهيم في جدر الكعبة.

ومنها حجر المقام، في قول بعضهم.

فلما اختلطت العقائد في الجاهلية جعلوا هذه المذابح لذبح القرابين المتقرّب بها للآلهة وللجنّ.

وفي «البخاري» عن ابن عباس: النصُب: أنصاب يذبحون عليها.

قلت: ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ بحرف (على)، ولم يقل وما ذبح للنُصب لأنّ الذبيحة تقصد للأصنام والجنّ، وتذبح على الأنصاب، فصارت الأنصاب من شعائر الشرك.

ووجه عطف ﴿ وما ذُبح على النصب ﴾ على المحرّمات المذكورة هنا، مع أنّ هذه السورة نزلت بعد أن مضت سنين كثيرة على الإسلام وقد هجر المسلمون عبادة الأصنام، أنّ في المسلمين كثيرين كانوا قريبي عهد بالدخول في الإسلام، وهم وإن كانوا يعلمون بطلان عبادة الأصنام، أوّل ما يعلمونه من عقيدة الإسلام، فقد كانوا مع ذلك مدّةَ الجاهلية لا يختصّ الذبحُ على النصُب عندهم بذبائح الأصنام خاصّة، بل يكون في ذبائح الجنّ ونحوها من النُشُرات وذبائح دفع الأمراض ودفع التابعة عن ولدانهم، فقالوا: كانوا يستدفعون بذلك عن أنفسهم البرص والجذام ومسّ الجن، وبخاصّة الصبيان، ألا ترى إلى ما ورد في كتب السيرة: أنّ الطفيل بن عَمرو الدوْسي لمّا أسلم قبل الهجرة ورجع إلى قومه ودعَا امرأته إلى الإسلام قالت له: أتخشى على الصبية من ذي الشَّرَى (صَنَممِ دوس).

فقال: لا، أنا ضامن، فأسلمتْ، ونحو ذلك، فقد يكون منهم من استمرّ على ذبح بعض الذبائح على الأنصاب التي في قبائلهم على نيّة التداوي والانتشار، فأراد الله تنبيههم وتأكيد تحريم ذلك وإشاعته.

ولذلك ذِكر في صدر هذه السورة وفي آخرها عند قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجس من عمل الشيطان ﴾ [المائدة: 90] الآيات.

﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام ذلكم فِسْقٌ ﴾ .

الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات، فلا جرم أنّ هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله، وهي المحرّم أكلها.

فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام، وهو لحم جزور الميسر لأنّه حاصل بالمقامرة، فتكون السين والتاء في ﴿ تستقسموا ﴾ مزيدتين كما هما في قولهم: استجاب واستراب.

والمعنى: وأن تقسموا اللحم بالأزلام.

ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلّبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله: هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضرّ؟.

وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مراداً من النهي أيضاً، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه، فتكون إرادته إدماجاً وتكون السين والتاء للطلب، أي طلب القِسم.

وطلب القِسم بالكسر أي الحظّ من خير أو ضدّه، أي طلب معرفته.

كان العرب، كغيرهم من المعاصرين، مولَعين بمعرفة الاطِّلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة، وكانوا يتوهّمون بأنّ الأصنام والجنّ يعلمون تلك المغيّبات فسوّلت سدنة الأصنام لهم طريقة يُموّهون عليهم بها فجعلوا أزلاماً.

والأزلام جمع زَلَم بفتحتين ويقال له: قدح بكسر القاف وسكون الدال وهو عود سهم لا حديدة فيه.

وكيفية استقسام الميسر: المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه، وتلك عشرة سهام تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ الآية في سورة البقرة (219).

وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما استقسمتم عليه بالأزلام، فغيّر الأسلوب وعُدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام } ، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما، وذلك إدماج بديع.

وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح: أحدها مكتوب عليه «أمرني ربّي»، وربما كتبوا عليه «افْعَلْ» ويسمّونه الآمر.

والآخرُ: مكتوب عليه «نَهاني ربّي»، أو «لا تَفْعَلْ» ويسمّونه الناهي.

والثالث: غُفْل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف أي متروك بدون كتابة.

فإذا أراد أحدهم سَفراً أو عملاً لا يدري أيكون نافعاً أم ضارّاً، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلامَ، فإذا خرج الذي عليه كتابة، فعلوا ما رَسَم لهم، وإذا خرج الغُفْل أعادوا الإجالة.

ولمّا أراد امرؤُ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حُجْر، استقسم بالأزلام عند ذي الخَلَصة، صنم خَثْعَم، فخرج له الناهي فكسر القِداح وقال: لو كنتَ ياذا الخَلَص الموتورا *** مِثْلي وكان شيخُك المقبورا لم تَنْهَ عن قَتْللِ العُداة زُورا *** وقد ورد، في حديث فتح مكة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال: " كذَبوا والله إننِ استقسمَ بها قطّ " وهم قد اختلقوا تلك الصورة، أو توهّموها لذلك، تنويهاً بشأن الاستقسام بالأزلام، وتضليلاً للناس الذين يجهلون.

وكانت لهم أزلام أخرى عند كلّ كاهن من كهانهم، ومن حكّامهم، وكان مِنها عند (هُبَل) في الكعبة سبعة قد كتبوا على كلّ واحد شيئاً من أهمّ ما يَعْرِض لهم في شؤونهم، كتبوا على أحدها العقل في الديَة، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم؛ وأزلام لإثبات النسب، مكتوب على واحد «منكم»، وعلى واحد «من غَيْركم»، وفي آخر «مُلْصَق».

وكانت لهم أزلام لإعطاء الحقّ في المياه إذا تنازعوا فيها.

وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النَّذْر الذي نذره أن يَذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له: أرض الآلهة فزاد عشرة حتّى بلغ مائة من الإبل فخرج الزّلم على الإبل فنحرها.

وكان الرجل قد يتّخذ أزلاماً لنفسه، كما ورد في حديث الهجرة «أنّ سُراقة ابنَ مالك لمّا لحق النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم بالأزلام فخرج له ما يكره».

والإشارة في قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ راجعة إلى المصدر وهو ﴿ أن تستقسموا ﴾ .

وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتّى يقع الحكم على متميّز معيّن.

والفسق: الخروج عن الدين، وعن الخير، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وما يضلّ به إلاّ الفاسقين ﴾ في سورة البقرة (26).

وجعل الله الاستقسام فسقاً لأنّ منه ما هو مقامرة، وفيه ما هو من شرائع الشرك، لتطلّب المسبّبات من غير أسبابها، إذ ليس الاستقسام سبباً عاديّاً مضبوطاً، ولا سبباً شرعيّاً، فتمحّض لأن يكون افتراء، مع أنّ ما فيه من توهّم الناس إيّاه كاشفاً عن مراد الله بهم، من الكذب على الله، لأنّ الله نصب لمعرفة المسبّبات أسباباً عقليّة: هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل، أو من أدلّته، كالتجربة، وجعل أسباباً لا تعرف سببيتها إلاّ بتوقيف منه على لسان الرّسل: كجعل الزوال سبباً للصّلاة.

وما عدا ذلك كذب وبهتان، فمن أجل ذلك كان فسقاً، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادّعاء معرفة الغيوب.

وليس من ذلك تعرّف المسبّبات من أسبابها كتعرّف نزول المطر من السحاب، وترقّب خروج الفرخ من البيضة بانقضاء مدّة الحضانة، وفي الحديث إذا نشأت بَحْرِيَّة ثم تشاءَمَتْ فتلكَ عين غُدَيْقَة أي سحابة من جهة بحرهم، ومعنى عين أنها كثيرة المطر.

وأمَّا أزلام الميسر، فهي فسْق، لأنَّها من أكل المال بالباطل.

اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون}.

جملة وقعت معترضة بين آية المحرّمات المتقدّمة، وبين آية الرخصة الآتِيَة: وهي قوله: ﴿ فمن اضطرّ في مخمصة ﴾ لأنّ اقتران الآية بفاء الفريع يقضي باتّصالها بما تقدّمها.

ولا يصلح للاتّصال بها إلاّ قوله: ﴿ حرّمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمناسبة في هذا الاعتراض: هي أنّ الله لمّا حرّم أموراً كان فعلها من جملة دين الشرك، وهي ما أهِلّ لغير الله به، وما ذبح على النصب، وتحريم الاستقسام بالأزلام، وكان في كثير منها تضييق عليهم بمفارقة معتادهم، والتقليل من أقواتهم، أعقب هذه الشدّة بإيناسهم بتذكير أنّ هذا كلّه إكمال لدينهم، وإخراج لهم من أحوال ضلال الجاهلية، وأنَّهم كما أُيِّدوا بدين عظيم سَمْح فيه صلاحهم، فعليهم أن يقبلوا ما فيه من الشدّة الراجعة إلى إصلاحهم: فالبعض مصلحته راجعة إلى المنافع البدنية، والبعض مصلحتهُ راجعة إلى الترفّع عن حَضِيض الكفر: وهو ما أهلّ به لِغير الله، وما ذُبح على النُصُب.

والاستقسامُ بالأزلام أذكرهم بفوزهم على من يناويهم، وبمحاسن دينهم وإكماله، فإنّ من إكمال الإصلاح إجرَاء الشدّة عند الاقتضاء.

وذُكّروا بالنعمة، على عادة القرآن في تعقيب الشدّة باللين.

وكان المشركون، زماناً، إذا سمعوا أحكام الإسلام رجَوا أن تثقل على المسلمين فيرتدّوا عن الدّين، ويرجعوا إلى الشرك، كما قال المنافقون ﴿ لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتّى يَنْفَضّوا ﴾ [المنافقون: 7].

فلمّا نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية: بشارة للمؤمنين، ونكاية بالمشركين.

وقد روي: أنَّها نزلت يوم فتح مكة، كما رواه الطبري عن مجاهد، والقرطبي عن الضحّاك.

وقيل: نزلت يوم عرفة في حجّة الوداع مع الآية التي ستأتي عقبها.

وهْو ما رواه الطبري عن ابن زيد وجمع، ونسبه ابن عطِيّة إلى عمر بن الخطاب وهو الأصحّ.

ف ﴿ اليوم ﴾ يجوز أن يُراد به اليوم الحاضر، وهو يوم نزول الآية، وهو إن أريد به يوم فتح مكة، فلا جرم أنّ ذلك اليوم كان أبهج أيّام الإسلام، وظهر فيه من قوّة الدين، بين ظهراني من بقي على الشرك، ما أيْأسَهم من تقهقر أمر الإسلام، ولا شكّ أنّ قلوب جميع العرب كانت متعلّقة بمكة وموسم الحجّ ومناسكه: التي كانت فيها حياتهم الاجتماعية والتجارية والدينية والأدبية، وقوام شؤونهم، وتعارفهم، وفصل نزاعهم، فلا جرم أن يكون انفراد المسلمين بتلك المواطن قاطعاً لبقية آمالهم: من بقاء دين الشرك، ومن محاولة الفتّ في عضد الإسلام.

فذلك اليوم على الحقيقة: يوم تمام اليأس وانقطاع الرجاء، وقد كانوا قبل ذلك يعاودهم الرجاء تارة.

فقد قال أبو سفيان يوم أحد «أعْلُ هُبَل وقال لنا العُزّى ولا عُزّى لكم».

وقال صفوان بن أمية أو أخوه، يوم هوازن، حين انكشف المسلمون وظنّها هزيمة للمسلمين: «ألا بطل السحر اليوم».

وكان نزول هذه الآية يوم حجّة الوداع مع الآية التي بعدها، كما يؤيّده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يومئذٍ في قول كثير من أصحاب السير " أيها الناس إنّ الشيطان قد يَئِس أن يُعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك فيما تَحْقرون من أعمالكم فاحذروه على أنفسكم " و ﴿ اليوم ﴾ يجوز أن يراد به يوم معين، جدير بالامتنان بزمانه، ويجوز أن يجعل (اليومَ) بمعنى الآن، أي زمان الحال، الصادق بطائفة من الزمان، رَسخ اليأس، في خلالها، في قلوب أهل الشرك بعد أن خامر نفوسهم التردّد في ذلك، فإنّ العرب يطلقون (اليوم) على زمن الحال، (والأمس) على الماضي، و(الغَد) على المستقبل.

قال زهير: وأعْلَمُ عِلم اليوممِ والأمسسِ قبلَه *** ولكِنَّنِي عن عِلممِ مَا في غد عَمِي يريد باليوم زمان الحال، وبالأمس ما مضى، وَبالغد ما يستقبل، ومنه قول زياد الأعجم: رأيتُك أمسسِ خيرَ بني مَعَدّ *** وأنتَ اليوم خيرُ منكَ أمسِ وأنت غَدا تزيد الخير خيراً *** كذاكَ تزيد سادةُ عبدِ شمس وفعل ﴿ يئس ﴾ يتعدّى ب (مِن) إلى الشيء الذي كان مرجوّاً من قبلُ، وذلك هو القرينة على أنّ دخول (من) التي هي لتعدية ﴿ يئس ﴾ على قوله ﴿ دينِكم ﴾ ، إنّما هو بتقدير مضاف، أي يئسوا من أمر دينكم، يعني الإسلام، ومعلوم أنّ الأمر الذي كانوا يطمعون في حصوله: هو فتور انتشار الدين وارتداد متّبعيه عنه.

وتفريع النهي عن خشية المشركين في قوله: ﴿ فلا تَخشَوْهم ﴾ على الإخبار عن يأسهم من أذى الدين: لأنّ يأس العدوّ من نوال عدوّه يزيل بأسه، ويذهب حماسه، ويقعده عن طلب عدوّه.

وفي الحديث: «ونُصِرْتُ بالرّعْب».

فلمَّا أخبر عن يأسهم طمّن المسلمين من بأس عدوّهم، فقال: ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أو لأنّ اليأس لمَّا كان حاصلاً من آثار انتصارات المسلمين، يوماً فيوماً، وذلك من تأييد الله لهم، ذكَّر الله المسلمين بذلك بقوله: ﴿ اليومَ يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ ، وإنّ فريقاً لم يغن عنهم بأسهم من الله شيئاً لأحرياء بأن لا يُخشى بأسهم، وأن يُخشى مَن خَذَلهم ومكّن أولياءه منهم.

وقد أفاد قوله: ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ مفاد صيغة الحصر، ولو قيل: فإيّاي فاخشون لجرى على الأكثر في مقام الحصر، ولكن عُدل إلى جملتي نفي وإثبات: لأنّ مفاد كلتا الجملتين مقصود، فلا يحسن طيّ إحداهما.

وهذا من الدواعي الصارفة عن صيغة الحصر إلى الإتيان بصيغتي إثبات ونفي، كقول السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثيّ: تَسيل على حدّ الظّبَاتتِ نفوسنا *** ولَيْسَتْ على غير الظُبات تسيل ونظيره قوله الآتي ﴿ فلا تَخْشُوْا الناسَ واخشَون ﴾ [المائدة: 44].

﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً ﴾ .

إن كانت آية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ نزَلت يوم حجّة الوداع بعد آية ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ بنحو العامين، كما قال الضحّاك، كانت جملة مستقلّة، ابتدائية، وكان وقوعها في القرآن، عقب التي قبلها، بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها مع نظيرها في إكمال أمر الدّين، اعتقاداً وتشريعاً، وكان اليوم المعهود في هذه غير اليوم المعهود في التي قبلها وإن كانتا نزلتا معاً يومَ الحجّ الأكبر، عام حجّة الوداع، وهو ما رواه الطبري عن ابن زيد وآخرين.

وفي كلام ابن عطيّة أنَّه منسوب إلى عمر بن الخطّاب، وذلك هو الراجح الذي عَوّل عليه أهل العلم وهو الأصل في موافقة التلاوة للنزول، كان اليومُ المذكور في هذه وفي التي قبلها يوماً واحداً، وكانت هذه الجملة تعداداً لمنّة أخرى، وكان فصلُها عن التي قبلها جارياً على سنن الجمل التي تساق للتعداد في منَّة أو توبيخ، ولأجل ذلك: أعيد لفظ ﴿ اليوم ﴾ ليتعلّق بقوله ﴿ أكملت ﴾ ، ولم يستغن بالظرف الذي تعلّق بقوله: ﴿ يَئِسَ ﴾ فلم يقل: وأكملت لكم دينكم.

والدّين: ما كلف الله به الأمّة من مجموع العقائد، والأعمال، والشرائع، والنظم.

وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنّ الدين عند الله الإسلام ﴾ في سورة آل عمران (19).

فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد، التي لا يسع المسلمين جهلها، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحجّ بالقول والفعل، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي، كان بعد ذلك كلّه قد تمّ البيان المراد لله تعالى في قوله: ﴿ ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء ﴾ [النحل: 89] وقوله: ﴿ لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ﴾ [النحل: 44] بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنّة، كافياً في هدي الأمّة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان الدين وافياً في كلّ وقت بما يحتاجه المسلمون.

ولكن ابتدأتْ أحوال جماعة المسلمين بسيطة ثمّ اتّسعت جامعتهم، فكان الدين يكفيهم لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتّساعها، إذ كان تعليم الدين بطريق التدريج ليتمكّن رسوخُه، حتّى استكملت جامعة المسلمين كلّ شؤون الجوامع الكبرى، وصاروا أمّة كأكمل ما تكون أمّة، فكمل من بيان الدين ما به الوفاء بحاجاتهم كلّها، فذلك معنى إكمال الدين لهم يومئذٍ.

وليس في ذلك ما يشعر بأنّ الدين كان ناقصاً، ولكن أحوال الأمّة في الأمَمِيَّة غير مستوفاة، فلمّا توفّرتْ كمل الدين لهم فلا إشكال على الآية.

وما نزل من القرآن بعد هذه الآية لعلّه ليس فيه تشريع شيء جديد، ولكنَّه تأكيد لما تقرّر تشريعه من قبل بالقرآن أو السنّة.

فما نجده في هذه السورة من الآيات، بعد هذه الآية، ممّا فيه تشريع أنف مثل جزاء صيد المحرم، نجزم بأنَّها نزلت قبل هذه الآية وأنّ هذه الآية لمّا نزلت أمر بوضعها في هذا الموضع.

وعن ابن عباس: لم ينزل على النبي بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض.

فلو أنّ المسلمين أضاعوا كلّ أثارة من علم والعياذ بالله ولم يبق بينهم إلاّ القرآن لاستطاعوا الوصول به إلى ما يحتاجونه في أمور دينهم.

قال الشاطبي: «القرآن، مع اختصاره، جامع ولا يكون جامعاً إلاّ والمجموع فيه أمور كلّية، لأنّ الشريعة تمّت بتمام نزوله لقوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ ، وأنت تعلم: أنّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك، لم تبيّن جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بيّنتها السُنَّة، وكذلك العاديّات من العقود والحدود وغيرها، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كليّاتها المعنويَّة، وجدناها قد تضمّنها القرآن على الكمال، وهي: الضروريّات، والحاجيات، والتحسينات وَمُكمل كلّ واحد منها، فالخارج عن الكتاب من الأدلّة: وهو السنّة، والإجماع، والقياس، إنَّما نشأ عن القرآن وفي الصحيح عن ابن مسعود أنَّه قال: «لَعَن الله والوَاشمَات والمستوشمات والواصلات والمستوصلات والمنتمصات للحسن المغيِّرات خلقَ الله» فبلغ كلامه امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: «لعنتَ كذا وكذا» فذكرَتْه، فقال عبد الله: «وما لِي لا ألعن مَن لعنَ رسولُ الله وهو في كتاب الله»، فقالت المرأة: «لقد قرأت ما بين لَوْحَي المصحف، فما وجدتُه»، فقال: «لئن كنتتِ قرأتيه لقد وجدتيه»: قال الله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [الحشر: 7]» اه.

فكلام ابن مسعود يشير إلى أنّ القرآن هو جامع أصول الأحكام، وأنّه الحجّة على جميع المسلمين، إذ قد بلغ لجميعهم ولا يسعهم جهل ما فيه، فلو أنّ المسلمين لم تكن عندهم أثارة من علم غير القرآن لكفاهم في إقامة الدين، لأنّ كلّيّاته وأوامره المفصّلة ظاهرة الدلالة، ومجملاته تبعث المسلمين على تعرّف بيانها من استقراء أعمال الرسول وسلف الأمّة، المتلقّين عنه، ولذلك لمّا اختلف الأصحاب في شأن كتابة النبي لهم كتاباً في مرضه قال عمر: حسبنا كتاب الله، فلو أنّ أحداً قصر نفسه على علم القرآن فوجد ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ [البقرة: 43] و ﴿ آتوا حقّه يوم حصاده ﴾ [الأنعام: 141] و ﴿ كُتب عليكم الصيام ﴾ [البقرة: 183] و ﴿ أتِمّوا الحجّ والعمرة لله ﴾ [البقرة: 196]، لتطلّب بيان ذلك ممّا تقرّر من عمل سلف الأمّة، وأيضاً ففي القرآن تعليم طرق الاستدلال الشرعية كقوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم ﴾ [النساء: 83].

فلا شكّ أنّ أمر الإسلام بدئ ضعيفاً ثم أخذ يظهر ظهورَ سنا الفجر، وهو في ذلك كلّه دين، يبيّن لأتباعه الخير والحرام والحلال، فما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وقد أسلم كثير من أهل مكَّة، ومعظم أهل المدينة، فلمّا هاجر رسول الله أخذ الدين يظهر في مظهر شريعة مستوفاة فيها بيان عبادة الأمّة، وآدابها، وقوانين تعاملها، ثم لمّا فتح الله مكة وجاءت الوفود مسلمين، وغلب الإسلام على بلاد العرب، تمكّن الدين وخدمتْه القوةُ، فأصبح مرهوباً بأسُه، ومَنع المشركين من الحجّ بعد عام، فحجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عشرة وليس معه غير المسلمين، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين: بمعنى سلطان الدين وتمكينه وحفظه، وذلك تَبيَّن واضحاً يومَ الحجّ الذي نزلت فيه هذه الآية.

لم يكن الدين في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه: لأنّ الدين في كلّ يوم، من وقت البعْثة، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه الله للمسلمين يوماً فيوماً، فمن كان من المسلمين آخذاً بكلّ ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات فهو متمسّك بالإسلام، فإكمال الدين يوم نزول الآية إكمال له فيما يُراد به، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين.

وفي هذه الآية دليل على وقوع تأخير البيان إلى وقت الحاجة.

وإذا كانت الآية نازلة يوم فتح مكة، كما يُروى عن مجاهد، فإكمال الدين إكمال بقية ما كانوا محرومين منه من قواعد الإسلام، إذ الإسلام قد فسّر في الحديث بما يشمل الحجّ، إذ قد مكّنهم يومئذٍ من أداء حجّهم دون معارض، وقد كمل أيضاً سلطان الدين بدخول الرسول إلى البلد الذي أخرجوه منه، ومكّنه من قلب بلاد العرب.

فالمراد من الدين دين الإسلام وإضافته إلى ضمير المسلمين لتشريفهم بذلك.

ولا يصحّ أن يكون المراد من الدين القرآن: لأنّ آيات كثيرة نزلت بعد هذه الآية، وحسبك من ذلك بقيّة سورة المائدة وآية الكلالة، التي في آخر النساء، على القول بأنَّها آخر آية نزلت، وسورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ [النصر: 1] كذلك، وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ نحواً من تسعين يوماً، يوحى إليه.

ومعنى (اليوم) في قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ نظير معناه في قوله: وقوله: وأتممت عليكم نعمتي } إتمام النعمة: هو خلوصها ممّا يخالطها: من الحرج، والتعب.

وظاهره أنّ الجملة معطوفة على جملة ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ فيكون متعلَّقاً للظرف وهو اليوم، فيكون تمام النعمة حاصلاً يوم نزول هذه الآية.

وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكّنهم من الحج آمين، مؤمنين، خالصين، وطوّع إليهم أعداءهم يوم حجّة الوداع، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمّها عليهم، فلذلك قيّد إتمام النعمة بذلك اليوم، لأنّه زمان ظهور هذا الإتمام: إذ الآية نازلة يوم حجّة الوداع على أصحّ الأقوال، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة، وإن كان القول بذلك ضعيفاً، فتمام النعمة فيه على المسلمين: أنْ مكّنهم من أشدّ أعدائهم، وأحرصهم على استئصالهم، لكن يناكده قوله: ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ إلاّ على تأويلات بعيدة.

وظاهر العطف يقتضي: أنّ تمام النعمة منَّة أخرى غير إكمال الدين، وهي نعمة النصر، والأخوّة، وما نالوه من المغانم، ومن جملتها إكمال الدين، فهو عطف عامّ على خاصّ.

وجوّزوا أن يكون المراد من النعمة الدّين، وإتمامها هو إكمال الدين، فيكون مفاد الجملتين واحداً، ويكون العطف لمجرّد المغايرة في صفات الذات، ليفيد أنّ الدين نعمة وأنّ إكماله إتمام للنعمة؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفرّاء في «معاني القرآن»: إلى الملك القرم وابننِ الهما *** م وليثثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ وقوله: ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ الرضى بالشيء الرّكون إليه وعدم النفرة منه، ويقابله السخط: فقد يرضى أحد شيئاً لنفسه فيقول: رضيتُ بكذا، وقد يرضى شيئاً لغيره، فهو بمعنى اختياره له، واعتقاده مناسبته له، فيعدّى باللام: للدلالة على أنّ رضاه لأجل غيره، كما تقول: اعتذرت له.

وفي الحديث " إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً "، وكذلك هنا، فلذلك ذكر قوله: ﴿ لكم ﴾ وعُدّي ﴿ رَضيت ﴾ إلى الإسلام بدون الباء.

وظاهر تناسق المعطوفات: أنّ جملة ﴿ رضيت ﴾ معطوفة على الجملتين اللتين قبلها، وأنّ تعلّق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين، فيكون المعنى: ورضيت لكم الإسلام ديناً اليومَ.

وإذ قد كان رضي الإسلام ديناً للمسلمين ثابتاً في علممِ الله ذلك اليومَ وقبلَه، تعيّن التأويل في تعليق ذلك الظرف ب ﴿ رضيت ﴾ ؛ فتأوّله صاحب «الكشاف» بأنّ المعنى: آذنتكم بذلك في هذا اليوم، أي أعلمتكم: يعني أي هذا التأويل مستفاد من قوله ﴿ اليوم ﴾ ، لأنّ الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك، والإيذان به، لا حصول رضى الله به ديناً لهم يومئذٍ، لأنّ الرضى به حاصل من قبل، كما دلّت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية.

فليس المراد أنّ «رضيت» مجاز في معنى «أذنت» لعدم استقامة ذلك: لأنّه يزول منه معنَى اختيار الإسلام لهم، وهو المقصود، ولأنَّه لا يصلح للتعدّي إلى قوله: ﴿ الإسلام ﴾ .

وإذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من لوازم معناه بالقرينة المعيّنة، فيكون من الكناية في التركيب.

ولو شاء أحد أن يجعل هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة، فكما استعمل الخبر كثيراً في الدلالة على كون المخبِر عالماً به، استعمل هنا في الدلالة على الإعلام وإعلانه.

وقد يدلّ قوله: ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ على أنّ هذا الدين دين أبَدي: لأنّ الشيء المختار المدّخر لا يكون إلاّ أنفس ما أُظهر من الأديان، والأنفس لا يبطله شيء إذ ليس بعده غاية، فتكون الآية مشيرة إلى أنّ نسخ الأحكام قد انتهى.

﴿ فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وجود الفاء في صدر هذه الجملة، مع عدم مناسبة ما بعد الفاء لما وَليتْه، يعيِّن أن تكون متّصلة ببعض الآي التي سبقت، وقد جعلها المفسّرون مرتبطة بآية تحريم الميتة وما عطف عليها من المأكولات، من غير تعرّض في كلامهم إلى انتظام نظم هذه الآية مع التي قبلها.

وقد انفرد صاحب «الكشاف» ببيان ذلك فجعل ما بين ذلك اعتراضاً.

ولا شكّ أنّه يَعنِي باتّصال هذه الجملة بما قبلها: اتّصال الكلام الناشئ عن كلام قبله، فتكون الفاء عنده للفصيحة، لأنَّه لمّا تضمَّنت الآيات تحريم كثير ممَّا كانوا يقتاتونه، وقد كانت بلاد العرب قليلة الأقوات، معرّضة للمخمصة: عند انحباس الأمطار، أو في شدّة كَلَب الشتاء، فلم يكن عندهم من صنوف الأطعمة ما يعتاضون ببعضه عن بعض، كما طفحت به أقوال شعرائهم.

فلا جرم أن يكون تحريم كثير من معتاد طعامهم مؤذناً بتوقّععٍ منهم أن يفضي ذلك إلى امتداد يد الهلاك إليهم عند المخمصة، فناسب أن يفصح عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير: فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن اضطرّ في مخمصة الخ.

ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف: إذ ليس في الجمل السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف «من اضطرّ في مخمصة» عليه.

والأحسن عندي أن يكون موقع ﴿ فمن اضطرّ في مخمصة ﴾ متّصلاً بقوله: ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ ، اتّصال المعطوف بالمعطوف عليه، والفاء للتفريع: تفريع منّة جزئيّة على منّة كلّيّة، وذلك أنّ الله امتَنّ في هذه الجمل الثلاث بالإسلام ثلاث مرّات: مرّة بوصفه في قوله ﴿ دينكم ﴾ ، ومرّة بالعموم الشامل له في قوله: ﴿ نعمتي ﴾ ، ومرّة باسمه في قوله: ﴿ الإسلام ﴾ ؛ فقد تقرّر بينهم: أنّ الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق، من آيات كثيرة قبل هذه الآية، فلمّا علمَهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرّم عليهم من المطعومات، وأعقب ذلك بالمنّة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم بقوله: ﴿ فمن اضطر ﴾ الخ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة، وتفرّع على قوله: ﴿ ورضيتُ لكم الإسلام ديناً ﴾ وتُعَقَّب المنّة العامّة بالمنّة الخاصّة.

والاضطرار: الوقوع في الضرورة، وفعله غلب عليه البناء للمجهول، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ثم اضطرّه إلى عذاب النار ﴾ في سورة البقرة (126).

والمخمصة: المجاعة، اشتقّت من الخَمَص وهو ضمور البطن، لأنّ الجوع يضمر البطون، وفي الحديث تغدو خِماصاً فتروح بِطَاناً.

والتجانف: التمايل، والجَنَف: الميل، قال تعالى: ﴿ فمن خَاف من موص جَنَفَا ﴾ [البقرة: 182] الآية.

والمعنى أنّه اضطرّ غير مائل إلى الحرام من أخذ أموال الناس، أو من مخالفة الدين.

وهذه حال قصد بها ضبط حالة الاضطرار في الإقدام والإحجام، فلا يقدم على أكل المحرّمات إذا كان رائماً بذلك تناولها مع ضعف الاحتياج، ولا يحجم عن تناولها إذا خشي أن يتناول ما في أيدي الناس بالغصْب والسرقة، وهذا بمنزلة قوله: ﴿ فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد ﴾ [البقرة: 173]، أي غير باغ ولا عاد على الناس ولا على أحكام الدين.

ووقع قوله: «فإنّ الله غفور رحيم» مغنياً عن جواب الشرط لأنّه كالعلّة له، وهي دليل عليه، والاستغناء بمثله كثير في كلام العرب وفي القرآن.

والتقديرُ: فمن اضطُرّ في مخمصة غير متجَانف لإثم فلهُ تناول ذلك إنّ الله غفور، كما قال في الآية نظيرتها ﴿ فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فَلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم ﴾ [البقرة: 173].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ ما لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ مِن دَوابِّ البَرِّ وطَيْرِهِ.

والثّانِي، أنَّهُ كُلُّ ما فارَقَتْهُ الحَياةُ مِن دَوابِّ البَرِّ وطَيْرِهِ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.

﴿ والدَّمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَرامَ مِنهُ ما كانَ مَسْفُوحًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ دَمٍ مَسْفُوحٍ وغَيْرِ مَسْفُوحٍ، إلّا ما خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنَ الكَبِدِ والطِّحالِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَحْرُمُ السَّمَكُ، وعَلى الثّانِي يَحْرُمُ.

﴿ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّحْرِيمَ يَخْتَصُّ بِلَحْمِ الخِنْزِيرِ دُونَ شَحْمِهِ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَعُمُّ اللَّحْمَ وما خالَطَهُ مِن شَحْمٍ وغَيْرِهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الأهْلِيِّ مِنهُ والوَحْشِيِّ.

﴿ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ، أصْلُهُ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ إذا صاحَ حِينَ يَسْقُطُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، ومِنهُ إهْلالُ المُحْرِمِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ: يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ ﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تُخْنَقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ وغَيْرِهِ حَتّى تَمُوتَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّها الَّتِي تُوثَقُ، فَيَقْتُلُها خِناقُها.

﴿ والمَوْقُوذَةُ ﴾ هي الَّتِي تُضْرَبُ بِالخَشَبِ حَتّى تَمُوتَ، يُقالُ: (وَقَذْتُها أقِذُها وقْذًا، وأُوقِذُها إيقاذًا، إذا أثْخَنْتُها ضَرْبًا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ شَغّارَةٌ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها ∗∗∗ فَطّارَةٌ لِقَوادِمِ الأبْكارِ ﴿ والمُتَرَدِّيَةُ ﴾ هي الَّتِي تَسْقُطُ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، أوْ بِئْرٍ حَتّى تَمُوتَ.

﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ هي الشّاةُ الَّتِي تَنْطَحُها أُخْرى حَتّى تَمُوتَ.

﴿ وَما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ المُنْخَنِقَةِ وما بَعْدَها، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى ما أكَلَ السَّبُعُ خاصَّةً، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الظّاهِرِيَّةِ.

وَفي مَأْكُولَةِ السَّبُعِ الَّتِي تَحِلُّ بِالذَّكاةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لَها عَيْنٌ تَطْرِفُ أوْ ذَنَبٌ يَتَحَرَّكُ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ فِيها حَرَكَةٌ قَوِيَّةٌ لا كَحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ.

﴿ وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ مَعْناهُ أنْ تَطْلُبُوا عِلْمَ ما قُسِّمَ أوْ لَمْ يُقَسَّمْ مِن رِزْقٍ أوْ حاجَةٍ بِالأزْلامِ، وهي قِداحٌ ثَلاثَةٌ مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِها: أمَرَنِي رَبِّي، والآخِرُ: نَهانِي رَبِّي، والثّالِثُ: غُفْلٌ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا، أوْ غَزْوًا، ضَرَبُوا بِها واسْتَقْسَمُوا، فَإنْ خَرَجَ أمَرَنِي رَبِّي فَعَلُوهُ، وإنْ خَرَجَ نَهانِي رَبِّي تَرَكُوهُ، وإنْ خَرَجَ الأبْيَضُ أعادُوهُ، فَنَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ اسْتِقْسامًا، لِأنَّهم طَلَبُوا بِهِ عِلْمَ ما قُسِمَ لَهم.

وَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: بَلْ هو مُشْتَقٌّ مِن قَسَمِ اليَمِينِ، لِأنَّهُمُ التَزَمُوا ما يَلْتَزِمُونَهُ، بِاليَمِينِ.

﴿ ذَلِكم فِسْقٌ ﴾ أيْ خُرُوجٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وفَعَلَ ما تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْهُ، ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَرْتَدُّوا عَنْهُ راجِعِينَ إلى دِينِهِمْ.

والثّانِي: أنْ يَقْدِرُوا عَلى إبْطالِهِ ويَقْدَحُوا في صِحَّتِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ حَجِّ النَّبِيُّ  حِجَّةَ الوَداعِ، بَعْدَ دُخُولِ العَرَبِ الإسْلامَ حَتّى لَمْ يَرَ النَّبِيُّ  مُشْرِكًا.

﴿ فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ ﴾ أيْ لا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم، واخْشَوْنِ، أنْ تُخالِفُوا أمْرِي.

﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ في حِجَّةِ الوَداعِ ولَمْ يَعِشِ [الرَّسُولُ  ] بَعْدَ ذَلِكَ إلّا إحْدى وثَمانِينَ لَيْلَةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ زَمانُ النَّبِيِّ  كُلُّهُ إلى أنْ نَزَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفي إكْمالِ الدِّينِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أكْمَلْتُ فَرائِضِي وحُدُودِي وحَلالِي وحَرامِي، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى النَّبِيِّ  مِنَ الفَرائِضِ مِن تَحْلِيلٍ ولا تَحْرِيمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم حَجَّتَكم، أنْ تَحُجُّوا البَيْتَ الحَرامَ، ولا يَحُجُّ مَعَكم مُشْرِكٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

﴿ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ بِإكْمالِ دِينِكم.

﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ﴾ أيْ رَضِيتُ لَكُمُ الِاسْتِسْلامَ لِأمْرِي دِينًا، أيْ طاعَةً.

رَوى قَبِيصَةُ قالَ: «قالَ كَعْبٌ لَوْ أنَّ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، لَعَظَّمُوا اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ، فاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالَ عُمْرُ: قَدْ عَلِمْتُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ في يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَوْمِ عَرَفَةَ، وكِلاهُما - بِحَمْدِ اللَّهِ - لَنا عِيدٌ.

» ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أيْ أصابَهُ ضُرُّ الجُوعِ.

﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أيْ في مَجاعَةٍ، وهي مَفْعَلَةٌ مِثْلَ مَجْهَلَةٍ ومَبْخَلَةٍ ومَجْبَنَةٍ ومَخْزَيَةٍ مِن خَمَصِ البَطْنِ، وهو اصْطِبارُهُ مِنَ الجُوعِ، قالَ الأعْشى تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم ∗∗∗ وجاراتُكم غَرْقى يَبِتْنَ خِماصًا ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ لِإثْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: غَيْرُ مائِلٍ إلى إثْمٍ، وأصْلُهُ مِن جَنَفَ القَوْمُ إذا مالُوا، وكُلُّ أعْوَجٍ عِنْدَ العَرَبِ أجْنَفُ.

وَقَدْ رَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ حَسّانَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بِأرْضٍ يُصِيبُنا فِيها مَخْمَصَةٌ، فَما يَصْلُحُ لَنا مِنَ المَيْتَةِ؟

قالَ: (إذا لَمْ تَصْطَبِحُوا أوْ تَغْتَبِقُوا أوْ تَجْنِفُوا بِها، فَشَأْنُكم بِها» واخْتُلِفَ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ عَرَفَةَ، رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: «نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ جَمِيعًا وأنا آخِذَةٌ بِزِمامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  العَضْباءِ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ فَكادَتْ مِن ثِقَلِها أنْ تَدُقَّ عَضُدَ النّاقَةِ.

» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في مَسِيرِهِ  في حَجَّةِ الوَداعِ، وهو راكِبٌ، فَبَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ مِن ثِقَلِها.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِالمَدِينَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنْهُ القَوْلُ الأوَّلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هلم يا صدي فكل.

قلت: ويحكم...

!

إنما أتيتكم من عند من يحرِّم هذا عليكم، وأنزل الله عليه.

قالوا: وما ذاك؟

قال: فتلوت عليهم هذه الآية ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة قال: إذا أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة، فإن تاب وإلا قتل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ قال: ما أهل للطواغيت به ﴿ والمنخنقة ﴾ قال: التي تخنق فتموت ﴿ والموقوذة ﴾ التي تضرب بالخشبة فتموت ﴿ والمتردية ﴾ قال: التي تتردى من الجبل فتموت ﴿ والنطيحة ﴾ قال: الشاة التي تنطح الشاة ﴿ وما أكل السبع ﴾ يقول: ما أخذ السبع ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ يقول: ما ذبحتم من ذلك وبه روح فكلوه ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ قال: النصب.

إنصاب، كانوا يذبحون ويهلون عليها ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال: هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور ﴿ ذلكم فسق ﴾ يعني من أكل من ذلك كله فهو فسق.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ والمنخنقة ﴾ قال: كانت العرب تخنق الشاة، فإذا ماتت أكلوا لحمها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت امرئ القيس وهو يقول: يغط غطيط البكر شد خناقه ** ليقتلني والمرء ليس بقتال قال: أخبرني عن قوله: ﴿ والموقوذة ﴾ قال: التي تضرب بالخشب حتى تموت.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: يلوينني دين النهار واقتضي ** ديني إذا وقذ النعاس الرقدا قال: أخبرني عن قوله: ﴿ الأنصاب ﴾ قال: الأنصاب.

الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول: فلا لعمر الذي مسحت كعبته ** وما هريق على الأنصاب من جسد قال: أخبرني عن قوله: ﴿ وإن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال: الأزلام.

القداح كانوا يستقسمون الأمور بها، مكتوب على أحدهما أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربّي، فإذا أرادوا أمراً أتوا بيت أصنامهم، ثم غطوا على القداح بثوب فأيهما خرج عملوا به.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الحطيئة وهو يقول: لا يزجر الطير إن مرت به سنحاً ** ولا يفاض على قدح بأزلام وأخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الرادة التي تتردى في البئر، والمتردية التي تتردى من الجبل.

وأخرج عن أبي ميسرة أنه كان يقرأ ﴿ والمنطوحة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ وأكيل السبع ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يداً أو رجلا فكلها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تأكل الشريطة فإنها ذبيحة الشيطان» قال ابن المبارك: هي أن تخرج الروح منه بشرط من غير قطع حلقوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ قال: كانت حجارة حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها بحجارة: إذا شاؤوا أعجب اليهم منها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال: سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ الأزلام ﴾ القداح، يضربون بها لكل سفر وغزو وتجارة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحاً للخروج وللجلوس، فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال: حصى بيض كانوا يضربون بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال: كانوا إذا أرادوا أمراً أو سفراً يعمدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب أمرني، وعلى الآخر إنهني، ويتركون الآخر محللاً، بينهما عليه شيء، ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه مرني مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه إنهني كفوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يلج الدرجات العلى من تكهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيراً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ قال: يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبداً.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ يقول: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم، عبادة الاوثان أبداً ﴿ فلا تخشوهم ﴾ في اتباع محمد ﴿ واخشونِ ﴾ في عبادة الأوثان وتكذيب محمد، فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ يقول: حلالكم وحرامكم، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ قال: منتي فلم يحج معكم مشرك ﴿ ورضيت ﴾ يقول: واخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوماً، ثم قبضه الله إليه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم...

اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ قال: هذا حين فعلت.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ قال: فلا تخشوهم أي يظهروا عليكم.

وأخرج مسلم عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة وأبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد أيس أن بعبد بأرضكم هذه، ولكنه راض منكم بما تحقرون» .

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات، وهي الموبقات يوم القيامة، فاتقوا المظالم ما استطعتم» .

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا تحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ قال: أخلص الله لهم دينهم، ونفى المشركين عن البيت، قال: وبلغنا أنها أنزلت يوم عرفة، ووافقت يوم جمعة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، يوم جمعة حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً، فلما نزلت براءة فنفي المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة، وهو قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ قال: تمام الحج، ونفي المشركين عن البيت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: نزلت هذه الآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم، واضمحل الشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ولم يحج معه في ذلك العام مشرك، فأنزل الله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وهو بعرفة ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال: «وكان جبريل يعلم كيف ينسك» .

وأخرج الحميدي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب قال: «قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً.

قال: وأي آية؟

قالوا ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، في يوم جمعة» .

وأخرج اسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد عن أبي العالية قال: كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب: لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً.

فقال عمر: الحمد لله الذي جعله لنا عيداً، واليوم الثاني نزلت يوم عرفة، واليوم الثاني يوم النحر، فأكمل لنا الأمر، فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير «عن عنترة قال: لما نزلت ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟!» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل فإنه لا يكمل شيء قط إلا نقص.

فقال: «صدقت» .

وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر: وأي آية يا كعب؟

فقال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ فقال عمر: لقد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت في يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً.

فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: في يوم جمعة، يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال: كنا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيداً، ما بقي منا اثنان ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد بن كعب القرظي فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتم عليه؟

فقال: قال عمر بن الخطاب: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين ما بقي منهم أحد.

وأخرج ابن جرير عن داود قال: قلت لعامر الشعبي ان اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟

فقال عامر: أو ما حفظته؟.

قلت له: فأي يوم هو؟

قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن علي قال: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني عن عمرو بن قيس السكوني.

أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينزع بهذه الآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ حتى ختمها.

فقال: نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة.

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن سمرة قال: نزلت هذه الآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفة واقف يوم الجمعة.

وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبأ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ وتوفي يوم الاثنين.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: «لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم فنادى له بالولاية، هبط جبريل عليه بهذه الآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه.

فأنزل الله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ قال: هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فقالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت، فأتيته فسجيت عليه برداً كان عليّ.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية احدى وثمانين ليلة قوله: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ .

أخرج ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم إلى الخير حتى يجيء الإسلام فيقول: رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي» .

وأخرج أحمد عن علقمة بن عبدالله المزني قال: حدثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعت الإسلام؟

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الإسلام بدأ جذعاً، ثم ثنياً، ثم رباعياً، ثم سدسياً، ثم بازلاً» قال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن اضطر ﴾ يعني إلى ما حرم مما سمي في صدر هذه السورة ﴿ في مخمصة ﴾ يعني مجاعة ﴿ غير متجانف لإثم ﴾ يقول: غير معتدٍ لإثم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ في مخمصة ﴾ قال: في مجاعة وجهد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الاعشى وهو يقول: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ** وجاراتكم غرتي يبتن خمائصا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ﴾ قال: في مجاعة غير متعرض لإثم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: رخص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد، فمن بغى، أو عدا، أو خرج في معصية الله، فإنه محرم عليه أن يأكله.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟

قال: «إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلاً، فشأنكم بها» .

وأخرج ابن سعد وأبو داود عن الفجيع العامري.

أنه قال: «يا رسول الله، ما يحل لنا من الميتة؟

فقال: ما طعامكم؟

قلنا: نغتبق ونصطبح.

قال عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية.

قال: ذاك.

وأبى الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال» وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رويت أهلك من اللبن غبوقاً فاجتنب ما نهى الله عنه من ميتة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ الآية.

قد شرحنا هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ في سورة البقرة (١) فأما المنخنقة يقال: خنقه فاختنق (وانخق (٢) (٣) قال ابن عباس: المنخنقة التي تنخنق فتموت (٤) ورُوي عنه قتادة أنه قال: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها (٥) وقال في رواية عطاء: يريد التي تخنق حتى تموت (٦) وقال الحسن وقتادة والضحاك: هي التي تخنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت (٧) وقال السدي: هي التي تدخل رأسها بين عودين في شجرة فتخنق فتموت (٨) وقال الزجاج: هي التي تختنق برقبتها، أي بالحبل الذي تشد (٩) (١٠) فهذه ألفاظ المفسرين في تفسير المنخنقة، وقد أجملها الزجاج بقوله: وبأي وجه اختنقت فهي حرام (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَوْقُوذَةُ ﴾ .

قال الفراء: هي المضروبة حتى تموت ولم تُذكَّ (١٢) وقال أبو إسحاق: هي التي تقتل ضربًا، يقال: وقذتُها أقِذُها وقْذًا وقذة، وأوقذتُها إيقاذًا، إذا أثخنتها ضربًا (١٣) وذكر اللغتين أيضًا في باب الوفاة من: (فعلت، وأفعلت) أبو عبيد عن الأحمر: الموقودة والوقيذة: الشاة تُضرب حتى تموت ثم تؤكل (١٤) ...

إذا وَقَد النُّعاَس الرُّقَّدا (١٥) أي صاروا كأنهم سُكارى من النوم.

ويقال: ضربه على موقذ من مواقذه (١٦) أبو سعيد: الوَقْذ الضرب بالفأس (١٧) (١٨) قال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: هي المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت (١٩) وقوله تعا لي: ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ .

معنى التردي في اللغة التهور في مهواة (٢٠) ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى  ﴾ أي سقط في النار (٢١) أبو زيد: يقال: ردى فلان في القليب يردى، وتردّى من الجبل تردّيا (٢٢) فالمتردية: هي التي تقع من جبل، أو تطيح في بئر، أو تسقط من مُشْرِف فتموت.

كذلك قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد التي تنطحها شاة أو كبش فتموت قبل أن تُذَكَّى (٢٤) وكذلك قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي (٢٥) وأما دخول الهاء في هذه الحروف إلى: (النطيحة) فإنما دخلت لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية (٢٦) وأما النطيحة فقال ابن السكيت: إذا كان فَعِيل نعتًا للمؤنث وهو في تأويل المفعول كان بغير هاء، نحو: لحية دهين، وكف خضيب؛ لأنها في تأويل: مخضوبة مدهونة (٢٧) هذا كلامه وقد انتهى، وإنما كان كذلك لأن نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى: فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيقربه من الأسماء وذلك يوجب حذف علامة التأنيث، إذ التأنيث لتقدير الفعل وقد ارتفع، فعلى هذا كان يجب أن يقال: النطيح بغير هاء، وعلة دخول الهاء ما ذكره ابن السكيت، وهو أنه قال: وقد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها، تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو: النطيحة، والذبيحة، والفريسة، وأكيلة السبع، ومررت بقبيلة بني فلان (¬1).

انتهى كلامه.

قال العلماء من النحويين: إنما تحذف الهاء من الفعيله إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم تذكر الموصوف وذكرت الصفة موضع الموصوف فقلت: رأيت قبيلة بني فلان بالهاء؛ لأنك إن (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾ .

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، فحرمه الله تعالى (¬1).

والسبُعُ: اسم يقع على ما له ناب ويَعْدُو على الناس والدواب فيفترسها، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد، ومنه يقال: سبَعَ فلانًا، إذا عضه بسنه، وسبع الذئب الشاة، إذا فرسها، وهذا هو الأصل، ثم يقال: سبعه، إذا وقع فيه وعابه (٣٠) ويجوز التخفيف في السبع فيقال: سَبْع (٣١) وفي الآية تقديره: وما أكل منه السَّبعُ؛ لأن ما أكله السبع قد فُقِد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي منه.

وكل هذه الأشياء المحرمة حكمها حكم الميتة، واسم الميتة يعمها، إلا أنها ذُكِرَت بالتفصيل؛ لأن العرب كانت لا تعدّ الميت إلا ما مات من مرض.

قاله السدي (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ .

الظاهر أن هذا الاستثناء من جميع هذه المحرمات التي ذكرت من قوله: ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ .

وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة (٣٣) قال ابن عباس: يقول: ما أدركت من هذا كله وفيه روح، فاذبح، فهو حلال (٣٤) وقال الكلبي: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ استثنى من ذلك كله، أي إلا ما ذبحتم.

(٣٥) وحكى أبو العباس عن بعضهم أن الاستثناء مما أكل السبع خاصة (٣٦) والقول هو الأول (٣٧) وأما كيفية إدراكها فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن يوجد له عين تطرف أو ذَنَب متحرك، فأكله جائز (٣٨) قال ابن عباس وعُبَيد بن عُمَير (٣٩) (٤٠) وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أخرج السبع الحشوة أو قطع الجوف قطعًا تؤس معه الحياة فلا ذكاة لذلك، وإن كان به حركة ورمق؛ لأنه صار إلى حالة لا يؤثر في حياته الذبح (٤١) وهو مذهب مالك (٤٢) (٤٣) (٤٤) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ ، فقال أبو إسحاق: معنى التذكية: أن يدركها وفيها بقية تشخُبُ معها الأوداج، وتضطرب اضطراب المذبوح.

قال: وأصل الذكاء في اللغة: تمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السن والفهم، وهو تمام السن، (قال الخليل (٤٥) (٤٦) يُفَضَّله إذا اجتَهَدا عليه ...

تَمام السَّنَّ منهُ والذَّكَاء (٤٧) وقيل: جَرْيُ المُذَكَّياَت غِلابٌ (٤٨) ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ أدركتم ذبحه على التمام (٤٩) قال الأزهري: وقد جود أبو إسحاق فيما فسر، وشفى وبالغ في الشفاء، ولقد كان له حظ من البيان موفور (٥٠) وقال ابن الأنباري: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ معناه: إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه بقيّة من الحياة حسنة تشخب معها أوداجه عند الذبح وينهر دمه، فإذا قطع السبع بطنه وأخرج حشوته بطلت التذكية؛ لأنه بعد أن يقع به هذا لا يضطرب اضطراب المذبوح ولا ينهر ولا تشخب أوداجه.

ومعنى التذكية: تتميم الشيء، فإذا قال القائل: قد ذكى فلان الشاة، فمعناه قد ذبحها الذبح التام الذي يجوز معه الأكل ولا يحرم، وإذا قيل: فلان ذكيّ، فمعناه تام الفطنة، وذكت النار تذكو، إذا استحكم وقودها، وأذكيتها أنا، والتذكية بلوغ غاية الشباب وتمام القوة، يقال: جريُ المُذكَّيات غِلابٌ، أي جري المسانّ مغالبة، وذلك أن الفرس الذي يبلغ نهاية الشباب والقوة يُحمل (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ .

النصب: جمع نِصاب مثل: حِمار وحُمُر، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه: أنصاب، مثل: طُنُب وأطناب.

قاله الزجاج (٥٣) (٥٤) (قال أبو بكر) (٥٥) (٥٦) وقال الليث: النصب جماعة النصيبة، وهي علامة تنصب للقوم (٥٧) الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحداً فقال: وذا النُّصبَ المنصوبَ (لا تنسُكَنّه) (٥٨) (٥٩) هذا قول أهل اللغة.

وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله تعالى (٦٠) وقال الكلبي: النصب: حجارة كانوا يعبدونها (٦١) وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تُعبد من أحجار (٦٢) وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان (٦٣) وقال مجاهد وقتادة وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويُشَرّحُون اللحم عليه، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها (٦٤) قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يُصوَّر وُينقَش (٦٥) فإذا أخذنا بهذا وهو أنهم كانوا يذبحون على هذه الحجارة فـ (على) في قوله تعالى: ﴿ عَلَى النُّصُبِ ﴾ بمعناه، وإن قلنا: إن النُّصُب أوثان كانوا يتقربون إليها بالذائح عندها فمعنى قوله تعالى: ﴿ عَلَى النُّصُبِ ﴾ أي على اسمها.

وقال قطرب: معناه ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ (على) بمعنى اللام: وهما يتعاقبان في الكلام، قال الله تعالى: ﴿ فَسَلَامٌ لَكَ  ﴾ أي: عليك، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي فعليها (٦٦) قال ابن زيد: (وما ذبح على النصب) (وما أهل لغير الله به) (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ﴾ .

معناه: وأن تطلبوا على ما قُسِم لكم بالأزلام (٦٩) قال المفسرون: وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفرًا أو غزوًا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح، وهي سهام مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي لم يمض في أمره (٧٠) قال أبو عبيدة (٧١) (٧٢) وقال المبرد) (٧٣) (٧٤) وقال الأزهري: معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا ﴾ أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين (٧٥) وقال ابن السكيت: يقال قسم فلان أمره يقسمه قسمًا، أي يقدره، ينظر كيف يعمل فيه (٧٦) فقُولا لهُ إن كَانَ يَقْسِمُ أمره ...

أَلَمَّا يَعِظْك الدهُر أمُّك هَابِلُ (٧٧) (٧٨) وأما الأزلام فهي أسماء هذه القداح التي كانت لقريش في الجاهلية، وقد زُلّمت أي سويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد الرجل أمرًا أتى السادن فقال له: أخرج إلي زَلمًا، فيخرجه، فإن خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زَلمان قد وضعهما في قرابه، فإذا أراد إلاستقسام أخرج أحدهما (٧٩) لا يزجُر الطيرُ إنْ مرَّت بِه سُنُحًا ...

ولا يُفِيض على قِسْمٍ بأزلامِ (٨٠) وقال طَرَفَه: أخذ الأزلامَ مقتسمًا ...

فأتى أغواهُما زُلَمُه (٨١) (٨٢) كأرحاءِ رقطٍ زَلَّمَتْها المَنَاقِرُ (٨٣) أي سوَّتها وأخذت من حروفها (٨٤) ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها (٨٥) بَكَرَت تَزِلّ عن الثرى أزلامُها (٨٦) وواحد الأزلام زَلَم، وزُلَم.

ذكره الأخفش (٨٧) وكل ما ذكرنا في الأزلام هو قول أهل اللغة (٨٨) (٨٩) (٩٠) وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن الاستقسام بالأزلام حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول المُنَجَّمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا  ﴾ ، ولذلك دخول في علم الله عز وجل الذي هو غيب، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله (٩١) وقد روى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: "من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة" (٩٢) وذهب المؤرج وكثير من أهل اللغة إلى أن الاستقسام ههنا هو في معنى الميسر المنهي عنه، وأن الأزلام قداح الميسر.

وليس الأمر كذلك عند أهل العلم الموثوق بعلمهم (٩٣) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ .

قال الزجاج: أي الاستقسام هنا بالأزلام فِسق، وهو كل ما يخرج به عن الحلال إلى الحرام (٩٤) وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾ .

قال المفسرون: يئسوا أن ترتدوا راجعين إلى دينهم (٩٥) وقال الكلبي: نزلت لما دخل رسول الله  مكة في حجة الوداع ييئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم (٩٦) وقال الزجاج: يئسوا من بطلان الإسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ (٩٧) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ .

قال ابن عباس: فلا تخشوهم في اتباع محمد واخشوني في عبادة الأوثان (٩٨) وقال الزجاج: أي فليكن خوفكم لله عز وجل، فقد أمنتم في أن يظهر دين على الإسلام (٩٩) وهو قول ابن جريج، قال: فلا تخشوهم أن يظهَروا عليكم (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .

أجمعوا على أن المراد باليوم ههنا: يوم عرفة، وأن هذه نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، والنبي  .

واقف بعرفات على ناقته العضباء.

قاله ابن عباس وغيره (١٠١) وأما معنى إكمال الدين في ذلك: فقال عطاء عن ابن عباس: اليوم أكملت لكم دينكم حيث لم يحج معكم مشرك، وخلا الموسم لله ولرسوله ولأوليائه (١٠٢) (١٠٣) وقال آخرون: أكملت لكم دينكم ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض.

وهذا معنى قول ابن عباس (١٠٤) (١٠٥) قال أرباب المعاني: والكمال على وجهين: كمال مشروح وهو بيان الرسول، وكمال مُبهَم وهو اجتهاد أهل العلم إلى قيام الساعة، (فما عُدِم نصه) (١٠٦) (١٠٧) وقال بعضهم: كمال دين هذه الأمة أن لا يزول ولا يُنسخ، وأن شريعتهم باقية (إلى يوم (١٠٨) (١٠٩) وقيل: الكمال هو أن هذه الأمة آمنوا بالكُلّ ولم يفرقوا ، ولم يكن هذا لغيرهم (١١٠) وقال الزجاج: معنى قوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ أي الآن أكملت دينكم بأن كفيتكم خوف عدوكم، وأظهرتكم عليه، كما تقول: الآن كمل لنا الملك (وكمل لنا (١١١) (١١٢) (١١٣) وقد شرح ابن الأنباري هذين القولين شرحًا حسنًا فقال في القول الأول للزجاج: المعنى أكملت لكم (نصر دينكم (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه حكم لهم بدخول الجنة (١١٩) وقال (المفسرون (١٢٠) ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وكان من تمام (نعمته أن دخلوا مكة (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) وقال السدي: يعني أظهرتكم على العرب (١٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ .

قال ابن عباس: (فمن اضطر) إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة في مجاعة (١٢٥) ومعنى ﴿ اضْطُرَّ ﴾ أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة.

وقال الزجاج: فمن دعته الضرورة في مجاعة (١٢٦) والمخمصة: المجاعة في قول ابن عباس وجميع المفسرين (١٢٧) وقال أهل اللغة: الخَمْص والمَخْمَصَة: خلاء البطن من الطعمام جوعًا (١٢٨) يرى الخُمص تعذيبًا وإن يلق شِعبةً ...

يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مُبْهَمَا (١٢٩) وأصله من الخَمص الذي هو ضمور البطن، يقال: رجل خَميص وخُمصان، وامرأة خَمِيصة وخُمصانة، والجمع (١٣٠) (١٣١) تبيتُون في المشتَى مِلاءً بُطونُكم ...

وجاراتكم غَرثَى يَبِتْن خَمَائِصا (١٣٢) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ﴾ .

يجوز أن ينتصب (غير لمحذوف مقدر على معنى: فتناول غير متجانف و (١٣٣) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (١٣٤) ومعنى غير متجانف لإثم) (١٣٥) (١٣٦) وروى عن قتادة: غير مُتعرّض لمعصية (١٣٧) وأصله في اللغة: من الحيف الذي هو: الميل (١٣٨) قال الزجاج: غير مائل (١٣٩) وقال أبو عبيدة: غير مُنحرف (١٤٠) ومعنى الإثم ههنا في قول أهل العراق: أن يأكل فوق الشبع تلذذًا (١٤١) وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيًا بسفره (١٤٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد غفر له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، رحيم (بأوليائه (١٤٣) (١٤٤) (١) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل 105، 106.

(٢) في (ش): (والخنق).

(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 1116، وانظر: "اللسان" 3/ 1280 (خنق).

(٤) "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68 من طريق علي أيضًا.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68 مقطوعًا على قتادة.

(٦) لم أقف على هذه الرواية" وقد ثبت عن ابن عباس نحوها كما تقدم قريبًا.

(٧) أخرجه بمعناه عن قتادة والضحاك: الطبري في "تفسيره" 6/ 68، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 11، و"زاد المسير" 2/ 279.

(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68.

(٩) في "معاني الزجاج" 2/ 145 تشك، ولعله تصحيف.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(١١) المرجع السابق.

(١٢) "معاني القرآن" 1/ 301، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138، و"تهذيب اللغة" 4/ 3930 (وقذ).

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(١٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٥) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 54، وتمامه: يلوينني دَيني النهار واجتزي ...

ترى لعظام ما جمعت صليبا (١٦) من "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٧) في (ش): (على فأس)، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3930، و"لسان العرب" 8/ 4889 (وقذ).

وأبو سعيد هذا لعله الأصمعي.

(١٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٩) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 69، 70 (٢٠) "تهذيب اللغة" 2/ 1387 (ردأ)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 311، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138، والطبري في "تفسيره" 6/ 70.

(٢١) "غريب القرآن" لابن قتية ص 138، و"تهذيب اللغة" 2/ 1387 (ردأ).

(٢٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1387، وانظر: "اللسان" 3/ 1630.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 70، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 414، و"زاد المسير" 2/ 280.

(٢٤) بنحوه في "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71 (٢٨) في (ش): (اذً).

(٢٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 13.

(٣٠) من "تهذيب اللغة" 2/ 1618 (سبع) بتصرف، وانظر: "مقاييس اللغة" 3/ 128، و"اللسان" 4/ 1925 (سبع)، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 13.

(٣١) انظر: "اللسان" 4/ 1926 (سبع).

(٣٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 74.

(٣٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 13/ 2.

(٣٤) "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72.

(٣٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٣٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 280، و"البحر المحيط" 3/ 424، و"الدر المصون" 4/ 196.

(٣٧) وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 73 وانظر: "زاد المسير" 2/ 280.

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 72 - 73، و"معاني الزجاج" 2/ 145، و"زاد المسير" 2/ 280.

(٣٩) لعله أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي  ويعد من كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة ومن العباد، وقد أُجْمِع على توثيقه.

مات رحمه الله قبل ابن عمر  .

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" 134 (592)، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 156، و"التقريب" ص 377 (4386).

(٤٠) أخرجه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 72 - 73 (٤١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 73 "معاني الزجاج" 2/ 145، و"تهذيب اللغة" 2/ 1286 (ذكا).

(٤٢) أخرج قوله الطبري في "تفسيره" 6/ 73.

(٤٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(٤٤) لم أقف عليه.

(٤٥) في (ش): (قال: وقال الخليل)، ولا يؤثر ذلك في المعنى.

(٤٦) قال الجوهري: وقرح الحافر قروحًا، إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين؛ لأنه في السنة الأولى حولي، ثم جذع، ثم ثنى، ثم رباع، ثم قارح.

"الصحاح" 1/ 395 (قرح).

(٤٧) "ديوانه" ص 69، و"الكامل" 1/ 386، وفي الديوان: يفضله إذا اجتهدت، والتفصيل في السرعة لتمام السن، والذكاء حدة القلب، ويقال الذكاء في السن.

(٤٨) أي أن المذكي يغالب مجاريه لقوته.

وهذا مثلٌ يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل.

"مجمع الأمثال" 1/ 281.

(٤٩) "معاني الزجاج" 2/ 145 - 146.

(٥٠) لم أقف عليه.

(٥١) في النسختين (ج)، (ش) بدون إعجام، وكأنها: محمل -بالميم-.

(٥٢) لم أقف على كلام ابن الأنباري.

(٥٣) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 146.

(٥٤) لم أقف عليه.

(٥٥) ليس في (ج).

(٥٦) لم أقف عليه.

(٥٧) "العين" 7/ 136، و "تهذيب اللغة" 4/ 3581 (نصب).

(٥٨) في (ج): (لا تعبدنه)، وما أثبته هو الموافق لما في "الديوان"، و"تهذيب اللغة".

(٥٩) من "تهذيب اللغة" 4/ 3581 نصب، والبيت في "ديوان الأعشى" ص 46، وعجزه في "الديوان": ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا.

(٦٠) بمعناه في "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٦٢) من "تهذيب اللغة" 4/ 3581 (نصب)، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 301، و"زاد المسير" 2/ 283.

(٦٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 146، وانظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 284.

(٦٥) هذا ما ذهب إليه ابن جريج وقرره الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 424.

(٦٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦٧) في (ش): (أهل به لغير الله).

(٦٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 75.

(٦٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 75 (٧٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 76، ومعاني الزجاج 2/ 146.

(٧١) في (ج): (أبو عبيد).

(٧٢) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 152.

(٧٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٧٤) لم أقف عليه.

(٧٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2961، وانظر: "اللسان" 6/ 3629 (قسم).

(٧٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٧٧) "ديوانه" ص 254، و"تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

والبيت من قصيدة يرثى فيها النعمان بن المنذر، والمراد بـ (أمك هابل): الدعاء، يقال: هبلته أمه، أي ثكلته.

(٧٨) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٧٩) من "تهذيب اللغة" 2/ 155 (زلم)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 152، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 75 - 76، و"زاد المسير" 2/ 284.

(٨٠) "ديوانه" ص 227، و"تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

ومعنى لا يزجر: لا يتطير، وسنحا جمع سانح وهو ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك.

انظر: "اللسان" 4/ 2112، ويفيض من الإفاضة وهي الضرب بالاقداح، وقوله: قسم من قولك: يقسم أمره إلي: ينظر فيه ويحيله أيفعله أم لا.

(٨١) "ديوانه" ص72، و"تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

(٨٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

(٨٣) عجز بيت لذي الرمة في "ديوانه" ص 250، وصدره: تفض الحصى عن مجمرات وقيعة واستشهد به في "الصحاح" 5/ 1943 (زلم).

وأرحاء جمع رحى، والمناقر: المعادل.

انظر: "اللسان" 12/ 270 (زلم).

(٨٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1552، وانظر: "اللسان" 3/ 1857 (زلم).

(٨٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1552، وانظر: "اللسان" 3/ 1858 (زلم).

(٨٦) عجز بيت للبيد في معلقته وصدره: حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت "ديوان لبيد" ص 310، و"شرح المعلقات السبع" ص90.

ومعنى بكرت: غدت بكره، وأزلامها: قوائمها، شبهها بالقداح أي لم تعد تثبت قوائمها على الثرى لأن الطين زلق.

(٨٧) "معاني القرآن" 2/ 461.

(٨٨) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1552، و"اللسان" 3/ 1857 - 1858 (زلم).

(٨٩) انظر: "تفسيره" ص 169.

(٩٠) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 152، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 76، و"زاد المسير" 2/ 284.

(٩١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 146، 147.

(٩٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" 5/ 174، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 118، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.

(٩٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٩٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 147، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 78.

(٩٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 78، و"معاني الزجاج" 2/ 148.

(٩٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 185، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٩٧) هكذا بالياء في النسختين، وفي رسم المصحف: (واخشون) بدونها.

(٩٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٩٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 148.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79، وانظر: "زاد المسير" 2/ 286.

(١٠١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 80279، و"بحر العلوم" 1/ 415، و"زاد المسير" 2/ 287.

(١٠٢) لم أقف عليه.

(١٠٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 80، وانظر: "زاد المسير" 2/ 287.

(١٠٤) في "تفسيره" ص 170، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79.

(١٠٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79.

(١٠٦) لم تظهر في (ش).

(١٠٧) لم أقف عليه.

(١٠٨) لم تظهر في (ش).

(١٠٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١١٠) لم أقف عليه.

(١١١) غير ظاهر في (ش).

(١١٢) ليست في (ج).

(١١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149، وانظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١١٤) غير ظاهر في (ش).

(١١٥) غير واضح في (ش).

(١١٦) غير ظاهر في (ش).

(١١٧) غير ظاهر في (ش).

(١١٨) لم أقف عليه.

(١١٩) لم أقف عليه.

(١٢٠) غير ظاهر في (ش).

(١٢١) طمس في (ج).

(١٢٢) غير ظاهرة في (ش).

(١٢٣) هذا قول الحكم وقتادة وسعيد بن جبير واختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 80، وانظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١٢٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١٢٥) بنحوه في "تفسيره" ص 170، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 85.

(١٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 148.

(١٢٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 153، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 85.

(١٢٨) "تهذيب اللغة" 7/ 155.

(١٢٩) البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" 82، و"النوادر" لأبي زيد ص 111.

(١٣٠) في (ش): (الجميع).

(١٣١) انظر: "الصحاح" 3/ 1038، و"اللسان" 3/ 1266 (خمص).

(١٣٢) "ديوانه" ص 100، و"مجاز القرآن" 1/ 153.

وفي الديوان: جوعى بدل غرثى والمعنى واحد.

(١٣٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٣٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 301، و"الدر المصون" 4/ 200.

(١٣٥) ما بين القوسين ليس في (ش).

(١٣٦) انظر: "تفسير ابن عباس" ص170، والطبري في "تفسيره" 6/ 86، و"النكت والعيون" 2/ 13.

(١٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" (6/ 86.

(١٣٨) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139.

(١٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149، والطبري في "تفسيره" 6/ 86، و"الصحاح" 4/ 1339 (جنف).

(١٤٠) "مجاز القرآن" 1/ 153.

(١٤١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"بحر العلوم" 1/ 416.

(١٤٢) هذا معنى قول مجاهد كما في الطبري في "تفسيره" 6/ 86، ورجحه أبو يعلى انظر: "زاد المسير" 2/ 289.

(١٤٣) غير ظاهر في (ش).

(١٤٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير ﴾ تقدّم الكلام عليها في [البقرة: 173] ﴿ والمنخنقة ﴾ هي التي تخنق بحبل وشبهه ﴿ والموقوذة ﴾ هي المضروبة بعصا أو حجر وشبهه، ﴿ والمتردية ﴾ هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك، ﴿ والنطيحة ﴾ هي التي نطحتها بهيمة أخرى ﴿ وَمَآ أَكَلَ السبع ﴾ أي أكل بعضه، والسبع كل حيوان مفترس: كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ قيل إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل السبع، والمعنى: حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم من غيرها، فهو حلال، وهذا قول ضعيف، لأنها إن ماتت بهذه الأسباب، فهي ميتة فقد دخلت في عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها، وقيل: إنه استثناء متصل، وذلك إن أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته، والمعنى على هذا: إلى ما أدركتم ذكاتها من هذه الأشياء فهو حلال، ثم اختلف أهل هذا القول هل يشترط أ ن تكون لم تنفذ مقالتها أم لا؟

وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ عطف على المحرمات المذكورة، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام مصوّرة والنصب غير مصوّرة وهي الأنصاب، والمفرد نصاب، وقد قيل: إن النصب بضمتين مفرد، وجمعه أنصاب ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ﴾ عطف على المحرمات أيضاً.

والاستقسام هو طلب ما قسم له، والأزلام هي الهسام.

واحدها زلم بضم الزاي وفتحها، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها: افعل: وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث: مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمراً جعلها في خريطة كيس، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه افعل: فعل ما أراد، وإن خرج له الذي فيه لا تفعل تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ الإشارة إلى تناول المحرمات المذكورة كلها، أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرمه الله وجعله فسقاً: لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطلاع على الغيوب ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ أي يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه، ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع،.

فذلك هو اليوم المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، ويحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ راجع إلى المحرمات المذكورة قبل هذا، أباحها الله عند الاضطرار ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ في مجاعة ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ هذا بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم في البقرة ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قام مقام فلا جناح عليه، وتضمن زيادة الوعد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.

الباقون مثقلة.

﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.

الباقون بالفتح.

﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.

الباقون بالفتح.

﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.

﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.

الباقون بالجر.

الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.

﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.

﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.

﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.

﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.

﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.

﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.

﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.

﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.

﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.

والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.

والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.

والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.

ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله  : " "لا نذر في معصية الله" .

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله  : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.

وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله:  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح  ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.

والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.

ثم إنه  لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.

وهذا باب مبهم أي مسدود.

ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.

والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.

قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.

وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.

وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.

وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.

وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

الثاني أنها الأجنة.

عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه  يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.

وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله  وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله  في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.

والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.

على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.

قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.

وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.

ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟

فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.

ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".

وقال ابن فارس: واحدها شعارة.

ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.

ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.

وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.

وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي  من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي  فقال له: إلام تدعو الناس؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.

فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.

وقد كان النبي  قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.

فلما خرج قال رسول الله  : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .

فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله  وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله  : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟

فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.

والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.

والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.

والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.

والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.

ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.

وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله  ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.

وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه  أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله  ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.

﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.

تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.

الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.

والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.

ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.

وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.

قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله  والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.

﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.

والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله  وتعالى .

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.

﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.

الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.

قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.

وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.

والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.

الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.

وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.

السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.

وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.

السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.

الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.

والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.

وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.

تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.

التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.

قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.

أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.

وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.

وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.

وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.

الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.

فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.

فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.

والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.

يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.

وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.

وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه  مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.

ثم إنه  حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.

وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي  واقف على ناقته العضباء.

وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.

فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله  محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.

قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي  مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟

وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.

وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.

وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.

والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.

قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.

وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.

قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.

وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.

روي أنه لما نزلت الآية على النبي  فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.

وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.

قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي  عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.

والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.

ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.

واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.

ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.

وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.

تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.

أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل  جاء إلى النبي  فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله  فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي  فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله  إلى أن نزلت هذه الآية.

فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .

وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله  زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.

الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي  نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.

ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله  عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .

الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.

الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.

الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.

ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.

ومنه الفواسق الخمس.

روي أنه  قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .

السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه  نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.

السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله  : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.

فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.

وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.

وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.

والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه  قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.

ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.

قوله  : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.

قال  : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار  ﴾ أي كسبتم.

وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.

وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.

نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.

والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.

قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله  : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.

واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.

ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.

ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله  لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.

وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.

ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.

وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.

ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.

و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره  ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.

وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.

والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.

ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.

أما قوله  : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.

وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله  .

/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.

وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.

وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.

وقد يرجح الأول بأنه  قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.

ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.

وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله  ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.

وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.

فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟

وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.

﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.

وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.

وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله  : ﴿ حتى يعطوا الجزية  ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.

والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله  في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.

ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.

وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.

وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.

وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.

واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.

ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.

ثم إنه  لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله  نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.

وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.

ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.

الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.

والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.

وأيضاً إنه طهارة وقد قال  في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال  : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.

الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.

وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.

وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.

وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.

ويروى "أنّ النبي  كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه  صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.

قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .

أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.

وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.

الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.

وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.

ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.

وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.

نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله  والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال  : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.

الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.

الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.

وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله  : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين  ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.

وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.

السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.

وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.

وقال  في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .

وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.

ثم إنه  أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله  عنه.

وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.

ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.

وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.

السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه  رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.

الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.

وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه  احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .

التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.

وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.

الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.

وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.

الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟

قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.

قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.

الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟

يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.

وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.

الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.

الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.

السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.

السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.

الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.

وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.

التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.

أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.

حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.

العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.

الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.

الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.

لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.

الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.

الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.

مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.

الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.

الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.

السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.

السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.

ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.

وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.

وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.

وهذا الجواب اختيار الزجاج.

وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.

الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.

لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.

التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.

الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.

الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.

أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه  مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.

الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.

الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.

وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه  مسح على العمامة.

وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.

الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر  أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.

وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.

وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.

والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.

الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.

وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.

والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.

حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه  قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .

السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.

حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.

السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.

الثامنة والثلاثون.

قوله  : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.

وللجنابة سببان: نزول المني لقوله  : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه  قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.

التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.

لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون  ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله  : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله  : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.

ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله  : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.

الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.

الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.

الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.

قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.

وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.

الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله  : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.

الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.

السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.

السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.

الشافعي يكره للحديث.

الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي  من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.

وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.

التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.

الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.

الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.

حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.

الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.

وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.

الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.

والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.

الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.

وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.

حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله  : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله  : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.

السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.

وقال أبو حنيفة: نجسه.

السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.

وقال زفر: لا يجب.

الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.

أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.

التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله  : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .

الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي  وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.

لنا قوله  : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.

الحادية والستون.

الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله  فيبقى في التيمم على ظاهره.

أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.

أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.

الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.

وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.

الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.

وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.

الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.

الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.

السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.

والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.

ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.

وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.

السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.

الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.

/واعلم أن قوله  وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.

وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.

أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول  : ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ولقوله  : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.

التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله  لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.

﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.

ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.

فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟

فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.

الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.

وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.

ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.

وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.

وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟

ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟

فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.

وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.

بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.

عن جابر "أن النبي  نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي  سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله  فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟

قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي  يقول: الله.

فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي  أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .

وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي  رجلين من بني سليم - وبين النبي  وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟

فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.

فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل  وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.

وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.

التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.

فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.

ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.

﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.

﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي  ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.

وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين  ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: حرم عليكم أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير...

إلى آخر ما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: يجوز الانتفاع بصوف الميتة وبعظمها؛ دل أنه على الإضمار: إضمار "أكل"، وأما الانتفاع بجلدها لا يجوز إلا بعد الدباغ؛ لأن الجلد ربما يشوى مع اللحم فيؤكل؛ فهو حرام كاللحم، إلا أن يدبغ.

ثم في الآية دليل الامتحان من وجهين: أحدهما: إباحة التناول من جوهر، وامتحن بحرمة الخنزير والدم لم يحله بسبب ولا بغير سبب، وامتحن بحل الآخر بسبب، وحَرَّم بسبب.

والثاني: امتحن بسبب حل تنفر الطباع عنه؛ لأن كل ذي روح يتألم بالذبح واستخراج الروح منه، وجعل طبيعة كل أحد مما ينفر عنه لم يتألم به؛ لتطيب أنفسهم بذلك، ثم جعل ما يخرج من الأرض كله حلالاً بلا سبب يكتسبون، إلا ما لا يقدرون على التناول منه؛ لخوف الهلاك؛ لأنه موات لا تنفر الطبائع عنه، ثم جعل أسباب الحل أسباباً يكتسبون مما لا يعمل في استخراج ذلك الدم المحرم منه حل أكله، وإذا لم يعمل في استخراج ذلك الدم؛ فهلك فيه - أفسده؛ لأنه أتلف فيه ما هو محرم فأفسده؛ فاستخراج ذلك الدم مما يطيب ذلك، ويمنع عن الفساد، إلا في طول الوقت، والذي هلك فيه الدم يفسد في قليل الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : قال الكسائي: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : أي: ذكر وسمى عليه غير اسم الله، مشتقة من استهلال الصبي، ومنه أهلّ الهلال، وأهل المهل بالحج إذا لبى.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة؛ حتى إذا ماتت أكلوها.

والكافر - في الحقيقة - يهل لغير الله؛ لأنه لا يعرف الله حقيقة، لكنه أجيز ذبائح الكتابي؛ لأنه يسمي عليها اسم الله  .

﴿ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ : كانوا يضربون بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها.

﴿ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ : كانت تردى في بئر أو من جبل؛ فتموت.

﴿ وَٱلنَّطِيحَةُ ﴾ : كان الكبشان يتناطحان؛ فيموت أحدهما، فيأكلونه.

﴿ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ : كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئاً من هذا وأكل منه، أكلوا ما بقي؛ فقال الله -  -: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ .

ثم روي عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ فما أَدْرَكْتَ من هذا كُلِّه يتحرك [له الذَّنَبُ]، أو يَطْرف له العينُ - فاذبحْ، واذكر اسم الله عليه؛ فهو حلال.

وروي عن علي -  - قال: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها أو حركت ذنبها - فهي ذكية.

وكذلك روي عن أبي الزبير أنه سمع عبيد بن عمير -  - يقول كذلك، وكأنه روي - مرفوعاً - عن رسول الله  كذلك.

وهذا - والله أعلم - إذا خنقها أو أوقذها - يغمى عليها، فإذا ذبحت، فحركت ذنبها، أو طرفت عينها، أو ركضت برجلها - أفاقت؛ فاستدل بذلك على حياتها.

وليس هذا كشاة ينزع الذئب أو السبع ما في بطنها، وصارت بحال لا تتحامل، إنها وإن تحركت أو طرفت بعينها فإنها لا تؤكل.

وأصله: أن كل ما لو قطع العروق فتركت فماتت، تكون ميتة، فإذا أدركها في تلك الحال فذكاها، كانت ذكية، وكل ما لو صار بحال لو ماتت كانت ذكية، فإذا أدركه في تلك الحال فذكاه، كانت ميتة.

﴿ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ : الممتنعة عن الذبح، في المذبح، إذا ذبح من غير المذبح يجوز أكله.

وروي عن رافع بن خديج قال: أصبنا إبلا وغنماً، فَنَدَّ منها بعير؛ فرماه رجل بسهم؛ فحبسه؛ فقال رسول الله  : "إنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوابِدَ كأَوابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا كَانَ غَلَبَكُمْ شَيْءٌ مِنَهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" وعن ابن عباس -  - أنه قال - في البعير يتردى في البئر - إذا لم يُقْدَرْ على منحره؛ فهو بمنزلة الصيد ينحره من حيث أدرك.

وسئل علي بن أبي طالب -  - عن بعير تردى في بئر، فصار أعلاه أسفله؟

فقال: قطعوه أعضاء وكلوه.

وعن ابن عمر -  - كذلك روي أنه "سئل رسول الله  فقيل: هل تكون الذكاة إلا في الحلق واللبَّة؟

فقال: أَمَا إِنَّها لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخِذِهَا، أَجْزَى عَنْكَ" وَإِذَا ذكي بِغَيْرِ السِّكين من نحْوِ المروة والقصبة مما يقطع - يجوز.

روي أن عدي بن حاتم -  - قال: "يا رسول الله، أُرْسِلُ كلبي فيأخذ الصيد، وليس معي ما أذكيه به؛ فأذبحه بالمروة أو القصبة؟

فقال رسول الله  : أَمْرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ" .

وكذلك روي عن علي [بن أبي طالب -  -].

وروي "أن رجلاً أشاط دم جزور بجدل؛ فسأل النبي  فقال: إِذَا أَنْهرتَ الدَّمَ فَكُلْ" وعن حذيفة -  - قال: قال رسول الله  : "اذبح بكل ما أفرى الأوداج وأهرق الدم ما خلا السِّنَّ والظُّفُرَ" وإلى هذا يذهب أصحابنا - رحمهم الله - في ذلك، ويرون كل ما أنْهرَ الدم: من حجر، أو مروة، أو نحو ذلك - مذكى ويؤكل، ويحملون قول رسول الله  : "إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُر" على أنهما إذا كانا غير منزوعين؛ لأن ذلك خنق، وليس بذبح؛ يفسر ذلك قول ابن عباس -  - حيث قال: إن ذلك خنق، وفي الخبر بيان؛ لأنه قال: "كُل مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الأوْدَاجَ، مَا خَلا السِّنَّ وَالظٌّفُرَ؛ فَإِنَّهُمَا مُدَى الحَبَشَةِ" ، وهم إنما كانوا يذبحون بسن أو ظفر غير منزوعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ .

أي: للنصب، قيل: كانوا يذبحون للأوثان والأصنام التي يعبدونها؛ يتقربون بذلك إليها؛ كما كان أهل الإسلام يتقربون بالذبائح يذبحونها إلى الله؛ فحرم الله - عز وجل - ما كانوا يذبحون للنصب ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ ؛ لما ذكرنا أن الأمر به خرج مخرج قبول النعمة والشكر له فيما أنعم عليهم من عظيم النعم؛ فإذا أهلوا به لغير الله - [أي: لغير] - وجه الله لم يقبلوا نعمه، ووجهوا الشكر إلى غيره؛ فحرم لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ﴾ .

قيل: سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها.

وقيل: الأزلام: هي القداح، كانوا يقتسمون بها الأمور: فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدْحاً، فقال: "هذا يأمره بالخروج"، فإن هو خرج فهو مصيب في سفره خيرا، ويأخذ قِدحاً آخر؛ فيقول: "هذا يأمره بالمكث"، فإن هو خرج فليس بمصيب خيراً في [سفره.

و] المنيح بينهما؛ فنهي الله عن ذلك، وأنبأ أن ذلك فسق؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ .

وعن الحسن قال: كانوا يعمدون إلى قداح فيكتبون على أحدها: "مُرْني"، وعلى الآخر: "انْهَنِي"، ثم يحيلونها إذا أرادوا السفر: فإن خرج عليه "مرني" مضى في وجهه، وإن خرج الذي عليه "انهني" لم يخرج.

قال أبو بكر الكيساني: إن في النهي عن العمل بالأزلام دليل النهي عن العمل بالنجوم، فإذا نهي عن العمل بقول المقتسمين ينهي - أيضاً - عن العمل بقول المنجِّمة؛ لأنهم يقولون عين ما يقول أولئك ويعملون به، لكن المنجمة ليسوا يقولون: إن نجم كذا يأمركم كذا، ونجم كذا ينهى عن كذا؛ على ما كان يفعل أولئك.

ويجوز أن يكون الله - عز وجل - جعل في النجوم أعلاماً ومعاني يدركون بها، ويستخرجون أشياء تحتمل ذلك؛ ويكون على ما يستخرج أهل الاجتهاد بالاجتهاد أشياء من معنى النصوص، وأحكاماً لم تذكر في المنصوص؛ فعلى ذلك المنجمة يجوز أن يستخرجوا أشياء من النجوم بدلائل ومعان تكون في النجوم، ولا عيب عليهم في ذلك ولا لائمة، إنما اللائمة عليهم فيما يحكمون على الله ويشهدون عليه.

قال القتبي: الأزلام: القداح، واحدها: زَلَم وزُلَم، بها: أن يضرب، فأخذ الاستقسام من القسم - وهو النصيب - [كأنه طلب النصيب].

قال أبو عوسجة: استقسمت، أي: ضربت بالقداح؛ قال: كأنه من القسم.

وقال أبو عبيد: إنما سمى: استقساماً؛ لأنهم كانوا يطلبون قسم الرزق وطلب الحوائج بها؛ فكانوا يسألونها أن تقسم لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ فِسْقٌ ﴾ أي: العمل بالأزلام، والشهادة على الله أنه أمر بذلك - فِسق، وعلى هذا من يستجيز العمل بالقرعة؛ لأنه يقول: يقرع فمن خرجت قرعته يحكم له، فإنما يحكم له بأمر القرعة؛ كأن القرعة تأمره بالحكم لهذا بهذا، وتنهاه عن الحكم لهذا بهذا، فهو بالأزلام والقداح التي نهى الله عن العمل ذلك أشبه، وبها أمثل من غيره.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ : أي: التناول مما ذكر من المحرمات: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب، وما ذكر في أول السورة من الاصطياد في الإحرام والتناول منه؛ ذلك كله فسق، وهو قول ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ : إنهم كانوا يطمعون دخول أهل الإسلام في دينهم وعودهم إليهم، فأيأسهم الله -  وتعالى - عن ذلك؛ فقال: اليوم يئس الذين كفروا من ترككم دين الإسلام؛ فلا تخشوهم واخشون؛ آمنهم عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ \[الآية\]: قال أبو عبيد: كان دينهم إلى ذلك اليوم ناقصاً؛ فحينئذ كمل دينهم؛ فعلى زعمه: أن النبي  يدعو الناس إلى دين ناقص، ومن مات من أصحاب رسول الله  من المهاجرين والأنصار - رضوان الله عليهم أجمعين - ماتوا على دين ناقص، ويحشرون يوم القيامة على دين ناقص، وأي قول أفحش من هذا وأسمج؟!.

وقال آخر من أصحابه: كان الدين كاملاً إلى ذلك الوقت، فلمَّا بعث الله بالفرائض، وافترض عليهم - صار الدين ناقصاً إلى أن يؤدوا الفرائض وما افترض عليهم؛ فعند ذلك يكمل؛ فهذا القول - أيضاً - في الوحشة والسماجة والقبح مثل الأول.

ويقال لأبي عبيد: قل - أيضاً - بأنه لم يكن رضي لهم بالإسلام ديناً قبل ذلك فعند ذلك رضي.

والأصل في تأويل الآية وجوه: أحدها: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ : أي: برسوله، وببعثه أكملت لكم دينكم، وبه أتممت عليكم نعمتي.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ : أي: اليوم أظهرت لكم دينكم، ولم يكن قبل ذلك ظاهراً، حتى قال رسول الله  : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وقال: "أَلا لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ" ؛ وذلك لظهوره ولغلبة أهل الإسلام عليهم، وإن لم يكن هذا قبل ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ؛ لما آمنهم من العدو والعود إلى دين أولئك، وإياس أولئك عن رجوعهم إلى دين الكفرة، وأي نعمة أتم وأكمل من الأمن من العدو؟

ويقول الرجل: اليوم تم ملكي وكمل؛ إذا هلك عدوه؛ لأمنه من عدوه، وإن كان لم يوصف ملكه قبل ذلك بالنقصان؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقيل: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ، أي: أمر دينكم بما أمروا بأمور وشرائع لم يكونوا أمروا بها قبل ذلك، وهذا جائز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ﴾ : أي: أكرمتكم بالدين المرضي وهو الإسلام؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ : قيل: المخمصة: المجاعة.

وقال أبو عوسجة: رجل خميص، أي: جائع.

وقال غيره: هو من ضيق البطن.

وهو واحد؛ لأنه من الجوع ما يضيق البطن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ : أي: غير مُتَعَمِّد لإثم، وهو قول ابن عباس.

وقال الكسائي: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ﴾ : غير متمايل، والجنف: الميل، وكذلك قال القتبي.

وقال أبو عوسجة - أيضاً -: الجنف: الميل.

ثم قوله: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ يحتمل وجهين: قيل: غير مستحل أكل الميتة في حال الاضطرار، وحرم عليه التناول من الصيد.

وقيل: غير متلذذ ولا مشتهٍ، يتناول على التكره منه، لا على التلذذ والشهوة.

وقيل - أيضاً -: إنه لا يتناول إلا في حال الاضطرار؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ  ﴾ ، وقوله - عز وجل - ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ تفسير قوله: ﴿ ٱضْطُرَّ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، أي: من رحمته أن جعل لكم التناول من المحرم، ورخص لكم؛ إذ له أن يترككم تموتون جوعاً؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 66].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حَرَّمَ الله عليكم ما مات من حيوان دون ذكاة، وحَرَّمَ عليكم الدم المسفوح ولحم الخنزير، وما ذُكِرَ عليه اسْمٌ غير اسم الله عند الذبح، والميتة بالخنق، والميتة بالضرب، والساقطة من مكان عالٍ، والميتة بنطح غيرها لها، وما افترسه سبُع مثل الأسد والنمر والذئب، إلا ما أدركتموه حيًّا من المذكورات وذكيتموه، فهو حلال لكم، وحرَّم عليكم ما كان ذبحه للأصنام، وحَرَّمَ عليكم أن تطلبوا ما قسم لكم من الغيب بالأقداح وهي حجارة أو سهام مكتوب فيها (أفعل) (لا تفعل) فيعمل بما يخرج له منها.

فِعْل تلك المحرمات المذكورة خروج عن طاعة الله.

اليوم يئس الذين كفروا من ارتدادكم عن دين الإسلام لما رأوا من قوته، فلا تخافوهم وخافوني وحدي، اليوم أكملت لكم دينكم الذي هو الإسلام، وأتممت عليكم نعمتي الظاهرة والباطنة، واخترت لكم الإسلام دينًا، فلا أقبل دينًا غيره، فمن أُلجئَ بسبب مجاعة إلى الأكل من الميتة غير مائل للإثم فلا إثم عليه في ذلك، إن الله غفور رحيم.

ولما ذكر الله ما حرم أكله ذكر ما أباح أكله، فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.3gP5K"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد