الآية ٥٣ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٣ من سورة المائدة

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقد اختلف القراء في هذا الحرف ، فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله : ( ويقول الذين ) ثم منهم من رفع ( ويقول ) على الابتداء ، ومنهم من نصب عطفا على قوله : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) تقديره " أن يأتي " " وأن يقول " ، وقرأ أهل المدينة : ( يقول الذين آمنوا ) بغير واو ، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير قال ابن جريج عن مجاهد : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) حينئذ ( ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات ، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين ، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي ، فآوي إليه وأتهود معه ، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث!

وقال الآخر : وأما أنا فأذهب إلى فلان النصراني بالشام ، فآوي إليه وأتنصر معه ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) الآيات .

وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فسألوه : ماذا هو صانع بنا؟

فأشار بيده إلى حلقه ، أي : إنه الذبح .

رواه ابن جرير .

وقيل : نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول كما قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا ابن إدريس قال : سمعت أبي عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود ، وأتولى الله ورسوله .

فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي : " يا أبا الحباب ، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه " .

قال : قد قبلت!

فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [ بعضهم أولياء بعض ] ) إلى قوله : ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) .

ثم قال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال : لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر !

فقال مالك بن الصيف : أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال!!

أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم ، لم يكن لكم يد بقتالنا فقال عبادة : يا رسول الله ، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم ، كثيرا سلاحهم ، شديدة شوكتهم ، وإني أبرأ إلى الله [ تعالى ] وإلى رسوله من ولاية يهود ولا مولى لي إلا الله ورسوله .

فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أبرأ من ولاء يهود أنا رجل لا بد لي منهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه؟

" فقال : إذا أقبل!

قال : فأنزل الله : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) إلى قوله : ( والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] .

وقال محمد بن إسحاق : فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو قينقاع .

فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم ، فقال : يا محمد أحسن في موالي .

وكانوا حلفاء الخزرج قال : فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد أحسن في موالي .

قال : فأعرض عنه .

فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم .

" أرسلني " .

وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي لوجهه ظللا ثم قال : " ويحك أرسلني " .

قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر ، وثلاثمائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة؟!

إني امرؤ أخشى الدوائر ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم لك " قال محمد بن إسحاق : فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم ، وقال : يا رسول الله ، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم .

ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) إلى قوله : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) [ المائدة : 56 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " قد كنت أنهاك عن حب يهود " .

فقال عبد الله : فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات .

وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ويقول الذين آمنوا ".

فقرأتها قرأة أهل المدينة: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ) بغير " واو ".

* * * وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون، إذا أتى الله بالفتح أو أمرٍ من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنون تعجُّبًا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسمُوا لنا بالله إنهم لمعنا، وهم كاذبون في أيمانهم لنا؟

وهذا المعنى قصَد مجاهد في تأويله ذلك، الذي:- 12176 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ، حينئذ،" يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ".

* * * وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير " واو ".

(28) وقرأ ذلك بعض البصريين: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ونصب " يقول " عطفًا به على فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ .

وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول: إنما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا= ومحالٌ غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: " وعسى الله أن يقول الذين آمنوا "، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: " أكلت خبزًا ولبنًا "، كقول الشاعر: وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (29) * * * فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يُديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين= وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله كذبًا جهدَ أيمانهم إنهم لمعكم؟

* * * وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) * * * وقرأ ذلك قرأة الكوفيين ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ورفع " يقول "، بالاستقبال والسلامة من الجوازم و النواصب.

* * * وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا= فيبتدئ" يقول " فيرفعها.

* * * قال أبو جعفر: وقراءتنا التي نحن عليها " وَيَقُولُ" بإثبات " الواو " في " ويقول "، لأنها كذلك هي في مصاحِفِنا مصاحف أهل المشرق، بالواو، وبرفع " يقول " على الابتداء.

* * * فتأويل الكلام= إذْ كانت القراءة عندنا على ما وصفنا (30) =: فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حَلَفوا لنا بالله جهد أيمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟

* * * يقول لله تعالى ذكره، مخبرًا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم=" حبطت أعمالهم "، يقول: ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرضٌ واجب، ولا على صِحّة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرَها، إذ لم تكن له (31) =" فأصبحوا خاسرين "، يقول: فأصبح هؤلاء المنافقون، عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر، قد وُكِسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم، وهَلَكوا.

(32) ----------------- الهوامش : (28) انظر معاني القرآن للفراء 1: 313.

(29) مضى تخريجه في 1: 140 ، 265/6: 423.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "إذ كان القراءة" ، والجيد ما أثبت.

(31) انظر تفسير"حبط" فيما سلف 9: 592 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(32) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: 224 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويقول الذين آمنوا وقرأ أهل المدينة وأهل الشام : " يقول " بغير واو ، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : " ويقول " بالواو والنصب عطفا على " أن يأتي " عند أكثر النحويين ، التقدير : فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول ، وقيل : هو عطف على المعنى ; لأن معنى عسى الله أن يأتي بالفتح وعسى أن يأتي الله بالفتح ; إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو ; لأنه لا يصح المعنى إذا قلت وعسى زيد أن يقوم عمرو ، ولكن لو قلت : عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا .

فإذا قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن ; لأنه يصير التقدير : عسى أن يأتي وعسى أن يقوم ، ويكون من باب قوله :ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحاوفيه قول ثالث : وهو أن تعطفه على الفتح ; كما قال الشاعر :للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوفويجوز أن يجعل أن يأتي بدلا من اسم الله جل ذكره ; فيصير التقدير : عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا ، وقرأ الكوفيون ويقول الذين آمنوا بالرفع على القطع من الأول .

( أهؤلاء ) إشارة إلى المنافقين .

( أقسموا بالله ) حلفوا واجتهدوا في الأيمان ( إنهم لمعكم ) أي : قالوا إنهم ، ويجوز " أنهم " نصب ب أقسموا أي : قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد ، ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض ; أي : هؤلاء الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم .

حبطت أعمالهم بطلت بنفاقهم .

فأصبحوا خاسرين أي : خاسرين الثواب ، وقيل : خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ْ} متعجبين من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: { أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ْ} أي: حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم الذي ظنوه بالإسلام وأهله -باطلا، فبطل كيدهم وبطلت { أَعْمَالُهُمْ ْ} في الدنيا { فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ْ} حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( و ) حينئذ ، ( ويقول الذين آمنوا ) [ قرأ أهل الكوفة : " ويقول " بالواو والرفع ] وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على ) ( أن يأتي ) أي : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام ، وكذلك هو في مصاحف أهل [ العالية ] استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها ، يعني يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين ( أهؤلاء الذين أقسموا بالله ) حلفوا بالله ، ) ( جهد أيمانهم ) أي : حلفوا بأغلظ الأيمان ، ) ( إنهم لمعكم ) أي : إنهم مؤمنون ، يريد : أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل .

قال الله تعالى : ) ( حبطت أعمالهم ) بطل كل خير عملوه ، ) ( فأصبحوا خاسرين ) خسروا الدنيا بافتضاحهم ، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقولُ» بالرفع استئنافا بواو ودونها وبالنصب عطفا على يأتي «الذين آمنوا» لبعضهم إذا هتك سترهم تعجبا «أهؤلاء الذين أقسموا بالله جَهد أيمانهم» غاية اجتهادهم فيها «إنهم لمعكم» في الدين قال تعالى: «حبطت» بطلت «أعمالهم» الصالحة «فأصبحوا» صاروا «خاسرين» الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحينئذ يقول بعض المؤمنين لبعض مُتعجِّبين من حال المنافقين -إذا كُشِف أمرهم-: أهؤلاء الذين أقسموا بأغلظ الأيمان إنهم لَمَعَنا؟!

بطلت أعمال المنافقين التي عملوها في الدنيا، فلا ثواب لهم عليها؛ لأنهم عملوها على غير إيمان، فخسروا الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل الإِنكار لمسالك المنافقين الخبيثة وتوبيخهم على ضعف إيمانهم ، وهوان نفوسهم فقال - تعالى : ( وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ) .قال الآلوسي : قوله : ( وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ ) كلام مستأنف لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة : - وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي بإثبات الواو مع الرفع .وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بياني ، كأنه قيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟

.وقرأ أبو عمرو ويعقوب : ويقول بالنصب عطفا على ( فَيُصْبِحُواْ ) .وقوله : ( جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) أي : أقوى أيمانهم وأغلظها .

والجهد : الوسع والطاقة والمشقة .يقال جهد نفسه يجهدها في الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه .

والمراد : أنهم أكدوا الإِيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق .والمعنى : ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض مستنكرين ما صدر عن المنافقين من خداع وكذب ، ومتعجبين من ذبذبتهم والتوائهم : يقولون مشيرين إلى المنافقين : أهؤلاء الذين أقسموا بالله مؤكدين إيمانهم بأقوى المؤكدات وأوثقها ، بأن يكونوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنا في ولايتهم ونصرتهم ومعونتهم ..

.

؟فالاستفهام للإِنكار والتعجيب من أحوال هؤلاء المنافقين الذين مردوا على الخداع والكذب .وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر في معنى ويقول الذين آمنوا فقال : فإن قلت : لمن يقولون هذا القول؟

قلت : إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم ، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإِخلاص ( أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ ) لكم بأغلظ الإِيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار .وإما أن يقولوه لليهود ، لأنهم - أي المنافقون - حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم ( وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ) ثم خذلوهم - ، :وعلى كلا الوجهين فالجملة الكريمة تنعى على المنافقين كذبهم وجبنهم ، وتعجب الناس من طباعهم الذميمة ، وأخلاقهم المرذولة .وقوله : ( حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ) أي : فسدت أعمالهم وبطلت فصابروا خاسرين في الدنيا والآخرة .ويحتمل أن تكون هذه الجملة مما حكاه الله - تعالى - من قول المؤمنين ويحتمل أنها من كلام الله - تعالى - وقد ساقها على سبيل الحكم عليهم بفساد أعمالهم ، وسوء مصيرهم .هذا ، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على ضرورب من توكيد النهي عن موالاة أعداء الله - تعالى - بأساليب متعددة .منها : النهي الصريح كما في قوله - تعالى - : ( لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ ) .ومنها : بيان علة الني كما في قوله : ( بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ) .ومنها : التصريح بأن من يواليهم فهو منهم وذلك في قوله : ( وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) .ومنها : تسجيل الظلم على من يواليهم كما في قوله : ( إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) .ومنها : الإِخبار بأن موالاتهم من طبيعة الذين في قلوبهم مرض قال - تعالى - : ( فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ) .ومنها : قطع أطماع الموالين لهم وتبشير المؤمنين بالفوز قال - تعالى - : ( فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ) .ومنها : الإِخبار عن حال الموالين لهم بقوله : ( حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ) .وهنا قد يرد سؤال وهو : إن الآيات الكريمة وما يشبهها من الآيات القرآنية تؤكد النهي عن موالاة غير المسلمين ومودتهم فهل هذا النهي على إطلاقه؟والجواب عن ذلك أن غير المسلمين أقسام ثلاثة : القسم الأول : وهم الذين يعيشون مع المسلميلن ويسالمونهم ، ولا يعملون لحساب غيرهم؛ ولم يبدر منهم ما يفضي إلى سوء الظن بهم وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولا مانع من مودتهم والإِحسان إليهم كما في قوله - تعالى - ( لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) والقسم الثاني : وهم الذين يقاتلون المسلمين ، ويسيئون إليهم بشتى الطرق وهؤلاء لا تصح مصافاتهم ، ولا تجوز موالاتهم ، وهم الذين عناهم الله في الآيات التي معنا وفيما يشبهها من آيات كما في قوله - تعالى -( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين قَاتَلُوكُمْ فِي الدين وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ على إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فأولئك هُمُ الظالمون ) والقسم الثالث : قوم لا يعلنون العداوة لنا ولكن القرائن تدل على أنهم لا يبحبوننا بل يحبون أعداءنا ، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون أن نعتدي .ومهما تكن أحوال غير المسلمين؛ فإنه لا يجوز لولي الأمر المسلم أن يوكل إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية .

أو أن يتخذهم بطانة له بحيث يطلعون على الأمور التي يؤدي إفشاؤها إلى خسارة الأمة في السلم أو الحرب .وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى ، عقب ذلك بنداء آخر وجهه إليهم ، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء الله قد تجر إلى الارتداد عن الدين ، وأنهم إن ارتدوا فسوف يأتي الله بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم ، وإن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم الله ولرسوله وللمؤمنين فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ﴿ يِقُولُ ﴾ بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام، والباقون بالواو، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق.

قال الواحدي رحمه الله: وحذف الواو هاهنا كإثباتها، وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإن الموصوف بقوله: ﴿ يسارعون فِيهِمْ  ﴾ هم الذين قال فيهم المؤمنون ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله ﴾ فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو وبغير الواو، ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو، ثم قال: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ فأدخل الواو، فدل ذلك على أن حذف الواو وذكرها جائز.

وقال صاحب الكشاف حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟

فقيل: يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا.

واختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر، فقرأ أبو عمرو ﴿ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ ﴾ نصبا على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وأما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو.

المسألة الثانية: الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، والمعنى ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى، فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة، فإنه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم.

وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تراءى ناراهما» ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله: وروي: أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم ﴿ يسارعون فِيهِمْ ﴾ ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لي من موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأُوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بني قينقاع.

﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين ﴿ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحري أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء.

وقيل أو أمر من عنده: أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم.

وقيل: أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب.

فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب ﴿ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ ﴾ قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتي.

وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت: وقرئ: ﴿ يقول ﴾ : بغير واو، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟

فقيل: يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا.

فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟

قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ ﴾ لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.

وإمّا أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة.

كما حكى الله عنهم ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ [الحشر: 11] .

﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ من جملة قول المؤمنين، أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس.

وفيه معنى التعجيب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم!

فما أخسرهم!

أو من قول الله عزّ وجلّ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالرَّفْعِ قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ، وبِالنَّصْبِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى داخِلًا في اسْمِ عَسى مُغْنِيًا عَنِ الخَبَرِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحَدَثِ، أوْ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ وبِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإتْيانَ بِما يُوجِبُهُ كالإتْيانِ بِهِ.

﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ ﴾ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَبَجُّحًا بِما مَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الإخْلاصِ أوْ يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لَهم بِالمُعاضَدَةِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ وجَهْدُ الأيْمانِ أغْلَظُها، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ يُجْهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَهُ ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُها مَعْرِفَةً أوْ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقْسَمُوا.

﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ ﴾ إمّا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَهادَةً لَهم بِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويقول الذين آمنوا} أي يقول بعضهم لبعض عند ذلك ويقول بصري عطفاً على أن يأتي يقول بغير واو شامي وحجازي على أنه جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ فقيل يقول الذين آمنوا {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم

المائدة (٥٣ _ ٥٥)

ومعاضدوكم على الكفار وجهد أيمانهم مصدر في تقدير الحال أي مجتهدين في توكيد أيمانهم {حَبِطَتْ أعمالهم} ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيماناً وعقيدة وهذا من قول الله عزوجل شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيباً من سوء حالهم {فَأَصْبَحُواْ خاسرين} في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ، عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: ( ويَقُولَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( فَيُصْبِحُوا ) وقِيلَ: عَلى ( أنْ يَأْتِيَ ) بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: عَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِإسْنادِ ( يَأْتِيَ ) إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ ضَمِيرِهِ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ لِأنَّ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى ) أوْ مَفْعُولِها يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ، أوْ لِيُجْرى عَلى اسْتِعْمالِهِ، ولا ضَمِيرَ فِيهِ هُنا ولا ما يُغْنِي عَنْهُ، وفي صُورَةِ العَطْفِ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَكُونُ ( عَسى ) تامَّةً لِإسْنادِها إلى ( أنْ ) وما في حَيِّزِها، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى ضَمِيرٍ، وهَذا - كَما قِيلَ - قَرِيبٌ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِذَلِكَ دُونَهُ تَأدُّبًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ( أنْ يَأْتِيَ ) بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والعَطْفُ عَلى البَدَلِ و( عَسى ) تامَّةٌ أيْضًا - كَما صَرَّحَ بِهِ الفارِسِيُّ - وبَعْضُهم يَجْعَلُ العَطْفَ عَلى خَبَرِ ( عَسى )، ويُقَدِّرُ ضَمِيرًا، أيْ: ( ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بِهِ، وذَهَبَ ابْنُ النَّحّاسِ إلى أنَّ العَطْفَ عَلى الفَتْحِ، وهو نَظِيرُ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وهو لا يَجُوزُ، وبِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ، وهو رَكِيكٌ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الإجْزاءِ بِالفِعْلِ والإجْزاءِ بِالتَّقْدِيرِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ عَسى اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْتِيَ بِما يُوجِبُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النُّصْرَةِ المُظْهِرَةِ لِحالِهِمْ.

واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما قَدَّمْناهُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ مَؤُونَةِ تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ ( فَتُصْبِحُوا ) كَما عَلِمْتَ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَأْتِيَ ) والفاءُ كافِيَةٌ فِيهِ عَنِ الضَّمِيرِ، فَتَكْفِي عَنِ الضَّمِيرِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُتَعاطِفَيْنِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولا حاجَةَ - مَعَ هَذا - إلى القَوْلِ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّرَجِّي إجْراءً لَهُ مَجْرى التَّمَنِّي - كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ - لِأنَّ هَذا إنَّما يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، بِخِلافِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ، مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ، الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهُمْ، ويَرْجُونَ دَوْلَتَهُمْ، ويُظْهِرُونَ لَهم غايَةَ المَحَبَّةِ، وعَدَمَ المُفارَقَةِ عَنْهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ - عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ تَخْيِبَةَ رَجائِهِمْ وانْعِكاسَ تَقْدِيرِهِمْ لِوُقُوعِ ضِدِّ ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ ويَتَعالَوْنَ بِهِ - تَعْجِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن حالِهِمْ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ - كَما قالُوهُ - فِيما حُكِيَ عَنْهُمْ: ( وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم ) فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْكارُ ما فَعَلُوهُ واسْتِعْبادُهُ، وتَخْطِئَتُهم في ذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَعْنى: يَقُولُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ تَعالى لِلْيَهُودِ ﴿ إنَّهم لَمَعَكُمْ ﴾ والخِطابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْيَهُودِ، إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى الثّانِي مِن جِهَةِ المُقْسِمِينَ.

وفِي البَحْرِ أنَّ الخِطابَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مَن حالَ المُنافِقِينَ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لَهُمْ، وأقْسَمُوا أنَّهم مَعَكُمْ، وأنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى أعْدائِكُمُ اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ أظْهَرُوا ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاتِهِمْ والتَّمالِئِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ عَطاءٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وجُمْلَةُ ( إنَّهم لَمَعَكم ) لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّها تَفْسِيرٌ وحِكايَةٌ لِمَعْنى ( أقْسَمُوا ) لَكِنْ لا بِألْفاظِهِمْ، وإلّا لَقِيلَ: إنّا مَعَكُمْ، وذَكَرَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ ولَيُفْعَلَنَّ ( وجَهْدَ أيْمانِهِمْ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ( أقْسَمُوا ) مِن مَعْناهُ، والمَعْنى أقْسَمُوا إقْسامًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، أوْ هو حالٌ بِتَأْوِيلِ مُجْتَهِدِينَ، وأصْلُهُ يَجْتَهِدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، فالحالُ في الحَقِيقَةِ الجُمْلَةُ، ولِذا ساغَ كَوْنُهُ حالًا، كَقَوْلِهِمُ: افْعَلْ ذَلِكَ جَهْدَكَ، مَعَ أنَّ الحالَ حَقُّها التَّنْكِيرُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حالًا بِحَسَبِ الأصْلِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا يُبالى بِتَعْرِيفِ الحالِ هُنا؛ لِأنَّها في التَّأْوِيلِ نَكِرَةٌ، وهو مُسْتَعارٌ مِن ( جَهَدَ نَفْسَهُ ) إذا بَلَغَ وُسْعَها، فَحاصِلُ المَعْنى: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أكَّدُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها.

﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ مَآلِ ما صَنَعُوهُ مِنِ ادِّعاءِ الوِلايَةِ والقَسَمِ عَلى المَعِيَّةِ في كُلِّ حالٍ إثْرَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالِاسْتِفْهامِ، وأنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُجْعَلَ خَبَرًا ثانِيًا لِاسْمِ الإشارَةِ، وقَدْ قالَ بِجَوازِ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى ﴾ أوْ يُجْعَلَ هو الخَبَرَ، والمَوْصُولُ مَعَ ما في حَيِّزِ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، فالِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهُمْ!

فَما أخْسَرَهُمْ!

والمَعْنى: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في شَأْنِ مُوالاتِكم وسَعَوْا في ذَلِكَ سَعْيًا بَلِيغًا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَكم دَوْلَةٌ كَما ظَنُّوا فَيَنْتَفِعُوا بِما صَنَعُوا مِنَ المَساعِي وتَحَمَّلُوا مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ إذا كانَتْ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالقَوْلِ بِتَقْدِيرِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ: ماذا قالَ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ كَلامِهِمْ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: قالُوا: ( حَبِطَتْ أعْمالُهم ) إلَخْ، والجُمْلَةُ إمّا إخْبارِيَّةٌ وشَهادَةُ المُؤْمِنِينَ بِمَضْمُونِها عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ خُسْرانًا دُنْيَوِيًّا، وذَهابُ الأعْمالِ بِلا نَفْعٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها هو ما أمَّلُوهُ مِن دَوْلَةِ اليَهُودِ مِمّا لا إشْكالَ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرًا أُخْرَوِيًّا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِن حالِ المُنافِقِينَ في ارْتِكابِ ما ارْتَكَبُوا، وأنْ تَكُونَ بِاعْتِبارِ إخْبارِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وإمّا جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ ولاضَيْرَ في الدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأشْعَرَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ في الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعَجُّبِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّهُ بَعِيدٌ عِنْدَ مَن يَتَدَبَّرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ في العون والنصرة، وذلك أنه لما كانت وقعة أحد، خاف أناس من المسلمين أن يظهر عليهم الكفار، فأراد من كانت بينه وبين النصارى واليهود صحبة أن يتولوهم ويعاقدوهم.

فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ يعني: معيناً وناصراً، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني: بعضهم على دين بعض، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يعني: من اتخذ منهم أولياء، فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يعني على دينهم ومعهم في النار.

ثم قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم إلى الحجة.

ويقال لا يرشدهم ما لم يجتهدوا، ويقصدوا الإسلام.

ثم بين حال المنافقين.

فقال: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: شرك ونفاق يُسارِعُونَ فِيهِمْ يقول: يبادرون في معاونتهم ومعاقدتهم وولايتهم، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يعني: ظهور المشركين.

ويقال: شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم.

ويقال: نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم.

قال الله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: نصر محمد  الذي أيسوا منه أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير.

ويقال: الفتح أي: فتح مكة أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: الخصب.

وقال القتبي: الفتح أن يفتح المغلق.

ثم قال: النصرة فتح، لأن النصرة يفتح الله بها أمراً مغلقاً، كقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ [النساء: 141] وكقوله فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: إظهار نفاقهم، فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من النفاق، نادِمِينَ لأن المنافقين لما رأوا من أمر بني قريظة والنضير ندموا على ما قالوا.

ثم قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: في ذلك الوقت الذي يظهر نفاقهم، هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يقول: إذا حلفوا بالله فهو جهد اليمين.

إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ على دينكم.

قرأ نافع وابن كثير وابن عامر يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بغير واو، ومعناه: أن الله تعالى لما بيّن حال المنافقين، بيّن على أثره حال المؤمنين.

فقال تعالى: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: قال الذين آمنوا بعضهم لبعض.

وقرأ أهل الكوفة حمزة وعاصم والكسائي وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالواو وضم اللام ومعناه: عسى الله أن يأتي بالفتح، ويندم المنافقون، ويقول الذين آمنوا عند ذلك هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وقرأ أبو عمرو وَيَقُولُ بالواو ونصب اللام، عطفاً على قوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ وعسى أن يقول الذين آمنوا.

ثم قال تعالى: حَبِطَتْ يعني: بطلت أَعْمالُهُمْ يعني: المنافقين الذين كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين وعلى دينهم، ولم يكونوا معهم حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا ثواب لهم في الآخرة فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ يعني: صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا له مراراً: احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك.

وقوله سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا، فَاعْلَمْ ...

الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة.

وقال الفَخْر «١» : وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض- كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاعْلَمْ ...

الآية: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم.

وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ/ لَفاسِقُونَ: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ.

وقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان «٢» ، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً، أي: لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ من أكثر مخالطة هذين الصّنفين، فله

حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قينقاع، أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِماً، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ وهبتُهُمْ لك «١» ، ونزلَتِ الآية في ذلك.

وقوله عزَّ وجلَّ: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة.

وقوله سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ: المعنى: فترى يا محمد، الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ.

وقوله تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ- عليه السلام-، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك.

وقوله سبحانه: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، وهو ظهور نبيه- عليه السلام-، وعلوّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ.

وقرأ ابن الزُّبَيْر «٢» : «فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادمين» .

وقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، قرأ «٣» نافعٌ وغيره: «يَقُولُ» - بغير واو-، وقرأ حمزة وغيره: «وَيَقُولُ» ، وقرأ أبو عمرو وحْده:

«وَيَقُولَ» - بالواو، ونصبِ اللامِ- فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم الله تعالى، فحينئذ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، بِنَصْبِ اللّامِ عَلى مَعْنى: وعَسى أنْ يَقُولَ.

ورَفَعَهُ الباقُونَ، فَجَعَلُوا الكَلامَ مُسْتَأْنَفًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ يَقُولُ: بِغَيْرِ واوٍ، مَعَ رَفْعِ اللّامِ، وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا أجْلى رَسُولُ اللَّهِ  بَنِي النَّضِيرِ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وجَعَلُوا يَتَأسَّفُونَ عَلى فِراقِهِمْ، وجَعَلَ المُنافِقُ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ المُؤْمِنِ إذا رَآهُ جادًّا في مُعاداةِ اليَهُودِ: أهَذا جَزاؤُهم مِنكَ، طالَ واللَّهِ ما أشْبَعُوا بَطْنَكَ؟

فَلَمّا قُتِلَتْ قُرَيْظَةُ، لَمْ يُطِقْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ سَتْرَ ما في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: أرْبَعُمِئَةٍ حُصِدُوا في لَيْلَةٍ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ما قَدْ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ، قالُوا: ﴿ أهَؤُلاءِ ﴾ يَعْنُونَ المُنافِقِينَ ﴿ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ » قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْلَظُوا في الأيْمانِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: جَهْدُ أيْمانِهِمْ: القَسَمُ بِاللَّهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْتَهَدُوا في المُبالَغَةِ في اليَمِينِ ﴿ إنَّهم لَمَعَكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ بِنِفاقِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهُ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ اِخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ ونافِعٌ: "يَقُولُ"؛ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ؛ وبِرَفْعِ اللامِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ؛ ومَكَّةَ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "وَيَقُولُ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ؛ وَقالَ الطَبَرِيُّ: كَذَلِكَ هي في مَصاحِفِنا؛ مَصاحِفِ أهْلِ الشَرْقِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "وَيَقُولَ"؛ بِإثْباتِ الواوِ؛ وبِنَصْبِ اللامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ والرَفْعَ في اللامِ؛ فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ فَمُتَعاضِدَةٌ مَعَ قِراءَةِ حَمْزَةَ ؛ والكِسائِيِّ ؛ لِأنَّ الواوَ لَيْسَتْ عاطِفَةَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ؛ مُشْرِكَةً في العامِلِ؛ وإنَّما هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وواصِلَةٌ بَيْنَهُما؛ والجُمْلَتانِ مُتَّصِلَتانِ بِغَيْرِ واوٍ؛ إذْ في الجُمْلَةِ الثانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ؛ وقالُوا: نَخْشى؛ ويُصْبِحُونَ نادِمِينَ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ فَلَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ هَكَذا حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ؛ وبِغَيْرِ الواوِ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ  ﴾ ؛ لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ؛ اكْتُفِيَ بِذَلِكَ عَنِ الواوِ؛ وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ؛ ولَوْ دَخَلَتِ الواوُ؛ فَقِيلَ: "وَهم فِيها خالِدُونَ"؛ كانَ حَسَنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ بَراعَةَ الفَصاحَةِ في الإيجازِ؛ ويَدُلُّ عَلى حُسْنِ دُخُولِ الواوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ  ﴾ ؛ فَحَذْفُ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ كَحَذْفِها مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ وإلْحاقِها في قَوْلِهِ "ثامِنُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو إذا جاءَ الفَتْحُ؛ وحَصَلَتْ نَدامَةُ المُنافِقِينَ؛ وفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى؛ فَحِينَئِذٍ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ قَوْلِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ﴿ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ  ﴾ ؛ وعِنْدَ أفْعالِهِمْ ما فَعَلُوا في حِكايَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ فَظَهَرَ فِيها سِرُّهُمْ؛ وفُهِمَ مِنهم أنَّ تَمَسُّكَهم بِهِمْ إنَّما هو إرْصادٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ فَمَقَتَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ؛ وتَرَكَ النَبِيُّ بَنِي قَيْنُقاعٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَغْبَةً في المَصْلَحَةِ والأُلْفَةِ؛ وبِحُكْمِ إظْهارِ عَبْدِ اللهِ أنَّ ذَلِكَ هو الرَأْيُ مِن نَفْسِهِ؛ وأنَّ الدَوائِرَ الَّتِي يَخافُ إنَّما هي ما يُخَرِّبُ المَدِينَةَ؛ وعَلِمَ المُؤْمِنُونَ؛ وكُلٌّ فَطِنَ أنَّ عَبْدَ اللهِ في ذَلِكَ بِخِلافِ ما أبْدى؛ فَصارَ ذَلِكَ مَوْطِنًا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ.

وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: "وَيَقُولَ" بِنَصْبِ اللامِ فَلا يُتَّجَهُ مَعَها أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ؛ وظُهُورِ نَدامَةِ المُنافِقِينَ؛ وفَضِيحَتِهِمْ؛ لِأنَّ الواوَ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ؛ مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ وتَوَجُّهُ عَطْفِ "وَيَقُولَ"؛ مُطَّرِدٌ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ؛ أحَدُها: عَلى المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ  ﴾ ؛ إنَّما المَعْنى فِيهِ: "فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بِعَطْفِ قَوْلِهِ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "يَأْتِيَ"؛ اِعْتِمادًا عَلى المَعْنى؛ وإلّا فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ: اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ  ﴾ ؛ لَما كانَ المَعْنى: "أخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ؛ أصَّدَّقْ"؛ وحُمِلَ "وَأكُنْ"؛ عَلى الجَزْمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى في قَوْلِهِ: "فَأصَّدَّقَ"؛ والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ"؛ بَدَلًا مِنَ اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كَما أُبْدِلَ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ  ﴾ ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ "وَيَقُولَ"؛ عَلى: "أنْ يَأْتِيَ"؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ قُلْتَ: "عَسى أنْ يَأْتِيَ"؛ والوَجْهُ الثالِثُ: أنْ يُعْطَفَ قَوْلُهُ: "وَيَقُولَ"؛ عَلى "فَيُصْبِحُوا"؛ إذْ هو فِعْلٌ مَنصُوبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي؛ إذْ قَوْلُهُ: "عَسى اللهُ"؛ تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ؛ وفي هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ؛ وكَذَلِكَ عِنْدِي في مَنعِهِمْ جَوازِ: "عَسى اللهُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ"؛ نَظَرٌ؛ إذِ اللهُ تَعالى يُصَيِّرُهم يَقُولُونَ بِنَصْرِهِ؛ وإظْهارِ دِينِهِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى المَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ ؛ نُصِبَ "جَهْدَ"؛ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ هُمُ المُقْسِمُونَ بِاجْتِهادٍ مِنهم في الأيْمانِ: إنَّهم لَمَعَكُمْ؟

ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ الآنَ مِنهم مِن مُوالاةِ اليَهُودِ؛ وخَذْلِ الشَرِيعَةِ ما يُكَذِّبُ إيمانَهُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ؛ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ بِما حَصَلَ في اعْتِقادِهِمْ؛ إذْ رَأوُا المُنافِقِينَ في هَذِهِ الأحْوالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ؛ إمّا مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ وإمّا مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وحَبِطَ العَمَلُ: إذا بَطَلَ بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًا؛ وقَدْ يُقالُ: "حَبِطَ"؛ في عَمَلِ الكُفّارِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يُتَحَصَّلْ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حَبِطَتْ"؛ بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ أبُو واقِدٍ؛ والجَرّاحُ: بِفَتْحِ الباءِ؛ وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ فِيها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ: نَزَلَتِ الآيَةُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ والإشارَةُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمْ إلى أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابِهِ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِدَّةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ اللهَ وعَدَ هَذِهِ الأُمَّةَ: مَنِ ارْتَدَّ مِنها فَإنَّهُ يَجِيءُ بِقَوْمٍ يَنْصُرُونَ الدِينَ؛ ويُغْنُونَ عَنِ المُرْتَدِّينَ؛ فَكانَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وأصْحابُهُ مِمَّنْ صَدَقَ فِيهِمُ الخَبَرُ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ وكَذَلِكَ هو عِنْدِي أمْرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَعَ الخَوارِجِ؛ ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأها النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» يَعْنِي أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِياضٌ؛ وقالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أنا وقَوْمِي هم يا رَسُولَ اللهِ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا؛ ولَكِنَّهم قَوْمُ هَذا"؛ وأشارَ إلى أبِي مُوسى»؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: اَلْإشارَةُ إلى أهْلِ اليَمَنِ؛ وقالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي قَوْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ هم قَوْمُ أبِي مُوسى ؛ ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ مُخاطَبَةُ جَمِيعِ مَن حَضَرَ عَصْرَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ لَهُمْ؛ والعِتابِ والتَوَعُّدِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْإشارَةُ بِالقَوْمِ إلى الأنْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الحاضِرِينَ؛ يَعُمُّ مُؤْمِنَهم ومُنافِقَهُمْ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ والإشارَةُ بِالِارْتِدادِ إلى المُنافِقِينَ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن نافَقَ وارْتَدَّ فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأنْصارِ يَحْمُونَ الشَرِيعَةَ؛ ويَسُدُّ اللهُ بِهِمْ كُلَّ ثَلْمٍ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يَرْتَدَّ"؛ بِإدْغامِ الدالِ في الدالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَرْتَدِدْ"؛ بِتَرْكِ الإدْغامِ؛ وهَذِهِ لُغَةُ الحِجازِ "مَكَّةَ وما جاوَرَها"؛ والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُتَذَلِّلِينَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ غَيْرِ مُتَكَبِّرِينَ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "اَلْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلَظاءَ عَلى الكافِرِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الرَدِّ عَلى المُنافِقِينَ في أنَّهم كانُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَلامَةِ الأخْلاقِ والمَعارِفِ مِنَ الكُفّارِ؛ ويُراعُونَ أمْرَهُمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾ ؛ اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ القَوْمِ يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهُمْ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في مَعْنى مَحَبَّةِ اللهِ لِلْعَبْدِ؛ وأنَّها إظْهارُ النِعَمِ المُنْبِئَةِ عن رِضاهُ عنهُ؛ وإلْباسُهُ إيّاها؛ و"واسِعٌ"؛ مَعْناهُ: ذُو سَعَةٍ فِيما يَمْلِكُ ويُعْطِي ويُنْعِمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تهيّأت نفوس المؤمنين لقبول النّهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليبَ الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى ﴾ الآية، لأنّ الولاية تنبنِي على الوفاق والوئام والصّلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبُعد ما بين الأخلاق الدّينيّة، ولإضمارهم الكَيد للمسلمين.

وجرّد النّهي هنا عن التّعليل والتّوجيه اكتفاء بما تقدّم.

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وسبب النّهي هو ما وقع من اليهود، ولكن لمّا أريد النّهي لم يُقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنّهم مأذونون في موالاة النّصارى، فلدفع ذلك عطف النّصارى على اليهود هنا، لأنّ السبب الدّاعي لعدم الموالاة واحد في الفريقين، وهو اختلاف الدّين والنفرةُ الناشئة عن تكذيبهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم فالنّصارى وإن لم تجئ منهم يومئذٍ أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وُجد داعيها.

وفي هذا ما ينبّه على وجه الجمع بين النّهي هنا عن موالاة النّصارى وبين قوله فيما سيأتي ﴿ وليتجِدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82].

ولا شكّ أنّ الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قُربَهَا، وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب.

وعن السُدّي أنّ بعض المسلمين بعْد يوم أحُد عزم أن يوالي يهودياً، وأنّ آخر عزم أن يوالي تصرانياً كما سيأتي، فيكون ذكر النّصارى غير إدماج.

وعقّبه بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ أي أنّهم أجدر بولاية بعضهم بعضاً، أي بولاية كلّ فريق منهم بعض أهللِ فريقِه، لأنّ كلّ فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم، وليس المعنى أنّ اليهودَ أولياء النّصارى.

وتنوين ﴿ بعضٍ ﴾ تنوين عوض، أي أولياء بعضهم.

وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما.

والولاية هنا ولاية المودّة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث، ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النّصراني والعكس أخذاً بقول النّبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ لا يتوارث أهل ملّتين ﴾ .

وقال الشّافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملّة واحدة أخذاً بظاهر هذه الآية، وهو مذهب داوود.

وقوله: ﴿ ومن يتَولّهم منكم فإنّه منهم ﴾ ، (مَن) شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولاّهم يصير واحداً منهم.

جعل ولايتهم موجّبة كونَ المتولّي منهم، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخولٌ في ملّتهم، لأنّ معنى البعضية هنا لا يستقيم إلاّ بالكون في دينهم.

ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين: إمّا بحمل الولاية في قوله: ﴿ ومن يتولّهُم ﴾ على الولاية الكاملة الّتي هي الرّضى بدينهم والطعنُ في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطيّة: ومن تولاّهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار.

وأمّا بتأويل قوله: ﴿ فإنّه منهم ﴾ على التشبيه البليغ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب.

قال ابن عطيّة: من تولاّهم بأفعاله من العَضْد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم اه.

وهذا الإجمال في قوله: ﴿ فإنّه منهم ﴾ مبالغة في التّحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية، فالله لم يرض من المسلمين يومئذٍ بأن يتولّوا اليهود والنّصارى، لأنّ ذلك يلبسهم بالمنافقين، وقد كان أمر المسلمين يومئذٍ ي حيرة إذ كان حولهم المنافقُون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعيّن لحفظ الجامعة التّجرّد عن كلّ ما تتطرّق مِنه الرّبية إليهم.

وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم، وهو مراتب في القُوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين.

وأعظم هذه المراتب القضية الّتي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة الّتي سئل عنها فقهاء غرناطة: محمد الموّاق، ومحمد بن الأزرق، وعليّ بن داوود، ومحمد الجعدالة، ومحمد الفخار، وعليّ القلصادي، وأبو حامد بن الحسن، ومحمد بن سرحونة، ومحمد المشذّالي، وعبد الله الزليجي، ومحمد الحذام، وأحمد بن عبد الجليل، ومحمد بن فتح، ومحمد بن عبد البرّ، وأحمد البقني، عن عصابة من قُواد الأندلس، وفرسانهم لَجَأُوا إلى صاحب قشتالة (بلاد النصارى) بعد كائنة (اللَّسانة) كذا واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبْل جواره وسكنوا أرض النّصارى فهل يحلّ لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأوُوهم.

فأجابوا بأنّ رُكونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى: ﴿ ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ﴾ فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرّين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم.

فاستِدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدلّ على أنّهم تأوّلوها على معنى أنّه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الّذي فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظمُ أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر.

وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها.

ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلاً، وهو المعاملة.

وقد عامَل النّبيء صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر، وقد بيّنّا شيئاً من تفصيل هذا عند قوله تعالى: ﴿ لا يَتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ في سورة آل عمران (28).

وجملة إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين} تذييل للنّهي، وعموم القوم الظّالمين شمل اليهود والنّصارى، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أنّ اليهودَ والنّصارى من القوم الظّالمين بطريق الكناية.

والمراد بالظّالمين الكافرون.

وقوله: ﴿ فترى الّذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وقعت في حضرته.

والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ في سورة البقرة (10).

أطلق عليه مرض لأنّه كفر مفسد للإيمان.

والمسارعة تقدّم شرحها في قوله تعالى: ﴿ لا يحْزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41].

وفي المجرور مضاف محذوف دلّت عليه القرينة، لأنّ المسارعة لا تكون في الذوات، فالمعنى: يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم.

والقولُ الواقع في ﴿ يقولون نَخشى ﴾ قولُ لسان لأنّ عبد الله بن أبيّ بنَ سلول قال ذلك، حسبما رُوي عن عطيّة الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر أوبعد وقعة أحُد وأنّها نزلت حين عزم رسول الله على قتال بني قينقاع.

وكان بنو قينقاع أحلافاً لعبد الله بن أبي بن سلول ولعُبادة بن الصامت، فلمّا رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال: يا رسول الله إنّي أبرأ إلى الله من حِلف يهود وولائهم ولا أوالي إلاّ الله ورسولَه، وكان عبد الله بن أبيّ حاضراً فقال: أمَّا أنا فلا أبرأ من حلفهم فإنّي لا بدّ لي منهم إنّي رجل أخاف الدّوائر.

ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ ، قولاً نفسياً، أي يقولون في أنفسهم.

فالدّائرة المخشيّة هي خشية انتقاض المسلمين على المنافقين، فيكون هذا القول من المرض الّذي في قلوبهم، وعن السديّ: أنّه لمّا وقع انهزام يوم أحُد فزع المسلمون وقال بعضهم: نأخذ من اليهود حلفاً ليُعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش.

وقال رجل: إنّي ذاهب إلى اليهود فلان فآوي إليه وأتهوّدُ معه.

وقال آخر: إنّي ذاهب إلى فلان النّصراني بالشّام فآوي إليه وأتنصّر معه، فنزلت الآية.

فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلّة الثّقة بنصر الله، وعلى هذا فهذه الآية تقدّم نزولها قبل نزول هذه السورة، فإمّا أعيد نزولها، وإمّا أمر بوضعها في هذا الموضع.

والظاهر أنّ قوله ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين ﴾ يؤيّد الرواية الأولى، ويؤيّد مَحملنا فيها: أنّ القول قول نفسيّ.

والدائرة اسم فاعل من دار إذا عَكس سيره، فالدائرة تغيّر الحال، وغلب إطلاقها على تغيّر الحال من خير إلى شرّ، ودوائر الدّهر: نُوبه ودولُه، قال تعالى: ﴿ ويتربّص بكم الدوائر ﴾ [التوبة: 98] أي تبدّل حالكم من نصر إلى هزيمة.

وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿ عليهم دائرة السَّوْء ﴾ [الفتح: 6] إنّ إضافة (دائرة) إلى (السَّوْء) إضافة بيان.

قال أبو عليّ الفارسي: لو لم تُضف الدائرة إلى السَّوْء عرف منها معناه.

وأصل تأنيثها للمرّة ثمّ غلبت على التغيّر مُلازمة لصبغة التّأنيث.

وقوله: ﴿ يقول الّذين آمنوا ﴾ قرأه الجمهور ﴿ يقول ﴾ بدون واو في أوّله على أنّه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل: ماذا يقول الّذين آمنوا حينئذٍ.

أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهنَ اليهود يقول الّذين آمنوا وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ﴿ ويَقول ﴾ بالواو وبرفع ﴿ يقول ﴾ عطفاً على ﴿ فعسى الله ﴾ ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بالواو أيضاً وبنصب ﴿ يقول ﴾ عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

والاستفهام في ﴿ أهؤلاء ﴾ مستعمل في التعجّب من نفاقهم.

و ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى طائفة مقدّرة الحصول يومَ حصول الفتح، وهي طائفة الّذين في قلوبهم مرض.

والظاهر أنّ ﴿ الّذين ﴾ هو الخبر عن ﴿ هؤلاء ﴾ لأنّ الاستفهام للتّعجب، ومحلّ العجب هو قَسمَهم أنّهم معهم، وقد دلّ هذا التعجّب على أنّ المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين.

وجَهْدُ الأيمان بفتح الجيم أقواها وأغلظها، وحقيقة الجَهد التعب والمشقّة ومنتهى الطاقة، وفِعله كمنع.

ثم أطلق على أشدِّ الفعللِ ونهاية قوّته لِمَا بَيْن الشدّة والمشقّة من الملازمة، وشاع ذلك في كلامهم ثُمّ استعمل في الآية في معنى أوْكَدِ الأيمان وأغظلها، أي أقسموا أقوى قَسَم، وذلك بالتّوكيد والتّكرير ونحو ذلك ممّا يغلّظ به اليمين عُرفاً.

ولم أر إطلاق الجَهد على هذا المعنى فيما قبلَ القرآن.

وانتصبَ ﴿ جَهدَ ﴾ على المفعولية المطلقة لأنّه بإضافته إلى «الأيمان» صار من نوع اليمين فكان مفعولاً مطلقاً مبيّناً للنّوع.

وفي «الكشاف» في سورة النّور جعله مصدراً بدلاً من فعله وجعل التّقدير: أقسموا بالله يجهدون أيمانَهم جَهداً، فلمّا حذف الفعل وجعل المفعول المطلق عوضاً عنه قدّم المفعول المطلق على المفعول به وأضيف إليه.

وجملة ﴿ حَبِطت أعمالهم ﴾ استئناف، سواء كانت من كلام الّذين آمنوا فتكون من المحكي بالقَول، أم كانت من كلام الله تعالى فلا تكونه.

وحبطت معناه تلِفت وفسَدت، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدّنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، حِينَ تَبَرَّأ عُبادَةُ مِن حِلْفِ اليَهُودِ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ حِينَ ظَهَرَتْ عَداوَتُهم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لا أتَبَرَّأُ مِن حِلْفِهِمْ وأخافُ الدَّوائِرَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ  إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ أطاعُوا بِالنُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ أشارَ إلى حَلْقِهِ إلَيْهِمْ أنَّهُ الذَّبْحُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ، أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ خافا مِن وقْعَةِ أُحُدٍ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ألْحَقُ بِاليَهُودِ وأتَهَوَّدُ مَعَهم، وقالَ الآخَرُ: ألْحَقُ بِالنَّصارى فَأتَنَصَّرُ مَعَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُما أمانًا مِن إدالَةِ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُوالاتُهم في العَهْدِ فَإنَّهُ مِنهم في مُخالَفَةِ الأمْرِ.

والثّانِي: مُوالاتُهم في الدِّينِ فَإنَّهُ مِنهم في حُكْمِ الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَرَضَ الشَّكُّ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: النِّفاقُ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَعْنِيُّ بِهِ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ سَلُولَ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ.

﴿ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ﴾ والدّائِرَةُ الدَّوْلَةُ تَرْجِعُ عَمَّنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ إلى مَن كانَتْ لَهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدُورُ إلَيْهِ بَعْدَ زَوالِها عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَرُدُّ عَنّا القَدَرَ المَقْدُورا ودائِراتِ الدَّهْرِ أنْ تَدُورا ﴿ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ فَتْحَ مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القَضاءُ الفَصْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو دُونَ الفَتْحِ الأعْظَمِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَوْتُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ.

الثّالِثُ والرّابِعُ: أنَّهُ الجِزْيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ كعبد الله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في ولايتهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ قال: هم المنافقون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم اياهم ﴿ يقولون نخشى ﴾ أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ على الناس عامة ﴿ أو أمر من عنده ﴾ خاصة للمنافقين ﴿ فيصبحوا ﴾ المنافقون ﴿ على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من شأن يهود ﴿ نادمين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: شك ﴿ يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ والدائرة ظهور المشركين عليهم ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ فتح مكة ﴿ أو أمر من عنده ﴾ قال: والأمر هو الجزية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: أناس من المنافقين كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.

قال الله تعالى ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ أي بالقضاء ﴿ أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ﴾ .

وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو.

انه سمع ابن الزبير يقرأ «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موادتهم اليهود ومن غمهم الإسلام وأهله نادمين» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو.

أنه سمع ابن الزبير يقرأ «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين» قال عمر: ولا أدري كانت قراءته أم فسر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، اختلفوا في إدخال الواو في (يقول) فقرأ أهل الحجاز والشام: (يقول) بغير واو (١) (٢) ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ الآية، فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى، حسن العطف بالواو وبغير الواو، كما أن قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ ، لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو؛ لأنها بملابسة بعضها ببعض ترتبط إحداهما (٣) ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ .

فحذف الواو من قوله: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كحذفها من قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ سَادِسُهُمْ ﴾ وإلحاقها كإلحاقها في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ ، وقد جاء التنزيل بالأمرين في غير موضع (٤) ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نصباً على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا (٥) ويدل على قوة الرفع قولُ من حذف الواو فقال: (يقول الذين آمنوا) (٦) قال الزجاج: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت، أي: في وقت يظهر الله نفاقهم (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَهَؤُلَاءِ ﴾ ، يعني: المنافقين، قاله ابن عباس، والكلبي (٨) ﴿ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ ، قال عطاء: حلفوا ﴿ بِاللهِ ﴾ بأغلظ الأيمان (٩) ﴿ جَهْدَ ﴾ لأنه مصدر، أي: جهدوا جهد أيمانهم، وقال أبو إسحاق: أي: يقول المؤمنون للذين باطنهم وظاهرهم واحد: أهؤلاء الذين حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون، وأنهم معكم وأعوانكم على من خالفكم.

﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ أي: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ  ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: "خسروا الدنيا والآخرة، أما الدنيا فليس هم من الأنصار، وأما الآخرة فقرنهم الله مع الكفار" (١٢) وقال الكلبي: ﴿ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴾ مغبونين بأنفسهم ومنازلهم في الجنة، وصاروا إلى النار، وورثها المؤمنون (١٣) (١) قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 229، "النشر" 2/ 254.

(٢) قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر، انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 229، "النشر" 2/ 254.

(٣) في (ج) و (ش): (إحديهما).

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 231 - 232.

(٥) انظر: "الحجة" 3/ 231.

(٦) "الحجة" 3/ 231.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 69.

(٨) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117، انظر: "زاد المسير" 2/ 381.

(٩) ساقه المؤلف في الوسيط 2/ 198 ابتداء دون نسبة.

وكذا البغوي 3/ 69، ونسبه ابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 380 لابن عباس.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، 182، انظر: "بحر العلوم" 1/ 443، "تفسير البغوي" 3/ 69.

(١١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) لم أقف عليه، انظر: "الوسيط" 2/ 198.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ ﴾ قرئ: يقولُ: بغير واو استئناف وإخبار، وقرئ بالواو والرفع وهو عطف جملة على جملة، وبالواو والنصب عطفاً على أن يأتي الله، أو عطفاً على فيصبحوا ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ ﴾ الإشارة إلى المنافقين، لأنهم كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين، وانتصب جهدَ أيمانهم على المصدر المؤكد ﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، أو من كلام الله، ويحتمل أن يكون دعاء أو خبراً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وجوهاً: يحتمل: لا تتخذوا أولياء في الدين، أي: لا تدينوا بدينهم؛ فإنكم إذا دنتم بدينهم صرتم أولياءهم.

ويحتمل: لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر والمعونة صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد كفروا، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 118] نهاهم أن يتخذوا أولئك موضع سرهم وخفياتهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

والثالث: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ في المكسب والدنيا؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك لا بد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء؛ فذلك مما يفسقهم، ويجرح شهادتهم، فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.

وفي الآية دلالة أن الكفر كله ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم ونحلهم؛ فالواجب أن يرث بعضهم بعضاً؛ كقوله -  -: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ كما أن أهل الإسلام يرث بعضهم بعضاً، وإن اختلفت مذاهبهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ الآية؟!

وليس ذلك بداخل في قول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ لما عليه الآية: أنهم كلهم ملة واحدة، ولكن أحداً منهم لا يرث المسلم ولا يرثهم المسلم؛ لقول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ فالإسلام ملة: ملة حق، والكفر ملة: ملة باطل، ولا نرثهم ولا يرثوننا، وما روي: "لاَ نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ يَرِثُونَنَا إِلاَّ أَنْ يَرِثَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَيَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَلاَ يَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا" فما يرث عبده أو أمته، ليس بميراث؛ إنما هو ملك كان يملكه قبل موته؛ فعلى ذلك بعد موته، وروي [عن النبي صلى الله عليه سلم:] "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ الكَافِر المُسْلِمَ" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا: الولاية في الدين، والولاية في النصر والمعونة؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم الدنيا والآخرة، أو الولاية في المكسب والدنيا؛ فيصيرون منهم في حكم الدنيا، والله أعلم.

فإن قيل: أليس يرث المسلم المرتد، وقد قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ : أخبر أن من تولاهم من المسلمين صار منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف وُرِثَ من صار منهم من المسلمين؟!: قيل: معنى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ في الدين والكفر، لا في الحكم والحقوق؛ لأن المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة؛ وإنما الملة ما يُقَرُّ عليها أهلها؛ ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن كانوا أقرباء، فلو كانت النصرانية له ملة ورثه أهلها؛ لأنا نعلم أن النصارى يرث بعضهم بعضاً؛ فلمَّا لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في الميراث حكم الملة التي يجبر على الرجوع إليها، وعلى ذلك جاءت الآثار عن الصحابة: روي عن علي -  - أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فأبى؛ فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين.

وعن عبد الله بن مسعود -  - كذلك.

وروي عن زيد بن ثابت مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

وهم المنافقون؛ كقوله -  -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ ، وهو وصف المنافقين.

﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : كانوا يظهرون الموافقة للمسلمين؛ خوفاً منهم، وفي السر مع الكفرة؛ لأنهم كانوا أهل ريب وشك، ولا دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر محمد  وريب، ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : لعل محمداً لا ينصر ولا يتم أمره؛ فأسروا في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ لما كاوا يسمعون رسول الله  بعد النصر والظفر للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال الله - عز جل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ...

﴾ الآية [النساء: 143]، وكانوا ينتظرون النصر والظفر؛ فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر؛ فيقولون للمؤمنين إن كان الظفر لهم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ ، وإن كان للكافرين فيقولون: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ ﴾ .

أي: بالنصر: نصر محمد  والظفر له على أعدائه، وفتح البلدان والأمصار له، وإظهار دينه: دين الإسلام؛ على ما روي أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وعلى ما فتح له البلدان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ ﴾ .

قيل: عذاب أولئك الكفرة وهلاكهم في الدنيا.

﴿ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة؛ لما أصابهم من العذاب.

﴿ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : في الدنيا من المودة لهم، والعداوة للمؤمنين، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ من حيث يسمع أهل الإسلام ذلك منهم؛ دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك بالله؛ وكذلك بما أخبر من الوعد بالنصر له والظفر، ثم كان على ما أخبره ووعد؛ دل أنه خبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق قتلوا وافتضحوا؛ كقوله -  -: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ  ﴾ ، قال المؤمنون عند ذلك: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ .

وقد كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويحلفون [بالله] على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة، والمودة للكفرة؛ كقوله -  -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ  ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك، فذلك معنى قوله: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .

أي: حبطت أعمالهم التي عملوها قبل إسرار ما أسروا في أنفسهم إذ أسروا ذلك، ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ ، أي: صاروا خاسرين بعد الافتضاح؛ حيث ذهبت منافعهم التي كانت لهم قبل الافتضاح وظهور نفاقهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : التي عملوا ظاهراً؛ مراءاة للناس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول المؤمنون متعجبين من حال هؤلاء المنافقين: أهؤلاء الذين حلفوا مؤكدين أيمانهم: إنهم لمعكم -أيها المؤمنون- في الإيمان والنصرة والموالاة؟!

بطلت أعمالهم، فأصبحوا خاسرين بفوات مقصودهم، وما أعد لهم من عذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.wVmZx"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله