الآية ٤٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٨ من سورة المائدة

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 156 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها الله على موسى كليمه [ عليه السلام ] ومدحها وأثنى عليها ، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع ، وذكر الإنجيل ومدحه ، وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه ، كما تقدم بيانه ، شرع تعالى في ذكر القرآن العظيم ، الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم ، فقال : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ) أي : بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله ، ( مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) أي : من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه ، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان نزوله كما أخبرت به ، مما زادها صدقا عند حامليها من ذوي البصائر ، الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله ، وصدقوا رسل الله ، كما قال تعالى : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] أي : إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين ، من مجيء محمد ، عليه السلام ، ( لمفعولا ) أي : لكائنا لا محالة ولا بد .

وقوله : ( ومهيمنا عليه ) قال سفيان الثوري وغيره ، عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس أي : مؤتمنا عليه .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المهيمن : الأمين ، قال : القرآن أمين على كل كتاب قبله .

وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك .

وقال ابن جريج : القرآن أمين على الكتب المتقدمة ، فما وافقه منها فهو حق ، وما خالفه منها فهو باطل .

وعن الوالبي ، عن ابن عباس : ( ومهيمنا ) أي : شهيدا .

وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي .

وقال العوفي عن ابن عباس : ( ومهيمنا ) أي : حاكما على ما قبله من الكتب .

وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى ، فإن اسم " المهيمن " يتضمن هذا كله ، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله ، جعل الله هذا الكتاب العظيم ، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره ; فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها .

وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة ، فقال [ تعالى ] ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر : 9 ] .

فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وابن أبي نجيح عن مجاهد أنهم قالوا في قوله : ( ومهيمنا عليه ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم أمين على القرآن ، فإنه صحيح في المعنى ، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر ، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضا نظر .

وبالجملة فالصحيح الأول ، قال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد : وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب ، بل هو خطأ ، وذلك أن " المهيمن " عطف على " المصدق " ، فلا يكون إلا من صفة ما كان " المصدق " صفة له .

قال : ولو كان كما قال مجاهد لقال : " وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه " .

يعني من غير عطف .

وقوله : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ) أي : فاحكم يا محمد بين الناس : عربهم وعجمهم ، أميهم وكتابيهم ) بما أنزل الله ) إليك في هذا الكتاب العظيم ، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك .

هكذا وجهه ابن جرير بمعناه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم .

فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا .

وقوله : ( ولا تتبع أهواءهم ) أي : آراءهم التي اصطلحوا عليها ، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله ; ولهذا قال : ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) أي : لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء .

وقوله : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه ، عن التميمي عن ابن عباس : ( لكل جعلنا منكم شرعة ) قال : سبيلا .

وحدثنا أبو سعيد حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس : ( ومنهاجا ) قال : وسنة .

وكذا روى العوفي عن ابن عباس : ( شرعة ومنهاجا ) سبيلا وسنة .

وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي أنهم قالوا في قوله : ( شرعة ومنهاجا ) أي : سبيلا وسنة .

وعن ابن عباس ومجاهد أيضا وعطاء الخراساني عكسه : ( شرعة ومنهاجا ) أي : سنة وسبيلا ، والأول أنسب ، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا ، هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال : " شرع في كذا " أي : ابتدأ فيه .

وكذا الشريعة وهي ما يشرع منها إلى الماء .

أما " المنهاج " : فهو الطريق الواضح السهل ، والسنن : الطرائق ، فتفسير قوله : ( شرعة ومنهاجا ) بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس ، والله أعلم .

ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام ، المتفقة في التوحيد ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ، ديننا واحد " يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) الآية [ النحل : 36 ] ، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي ، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى ، وبالعكس ، وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه .

وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .

قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : قوله : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يقول : سبيلا وسنة ، والسنن مختلفة : هي في التوراة شريعة ، وفي الإنجيل شريعة ، وفي الفرقان شريعة ، يحل الله فيها ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ، والدين الذي لا يقبل الله غيره : التوحيد والإخلاص لله ، الذي جاءت به الرسل .

وقيل : المخاطب بهذا هذه الأمة ، ومعناه : ( لكل جعلنا ) القرآن ( منكم ) أيتها الأمة ( شرعة ومنهاجا ) أي : هو لكم كلكم ، تقتدون به .

وحذف الضمير المنصوب في قوله : ( لكل جعلنا منكم ) أي : جعلناه ، يعني القرآن ، ( شرعة ومنهاجا ) أي : سبيلا إلى المقاصد الصحيحة ، وسنة ؛ أي : طريقا ومسلكا واضحا بينا .

هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد رحمه الله ، والصحيح القول الأول ، ويدل على ذلك قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) فلو كان هذا خطابا لهذه الأمة لما صح أن يقول : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) وهم أمة واحدة ، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم ، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة ، لا ينسخ شيء منها .

ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة ، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة ، وجعله خاتم الأنبياء كلهم ; ولهذا قال تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ) أي : أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ، ليختبر عباده فيما شرع لهم ، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله .

وقال عبد الله بن كثير : ( في ما آتاكم ) يعني : من الكتاب .

ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها ، فقال : ( فاستبقوا الخيرات ) وهي طاعة الله واتباع شرعه ، الذي جعله ناسخا لما قبله ، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله .

ثم قال تعالى : ( إلى الله مرجعكم جميعا ) أي : معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة ( فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) أي : فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق ، فيجزي الصادقين بصدقهم ، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق ، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان ، بل هم معاندون للبراهين القاطعة ، والحجج البالغة ، والأدلة الدامغة .

وقال الضحاك : ( فاستبقوا الخيرات ) يعني : أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

والأظهر الأول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

يقول تعالى ذكره: أنـزلنا إليك، يا محمد،" الكتاب "، وهو القرآن الذى أنـزله عليه= ويعني بقوله: " بالحق "، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله (8) =" مصدقًا لما بين يديه من الكتاب "، يقول: أنـزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التى أنـزلها إلى أنبيائه= " ومهيمنًا عليه "، يقول: أنـزلنا الكتاب الذي أنـزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها.

* * * وأصل " الهيمنة "، الحفظ والارتقاب.

يقال، إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده: " قد هيمن فلان عليه، فهو يُهَيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه.

فقال بعضهم: معناه: شهيدًا.

ذكر من قال ذلك: 12103م - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومهيمنًا عليه "، يقول: شهيدًا.

12104 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومهيمنًا عليه "، قال: شهيدًا عليه.

12105 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب "، يقول: الكتب التي خلت قبله=" ومهيمنًا عليه "، أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله.

* * * 12106 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا= وقال ابن جريج: وقال: آخرون (9) القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمرٍ، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.

* * * وقال بعضهم: معناه: أمينٌ عليه.

ذكر من قال ذلك: 12107 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع= جميعًا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.

12108 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.

12109 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12110 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، بإسناده، عن ابن عباس، مثله.

12111 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، &; 10-379 &; عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12112 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12113 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله.

(10) 12114 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: والمهيمن الأمين: قال: القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله.

12115 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب "، وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما=" ومهيمنًا عليه "، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب.

12116 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.

12117 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.

12118 - حدثني المثنى قال، حدثنا يحيى الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

(11) 12119 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: " ومهيمنًا عليه " قال: مؤتمنًا على ما قبله من الكتب.

12120 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سألت الحسين عن قوله: " وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه "، قال: مصدقًا لهذه الكتب، وأمينا عليها.

وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع فقال: مؤتمنًا عليه.

* * * وقال آخرون: معنى " المهيمن "، المصدق.

ذكر من قال ذلك: 12121 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: مصدِّقًا عليه.

كل شيء أنـزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك.

وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.

* * * وقال آخرون: عنى بقوله: " مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه "، نبي الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 12122 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن &; 10-381 &; ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

12123 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، قال: محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنـزلنا الكتاب مصدقًا الكتبَ قبله إليك، مهيمنا عليه= فيكون قوله: " مصدقًا " حالا من " الكتاب " وبعضًا منه، ويكون " التصديق " من صفة " الكتاب "، و " المهيمن " حالا من " الكاف " التي في" إليك "، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، و " الهاء " في قوله: " عليه "، عائدة على الكتاب.

* * * وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ.

وذلك أنّ" المهيمن " عطفٌ على " المصدق "، فلا يكون إلا من صفة ما كان " المصدِّق " صفةً له.

ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: " وأنـزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه " (12) = لأنه لم يتقدم من صفة " الكاف " التي في" إليك " بعدَها شيءٌ يكون " مهيمنًا عليه " عطفًا عليه، (13) وإنما عطف به على " المصدق "، لأنه من صفة " الكتاب " الذي من صفته " المصدق ".

* * * فإن ظن ظان أن " المصدق "= على قول مجاهد وتأويلهِ هذا= من صفة " الكاف " التي في" إليك "، فإن قوله: " لما بين يديه من الكتاب "، يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون " المصدق " من صفة " الكاف " التي في" إليك ".

لأن " الهاء " في قوله: " بين يديه "، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " إليك ".

(14) ولو كان " المصدق " من صفة " الكاف "، لكان الكلام: وأنـزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب، (15) ومهيمنا عليه= فيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك.

(16) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنـزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته.

يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين بما أُنـزل إليك من كتابي وأحكامي في كل ما احتمكوا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنـزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبلَه، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود= الذين يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا (17) = عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنـزله إليك.

يقول له: اعمل بكتابي الذي أنـزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، (18) ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنـزلته إليك في كتابي، كما:- 12124 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فاحكم بينهم بما أنـزل الله "، يقول: بحدود الله=" ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ".

12125 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهوديَّ والنصراني بالله، ثم قرأ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة: 49]، (19) وأنـزل الله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [سورة الأنعام: 151].

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعةً.

(20) * * * و " الشرعة " هي" الشريعة " بعينها، تجمع " الشرعة "" شِرَعًا "، (21) " والشريعة "" شرائع ".

ولو جمعت " الشرعة "" شرائع "، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى " الشريعة " واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها.

وكل ما شرعت فيه من شيء فهو " شريعة ".

ومن ذلك قيل: لشريعة الماء " شريعة "، لأنه يُشْرع منها إلى الماء.

ومنه سميت شرائع الإسلام " شرائع "، لشروع أهله فيه.

ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: " هم شَرَعٌ"، سواءٌ.

* * * وأما " المنهاج "، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: " هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ"، بيِّنٌ، كما قال الراجز: (22) مَــنْ يـكُ فِـي شَـكٍّ فَهـذَا فَلْـجُ مَـــاءٌ رَوَاءٌ وَطَـــرِيقٌ نَهْــجُ (23) ثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا.

* * * فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: " لكل جعلنا منكم ".

فقال بعضهم: عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا.

ذكر من قال ذلك: 12126 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " يقول: سبيلا وسُنّة.

والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.

ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.

12127 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: الدينُ واحد، والشريعةُ مختلفة.

12128 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيع.

(24) * * * وقال آخرون: بل عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم.

وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنـزلناه إلى نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، &; 10-386 &; أيها الناس، لكُلِّكم= أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ= شرعةً ومنهاجا.

ذكر من قال ذلك: 12129 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " قال: سنة، =" ومنهاجًا "، السبيل=" لكلكم "، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا.

يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولو كان عنى بقوله: " لكل جعلنا منكم "، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة= معنىً مفهوم.

ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنـزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه.

ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنـزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنـزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره= وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم- في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في" الشرعة " و " المنهاج " من التأويل، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12130- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " قال: سنةً وسبيلا.

12131 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا.

12132 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12133 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب قال: سألت ابن عباس عن قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا.

(25) 12134 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا.

12135 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، بمثله.

12136 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12137 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " يعني: سبيلا وسنةً.

12138 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين قال: سمعت الحسن يقول: " الشرعة "، السنة.

12139 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد قال: سنة وسبيلا.

(26) 12140 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " شرعة ومنهاجًا "، قال: " الشرعة "، السنة=" ومنهاجًا "، قال: السبيل.

12141 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

12142 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.

12143 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحوضي قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس، بنحوه.

(27) 12144 - حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال، &; 10-389 &; حدثنا أسباط، عن السدي: " شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.

12145 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: السنَّة والسبيل.

12146 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.

12147 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " شرعة ومنهاجًا "، قال: سبيلا وسنةً.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربُّكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعةً ومنهاجًا غيرَ شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدةً لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم، ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين شرائعكم ليختبركم، فيعرف المطيع منكم من العاصي، والعاملَ بما أمره في الكتاب الذي أنـزله إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم من المخالف.

* * * و " الابتلاء ": هو الاختيار، وقد أبنتُ ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.

(28) * * * وقوله: " في ما آتاكم "، يعني: فيما أنـزل عليكم من الكتب، كما:- 12148 - حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، ثني حجاح، عن ابن جريج: (ولكن ليبلوكم في ما آتاكم) قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال، ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب.

* * * فإن قال قائل: وكيف قال: " ليبلوكم في ما آتاكم "، ومن المخاطب بذلك؟

وقد ذكرت أنّ المعنيَّ بقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا نبيُّنا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممِهم، والذين قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حِدَةٍ؟

(29) قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم.

ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبر عنه، أن تغلِّب المخاطب، فيخرج الخبرُ عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس، إلى الصالحات من الأعمال، والقُرَب إلى ربكم، بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنـزله إلى &; 10-391 &; نبيكم، فإنه إنما أنـزله امتحانًا لكم وابتلاءً، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءَه عند مصيركم إليه، فإن إليه مصيركم جميعًا، فيخبر كلَّ فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرقَ الأخرى، فيفْصَل بينهم بفصل القضاء، وتُبِينُ المحقَّ مجازاته إياه بجناته، (30) من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانًا، المحقَّ منهم من المبطل.

(31) * * * فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربُّنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون؟

قيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانًا، فمصدق بذلك ومكذِّب.

وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكُّون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم.

فكذلك خبرُه تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنَّا فيه نختلف في الدنيا.

وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعًا، فتعرفون المحقَّ حينئذ من المبطل منكم، كما:- 12149 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان قال: سمعت الضحاك يقول: " فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا "، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، البرُّ والفاجر.

(32) ----------------- الهوامش : (8) انظر تفسير"الحق" فيما سلف 7: 97/9: 227.

(9) في المطبوعة: "وقال ابن جريج وآخرون"، والصواب من المخطوطة.

(10) الآثار 12107- 12113-"التميمي" و"رجل من تميم" ، هو"أربدة التميمي" ، يروي التفسير عن ابن عباس ، رواه عنه أبو إسحق السبيعي ، مضى برقم: 1928 ، 1929 ، ولكن كتب أخي السيد أحمد على الأثر رقم: 2095 ، ثم كتبت أنا على الآثار من رقم: 3986- 3989 ، أنه رجل مجهول من تميم ، ولكن الصواب أنه معروف وهو"أربدة التميمي" ، وهو تابعي ثقة.

ثم انظر الآثار الآتية من رقم: 12116- 12118.

(11) الآثار: 12116- 12118-"التميمي" ، و"رجل من بني تميم" ، هو"أربدة التميمي" ، انظر التعليق السالف.

(12) في المطبوعة والمخطوطة: "ومهيمنًا" بالواو ، والصواب إسقاطها ، لأنه أراد إسقاط العطف ، إذ كان"مهيمنًا" حالا من"الكاف" في"إليك" ، غير معطوف على شيء قبله ، كما ترى في بقية كلامه.

(13) في المطبوعة: "لأنه متقدم من صفة الكاف التي في إليك وليس بعدها شئ..." ، فزاد"وليس" ، وليست في المخطوطة ، وجعل"يتقدم""متقدم" ، إذ كان في المخطوطة خطأ ، فأساء الفهم ، وأساء التصرف!!

كان في المخطوطة كما أثبت إلا أنه كتب"لأنه يتقدم من صفة الكاف" سقط من الناسخ"لم" ، فأثبتها ، واستقام الكلام على وجهه.

(14) في المخطوطة: "والنبي صلى الله عليه..." بإسقاط"هو" ، والصواب ما في المطبوعة.

(15) في المخطوطة: "لما بين يديه" ، والصواب ما في المطبوعة.

(16) في المخطوطة: "فيكون معنى الكلام حينئذ يكون كذلك" ، بزيادة"يكون" ، والصواب ما في المخطوطة ، إلا أن يكون الناسخ أسقط من الكلام شيئًا.

ومع ذلك ، فالذي في المطبوعة مستقيم.

(17) السياق: "ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود...

عن الذي جاءك من عند الله...".

(18) في المطبوعة: "فاختر الحكم" ، والصواب ما في المخطوطة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخير في الحكم بينهم وفي ترك الحكم ، كما سلف ص: 333.

(19) في المخطوطة: "ثم قرأ: فإن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله" ، وصواب الاستدلال في هذه الآية من المائدة ، أما آية المائدة الأخرى (42) ، فتلاوتها: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" ، وليس فيها الدليل الذي تطلبه في استحلافهم بالله عز وجل.

(20) انظر تفسير"كل" فيما سلف 3: 193/6: 209/8: 269.

(21) في المطبوعة والمخطوطة: "تجمع الشرعة شراعًا" ، وهذا خطأ من الناسخ لاشك فيه ، فإن جمع"فعلة" (بكسر فسكون) إنما يكسر على"فعل" (بكسر ففتح) ، في الصحيح وفي غيره مثل"كسر" ، و"لحى".

وقد جاء في"فعلة""فعال" ، وهو قليل ، كجمع"لقحة" و"لقاح" ، و"حقة" ، و"حقاق".

فجائز أن يكون"شراع" جمعًا عزيزًا للشرعة ، ولكن الأقرب في مثل ذلك أن يذكر الجمع الذي أطبق عليه القياس.

(22) كأنه راجز من بني العنبر بن عمرو بن تميم.

(23) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 168 ، ومعجم ما استعجم: 1027 ، واللسان (روي) ، وروايتهم جميعًا: "من يك ذا شك".

ولكن هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة.

و"فلج" (بفتح فسكون): ماءه لبني العنبر بن عمرو بن تميم ، يكثر ذكره في شعر بني تميم ، ويمتدحون ماءه ، قال بعض الأعراب: أَلا شَـرْبَةٌ مِـنْ مَاءٍ مُزْنٍ عَلَى الصَّفَا حَدِيثَــهُ عَهْـد بالسَّـحَاب المُسَـخَّرِ إلَـى رَصَـفٍ مِـنْ بَطْـنِ فَلْجٍ، كأَنَّهَا إذَا ذُقْتَهَــا بَيُّوتَــةً مَــاءُ سُــكَّرِ و"ماء رواء" (بفتح الراء): الماء العذب الذي فيه للواردين ري.

(24) الأثر: 12128-"عبد الله بن هاشم" ، لم أعرف من يكون.

وقد مضى في الإسنادين رقم: 7329 ، 7938 ، في مثل هذا الإسناد نفسه.

و"سيف بن عمر التميمي" ، مضى برقم: 7329 ، 7938 ، وهو ساقط الرواية.

وكان في المطبوعة هنا أيضا ، كما في الإسنادين المذكورين: "سيف بن عمرو" ، وهو خطأ محض.

(25) الأثر: 12133-"أبو يحيى الرازي "أو"أبو يحيى العبدي" هو: "إسحق بن سلمان الرازي" ، ثقة.

مضى برقم: 6456.

و"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان البرجمي".

روى عن أبي إسحق السبيعي ، وروى عنه إسحق بن سليمان أبو يحيى الرازي.

مضى برقم: 175 ، 11240.

وكان في المطبوعة: "أبو شيبان" ، وهو خطأ صرف.

و"يحيى بن وثاب الأسدي" المقرئ.

روى عن ابن عمر ، وابن عباس.

وروى عنه أبو إسحق السبيعي.

قال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن".

ومضى برقم: 11488.

(26) الأثر: 12139-"أبو يحيى القتات الكناني" ، مختلف في اسمه.

وهو ضعيف متكلم فيه.

مترجم في التهذيب.

(27) الأثر: 12143-"الحوضي" هو"حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري" أبو عمر الحوضي ، ثقة ثبت متقن.

مضى برقم: 11449.

(28) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49/3: 7/7: 574 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: "وقد ثبت ذلك" ، وليس بشيء ، أخطأ الناسخ ، صوابها ما أثبت.

(29) كانت هذه الجملة في المطبوعة: "وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا.

لكل نبي من الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، والمخاطب النبي وحده".

غير ما في المخطوطة ، وحذف منه وزاد فيه.

و في المخطوطة: "وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا نبيا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم ، والذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم حده".

وهو سياق لا يستقيم ، ورجحت أن الناسخ أسقط"قوله" قبل الآيه ، وأسقط"على" من قوله: "على حدة".

لأن مراد أبي جعفر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يدخل في خطابه خطاب الأنبياء الذين قبله هم وأممهم.

وأما الذي في المطبوعة ، فهو تصرف جاوز حده.

(30) في المطبوعة: "ويبين المحق بمجازاته إياه..." ، أساء قراءة المخطوطة ، فتصرف فيها.

(31) انظر تفسير"استبق" فيما سلف 3: 196= وتفسير"الخيرات" فيما سلف 3: 196= وتفسير"المراجع" فيما سلف 6: 464= وتفسير"أنبأ" و"النبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489/6: 259 ، 404/10: 201 (32) الأثر: 12149-"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان" ، مضى قريبا برقم: 12133.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون[ ص: 152 ] قوله تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم .

و ( الكتاب ) القرآن ( بالحق ) أي : هو بالأمر الحق ( مصدقا ) حال لما بين يديه من الكتاب أي : من جنس الكتب .

و ( مهيمنا عليه ) أي : عاليا عليه ومرتفعا ، وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي : في كثرة الثواب ، على ما تقدمت إليه الإشارة في " الفاتحة " وهو اختيار ابن الحصار في كتاب شرح السنة له ، وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى ، والحمد لله ، وقال قتادة : المهيمن معناه الشاهد ، وقيل : الحافظ ، وقال الحسن : المصدق ; ومنه قول الشاعر :إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألبابوقال ابن عباس : ومهيمنا عليه أي : مؤتمنا عليه .

قال سعيد بن جبير : القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب ، وعن ابن عباس والحسن أيضا : المهيمن الأمين .

قال المبرد : أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء ; كما قيل في أرقت الماء هرقت ، وقاله الزجاج أيضا وأبو علي ، وقد صرف فقيل : هيمن يهيمن هيمنة ، وهو مهيمن بمعنى كان أمينا .

الجوهري : هو من آمن غيره من الخوف ; وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين ، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن ، ثم صيرت الأولى هاء كما قالوا : هراق الماء وأراقه ; يقال منه : هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظا ، فهو مهيمن ; عن أبي عبيد ، وقرأ مجاهد وابن محيصن : " ومهيمنا عليه " بفتح الميم .

قال مجاهد : أي : محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن .قوله تعالى : فاحكم بينهم بما أنزل الله يوجب الحكم ; فقيل : هذا نسخ للتخيير في قوله : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وقيل : ليس هذا وجوبا ، والمعنى : فاحكم بينهم إن شئت ; إذ لا يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذمة ، وفي أهل الذمة تردد وقد مضى الكلام فيه ، وقيل : أراد فاحكم بين الخلق ; فهذا كان واجبا عليه .قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ولا تتبع أهواءهم يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما [ ص: 153 ] جاءك من الحق ; يعني لا تترك الحكم بما بين الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام .

والأهواء جمع هوى ; ولا يجمع أهوية ; وقد تقدم في " البقرة " .

فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه ; وهو يدل على بطلان قول من قال : تقوم الخمر على من أتلفها عليهم ; لأنها ليست مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها ; لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود ; وقد أمرنا بخلاف ذلك .

ومعنى عما جاءك على ما جاءك .

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين .

والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة ، والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء ، والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين ; وقد شرع لهم يشرع شرعا أي : سن ، والشارع الطريق الأعظم ، والشرعة أيضا الوتر ، والجمع شرع وشراع جمع الجمع ; عن أبي عبيد ; فهو مشترك ، والمنهاج الطريق المستمر ، وهو النهج والمنهج ، أي البين ; قال الراجز :من يك ذا شك فهذا فلج ماء رواء وطريق نهجوقال أبو العباس محمد بن يزيد : الشريعة ابتداء الطريق ; المنهاج الطريق المستمر ، وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما شرعة ومنهاجا سنة وسبيلا ، ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها ; والإنجيل لأهله ; والقرآن لأهله ; وهذا في الشرائع والعبادات ; والأصل التوحيد لا اختلاف فيه ; روي معنى ذلك عن قتادة ، وقال مجاهد : الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام ; وقد نسخ به كل ما سواه .قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة أي : لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق ; فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم .

ولكن ليبلوكم في ما آتاكم في الكلام حذف تتعلق به لام كي ; أي : ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم ; والابتلاء الاختبار .قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات أي : سارعوا إلى الطاعات ; وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها ، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أول الوقت ; فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها ، وعموم الآية دليل عليه ; قاله إلكيا ، وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر ، وقد تقدم جميع هذا في " البقرة " .

إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون أي : بما اختلفتم فيه ، وتزول الشكوك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ْ} الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها.

{ بِالْحَقِّ ْ} أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه.

{ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ْ} لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها.

{ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ْ} أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية.

فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.

وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه.

{ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ْ} من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك.

{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ْ} أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ ْ} أيها الأمم جعلنا { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ْ} أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع.

{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ْ} تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها.

{ وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ْ} فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص على سبق غيرها، ولهذا قال: { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ْ} أي: بادروا إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها كاملة على الوجه المأمور به.

ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق.

{ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ْ} الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه.

{ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ْ} من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - سبحانه وتعالى - : ( وأنزلنا إليك ) يا محمد ) ( الكتاب ) القرآن ، ( بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) أي : من الكتب المنزلة من قبل ، ( ومهيمنا عليه ) روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أي شاهدا عليه وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي .

قال حسان : إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب يريد : شاهدا ومصدقا .

وقال عكرمة : دالا .

وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة : مؤتمنا عليه .

وقال الحسن : أمينا .

وقيل : أصله مؤيمن ، مفيعل من أمين ، كما قالوا : مبيطر من البيطار ، فقلبت الهمزة هاء ، كما قالوا : أرقت الماء وهرقته ، وإيهات وهيهات ، ونحوها .

ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج : القرآن أمين على ما قبله من الكتب ، فما أخبر أهل الكتاب عن [ كتابهم ] فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا .

وقال سعيد بن المسيب والضحاك : قاضيا ، وقال الخليل : رقيبا وحافظا ، والمعاني متقاربة ، ومعنى الكل : أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى ، وما لا فلا .

) ( فاحكم ) يا محمد ، ) ( بينهم ) بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ، ( بما أنزل الله ) بالقرآن ، ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) أي لا تعرض عما جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم ، ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) قال ابن عباس والحسن ومجاهد : أي سبيلا وسنة ، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح ، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة ، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها ، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة ، ولكل أهل ملة شريعة .

قال قتادة : الخطاب للأمم الثلاث : أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ، للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللفرقان شريعة ، والدين واحد وهو التوحيد .

( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) أي : على ملة واحدة ، ) ( ولكن ليبلوكم ) ليختبركم ، ( في ما آتاكم ) من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف ، ) ( فاستبقوا الخيرات ) فبادروا إلى الأعمال الصالحة ، ( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنزلنا إليك» يا محمد «الكتاب» القرآن «بالحق»: متعلق بأنزلنا «مصدِّقا لما بين يديه» قبله «من الكتاب ومهيمنا» شاهدا «عليه» والكتاب بمعنى الكتب «فاحكم بينهم» بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك «بما أنزل الله» إليك «ولا تتبع أهواءهم» عادلا «عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم» أيها الأمم «شرعة» شريعة «ومنهاجا» طريقاً واضحاً في الدين يمشون عليه «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» على شريعة واحدة «ولكن» فرقكم فرقاً «ليبلوكم» ليختبركم «فيما آتاكم» من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي «فاستبقوا الخيرات» سارعوا إليها «إلى الله مرجعكم جميعا» بالبعث «فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» من أمر الدين ويجزي كلا منكم بعمله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ يشهد على صدق الكتب قبله، وأنها من عند الله، مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها، فاحكم بين المحتكمين إليك من اليهود بما أنزل الله إليك في هذا القرآن، ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وما اعتادوه، فقد جعلنا لكل أمة شريعة، وطريقة واضحة يعملون بها.

ولو شاء الله لجعل شرائعكم واحدة، ولكنه تعالى خالف بينها ليختبركم، فيظهر المطيع من العاصي، فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين بالعمل بما في القرآن، فإن مصيركم إلى الله، فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون، ويجزي كلا بعمله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ ) أمر من الله - تعالى - لأتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكموا فيام بينهم بمقتضى أحكام الإِنجيل بدون تحريف أو تبديل .

أما الذين وجدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فمن الواجب عليهم أن يصدقوه ويتبعوا شريعته ، لأن الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم نسخت ما قبلها من شرائع .قال الآلوسي ما ملخصه ، قوله : ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ ) أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكام ، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله ، بل هو إبطال وتعطيل له إذا هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها ، لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها ، واختار كونه أمراً مبتدأ الجبائي .وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله ( وآتيناه ) .أي : - وآتينا عيسى ابن مريم الإِنجيل فيه هدى ونور - وقلنا ليحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله فيه .

وحذف القول - لدلالة ما قبله عليه - كثير في الكلام .

ومنه قوله - تعالى - : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ .

سَلاَمٌ عَلَيْكُم ) واختار ذلك على بن عيسى .وقرأ حمزة ( وَلْيَحْكُمْ ) - بكسر اللام وفتح الميم - بأن مضمرة - بعد لام كي - والمصدر معطوف على ( وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ) على تقدير كونهما معللين .

أي : وآتيناه ليحكم .وقوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ) تذييل مقرر ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام الله - تعالى - .

أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن جادة الحق .

وعن السنن القويم ، والصراط المستقيم .قال أبو حيان : قوله ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ) ناسب هنا ذكرالفسق .لأنه خرج عن أمر الله - تعالى - إذ تقدم قوله : ( وليحكم ) وهو أمر كما قال - تعالى - للملائكة ( اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أي : خرج عن طاعته .وقال صاحب المنار ما ملخصه : وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك نكتة التعبير بالكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية ، وبوصف الفسق في الثالثة .ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور ، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به .

فكان من المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ، مؤثرا لغيره عليه .

يكون كافرا به .وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإِيمان ، بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء .

فمن لم يحكم بحكم الله في ذلك يكون ظالما في حكمه .وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإِنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته .

فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية ، والخروج عن محيط تأديب الشريعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ﴾ وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، فقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ أي القرآن، وقوله: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ﴾ أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن.

وقوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه حافظاً.

قال حسّان: إن الكتاب مهيمن لنبينا *** والحق يعرفه ذوو الألباب والثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت وأرقت، وهياك وإياك، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمناً فلهذا قال المفسرون ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ أي أميناً على الكتب التي قبله.

المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخاً ألبتة، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبداً، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى: بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات، ولقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ والمهيمن عليه هو الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك.

﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعِ ﴾ يريد ولا تنحرف، ولذلك عداه بعن، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم.

المسألة الثانية: روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه، ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك، فاقض لنا ونحن نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المسألة الثالثة: تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال: لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق ﴾ .

والجواب: أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

وقيل: الخطاب له والمراد غيره.

ثم قال تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ (الشرعة): في اشتقاقه وجهان: الأول: معنى شرع بين وأوضح.

قال ابن السكيت: لفظ الشرع مصدر: شرعت الإهاب، إذا شققته وسلخته.

الثاني: شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها، فالشريعة فعيلة بمعنى المعفولة، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح، يقال: نهجب لك الطريق وأنهجب لغتان.

المسألة الثانية: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا، لأن قوله: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر.

المسألة الثالثة: وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل، وآيات دالة على حصول التباين فيها.

أما النوع الأول: فقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ  ﴾ وقال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ .

وأما النوع الثاني: فهو هذه الآية، وطريق الجمع أن نقول: النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين.

المسألة الرابعة: الخطاب في قوله: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ خطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد عليهم السلام، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ .

ثم قال: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ يعني شرائع مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة.

المسألة الخامسة: قال بعضهم: الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين.

وقال آخرون: بينهما فرق، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة، وهي المراد بالمنهاج، فالشريعة أول، والطريقة رخر.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريقة، والطريقة المنهاج المستمر، وهذا تقرير ما قلناه.

والله أعلم بأسرار كلامه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة ﴾ أي جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة، أي دين واحد لا اختلاف فيه.

قال الأصحاب: هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الالجاء.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم ﴾ من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل.

﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ أي فابتدروها وسابقوا نحوها.

﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات.

﴿ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وموفيكم ومقصركم في العمل، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الكشوك ويحصل مع اليقين، وذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: أي فرق بين التعريفين في قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ وقوله: ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ﴾ ؟

قلت: الأول: تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن.

والثاني: تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛ لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق، وإنما أريد نوع معلوم منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ ورقيباً على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات.

وقرئ: ﴿ مهيمناً عليه ﴾ بفتح الميم، أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت: 42] والذي هيمن الله عليه عزّ وجلّ أو الحفاظ في كل بلد، لو حُرِّف حَرْف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد، ولا شمأزوا رادّين ومنكرين.

ضمن ﴿ لاَ تَتَّبِعُواْ ﴾ معنى ولا تنحرف؛ فلذلك عدّي بعن كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ شِرْعَةً ﴾ شريعة.

وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الشين ﴿ ومنهاجا ﴾ وطريقا واضحاً في الدين تجرون عليه.

وقيل: هذا دليل على أنَّا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ﴿ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمّة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه ﴿ ولكن ﴾ أراد ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءاتاكم ﴾ من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟

أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟

﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ فابتدروها وتسابقوا نحوها ﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ أيِ القُرْآنَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ﴾ مِن جِنْسِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فاللّامُ الأُولى لِلْعَهْدِ والثّانِيَةُ لِلْجِنْسِ.

﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ ورَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ يَحْفَظُهُ عَنِ التَّغْيِيرِ ويَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، وقُرِئَ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ أيْ هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوِ الحِفاظُ في كُلِّ عَصْرٍ.

﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ بِالِانْحِرافِ عَنْهُ إلى ما يَشْتَهُونَهُ فَعَنْ صِلَةٌ لِلا تَتَّبِعْ لِتَضْمُّنِهِ مَعْنى لا تَنْحَرِفْ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم مائِلًا عَمّا جاءَكَ.

﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ أيُّها النّاسُ.

﴿ شِرْعَةً ﴾ شَرِيعَةً وهي الطَّرِيقُ إلى الماءِ شُبِّهَ بِها الدِّينُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى ما هو سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ.

﴿ وَمِنهاجًا ﴾ وطَرِيقًا واضِحًا في الدِّينِ مِن نَهَجَ الأمْرُ إذا وضَحَ.

واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ بِالشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ مِن غَيْرِ نَسْخٍ وتَحْوِيلٍ، ومَفْعُولُ لَوْ شاءَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، وقِيلَ المَعْنى لَوْ شاءَ اللَّهُ اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ.

﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ المُناسِبَةِ لِكُلِّ عَصْرٍ وقَرْنٍ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها مُعْتَقِدِينَ أنَّ اخْتِلافَها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، أمْ تَزِيغُونَ عَنِ الحَقِّ وتُفَرِّطُونَ في العَمَلِ.

﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ فابْتَدِرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ وحِيازَةً لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ.

﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ ووَعْدٌ وَوَعِيدٌ لِلْمُبادِرِينَ والمُقَصِّرِينَ.

﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ بِالجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ والعامِلِ والمُقَصِّرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} أي القرآن فحرف التعريف فه للعهد {بالحق} بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ {مُصَدّقاً} حال من الكتاب {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لما تقدمه نزولاً وإنما قيل لما قبل الشئ هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه {مّنَ الكتاب} المراد به جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يوحى إليه أنه لا إله

المائدة (٤٨ _ ٥٠)

إلا انا فاعبدون {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} وشاهداً لأنه يشهد له بالصحة والثبات {فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله} أي بما في القرآن {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق} نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتماداً على قولهم ضمّن ولا تتبع معنى ولا تنحرف فلذا عدى بعن فكأنه قيل

ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم أو التقدير عادلاً عما جاءك {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} أيها الناس {شِرْعَةً} شريعة {ومنهاجا} وطريقاً واضحاً واستدل به من قال إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام ثم إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال فى الأول يحكم بها النبيون وفي الثاني وليحكم أهل الإنجيل وفي الثالث فاحكم بينهم بما أنزل الله {وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} جماعة متفقة على شريعة واحدة {ولكن} أراد {لِيَبْلُوَكُمْ} ليعاملكم معاملة المختبر {في ما آتاكم} من الشرائع المختلفة فتعبّد كل أمة بما اقتضته الحكمة {فاستبقوا الخيرات} فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به {إلى الله مَرْجِعُكُمْ} استئناف فى معنى التعليل لاستباق اليخارت {جَمِيعاً} حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير إليه ترجعون {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ أيِ الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقَ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِتَفَوُّقِهِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ ( الكِتابَ ) أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( أنْزَلَنا ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الكافِ في ( إلَيْكَ ).

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ تَصْدِيقِهِ لِذَلِكَ، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ عَدَمَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا مِمّا ذُكِرَ إذْ لا يَكُونُ حالانِ لِعامِلٍ واحِدٍ، وأوْجَبَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ بَيانٌ ( لِما ) واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ؛ بِناءً عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما عَدا الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لَيْسَتْ كِتابًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ويَجُوزُ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلى جِنْسِ مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ، بَلْ إلى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنهُ، هو بِالنَّظَرِ إلى مُطْلَقِ الكِتابِ مَعْهُودٌ بِالنَّظَرِ إلى وصْفِ كَوْنِهِ سَماوِيًّا، غايَتُهُ أنَّ عَهْدِيَّتَهُ لَيْسَتْ إلى حَدِّ الخُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ نَوْعِيَّةٍ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القُرْآنِ.

﴿ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أيْ رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ المَحْفُوظَةِ عَنِ التَّغْيِيرِ، حَيْثُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أيْ شاهِدًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ الحَقُّ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِلتَّأْكِيدِ، وهاؤُهُ أصْلِيَّةٌ، وفِعْلُهُ هَيْمَنَ، ولَهُ نَظائِرُ بَيْطَرَ وخَيْمَرَ وسَيْطَرَ، وزادَ الزَّجّاجُ: بَيْقَرَ، ولا سادِسَ لَها، وقِيلَ: إنَّها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ومادَّتُهُ مِنَ الأمْنِ، كَـ( هَراقَ ) وقالَ المُبَرِّدَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ المُهَيْمِنَ أصْلُهُ مُؤْمِنٌ، وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَصُغِّرَ وأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ذَلِكَ خَطَأً، بَلْ كُفْرٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ؛ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى لا تُصَغَّرُ، وكَذا كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.

وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُما قَرَآ ( مُهَيْمَنًا ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِنْيَةِ المَفْعُولِ، فَضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) عَلى هَذا يَعُودُ عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، والمَعْنى أنَّهُ حُفِظَ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، والحافِظُ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ .

﴿ فاحْكم بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ بِذَلِكَ الشَّأْنِ مِن مُوجِباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ إذا كانَ القُرْآنُ كَما ذُكِرَ ﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ بِما أنْزَلَهُ إلَيْكَ، فَإنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ، والمُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الباقِيَةِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وتَقْدِيمُ ( بَيْنَهم ) لِلِاعْتِناءِ بِتَعْمِيمِ الحُكْمِ لَهُمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، وتَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ، والِالتِفاتُ بِإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِرارًا.

﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ الزّائِغَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يُرِيدُ ما حَرَّفُوا وبَدَّلُوا مِن أمْرِ الرَّجْمِ ﴿ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، و( عَنْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( لا تَتَّبِعْ ) عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العُدُولِ ونَحْوِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْدِلْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا لَأهْواءَهُمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْوائَهم عادِلًا عَمّا جاءَكَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلَةً عَمّا جاءَكَ، واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ حالًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا عامًّا، ولَعَلَّ القائِلَ لا يُسَلِّمُ ذَلِكَ، و( مِن ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَرْفُوعِ ( جاءَكَ ) أوْ مِن ( ما ) ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيماءِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى ما يُوجِبُ كَمالَ الِاجْتِنابِ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ، والنَّهْيُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وُقُوعُ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ نُهِيَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومٌ عَنِ ارْتِكابِ ما دُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ سائِرُ الأحْكامِ.

﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابِ مِن مُعاصِرِيهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، بِبَيانِ أنَّهُ هو الَّذِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا في كِتابِهِمْ، وإنَّما الَّذِينَ كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ مَن مَضى قَبْلَ النَّسْخِ.

والخِطابُ - كَما قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - لِلنّاسِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ والماضِينَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، و( الشِّرْعَةُ ) - بِكَسْرِ الشِّينِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها - الشَّرِيعَةُ، وهي في الأصْلِ الطَّرِيقُ الظّاهِرُ الَّذِي يُوصَلُ مِنهُ إلى الماءِ، والمُرادُ بِها الدِّينُ، واسْتِعْمالُها فِيهِ لِكَوْنِهِ سَبِيلًا مُوَصِّلًا إلى ما هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الفانِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى العَمَلِ الَّذِي يُطَهِّرُ العامِلَ عَنِ الأوْساخِ المَعْنَوِيَّةِ، كَما أنَّ الشَّرِيعَةَ طَرِيقٌ إلى الماءِ الَّذِي يُطَهِّرُ مُسْتَعْمِلَهُ عَنِ الأوْساخِ الحِسِّيَّةِ.

وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ الدِّينُ شَرِيعَةً تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ الماءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَن شَرَعَ في ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ رُوِيَ وتَطَهَّرَ، وأعْنِي بِالرِّيِّ ما قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: كُنْتُ أشْرَبُ فَلا أُرْوى، فَلَمّا عَرَفْتُ اللَّهَ تَعالى رُوِيتُ بِلا شُرْبٍ، وبِالتَّطَهُّرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ .

والمِنهاجُ الطَّرِيقُ الواضِحُ في الدِّينِ، مِن نَهِجَ الأمْرُ إذا وضَحَ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ جَمْعِ الأوْصافِ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ ابْتِداءً الطَّرِيقُ، والمِنهاجُ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الطَّرِيقُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ: وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ وقَوْلِ عَنْتَرَةَ: حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الطَّرِيقُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ واضِحًا أمْ لا، وقِيلَ: المِنهاجُ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمِنهاجُ الكِتابُ، وقِيلَ: الشِّرْعَةُ الأحْكامُ الفَرْعِيَّةُ، والمِنهاجُ الأحْكامُ الِاعْتِقادِيَّةُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( جَعَلْنا ) المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وهو إخْبارٌ بِجَعْلٍ ماضٍ لا إنْشاءٍ، وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما عَوَّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ( كُلٍّ ) أيْ ولِكُلِّ أُمَّةٍ كائِنَةٍ مِنكم أيُّها الأُمَمُ الباقِيَةُ والخالِيَةُ عَيَّنّا ووَضَعْنا ( شِرْعَةً ومِنهاجًا ) خاصَّيْنِ بِتِلْكَ الأُمَّةِ، لا تَكادُ أُمَّةٌ تَتَخَطّى شِرْعَتَها.

والأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في التَّوْراةِ، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مَبْعَثِ أحْمَدَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شِرْعَتُهم ما في الإنْجِيلِ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ فَشِرْعَتُكم ما في الفُرْقانِ لَيْسَ إلّا فَآمِنُوا بِهِ واعْمَلُوا بِما فِيهِ.

وأوْجَبَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ ( مِنكم ) بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أعْنِي، ولَمْ يُجَوِّزِ الوَصْفِيَّةَ لِما أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالأجْنَبِيِّ الَّذِي لا تَسْدِيدَ فِيهِ لِلْكَلامِ، ويُوجِبُ أيْضًا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ ( جَعَلْنا ) ومَعْمُولِهِ وهو شِرْعَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ ( جَعَلْنا ) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلَخْ، والفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لازِمٌ عَلى كُلِّ حالٍ، وما ذُكِرَ مِن كَوْنِ الخِطابِ لِلْأُمَمِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلْأنْبِياءِ الَّذِينَ أُشِيرَ إلَيْهِمْ في الآياتِ قَبْلُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الخِطابِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا اللِّحاقُ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ الخِطابَ كَما عَلِمْتَ يَعُمُّ الأُمَمَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ أُمَّةٍ دِينٌ يَخُصُّها، ولَوْ كانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرِيعَةٍ أُخْرى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ.

وأجابَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلالَةِ اللّامِ عَلى الِاخْتِصاصِ الحَصْرِيِّ بِمَنعِ المُلازِمَةِ؛ لِجَوازِ أنْ نَكُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا مَعَ زِيادَةِ خُصُوصِيّاتٍ في دِينِنا بِها يَكُونُ الِاخْتِصاصُ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ في إفادَةِ الحَصْرِ لِما ذُكِرَ مَعَ تَقَدُّمِ المُتَعَلَّقِ، وأيْضًا إنَّ الخُصُوصِيّاتِ المَذْكُورَةَ لا تُنافِي تَعَبُّدَنا بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِهِ يَدَّعُونَ أنَّهُ فِيما لَمْ يُعْلَمْ نَسْخُهُ ومُخالَفَةُ دِينِنا لَهُ إلّا مُطْلَقًا، إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ عَلى الإطْلاقِ، ولِذا جَمَعَ المُحَقِّقُونَ بَيْنَ أضْرابِ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِلافِ الشَّرائِعِ وبَيْنَ ما يُخالِفُها، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ بِأنَّ كُلَّ آيَةٍ دَلَّتْ عَلى عَدَمِ الِاخْتِلافِ مَحْمُولَةٌ عَلى أُصُولِ الدِّينِ ونَحْوِها، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنّا مُتَعَبَّدُونَ بِأحْكامِ الشَّرائِعِ الباقِيَةِ مِن حَيْثُ أنَّها أحْكامُ شِرْعَتِنا لا مِن حَيْثُ أنَّها شِرْعَةٌ لِلْأوَّلِينَ.

﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ، أوْ ذِي مِلَّةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، ولا نَسْخَ ولا تَحْوِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ ذَلِكَ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرَبِيُّ: المَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ إلَيْكم نَبِيًّا فَتَكُونُونَ مُتَعَبَّدِينَ بِما في العَقْلِ، وتَكُونُونَ أُمَّةً واحِدَةً ﴿ ولَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ الجَعْلَ بَلْ شاءَ غَيْرَهُ لِيُعامِلَكم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم.

﴿ فِي ما آتاكُمْ ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ لِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ يَقْتَضِيها كُلُّ عَصْرٍ، هَلْ تَعْلَمُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها، مُعْتَقِدِينَ أنَّ في اخْتِلافِها ما يَعُودُ نَفْعُهُ لَكم في مَعاشِكم ومَعادِكُمْ، أوْ تَزِيغُونَ عَنْها، وتَبْتَغُونَ الهَوى، وتَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، وبِهَذا - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِابْتِلاءِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ انْطِواءِ الِاخْتِلافِ عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُهم مَعاشًا ومَعادًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَسارِعُوا إلى ما هو خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ المُنْدَرِجَةِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وابْتَدَرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ، وإحْرازًا لِفَضْلِ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ، فالسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، و( جَمِيعًا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ إمّا المَصْدَرُ المُضافُ المُنْحَلُّ إلى فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ أوْ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإمّا الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في الجارِّ، وقِيلَ - وفِيهِ بُعْدٌ -: إنَّ الجُمْلَةَ واقِعَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّكم سَتُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُحْشَرُونَ إلى دارِ الجَزاءِ الَّتِي تَنْكَشِفُ فِيها الحَقائِقُ، وتَتَّضِحُ الحِكَمُ.

﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ بِكم مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ ( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) في الدُّنْيا مِن أمْرِ الدِّينِ، فالإنْباءُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُجازاةِ لِما فِيها مِن تَحَقُّقِ الأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا إليك يا محمد الكتاب بالحق، يعني: بيان الحق.

ويقال: بالعرض والحجة، ولم ينزله بغير شيء، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ يعني: موافقاً للتوراة، والإنجيل، والزبور، في التوحيد وفي بعض الشرائع.

ثم قال تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يقول شاهداً على سائر الكتب، بأن الكتاب الأول من الله تعالى ويقال: مُهَيْمِناً عَلَيْهِ يعني: قاضياً عليه، ويقال: ناسخاً لسائر الكتب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: مؤتمناً على ما قبله.

وقال القتبي: أميناً عليه.

ويقال: ومهيمناً عليه، في معنى مؤتمن، إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة كما يقال: هَرَقْتُ الماء، وأرَقْتُه، وإياك، وهياك.

ثم قال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: فاحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم، عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ يعني: لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى في القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام.

ثم قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول: جعلنا لكل نبي شريعة، والإيمان واحد، ولم يختلف الرسل في الإيمان، وإنما اختلفوا في الشرائع.

قال القتبي: الشرعة والشريعة واحد، يعني: السنة والمنهاج الطريق الواضح.

وقال الزجاج: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقد قيل: هما شيء واحد، وهو الطريق، ويقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً معناه: فرضت على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه.

ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: جعلكم على شريعة واحدة، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم، فِي ما آتاكُمْ يعني: أمركم من السنن، والشرائع المختلفة، ليتبين من يطيع الله فيما أمره ونهاه، ومن يعصيه.

ثم قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعني: بادروا بالطاعات، وبالأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم، والتكبيرة الأولى.

ثم قال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين والسنن يوم القيامة، فهذا وعيد وتهديد، لتستبقوا الخيرات، ولا تتّبعوا البدعة، ولا تخالفوا الكتاب.

ثم قال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما بينهم: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

وإنما هو بشر فأتَوْه.

فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وسادتهم، وأنّا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا.

وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، فنؤمن بك، فأبى النبي  ذلك.

فنزلت هذه الآية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: اقضِ بينهم بما في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ في الحكم، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ يعني: يصرفوك، عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.

وقال في رواية الضحاك: تزوج مجوسي ابنته، فجاءت إلى النبيّ  وطلبت نفقتها، فأمر الله تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.

وقال في رواية الكلبي: طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا عليه في الجاهلية فنزل وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ.

قال القتبي: أصل الفتنة الاختبار.

ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب كقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [البروج: 10] ، وكقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: 13] وتكون الفتنة الشرك، كقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193] وتكون الفتنة العبرة، كقوله: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس: 85] وتكون الفتنة الصد عن السبيل، كقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.

ثم قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبَوْا أن يرضوا بحكمك، فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني: يعذبهم في الدنيا.

قال الكلبي: يعني: بالجلاء إلى الشام، والإخراج من دورهم.

وقال الضحاك: يعني: يريد الله أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم.

ثم قال وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني: رؤساء اليهود، لَفاسِقُونَ يعني: لكافرون.

والفاسق هو الذي يخرج عن الطاعة.

ثم قال: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ يعني: يطلبون منك شيئاً لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية.

قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام (تبغون) على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.

ثم قال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً يقول: ومن أعدل من الله قضاءً، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالقرآن.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.

قال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «١» ، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً» ، رواه الترمذيُّ «٢» .

انتهى.

وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .

وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه.

وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)

وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ...

الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين.

وقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.

وقرأ حمزة «١» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ» ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.

قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد- عليه السلام- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «٢» : قيل: المرادُ:

ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم قيل:

والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى.

انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.

وقوله سبحانه: وَمُهَيْمِناً، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِناً، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن» : أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت

همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج.

وقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] .

ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اتباع أهوائهم.

وقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً: سبيلاً وسُنَّة «١» ، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «٢» وغيره.

ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.

وقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.

وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ...

الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ (بِالحَقِّ) أيْ: بِالصِّدْقِ ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى.

وفي "المُهَيْمِنِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المُؤَيْمِنُ رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ.

وقالَ المُبَرِّدُ: "مُهَيْمِنٌ" في مَعْنى: "مُؤَيْمِنٍ" إلّا أنَّ الهاءَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، كَما قالُوا: أرَقْتُ الماءَ، وهَرَقْتُ، وإيّاكَ وهِيّاكَ.

وَأرْبابُ هَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ إلّا أنَّ ابْنَ أبِي نُجَيْحٍ رَوى عَنْ مُجاهِدٍ: ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.

قالَ: مُحَمَّدٌ مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.

فَعَلى قَوْلِهِ، في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: وجَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَتَكُونُ هاءُ "عَلَيْهِ" راجِعَةً إلى القُرْآنِ.

وعَلى غَيْرِ قَوْلِ مُجاهِدٍ تَرْجِعُ إلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الشّاهِدُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُصَدِّقُ عَلى ما أخْبَرَ عَنِ الكُتُبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّقِيبُ الحافِظُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْكم بَيْنَهُمْ ﴾ يُشِيرُ إلى اليَهُودِ ﴿ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ إلَيْك في القُرْآنِ ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: المَعْنى: فَتَرْجِعُ عَمّا جاءَكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَأْخُذْ بِأهْوائِهِمْ في جَلْدِ المُحْصَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الشِّرْعَةُ: السُّنَّةُ، والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ واحِدٌ.

والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَسَقَ "المِنهاجَ" عَلى "الشِّرْعَةِ" وكِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ "الشِّرْعَةَ" ابْتِداءُ الطَّرِيقِ، والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ المُسْتَمِرُّ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

والثّانِي: أنَّ "الشِّرْعَةَ" الطَّرِيقُ الَّذِي رُبَّما كانَ واضِحًا، ورُبَّما كانَ غَيْرَ واضِحٍ.

والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا واضِحًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَلَمّا وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الشِّرْعَةِ والمِنهاجِ، حَسُنَ نَسَقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ.

والثّانِي: أنَّ الشِّرْعَةَ والمِنهاجَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وإنَّما نَسَقَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

قالَ الحُطَيْئَةُ: ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدُ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ فَنَسَقَ البُعْدَ عَلى النَّأْيِ لَمّاخالَفَهُ في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ مُوافِقًا لَهُ في المَعْنى، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وأجابَ عَنْهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقالُوا: "النَّأْيُ": كُلُّ ما قَلَّ بُعْدُهُ أوْ كَثُرَ كَأنَّهُ المُفارَقَةُ، والبُعْدُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما كَثُرَتْ مَسافَةُ مُفارَقَتِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِكُلِّ مِلَّةٍ جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا، فَلِأهْلِ التَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِأهْلِ الإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِأهْلِ القُرْآنِ شَرِيعَةٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

قالَ قَتادَةُ: الخِطابُ لِلْأُمَمِ الثَّلاثِ: أمَةِ مُوسى، وعِيسى، وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَلِلتَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِلْإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِلْفُرْقانِ شَرِيعَةٌ يُحِلُّ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، ويُحَرِّمُ ما [يَشاءُ] بَلاءً، لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، [وَلَكِنَّ] الدِّينَ الواحِدَ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ لِلَّهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لِكُلِّ مَن دَخَلَ في دِينِ مُحَمَّدٍ جَعَلْنا القُرْآنَ شِرْعَةً ومِنهاجًا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَجَمَعَكم عَلى الحَقِّ.

والثّانِي: لَجَعَلَكم عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ ﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم ﴿ فِي ما آتاكُمْ ﴾ مِنَ الكُتُبِ، وبَيَّنَ لَكم مِنَ المِلَلِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ﴾ :نَبِيَّنا مُحَمَّدًا مَعَ سائِرِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، فَمَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا، والمُرادُ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ مِن شَأْنِها إذا خاطَبَتْ غائِبًا، فَأرادَتِ الخَبَرَ عَنْهُ أنْ تُغَلِّبَ المُخاطَبَ، فَتُخْرِجُ الخَبَرَ عَنْهُما عَلى وجْهِ الخِطابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: هو خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ مُقاتِلٌ: و "الخَيْراتُ": الأعْمالُ الصّالِحَةُ.

﴿ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الدِّينِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في الدُّنْيا بِالأدِلَّةِ والحُجَجِ، وغَدًا يُبَيِّنُهُ بِالمُجازاةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابَ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ "وَقَفَّيْنا"؛ تَشْبِيهٌ؛ كَأنَّ مَجِيءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ في قَفاءِ مَجِيءِ النَبِيِّينَ؛ وذَهابِهِمْ؛ والضَمِيرُ في "آثارِهِمْ"؛ لِلنَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ  ﴾ ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤْكِّدَهٌ؛ و"اَلتَّوْراةِ"؛ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى؛ لِأنَّها جاءَتْ قَبْلَهُ؛ كَما أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا المَعْنى في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

و"اَلْإنْجِيلَ"؛ اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاشْتِقاقِ؛ مِن "نَجَلَ"؛ إذا اسْتَخْرَجَ؛ وأظْهَرَ؛ والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ إلّا الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ؛ فَإنَّهُ قَرَأ "اَلْأنْجِيلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".

والهُدى: اَلْإرْشادُ؛ والدُعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ وإحْياءِ أحْكامِهِ؛ والنُورُ: ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ؛ و"مُصَدِّقًا"؛ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "فِيهِ هُدًى"؛ فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ: "مُصَدِّقًا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ اتِّساقِ المَعانِي؛ وقَرَأ الناسُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ"؛ وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وذَلِكَ مُتَّجَهٌ؛ وخُصَّ المُتَّقُونَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهِ في عِلْمِ اللهِ ؛ وإنْ كانَ الجَمِيعُ يُدْعى؛ ويُوعَظُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُتَّقِينَ عَمًى وحَيْرَةٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَأنْ لِيَحْكُمَ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلِيَحْكُمَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وفَتْحِ المِيمِ؛ عَلى لامِ "كَيْ"؛ ونُصِبَ الفِعْلُ بِها؛ والمَعْنى: "وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُورَ والتَصْدِيقَ؛ لِيَحْكُمَ أهْلُهُ بِما أنْزَلَ اللهُ فِيهِ"؛ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "وَلْيَحْكُمْ"؛ بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ؛ وجُزِمَ الفِعْلُ؛ ومَعْنى أمْرِهِ لَهم بِالحُكْمِ أيْ: "هَكَذا يَجِبُ عَلَيْهِمْ"؛ وحَسُنَ عَقِبَ ذَلِكَ التَوْقِيفُ عَلى وعِيدِ مَن خالَفَ ما أنْزَلَ اللهُ ؛ ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ لامَ الأمْرِ؛ ويَجْزِمُ الفِعْلَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وتَقْرِيرُهُ هَذِهِ الصِفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ هو عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ؛ وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ؛ وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ؛ وظُلْمِها؛ وفِسْقِها.

وأخْبَرَ تَعالى بَعْدُ بِنُزُولِ هَذا القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقائِقَ مِنَ الأُمُورِ؛ فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِأنْ حُقَّ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللهِ ؛ ولَكِنْ حُقَّ في نَفْسِهِ؛ وأنْزَلَهُ تَعالى صَلاحًا لِعِبادِهِ؛ وقَوْلُهُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرِيدُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مُهَيْمِنًا"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَمُهَيْمِنًا": شاهِدًا؛ وقالَ أيْضًا: مُؤْتَمَنًا؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُصَدِّقًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أمِينًا؛ وحَكى الزَجّاجُ: قَرِيبًا؛ ولَفْظَةُ المُهَيْمِنِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الألْفاظِ؛ لِأنَّ المُهَيْمِنَ عَلى الشَيْءِ هو المَعْنِيُّ بِأمْرِهِ؛ الشاهِدُ عَلى حَقائِقِهِ؛ الحافِظُ لِحاصِلِهِ؛ فَلا يُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ؛ واللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- هو المُهَيْمِنُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ؛ وعِبادِهِ؛ والوَصِيُّ مُهَيْمِنٌ عَلى مَحْجُورِيهِ؛ وأمْوالِهِمْ؛ والرَئِيسُ مُهَيْمِنٌ عَلى رَعِيَّتِهِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ والقُرْآنِ جَعَلَهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ يَشْهَدُ بِما فِيها مِنَ الحَقائِقِ؛ وعَلى ما نَسَبَهُ المُحَرِّفُونَ إلَيْها؛ فَيُصَحِّحُ الحَقائِقَ؛ ويُبْطِلُ التَحْرِيفَ؛ وهَذا هو شاهِدٌ ومُصَدِّقٌ ومُؤْتَمَنٌ وأمِينٌ؛ ومُهَيْمِنٌ؛ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يَجِئْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى هَذا البِناءِ إلّا أرْبَعَةُ أحْرُفٍ؛ وهِيَ: "مُسَيْطِرٌ"؛ و"مُبَيْطِرٌ"؛ و"مُهَيْمِنٌ"؛ و"مُجَيْمِرٌ"؛ وذَكَرَ أبُو القاسِمِ الزَجّاجُ - في شَرْحِهِ لِصَدْرِ "أدَبُ الكِتابِ" - و"مُبَيْقِرٌ"؛ يُقالُ: "بَيْقَرَ الرَجُلُ"؛ إذا سارَ مِنَ الحِجازِ إلى الشامِ؛ ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ؛ و"بَيْقَرَ"؛ أيْضًا: لَعِبَ البَيْقَرى؛ وهي لُعْبَةٌ يَلْعَبُ بِها الصِبْيانُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"؛ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هو مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وغَلِطَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ اللَفْظَةِ عَلى مُجاهِدٍ ؛ فَإنَّهُ فَسَّرَ تَأْوِيلَهُ عَلى قِراءَةِ الناسِ: "وَمُهَيْمِنًا"؛ بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَبَعُدَ التَأْوِيلُ؛ ومُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - إنَّما يَقْرَأُ هو وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مُهَيْمَنًا عَلَيْهِ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ الثانِيَةِ؛ فَهو بِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ؛ وهو حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "مُصَدِّقًا"؛ وعَلى هَذا يُتَّجَهُ أنَّ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"عَلَيْهِ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مُجاهِدٍ ؛ وكَذَلِكَ مَشى مَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - وتَوَغَّلَ في طَرِيقِ الطَبَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "مُهَيْمِنٌ" أصْلُهُ: "مُؤَيْمِنٌ" - مِن بَنِي أمِينٍ -؛ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً؛ كَما قالُوا: "أرَقْتُ الماءَ"؛ و"هَرَقْتُهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى طَرِيقِ العَرَبِيَّةِ؛ وهو مُوافِقٌ لِما جاءَ في التَفْسِيرِ؛ مِن أنَّ مَعْنى "مُهَيْمِنٌ": "مُؤْتَمَنٌ"؛ وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا الَّذِي قالَ المُبَرِّدُ في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ ذَلِكَ بَلَغَ ثَعْلَبًا؛ فَقالَ: "إنَّ ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ رَدِيءٌ"؛ وقالَ: "هَذا باطِلٌ؛ والوُثُوبُ عَلى القُرْآنِ شَدِيدٌ؛ وهو ما سَمِعَ الحَدِيثَ مِن قَوِيٍّ؛ ولا ضَعِيفٍ؛ وإنَّما جَمَعَ الكُتُبَ"؛ اِنْتَهى كَلامُ ثَعْلَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُقالُ مِن "مُهَيْمِنٌ": "هَيْمَنَ الرَجُلُ عَلى الشَيْءِ"؛ إذا حَفِظَهُ؛ وحاطَهُ؛ وصارَ قائِمًا عَلَيْهِ أمِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقًا"؛ و"وَمُهَيْمِنًا"؛ حالَيْنِ مِنَ الكافِ في "إلَيْكَ"؛ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ قِراءَةَ مُجاهِدٍ وحْدَهُ؛ كَما زَعَمَ مَكِّيٌّ.

*** قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللهُ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ أو أعْرِضْ عنهُمْ  ﴾ ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ وإنَّ المَعْنى: "فَإنِ اخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ".

ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ؛ أيْ: شَهَواتِهِمْ؛ وإرادَتِهِمُ الَّتِي هي هَوًى ورَسُولٌ لِلنَّفْسِ؛ والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ؛ فَهَواها مُرْدٍ لا مَحالَةَ؛ وحَسُنَ هُنا دُخُولُ "عن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ ؛ لَمّا كانَ الكَلامُ بِمَعْنى: "لا تَنْصَرِفْ؛ أو لا تُزَحْزَحْ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ عَمّا جاءَكَ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: اَلْمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنكم جَعَلْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا؛ أيْ: لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ؛ ولِلنَّصارى كَذَلِكَ؛ ولِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدَهم في الأحْكامِ؛ وأمّا في المُعْتَقَدِ فالدِينُ واحِدٌ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ تَوْحِيدٌ وإيمانٌ بِالبَعْثِ؛ وتَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ عَدَدًا مِنَ الأنْبِياءِ؛ شَرائِعُهم مُخْتَلِفَةٌ؛ ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ  ﴾ ؛ فَهَذا عِنْدَ العُلَماءِ في المُعْتَقَداتِ فَقَطْ؛ وأمّا في الشَرائِعِ فَهَذِهِ الآيَةُ هي القاضِيَةُ فِيها: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ الناسُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ؛ اَلْأُمَمَ؛ كَما قَدَّمْنا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأنْبِياءَ؛ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهم وذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ وتَجِيءُ الآيَةُ مَعَ هَذا الِاحْتِمالِ في الأنْبِياءِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أيْ: فاحْفَظْ شِرْعَتَكَ ومِنهاجَكَ لِئَلّا يَسْتَزِلَّكَ اليَهُودُ؛ وغَيْرُهم في شَيْءٍ مِنهُ.

والمُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ الشِرْعَةَ والمِنهاجَ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظانِ؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ الشِرْعَةَ والشَرِيعَةَ هِيَ: اَلطَّرِيقُ إلى الماءِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا يُورَدُ كَثِيرًا؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وفي الشَرائِعِ مِن جَلّانَ مُقْتَنِصٌ ∗∗∗ بالِي الثِيابِ خَفِيُّ الصَوْتِ مَندُوبُ أرادَ: في الطُرُقِ إلى الماءِ؛ ومِنهُ: اَلشّارِعُ؛ وهي سِكَكُ المُدُنِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "وَفِيها يُشْرَعُ البابُ"؛ والمِنهاجُ أيْضًا: اَلطَّرِيقُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن يَكُ في شَكٍّ فَهَذا نَهْجُ ∗∗∗ ∗∗∗ ماءٌ رَواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ أرادَ: واضِحًا؛ والمِنهاجُ بِناءُ مُبالَغَةٍ في ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: ﴿ شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلًا؛ وسُنَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يُرِيدَ بِالشِرْعَةِ: الأحْكامَ؛ وبِالمِنهاجِ: المُعْتَقَدَ؛ أيْ: وهو واحِدٌ في جَمِيعِكُمْ؛ وفي هَذا الِاحْتِمالِ بُعْدٌ.

والقُرّاءُ عَلى "شِرْعَةً"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "شَرْعَةً"؛ بِفَتْحِ الشِينِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ العالَمَ أُمَّةً واحِدَةً؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ؛ لِأنَّهُ أرادَ اخْتِبارَهم وابْتِلاءَهم فِيما آتاهم مِنَ الكُتُبِ؛ والشَرائِعِ؛ كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَلَيْسَ لَهم إلّا أنْ يَجِدُّوا في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ وهو اسْتِباقُ الخَيْراتِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِأحْسَنِ الأشْياءِ عاقِبَةً لَهُمْ؛ ثُمَّ حَثَّهم تَعالى بِالمَوْعِظَةِ والتَذْكِيرِ بِالمَعادِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ ؛ والمَعْنى: "فالبَدارَ البَدارَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَظْهَرُ الثَوابُ والعِقابُ؛ فَتُخْبَرُونَ بِهِ إخْبارَ إيقاعٍ"؛ وإلّا فَقَدْ نَبَّأ اللهُ في الدُنْيا بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ بارِعَةُ الفَصاحَةِ؛ جَمَعَتِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ؛ وكُلُّ كِتابِ اللهِ تَعالى كَذَلِكَ؛ إلّا أنّا بِقُصُورِ أفْهامِنا يَبِينُ في بَعْضٍ لَنا أكْثَرُ مِمّا يَبِينُ في بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جالت الآيات المتقدّمة جولة في ذكر إنزال التّوراة والإنجيل وآبت منها إلى المقصود وهو إنزال القرآن؛ فكان كردّ العجز على الصّدر لقوله: ﴿ يأيها الرسول لا يُحزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] ليبيّن أنّ القرآن جاء نسخاً لما قبله، وأنّ مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتّوراة والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام، وليعلمهم أنّهم لا يطمعون من محمّد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام، فوقْعُ قوله: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ ﴾ إتماماً لترتيب نزول الكُتب السماويّة، وتمهيداً لقوله: ﴿ فاحْكم بينهم بما أنزل الله ﴾ .

ووقع قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ موقع التّخلّص المقصود، فجاءت الآيات كلّها منتظمة متناسقة على أبدع وجه.

والكتاب الأوّل القرآن، فتعْريفه للعهد.

والكتاب الثّاني جنس يشمل الكتب المتقدّمة، فتعريفه للجنس.

والمُصدّق تقدّم بيانه.

والمهيمن الأظهر أنّ هاءه أصلية وأنّ فعله بوزن فيْعَل كسَيْطَر، ولكن لم يسمع له فعل مجرّد فلم يسمع هَمَن.

قال أهل اللّغة لا نظير لهذا الفعل إلاّ هَيْنَم إذا دعا أو قرأ، وبيقر إذا خرَج من الحِجاز إلى الشّام، وسيطر إذا قَهر.

وليس له نظير في وزن مفيعل إلاّ اسم فاعل هذه الأفعال، وزادوا مُبيطر اسم طبيب الدّواب، ولم يسمع بَيْطَر ولكن بَطَر، ومُجيمر اسم جبل، ذكره امرؤ القيس في قوله: كأنّ ذرى رأس المُجَيْمِر غُدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل وفسّر المهيمن بالعالي والرقيب، ومن أسمائه تعالى المهيمن.

وقيل: المهيمن مشتقّ من أمِن، وأصله اسم فاعل من آمنَه عليه بمعنى استحفظه به، فهو مجاز في لازم المعنى وهو الرقابة، فأصله مُؤَأْمِن، فكأنّهم راموا أن يفرّقوا بينه وبين اسم الفاعل من آمَن بمعنى اعتقد وبمعنى آمنه، لأنّ هذا المعنى المجازي صار حقيقة مستقلّة فقلبوا الهمزة الثّانية ياء وقلبوا الهمزة الأولى هاء، كما قالوا في أراق هَراق، فقالوا: هَيْمَن.

وقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنّسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيّد لبعض ما في الشّرائع مُقرّر له من كلّ حكم كانت مصلحته كلّيّة لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مُصَدّق، أي مُحقّق ومقرّر، وهو أيضاً مبطل لبعض ما في الشّرائع السالفة وناسخ لأحكام كثيرة من كلّ ما كانت مصالحه جزئيّة مؤقّتة مراعى فيها أحوال أقوام خاصّة.

وقوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ أي بما أنزل الله إليك في القرآن، أو بما أوحاه إليك، أو احكم بينهم بما أنزل الله في التّوراة والإنجيل ما لم ينسخه اللّهُ بحكم جديد، لأنّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا أثبت الله شرعه لِمَنْ قبلنا.

فحكم النّبيء على اليهوديين بالرجم حكم بما في التّوراة، فيحتمل أنّه كان مؤيّداً بالقرآن إذا كان حينئذٍ قد جَاء قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما».

ويحتمل أنّه لم يؤيّد ولكن الله أوحى إلى رسوله أنّ حكم التّوراة في مثلهما الرجم، فحكم به، وأطلع اليهود على كتمانهم هذا الحكم.

وقد اتّصل معنى قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ بمعنى قوله: ﴿ وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط ﴾ [المائدة: 42]؛ فليس في هذه الآية ما يقتضي نسخ الحكم المفاد من قوله: ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ [المائدة: 42]، ولكنه بيان سمّاه بعضُ السلف باسم النسخ قبل أن تنضبط حدود الأسماء الاصطلاحيّة.

والنّهي عن اتّباع أهوائهم، أي أهواء اليهود حين حكّموه طامعين أن يَحكم عليهم بما تَقَرّر من عوائِدهم، مقصود منه النّهي عن الحكم بغير حكم الله إذا تحاكموا إليه، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة، لأنّ نزول القرآن مهيمناً أبطل ما خالفه، ونزولَه مصدّقاً أيَّد ما وافقه وزكّى ما لم يخالفه.

والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من هذا النّهي: إمَّا إعلان ذلك ليعلمه النّاس وييأس الطّامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فخطاب النّبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ ولا تتّبع أهواءهم ﴾ [المائدة: 49] مراد به أن يتقرّر ذلك في علم النّاس، مثل قوله تعالى: ﴿ لئنْ أشركت ليحبَطنّ عملك ﴾ [الزمر: 65].

وإمَّا تبيين الله لرسوله وجهَ ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلّة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرُقاً للترجيح، وذلك أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لشدّة رغبته في هُدى النّاس قد يتوقّف في فصل هذا التّحكيم، لأنّهم وعَدوا أنّه إن حكم عليهم بما تقرّر من عوائدهم يؤمنون به.

فقد يقال: إنّهم لمّا تراضَوا عليه لِم لا يُحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في الإسلام، فبيّن الله له أنّ أمور الشّريعة لا تهاون بها، وأنّ مصلحةَ احترام الشّريعة بين أهلها أرجحُ من مصلحة دخول فريق في الإسلام، لأنّ الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفاً لمريديه، قال تعالى: ﴿ يمُنّون عليكَ أنْ أسلموا قل لا تُمُنّوا عليّ إسلامَكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ [الحجرات: 17].

وقوله: ﴿ لكلَ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ كالتعليل للنّهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم فدعهم وما اعتادوه وتمسَّكوا بشرعكم..

والشرعة والشريعة: الماء الكثير من نهر أو واد.

يقال: شريعة الفرات.

وسمّيت الديانة شريعة على التشبيه، لأنّ فيها شفاء النّفوس وطهارتَها.

والعرب تشبّه بالماء وأحواله كثيراً، كما قدمناه في قوله تعالى: {لَعَلِمه الّذين يستنبطونه منهم في سورة النساء (83).

والمنهاج: الطريق الواسع، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء، كقول قيس بن الخطيم: وأتبعت دلوي في السماح رِشاءها *** فذكر الرشاء مجرّد تخييل.

ويصحّ أن يجعل له رديف في المشبَّه بأن تشبّه العوائد المنتزعة من الشّريعة، أو دلائل التّفريع عن الشريعة، أو طرق فهمها بالمنهاج الموصّل إلى السماء.

فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتّصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء، ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم، كما كانت اليهود قد جعلت عوائد مخالفة لشريعتهم، فذلك كالمنهاج الموصّل إلى غير المورود.

وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرْق بين حاليهما وبالتّأمّل يظهر لهم.

وقوله: ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة}.

الجعل: التقدير، وإلاّ فإنّ الله أمر النّاس أن يكونوا أمّة واحدة على دين الإسلام، ولكنّه رتّب نواميس وجبلاّت، وسبَّب اهتداء فريق وضلال فريق، وعلم ذلك بحسب ما خلق فيهم من الاستعداد المعبّر عنه بالتّوفيق أو الخذلان، والميللِ أو الانصراففِ، والعزم أو المكابرة.

ولا عذر لأحد في ذلك، لأنّ علم الله غير معروف عندنا وإنّما ينكشف لنا بما يظهر في الحادثات.

والأمّة: الجماعة العظيمة الّذين دينهم ومعتقدهم واحد، هذا بحسب اصطلاح الشّريعة.

وأصل الأمّة في كلام العرب: القوم الكثيرون الّذين يرجعون إلى نسب واحد ويتكلّمون بلسان واحد، أي لو شاء لخلقكم على تقدير واحد، كما خلق أنواع الحيوان غير قابلة للزّيادة ولا للتطوّر من أنفسها.

ومعنى ﴿ ليبلوكم فيما آتاكم ﴾ هو ما أشرنا إليه من خلق الاستعداد ونحوه.

والبلاء: الخبرة.

والمراد هنا ليظهر أثر ذلك للنّاس، والمرادُ لازم المعنى على طريق الكناية، كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا *** لأعْلَمَ مَن جَبَانُهَا مِن شجاعها لم يرد لأعلم فقط ولكن أراد ليظهر لي وللنّاس.

ومعناه أنّ الله وَكَل اختيار طرق الخير وأضدادها إلى عقول النّاس وكسبهم حكمة منه تعالى ليتسابَق النّاس إلى إعمال مواهبهم العقليّة فتظهر آثار العلم ويزداد أهل العلم علماً وتقام الأدلّة على الاعتقاد الصّحيح.

وكلّ ذلك يظهر ما أودعه الله في جبلّة البشر من الصلاحيّة للخير والإرشاد على حسب الاستعداد، وذلك من الاختبار.

ولذلك قال ﴿ ليبلوكم فيما آتاكم ﴾ ، أي في جميع ما آتاكم من العقل والنّظر.

فيظهر التّفاضل بين أفراد نوع الإنسان حتّى يَبلغ بعضُها درجاتتٍ عالية، ومن الشرائع الّتي آتاكموها فيظهر مقدارُ عملكم بها فيحصل الجزاء بمقدار العمل.

وفرّع على ﴿ ليبلوكم ﴾ قوله: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ لأنّ بذلك الاستباق يكون ظهور أثر التّوفيق أوضَح وأجلى.

والاستباق: التسابق، وهو هنا مجاز في المنافسة، لأنّ الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر، فشابه التّسابق.

ولتضمين فعل ﴿ استبقوا ﴾ بمعنى خذوا، أو ابتدروا، عدّي الفعل إلى ﴿ الخيرات ﴾ بنفسه وحقّه أن يعدّى بإلى، كقوله ﴿ سَابقوا إلى مغفرة من ربّكم ﴾ [الحديد: 21].

وقوله: ﴿ فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ أي من الاختلاف في قبول الدّين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي لِما قَبْلَهُ مِنَ الكِتابِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقًا بِها، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: مُوافِقًا لَها، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أمِينًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي شاهِدًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: حَفِيظًا عَلَيْهِ.

﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْنا، وألّا نَحْكُمَ بَيْنَهم بِتَوْراتِهِمْ ولا بِإنْجِيلِهِمْ.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ  .

والثّانِي: أُمَمُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.

﴿ شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ أمّا الشِّرْعَةُ فَهي الشَّرِيعَةُ وهي الطَّرِيقَةُ الظّاهِرَةُ، وكُلُّ ما شَرَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَهو شَرِيعَةٌ ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الماءِ شَرِيعَةٌ لِأنَّها أظْهَرُ طُرُقِهِ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ إذا ظَهَرَتْ.

وَأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ طَرِيقُ نَهْجٍ ومَنهَجٍ، قالَ الزّاجِرُ مَن يَكُ ذا شَكٍّ فَهَذا فَلْجُ ماءٌ رُواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ شِرْعَةً ومِنهاجًا أيْ سَبِيلًا وسُنَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِجَعْلِكم عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ.

الثّانِي: لِجَمْعِكم عَلى الحَقِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال: لما أنبأكم الله عن أهل الكتاب قبلكم بأعمالهم أعمال السوء، وبحكمهم بغير ما أنزل الله وعظ نبيه والمؤمنين موعظة بليغة شافية، وليعلم من ولي شيئاً من هذا الحكم أنه ليس بين العباد وبين الله شيء يعطيهم به خيراً ولا يدفع عنهم به سوءاً إلا بطاعته والعمل بما يرضيه، فلما بيَّن الله لنبيه والمؤمنين صنيع أهل الكتاب وجورهم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: للكتب التي قد خلت قبله.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ مؤتمناً عليه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ قال: المهيمن الأمين، والقرآن أمين على كل كتاب قبله.

وأخرج أبو الشيخ عن عطية ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ قال: أميناً على التوراة والإنجيل، يحكم عليهما ولا يحكمان عليه قال: مؤتمنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمناً على القرآن، والمهيمن الشاهد على ما قبله من الكتب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ قال: شهيداً على كل كتاب قبله.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ قال: شهيداً على خلقه بأعمالهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ قال: بحدود الله.

وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال: سبيلاً وسنة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول: لقد نطق المأمون بالصدق والهدى ** وبين لنا الإسلام ديناً ومنهاجاً يعني به النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ قال: الدين واحد والشرائع مختلفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ يقول: سبيلاً والسنن مختلفة، للتوراة شريعة، وللإنجيل من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ﴾ قال: من الكتب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ .

قال مقاتل: يعني القرآن، لم ينزله عبثًا (١) وقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله على الأنبياء (٢) قال مقاتل: يعني: شاهدًا أن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ .

اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير المهيمن، فقال في رواية الوالبي: شاهدًا عليهم (٤) وهو قول السدي (٥) (٦) (٧) وقال فيما روى عنه أبو عبيدة بإسناد له: مؤتمنًا (٨) (٩) وقال في رواية عطية (عنه) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال الحسن (١٤) (١٥) هذا كلام المفسرين (١٦) فأما أهل اللغة فقال المبرد: إن الهاء بدل من الهمزة، وأن أصله: مؤيمن، فجعلت الهاء بدلًا من الهمزة، كما قالوا: هَرَقْت وأَرَقْت، وإياك وهياك (١٧) قال أبو إسحاق: وهذا على مذهب العربية حسن وموافق لبعض ما جاء في التفسير؛ لأن معناه مؤتمن (١٨) وقال ابن الأنباري (١٩) (٢٠) (٢١) بأنَّ امرأ القَيسِ بنَ تَملكَ بَيْقَرا (٢٢) والمديبر من الإدبار والتخلف، والمجيمر اسم جبل في قوله: كأن ذُرَى رأسِ المُجَيمر غُدْوَةً (٢٣) (٢٤) (٢٥) فالمهيمن على هذا التأويل بمعنى: المؤمن، وهو المصدق، وهو الأمين، كما قال المفسرون.

وقال ابن جريج: (ومهيمنًا) أمينًا على الكتب قبله، فما أخبر أهل الكتاب بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا (٢٦) هذا طرق أهل اللغة في معنى المهيمن وأصله، فالمهيمن عندهم بمنزلة الأمين.

قال الأزهري: وكان النبي  يسمى الأمين، يعرف به قبل الإسلام، فقال العباس فيه يمدحه: حتى احتوى بيتُك المُهَيمنُ مِن ...

خِندِفَ عَلياءَ تحتَها النُّطُقُ (٢٧) وبيته شرفه ومجده، أراد: حتى احتويت أنت أيها المهيمن من خِندِفَ علياء، أي: الشرف (٢٨) فجعل العباس المهيمن في بيته صفة للنبي، أراد به الأمين.

وقال جماعة من أهل اللغة: المهيمن: الرقيب الحافظ، يقال: قد هيمن الرجل يهيمن هيمنة، إذا كان رقيبًا على الشيء.

وهو قول الخليل وأبي عبيد (٢٩) وقال أبو عبيدة: المهيمن: الشاهد المصدق (٣٠) (٣١) إن الكتاب مهيمنٌ لنبينا ...

والحق يعرفه ذوو الألباب (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

يعني: بين اليهود بالقرآن، والرجم على الزانيين.

﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ما حرفوا وبدلوا، يعني: من أمر الرجم (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ .

يقول: لا تتبعهم عما عندك من الحق فتتركه وتتبعهم، كما تقول: لا تتبع زيدًا عن رأيك، يعني لا تترك رأيك وتتبعه.

ويجوز أن تكون (عن) في قوله: (عما) من صلة معنى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ وذلك أن معناه: لا تَزغ، فكأنه قيل: لا تزغ عما جاءك (من الحق) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (٣٥) الشَّرعة والشريعة واحدة، وأصلها من الشرع وهو البيان والإظهار، قال الله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ  ﴾ (٣٦) (٣٧) قال الأزهري: معنى (شرع) بين وأوضح، مأخوذ من شَرَع الإهاب (٣٨) قال ابن السكيت: الشرع مصدر شَرَعت الإهاب إذا شققت ما بين الرِّجلين وسلختَه (٣٩) وقال غيره: الشارع والشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة.

وتسمى معالم الدين شريعة لوضوحها (٤٠) وقال قوم: أصل الشريعة من الشروع، وهو الدخول في الأمر (٤١) (٤٢) قال الليث: شرعت الواردةُ الشريعةُ، إذا تناولت الماء بفيها، والشريعة: المَشْرَعة.

قال: وبها سُمّي ما شرع الله للعباد: شريعةً، من الصلاة والصوم والنكاح والحج وغيره (٤٣) فعلى هذا معنى الشِّرعة والشَّريعة: الطريقة لشروع الناس فيها.

والمنهاج: الطريق الواضح، ومنهج الطريق: وَضَحه، ونهج الأمر وأنهج، لغتان، (إذا وضح) (٤٤) (٤٥) وقال ابن بُزُرج (٤٦) (٤٧) وأما الكلام في الجمع بين الشرعة والمنهاج فقال الأكثرون: إنها بمعنى واحد، وجمع بينهما للتأكيد في اللفظ.

وهذا قول مجاهد (٤٨) قال الزجاج: الشرعة والمنهاج جميعًا: الطريق، والطريق ههنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر.

قال: وقال بعضهم: الشرعة: الدين والمنهاج: الطريق (٤٩) وقال ابن الأنباري: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق الواضح كله المستمر، فصح النسق للمخالفة بينهما (٥٠) وهذا قول محمد بن يزيد.

حكاه الزجاج عنه (٥١) وأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ : سبيلًا وسنة (٥٢) (٥٣) وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك في تفسير الشرعة والمنهاج (٥٤) وأما معنى الآية فقال قتادة في قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ﴾ الخطاب للأمم الثلاث، أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد (عليهم السلام) (٥٥) (٥٦) ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ الآية [المائدة: 44]، ثم قال: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ ، ثم قال: ﴿لكلٍ (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال مجاهد: ﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ السبيل الجادة (٦٢) (٦٣) وعلى هذا القول المراد (بالشرعة) (٦٤)  وهو الذي جعل منهاجًا للكل وندب إليه الجميع، وليس المراد الإخبار عن اختلاف الشرائع، واختصاص كل أمة بشريعة، كما ذكره قتادة.

والقول الأول أظهر وعليه المفسرون، فقد قال مقاتل: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ﴾ يعني: من المسلمين وأهل الكتاب (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: لو شاء لجمعكم على الحق (٦٦) وقال الكلبي: ولو شاء (الله) (٦٧) (٦٨) ﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ .

ليختبركم فيما أعطاكم من الكتاب والسنن.

ومضى الكلام في ابتلاء الله عز وجل عند قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ .

قال مقاتل: (يقول) (٦٩) (٧٠) وقال الكلبي: يقول: سابقوا الأمم الماضية إلى السنن والفرائض والصالحات من الأعمال (٧١) والاستباق في اللغة بين اثنين، يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه كقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ  ﴾ يعني يوسف وصاحبته تبادر إلى الباب؛ فإن سبقها يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت هي أغلقت الباب لئلا يخرج يوسف (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ .

قال مقاتل: أنتم وأهل الكتاب ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ من الدين والفرائض والسنن (٧٣) (٧٤) وقال أهل المعاني: يعني أن الأمر سيؤول إلى ما تزول معه الشكوك بما يحصل من اليقين عند مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء باساءته (٧٥) (١) "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 481.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 370.

(٣) "تفسيره" 1/ 481.

(٤) "تفسيره" ص 181 بلفظ: شهيداً، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 266، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 65، "الدر المنثور" 2/ 513.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 266، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٧) انظر: "الدر المنثور" 2/ 513.

(٨) أخرج هذا القول لابن عباس: الطبري في "تفسيره" من طرق كثيرة في "جامع البيان" 6/ 266 - 267، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 168، "الدر المنثور" 2/ 512.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267.

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 513.

(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267.

(١٣) قول مجاهد أن المعنى: مؤتمن، "تفسيره" 1/ 198، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 26.

(١٤) في الطبري في "تفسيره" 6/ 267: الحسين، ولعله تصحيف.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267، وأبو علي في "الحجة" 1/ 229، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 65، و"زاد المسير" 2/ 371، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 74 - 75.

(١٦) وهي متقاربة من حيث المعنى.

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 180، "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 86، "معاني النحاس" 2/ 318، "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 180، وقد قال الأزهري مثل قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن).

(١٩) في "الزاهر" 1/ 86، 87.

(٢٠) المبيطر والبيطار: معالج الدواب.

انظر: "اللسان" 1/ 301 (بطر).

(٢١) في "الزاهر" 1/ 87: والمبيقر من قولهم: قد بيقر الرجل يبيقر بيقرة، إذا فسد.

(٢٢) عجز بيت لأمرئ القيس، وصدره: ألا هل أتاها والحوادث جمة "ديوانه" ص 62، "الزاهر" 1/ 87.

(٢٣) صدر بيت لأمرئ القيس من معلقته، وعجزه: من السيل والأغثاء فلكة مغزل "ديوانه" ص 122، "الزاهر" 1/ 87، "شرح القصائد المشهورات" 1/ 48، 49.

والأغثاء: ما يحيله السيل من الأشياء، وفكلة مغزل: أي أن الماء استدار حوله فصار كفلكة المغزل.

(٢٤) "الزاهر" 1/ 86، 87، وانظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 230، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، وما بعد ذلك فهو من تعليق المؤلف على ما يظهر، حيث إنه لا وجود له في "التهذيب"، والله أعلم.

(٢٦) لم أقف عليه، وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس وغيره نحوه.

(٢٧) البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3800، "اللسان" 8/ 4705 (همن)، والنطق أوساط الجبال العالية.

(٢٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3800 بتصرف، وانظر: "اللسان" 8/ 4705 (همن).

(٢٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 318، "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، "زاد المسير" 2/ 371، "اللسان" 13/ 437 (همن).

(٣٠) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 168.

(٣١) تقدمت ترجمته.

(٣٢) في "ديوانه" ص 35، لكن صدره: أخوات أمك قد علمت مكانها (٣٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 371، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قال: بحدود الله، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ .

"تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 269.

(٣٤) في (ج): (بالحق).

(٣٥) في (ج): بعد (ومنهاجا): ومنها، ولعلها زائدة أو تكرار لبعض كلمة: (منهاجا).

(٣٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 168، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، الطبري في "تفسيره" 6/ 269، "معاني النحاس" 2/ 319.

(٣٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1858.

(٣٨) "تهذيب اللغة" 2/ 1858.

(٣٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1858، وانظر: "الصحاح" 3/ 1236 (شرع).

(٤٠) انظر: "معاني النحاس" 2/ 319، "النكت والعيون" 2/ 1857.

(٤١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 269، "تهذيب اللغة" 3/ 1860، "الصحاح" 3/ 1236 (شرع).

(٤٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1858 (شرع).

(٤٣) من "تهذيب اللغة" 2/ 1858، وانظر: "العين" 1/ 252، 253.

(٤٤) في (ش): (إذا أوضح)، وما أثبته هو الموافق لـ"العين" 3/ 392.

(٤٥) "العين" 3/ 392، "تهذيب اللغة" 4/ 3672 (نهج)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 10/ 384.

(٤٦) هو عبد الرحمن بن بزرج -بضم الباء- عالم لغوي له مؤلفات وتعليقات أفاد منها الأزهري في "تهذيب اللغة"، وقد عده الأزهري من متأخري الطبقة الثانية من علماء اللغة الذين اعتمد عليهم في كتابه، ولم تذكر سنة وفاته.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3672 المقدمة، "إنباه الرواة" 2/ 161، "الإكمال" لابن ماكولا 1/ 155، 156.

(٤٧) "تهذيب اللغة" 4/ 3672، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 269.

(٤٨) قال مجاهد في تفسيرهما: الشرعة: السنة.

والمنهاج السبيل.

"تفسيره" 1/ 198، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 271 من طرق، وانظر: "النكت == والعيون" 2/ 45.

وقد ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 503 عن مجاهد أنه قال: الشرعة والمنهاج دين محمد  .

(٤٩) قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 2/ 1857، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 441، ولم أجد في "معاني القرآن" له شيئاً من ذلك.

(٥٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 372، "البحر المحيط" 3/ 503، "الدر المصون" 4/ 293.

(٥١) في "تهذيب اللغة" 2/ 1857 (شرع)، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 919، "زاد المسير" 2/ 372، "البحر المحيط" 3/ 503، "الدر المصون" 4/ 293.

(٥٢) "تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 270 - 271 من طرق، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45.

(٥٣) أخرج هذه الرواية الطبري في "تفسيره" 6/ 270 - 271 من طرق.

(٥٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 271 - 272، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45.

(٥٥) ساقط من (ج).

(٥٦) في (ش): (الشرائع).

(٥٧) في (ج): (ولكل).

(٥٨) في (ش): (التوراة).

(٥٩) في (ش): (الإنجيل).

(٦٠) في (ش): (القرآن).

(٦١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 899 مختصرًا، وأخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 270، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 66، "الدر المنثور" 2/ 513.

(٦٢) الجادة أي الطريق.

انظر: "اللسان" 1/ 561 - 562 (جدد).

(٦٣) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 270، وانظر: "زاد المسير" 2/ 373.

(٦٤) في (خ): (بالشرع).

(٦٥) "تفسيره" 1/ 481، 482.

(٦٦) "النكت والعيون" 2/ 45، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 478.

(٦٧) ساقط من (ج).

(٦٨) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 900 غير منسوب، ولم أقف عليه.

(٦٩) ساقط من (ج).

(٧٠) "تفسيره" 1/ 482، "زاد المسير" 2/ 374.

(٧١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(٧٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1620 (سبق).

(٧٣) بنحوه في "تفسيره" 1/ 482.

(٧٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(٧٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 272، "التفسير الكبير" 12/ 13.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قد تقدم معنى مصدق في البقرة، ولما بين يديه: يعني التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدق للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله، ومصدقاً: عطف على موضع قوله فيه هدى ونور، لأنه في موضع الحال ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ قال ابن عباس شاهداً، وقيل مؤتمناً ﴿ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ﴾ تضمن الكلام معنى: لا تنصرف أو لا تنحرف، ولذلك تعدى بعن ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ قال ابن عباس سبيلاً وسنة، والخطاب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الأمم، والمعنى أن الله جعل لكل أمة شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من قال: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وذلك في الأحكام والفروع، وأما الاعتقاد، فالدين فيها واحد لجميع العالم، وهو الإيمان بالله، وتوحيده وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخيرات ﴾ استدل به قوم على أن: تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلها، إلا الصلاة ففيها خلاف، فمذهب الشافعي أن تقديمها في أوّل وقتها أفضل، وعكس أبو حنيفة، وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل، واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

قد ذكرناه، أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: مؤتمنا عليه.

والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه.

وعن الحسن قال: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ مصدقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها.

والقتبي قال: أميناً عليه.

وأبو عوسجة قال: مسلطاً عليه.

وقيل: مفسراً يفسر التفسير.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب.

وفيه إثبات رسالته  ، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقاً لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف.

قال ابن عباس -  - ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله  في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم.

﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ قولهم: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحداً لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحداً منهم لم يرضوا إلا القود؛ فأنزل الله -  -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ وهو القتل، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...

﴾ \[الآية\].

فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك.

أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام.

أو أن هووا في بعضٍ على غير ما شرع، وفي بعضٍ: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة [عند] من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهي الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله  وَمَنِّهِ.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ].

قال ابن عباس -  -: "الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة.

وقال: "المنهاج: السنة، [والشرعة: هي السبيل"].

وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء.

وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافراً ولا مشركاً، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.

وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات.

ويحتمل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .

أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ .

وأصل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ ، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً...

﴾ الآية [سبأ: 11].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

نهى رسوله -  - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيما ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم.

ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدراً، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.

ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ ، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل الله إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .

[قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : فإن أعرضوا] عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.

وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذاباً بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .

وقال آخرون: روي عن ابن عباس -  - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن.

يعني: بني النضير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً  ﴾ .

أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن بالصدق الذي لا شك ولا ريب أنه من عند الله، مصدقًا لما سبقه من الكتب المنزلة، ومؤتمَنًا عليها، فما فقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل، فاحكم بين الناس بما أنزل الله عليك فيه، ولا تتبع أهواءهم التي أخذوا بها، تاركًا ما أنزل عليك من الحق الذي لا شك فيه، وقد جعلنا لكل أمة شريعة من الأحكام العملية وطريقة واضحة يهتدون بها، ولو شاء الله توحيد الشرائع لوحَّدها، ولكنه جعل لكل أمة شريعة؛ ليختبر الجميع فيظهر المطيع من العاصي، فسارعوا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، فإلى الله وحده رجوعكم يوم القيامة، وسينبئكم بما كنتم تختلفون فيه، وسيجازيكم على ما قدمتم من أعمال.

<div class="verse-tafsir" id="91.gEgKv"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله