الآية ٤٦ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٦ من سورة المائدة

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : " وقفينا " أي : أتبعنا ( على آثارهم ) يعني : أنبياء بني إسرائيل [ عليه السلام ] ( بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ) أي : مؤمنا بها حاكما بما فيها ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ) أي : هدى إلى الحق ، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات .

( ومصدقا لما بين يديه من التوراة ) أي : متبعا لها ، غير مخالف لما فيها ، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه ، كما قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) [ آل عمران : 50 ] ; ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة .

وقوله : ( وهدى وموعظة للمتقين ) أي : وجعلنا الإنجيل ) هدى ) يهتدى به ، ( وموعظة ) أي : وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم ( للمتقين ) أي : لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وقفينا على آثارهم "، (1) أتبعنا.

يقول: أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك، يا محمد، فبعثناه نبيًّا مصدّقا لكتابنا الذي أنـزلناه إلى موسى من قبله أنّه حق، وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرضٌ واجب=" وآتيناه الإنجيل "، يقول: وأنـزلنا إليه كتابنا الذي اسمه " الإنجيل "" فيه هدى ونور " يقول: في الإنجيل " هدًى "، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه=" ونور "، يقول: وضياء من عَمَى الجهالة=" ومصدقًا لما بين يديه "، يقول: أوحينا إليه ذلك وأنـزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنـزلها على كل أمة أُنـزل إلى نبيِّها كتاب للعمل بما أنـزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب، من تحليل ما حلّل، وتحريم ما حرّم= " وهدى وموعظة "، يقول: أنـزلنا الإنحيل إلى عيسى مصدِّقا للكتب التي قبله، وبيانًا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتَّقين في زمان عيسى،=" وموعظة "، لهم= يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبُّه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه.

&; 10-374 &; و " المتقون "، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم، وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله.

وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل، فأغنى ذلك عن إعادته.

(2) ----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"قفى" فيما سلف 2: 318.

(2) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين[ ص: 151 ] قوله تعالى : وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم أي : جعلنا عيسى يقفو آثارهم ، أي : آثار النبيين الذين أسلموا .

مصدقا لما بين يديه يعني التوراة ; فإنه رأى التوراة حقا ، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ .

( مصدقا ) نصب على الحال منعيسى .

فيه هدى في موضع رفع بالابتداء .

ونور عطف عليه .

ومصدقا فيه وجهان ; يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على ( مصدقا ) الأول ، ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل ، ويكون التقدير : وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا .

وهدى وموعظة عطف على مصدقا أي : هاديا وواعظا للمتقين وخصهم لأنهم المنتفعون بهما ، ويجوز رفعهما على العطف على قوله : فيه هدى ونور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياءَ والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم، روحِ الله وكلمتِه التي ألقاها إلى مريم.

بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية.

وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: { وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ْ} { وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ ْ} الكتاب العظيم المتمم للتوراة.

{ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ْ} يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل.

{ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ْ} بتثبيتها والشهادة لها والموافقة.

{ وَهُدًى وَمَوْعِظَة لِّلْمُتَّقِينَ ْ} فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقفينا على آثارهم ) أي : على آثار النبيين الذين أسلموا ، ( بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه ) أي : في الإنجيل ، ( هدى ونور ومصدقا ) يعني الإنجيل ، ( لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقفّينا» أتبعنا «على آثارهم» أي النبيين «بعيسى ابن مريم مصدِّقا لما بين يديه» قبله «من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى» من الضلالة «ونور» بيان للأحكام «ومصدِّقا» حال «لما بين يديه من التوراة» لما فيها من الأحكام «وهدى وموعظة للمتقين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم مؤمنًا بما في التوراة، عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه، وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله، وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها، وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام فقال ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ ) .فالآية الكريمة معطوفة على ما سبقها وهو قوله - تعالى : ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة ) .وقوله : ( كتبنا ) بمعنى فرضنا وقررنا .

والمراد بالنفس : الذات .أي : أنزلنا التوراة على موسى لتكون هداية ونوراً لبني إسرائيل ، وفرضنا عليهم ( أن النفس بالنفس ) أي : مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها بغير حق .

وأن ( والعين ) مفقوءة ( العين ) وأن ( والأنف ) مجدوع ( بالأنف ) وأن ( والأذن ) مقطوعة ( بالأذن ) وأن ( والسن ) مقلوعة ( بالسن ) وأن ( والجروح قِصَاصٌ ) أي : ذات قصاص ، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك ، وإلا فما لا يمكن القصاص فيه - ككسر عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على نهايته - ففهي حكومة عدل .وعبر - سبحانه - عما فرض عليهم من عقوبات في التوراة بقوله : ( كتبنا ) للإشارة إلى أن هذه العقوبات وتلك الأحكام لا يمكن جحدها أو محوها ، لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام توثيقاً وقوة .قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - ( والعين بالعين والأنف بالأنف ) إلخ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف .وقرأ ابن كثير وانب عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح؛ فإنه بالرفع على القطع عما قبله والاستئناف به - أي أن الجروح مبتدأ وقصاص خبره .وقرأ الكسائي وأبو عبيد : ( والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ) بالرفع فيها كلها .قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير ، عن عقيل عن الزهري ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قِصَاصٌ ) .والرفع من ثلاث جهات ، بالابتداء والخبر .

والوجه الثاني : بالعطف على المعنى على موضع ( أن النفس ) لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس والوجه الثالث - قاله الزجاج - يكون عطفا على المضمر في النفس .

لأن الضمير في النفس في موضع رفع ، لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي .وقوله : ( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ) ترغيب في العفو والصفح .والضمير في ( به ) يعود إلى القصاص .

والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الحث عليه فإنه أدعى إلى صفاء النفوس ، وإلى فتح باب التسامح بين الناس .وقوله : ( فهو ) يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل ( تصدق ) والضمير في قوله ( له ) يعود إلى العافي المتصدق وهو المجني عليه أو من يقوم مقامه .والمعنى : ( فَمَن تَصَدَّقَ ) بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني فإن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق ، حيث قدم العفو مع تمكنه من القصاص .وقيل إن الضمير في ( له ) يعود على الجاني فيكون المعنى : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص ، بأن عفا عن الجاني ، فإن هذا التصدق يكون كفارة له .

أي لذنوب الجاني ، بأن لا يؤاخذه الله بعد ذلك العفو .

وأما المتصدق فأجره على الله .وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى العافي المتصدق وهو المجني عليه أو ولى دمه فقال : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب : قول من قال : عني به : فمن تصدق به فهو كفارة له أي المجروح ، ولأنهلأن تكون الهاء في قوله ( له ) عائدة على ( من ) أولى من أن تكون عائدة على ما لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح ، إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق عليه في سائر الصدقات .وقوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ) تذييل قصد به التحذير من مخالفة حكم الله .

أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث تركوا الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر الظالم .قال الرازي : وفيه سؤال وهو أنه - تعالى - .

قال : أولا : ( فأولئك هُمُ الكافرون ) وثانياً ( هُمُ الظالمون ) والكفر أعظم من الظلم ، فلماذا ذكر أعظم التهديدات أولا وأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟وجوابه : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس .

ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق - سبحانه - وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه .هذا ، ومما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - أن الآية الكريمة - ككثيرة غيرها - تنعى على بني إسرائيل إهمالهم لأحكام الله - تعالى - وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم .قال ابن كثير : هذه الآية وبخت به اليهود أيضاً وقرعت عليه ، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس .

وقد خالفوا حكم ذلك عمداً وعناداً فأقادوا النضرى من القرظى ، ولم يقيدوا القرظي من النضرى وعدولا إلى الدية ، كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن ، وعدولا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإِشهار .

ولهذا قال هناك ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعناداً وعمداً .

وقال هنا في تتمة الآية ( فأولئك هُمُ الظالمون ) لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخانوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض .ثم قال : واستدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا بهذه الآية .

وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ .

والحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة .

وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة .2 - استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة .

ويؤيد ذلك ما رواه النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم : أن الرجل يقتل بالمرأة .

.

وفي رواية للإِمام أحمد أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها ، بل تجب ديتها .قال الآلوسي : واستدل بعموم ( أَنَّ النفس بالنفس ) من قال : يقتل المسلم بالكافر ، والحر بالعبد ، والرجل بالمرأة ومن خالف استدل بقوله - تعالى :( الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) وبقوله صلى الله عليه وسلم " لا يقتل مؤمن بكافر " .وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه .

والمراد بما روى في الحديث الكافر الحربي وق دروى أنه صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بذمى .3 - استدل العلماء بجريان القصاص في الأطراف لقوله - تعالى - ( والعين بالعين ) ( والأنف بالأنف ) إلخ .

إلا أنهم قالوا بوجوب استيفاء ما يماثل فعل الجاني بدون تعد أو ظلم فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها ، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى .وقالوا : إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمداً .

فإن أصابها خطأ ففيها نصف الدية : إن أصاب العينين معاً خطأ ففيهما الدية الكاملة .ويرى بعضهم أن في عين الدية كاملة لأن منفعته بها كمنفعة ذي عينين أو قريبة منها .وقد توسع الإِمام القرطبي في بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت .4 - أخذ العلماء من هذه الآية أن الله - تعالى - رغب في العفو ، وحض عليه ، وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - ( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) .أي : فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص فتصدقه كفارة لذنوبه .وقد وردت في الحض على العفو نصوص كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ) وقوله - تعالى - ( والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين ) وروى الإِمام أحمد عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به " .وروى ابن جرير عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار ، فاندقت ثنيته .

فرفعه الأنصاري إلى معاوية .

فلما ألح عليه الرجل قال معاوية : شأنك وصاحبك قال : وأبوالدرداء عند معاوية .

فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يصاب بشيء من جسده ، فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة " فقال الأنصاري : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي - فخلى سبيل القرشي .

فقال معاوية : " مروا له بمال " .ومن هذه الآية وغيرها نرى أن الإِسلام قد جمع فيما شرع من عقوبات بين العدل والرحمة فقد شرع القصاص زجراً للمعتدى .

وإشعاراً له بأن سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز حده ، جبرا لخاطر المعتدى عليه ، وتمكينا له من أخذ حقه ممن اعتدى عليه .ومع هذا التمكين التام للمجني عليه من الجاني فقد رغب الإِسلام المجني عليه في العفو عن الجاني حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة ، ووعده على ذلك بتكفير خطاياه ، وارتفاع درجاته عند الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قفيته: مثل عقبته إذا اتبعته، ثم يقال: عقبته بفلان وقفيته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.

فإن قيل: فأين المفعول الأول في الآية؟

قلنا: هو محذوف، والظرف وهو قوله: ﴿ على ءاثارهم ﴾ كالساد مسده، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في ﴿ ءاثارهم ﴾ للنبيّين في قوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ  ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة، ومعلوم أنه لم يكن كذلك، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام، فلذلك قال في آخر هذه الآية ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ  ﴾ فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟

والجواب: معنى كون عيسى مصدقاً للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله، وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود النسخ.

السؤال الثاني: لم كرر قوله: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ والجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق التوراة، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة.

السؤال الثالث: أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال: ﴿ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وفيه مباحثات ثلاثة: أحدها: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة:.

وثانيها: لم ذكر الهدى مرتين؟.

وثالثها: لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟

والجواب على الأول: أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد، وعلى النبوّة وعلى المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدىً، وأما كونه نوراً، فالمراد به كونه بياناً للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف، وأما كونه مصدقاً لما بين يديه، فيمكن حمله على كونه مبشراً بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبمقدمه وأما كونه هدىً مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيهاً على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجاً إلى البيان والتقرير، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

السؤال الرابع: قوله في صفة الإنجيل ﴿ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ عطف على ماذا؟

الجواب: أنه عطف على محل ﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ ومحله النصب على الحال، والتقدير: وآتيناه الإنجيل حال كونه هدىً ونوراً ومصدقاً لما بين يديه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قفيته مثل عقبته، إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء، فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟

قلت: هو محذوف والظرف الذي هو ﴿ على ءاثارهم ﴾ كالسَّادِّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ .

وقرأ الحسن: (الأَنجيل) بفتح الهمزة؛ فإن صحّ عنه فلأنه أعجمي خرج لعجمته عن زِناتِ العربية، كما خرج هابيل وآجر ﴿ وَمُصَدّقًا ﴾ عطف على محل ﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ ومحله النصب على الحال ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴾ يجوز أن ينتصبا على الحال.

كقوله: ﴿ مُصَدّقاً ﴾ وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله: ﴿ وَلْيَحْكُمْ ﴾ كأنه قيل.

وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام.

فإن قلت: فإن نظمت ﴿ هُدًى وَمَوْعِظَةً ﴾ في سلك مصدقاً، فما تصنع بقوله (وليحكم) قلت: اصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه.

وقرئ: ﴿ وَلْيحكُمْ ﴾ على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم.

وروي في قراءة أبيّ: ﴿ وأن ليحكم ﴾ ، بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ (أن) موصولة بالأمر، كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الأنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل.

وقيل: إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام؛ لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة.

وظاهر قوله: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ ﴾ يردّ ذلك، وكذلك قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ [المائدة: 48] وإن ساغ لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ﴾ أيْ وأتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ.

﴿ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِالباءِ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

﴿ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالحالِ.

﴿ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ويَجُوزُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ وعُطِفَ: ﴿ وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴾ «عَلَيْهِ» في قِراءَةِ حَمْزَةَ، وعَلى الأوَّلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وآتَيْناهُ لِيَحْكُمَ، وقُرِئَ: «وَأنْ لِيَحْكُمَ» عَلى أنَّ أنْ مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ كَقَوْلِكَ: أمَرْتُكَ بِأنْ قُمْ أيْ وأمَرْنا بِأنْ لِيَحْكُمَ.

﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ عَنْ حُكْمِهِ، أوْ عَنِ الإيمانِ إنْ كانَ مُسْتَهِينًا بِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ وأنَّ اليَهُودِيَّةَ مَنسُوخَةٌ بِبِعْثَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ وحَمَلَها عَلى ولِيَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافَ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)

{وقفينا} معنى قفيت الشئ بالشئ جعلته في أثره كأنه جعل في قفاه يقال قفاه يقفوه إذا تبعه {على آثارهم} على آثار النبيين الذين أسلموا {بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مصدقا} هو حال من عيسى {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وآتيناه الإِنجيل فيه هُدىً ونورٌ ومُصَدَّقاً لَّما بين يديه من التوراة} أي وآتيناه الإنجيل ثابتا فيه هدى ونور ومصدقا افنصب مصدقاً بالعطف على ثابتاً الذي تعلق به فيه وقام مقامه فيه وارتفع هدى ونور بثابتاً الذي قام مقامه فيه

{وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} انتصبا على الحال أى هاديا واعظا {لّلْمُتَّقِينَ} لأنهم ينتفعون به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ الإنْجِيلِ - كَما قِيلَ - إثْرَ بَيانِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا التَّوْراةَ ) وضَمِيرُ الجَمْعِ المَجْرُورِ لِلنَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا، كَما قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والبَلْخِيُّ، وقِيلَ: لِلَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الحُكْمُ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ، ولَيْسَ بِالمُخْتارِ، والتَّقْفِيَةُ الإتْباعُ، ويُقالُ: قَفّا فُلانٌ أثَرَ فُلانٍ إذا تَبِعَهُ، وقَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ إذا أتْبَعْتَهُ إيّاهُ، والتَّقْدِيرُ هُنا أتْبَعْناهم عَلى آثارِهِمْ.

﴿ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ فالفِعْلُ - كَما قِيلَ - مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدِهِما بِنَفْسِهِ والآخَرِ بِالباءِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، و( عَلى آثارِهِمْ ) كالسّادِّ مَسَدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَفّا بِهِ عَلى آثارِهِمْ فَقَدْ قَفّاهم بِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَ التَّضْعِيفِ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، وتَعْدِيَةُ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ لِاثْنانِ بِالباءِ لا تَجُوزُ، سَواءٌ كانَ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، ورُدَّ بِأنَّ الصَّوابَ أنَّهُ جائِزٌ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ، وقَدْ جاءَ مِنهُ ألْفاظٌ قالُوا: صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ، وصَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، ودَفَعَ زَيْدٌ عَمْرًا، ودَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو، أيْ جَعَلْتُهُ دافِعًا لَهُ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ التَّضْعِيفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، وأنَّ تَعَلُّقَ الجارِّ بِالفِعْلِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَجِيءِ، أيْ جِئْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلى آثارِهِمْ قافِيًّا لَهُمْ، فَهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ - لا غَيْرُ - بِالباءِ، وحاصِلُ المَعْنى: أرْسَلْنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِيبَهم ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ حالٌ مِن ( عِيسى ) مُؤَكِّدَةٌ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن لازِمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَفَّيْنا ).

وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُ صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، فَلا بَأْسَ بِأنْ يَكُونَ عَلى ما لَيْسَ في أوْزانِ العَرَبِ، وهو بِأفْعِيلٍ أوْ فَعْلِيلٍ بِالفَتْحِ، وأمّا إفْعِيلٌ بِالكَسْرِ فَلَهُ نَظائِرُ كَإبْزِيمٍ وإحْلِيلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ﴾ كَما في التَّوْراةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الإنْجِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، وهو حالٌ أيْضًا، وعَطْفُ الحالِ المُفْرَدَةِ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ وعَكْسُهُ جائِزٌ لِتَأْوِيلِها بِمُفْرَدٍ، وتَكْرِيرُ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.

وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ الحالِيَّةِ، وجَعْلُ كُلِّهِ هُدًى بَعْدَما جُعِلَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ؛ مُبالَغَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِما أنَّ فِيهِ البِشارَةَ بِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهُداهُ، والمُنْتَفِعُونَ بِجَدْواهُ، وجُوِّزَ نَصْبُ ( هُدًى ومَوْعِظَةٌ ) عَلى المَفْعُولِ لَها عَطْفًا عَلى مَفْعُولٍ لَهُ آخَرَ مُقَدَّرٍ، أيِ: إثْباتًا لِنُبُوَّتِهِ وهُدًى إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُعَلِّلَيْنِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عامِلٍ فِيهِ، أيْ: ( وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) آتَيْناهُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها يعني: فرضنا على بني إسرائيل، في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إذا كان القتل عمداً، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إذا كان عمداً، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ إذا كان عمداً، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ إذا كان عمداً، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ إذا كان عمداً، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ إذا كان عمداً.

وروى عكرمة عن ابن عباس: إن بني النضير كان لهم شرف على بني قريظة، وكانت جراحاتهم على النصف، فحملهم على الحق، وجعل دم القرظي والنضيري سواء.

فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف: لا نرضى بحكمك، لأنك تريد أن تصغرنا بعداوتك.

فنزل وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس في وجوب القصاص في النفس، وفي الجراحات.

قرأ عاصم وحمزة ونافع أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والحروف الست كلها بالنصب.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر كلها بالنصب، غير الجروح فإنهم يقرءونها بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الكسائي كلها بالضم إلا النفس.

ثم قال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ يعني: عفا عن مظلمته في الدنيا، وترك القصاص، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ قال القتبي: فهو كفارة للجارح وأجر للمجروح.

وقال مجاهد: كفارة للجارح، وأجر للعافي.

وقال بعضهم: هو كفارة للعافي، أي يكفر الله تعالى عنه بعفوه بعض ما سلف من ذنوبه.

ويقال: كَفَّارَةٌ لَهُ أي للجارح، يعني: إذا ترك الولي حقه سقط القصاص عن الجارح.

وروى محرر، عن أبي هريرة، عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله  : «مَنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ لله تَعَالَى، كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ» .

وقال الحسن: ينادي منادٍ يوم القيامة: من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من قد عفا.

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: يظلمون أنفسهم.

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

فالذي عرض نفسه للعقوبة، فقد وضع الشيء في غير موضعه.

قوله تعالى: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: اتبعنا على أثر الرسل عيسى ابن مريم  ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله، مِنَ التَّوْراةِ يقال: إن عيسى يصدق التوراة.

ثم قال: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً من الضلالة، وَنُورٌ يعني: بيان الأحكام، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، يعني: الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك، والفواحش.

ثم قال: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ قرأ حمزة وَلْيَحْكُمْ بكسر اللام ونصب الميم، وقرأ الباقون بالجزم، فمن قرأ بالكسر، فمعناه: وآتيناه الإنجيل، لكي يحكم أهل الإنجيل بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومن قرأ بالجزم فهو على الأمر، والمراد به الخبر عن أمر سبق لهم، يعني: أمرهم الله تعالى أن يحكموا بما في الإنجيل.

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: في الإنجيل وكان حكمهم العفو، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.

قال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «١» ، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً» ، رواه الترمذيُّ «٢» .

انتهى.

وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .

وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه.

وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)

وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ...

الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين.

وقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.

وقرأ حمزة «١» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ» ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.

قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد- عليه السلام- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «٢» : قيل: المرادُ:

ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم قيل:

والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى.

انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.

وقوله سبحانه: وَمُهَيْمِناً، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِناً، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن» : أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت

همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج.

وقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] .

ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اتباع أهوائهم.

وقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً: سبيلاً وسُنَّة «١» ، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «٢» وغيره.

ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.

وقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.

وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ...

الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ﴾ أيْ: وأتْبَعْنا عَلى آثارِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴿ بِعِيسى ﴾ فَجَعَلْناهُ يَقْفُو آثارَهم ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ أيْ: بَعَثْناهُ مُصَدِّقًا ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرارًا لِلْأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ لِعِيسى، والثّانِيَ لِلْإنْجِيلِ، لِأنَّ عِيسى كانَ يَدْعُو إلى التَّصْدِيقِ بِالتَّوْراةِ، والإنْجِيلُ أُنْزِلَ وفِيهِ ذِكْرُ التَّصْدِيقِ بِالتَّوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ "وَقَفَّيْنا"؛ تَشْبِيهٌ؛ كَأنَّ مَجِيءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ في قَفاءِ مَجِيءِ النَبِيِّينَ؛ وذَهابِهِمْ؛ والضَمِيرُ في "آثارِهِمْ"؛ لِلنَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ  ﴾ ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤْكِّدَهٌ؛ و"اَلتَّوْراةِ"؛ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى؛ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ؛ كَما أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا المَعْنى في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

و"اَلْإنْجِيلَ"؛ اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاشْتِقاقِ؛ مِن "نَجَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجَ؛ وأظْهَرَ؛ والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ إلّا الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ؛ فَإنَّهُ قَرَأ "اَلْأنْجِيلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".

والهُدى: اَلْإرْشادُ؛ والدُعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ وإحْياءِ أحْكامِهِ؛ والنُورُ: ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "فِيهِ هُدًى"؛ فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ: "مُصَدِّقًا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ اتِّساقِ المَعانِي؛ وقَرَأ الناسُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ"؛ وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وذَلِكَ مُتَّجَهٌ؛ وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهِ في عِلْمِ اللهِ ؛ وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى؛ ويُوعَظُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَيْرَةٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَأنْ لِيَحْكُمَ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلِيَحْكُمَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وفَتْحِ المِيمِ؛ عَلى لامِ "كَيْ"؛ ونُصِبَ الفِعْلُ بِها؛ والمَعْنى: "وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُورَ والتَصْدِيقَ؛ لِيَحْكُمَ أهْلُهُ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ"؛ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "وَلْيَحْكُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ؛ وجُزِمَ الفِعْلُ؛ ومَعْنى أمْرِهِ لَهم بِالحُكْمِ أيْ: "هَكَذا يَجِبُ عَلَيْهِمْ"؛ وحَسُنَ عَقِبَ ذَلِكَ التَوْقِيفُ عَلى وعِيدِ مَن خالَفَ ما أنْزَلَ اللهُ ؛ ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ لامَ الأمْرِ؛ ويَجْزِمُ الفِعْلَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وتَقْرِيرُهُ هَذِهِ الصِفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ هو عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ؛ وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ؛ وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ؛ وظُلْمِها؛ وفِسْقِها.

وأخْبَرَ تَعالى بَعْدُ بِنُزُولِ هَذا القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقائِقَ مِنَ الأُمُورِ؛ فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِأنْ حُقَّ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللهِ ؛ ولَكِنْ حُقَّ في نَفْسِهِ؛ وأنْزَلَهُ تَعالى صَلاحًا لِعِبادِهِ؛ وقَوْلُهُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرِيدُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مُهَيْمِنًا"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَمُهَيْمِنًا": شاهِدًا؛ وقالَ أيْضًا: مُؤْتَمَنًا؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُصَدِّقًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أمِينًا؛ وحَكى الزَجّاجُ: قَرِيبًا؛ ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى الشَيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ؛ الشاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ؛ الحافِظُ لِحاصِلِهِ؛ فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ؛ واللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- هو المُهَيْمِنُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ؛ وعِبادِهِ؛ والوَصِيُّ مُهَيْمِنٌ عَلى مَحْجُورِيهِ؛ وأمْوالِهِمْ؛ والرَئِيسُ مُهَيْمِنٌ عَلى رَعِيَّتِهِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ والقُرْآنِ جَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ؛ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها؛ فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ؛ ويُبْطِلُ التَحْرِيفَ؛ وهَذا هو شاهِدٌ ومُصَدِّقٌ ومُؤْتَمَنٌ وأمِينٌ؛ ومُهَيْمِنٌ؛ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يَجِئْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ إلّا أرْبَعَةُ أحْرُفٍ؛ وهِيَ: "مُسَيْطِرٌ"؛ و"مُبَيْطِرٌ"؛ و"مُهَيْمِنٌ"؛ و"مُجَيْمِرٌ"؛ وذَكَرَ أبُو القاسِمِ الزَجّاجُ - في شَرْحِهِ لِصَدْرِ "أدَبُ الكِتابِ" - و"مُبَيْقِرٌ"؛ يُقالُ: "بَيْقَرَ الرَجُلُ"؛ إذا سارَ مِنَ الحِجازِ إلى الشامِ؛ ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ؛ و"بَيْقَرَ"؛ أيْضًا: لَعِبَ البَيْقَرى؛ وهي لُعْبَةٌ يَلْعَبُ بِها الصِبْيانُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؛ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هو مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وغَلِطَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ اللَفْظَةِ عَلى مُجاهِدٍ ؛ فَإنَّهُ فَسَّرَ تَأْوِيلَهُ عَلى قِراءَةِ الناسِ: "وَمُهَيْمِنًا"؛ بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَبَعُدَ التَأْوِيلُ؛ ومُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - إنَّما يَقْرَأُ هو وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مُهَيْمَنًا عَلَيْهِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَهو بِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ؛ وهو حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "مُصَدِّقًا"؛ وعَلى هَذا يُتَّجَهُ أنَّ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"عَلَيْهِ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مُجاهِدٍ ؛ وكَذَلِكَ مَشى مَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - وتَوَغَّلَ في طَرِيقِ الطَبَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مُهَيْمِنٌ" أصْلُهُ: "مُؤَيْمِنٌ" - مِن بَنِي أمِينٍ -؛ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً؛ كَما قالُوا: "أرَقْتُ الماءَ"؛ و"هَرَقْتُهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى طَرِيقِ العَرَبِيَّةِ؛ وهو مُوافِقٌ لِما جاءَ في التَفْسِيرِ؛ مِن أنَّ مَعْنى "مُهَيْمِنٌ": "مُؤْتَمَنٌ"؛ وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا الَّذِي قالَ المُبَرِّدُ في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ بَلَغَ ثَعْلَبًا؛ فَقالَ: "إنَّ ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ رَدِيءٌ"؛ وقالَ: "هَذا باطِلٌ؛ والوُثُوبُ عَلى القُرْآنِ شَدِيدٌ؛ وهو ما سَمِعَ الحَدِيثَ مِن قَوِيٍّ؛ ولا ضَعِيفٍ؛ وإنَّما جَمَعَ الكُتُبَ"؛ اِنْتَهى كَلامُ ثَعْلَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُقالُ مِن "مُهَيْمِنٌ": "هَيْمَنَ الرَجُلُ عَلى الشَيْءِ"؛ إذا حَفِظَهُ؛ وحاطَهُ؛ وصارَ قائِمًا عَلَيْهِ أمِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقًا"؛ و"وَمُهَيْمِنًا"؛ حالَيْنِ مِنَ الكافِ في "إلَيْكَ"؛ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ قِراءَةَ مُجاهِدٍ وحْدَهُ؛ كَما زَعَمَ مَكِّيٌّ.

*** قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللهُ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ أو أعْرِضْ عنهُمْ  ﴾ ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ وإنَّ المَعْنى: "فَإنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ".

ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ؛ أيْ: شَهَواتِهِمْ؛ وإرادَتِهِمُ الَّتِي هي هَوًى ورَسُولٌ لِلنَّفْسِ؛ والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ؛ فَهَواها مُرْدٍ لا مَحالَةَ؛ وحَسُنَ هُنا دُخُولُ "عن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ ؛ لَمّا كانَ الكَلامُ بِمَعْنى: "لا تَنْصَرِفْ؛ أو لا تُزَحْزَحْ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ عَمّا جاءَكَ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: اَلْمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا؛ أيْ: لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ؛ ولِلنَّصارى كَذَلِكَ؛ ولِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدَهم في الأحْكامِ؛ وأمّا في المُعْتَقَدِ فالدِينُ واحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ وإيمانٌ بِالبَعْثِ؛ وتَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ عَدَدًا مِنَ الأنْبِياءِ؛ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ؛ ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ  ﴾ ؛ فَهَذا عِنْدَ العُلَماءِ في المُعْتَقَداتِ فَقَطْ؛ وأمّا في الشَرائِعِ فَهَذِهِ الآيَةُ هي القاضِيَةُ فِيها: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ الناسُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ؛ اَلْأُمَمَ؛ كَما قَدَّمْنا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ؛ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ في الأنْبِياءِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أيْ: فاحْفَظْ شِرْعَتَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا يَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ؛ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ.

والمُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ الشِرْعَةَ والمِنهاجَ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظانِ؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ الشِرْعَةَ والشَرِيعَةَ هِيَ: اَلطَّرِيقُ إلى الماءِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يُورَدُ كَثِيرًا؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وفي الشَرائِعِ مِن جَلّانَ مُقْتَنِصٌ ∗∗∗ بالِي الثِيابِ خَفِيُّ الصَوْتِ مَندُوبُ أرادَ: في الطُرُقِ إلى الماءِ؛ ومِنهُ: اَلشّارِعُ؛ وهي سِكَكُ المُدُنِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "وَفِيها يُشْرَعُ البابُ"؛ والمِنهاجُ أيْضًا: اَلطَّرِيقُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن يَكُ في شَكٍّ فَهَذا نَهْجُ ∗∗∗ ∗∗∗ ماءٌ رَواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ أرادَ: واضِحًا؛ والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: ﴿ شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلًا؛ وسُنَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرِيدَ بِالشِرْعَةِ: الأحْكامَ؛ وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدَ؛ أيْ: وهو واحِدٌ في جَمِيعِكُمْ؛ وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ.

والقُرّاءُ عَلى "شِرْعَةً"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "شَرْعَةً"؛ بِفَتْحِ الشِينِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ العالَمَ أُمَّةً واحِدَةً؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ؛ لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ؛ والشَرائِعِ؛ كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَلَيْسَ لَهم إلّا أنْ يَجِدُّوا في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ وهو اسْتِباقُ الخَيْراتِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِأحْسَنِ الأشْياءِ عاقِبَةً لَهُمْ؛ ثُمَّ حَثَّهم تَعالى بِالمَوْعِظَةِ والتَذْكِيرِ بِالمَعادِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ ؛ والمَعْنى: "فالبَدارَ البَدارَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَظْهَرُ الثَوابُ والعِقابُ؛ فَتُخْبَرُونَ بِهِ إخْبارَ إيقاعٍ"؛ وإلّا فَقَدْ نَبَّأ اللهُ في الدُنْيا بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ بارِعَةُ الفَصاحَةِ؛ جَمَعَتِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ؛ وكُلُّ كِتابِ اللهِ تَعالى كَذَلِكَ؛ إلّا أنّا بِقُصُورِ أفْهامِنا يَبِينُ في بَعْضٍ لَنا أكْثَرُ مِمّا يَبِينُ في بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور ﴾ [المائدة: 44] انتقالاً إلى أحوال النّصارى لقوله: ﴿ وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولشك هم الفاسقون ﴾ ، ولبيان نوع آخر من أنواع إعراض اليهود عن الأحكام الّتي كتبها الله عليهم، فبعد أن ذكر نوعين راجعين إلى تحريفهم أحكام التّوراة: أحدهما: ما حرّفوه وتردّدوا فيه بعد أن حرّفوه فشكّوا في آخر الأمر والتجأوا إلى تحكيم الرّسول؛ وثانيهما: ما حرّفوه وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرّجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص.

وهذا نوع ثالث: وهو إعراضهم عن حكم الله بالكليّة، وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى عليه السلام.

والتقفية مصدر قفّاه إذا جعله يَقفوه، أي يأتي بعده.

وفعلُه المجرّد قَفا بتخفيف الفاء ومعنى قَفاه سار نحو قفاه، والقفا الظهر، أي سار وراءه.

فالتقفية الإتْباع متشقّة من القفا، ونظيره: تَوجَّه مشتقّاً من الوجه، وتعقّب من العقب.

وفعل قفّى المشدّد مضاعف قفا المخفّف، والأصل في التضعيف أن يفيد تعديّة الفعل إلى مفعول لم يكن متعدّياً إليه، فإذا جعل تضعيف ﴿ قفّينا ﴾ هنا معدّياً للفعل اقتضى مفعولين: أوّلهما: الّذي كان مفعولاً قبل التّضعيف، وثانيهما: الّذي عدّي إليه الفعل، وذلك على طريقة باب كَسَا؛ فيكون حقّ التّركيب: وقفَّيناهم عيسى ابن مريم، ويكون إدخال الباء في ﴿ بعيسى ﴾ للتّأكيد، مثل ﴿ وامسحوا برءوسكم ﴾ [المائدة: 6]، وإذا جعل التّضعيف لغير التّعديّة بل لمجرّد تكرير وقوع الفعل، مثل جَوّلت وطوّفت كان حقّ التّركيب: وقفّيناهم بعيسى ابن مريم.

وعلى الوجه الثّاني جرى كلام «الكشاف» فجعل باء ﴿ بعيسى ﴾ للتعدية.

وعلى كلا الوجهين يكون مفعول ﴿ قفّينا ﴾ محذوفاً يدلّ عليه قوله ﴿ على آثارهم ﴾ لأنّ فيه ضمير المفعول المحذوف، هذا تحقيق كلامه وسلّمه أصحاب حواشيه.

وقوله ﴿ على آثارهم ﴾ تأكيد لمدلول فعل ﴿ قفّينا ﴾ وإفادة سرعة التقفية.

وضمير ﴿ آثارهم ﴾ للنّبيئين والرّبانيين والأحبار.

وقد أرسل عيسى على عقب زكرياء كافِل أمّه مريم ووالدِ يحيى.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ على آثارهم ﴾ على طريقتهم وهديهم.

والمصدّق: المخبر بتصديق مخبر، وأريد به هنا المؤيّدُ المقرّر للتّوراة.

وجَعَلها ﴿ بين يديه ﴾ لأنّها تقدّمتْه، والمتقدّم يقال: هو بين يدي من تقدّم.

و ﴿ من التّوراة ﴾ بيان ﴿ لمَا ﴾ .

وتقدّم الكلام على معنى التّوراة والإنجيل في أوّل سورة آل عمران.

وجملة ﴿ فيه هدى ونور ﴾ حال.

وتقدّم معنى الهُدى والنّور.

و ﴿ مصدّقاً ﴾ حال أيضاً من الإنجيل فلا تكرير بينها وبين قوله ﴿ بعيسى ابن مريم مصدّقاً ﴾ لاختلاف صاحب الحال ولاختلاف كيفية التّصديق؛ فتصديق عيسى التّوراةَ أمره بإحياء أحكامها، وهو تصديق حقيقي؛ وتصديق الإنجيل التّوراة اشتماله على ما وافق أحكامَها فهو تصديق مجازي.

وهذا التّصديق لا ينافي أنّه نَسخَ بعض أحكام التّوراة كما حكى الله عنه ﴿ ولأحِلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم ﴾ [آل عمران: 50]، لأنّ الفعل المثبَت لا عموم له.

والموعظة: الكلام الّذي يلِين القلب ويَزجر عن فعل المنهيات.

وجملة ﴿ وليحكم ﴾ معطوفة على ﴿ آتيناه ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ ولْيحكم ﴾ بسكون اللاّم وبجزم الفعل على أنّ اللام لام الأمر.

ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام، فهو ممّا أمر الله به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى، فعلم أنّ في الجملة قولاً مقدّراً هو المعطوف على جملة ﴿ وآتيناه الإنجيل ﴾ ، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة، وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ ، فقرائن تقدير القول مُتظافِرة من أمور عدّة.

وقرأ حمزة بكسر لام ﴿ ليحكم ﴾ ونصب الميم على أنّ اللام لام كي للتّعليل، فجملة ﴿ ليحكم ﴾ على هذه القراءة معطوفة على قوله ﴿ فيه هدى ﴾ الخ، الّذي هو حال، عُطفتتِ العلّة على الحال عطفاً ذِكرياً لا يشرِّك في الحكم لأنّ التّصريح بلام التّعليل قرينة على عدم استقامة تشريك الحكم بالعطف فيكون عطفه كعطف الجمل المختلفة المعنى.

وصاحب «الكشاف» قدّر في هذه القراءة فعلاً مَحذوفاً بعد الواو، أي وآتيناه الإنجيل، دلّ عليه قوله قبله ﴿ وآتيناه الإنجيل ﴾ ، وهو تقدير معنى وليس تقدير نظم الكلام.

والمراد بالفاسقين الكافرون، إذ الفسق يطلق على الكفر، فتكون على نحو ما في الآية الأولى.

ويحتمل أنّ المراد به الخروج عن أحكام شرعهم سواء كانوا كافرين به أم كانوا معتقدين ولكنّهم يخالفونه فيكون ذمّاً للنصارى في التّهاون بأحكام كتابهم أضعفَ من ذمّ اليهود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآيَةَ.

نَزَلَتْ في اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وقَدْ ذَكَرْنا قِصَّتَهُما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَفّارَةٌ لِلْجُرُوحِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، رَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ الصّامِتِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «مَن جُرِحَ في جَسَدِهِ جِراحَةً فَتَصَدَّقَ بِها كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ ما تَصَدَّقَ بِهِ» .

والثّانِي: أنَّهُ كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ، لِأنَّهُ يَقُومُ مَقامَ أخْذِ الحَقِّ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن عُفِيَ عَنْهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ في قوله: ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ يقول: بعثنا من بعدهم عيسى ابن مريم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ قال: اتبعنا آثار الأنبياء، أي بعثنا على آثارهم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: يوم قفت عيرهم من عيرنا ** واحتمال الحي في الصبح فلق وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ﴾ قال: من أهل الإنجيل ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ قال: الكاذبون.

قال ابن زيد: كل شيء في القرآن فاسق فهو كاذب إلا قليلا، وقرأ قول الله: ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ [ الحجرات: 6] فهو كاذب.

قال: الفاسق هاهنا كاذب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ ﴾ .

مضى الكلام في: قفينا (١) قال الزجاج: أي جعلناه يقفوهم (٢) والكناية في: (آثارهم) عائدة إلى (النبيين الذين أسلمو).

وقوله تعالى: ﴿ ومُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ منَ التَّوْرَاةِ ﴾ .

ليس بتكرير للأول في المعنى؛ لأنه يدل أن في الإنجيل ذكر التصديق في التوراة، كما أن عيسى -  - جاء يدعو الناس إلى التصديق بها (٣) وقوله تعالي: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ﴾ .

قال الفراء: متبع للمصدق في نصبه (٤) يريد أن: (مصدقًا) حال من الإنجيل (٥) ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ﴾ معناه: وهاديًا وواعظًا، فلذلك نصبًا (٦) والآية تدل على أن شرع عيسى كان شرع موسى (٧) (١) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ﴾ .

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 168، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 47.

(٣) يوضح ذلك سياق الآية وهي قوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

فـ: ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، وانظر: "الوسيط" 3/ 896، "زاد المسير" 2/ 369.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 312.

(٥) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 228، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 209.

(٦) انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209، "الدر المصون" 4/ 284.

(٧) وذلك فيما لم ينسخه شرع عيسى، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 264.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قد تقدم معنى مصدق في البقرة، ولما بين يديه: يعني التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدق للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله، ومصدقاً: عطف على موضع قوله فيه هدى ونور، لأنه في موضع الحال ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ قال ابن عباس شاهداً، وقيل مؤتمناً ﴿ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ﴾ تضمن الكلام معنى: لا تنصرف أو لا تنحرف، ولذلك تعدى بعن ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ قال ابن عباس سبيلاً وسنة، والخطاب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الأمم، والمعنى أن الله جعل لكل أمة شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من قال: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وذلك في الأحكام والفروع، وأما الاعتقاد، فالدين فيها واحد لجميع العالم، وهو الإيمان بالله، وتوحيده وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخيرات ﴾ استدل به قوم على أن: تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلها، إلا الصلاة ففيها خلاف، فمذهب الشافعي أن تقديمها في أوّل وقتها أفضل، وعكس أبو حنيفة، وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل، واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ السحت ﴾ بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي.

الباقون بسكون العين.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿ والجروح ﴾ بالرفع.

﴿ والأذن ﴾ وبابه بسكون العين: نافع.

﴿ وليحكم ﴾ بالنصب: حمزة.

الباقون بالجزم.

الوقوف: ﴿ قلوبهم ﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ على ﴿ من الذين قالوا آمنا ﴾ ووقفت على ﴿ هادوا ﴾ واستأنفت بقوله ﴿ سماعون ﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿ آخرين ﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم.

﴿ لم يأتوك ﴾ ط ﴿ مواضعه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف ﴿ فاحذروا ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ للسحت ﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿ أعرض عنهم ﴾ ج ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ ونور ﴾ ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف ﴿ شهداء ﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ بالنفس ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ بالسن ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والجروح ﴾ بالرفع ﴿ قصاص ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ كفارة له ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من التوراة ﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ ونور ﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً.

﴿ للمتقين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالنصب ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: خاطب محمداً  بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ في مواضع ولم يخاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلا ههنا وفي قوله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ﴾ ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع.

أما وجه النظم فهو أنه  لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله  على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم.

والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها.

﴿ آمنا بأفواههم ﴾ فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿ سماعون للكذب ﴾ قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد  من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع.

واللام في ﴿ للكذب ﴾ لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس ﴿ من بعد مواضعه ﴾ أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ المحرّف المزال عن موضعه ﴿ فخذوه ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وإن لم تؤتوه ﴾ وأفتاكم محمد  بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ فهو الباطل.

عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي  بيهودي محمم مجلود فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم.

فدعا رجلاً من علمائهم فقال  : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك.

نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم.

فقال رسول الله  : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم" فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ / يقولون ائتوا محمداً  فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

وفي رواية أخرى "أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله  عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد  بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل  : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا.

نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله  : أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون.

والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟

قال: نعم.

فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله  عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون.

وأمر رسول الله  بالزانيين فرجما عند باب مسجده" .

قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول  فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى  فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله  : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ حكمه باق في شرعنا ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم.

والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك.

ثم أكد هذا بقوله: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن.

والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها ﴿ فلن تملك له من الله ﴾ ثواباً ولا نفعاً.

ثم قال: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ بالألطاف لأنه  علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله  وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله.

ثم وصف اليهود بقوله: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب.

قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها.

ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام.

والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي  وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة.

قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت.

وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله  : ﴿ وأخذهم الربا  ﴾ ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ خيره الله  بين الحكم والإعراض.

فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.

وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي  فجعل الدية سواء.

وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ.

وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله  : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ﴾ فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم.

وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي  رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض  عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم ﴿ وكيف يحكمونك ﴾ تعجيب من الله لرسوله  من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.

والواو/ في قوله: ﴿ وعندهم ﴾ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.

أما قوله: ﴿ فيها حكم الله ﴾ فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ﴿ عندهم ﴾ وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون ﴿ عندهم ﴾ متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.

وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.

﴿ ثم يتولون ﴾ عطف على ﴿ يحكمونك ﴾ و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد.

وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي  حق.

وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً.

وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج.

ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون.

أما قوله: ﴿ الذين أسلموا ﴾ فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟

وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون لأجلهم.

قال في الكشاف: قوله  : ﴿ الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام.

قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين.

ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟

وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد  كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة.

فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى.

والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران.

والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً.

وفي الحديث: " "يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب.

قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة.

ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء.

وقوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ إما أن يكون من صلة ﴿ يحكم ﴾ أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه.

و"من" في ﴿ من كتاب الله ﴾ للتبيين.

وقد أخذ الله  على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير ﴿ استحفظوا ﴾ إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء.

ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ وعن التغيير لرغبة فقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه.

ثم عمم الحكم فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر.

وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص.

وقال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر.

فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين.

وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر.

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله  في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً.

واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل.

وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله  ولكنه تارك فلا تتناوله الآية.

ثم إنه  لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء ﴿ كتبنا ﴾ مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير.

فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة.

وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش.

فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها فيكتب الفقه.

﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى القصاص وفي ﴿ هو ﴾ إلى التصدق الدال عليه الفعل.

وفي ﴿ له ﴾ وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله  قال: " "من تصدق من جسده بشيء كفر الله  عنه بقدره من ذنوبه" وعن عبد الله بن عمرو: " "يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله  بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله  ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ أي على آثار النبيين ﴿ بعيسى ابن مريم ﴾ أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء.

وقوله: ﴿ على آثارهم ﴾ يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ﴿ مصدّقاً لما بين يديه ﴾ أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله  وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد  كالتوراة.

وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد  لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن.

ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم.

أما قوله: ﴿ الكافرون ﴾ ﴿ الظالمون ﴾ ﴿ الفاسقون ﴾ فللمفسرين فيه خلاف.

قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار.

وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك.

وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى.

التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿ يحرفون ﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية.

فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم ﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك.

﴿ فمن تصدق ﴾ بهذا الإحياء ﴿ فهو كفارة له ﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين.

﴿ ومن لم يحكم ﴾ على نفسه ﴿ بما أنزل الله ﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ...

﴾ إلى آخرة.

أخبر الله - عز وجل - أنه كان كتب على أهل التوراة: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، وقد كتب علينا أيضاً - قتل النفس بالنفس بقوله -  -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى  ﴾ ؛ كأنه قال: كتب عليكم القصاص في النفس بالنفس، كما كنت كتبت [عليهم].

وأما القصاص فيما دون النفس: فإنه لم يبين في الآية التي أخبر - عز وجل - أنه كتب علينا القصاص في النفس.

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: يحتمل: أن يكون إخباراً عما كان مكتوباً عليهم من القصاص فيما دون النفس: كالنفس؛ ألا ترى أنه قد قرىء في بعض القراءات بالنصب؛ نسقاً على الأول؟!

ويحتمل: على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء؛ والذي يدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا في الخبر؛ لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت؛ دل أنه ليس على الإخبار، ولكن على الابتداء؛ ألا ترى أكثر القراء قرءوا بالرفع غير قوله: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، فإنه بالنصب؟!.

ثم ذكر ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ ﴾ ، ولم يذكر اليد والرجل، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهراً، فَيُسْتَدَلُّ بوجوبه فيما هو أخفي على وجوبه - فيما هو أظهر منه؛ لأن المنتفع بالبصر والأنف والسمع ليس إلا صاحبه، وقد يجوز أن ينتفع غيره بيد آخر وبرجله.

والثاني: أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله: ﴿ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ .

ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام؛ لأن الأسنان بادية ظاهرة، يقع عليها البصر - يقدر على الاقتصاص [فيها]، وأما غيرها من العظام: مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص [فيها] إلا بعد كسر آخر وقطع لحم؛ لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، والله أعلم.

ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء - بذهاب البهاء؛ لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء؛ فأوجب في ذهاب البهاء القصاص؛ كما أوجب في ذهاب المنفعة؛ وعلى هذا يخرج قولنا: وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال، كوجوبها في ذهاب المنفعة على الكمال.

[على أن] أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في "العين، والأنف" "والأذن والسن"، "والجروح" التي ليس فيها كسر عظم؛ إذا جنى على شيء من ذلك عمدا بحديدة.

وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار فيما دون النفس: فأهل العلم اختلفوا فيه، وكان أصحابنا - رحمهم الله - لا يرون القصاص بينهم في ذلك، ويرون القصاص في الأنفس، [فأهل العلم اختلفوا فيه]، ويفرقون بينهما، والفرق بينهما: أن جماعة لو قتلوا رجلاً قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم؛ فالتفاضل في الأنفس غير معتبر به، ويعتبر به فيما دون النفس، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ذكراً كافياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو صاحب الدم كفارة لما كان ارتكب هو، وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ لَهُ كَفَّارَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ" وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، يعني: كفارة للقاتل إذا عفا الولي، وهو قول ابن عباس،  .

وعن مجاهد: هو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله.

والأوّل كأنه أقرب وأشبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

هذا إذا ترك الحكم بما أنزل الله جحوداً منه، فهو ما ذكر، كافر.

﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .

قوله  : ﴿ وَقَفَّيْنَا ﴾ : أي: أتبعنا على آثارهم، وهو من القفا.

وقوله: ﴿ آثَارِهِم ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: على آثار الرسل.

ويحتمل: على آثار الذين أنزل فيهم التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ ﴾ .

أخبر أنه كان مصدقاً ما بين يديه من التوراة؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضاً فيما أنزل عليهم من الكتب، تأخر أو تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

[ ﴿ هُدًى ﴾ ]: من الضلالة لمن تمسك به، ﴿ وَنُورٌ ﴾ لمن عمي ولمن استناره.

﴿ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضاً على بُعد أوقات النزول [مما] يدل: أنه من عند واحد نزل، جل الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يحتمل: موعظة للمؤمنين؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به، وأما غير المؤمن فلا يتعظ به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي كلها.

وفي قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ - دلالة أن القصاص للعبد خاصة؛ حيث رغبه في العفو عنه والترك له، ليس كالحدود التي هي لله  ؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به، وذكر في القصاص والجراحات؛ دل أن ذلك للعبد: له تركه، وسائر الحدود لله ليس لأحد إبطالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

ذكر في موضع: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ فأمكن أن يكون كله واحداً: أن من لم يحكم بما أنزل الله جحوداً منه له، واستخفافا؛ فهو كافر، ظالم، فاسق.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل الله؛ إذا ترك الحكم به جحوداً منه وإنكاراً، وما ذكر من الظلم والفسق ذلك في المسلمين؛ لأنه قال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ثم قال: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ تركوا الحكم بما أنزل الله؛ اتباعاً لأهوائهم لا جحوداً، فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ كقوله -  -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ ، أي: خرج.

ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل به والعلم سواء؛ لأنه إذا لم يحكم بما أنزل الله فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمر ربه، لكن هذا في القول يقبح أن يقال: هو ظالم فاسق، وهو ما يفعل، إنما يفعل عن جهل به، يجوز أن يقال: فعله فعل ظلم وفسق، وأما في القول: فهو قبيح؛ لما ذكرنا.

﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ﴾ : من الأحكام أي حكم كان، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأتبعنا آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم مؤمنًا بما في التوراة، وحاكمًا بها، وأعطيناه الإنجيل مشتملًا على الهداية للحق، وعلى ما يزيل الشبهات من الحجج، ويحل المشكلات من الأحكام، وموافقًا لما نزل من قبله من التوراة إلا في القليل مما نسخه من أحكامها، وجعلنا الإنجيل هدًى يُهْتدى به، وزاجرًا عن ارتكاب ما حرمه عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.xAmO6"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله