الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٠ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) أي : فحسنت وسولت له نفسه ، وشجعته على قتل أخيه فقتله ، أي : بعد هذه الموعظة وهذا الزجر .
وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين : أنه قتله بحديدة في يده .
وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة عن عبد الله وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) فطلبه ليقتله ، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال ، فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له ، وهو نائم فرفع صخرة ، فشدخ بها رأسه فمات ، فتركه بالعراء .
رواه ابن جرير .
وعن بعض أهل الكتاب : أنه قتله خنقا وعضا ، كما تقتل السباع ، وقال ابن جرير لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه ، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ، ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها ، وابن آدم ينظر ، ففعل بأخيه مثل ذلك .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : أخذ برأسه ليقتله ، فاضطجع له ، وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله ، فجاءه إبليس فقال : أتريد أن تقتله ؟
قال : نعم .
قال : فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه .
قال : فأخذها ، فألقاها عليه ، فشدخ رأسه .
ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعا ، فقال : يا حواء ، إن قابيل قتل هابيل .
فقالت له : ويحك ، أي شيء يكون القتل ؟
قال : لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك .
قالت : ذلك الموت .
قال : فهو الموت .
فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح ، فقال : ما لك ؟
فلم تكلمه ، فرجع إليها مرتين ، فلم تكلمه .
فقال : عليك الصيحة وعلى بناتك ، وأنا وبني منها برآء .
رواه ابن أبي حاتم .
وقوله : ( فأصبح من الخاسرين ) أي : في الدنيا والآخرة ، وأي خسارة أعظم من هذه ؟
.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ووكيع ، قالا : حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتل نفس ظلما ، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سن القتل " .
وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق ، عن الأعمش به .
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين حدثني حجاج قال : قال ابن جريج : قال مجاهد : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار ، عليه في الصيف حظيرة من نار ، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج - قال : وقال عبد الله بن عمرو : إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب ، عليه شطر عذابهم .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن حكيم بن حكيم أنه حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول : إن أشقى أهل النار رجلا ابن آدم الذي قتل أخاه ، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة ، إلا لحق به منه شر ، وذلك أنه أول من سن القتل .
وقال إبراهيم النخعي : ما من مقتول يقتل ظلما ، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه .
رواه ابن جرير أيضا .
القول في تأويل قوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فطوّعت " فآتتهُ وساعدته عليه.
(129) * * * وهو " فعَّلت " من " الطوع "، من قول القائل: " طاعني هذا الأمر "، إذا انقاد له.
* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويله.
فقال بعضهم، معناه: فشجَّعت له نفسه قتل أخيه.
ذكر من قال ذلك: 11742 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد قالا حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه "، قال: شجعت.
(130) 11743 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه " قال: فشجعته.
11744 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه قتل أخيه "، قال: شجعته على قتل أخيه.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: زيَّنَت له.
ذكر من قال ذلك: 11745 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فطوعت له نفسه "، قال: زينت له نفسه قتلَ أخيه فقَتله.
* * * ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله.
* * * فقال بعضهم: وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة.
ذكر من قال ذلك: 11746 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبى مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= &; 10-222 &; وعن مرة، عن عبد الله= وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فطوعت له نفسه قتل أخيه " فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال.
وأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة فشدَخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعَرَاء.
* * * وقال بعضهم ما:- 11747 - حدثني محمد بن عمر بن علي قال، سمعتَ أشعث السجستاني يقول: سمعت ابن جريج قال: ابنُ آدم الذي قتل صاحبَه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، (131) ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل.
11748 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قتله حيث يرعَى الغنم، فأتاه فجعل لا يدري كيف يقتله، (132) فلَوَى برقبته وأخذ برأسه، فنـزل إبليس وأخذ دابَّةً أو طيرًا، فوضع رأسه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه، وابنُ آدم القاتلُ ينظر.
فأخذ أخاه فوضع رأسه على حجَر، وأخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه.
11749 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول، فذكر نحوه.
11750 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربانَ ابن آدم الذي تُقُبِّل قربانه، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقُبِّل منك، ورُدَّ عليَّ؟
والله لا تنتظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني!
فقال: لأَقْتُلَنَّكَ ، فقال له أخوه: ما ذنبي؟
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .
فخوّفه بالنار، فلم ينته ولم ينـزجر=" فطوعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ".
(133) 11751 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنـزل سَمُرَةَ الصوّاف، (134) وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، (135) وينكحها غيره من إخوتها.
وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة.
فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة.
فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي.
قال: لا أنا أحق بأختي.
فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله.
فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منـزل سمرة الصواف، (136) وهو على يمينك حين ترمي الجمار = قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة.
قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات.
(137) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه.
وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره= وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان.
غير أن القتل قد كان لا شك فيه.
* * * وأما قوله: " فأصْبَحَ من الخاسرين "، فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم.
(138) ---------------- الهوامش : (129) في المطبوعة: "فأقامته وساعدته..." ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، ولكنها غير منقوطة.
يقال: "آتيته على هذا الأمر مؤاتاة" ، إذا وافقته وطاوعته.
قالوا: "والعامة تقول: واتيته.
قالوا: ولا تقل: واتيته ، إلا في لغة لأهل اليمن.
ومثله آسيت ، وآكلت ، وآمرت= وإنما جعلوها واوًا على تخفيف الهمزة في: يواكل ، ويوامر ، ونحو ذلك".
(130) الأثر: 11742-"عنبسة" ، هو"عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي" مضى مرارًا ، منها رقم: 224 ، 3356 ، 5385.
و"ابن أبي ليلى" ، هو"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" ، مضى مرارًا.
رقم: 32 ، 33 ، 631 ، 3914 ، 5434.
وكان في الإسناد هنا ، في المخطوطة والمطبوعة: "عن عنبسة بن أبي ليلى" ، وهو خطأ لا شك فيه ، وقد مضى هذا الإسناد كثيًرا ، انظر مثلا رقم: 631.
(131) في المطبوعة: "فقصع رأسه" ، ولا تصح وأثبت ما في المخطوطة.
وإنما عني"قطع رأسه" ، علمه قطع الرأس في القتل ، ثم علمه الشدخ في القتل.
صورتان للقتل.
(132) في المطبوعة"فأتى" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(133) الأثر: 11750- مضى مفرقًا برقم: 11706 ، 11722.
(134) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء ، وأثبت ما في تاريخ الطبري ، ولا أدري ما يكون هذا ، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع.
و"سمرة الصراف" ، اسم رجل.
ولم أعرف من يكون.
(135) في تاريخ الطبري: "أن تنكح المرأة أخاها توأمها" ، وكان في المطبوعة هنا"توأمها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف ص: 205 ، تعليق: 3.
(136) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء ، وأثبت ما في تاريخ الطبري ، ولا أدري ما يكون هذا ، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع.
و"سمرة الصراف" ، اسم رجل.
ولم أعرف من يكون.
(137) الأثر: 11751- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 69.
(138) انظر تفسير"الخاسرين" و"الخسران" فيما سلف ص : 170 ، تعليق : 4.
والمراجع هناك.
قوله تعالى : فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فطوعت له نفسه .
أي : سولت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل له يقال : طاع الشيء يطوع أي : سهل وانقاد .
وطوعه فلان له أي : سهله .
قال الهروي : طوعت وأطاعت واحد ; يقال : طاع له كذا إذا أتاه طوعا .
وقيل : طاوعته نفسه في قتل أخيه ; فنزع الخافض فانتصب .
وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر - أو حيوان غيره - فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل ; قاله ابن جريج ومجاهد وغيرهما ، وقال ابن عباس وابن مسعود : وجده نائما فشدخ رأسه بحجر وكان ذلك في ثور - جبل بمكة - قاله ابن عباس ، وقيل : عند عقبة حراء ; حكاه محمد بن جرير الطبري ، وقال جعفر الصادق : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة ، ويقال : إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه ; لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها ; فأخذ حجرا فقتله بأرض الهند ، والله أعلم .
ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه ; ففعل القاتل بأخيه كذا ، والسوءة يراد بها العورة ، وقيل : يراد بها جيفة المقتول ; ثم إنه هرب إلى أرض [ ص: 95 ] عدن من اليمن ، فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار ، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيت نار ، فهو أول من عبد النار فيما قيل ، والله أعلم .وروي عن ابن عباس أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر ، وتغيرت الأطعمة ، وحمضت الفواكه ، وملحت المياه ، واغبرت الأرض ; فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل .
وقيل : إن قابيل هو الذي انصرف إلى آدم ، فلما وصل إليه قال له : أين هابيل ؟
فقال : لا أدري كأنك وكلتني بحفظه .
فقال له آدم : أفعلتها ؟
!
والله إن دمه لينادي ، اللهم العن أرضا شربت دم هابيل .
فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما .
ثم إن آدم بقي مائة سنة لم يضحك ، حتى جاءه ملك فقال له : حياك الله يا آدم وبياك .
فقال : ما بياك ؟
قال : أضحكك ; قال مجاهد وسالم بن أبي الجعد .
ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له شيثا ، وتفسيره هبة الله ، أي : خلفا من هابيل ، وقال مقاتل : كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم ، فلما قتل قابيل هابيل هربوا ، فلحقت الطيور بالهواء ، والوحوش بالبرية ، ولحقت السباع بالغياض .
وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال :تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولونوقل بشاشة الوجه المليحفي أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره .
قال ابن عطية : هكذا هو الشعر بنصب " بشاشة " وكف التنوين .
قال القشيري وغيره قال ابن عباس : ما قال آدم الشعر ، وإن محمدا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء ; لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني ، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث وقال : إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليتوارث ; فحفظت منه إلى زمان يعرب بن قحطان ، فترجم عنه يعرب بالعربية وجعله شعرا .الثانية : روي من حديث أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال : يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه ، وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل ، وهذا نص على التعليل ; وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود ; لأنه أول من عصى به ، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا يجوز من البدع والأهواء ; قال صلى الله عليه وسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم [ ص: 96 ] القيامة ، وهذا نص في الخير والشر ، وقال صلى الله عليه وسلم : إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون ، وهذا كله صريح ، ونص صحيح في معنى الآية ، وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك المعصية ، لأن آدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نهي عنه ، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ولا شربه من بعده بالإجماع ; لأن آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه ، فصار كمن لم يجن .ووجه آخر : فإنه أكل ناسيا على الصحيح من الأقوال ، كما بيناه في " البقرة " والناسي غير آثم ولا مؤاخذ .الثالثة : تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد ، حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة ، وأمسه به رحما ، وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه .الرابعة : قوله تعالى : فأصبح من الخاسرين أي : ممن خسر حسناته ، وقال ، مجاهد : علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ، ووجهه إلى الشمس حيثما دارت ، عليه في الصيف حظيرة من نار ، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج .
قال ابن عطية : فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى : فأصبح من الخاسرين وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة .قلت : ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه عاص لا كافر ; فيكون المعنى فأصبح من الخاسرين أي : في الدنيا ، والله أعلم .
فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه.
{ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } دنياهم وآخرتهم، وأصبح قد سن هذه السنة لكل قاتل.
"ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنه"ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها، لأنه أول من سن القتل".
قوله عز وجل : ( فطوعت له نفسه ) أي : طاوعته وشايعته وعاونته ، ( قتل أخيه ) أي في قتل أخيه ، [ وقال مجاهد : فشجعته ، وقال قتادة : فزينت له نفسه ، وقال يمان : سهلت له نفسه ذلك ، أي : جعلته سهلا ] تقديره : صورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه ، فقتله فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله ، قال ابن جريج : فتمثل له إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل ، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين قيل : قتل وهو مستسلم ، وقيل : اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله ، وذلك قوله تعالى : ( فقتله فأصبح من الخاسرين ) وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة .
واختلفوا في موضع قتله [ قيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فاسود جسم القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلا فقال : بل قتلته ولذلك اسود جسدك ، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله ] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : على جبل [ ثور ] وقيل عند عقبة حراء ، فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم ، وقصدته السباع ، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما ، وقال ابن عباس : سنة ، حتى أروح ، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتأكله ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه ، وقابيل ينظر إليه ، فذلك قوله تعالى:
«فطوَّعت» زينت «له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح» فصار «من الخاسرين» بقتله ولم يدرِ ما يصنع به لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم فحمله على ظهره.
فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله، فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم.
فماذا كان وَقْعُ هذا النصح الحكيم ، والإِرشاد القويم في نفس ذلك الإِنسان الحاسد الظالم؟لقد بين الله ذلك بقوله : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين ) .قال القرطبي : قوله ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ) : أي : سولت وسهلت نفسه له الأمر .
وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل .
يقال : طاع الشيء يطوع أي : سهل وانقاد .
" وطوعه فلان له أي سهله " .والمعنى : أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له - بعد هذه المواعظ - ( قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين ) في دنياه وفي أخراه .وأصبح من الخاسرين في آخرته ، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها وقد توعد الله مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم .والتعبير بقوله - تعالى ( فطوعت ) تعبير دقيق بليغ ، فإن هذه الصيغة - صيغة التفعيل - تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه ، كانت هناك بواعث الشر التي تدعوه إلى الإقدام على قتله ، ودوافع الخير التي تمنعه من الاقدام على قتل أخيه ، وأخيراً تغلبت دوافع الشر على دوافع الخير فقتل أخاه .وقد صور الإِمام الرازي هذا المعنى تصويرا حسنا فقال :قال المفسرون : فطوعت ، أي : سهلت له نفسه قتل أخيه ، وتحقيق الكلام أن الإِنسان إذا تصور القتل العمد العدوان وكونه من أعظم الكبائر فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه ألبتة .
فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها ، صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجييبة هذا الفعل كالمطيع له ، بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه ، فهذا هو المراد بقوله : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) .هذا ، والآية الكريمة بعد كل ذلك ، تشير إلى شناعة الجريمة في ذاتها من حيث الباعث عليها ، إذا الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هي صلة أخوة تقتضي المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك بالله - تعالى - .قال الآلوسي : أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها .
لأنه أول من سن القتل " وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : " إنا لنجد ابن آدم القاتل ، يقاسم أهل النار العذاب .
عليه شطر عذابهم " .
ثم قال المفسرون: سهلت له نفسه قتل أخيه.
ومنهم من قال شجعته، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفاً له عن فعله، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يعطيه بوجه ألبتة، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلاً عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه.
فهذا هو المراد بقوله: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافاً إلى الله تعالى لا إلى النفس.
وجوابه: أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ قيل: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر، فتعلم قابيل ذلك منه، ثم إنه وجد هابيل نائماً يوماً فضرب رأسه بحجر فمات.
وعن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» وذلك أنه أول من سن القتل.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين ﴾ قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة، وأما الآخرة فهو العقاب العظيم.
قيل: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت النار أيضاً حصل مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال ما كنت عليه وكيلاً، فقال بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط.
قال صاحب الكشاف يروى أنه رثاه بشعر.
قال وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، والأنبياء معصومون عن الشعر، وصدق صاحب الكشاف فيما قال.
فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين، فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائك.
<div class="verse-tafsir"
هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها (إقليما) فحسد عليها أخاه وسخط.
فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، وتوعده بالقتل.
وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل ﴿ بالحق ﴾ تلاوة متلبسة بالحق والصحة.
أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين.
أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه.
أو اتل عليهم وأنت محق صادق.
و ﴿ إِذْ قَرَّبَا ﴾ نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف.
والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى.
يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها، لأن تقرّب مطاوع قرب: قال الأصمعي: تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.
فإن قلت: كيف كان قوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ جواباً لقوله: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ؟
قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟
ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟
فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان.
وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم.
وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟
قال إني أسمع الله يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ .
﴿ مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت.
قاله مجاهد وغيره ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ ﴾ أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.
فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى؟
قلت: المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره.
ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه.
ألا ترى إلى قوله: (ما لم يعتد المظلوم) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.
فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟
قلت: هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.
وقيل: (بإثمي) بإثم قتلي (وإثمك) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟
قلت: كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين ﴾ وإذا جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن.
والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب، فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿ لَئِن بَسَطتَ....
مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ﴾ ؟
قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع.
ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي، ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع.
وقرأ الحسن: ﴿ فطاوعت ﴾ .
وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله.
وقيل: قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ روي: أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم.
ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ﴿ قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب ﴾ ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً، فقال: بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك.
وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون.
وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.
﴿ لِيُرِيَهُ ﴾ ليريه الله.
أو ليريه الغراب، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
والسوأة: الفضيحة لقبحها.
قال: يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام.
وقرئ بالسكون على: فأنا أواري.
أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف ﴿ مِنَ النادمين ﴾ على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ بسبب ذلك وبعلته.
وقيل: أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً.
ومنه قوله: وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم ** قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته.
وذلك إشارة إلى القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه ﴿ كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ و(من) لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب ونشأ من أجل ذلك.
ويقال: فعلت كذا لأجل كذا.
وقد يقال: أجل كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل إنّ الله قد فضلكم.
وقرئ: ﴿ من اجل ذلك ﴾ ، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.
وقرأ أبو جعفر: ﴿ من إجل ذلك ﴾ ، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد ﴿ فِى الأرض ﴾ وهو الشرك.
وقيل: قطع الطريق ﴿ وَمَنْ أحياها ﴾ ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك.
فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟
قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها.
وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم.
ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟
كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿ لَمُسْرِفُونَ ﴾ يعني في القتل لا يبالون بعظمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ عَنِ المُعارَضَةِ والمُقاوَمَةِ، والمَعْنى إنَّما أسْتَسْلِمُ لَكَ إرادَةَ أنْ تَحْمِلَ إثْمِي لَوْ بَسَطْتَ إلَيْكَ يَدَيْ، وإثْمَكَ بِبَسْطِكَ يَدَكَ إلَيَّ ونَحْوَهُ المُسْتَبانُ ما قالا فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ.
وقِيلَ مَعْنى بِإثْمِي بِإثْمِ قَتْلِي، وبِإثْمِكَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِن أجْلِهِ قُرْبانُكَ، وكِلاهُما في مَوْضِعِ الحالِ أيْ تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ مَعْصِيَةَ أخِيهِ وشَقاوَتَهُ بَلْ قَصْدُهُ بِهَذا الكَلامِ إلى أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ لا مَحالَةَ واقِفًا فَأُرِيدُ أنْ يَكُونَ لَكَ لا لِي، فالمُرادُ بِالذّاتِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ لا أنْ يَكُونَ لِأخِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإثْمِ عُقُوبَتَهُ وإرادَةُ عِقابِ العاصِي جائِزَةٌ.
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ ﴾ فَسَهَّلَتْهُ لَهُ ووَسِعَتْهُ مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ.
وقُرِئَ «فَطاوَعَتْ» عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ كَأنَّهُ دَعاها إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ فَطاوَعَتْهُ، ولَهُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ كَقَوْلِكَ حَفِظْتُ لِزَيْدٍ مالَهُ.
﴿ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ دِينًا ودُنْيا، إذْ بَقِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ مَطْرُودًا مَحْزُونًا.
قِيلَ قُتِلَ هابِيلُ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ.
وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} فوسعته ويسرته من طاع له المرتع إذا اتسع {فَقَتَلَهُ} عند عقبة حراء أو بالبصرة والمقتول ابن عشرين سنة {فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين}
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ ﴾ فَسَهَّلَتْهُ لَهُ ووَسَّعَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ إذا اتَّسَعَ، وتَرْتِيبُ التَّطْوِيعِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مَقالاتِ هابِيلَ مَعَ تَحَقُّقِهِ قَبْلُ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( لَأقْتُلَنَّكَ ) لِما أنَّ بَقاءَ الفِعْلِ بَعْدَ تَقَرُّرِ ما يُزِيلُهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ - لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ أمْرٌ حادِثٌ، وصُنْعٌ جَدِيدٌ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّطْوِيعِ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِناءً عَلى تَرَدُّدِهِ في قُدْرَتِهِ عَلى القَتْلِ لِما أنَّ أخاهُ كانَ أقْوى مِنهُ، وأنَّها حَصَلَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلى اسْتِسْلامِهِ وعَدَمِ مُعارَضَتِهِ لَهُ، والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ ( فَطاوَعَتْ ) وفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ ( فاعَلَ ) بِمَعْنى ( فَعَلَ ) كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وهو أوْفَقُ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ.
والثّانِي أنَّ المُفاعَلَةَ مَجازِيَّةٌ بِجَعْلِ القَتْلِ يَدْعُو النَّفْسَ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ وجَعَلَتِ النَّفْسُ تَأْباهُ، فَكُلٌّ مِنَ القَتْلِ والنَّفْسِ كَأنَّهُ يُرِيدُ مِن صاحِبِهِ أنْ يُطِيعَهُ إلى أنْ غَلَبَ القَتْلُ النَّفْسَ ( فَطاوَعَتْهُ ) و( لَهُ ) لِلتَّأْكِيدِ والتَّبْيِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ .
والقَوْلُ بِأنَّهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ أنْ يَكُونَ ( طَوَّعَتْ ) لِغَيْرِهِ أنْ يَقْتُلَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «أنَّ قابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ في هَيْئَةِ طَيْرٍ، فَأخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَشَدَخَهُ، فَعَلَّمَهُ القَتْلَ، فَقَتَلَهُ كَذَلِكَ وهو مُسْتَسْلِمٌ».
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - «أنَّ قابِيلَ طَلَبَ أخاهُ لِيَقْتُلَهُ فَراغَ مِنهُ في رُءُوسِ الجِبالِ، فَأتاهُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ وهو نائِمٌ، فَرَفَعَ صَخْرَةً فَشَدَخَ بِها رَأْسَهُ فَماتَ، فَتَرَكَهُ بِالعَراءِ، ولا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الغُرابَ، وكانَ لِهابِيلَ لَمّا قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً».
واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَعَنْ عَمْرٍو الشَّعْبانِيِّ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قُتِلَ عَلى جَبَلِ دَيْرِ المِرانِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّهُ قُتِلَ عَلى جَبَلِ قاسِيُونَ، وقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضالَةَ، أنَّهُ لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ مَسَخَ اللَّهِ تَعالى عَقْلَهُ، وخَلَعَ فُؤادَهُ، فَلَمْ يَزَلْ تائِهًا حَتّى ماتَ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ: ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، قالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَتَلَ أحَدُ بَنِيهِ الآخَرَ مَكَثَ مِائَةَ عامٍ لا يَضْحَكُ حُزْنًا عَلَيْهِ، فَأُتِيَ عَلى رَأْسِ المِائَةِ، فَقِيلَ لَهُ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى وبَيّاكَ، وبُشِّرَ بِغُلامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَحِكَ».
وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لَهُ بَعْدَ قَتْلِ ولَدِهِ بِخَمْسِينَ سَنَةً شِيتُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَفْسِيرُهُ ( هِبَةُ اللَّهِ ) يَعْنِي أنَّهُ خَلَفٌ مِن هابِيلَ، وعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعِبادَةَ الخَلْقِ مِن كُلِّ ساعَةٍ مِنها، وأنْزَلَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وصارَ وصِيَّ آدَمَ، ووَلِيَّ عَهْدِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخاهُ بَكى آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَثاهُ بِشِعْرٍ».
وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وهو مَشْهُورٌ.
ورُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ الحَبْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «مَن قالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ شِعْرًا فَقَدْ كَذَبَ، إنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأنْبِياءَ كُلَّهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَواءٌ» ولَكِنْ لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ رَثاهُ آدَمُ بِالسُّرْيانِيِّ، فَلَمْ يَزَلْ يُنْقَلُ حَتّى وصَلَ إلى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وكانَ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ والسُّرْيانِيَّةِ، فَنَظَرَ فِيهِ فَقَدَّمَ وأخَّرَ وجَعَلَهُ شِعْرًا عَرَبِيًّا، وذَكَرَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ في ذَلِكَ الشِّعْرِ لَحْنًا أوْ إقْواءً أوِ ارْتِكابَ ضَرُورَةٍ، والأوْلى عَدَمُ نِسْبَتِهِ إلى يَعْرُبَ أيْضًا؛ لِما فِيهِ مِنَ الرَّكاكَةِ الظّاهِرَةِ.
﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ دُنْيا وآخِرَةً.
أخَرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا تُقْتَلْ نَفْسًا ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النّارِ قِسْمَةً صَحِيحَةَ العَذابِ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ».
ووَرَدَ أنَّهُ أحَدُ الأشْقِياءِ، وهَذا ونَحْوُهُ صَرِيحٌ في أنَّ الرَّجُلَ ماتَ كافِرًا.
وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ - عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ - فَقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَها أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ فَعَبَدَها، فَهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ، والظّاهِرُ أنَّ عَلَيْهِ أيْضًا وِزْرَ مَن يَعْبُدُ النّارَ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وِزْرُ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَأصْبَحَ ) عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ لَيْلًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا: أصْبَحَ فُلانٌ خاسِرَ الصَّفْقَةِ إذا فَعَلَ أمْرًا ثَمَرَتُهُ الخُسْرانُ، ويَعْنُونَ بِذَلِكَ الحُصُولَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ: ( فَأصْبَحَ خاسِرًا ) لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ خاسِرٌ سِواهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني اقرأ على قومك نَبَأَ يعني خبر ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ يعني بالصدق إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وذلك أن حواء- عليها السلام- ولدت غلاماً وجارية في بطن واحد، قابيل وأخته إقليما، ثم ولدت في بطن آخر هابيل وأخته ليوذا، فلما كبروا أمر الله تعالى بأن يزوج كل واحد منهما أخت صاحبه، وكانت أخت قابيل أحسن، فأبى قابيل وقال: بل زوج كل واحد منا أخته، فقال آدم: إن الله تعالى أمرني بذلك.
فقال له قابيل: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى هابيل.
فأمرهما بأن قربا قرباناً، فأيكما تقبل قربانه كان أحق بها، فعمد قابيل وكان صاحب زرع إلى شر زرعه ووضعه عند الجبل، وعمد قابيل وكان صاحب مواشي إلى خير غنمه فوضعها عند الجبل، وكان قابيل يضمر في قلبه أنه إن تقبل منه أو لم يتقبل لا يسلم إليه أخته، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وتركت قربان قابيل فذلك قوله: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً يعني وضعا قربانا.
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما يعني هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ يعني قابيل ف قالَ قابيل لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ ولم؟
قال: لأن الله قد قبل قربانك ورد عليّ قرباني.
فقال له هابيل: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك.
وقال بعض الحكماء: العاقل من يخاف على حسناته، لأن الله تعالى قال: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ والخاسر من يأمن من عذاب الله لأن الله تعالى قال: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: 99] .
قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ يعني هابيل قال لقابيل: لئن مددت إليَّ يدك لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ثم قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني بقتلك إياي وبإثمك الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره.
ويقال: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني أن لا أبسط يدي إليك لترجع أنت بإثمي وإثمك، ولا يكون عليَّ من الإثم شيء.
ويقال: معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك.
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني لكي لا يكون من أصحاب النار وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.
قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه ويقال: انقادت له طاعة نفسه.
وقال: قتادة زينت له نفسه بقتل أخيه فَقَتَلَهُ قال بعضهم: إنه كان لا يدري كيف يقتله، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين، فأخذ أحدهما حجراً ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله، فتعلم ذلك منه وقال بعضهم: بل كان يعرف ذلك بطبعه، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية، ويمكن إتلافها فأخذ حجراً وقتله بأرض الهند، فلما رجع إلى آدم قال له: ما فعلت بهابيل؟
فقال له قابيل: أجعلتني رقيباً على هابيل؟
فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزوناً، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله، فرأى غراباً وقال بعضهم: كان يحمله على عاتقه أياماً لا يدري ما يصنع به حتى رأى غراباً ميتاً، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب، فذلك قوله تعالى فقتله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني فصار من المغبونين في العقوبة.
قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ وقابيل ينظر إليه.
وقال القتبي: هذا من الاختصار، ومعناه بعث غراباً يبحث التراب على غراب الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ يعني كيف يغطي عورة أخيه قالَ قابيل عند ذلك: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ يعني أضعفت في الحيلة أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يعني فأغطي عورة أخي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله حيث لم يدفنه حين قتله.
قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه.
ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه.
ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض.
وقال مقاتل: كان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل أخاه هربوا فحلقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض، فتزوج شيث- - بإقليما.
وروي عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ أنه قال: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» .
وقال بعضهم: هذه القصة كانت في بني إسرائيل، وهما أخوان قتل أحدهما الآخر، ولكن هذا خلاف قول المفسرين.
قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"
سَمِعَ موسى- عليه السلام- قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم: رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، يعني: هارونَ.
وقوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا: دعاء حرجٍ، والمعنى: فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أي: قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه وهو على ما يحكى: طولُ ثلاثين ميلاً «١» ، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه: الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم.
وقوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ معناه: فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى- عليه السلام-، قال ابنُ عباس: ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٢» .
وقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ...
الآية: اتل:
معناه: اسرد وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل.
قال الفَخْر «٣» : وفي الآية قولان:
أحدهما: اتل على الناس.
والثاني: اتل على أهْلِ الكتابِ.
انتهى.
وابْنَيْ آدَمَ: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توءمته، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ فحينئذٍ: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ «١» ، وقولُ هابيلَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟!
وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول/ والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلاً.
قلتُ:
قال ع: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع) ، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ ...
الآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج «٢» ، وهذا هو الأظهر.
قال ع «٣» : ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرّج هنا وجه، وتَبُوءَ: معناه: تمضِي متحمِّلاً، وقوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ:
قيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويل يعضده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه» «٤» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تابَعَتْهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: شَجَّعَتْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: زَيَّنَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: رَخَّصَتْ لَهُ، قالَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ.
والخامِسُ: أنَّ "طَوَّعَتْ" فَعَّلَتْ مِنَ "الطَّوْعِ" والعَرَبُ تَقُولُ: طاعَ لِهَذِهِ الظَّبْيَةِ أُصُولُ هَذا الشَّجَرِ، وطاعَ لَهُ كَذا، أيْ: أتاهُ طَوْعًا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شايَعَتْهُ وانْقادَتْ لَهُ، يُقالُ: لِسانِي لا يَطُوعُ بِكَذا، أيْ: لا يَنْقادُ.
وهَذِهِ المَعانِي تَتَقارَبُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَماهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ضَرَبَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ وهو نائِمٌ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والثّالِثُ: رَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ، وأخَذَ طائِرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلى حَجَرٍ، ثُمَّ شَدَخَهُ بِحَجَرٍ آخَرَ، فَفَعَلَ بِهِ هَكَذا، وكانَ لِـ "هابِيلَ" يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ سَنَةً.
وفي مَوْضِعِ مَصْرَعِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَلى جَبَلِ ثَوْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِالبَصْرَةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
والثّالِثُ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الخاسِرِينَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، فَخُسْرانُهُ الدُّنْيا: أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ، وبَقِيَ بِلا أخٍ، وخُسْرانُهُ الآخِرَةَ: أنَّهُ أسْخَطَ رَبَّهُ، وصارَ إلى النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ الحَسَناتِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: مِنَ الخاسِرِينَ أنْفُسَهم بِإهْلاكِهِمْ إيّاها، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَطَوَّعَتْ"؛ والمَعْنى أنَّ القَتْلَ في ذاتِهِ مُسْتَصْعَبٌ عَظِيمٌ عَلى النُفُوسِ؛ فَرَدَّتْهُ هَذِهِ النَفْسُ اللَجُوجَةُ الأمّارَةُ بِالسُوءِ طائِعًا؛ مُنْقادًا؛ حَتّى واقَعَهُ صاحِبُ هَذِهِ النَفْسِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والجَرّاحُ؛ والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ ؛ وأبُو واقِدٍ: "فَطاوَعَتْ"؛ والمَعْنى: كَأنَّ القَتْلَ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ؛ بِسَبَبِ الحِقْدِ؛ والحَسَدِ الَّذِي أصابَ قابِيلَ؛ وكَأنَّ النَفْسَ تَأْبى لِذَلِكَ؛ ويَصْعُبُ عَلَيْها؛ وكُلُّ جِهَةٍ تُرِيدُ أنْ تُطِيعَها الأُخْرى؛ إلى أنْ تَفاقَمَ الأمْرُ؛ وطاوَعَتِ النَفْسُ القَتْلَ فَواقَعَتْهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ التَمَسَ الغِرَّةَ في قَتْلِهِ؛ حَتّى وجَدَهُ نائِمًا في غَنَمِهِ؛ فَشَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلُهُ؛ فَجاءَ إبْلِيسُ بِطائِرٍ؛ أو حَيَوانٍ غَيْرِهِ فَجَعَلَ يَشْدَخُ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قابِيلُ؛ فَفَعَلَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ قابِيلُ إلى آدَمَ قالَ لَهُ: "أيْنَ هابِيلُ؟"؛ قالَ: لا أدْرِي؛ كَأنَّكَ وكَّلْتَنِي بِحِفْظِهِ؛ فَقالَ لَهُ آدَمُ: "أفَعَلْتَها؟
واللهِ إنَّ دَمَهُ لِيُنادِينِي مِنَ الأرْضِ؛ اللهُمَّ العن أرْضًا شَرِبَتْ دَمَ هابِيلَ"؛ فَرُوِيَ أنَّهُ مِن حِينِئِذٍ ما شَرِبَتْ أرْضٌ دَمًا؛ ثُمَّ إنَّ آدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَقِيَ مِائَةَ عامٍ لَمْ يَتَبَسَّمْ حَتّى جاءَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: حَيّاكَ اللهُ يا آدَمُ وبَيّاكَ؛ فَقالَ آدَمُ: "ما بَيّاكَ؟"؛ قالَ: أضْحَكَكَ؛ فَرُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ حِينَئِذٍ: تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ وكَذا هو الشِعْرُ؛ بِنَصْبِ "بَشاشَةَ" وكَفِّ التَنْوِينِ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: عَلَقَتْ إحْدى رِجْلَيِ القاتِلِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِئِذٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ووَجْهُهُ إلى الشَمْسِ حَيْثُما دارَتْ؛ عَلَيْهِ في الصَيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ؛ وعَلَيْهِ في الشِتاءِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَإنْ صَحَّ هَذا فَهو مِن خُسْرانِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ؛ ومِن خُسْرانِهِ ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: "إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النارِ قِسْمَةً صَحِيحَةً العَذابَ؛ عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ"؛ ومِن خُسْرانِهِ ما ثَبَتَ وصَحَّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.
وقَوْلُهُ: "فَأصْبَحَ"؛ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ أوقاتِهِ؛ أُقِيمَ بَعْضُ الزَمَنِ مَقامَ كُلِّهِ؛ وخُصَّ الصَباحُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بَدْءُ النَهارِ؛ والِانْبِعاثُ إلى الأُمُورِ؛ ومَطِيَّةُ النَشاطِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ∗∗∗ ∗∗∗.................
ومِنهُ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلى الإسْلامِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ كَما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ ؛ رُوِيَ في مَعْناهُ أنَّ قابِيلَ جَعَلَ أخاهُ في جِرابٍ؛ ومَشى بِهِ يَحْمِلُهُ في عُنُقِهِ مِائَةَ عامٍ؛ وقِيلَ: سَنَةً واحِدَةً؛ وقِيلَ: بَلْ أصْبَحَ في ثانِي يَوْمٍ قَتْلَهُ يَطْلُبُ إخْفاءَ أمْرِ أخِيهِ؛ فَلَمْ يَدْرِ ما يَصْنَعُ بِهِ؛ فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا حَيًّا إلى غُرابٍ مَيِّتٍ؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ في الأرْضِ؛ ويُلْقِي التُرابَ عَلى الغُرابِ المَيِّتِ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا؛ حَتّى قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ؛ ثُمَّ جَعَلَ القاتِلُ يَبْحَثُ ويُوارِي المَيِّتَ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما بَعَثَ غُرابًا واحِدًا؛ فَجَعَلَ يَبْحَثُ ويُلْقِي التُرابَ عَلى هابِيلَ.
وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هابِيلَ هو أوَّلُ مَيْتٍ مِن بَنِي آدَمَ؛ ولِذَلِكَ جُهِلَتْ سُنَّةُ المُواراةِ؛ وكَذَلِكَ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ بِما في الكُتُبِ الأُوَلِ.
وَ"يَبْحَثُ"؛ مَعْناهُ: يُفَتِّشُ التُرابَ بِمِنقارِهِ؛ ويُثِيرُهُ؛ ومِن هَذا سُمِّيَتْ سُورَةُ [بَراءَةٌ] "اَلْبُحُوثَ"؛ لِأنَّها فَتَشَتْ عَنِ المُنافِقِينَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِ الناسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْتُ عنهُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ بَحَثُونِي كانَ فِيهِمْ مَباحِثُ وفِي مِثْلِ: "لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ الشَفْرَةِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: سَوْأةَ أخِيهِ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى قابِيلَ؛ ويُرادَ بِالأخِ هابِيلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الغُرابِ الباحِثِ؛ ويُرادَ بِالأخِ الغُرابُ المَيِّتُ؛ والأوَّلُ أشْهَرُ في التَأْوِيلِ؛ والسَوْأةُ: اَلْعَوْرَةُ؛ وخُصَّتْ بِالذِكْرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ مُواراةُ جَمِيعِ الجَسَدِ - لِلِاهْتِمامِ بِها؛ ولِأنَّ سَتْرَها أوكَدُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالسَوْأةِ هَذِهِ الحالَةُ الَّتِي تَسُوءُ الناظِرَ بِمَجْمُوعِها؛ وأُضِيفَتْ إلى المَقْتُولِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ بِهِ النازِلَةُ؛ لا عَلى جِهَةِ الغَضِّ مِنهُ؛ بَلِ الغَضُّ لاحِقٌ لِلْقاتِلِ؛ وهو الَّذِي أتى بِالسَوْأةِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأُوارِيَ"؛ بِنَصْبِ الياءِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "فَأُوارِي"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وهي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ.
ولَمّا رَأى قابِيلُ فِعْلَ الغُرابِ تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَصْنَعَ بِأخِيهِ؛ ورَأى قُصُورَ نَفْسِهِ؛ وجَهْلَ البَشَرِ بِالأُمُورِ؛ فَقالَ: ﴿ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ واحْتَقَرَ نَفْسَهُ؛ ولِذَلِكَ نَدِمَ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يا ويْلَتى"؛ والأصْلُ: "يا ويْلَتِي"؛ لَكِنْ مِنَ العَرَبِ مَن يُبْدِلُ مِنَ الياءِ ألِفًا؛ ويَفْتَحُ الياءَ لِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: "يا ويْلَتى"؛ و"يا غُلاما"؛ ويَقِفُ بَعْضُهم عَلى هاءِ السَكْتِ؛ فَيَقُولُ: "يا ويْلَتاهْ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يا ويْلَتِي".
ونِداءُ الوَيْلَةِ هو عَلى مَعْنى: "اُحْضُرِي؛ فَهَذا أوانُكِ"؛ وهَذا هو البابُ في قَوْلِهِ: "يا حَسْرَةً"؛ وفي قَوْلِهِمْ: "يا عَجَبًا"؛ وما جَرى مُجْراهُ مِن نِداءِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعْقِلُ؛ وهي مَعانٍ: وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أعْجَزْتُ"؛ بِفَتْحِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ ؛ والفَيّاضُ؛ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "أعَجِزْتُ"؛ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ وهي لُغَةٌ.
ثُمَّ إنَّ قابِيلَ وارى أخاهُ؛ ونَدِمَ عَلى ما كانَ مِنهُ مِن مَعْصِيَةِ اللهِ في قَتْلِهِ؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ النَدَمُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قابِيلَ؛ هَلْ هو مِنَ الكُفّارِ؛ أو مِنَ العُصاةِ؟
والظاهِرُ أنَّهُ مِنَ العُصاةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا؛ فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما؛ ودَعُوا الشَرَّ".» <div class="verse-tafsir"
عَطَفَ نبأ على نبإ ليكون مقدّمة للتحذير من قَتْل النفس والحِرابة والسرقة، ويتبع بتحريم الخمر وأحكام الوصية وغيرها، وليحسن التخلّص ممّا استطرد من الأنباء والقصَص التي هي مواقع عبرة وتُنْظم كلّها في جرائر الغرور.
والمناسبةُ بينها وبين القصّة الّتي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضادّ.
فأما التماثل فإنّ في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى: فإنّ بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إيّاهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة، وأحدَ ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنّه لم يكن من المتّقين.
وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصيّة؛ فبنو إسرائيل قالوا: ﴿ اذهب أنت وربّك ﴾ [المائدة: 24]، وابن آدم قال: لأقتلنّ الّذي تقبّل الله منه.
وأمّا التّضادّ فإنّ في إحداهما إقداماً مذموماً من ابن آدم، وإحجاماً مذموماً من بني إسرائيل، وإنّ في إحداهما اتّفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلافَ أخوين بالصّلاح والفساد.
ومعنى ﴿ ابني آدم ﴾ هنا ولداه.
وأمّا ابن آدم مفرداً فقد يراد به واحد من البشر نحو: «يَا بْن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتَني غَفَرْتُ لك»، أو مجموعاً نحو ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ [الأعراف: 31].
والباء في قوله: ﴿ بالحقّ ﴾ للملابسة متعلِّقاً ب ﴿ اتْلُ ﴾ .
والمراد من الحقّ هنا الصدق من حقّ الشّيء إذا ثبت، والصدق هو الثّابت، والكذب لا ثبوت له في الواقع، كما قال: ﴿ نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ ﴾ [الكهف: 13].
ويصحّ أن يكون الحقّ ضدّ الباطل وهو الجدّ غير الهزل، أي اتْلُ هذا النبأ متلبّساً بالحقّ، أي بالغرض الصّحيح لا لمجرد التفكّه واللّهو.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ بالحق ﴾ مشيراً إلى ما خفّ بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب قتل أحد الأخوين أخاه.
﴿ وإذ ﴾ ظرف زمان ل ﴿ نبأ ﴾ ، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قُرباناً، فينتصب (إذ) على المفعول فيه.
وفِعْلُ ﴿ قرّبا ﴾ هنا مشتقّ من القُرْبان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد، وأصله مصدر كالشُّكران والغفران والكُفران، يسمّى به ما يتقرّب به المرء إلى ربّه من صدقة أو نُسك أو صلاة، فاشتقّ من القرآن قرّب، كما اشتقّ من النُّسك نَسَكَ، ومن الأضحيّة ضَحَّى، ومن العقيقة عَقّ.
وليس ﴿ قرّبا ﴾ هنا بمعنى أدْنَيَا إذ لا معنى لذلك هنا.
وفي التّوراة هما (قايين) والعرب يسمّونه قَابِيل وأخوه (هَابِيل).
وكان قابيل فلاّحاً في الأرض، وكان هابيل راعياً للغنم، فقرّب قابيل من ثمار حرْثه قُرباناً وقرّب هابيل من أبكار غنمه قرباناً.
ولا ندري هل كان القربان عندهم يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للنّاس عامّة.
فتقبّل الله قربان هَابيل ولم يتقبّل قربان قابيل.
والظاهر أنّ قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من الله لآدم.
وإنّما لم يتقبّل الله قربان قابيل لأنّه لم يكن رجلاً صالحاً بل كانت له خطايا.
وقيل: كان كافراً، وهذا ينافي كونهُ يُقرّب قرباناً.
وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس، وإنّما قرّب كلّ واحد منهما قرباناً وليس هو قرباناً مشتركاً.
ولم يسمّ الله تعالى المتقبَّل منه والّذي لم يتقبّل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة.
وإنّما حَمَله على قتل أخيه حسَده على مزيّة القبول.
والحسد أوّل جريمة ظهرت في الأرض.
وقوله في الجواب ﴿ إنّما يتقبّل الله من المتّقين ﴾ موعظة وتعريض وتنصّل ممّا يوجب قتله.
يقول: القبول فعل الله لا فعل غيره، وهو يتقبّل من المتّقي لا من غيره.
يعرّض به أنّه ليس بتَقِي، ولذلك لم يتقبّل الله منه.
وآية ذلك أنّه يضمر قتل النفس.
ولذا فلا ذَنب، لمن تقبّل الله قربانه، يستوجبُ القتلَ.
وقد أفاد قول ابن آدم حصرَ القبول في أعمال المتّقين.
فإذا كان المراد من المتّقين معناه المعروف شرعاً المحكي بلفظه الدالّ عليه مراد ابن آدم كان مفاد الحصر أنّ عمل غير المتّقي لا يقبل؛ فيحتمل أنّ هذا كان شريعتهم، ثمّ نسخ في الإسلام بقبول الحسنَات من المؤمن وإن لم يكن متّقياً في سائر أحواله؛ ويحتمل أنْ يراد بالمتّقين المخلصون في العمل، فيكون عدم القبول أمارة على عدم الإخلاص، وفيه إخْراج لفظ التّقوى عن المتعارف؛ ويحتمل أن يريد بالتقبّل تقبّلاً خاصّاً، وهو التّقبل التّامّ الدالّ عليه احتراق القربان، فيكون على حدّ قوله تعالى: ﴿ هُدى للمتّقين ﴾ [البقرة: 2]، أي هدى كاملاً لهم، وقوله: ﴿ والآخرة عند ربّك للمتّقين ﴾ [الزخرف: 35]، أي الآخرة الكاملة؛ ويحتمل أن يريد تقبّل القرابين خاصّة؛ ويحتمل أن يراد المتّقّين بالقربان، أي المريدين به تقوى الله، وأنّ أخاه أراد بقربانه بأنّه المباهاة.
ومعنى هذا الحصر أنّ الله لا يتقبّل من غير المتّقين وكان ذلك شرعَ زمانهم.
وقوله: ﴿ لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني ﴾ الخ موعظة لأخيه ليذكّره خطر هذا الجرم الّذي أقدم عليه.
وفيه إشعار بأنّه يستطيع دفاعه ولكنّه منعه منه خوفُ الله تعالى.
والظاهر أنّ هذا اجتهاد من هابيل في استعظام جُرم قتل النّفس، ولو كان القتل دفاعاً.
وقد عَلم الأخوان ما هو القتل بما يعرفانه من ذبح الحيوان والصّيد، فكان القتل معروفاً لهما، ولهذا عزم عليه قابيل، فرأى هابيل للنّفوس حرمة ولو كانت ظالمة، ورأى في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النّفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض.
ويمكن أن يكونا تلقّيا من أبيهما الوصاية بحفظ النّفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت الدّفاع، ولذلك قال: ﴿ إنّي أخاف الله ربّ العالمين ﴾ .
فقوله: ﴿ إنّي أخاف الله ﴾ يدلّ على أنّ الدّفاع بما يفضي إلى القتل كان محرّماً وأنّ هذا شريعة منسوخة لأنّ الشّرائع تبيح للمُعتدَى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعْتدي، ولكنّه لا يتجاوز الحدّ الّذي يحصل به الدّفاع.
وأمّا حديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار» فذلك في القتال على المُلْك وقصد التغالب الّذي ينكفّ فيه المعتدي بتسليم الآخر له؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصْلَح الفريقين بالتّسليم للآخر وحمل التَبِعَة عليه تجنّباً للفتنة، وهو الموقف الّذي وقفه عثمان رضي الله عنه رجاء الصلاح.
ومعنى ﴿ أريد ﴾ : أريد من إمساكي عن الدفاع.
وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى: ﴿ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين ﴾ [القصص: 27]، وقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ [البقرة: 185].
فالجملة تعليل للّتي قبلها، ولذلك فصلت وافتتحت ب (إنّ) المشعرة بالتَّعليل بمعنى فاء التفريع.
و ﴿ تبوء ﴾ ترجع، وهو رجوع مجازي، أي تكتسب ذلك من فعلك، فكأنّه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين.
والأظهر في معنى قوله ﴿ بإثمي ﴾ مَا له من الآثام الفارطة في عمره، أي أرجو أن يغفر لي وتُحمل ذنوبي عليك.
وفي الحديث: " يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتّى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات المظلوم فتطرح عليه " رواه مسلم.
فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شُرع في الإسلام، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده وإلهامه ونطق عن مثل نُبوءة.
ومصدر ﴿ أن تبوء ﴾ هو مفعول ﴿ أريد ﴾ ، أي أريد من الإمساك عن أن أقتلك إن أقدمت على قتلي أريد أن يقع إثمي عليك، فإثم مراد به الجنس، أي ما عسى أن يكون له من إثم.
وقد أراد بهذا موعظة أخيه، ولذلك عطف عليه قوله: ﴿ وإثمك ﴾ تذكيراً له بفظاعة عاقبة فعلته، كقوله تعالى: ﴿ ليحملُوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الّذين يضلّونهم بغير علم ﴾ [النحل: 25].
فعطفُ قوله: ﴿ وإثمك ﴾ إدماج بذكر ما يحصل في نفس الأمر وليس هو ممّا يريده.
وكذلك قوله: ﴿ فنكون من أصحاب النار ﴾ تذكيراً لأخيه بما عسى أن يكفّه عن الاعتداء.
ومعنى ﴿ من أصحاب النّار ﴾ أي ممّن يطول عذابه في النّار، لأنّ أصحاب النّار هم ملازموهَا.
وقوله: ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ دلّت الفاء على التفريع والتعقيب، ودلّ (طَوّع) على حدوث تردّد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحَسد ودافع الخشية، فعلمنا أنّ المفرّع عنه محذوف، تقديره: فتردّد مَليّاً، أو فترصّد فُرصاً فَطوّعت له نفسه.
فقد قيل: إنّه بقي زماناً يتربّص بأخيه، (وطوّع) معناه جعله طائعاً، أي مكَّنه من المطوّع.
والطوع والطواعية: ضدّ الإكراه، والتطويع: محاولة الطوع.
شُبّه قتل أخيه بشيء متعاص عن قابيل ولا يطيعه بسبب معارضة التعقّل والخشيةِ.
وشبّهت داعية القتل في نفس قابيل بشخص يعينه ويذلّل له القتل المتعاصي، فكان (طوّعت) استعارة تمثيلية، والمعنى الحاصل من هذا التمثيل أنّ نفس قابيل سَوّلت له قتل أخيه بعد ممانعة.
وقد سُلك في قوله: ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله ﴾ مسلكُ الإطناب، وكان مقتضى الإيجاز أن يحذف ﴿ فطوّعت له نفسه قتلَ أخيه ﴾ ويقتصر على قوله ﴿ فقتَلَه ﴾ لكن عدل عن ذلك لقصد تفظيع حالة القاتل في تصوير خواطره الشرّيرة وقساوة قلبه، إذ حدّثه بقتل من كان شأنه الرحمة به والرفق، فلم يكن ذلك إطناباً.
ومعنى ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ صار، ويكون المراد بالخسارة هنا خسارة الآخرة، أي صار بذلك القتل ممّن خسر الآخرة، ويجوز إبقاء (أصبح) على ظاهرها، أي غدا خاسراً في الدّنيا، والمراد بالخسارة ما يبدو على الجاني من الاضطراب وسوء الحالة وخيبة الرجاءَ، فتفيد أنّ القتل وقع في الصّباح.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُما ابْنا آدَمَ لِصُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ وقابِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ والقُرْبانُ: هو البِرُّ الَّذِي يُقْصَدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وهو فُعْلانُ مِنَ القُرْبِ.
واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي قَرَّبا لِأجْلِهِ قُرْبانًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما فَعَلاهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ.
والثّانِي: وهو أشْهَرُ القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ، وهو أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَضَعُ فِي كُلِّ عامٍ غُلامًا وجارِيَةً، فَكانَ الغُلامُ يَتَزَوَّجُ مِن أحَدِ البَطْنَيْنِ بِالجارِيَةِ مِنَ البَطْنِ الآخَرِ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ هابِيلَ وقابِيلَ تَوْأمَةٌ، فَأرادَ هابِيلُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتَوْأمَةِ قابِيلَ فَمَنَعَهُ، وقالَ أنا أحَقُّ بِها مِنكَ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ مَنعِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قابِيلَ قالَ لِهابِيلَ أنا أحَقُّ بِتَوْأمَتِي مِنكَ، لِأنَّنا مِن وِلادَةِ الجَنَّةِ وأنْتَ مِن وِلادَةِ الأرْضِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهُ مِنها لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أحْسَنَ مِن هابِيلَ ومِن تَوْأمَتِهِ، فَقَرَّبا قُرْبانًا وكانَ قابِيلُ حَرّاثًا، وهابِيلُ راعِيًا، فَقَرَّبَ هابِيلُ سَخْلَةً سَمِينَةً مِن خِيارِ مالِهِ، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ مِن شَرِّ مالِهِ، فَنَزَلَتْ نارٌ بَيْضاءُ فَرَفَعَتْ قُرْبانَ هابِيلَ وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِسْكِينٌ يُتَقَرَّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ قُرَبُهم هَكَذا.
قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وكانَتْ سَخْلَةُ هابِيلَ المَقْبُولَةُ تَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِها إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ الذَّبِيحَ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَبُولِ قُرْبانِ هابِيلَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن قابِيلَ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ، والتَّقْوى ها هُنا الصَّلاةُ، عَلى ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.
الثّانِي: لِأنَّ هابِيلَ تَقَرَّبَ بِخِيارِ مالِهِ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، وقابِيلُ تَقَرَّبَ بِشَرِّ مالِهِ، فَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ.
واخْتُلِفَ في قُرْبانِهِما هَلْ كانَ بِأمْرِ آدَمَ، أوْ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما قَرَّبا بِأمْرِ آدَمَ حِينَ اخْتَصَما إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُما قَرَّبا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما.
وَكانَ آدَمُ قَدْ تَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ، لِيَراها ويَزُورَ البَيْتَ بِها عَنْ أمْرٍ بِهِ، وكانَ قَدْ عَرَضَ الأمانَةَ في حِفْظِ أهْلِهِ عَلى السَّماواتِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الأرْضِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الجِبالِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى قابِيلَ فَقَبِلَها، ثُمَّ تَوَجَّهَ وعادَ فَوَجَدَ قابِيلَ قَدْ قَتَلَ هابِيلَ وشَرِبَتِ الأرْضُ دَمَهُ، فَبَكى ولَعَنَ الأرْضَ لِشُرْبِها دَمَهُ، فَأنْبَتَتِ الشَّوْكَ، ولَمْ تَشْرَبْ بَعْدَهُ دَمًا.
رَوى غِياثُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي إسْحاقَ الهَمْدانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ هابِيلَ أخاهُ بَكاهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحْ ∗∗∗ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ قالَ فَأُجِيبَ آدَمُ: أبا هابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ∗∗∗ وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ ∗∗∗ وجاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ مِنهُ ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ فَجاءَ بِها تَصِيحْ واخْتُلِفَ في قابِيلَ هَلْ كانَ عِنْدَ قَتْلِ أخِيهِ كافِرًا أوْ فاسِقًا؟
فَقالَ قَوْمٌ كانَ كافِرًا، وقالَ آخَرُونَ بَلْ كانَ رَجُلَ سَوْءٍ فاسِقًا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ بَنُو آدَمَ في نِكاحِ الأخَواتِ حَتّى مُضِيَّ أرْبَعَةِ آباءٍ، فَنَكَحَ ابْنَةَ عَمِّهِ وذَهَبَ نِكاحُ الأخَواتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ ﴾ مَعْناهُ لَئِنْ بَدَأْتَنِي بِالقَتْلِ لَمْ أبْدَأْكَ بِمِثْلِهِ، وفي امْتِناعِهِ مِن دَفْعِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنَعَهُ مِنهُ التَّحَرُّجُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وجَوازِهِ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِناعُ مِمَّنْ أرادَ إذْ ذاكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ مَعْناهُ تَرْجِعُ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبُوءَ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ مِن مَعاصِيكَ وذُنُوبِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: يَعْنِي أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في خَطايايَ، وإثْمِكَ بِقَتْلِكَ لِي، فَتَبُوءُ بِهِما جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَرَوى الأعْمَشُ، عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾ مَعْنى طَوَّعَتْ أيْ فَعَّلَتْ مِنَ الطّاعَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَجَّعَتْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: يَعْنِي زَيَّنَتْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: يَعْنِي فَساعَدَتْهُ.
وَكانَ هابِيلُ أوَّلَ مَن قُتِلَ في الأرْضِ، وقِيلَ إنَّ قابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتّى ظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ فَعَلَّمَهُ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً، بِأنْ ألْقى عَلَيْهِ وهو نائِمٌ صَخْرَةً، شَدَخَهُ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَوْرَةَ أخِيهِ.
والثّانِي: جِيفَةُ أخِيهِ لِأنَّهُ تَرَكَهُ حَتّى أنْتَنَ، فَقِيلَ لِجِيفَتِهِ سَوْأةٌ.
وَفي الغُرابِ المَبْعُوثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغُرابِ، فَبَحَثَ الأرْضَ عَلى سَوْأةِ أخِيهِ حَتّى عَرَفَ كَيْفَ يَدْفِنُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ غُرابًا بَحَثَ الأرْضَ عَلى غُرابٍ آخَرَ.
﴿ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ نَدِمَ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ مِنهُ التَّوْبَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ، ولَوْ نَدِمَ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ لَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.
وَرَوى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: «إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبا مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما، ودَعُوا شَرَّهُما.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ قال: زيَّنت له نفسه.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء ولا يدري كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه التراب، فلما رآه قال: يا ويلتا، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: ابن آدم الذي قتل أخاه لم يدر كيف يقتله، فتمثل له إبليس في صورة طير، فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين، فشدخ رأسه فعلمه القتل.
وأخرج عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن جرير عن خيثمة قال: لما قتل ابن آدم أخاه شفت الأرض دمه، فلعنت، فلم تشف الأرض دماً بعد.
وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بدمشق جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه» .
وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن خبير الشعباني قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير المران، فرأى لجة سائلة في الجبل، فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه، وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين.
وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن كعب قال: إن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم.
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: إن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول فلعن ابن آدم الأرض، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دماً بعد دم هابيل إلى يوم القيامة.
وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن عبد الرحمن بن فضالة قال: لما قتل قابيل هابيل مسح الله عقله، وخلع فؤاده، تائها حتى مات.
قوله تعالى: ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ .
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» .
وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم قاتل الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشقى الناس رجلاً لابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء وذلك أنه أول من سن القتل.
وأخرج الطبراني عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك على الأرض من دم إلا لحقه منه لأنه أول من سن القتل» .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو قال إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا كتاب من عاش بعد الموت من طريق عبد الله بن دينار عن أبي أيوب اليماني عن رجل من قومه يقال له عبد الله، أنه ونفراً من قومه ركبوا البحر وإن البحر أظلم عليهم أياماً، ثم انجلت عنهم تلك الظلمة وهم قرب قرية.
قال عبد الله: فخرجت ألتمس الماء وإذا أبواب مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت فيها فلم يجبني أحد فبينا أنا على ذلك إذ طلع عليَّ فارسان، فسألا عن أمري فأخبرتهما الذي أصابنا في البحر وأني خرجت أطلب الماء، فقالا لي: اسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاستق منها ولا يهولنك ما ترى فيها.
فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجئ فيها الريح، فقالا: هذه بيوت أرواح الموتى، فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيها رجل معلق منكوس على رأسه، يريد أن يتناول الماء بيده فلا يناله، فلما رآني هتف بي وقال: يا عبد الله، اسقني فغرفت بالقدح لأناوله فقبضت يدي فقلت: أخبرني من أنت؟
فقال: أنا ابن آدم أول من سفك دماً في الأرض.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ .
قال الفراء: فتابعته نفسه وطاوعته (١) وقال المبرد: (طوعت (٢) (٣) وقال أبو عبيد: قال حدثنا يزيد (٤) (٥) ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ قال: شجعته (٦) قال أبو عبيد: عنى مجاهد أنها أعانته على ذلك وأجابته إليه.
ولا أرى أصله إلا من الطواعية (٧) قال الأزهري: والأشبه عندي أن يكون معنى: (طوعت) سمحت وسهّلت له نفسه (قتل أخيه) أي جعلت نفسه قتل أخيه سهلًا وهوّنته (٨) وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوعٌ له سهلٌ عليه، فينتصب القتل على هذا من غير إضمار ولا حذف (٩) واختار الزجاجي هذا الوجه فقال: طوّع فعل من طَاع الشيء يطوع إذا سهُل وانقاد، و ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ أي سهلت الأمر فيه عليه (١٠) وأما قول (١١) ﴿ قَتْلَ أَخِيه ﴾ على إفضاء الفعل إليه بعد حذف الخافض، كأنه قيل (١٢) (١٣) وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: فسولت له نفسه قتل أخيه (١٤) وقال قتادة: زينت له نفسه (١٥) وقال يمان (١٦) (١٧) وقال عبد العزيز بن يحيى (١٨) (١٩) وقال الكلبي: تابعته نفسه على قتل أخيه (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ .
قال المفسرون: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر فعلّمه القتل، ثم وجد قابيل أخاه هابيل يومًا نائمًا، فرفع صخرة، فشدخ رأسه فمات (٢١) وروى مسروق عن عبد الله (٢٢) قال: "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان عى ابن آدم كفل من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل" (٢٣) وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين من اللذان يقول الله لهما: ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ ؟
فقال علي: هو إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، كانا أول من عمل بالمعصية (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار (٢٥) قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى (٢٦) (٢٧) (١) في "معاني القرآن" 1/ 305: فتابعته، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، "زاد المسير" 2/ 337.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٣) "معاني الزجاج" 2/ 167، "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع).
وانظر: "زاد المسير" 2/ 337.
(٤) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي الواسطي، تقدمت ترجمته.
(٥) هو أبو بشر ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي الإِمام الثقة الحافظ العابد المقرئ، قال ابن معين: تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إلي من تفسير قتادة.
مات -رحمه الله- بعد سنة 160 هـ.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 175، "سير أعلام النبلاء" 7/ 419، "غاية النهاية" 2/ 358.
(٦) الأثر بسنده من "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 193، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195.
(٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع).
(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2153، (طاع)، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 43.
(٩) في (ش): (حرف).
(١٠) لم أقف عليه.
انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43.
(١١) في (ش): (وأما على قول).
(١٢) في (ش): (قتل).
(١٣) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 138.
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429.
(١٦) يمان بن رئاب، تقدمت ترجمته.
(١٧) انظر: "الوسيط" 3/ 857، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، وهذا اختيار الأزهري كما تقدم، مع أن الأقوال متقاربة من حيث المعنى.
(١٨) لعله عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ناظر بشرًا المريسي في نفي خلق القرآن، وينسب إليه كتاب "الحيدة" في ذلك واستبعد الذهبي هذه النسبة، كان من فقهاء الشافعية، وذكر أنه صَحِب الشافعي مدة ولم يذكر تاريخ وفاته.
انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 14، "ميزان الاعتدال" 3/ 353، "طبقات الشافعية" للإسنوي 1/ 41.
(١٩) لم أقف عليه.
(٢٠) لم أقف عليه.
وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 337 إلى ابن عباس.
(٢١) أخرجه بنحوه عن ابن جريج: الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429، "النكت والعيون" 2/ 30، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، "زاد المسير" 2/ 337، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 51.
(٢٢) ابن مسعود .
(٢٣) أخرجه البخاري (3335) كتاب الأنبياء، باب (1): خلق آدم وذريته 4/ 104، ومسلم (1677) كتاب القسامه، باب (7): بيان إثم من سن القتل 3/ 1303 (ح 27) والمؤلف في "الوسيط" 3/ 858.
(٢٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 195 (الطبعة غير المحققة)، والحاكم 2/ 312، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 488.
(٢٥) انظر: "الوسيط" 3/ 857، "زاد المسير" 2/ 338، "البحر المحيط" 3/ 465.
(٢٦) في (ج): (فبنا).
(٢٧) جاء ذلك في أثر طويل رُوي عن ابن عباس.
انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 45، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 139 <div class="verse-tafsir"
﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ ﴾ الآية، قيل: معناها لئن بدأتني بالقتال لم أبدأك به، وقيل: إن بدأتني بالقتال لم أدافعك، ثم اختلف على هاذ القول هل تركه لدفاعه عن نفسه تورعاً وفضيلة؟
وهو الأظهر والأشهر، وكان واجباً عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه وهو قول مجاهد، وأما في شرعنا فيجوز دفع الإنسان عن نفسه بل يجب ﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخيير في أهون الشرين كأنه قال: إن قتلتني، فذلك أحب إلي من أن أقتلك كما ورد في الأثر: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» ، وأما قوله بإثمي وإثمك فمعناه بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما يحمل القاتل الإثمين، لأنه ظالم، فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «المتسابان ما قالا» فهو على البادئ، وقيل: بإثمي؛ أي تحمل عني سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، وبإثمك أي في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذنوبك ﴿ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئنافاً من كلام الله تعالى ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ الآية: روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت، وقيل: بل كان غراباً واحداً يبحث ويلقي التراب على هابيل ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ أي عورته، زخصت بالذكر لأنها أحب بالستر من سائر الجسد، والضمير في أخيه عائد على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل كان أ ول من دفن من بني آدم ﴿ قَالَ ياويلتا ﴾ أصله يا ويلتي، ثم أبدل من الياء ألف وفتحت التاء وكذلك يا آسفا.
ويا حسرتا ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ على ما وقع فيه من قتل أخيه، واختلف في قابيل هل كان كافراً أو عاصياً، والصحيح أنه لم يكن في تلك المدة كافراً لأنه قصد التقرب إلى الله بالقربان، وأصبح هنا وفي الموضع عبارة عن جميع الأوقات لا مختصة بالصباح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.
روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.
﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.
﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .
﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.
﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ فكأنه ذكر لأجل تسلية نبيّه قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.
ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.
ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.
والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.
أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.
وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.
فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.
فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.
هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.
قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.
وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.
وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.
وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله التي هي السبب في القبول؟
قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.
وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.
وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟
قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.
فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
ثم حكى الله عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.
قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.
قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.
ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.
سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟
والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.
أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله عقاب الظالم.
وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.
﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.
ومنهم من قال: شجعته فقتله.
والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.
وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.
يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.
ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.
وعن النبي أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.
قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.
فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.
وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.
فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.
ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.
وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ولهذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.
قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.
روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.
وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله كيف يكرمه بعد موته ندم.
وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
وقيل: أي جيفة أخيه.
والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.
يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.
وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.
والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.
وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.
والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.
ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.
ويعمل منه امتناع كونه خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.
والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.
والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.
﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.
﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.
فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.
وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.
ثم إنه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.
ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.
والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.
لأنّ افساد نوع من السعي.
عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.
وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.
وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .
وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.
وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.
قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.
وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.
واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.
وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.
وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.
فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.
وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.
والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.
فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.
والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.
﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.
وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.
قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.
قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.
وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.
وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.
قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.
وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.
وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.
وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.
وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.
أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.
فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.
وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.
قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.
فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.
وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.
وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.
والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.
ثم إنه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.
والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.
وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.
ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.
ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.
ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.
وعن النبي : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟
فيقول: نعم.
فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.
قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.
وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.
عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.
وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.
وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.
والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.
أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.
وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.
وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.
أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.
والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.
واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.
والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.
ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.
وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.
وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.
وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.
واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.
وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.
ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
وعن الحسن: درهم.
وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".
ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.
فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.
ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.
ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.
والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.
ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.
وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.
وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.
ومنها كون المال محرزاً لقوله : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.
فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.
وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.
وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.
وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.
وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.
ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.
وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.
حجة الشافعي أن قوله : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.
وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.
حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.
ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.
أما كيفية القطع فقد روي أنه أتى بسارق فقطع يمينه.
قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.
وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.
واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.
والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.
واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .
﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.
وعند الجمهور لا تسقط.
وباقي الآيات قد مر تفسيره.
وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.
التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.
فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.
فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.
وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ [قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله - -: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وأمَّا ابن عباس - - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله - -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟
وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله : ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد .
وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ على ما نزل.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.
وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ .
قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، فقال له الآخر: ﴿ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ ، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟!
فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله : "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" وعن الحسن - - قال: قال رسول الله : "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" وعن أبي ذر - - قال: قال رسول الله : "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟
قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟
قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.
وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله - - بقتال أهل البغي؛ كقوله - -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله - - قال: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.
وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي - - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.
قال القتبي: ﴿ بِإِثْمِي ﴾ : أن تقتلني، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ : ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.
وقال الحسن: ترجع ﴿ بِإِثْمِي ﴾ بقتلك إياي، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.
أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ : أي: أمرته وزينت له.
وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ : [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله : ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .
استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ ؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.
وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ ، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.
ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن - -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ .
أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...
﴾ الآية.
[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله - -: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.
ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.
وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.
وعن ابن عباس - - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: ﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بلا نفس وجب عليها القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: الشرك في الأرض، ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.
وعن عبد الله بن عمرو قرأ: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...
﴾ الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ : أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.
وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.
قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟!
ولكنه أقيد فعفا.
ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .
في الآية تصبير رسول الله على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.
<div class="verse-tafsir"
فزيَّنتْ لقابيل نفسُه الأمارة بالسوء قتلَ أخيه هابيل ظلمًا فقتله، فأصبح بسبب ذلك من الناقصين أنفسهم حظوظهم في دنياهم وأخراهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.0D3qv"