الآية ٣٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٥ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات ، وقد قال بعدها : ( وابتغوا إليه الوسيلة ) قال سفيان الثوري حدثنا أبي ، عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس : أي القربة .

وكذا قال مجاهد [ وعطاء ] وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد .

وقال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه .

وقرأ ابن زيد : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) [ الإسراء : 57 ] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه وأنشد ابن جرير عليه قول الشاعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل والوسيلة : هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ، والوسيلة أيضا : علم على أعلى منزلة في الجنة ، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش ، وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " .

حديث آخر في صحيح مسلم : من حديث كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة ، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة " .

قيل : يا رسول الله ، وما الوسيلة؟

قال : " أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو " .

ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم عن سفيان - هو الثوري - عن ليث بن أبي سليم عن كعب قال : حدثني أبو هريرة به .

ثم قال : غريب وكعب ليس بمعروف ، لا نعرف أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم .

طريق أخرى : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا محمد بن نصر الترمذي حدثنا عبد الحميد بن صالح حدثنا أبو شهاب عن ليث عن المعلى عن محمد بن كعب عن أبي هريرة رفعه قال : " صلوا علي صلاتكم ، وسلوا الله لي الوسيلة " .

فسألوه وأخبرهم : " أن الوسيلة درجة في الجنة ، ليس ينالها إلا رجل واحد ، وأرجو أن أكونه " .

حديث آخر : قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : أخبرنا أحمد بن علي الأبار حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوا الله لي الوسيلة ، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو : شفيعا - يوم القيامة " .

ثم قال الطبراني : " لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين " .

كذا قال ، وقد رواه ابن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر بإسناده نحوه .

حديث آخر : روى ابن مردويه بإسناده عن عمارة بن غزية عن موسى بن وردان : أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الوسيلة درجة عند الله ، ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه " .

حديث آخر : روى ابن مردويه أيضا من طريقين ، عن عبد الحميد بن بحر : حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " في الجنة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة " .

قالوا : يا رسول الله ، من يسكن معك؟

قال : " علي وفاطمة والحسن والحسين " .

هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا الحسن الدشتكي حدثنا أبو زهير حدثنا سعد بن طريف عن علي بن الحسين الأزدي - مولى سالم بن ثوبان - قال : سمعت علي بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة : يا أيها الناس ، إن في الجنة لؤلؤتين : إحداهما بيضاء ، والأخرى صفراء ، أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش ، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة ، كل بيت منها ثلاثة أميال ، وغرفها وأبوابها وأسرتها وكأنها من عرق واحد ، واسمها الوسيلة ، هي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، والصفراء فيها مثل ذلك ، هي لإبراهيم ، عليه السلام ، وأهل بيته .

وهذا أثر غريب أيضا وقوله : ( وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات ، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم ، التاركين للدين القويم ، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة ، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة ، الحسنة مناظرها ، الطيبة مساكنها ، التي من سكنها ينعم لا ييأس ، ويحيا لا يموت ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب (128) " اتقوا الله " يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم (129) =" وابتغوا إليه الوسيلة "، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.

(130) * * * و " الوسيلة ": هي" الفعيلة " من قول القائل: " توسلت إلى فلان بكذا "، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة: إنَّ الرِّجَــالَ لَهُــمْ إِلَيْــكِ وَسِـيلَةٌ إِنْ يَــأْخُذُوكِ, تكَحَّــلِي وتَخَـضَّبي (131) يعني بـ" الوسيلة "، القُرْبة، ومنه قول الآخر: (132) إِذَا غَفَــلَ الوَاشُـونَ عُدْنَـا لِوَصْلِنَـا وَعَــادَ التَّصَـافِي بَيْنَنَـا وَالوَسَـائِلُ (133) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11899 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا &; 10-291 &; سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان= عن منصور، عن أبي وائل: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة في الأعمال.

11900 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= عن طلحة، عن عطاء: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11901 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: فهي المسألة والقربة.

(134) 11902 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.

11902 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وابتغوا إليه الوسيلة "، القربة إلى الله جل وعزّ.

11903 - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، خبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11904 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: القربة.

11905 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة "، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله.

وقرأ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [سورة الإسراء: 57].

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهدوا، أيها المؤمنون، أعدائي وأعداءَكم= في سبيلي، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام.

(135) يقول: أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة، (136) =" لعلكم تفلحون "، يقول: كيما تنجحوا، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته.

* * * وقد دللنا على معنى " الفلاح " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(137) ---------------------- الهوامش : (128) في المطبوعة: "ووعدهم من الثواب" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(129) انظر تفسير"اتقوا" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).

(130) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف 9: 480 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(131) أشعار الستة الجاهليين: 396 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 165 ، والخزانة 3: 11 ، وغيرها ، من أبيات له قالها لامرأته ، وكانت لا تزال تذكر خيله ، وتلومه في فرس كان يؤثره على سائر خيله ويسقيه ألبان إبله ، فقال: لا تَذْكُــرِي مُهْــرِي وَمَـا أَطْعَمْتُـهُ فَيَكُـونَ جِـلْدُكِ مِثْـلَ جِـلْـدِ الأَجْرَبِ إِنَّ الْغَبُــوقَ لَــهُ، وَأَنْـتِ مَسُـوءَةٌ، فَتَــأَوَّهِي مَــا شِـئْتِ ثُـمَّ تَحَـوَّبِي كَــذَبَ الْعَتِيـقُ وَمَـاءُ شَـنٍّ بَـارِدٌ إنْ كُــنْتِ سَـائِلَتِي غَبُوقًـا فَـاذْهَبي إِنَّ الرِّجَـــالَ لَهُـــمْ.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَيَكُــونَ مَـرْكَبُكِ القَعُـودُ وَحِدْجُـهُ وَابْـنُ النَّعَامَـةِ يَـوْمَ ذَلِـكَ مَـرْكَبِي!

ينذرها بالطلاق إن هي ألحت عليه بالملامة في فرسه ، فإن فرسه هو حصنه وملاذه.

أما هي فما تكاد تؤسر في حرب ، حتى تتكحل وتتخضب لمن أسرها.

يقول: إن أخذوك تكحلت وتخضبت لهم.

(132) لم أعرف قائله.

(133) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 164.

(134) في المطبوعة: "هي المسألة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(135) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.

(136) انظر تفسير"جاهد" فيما سلف 4: 318.

(137) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 1: 249 ، 250/3: 561/7: 91 ، 509

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحونالأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة الوسيلة هي القربة عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد وعبد الله بن كثير ، وهي فعيلة من توسلت إليه أي : تقربت ; قال عنترة :إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبيوالجمع الوسائل ; قال :إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائلويقال : منه سلت أسأل أي : طلبت ، وهما يتساولان أي : يطلب كل واحد من صاحبه ; فالأصل الطلب ; والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ، والوسيلة درجة في الجنة ، وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام : فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة.

ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه.

{ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي: القرب منه، والحظوة لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل.

والبدنية: كالزكاة والحج.

والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله.

ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء.

ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات.

ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته.

والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ) اطلبوا ، ( إليه الوسيلة ) أي : القربة ، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا ، أي : تقرب إليه وجمعها وسائل ، ( وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) [ تلخيصه : امتثلوا أمر الله تنجوا ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» خافوا عقابه بأن تطيعوه «وابتغوا» اطلبوا «إليه الوسيلة» ما يقربكم إليه من طاعته «وجاهدوا في سبيله» لإعلاء دينه «لعلكم تفلحون» تفوزون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، خافوا الله، وتَقَرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وجاهدوا في سبيله؛ كي تفوزوا بجناته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبي : قوله - تعالى - : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) : استثنى - جل شأنه - التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : ( فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .

أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم .وقال الآلوسي : قوله ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله - تعالى - كما ينبئ عنه قوله ( فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .

وأما ما هو من حقوق العباد - كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه - فيسقط بالتوبة وجوبه على الإِمام من حيث كونه حدا ، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا؛ فإنهم إن شاءوا عفوا ، وإن أحبوا استوفوا .ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود .فقد قال ابن جرير - بعد أن ساق الأقوال في ذلك - : " وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي ، قول من قال : توبة المحارب الممتنع بنفسه ، أو بجماعة معه ، قبل القدرة عليه ، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته ، ومن حدود الله ، وغرم لازم ، وقود وقصاص ، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله " .وقال ابن كثير : وقوله - تعالى - ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) أما على قول من قال إنها في أهل الشرك ، فظاهر .

- أي : فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة - وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحت القتل والصلب وقطع الرجل .وهل يسقط قطع اليد؟

فيه قولان للعلماء .

وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة .ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها : ما رواه ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان جارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة - وكان قد أفسد في الأرض وحارب - فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه .

فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين : أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ ( إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ) فقال على : اكتب له أمانا .

.وبعد ، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذي سماهم الله - تعالى - محاربين لله ولرسوله ، وسمى الفقهاء عملهم حرابة .وقد رأينا أن الله - تعالى - قد عاقبتهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا .

وأعد لهم العذاب العظيم من الآخرة ، ما داموا مستمرين في عداوتهم وتهديدهم لأمن الناس ، واستلابهم لأموالهم .وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة ، أن يكف المعتدون عن عدوانهم ، وأن يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأغراضهم ، فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو رجل ، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان ، هذه الأمة التي هذا شأنها ، لابد أن تضطرب كلمتها ، ويهون أمرها ، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، لذا فقد أوجب الإِسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم ، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين ، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج .وقد قال القرطبي في هذا المعنى : " وإذا أخاف المحاربون السبيل ، وقطعو الطريق ، وجب على الإِمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبراً إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا ، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته .وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأخرج منهم من تاب إليه - سبحانه - قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه ، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال - تعالى - :( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا .

.

.

)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)قوله : ( اتقوا ) من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه الله - تعالى - .وقوله : ( وابتغوا ) من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء .و ( الوسيلة ) على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقربي به إلى الله - تعالى - ، من فعل الطاعات ، واجتناب المعاصي ، مأخوذة من وسل إلى كذا ، أي : تقرب إليه بشيء .

وقيل : الوسيلة الحاجة .قال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبة ، وهي أخص من الوصيلة ، لتضمنها معنى الرغبة ، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة ، وهي كالقربة .

والواسل : الراغب إلى الله - تعالى .

.والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ( اتقوا الله ) أي : خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه ( وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ) : أي : اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إلأيه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات ، والتزود من الأعمال الصالحات ، واجتناب المعاصي والمنكرات .( وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي : وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء ، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هي العليا ، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة .

وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان ، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من طاعة وإخلاص .وقوله : ( إليه ) متعلق بالفعل قبله وهو ( وابتغوا ) أو بلفظ ( الوسيلة ) لأنها بمعنى المتوسل به ، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص .أي : اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة ، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه - سبحانه - .أو : اطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم ، فإن بيده مقاليد السموات والأرض ، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره .وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في الجنة ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى ، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات ، لأن من يفعل ذلك ينال من الله - تعالى - أسمى الدرجات .وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه :الوسيلة : القربة .

كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبووائل والحسن وقتادة وغير واحد .قال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه .والوسيلة أيضاً : علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش .

وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال حين سمع النداء - أي الآذان - : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة " .وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو .

فمن سأل الوسيلة حلت له شفاعتي " .والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية ، أو ثلاث مقدمات ونتيجة .أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي : تقوى الله ، والتقرب إليه بما يرضيه ، والجهاد في سبيله .

وأما الغاية في أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح والفوز والنجاح .ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم .هذا ، وللعلماء كلام طويل في التوسل والوسيلة ، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه .قال الإِملام ابن تيمية : إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه ، يجب أن تعرف معانيه ويعطي كل ذي حق حقه .

فيعرف ما ورد به به الكتاب والنسة من ذلك ومعناه : وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك ، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإِجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب .إن لفظ الوسيلة ورد في القرآن ومن ذلك قوله - تعالى - ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ) .الوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه .

هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات .فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها ، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك .ولفظ الوسيلة ورد - أيضاً - في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم " سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله .

وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد " .ثم قال : والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة ، يريدون التوسل به وشفاعته .

والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإِقسام به والسؤال به .وحينئذ فلفظ التوسل به صلى الله عليه وسلم يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة .أما المعنيان الصحيحان .

فأحدهما : التوسل بالإِيمان به وبطاعته .والثاني : دعاؤه وشفاعته .

ومن هذا قول عمر بن الخطاب : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا - العباس - فاسقنا أي بدعائه وشفاعته .والتوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر - هو توسل بدعائه لا بذاته ، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس .فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس ، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته .وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإِقسام على الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ولا بعد مماته ولا عند قبره ولا غير قبره .

ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة .

أو عن من ليس قوله حجة .قال الآلوسي ما ملخصه : واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين ، وجعلهم وسيلة بين الله - تعالى - وبين العباد والقسم على الله - تعالى - بهم ، بأن يقال : اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا .

ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين : يا فلان ادع الله أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل .وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب ، بل قد يطلب الفاضل من المفضول ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما استأذنه في العمرة : " لا تنسنا يا أخي من دعائك " ولم يرد عن أحد من الصحابة - وهم أحرص الناس على كل خير - أنه طلب من ميت شيئا .وأما القسم على الله - تعالى - بأحد من خلقه مثل أن يقال : اللهم إني أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي ، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم .

ولا يجوز أن يقسم على الله بغيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء .

لأنهم ليسوا في درجته .ومن الناس من منع التوسل بالذات ، والقسم على الله بأحد من خلقه مطلقاً ، وهو الذي ترشح به كلام ابن تيمية ونقله عن أبي حنيفة وأبي يوسف ، وغيرهما من العلماء الأعلام .

ثم قال بعد كلام طويل :وبعد هذا كله فأنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله - تعالى - بجاه النبي صلى الله عليه وسلم حيا وميتا ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته - تعالى - مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته فكون معنى القائل : إلهي أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتين ، أي : إلهي أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ، بل لا أرى بأسا - أيضاً - في الأقسام على الله - تعالى - بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى .ثم قال : وإن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله - تعالى - من الأولياء .

الأحياء منهم والأموات وغيرهم .

مثل يا سيدي فلان أغثني .

وليس ذلك من التوسل المباح في شيء .

.

واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك .

وأن لا يحوم حول حماه ، وقد عده بعض العلماء شركا ، وإن لا يكنه فهو قريب منه .فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله - تعالى - القوى الغني الفعال لما يريد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجهان: الأول: اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوماً من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم، وامتد الكلام إلى هذا الموضع، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ كأنه قيل: قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك، وكونوا متقين عن معاصي الله، متوسلين إلى الله بطاعات الله.

الوجه الثاني في النظم: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ أي نحن أبناء أنبياء الله، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتقوا وابتغوا إليه الوسيلة، والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: أحدهما: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ وثانيهما: فعل المأمورات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر.

وإنما قلنا: إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي، والفعل هو الايقاع والتحصيل، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة.

فإن قيل: ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى؟

قلنا: الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى، فهاهنا يحصل الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال، ولهذا قال المحققون: ترك الشيء عبارة عن فعل ضده.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال، فالذي يجب تركه هو المحرمات، والذي يجب فعله هو الواجبات، ومعتبران أيضاً في الأخلاق، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة، ومعتبران أيضاً في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوّة والمعاد، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات، ومعتبران أيضاً في مقام التجلي، فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى: وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية، وبالمحو والصحو، وبالنفي والاثبات، وبالفناء والبقاء، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات، ولذلك كان قولنا لا إله إلاّ الله النفي مقدم فيه إلى الاثبات.

المسألة الثالثة: الوسيلة فعيلة، من وسل إليه إذا تقرب إليه.

قال لبيد الشاعر: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم *** ألاكل ذي لب إلى الله واسل أي متوسل، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود.

قالت التعليمية: دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته، ومرشد يرشدنا إلى العلم به، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقاً، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد، فلابد فيه من الوسيلة.

وجوابنا: أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمراً بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته، فيمتنع أن يكون هذا أمراً بطلب الوسيلة إليه في معرفته، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات.

ثم قال تعالى: ﴿ وجاهدوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ وبفعل ما ينبغي، بقوله: ﴿ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحسوسات، وكان بين الحالتين تضاد وتناف، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين وبالضدين، وبالمشرق والمغرب، وبالليل والنهار، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تهالى: ﴿ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلاً على الطبع، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله: ﴿ وجاهدوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر.

والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وجاهدوا فِي سَبِيلِهِ ﴾ أي من سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته.

والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب.

واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات، ومفاتح كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه الدار، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الوسيلة: كل ما يتوسل به أي يتقرّب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي.

وأنشد للبيد: أَرَى النَّاسَ لاَ يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِم ** أَلاَ كُلُّ ذِي لُبٍّ إلَى اللَّهِ وَاسِلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو حَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أمّا القَتْلُ قَصاصًا فَإلى الأوْلِياءِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُهُ لا جَوازُهُ، وتَقْيِيدُ التَّوْبَةِ بِالتَّقَدُّمِ عَلى القُدْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ القُدْرَةِ لا تُسْقِطُ الحَدَّ وإنْ أسْقَطَتِ العَذابَ، وأنَّ الآيَةَ في قِطاعِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ تَوْبَةَ المُشْرِكِ تَدْرَأُ عَنْهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ أيْ ما تَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسُلَ إلى كَذا إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ «الوَسِيلَةُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ» .

﴿ وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِالوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والفَوْزِ بِكَرامَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} فلا تؤذوا عباد الله {وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة} هي كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات {وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ جَزاءَ المُحارِبِ وعِظَمَ جِنايَتِهِ، وأشارَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ إلى مَغْفِرَتِهِ تَعالى لِمَن تابَ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْواهُ - عَزَّ وجَلَّ - في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ بِتَرْكِ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُحارِبَةُ والفَسادُ وبِفِعْلِ الطّاعَةِ الَّتِي مِن عِدادِها التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ ودَفْعُ الفَسادِ ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ ﴾ أيِ اطْلُبُوا لِأنْفُسِكم إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ ﴿ الوَسِيلَةَ ﴾ هي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسَلَ إلى كَذا أيْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِها، وقُدِّمَ عَلَيْها لِلِاهْتِمامِ، وهي صِفَةٌ لا مَصْدَرٌ حَتّى يَمْتَنِعَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، أيْ كائِنَةً إلَيْهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِها الِاتِّقاءُ المَأْمُورُ بِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ، فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، والذَّرِيعَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ، والمُناجاةُ مِن كُلِّ ضَيْرٍ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى البَيانِ والتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأوْلى أمْرٌ بِتَرْكِ المَعاصِي، والثّانِيَةُ أمْرٌ بِفِعْلِ الطّاعاتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الوَسِيلَةَ الحاجَةُ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ عَنْتَرَةَ: إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي وكَأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: اطْلُبُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ حاجَتَكُمْ؛ فَإنَّ بِيَدِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا تَطْلُبُوها مُتَوَجِّهِينَ إلى غَيْرِهِ، فَتَكُونُوا كَضَعِيفٍ عاذَ بِقَرْمَلَةٍ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَسِيلَةَ بِمَنزِلَةٍ في الجَنَّةِ، وكَوْنُها بِهَذا المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِاخْتِصاصِها بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى ما رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««إنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِعَبْدٍ مِن عِبادِهِ وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا فاسْألُوا لِيَ الوَسِيلَةَ»» وكَوْنُ الطَّلَبِ هُنا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ ذِهْنٌ سَلِيمٌ، وعَلَيْهِ يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِها كَما لا يَخْفى.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِغاثَةِ بِالصّالِحِينَ، وجَعَلَهم وسِيلَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ، والقَسَمِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، بِأنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ إنّا نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِفُلانٍ أنْ تُعْطِيَنا كَذا، ومِنهم مَن يَقُولُ لِلْغائِبِ أوِ المَيِّتِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ: يا فُلانُ ادْعُ اللَّهَ تَعالى لِيَرْزُقَنِي كَذا وكَذا، ويَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ، ويَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: ««إذا أعْيَتْكُمُ الأُمُورُ فَعَلَيْكم بِأهْلِ القُبُورِ، أوْ فاسْتَغِيثُوا بِأهْلِ القُبُورِ»» وكُلُّ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ الِاسْتِغاثَةَ بِمَخْلُوقٍ وجَعْلَهُ وسِيلَةً بِمَعْنى طَلَبِ الدُّعاءِ مِنهُ لا شَكَّ في جَوازِهِ، إنْ كانَ المَطْلُوبُ مِنهُ حَيًّا، ولا يُتَوَقَّفُ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ مِنَ الطّالِبِ، بَلْ قَدْ يَطْلُبُ الفاضِلُ مِنَ المَفْضُولِ، فَقَدْ صَحَّ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا اسْتَأْذَنَهُ في العُمْرَةِ: «لا تَنْسَنا يا أخِي مِن دُعائِكَ»،» وأمَرَهُ أيْضًا أنْ يَطْلُبَ مِن أُوَيْسٍ القَرَنِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، وأمَرَ أُمَّتَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَلَبِ الوَسِيلَةِ لَهُ كَما مَرَّ آنِفًا، وبِأنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ.

وأمّا إذا كانَ المَطْلُوبُ مِنهُ مَيِّتًا أوْ غائِبًا فَلا يَسْتَرِيبُ عالِمٌ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وأنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، نَعَمِ، السَّلامُ عَلى أهْلِ القُبُورِ مَشْرُوعٌ، ومُخاطَبَتُهم جائِزَةٌ، فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يُعَلِّمُ أصْحابَهُ إذا زارُوا القُبُورَ أنْ يَقُولُوا: ««السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإنّا إنْ شاءَ تَعالى بِكم لاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى المُسْتَقْدِمِينَ مِنّا ومِنكم والمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجَرْهم ولا تَفْتِنّا بَعْدَهُمْ، واغْفِرْ لَنا ولَهم»».

ولَمْ يَرِدْ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وهم أحْرَصُ الخَلْقِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ - أنَّهُ طَلَبَ مِن مَيِّتٍ شَيْئًا، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ إذْ دَخَلَ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ زائِرًا: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أبا بَكْرٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أبَتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، ولا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَطْلُبُ مِن سَيِّدِ العالَمِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ مِن ضَجِيعَيْهِ المُكَرَّمَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - شَيْئًا، وهم أكْرَمُ مَن ضَمَّتْهُمُ البَسِيطَةُ، وأرْفَعُ قَدْرًا مِن سائِرِ مَن أحاطَتْ بِهِ الأفْلاكُ المُحِيطَةُ.

نَعَمِ، الدُّعاءُ في هاتِيكَ الحَضْرَةِ المُكَرَّمَةِ والرَّوْضَةِ المُعَظَّمَةِ أمْرٌ مَشْرُوعٌ، فَقَدْ كانَتِ الصَّحابَةُ تَدْعُو اللَّهَ تَعالى هُناكَ، مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ، ولَمْ يَرِدْ عَنْهُمُ اسْتِقْبالُ القَبْرِ الشَّرِيفِ عِنْدَ الدُّعاءِ، مَعَ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ العَرْشِ.

واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في اسْتِقْبالِهِ عِنْدَ السَّلامِ، فَعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ لا يُسْتَقْبَلُ، بَلْ يُسْتَدْبَرُ وتُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَقْبَلُ وقْتَ السَّلامِ، وتُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ ويُسْتَدْبَرُ وقْتَ الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُسْتَقْبَلُ وقْتَ السَّلامِ، وعِنْدَ الدُّعاءِ تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ، ويُجْعَلُ القَبْرُ المُكَرَّمُ عَنِ اليَمِينِ أوِ اليَسارِ.

فَإذا كانَ هَذا المَشْرُوعَ في زِيارَةِ سَيِّدِ الخَلِيقَةِ، وعِلَّةِ الإيجادِ عَلى الحَقِيقَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَماذا تَبْلُغُ زِيارَةُ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى زِيارَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِيُزادَ فِيها ما يُزادُ، أوْ يُطْلَبَ مِنَ المَزُورِ بِها ما لَيْسَ مِن وظِيفَةِ العِبادِ؟!

وأمّا القَسَمُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أوْ أسْألُكَ بِفُلانٍ إلّا ما قَضَيْتَ لِي حاجَتِي، فَعَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ جَوازُ ذَلِكَ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا في دَرَجَتِهِ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ المَناوِيُّ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ، ودَلِيلُهُ في ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: «ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُعافِيَنِي، فَقالَ: إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وإنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قالَ فادْعُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ويَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ وأتَوَجَّهُ بِنَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إلى رَبِّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»» ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.

ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ التَّوَسُّلَ بِالذّاتِ والقَسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ مُطْلَقًا، وهو الَّذِي يُرَشَّحُ بِهِ كَلامُ المَجْدِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ونَقَلَهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأبِي يُوسُفَ وغَيْرِهِما مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ، وأجابَ عَنِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِدُعاءِ أوْ شَفاعَةِ نَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَفِيهِ جَعْلُ الدُّعاءِ وسِيلَةً، وهو جائِزٌ بَلْ مَندُوبٌ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»» بَلْ في أوَّلِهِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ شَنَّعَ التّاجُ السُّبْكِيُّ - كَما هو عادَتُهُ - عَلى المَجْدِ، فَقالَ: ويَحْسُنُ التَّوَسُّلُ والِاسْتِغاثَةُ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى رَبِّهِ، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، حَتّى جاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَأنْكَرَ ذَلِكَ، وعَدَلَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وابْتَدَعَ ما لَمْ يَقُلْهُ عالِمٌ، وصارَ بَيْنَ الأنامِ مُثْلَةً، انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ الطّاهِرِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأئِمَّةِ لَيْسَ فِيها التَّوَسُّلُ بِالذّاتِ المُكَرَّمَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَوْ فَرَضْنا وُجُودَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ فَمُؤَوَّلٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ كَما سَمِعْتَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما تَسْمَعُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ومَنِ ادَّعى النَّصَّ فَعَلَيْهِ البَيانُ، وما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ وغَيْرُهُ مِن «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «إنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى اللَّهِ تَعالى ونَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى رُؤِيَ ذَلِكَ في وُجُوهِ أصْحابِهِ، فَقالَ: ويْحَكَ!

أتَدْرِي ما اللَّهُ تَعالى؟

إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُشْفَعُ بِهِ عَلى أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ»» لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى ما نَحْنُ فِيهِ، حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: «إنّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ» ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلَهُ: «نَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى اللَّهِ تَعالى» لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِشْفاعِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الدُّعاءُ مِنهُ، ولَيْسَ مَعْناهُ الإقْسامُ بِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ الإقْسامُ مَعْنًى لِلِاسْتِشْفاعِ فَلِمَ أنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى؟

وعَلى هَذا لا يَصْلُحُ الخَبَرُ ولا ما قَبْلَهُ دَلِيلًا لِمَنِ ادَّعى جَوازَ الإقْسامِ بِذاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيًّا ومَيِّتًا، وكَذا بِذاتِ غَيْرِهِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ مُطْلَقًا؛ قِياسًا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِجامِعِ الكَرامَةِ، وإنْ تَفاوَتَ قُوَّةً وضَعْفًا، وذَلِكَ لِأنَّ ما في الخَبَرِ الثّانِي اسْتِشْفاعٌ لا إقْسامٌ، وما في الخَبَرِ الأوَّلِ لَيْسَ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَيْسَ فِيهِ إلّا الإقْسامُ بِالحَيِّ والتَّوَسُّلُ بِهِ.

وتَساوِي حالَتَيْ حَياتِهِ ووَفاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في هَذا الشَّأْنِ يَحْتاجُ إلى نَصٍّ، ولَعَلَّ النَّصَّ عَلى خِلافِهِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ إذا قُحِطُوا اسْتَسْقى بِالعَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَقالَ: «اللَّهُمَّ إنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَسْقِينا، وإنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسْقِنا، فَيُسْقَوْنَ».

فَإنَّهُ لَوْ كانَ التَّوَسُّلُ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ انْتِقالِهِ مِن هَذِهِ الدّارِ لَما عَدَلُوا إلى غَيْرِهِ، بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنا فاسْقِنا، وحاشاهم أنْ يَعْدِلُوا عَنِ التَّوَسُّلِ بِسَيِّدِ النّاسِ إلى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ العَبّاسِ وهم يَجِدُونَ أدْنى مَساغٍ لِذَلِكَ، فَعُدُولُهم هَذا - مَعَ أنَّهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ - وهم أعْلَمُ مِنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما يُشْرَعُ مِنَ الدُّعاءِ وما لا يُشْرَعُ، وهم في وقْتِ ضَرُورَةٍ ومَخْمَصَةٍ، يَطْلُبُونَ تَفْرِيجَ الكُرُباتِ، وتَيْسِيرَ العَسِيرِ، وإنْزالَ الغَيْثِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المَشْرُوعَ ما سَلَكُوهُ دُونَ غَيْرِهِ.

وما ذُكِرَ مِن قِياسِ غَيْرِهِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ التَّفاوُتِ في الكَرامَةِ - الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا مُنافِقٌ - مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإقْسامَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَبِّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - حَيًّا أوْ مَيِّتًا مِمّا لَمْ يَقُمِ النَّصُّ عَلَيْهِ، لا يُقالُ: إنَّ في خَبَرِ البُخارِيِّ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ الإقْسامِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيًّا، وكَذا بِغَيْرِهِ كَذَلِكَ.

أمّا الأوَّلُ فَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فِيهِ: «كُنّا نَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّكَ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وأمّا الثّانِي فَلِقَوْلِهِ: «إنّا نَتَوَسَّلُ بِعَمِّ نَبِيِّكَ» لِما قِيلَ: إنَّ هَذا التَّوَسُّلَ لَيْسَ مِن بابِ الإقْسامِ بَلْ هو مِن جِنْسِ الِاسْتِشْفاعِ، وهو أنْ يَطْلُبَ مِنَ الشَّخْصِ الدُّعاءَ والشَّفاعَةَ، ويَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ وشَفاعَتَهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ العَبّاسَ كانَ يَدْعُو وهم يُؤَمِّنُونَ لِدُعائِهِ حَتّى سُقُوا.

وقَدْ ذَكَرَ المَجْدُ أنَّ لَفْظَ التَّوَسُّلِ بِالشَّخْصِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وبِهِ فِيهِ إجْمالٌ واشْتِراكٌ بِحَسَبِ الِاصْطِلاحِ، فَمَعْناهُ في لُغَةِ الصَّحابَةِ أنْ يَطْلُبَ مِنهُ الدُّعاءَ والشَّفاعَةَ، فَيَكُونُ التَّوَسُّلُ والتَّوَجُّهُ في الحَقِيقَةِ بِدُعائِهِ وشَفاعَتِهِ، وذَلِكَ مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ، وأمّا في لُغَةِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَمَعْناهُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ ويُقْسِمَ بِهِ عَلَيْهِ، وهَذا هو مَحَلُّ النِّزاعِ، وقَدْ عَلِمْتَ الكَلامَ فِيهِ.

وجُعِلَ مِنَ الإقْسامِ الغَيْرِ المَشْرُوعِ قَوْلُ القائِلِ: اللَّهُمَّ أسْألُكَ بِجاهِ فُلانٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السُّلَفِ أنَّهُ دَعا كَذَلِكَ، وقالَ: إنَّما يُقْسَمُ بِهِ تَعالى وبِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَيُقالُ: «أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ يا اللَّهُ، المَنّانُ، بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حىُّ يا قَيُّومُ»، و«أسْألُكَ بِأنَّكَ أنْتَ اللَّهُ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ»، و«أسْألُكُ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ» الحَدِيثَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ.

وما يَذْكُرُهُ بَعْضُ العامَّةِ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا كانَتْ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى حاجَةٌ فاسْألُوا اللَّهَ تَعالى بِجاهِي؛ فَإنَّ جاهِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَظِيمٌ»» لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولا هو شَيْءٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.

وما رَواهُ القُشَيْرِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ لِتَلامِذَتِهِ:»إنْ كانَتْ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى حاجَةٌ فَأقْسِمُوا عَلَيْهِ بِي؛ فَإنِّي الواسِطَةُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ جَلَّ جَلالُهُ الآنَ» لا يُوجَدُ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ.

وأمّا ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دُعاءِ الخارِجِ إلى الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِحَقِّ السّائِلِينَ عَلَيْكَ، وبِحَقِّ مَمْشايَ هَذا؛ فَإنِّي لَمْ أخْرُجْ أشَرًا ولا بَطَرًا ولا رِياءً ولا سُمْعَةً، ولَكِنْ خَرَجْتُ اتِّقاءَ سَخَطِكَ، وابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ أنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النّارِ، وأنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ»» فَفي سَنَدِهِ العَوْفِيُّ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُقالُ فِيهِ: إنَّ حَقَّ السّائِلِينَ عَلَيْهِ تَعالى أنْ يُجِيبَهُمْ، وحَقَّ الماشِينَ في طاعَتِهِ أنْ يُثِيبَهُمْ، والحَقُّ بِمَعْنى الوَعْدِ الثّابِتِ المُتَحَقَّقِ الوُقُوعِ فَضْلًا لا وُجُوبًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

وفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ: ««حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّهم عَلَيْهِ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنْ لا يُعَذِّبَهم»» فالسُّؤالُ حِينَئِذٍ بِالإثابَةِ والإجابَةِ، وهُما مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلِيَّةِ، والسُّؤالُ بِها مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ كالِاسْتِعاذَةِ في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِمُعَفاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنكَ»» فَمَتى صَحَّتِ الِاسْتِعاذَةُ بِمُعافاتِهِ صَحَّ السُّؤالُ بِإثْباتِهِ وإجابَتِهِ.

وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ يَخْرُجُ سُؤالُ الثَّلاثَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -بِأعْمالِهِمْ، عَلى أنَّ التَّوَسُّلَ بِالأعْمالِ مَعْناهُ التَّسَبُّبُ بِها لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ولا شَكَّ أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ سَبَبٌ لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى لَنا، ولا كَذَلِكَ ذَواتُ الأشْخاصِ أنْفُسُها، والنّاسُ قَدْ أفْرَطُوا اليَوْمَ في الإقْسامِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأقْسَمُوا عَلَيْهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - بِمَن لَيْسَ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ، ولَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الجاهِ قَدْرُ قِطْمِيرٍ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم يَطْلُبُونَ مِن أصْحابِ القُبُورِ نَحْوَ إشْفاءِ المَرِيضِ، وإغْناءِ الفَقِيرِ، ورَدِّ الضّالَّةِ، وتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ، وتُوحِي إلَيْهِمْ شَياطِينُهم خَبَرَ «إذا أعْيَتْكُمُ الأُمُورُ» إلَخْ، وهو حَدِيثٌ مُفْتَرًى عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإجْماعِ العارِفِينَ بِحَدِيثِهِ، لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ، ولا يُوجَدُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ.

وقَدْ نَهى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ، ولَعَنَ عَلى ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ والطَّلَبِ مِن أصْحابِها؟!

سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

وعَنْ أبِي يَزِيدَ البِسْطامِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: اسِتْغاثَةُ المَخْلُوقِ بِالمَخْلُوقِ كاسْتِغاثَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ.

ومِن كَلامِ السَّجّادِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضِلَّةٌ في عَقْلِهِ.

ومِن دُعاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - «وبِكَ المُسْتَغاثُ».

«وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «إذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعالى»» الخَبَرَ.

وقالَ تَعالى: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .

وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنا لا أرى بَأْسًا في التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِجاهِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حَيًّا ومَيِّتًا، ويُرادُ مِنَ الجاهِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، مِثْلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَحَبَّةُ التّامَّةُ المُسْتَدْعِيَةُ عَدَمَ رَدِّهِ وقَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِ القائِلِ: إلَهِي أتَوَسَّلُ بِجاهِ نَبِيِّكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ تَقْضِيَ لِي حاجَتِي: إلَهِي اجْعَلْ مَحَبَّتَكَ لَهُ وسِيلَةً في قَضاءِ حاجَتِي، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِكَ: إلَهِي أتَوَسَّلُ بِرَحْمَتِكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، إذْ مَعْناهُ أيْضًا: إلَهِي اجْعَلْ رَحْمَتَكَ وسِيلَةً في فِعْلِ كَذا.

بَلْ لا أرى بَأْسًا أيْضًا بِالإقْسامِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِجاهِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذا المَعْنى، والكَلامُ في الحُرْمَةِ كالكَلامِ في الجاهِ، ولا يَجْرِي ذَلِكَ في التَّوَسُّلِ والإقْسامِ بِالذّاتِ البَحْتِ.

نَعَمْ، لَمْ يُعْهَدِ التَّوَسُّلُ بِالجاهِ والحُرْمَةِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ تَحاشِيًا مِنهم عَمّا يُخْشى أنْ يَعْلَقَ مِنهُ في أذْهانِ النّاسِ إذْ ذاكَ - وهم قَرِيبُو عَهْدٍ بِالتَّوَسُّلِ بِالأصْنامِ - شَيْءٌ، ثُمَّ اقْتَدى بِهِمْ مَن خَلَقَهم مِنَ الأئِمَّةِ الطّاهِرِينَ، وقَدْ «تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَدْمَ الكَعْبَةِ وتَأْسِيسَها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ لِكَوْنِ القَوْمِ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ،» كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ.

وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ إنَّما هو لِدَفْعِ الحَرَجِ عَنِ النّاسِ، والفِرارِ مِن دَعْوى تَضْلِيلِهِمْ - كَما يَزَعُمُهُ البَعْضُ - في التَّوَسُّلِ بِجاهِ عَرِيضِ الجاهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا لِلْمَيْلِ إلى أنَّ الدُّعاءَ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنِ اسْتِعْمالِ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ الَّتِي جاءَ بِها الكِتابُ، وصَدَحَتْ بِها ألْسِنَةُ السُّنَّةِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَرِيبُ مُنْصِفٌ في أنَّ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ودَرَجَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ الكِرامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وتَلَقّاهُ مَن بَعْدَهُمُ بِالقَبُولِ أفْضَلُ وأجْمَعُ وأنْفَعُ وأسْلَمُ، فَقَدْ قِيلَ ما قِيلَ، إنْ حَقًّا وإنْ كَذِبًا.

بَقِيَ ها هُنا أمْرانِ: الأوَّلُ: إنَّ التَّوَسُّلَ بِجاهِ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا بَأْسَ بِهِ أيْضًا، إنْ كانَ المُتَوَسَّلُ بِجاهِهِ مِمّا عُلِمَ أنَّ لَهُ جاهًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، كالمَقْطُوعِ بِصَلاحِهِ ووِلايَتِهِ، وأمّا مَن لا قَطْعَ في حَقِّهِ بِذَلِكَ فَلا يُتَوَسَّلُ بِجاهِهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ الضِّمْنِيِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لَمْ يُعْلَمْ تَحَقُّقُهُ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - وفي ذَلِكَ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: إنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا مِن دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأوْلِياءِ الأحْياءِ مِنهم والأمْواتِ، وغَيْرِهِمْ، مِثْلُ: يا سَيِّدِي فُلانُ أغِثْنِي، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ المُباحِ في شَيْءٍ، واللّائِقُ بِحالِ المُؤْمِنِ عَدَمُ التَّفَوُّهِ بِذَلِكَ، وأنْ لا يَحُومَ حَوْلَ حِماهُ، وقَدْ عَدَّهُ أُناسٌ مِنَ العُلَماءِ شِرْكًا، وإنْ لا يَكُنْهُ فَهو قَرِيبٌ مِنهُ، ولا أرى أحَدًا مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا وهو يَعْتَقِدُ أنَّ المَدْعُوَّ الحَيَّ الغائِبَ أوِ المَيِّتَ المُغَيَّبَ يَعْلَمُ الغَيْبَ أوْ يَسْمَعُ النِّداءَ، ويَقْدِرُ بِالذّاتِ أوْ بِالغَيْرِ عَلى جَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الأذى، وإلّا لَما دَعاهُ، ولا فَتَحَ فاهُ، وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ.

فالحَزْمُ التَّجَنُّبُ عَنْ ذَلِكَ، وعَدَمُ الطَّلَبِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، القَوِيِّ الغَنِيِّ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، ومَن وقَفَ عَلى سِرِّ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في مُجْمَعِهِ مِن «أنَّهُ كانَ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُنافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «قُومُوا بِنا نَسْتَغِيثْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن هَذا المُنافِقِ، فَجاءُوا إلَيْهِ، فَقالَ: إنَّهُ لا يُسْتَغاثُ بِي، إنَّما يُسْتَغاثُ بِاللَّهِ تَعالى»» لَمْ يَشُكَّ في أنَّ الِاسْتِغاثَةَ بِأصْحابِ القُبُورِ - الَّذِينَ هم بَيْنَ سَعِيدٍ شَغَلَهُ نَعِيمُهُ، وتَقَلُّبُهُ في الجِنانِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما في هَذا العالَمِ، وبَيْنَ شَقِيٍّ ألْهاهُ عَذابُهُ وحَبَسُهُ في النِّيرانِ عَنْ إجابَةِ مُنادِيهِ، والإصاخَةِ إلى أهْلِ نادِيهِ - أمْرٌ يَجِبُ اجْتِنابُهُ، ولا يَلِيقُ بِأرْبابِ العُقُولِ ارْتِكابُهُ.

ولا يَغُرَّنَّكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ بِمَخْلُوقٍ قَدْ تُقْضى حاجَتُهُ، وتَنْجَحُ طِلْبَتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ ابْتِلاءً وفِتْنَةً مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -وقَدْ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ لِلْمُسْتَغِيثِ في صُورَةِ الَّذِي اسْتَغاثَ بِهِ، فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ كَرامَةً لِمَنِ اسْتَغاثَ بِهِ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّما هو شَيْطانٌ أضَلَّهُ وأغْواهُ، وزَيَّنَ لَهُ هَواهُ، وذَلِكَ كَما يَتَكَلَّمُ الشَّيْطانُ في الأصْنامِ لِيُضِلَّ عَبَدَتَها الطَّغامَ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَطَوُّرِ رُوحِ المُسْتَغاثِ بِهِ، أوْ مِن ظُهُورِ مَلَكٍ بِصُورَتِهِ كَرامَةً لَهُ، ولَقَدْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ؛ لِأنَّ التَّطَوُّرَ والظُّهُورَ - وإنْ كانا مُمْكَنَيْنِ - لَكِنْ لا في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وعِنْدَ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرِيرَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى بِأسْمائِهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن ذَلِكَ، ونَتَوَسَّلُ بِلُطْفِهِ أنْ يَسْلُكَ بِنا وبِكم أحْسَنَ المَسالِكِ.

﴿ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ مَعَ أعْدائِكم بِما أمْكَنَكم.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِنَيْلِ نَعِيمِ الأبَدِ، والخَلاصِ مِن كُلِّ نَكَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني احذروا المعاصي لكي تنجوا من عذاب الله.

وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ يعني اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ يعني في طاعته.

ويقال: جاهدوا العدو لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تنجوا من العقوبة وتنالوا الثواب.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول: إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا جميعاً ومثلها معها فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها يقول الله تعالى: لو كان ذلك لهم ففعلوه مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك النداء وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وجيع.

ثم قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم أبداً.

وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن قوماً يخرجون من النار بعد ما يدخلونها، قيل له: سبحان الله أليس الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها؟

فقال جابر: اقرءوا إن شئتم أول الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني هذا للكفار خاصة دون العاصين من المؤمنين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعض الطُّرُق أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ.

قال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ «١» ، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة:

بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ.

وقوله سبحانه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ- أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك.

وقوله تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ...

الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ...

الآية: استثنى عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ/ الناسِ، وإن تاب هذا هو الصحيح.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ...

الآية: هذه الآية

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ في الوَسِيلَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القُرْبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والفَرّاءُ.

وقالَ قَتادَةُ: تَقْرَّبُوا إلَيْهِ بِما يُرْضِيهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: تَوَسَّلْتُ إلَيْهِ، أيْ: تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ.

وأنْشَدَ: إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ والثّانِي: المَحَبَّةُ، يَقُولُ: تَحَبَّبُوا إلى اللَّهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابِ ألِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالمُحارِبِينَ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ الوَعْظِ؛ لِأنَّهُ يَرِدُ عَلى النُفُوسِ وهي خائِفَةٌ وجِلَةٌ؛ وعادَةُ البَشَرِ إذا رَأى وسَمِعَ أمْرَ مُمْتَحِنٍ بِبَشِيعِ المَكارِهِ؛ أنْ يَرِقَّ ويَخْشَعَ؛ فَجاءَ الوَعْظُ في هَذِهِ الحالِ.

"وابْتَغُوا"؛ مَعْناهُ: اُطْلُبُوا؛ و"اَلْوَسِيلَةَ": اَلْقُرْبَةَ؛ وسَبَبَ النَجاحِ في المُرادِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ لِامْرَأتِهِ: إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ أنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي وأمّا الوَسِيلَةُ المَطْلُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي أيْضًا مِن هَذا؛ لِأنَّ الدُعاءَ لَهُ بِالوَسِيلَةِ والفَضِيلَةِ؛ إنَّما هو أنْ يُؤْتاهُما في الدُنْيا؛ ويُتَّصَفَ بِهِما؛ ويَكُونَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ التَشْفِيعَ في المَقامِ المَحْمُودِ؛ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ ∗∗∗ وعادَ التَصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ خُصَّ الجِهادُ بِالذِكْرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَباهَتُهُ في أعْمالِ البِرِّ؛ وأنَّهُ قاعِدَةُ الإسْلامِ؛ وقَدْ دَخَلَ بِالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ ؛ ولَكِنْ خَصَّهُ تَشْرِيفًا؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّها العِبادَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنهِيٍّ عَنِ المُحارَبَةِ؛ وهو مُعَدٌّ لَها مِن حالِهِ؛ وسِنِّهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وشَرَهِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْقَلِبَ إلى الجِهادِ إلّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعالى.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَفْتَدُوا" لامَ "كَيْ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُقُبِّلَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ والقافِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "تَقَبَّلَ"؛ بِفَتْحِها؛ عَلى مَعْنى: "ما تَقَبَّلَ اللهُ تَعالى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيدُونَ"؛ ﴾ إخْبارٌ عن أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا في قُلُوبِهِمْ؛ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ أنَّهم يَنْطِقُونَ عن هَذِهِ الإرادَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فارَقَتْ بِهِمُ النارُ قَرُبُوا مِن حاشِيَتِها؛ فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ؛ ويَطْمَعُونَ بِهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّها بِمَعْنى "يَكادُونَ"؛ عَلى هَذا القَصَصِ الَّذِي حَكى الحَسَنُ؛ وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ إلّا فِيما لا تَتَأتّى مِنهُ الإرادَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ  ﴾ ؛ وأمّا في إرادَةِ بَنِي آدَمَ فَلا؛ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَخْرُجُوا"؛  ﴾ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "يُخْرَجُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ.

وأخْبَرَ تَعالى عن هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم لَيْسُوا بِخارِجِينَ مِنَ النارِ؛ بَلْ عَذابُهم فِيها مُقِيمٌ مُتَأبِّدٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ؛ أعْمى القَلْبِ؛ تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ؛ وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَما هم بِخارِجِينَ مِنها ﴾ ؟

فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ؛ اقْرَأْ ما فَوْقَها؛ هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله: ﴿ إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ﴾ [المائدة: 36] الآية.

خاطب المؤمنين بالتّرغيب بعد أن حذّرهم من المفاسد، على عادة القرآن في تخلّل الأغراض بالموعظة والتّرغيب والتّرهيب، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النّفوس، كما قال الحريري: «فلمّا دَفنوا الميْتْ، وفاتَ قول ليتْ، أقبل شَيخ من رِباوَة، متأبّطاً لهراوة،.

فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، إلخ.

فعُقّب حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتّقوى وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة الله.

وقابل قتالاً مذموماً بقتال يحمد فاعله عاجلاً وآجلاً».

والوسيلة: كالوصيلة.

وفعل وَسَل قريب من فعل وَصَلَ، فالوسيلة: القُربة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، أي متوسّل بها أي اتبعوا التقرّب إليه، أي بالطاعة.

و ﴿ إليه ﴾ متعلّق ب ﴿ الوسيلة ﴾ أي الوسيلة إلى الله تعالى.

فالوسيلة أريد بها ما يبلغ به إلى الله، وقد علم المسلمون أنّ البلوغ إلى الله ليس بلوغ مسافة ولكنّه بلوغ زلفى ورضى.

فالتّعريف في الوسيلة تعريف الجنس، أي كلّ ما تعلمون أنّه يقرّبكم إلى الله، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه.

فالوسيلة ما يقرّب العبد من الله بالعمل بأوامره ونواهيه.

وفي الحديث القُدسي: " ما تَقَرّب إلَيّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه " الحديث.

والمجرور في قوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ متعلّق ب ﴿ ابتغوا ﴾ .

ويجوز تعلّقه ب ﴿ الوسيلة ﴾ ، وقدم على متعلّقه للحصر، أي لا تتوسّلوا إلاّ إليه لا إلى غيره فيكون تعريضاً بالمشركين لأنّ المسلمين لا يظنّ بهم ما يقتضي هذا الحصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما.

إنَّما بَدَأ اللَّهُ تَعالى في السَّرِقَةِ بِالسّارِقِ قَبْلَ السّارِقَةِ، وفي الزِّنى بِالزّانِيَةِ قَبْلَ الزّانِي، لِأنَّ حُبَّ المالِ عَلى الرِّجالِ أغْلَبُ، وشَهْوَةُ الِاسْتِمْتاعِ عَلى النِّساءِ أغْلَبُ، ثُمَّ جَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ اليَدِ لِتَناوُلِ المالِ بِها، ولَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنى قَطْعَ الذَّكَرِ مَعَ مُواقَعَةِ الفاحِشَةِ بِهِ، لِثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها: أنَّ لِلسّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ الَّتِي قُطِعَتْ فَإنِ انْزَجَرَ بِها اعْتاضَ بِالثّانِيَةِ، ولَيْسَ لِلزّانِي مِثْلُ ذَكَرِهِ إذا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوِ انْزَجَرَ بِقَطْعِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَدَّ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وغَيْرِهِ، وقَطْعُ اليَدِ في السَّرِقَةِ ظاهِرٌ، وقَطْعُ الذَّكَرِ في الزِّنى باطِنٌ، والثّالِثُ: أنَّ في قَطْعِ الذَّكَرِ إبْطالَ النَّسْلِ ولَيْسَ في قَطْعِ اليَدِ إبْطالُهُ.

وَقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ  في الإسْلامِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وقالَ: «لَوْ كانَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ» .

وقَطَعَ عُمَرُ ابْنَ سَمُرَةَ أخا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.

والقَطْعُ في السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِ الإمامِ بِهِ، «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  في سارِقِ رِداءِ صَفْوانَ حِينَ أمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقالَ صَفْوانُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (هَلّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟

لا عَفا اللَّهُ عَنِّي إنْ عَفَوْتُ.

» ورُوِيَ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهم حَتّى بَقِيَ واحِدٌ مِنهم فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقالَ يَمِينِي أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُعِيذُها بِعَفْوِكَ أنْ تَلْقى مَكانًا يَشِينُها ∗∗∗ يَدِي كانَتِ الحَسْناءَ لَوْ تَمَّ سَبْرُها ∗∗∗ ولا تَعْدَمُ الحَسْناءُ عابًا يَعِيبُها ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في الدُّنْيا وكانَتْ حَبِيبَةً ∗∗∗ إذا ما شَمالِي فارَقَتْها يَمِينُها فَقالَ مُعاوِيَةُ: كَيْفَ أصْنَعُ وقَدْ قَطَعْتُ أصْحابَكَ، فَقالَتْ أُمُّ السّارِقِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اجْعَلْها مِن ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ مِنها، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَكانَ أوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ في الإسْلامِ.

وَلِوُجُوبِ القَطْعِ مَعَ ارْتِفاعِ الشُّبْهَةِ شَرْطانِ هُما: الحِرْزُ والقِدْرُ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَدْرِ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ خِلافًا، كُتُبُ الفِقْهِ أوْلى.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ لِأجْلِ اسْتِثْناءِ القَطْعِ وشُرُوطِهِ عَمَّنْ سَرَقَ مِن غَيْرِ حِرْزٍ أوْ سَرَقَ مِنَ القِدْرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ هَلْ هو عامٌّ خُصَّ؟

أوْ مُجْمَلٌ فُسِّرَ عَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العُمُومُ الَّذِي خُصَّ.

والثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي فُسِّرَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا ﴾ فاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ مَعَ القَطْعِ غُرْمُ المَسْرُوقِ إذا اسْتُهْلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا غُرْمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: يَجِبُ فِيهِ الغُرْمُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ سارِقِ الدِّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ في التَّوْبَةِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كالتَّوْبَةِ مِن سائِرِ المَعاصِي والنَّدَمِ عَلى ما مَضى والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.

والثّانِي: أنَّها الحَدُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قالَ: «سَرَقَتِ امْرَأةٌ حُلِيًّا فَجاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ سَرَقَتْنا هَذِهِ المَرْأةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنى فَقالَتِ المَرْأةُ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِن كُفْرِهِ، ويُعَذِّبُ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِمْ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والمَسْخِ والآلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صُنُوفِ عَذابِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ واسْتِنْقاذِهِمْ بِها مِنَ الهَلَكَةِ وخَلاصِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ قال: القربة.

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ قال: القربة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ قال: تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي وائل قال: ﴿ الوسيلة ﴾ في الإيمان.

وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله عز وجل ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ قال: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة ** إن يأخذوك تكللي وتخضبي <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ .

معنى ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- (١) وقوله تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ .

الوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه (٢) (٣) (٤) ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربى (٥) ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ يريد بطاعتكم له (٦) وقال قتادة: يقول تقربوا إليه بطاعته (٧) ﴿ وَجَاهِدُوا ﴾ العدو، ﴿ فِي سَبِيلِهِ ﴾ في طاعته، ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ كي تسعدوا وتبقوا في الجنة.

قاله ابن عباس وغيره (٨) (١) انظر: "البسيط" البقرة: 189.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.

(٣) في "ديوان لبيد" ص 256: لب.

(٤) "شرح ديوان لبيد بن ربيعة" ص 256، وجاء صدره: أرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم والواسل: الطالب، أي يتوسل إلى الله بالطاعة والعمل الصالح.

وقد جاء بعد هذا البيت بيت لبيد المشهور: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ...

وكل نعيم لا محالة زائل (٥) جاء نحو ذلك عن كثير من التابعين.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.

(٧) أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 226، وانظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.

(٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 432، "الوسيط" 3/ 872، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 61، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ أي ما يتوسل به ويتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك ﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ إن قيل لم وحّد الضمير وقد ذكر شيئين وهما في الأرض ومثله؟

فالجواب أنه وضع المفرد في موضع الاثنين، وأجرىلضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال يفتدوا بذلك، أو تكون الواو بمعنى مع ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي دائم، وكذلك: نعيم مقيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.

روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.

﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.

﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .

﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.

﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  ﴾ فكأنه  ذكر لأجل تسلية نبيّه  قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.

ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب  ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.

ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.

والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله  ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.

أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله  من ذبيحة أو صدقة.

يروى أنّ آدم  كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.

وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.

فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.

فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.

هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.

قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.

وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال  حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله  التي هي السبب في القبول؟

قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.

وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.

وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟

قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.

فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.

ثم حكى الله  عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.

قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.

قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.

ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.

سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟

والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.

أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله  عقاب الظالم.

وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.

﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.

ومنهم من قال: شجعته فقتله.

والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.

وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.

يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.

ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.

وعن النبي  أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.

قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.

فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.

وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.

وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.

فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.

ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.

وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد  ولهذا أثنى الله  عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له  ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.

قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.

روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.

وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله  كيف يكرمه بعد موته ندم.

وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

وقيل: أي جيفة أخيه.

والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.

يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.

وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.

والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.

وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.

والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله  في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.

ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله  قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.

ويعمل منه امتناع كونه  خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.

والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.

والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.

﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.

﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.

فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.

وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.

ثم إنه  بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.

ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.

والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.

لأنّ افساد نوع من السعي.

عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله  واستاقوا الذود، فبعث رسول الله  في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.

وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.

وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله  عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .

وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.

وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.

قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.

وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.

واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.

وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.

وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.

فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.

وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.

والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.

فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.

والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.

﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.

وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.

قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.

قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.

وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.

وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.

قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.

وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.

وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.

وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.

وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.

أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.

فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.

والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.

وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.

وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.

قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.

والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله  في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما  ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.

فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.

وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.

وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.

والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.

ثم إنه  لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.

والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه  أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.

وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.

ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.

ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.

ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.

وعن النبي  : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.

عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.

وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.

وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر  ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله  وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.

والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله  : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.

أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.

وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.

وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.

أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.

والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.

واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق  ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.

والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.

ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.

وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.

ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.

وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.

وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.

واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.

وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.

ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه  قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه  قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.

وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.

وعن الحسن: درهم.

وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".

ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.

فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.

ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.

ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.

والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.

ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.

وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.

وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.

ومنها كون المال محرزاً لقوله  : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.

فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.

والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.

وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.

وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.

وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.

وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.

ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.

وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.

حجة الشافعي أن قوله  : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.

وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.

حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.

ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.

أما كيفية القطع فقد روي أنه  أتى بسارق فقطع يمينه.

قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.

وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي  وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.

واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.

والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.

واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.

وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .

﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.

وعند الجمهور لا تسقط.

وباقي الآيات قد مر تفسيره.

وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.

التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.

وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله  الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.

فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.

فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.

وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه  قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، ثم قال  : ﴿ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ...

﴾ : أي: ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة والوسيلة.

و ﴿ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ : القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إليَّ بكذا، أي: تقرب؛ وهو قول القتبي، وقوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ : أي: قربت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ...

﴾ الآية.

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان بالله وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف بالأموال، فأخبر: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ ؛ في صرف العذاب عن أنفسهم ﴿ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ ، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - والله أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي الله، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما تقبل منهم.

والحكمة في ذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكونُ، أليماً ومنه ما لا يكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا...

﴾ الآية.

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ ولكن يردون ويعادون إلى مكانهم؛ كقوله -  -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا  ﴾ أي: يجتهدون في الخروج منها ﴿ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ ؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واطلبوا القرب منه بأداء ما أمركم به، والبعد عما نهاكم عنه، وجاهدوا الكفار ابتغاء مرضاته؛ لعلكم تنالون ما تطلبونه، وتُجَنَّبُون ما ترهبونه إذا قمتم بذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZelLR"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله