الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 444 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال كثيرون من السلف : قوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) معناه وأنتم محدثون .
وقال آخرون : إذا قمتم من النوم إلى الصلاة ، وكلاهما قريب .
وقال آخرون : بل المعنى أعم من ذلك ، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة ، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب ، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب .
وقد قيل : إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ .
قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه ، وصلى الصلوات بوضوء واحد .
فقال له عمر : يا رسول الله ، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟
قال : " إني عمدا فعلته يا عمر .
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ووقع في سنن ابن ماجه ، عن سفيان عن محارب بن دثار - بدل علقمة بن مرثد - كلاهما عن سليمان بن بريدة به وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عباد بن موسى ، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي ، حدثنا الفضل بن المبشر قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد ، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين .
فقلت : أبا عبد الله ، شيء تصنعه برأيك؟
قال : بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه ، فأنا أصنعه ، كما رأيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يصنع .
وكذا رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن توبة عن زياد البكائي به وقال أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال : قلت له : أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر ، عمن هو؟
قال : حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب ; أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر بن الغسيل حدثها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء ، إلا من حدث .
فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ، كان يفعله حتى مات .
وكذا رواه أبو داود ، عن محمد بن عوف الحمصي ، عن أحمد بن خالد الذهبي ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ثم قال أبو داود : ورواه إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق فقال : عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد .
وأيا ما كان فهو إسناد صحيح ، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان ، فزال محذور التدليس .
لكن قال الحافظ ابن عساكر : رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، به ، والله أعلم .
وفي فعل ابن عمر هذا ، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك ، كما هو مذهب الجمهور .
.
وقال ابن جرير : حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، حدثنا أزهر عن ابن عون ، عن ابن سيرين : أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة سمعت مسعود بن علي الشيباني ، سمعت عكرمة يقول : كان علي رضي الله عنه ، يتوضأ عند كل صلاة ، ويقرأ هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) الآية .
وحدثنا ابن المثنى ، حدثني وهب بن جرير ، أخبرنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة قال : رأيت عليا صلى الظهر ، ثم قعد للناس في الرحبة ، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه ، ثم مسح برأسه ورجليه ، وقال هذا وضوء من لم يحدث .
وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم ; أن عليا اكتال من حب ، فتوضأ وضوءا فيه تجوز فقال : هذا وضوء من لم يحدث " .
وهذه طرق جيدة عن علي [ رضي الله عنه ] يقوي بعضها بعضا .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد عن أنس قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز ، خفيفا ، فقال هذا وضوء من لم يحدث .
وهذا إسناد صحيح .
وقال محمد بن سيرين : كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة .
وأما ما رواه أبو داود الطيالسي ، عن أبي هلال ، عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال : الوضوء من غير حدث اعتداء .
فهو غريب عن سعيد بن المسيب ، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد ، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان عن عمرو بن عامر الأنصاري ، سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ، قال : قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون؟
قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث .
وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر به .
وقال ابن جرير : حدثني أبو سعيد البغدادي ، حدثنا إسحاق بن منصور ، عن هريم عن عبد الرحمن بن زياد - هو الإفريقي - عن أبي غطيف ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " .
ورواه أيضا من حديث عيسى بن يونس ، عن الإفريقي عن أبي غطيف ، عن ابن عمر ، فذكره ، وفيه قصة .
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الإفريقي به نحوه وقال الترمذي : وهو إسناد ضعيف .
قال ابن جرير : وقد قال قوم : إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة ، دون غيرها من الأعمال ; وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ .
حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان عن جابر ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ، ونسلم عليه فلا يرد علينا ، حتى نزلت آية الرخصة : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) الآية .
ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم عن أبي كريب ، به نحوه .
وهو حديث غريب جدا وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ، ضعفوه .
وقال أبو داود : حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء ، فقدم إليه طعام ، فقالوا : ألا نأتيك بوضوء .
فقال : " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة .
وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع والنسائي عن زياد بن أيوب ، عن إسماعيل - وهو ابن علية - به وقال الترمذي : هذا حديث حسن .
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن الحويرث ، عن ابن عباس قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الخلاء ، ثم إنه رجع فأتي بطعام ، فقيل : يا رسول الله ، ألا تتوضأ؟
فقال : " لم؟
أأصلي فأتوضأ؟
" .
وقوله : ( فاغسلوا وجوهكم ) قد استدل طائفة من العلماء بقوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) على وجوب النية في الوضوء ; لأن تقدير الكلام : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها " ، كما تقول العرب : " إذا رأيت الأمير فقم " أي : له .
وقد ثبت في الصحيحين حديث : " الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " .
ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه ; لما ورد في الحديث من طرق جيدة ، عن جماعة من الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " .
ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم ; لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا استيقظ أحدكم من نومه ، فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " .
وحد الوجه عند الفقهاء : ما بين منابت شعر الرأس - ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم - إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، وفي النزعتين والتحذيف خلاف ، هل هما من الرأس أو الوجه ، وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان ، أحدهما : أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة .
وروي في حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا مغطيا لحيته ، فقال : " اكشفها ، فإن اللحية من الوجه " وقال مجاهد : هي من الوجه ، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته : طلع وجهه .
ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثة ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا إسرائيل عن عامر بن شقيق بن جمرة ، عن أبي وائل قال : رأيت عثمان توضأ - فذكر الحديث - قال : وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الذي رأيتموني فعلت .
رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي : حسن صحيح ، وحسنه البخاري .
وقال أبو داود : حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا أبو المليح ، حدثنا الوليد بن زوران عن أنس بن مالك ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه ، يخلل به لحيته ، وقال : " هكذا أمرني به ربي عز وجل .
تفرد به أبو داود وقد روي هذا من غير وجه عن أنس .
قال البيهقي : وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عن علي وغيره ، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي ، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحاح وغيرها : أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق ، فاختلف الأئمة في ذلك : هل هما واجبان في الوضوء والغسل ، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ، رحمه الله؟
أو مستحبان فيهما ، كما هو مذهب الشافعي ومالك؟
لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة ، عن رفاعة بن رافع الزرقي ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته : " توضأ كما أمرك الله " أو يجبان في الغسل دون الوضوء ، كما هو مذهب أبي حنيفة ؟
أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد لما ثبت في الصحيحين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ فليستنثر " وفي رواية : " إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر " والانتثار : هو المبالغة في الاستنشاق .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ; أنه توضأ فغسل وجهه ، ثم أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر ، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا ، يعني أضافها إلى يده الأخرى ، فغسل بهما وجهه .
ثم أخذ غرفة من ماء ، فغسل بها يده اليمنى ، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى ، ثم مسح رأسه ، ثم أخذ غرفة من ماء ، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها ، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني يتوضأ .
ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم ، عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ، به .
وقوله : ( وأيديكم إلى المرافق ) أي : مع المرافق ، كما قال تعالى : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) [ النساء : 2 ] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي ، من طريق القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جده ، عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه .
ولكن القاسم هذا متروك الحديث ، وجده ضعيف ، والله أعلم .
ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد ليغسله مع ذراعيه ; لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " .
وفي صحيح مسلم : عن قتيبة عن خلف بن خليفة ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .
وقوله : ( وامسحوا برءوسكم ) اختلفوا في هذه " الباء " هل هي للإلصاق ، وهو الأظهر أو للتبعيض؟
وفيه نظر على قولين .
ومن الأصوليين من قال : هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة ، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه ، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟
فقال عبد الله بن زيد : نعم ، فدعا بوضوء ، فأفرغ على يديه ، فغسل يديه مرتين مرتين ، ثم مضمض واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ، ثم مسح بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، ثم غسل رجليه .
وفي حديث عبد خير ، عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا ، وروى أبو داود ، عن معاوية والمقدام بن معد يكرب ، في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .
ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس ، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل ، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن .
وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس ، وهو مقدار الناصية .
وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ، لا يتقدر ذلك بحد ، بل لو مسح بعض شعره من رأسه أجزأه .
واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة ، قال : تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه ، فلما قضى حاجته قال : " هل معك ماء؟
" فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة ، فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته ، وعلى العمامة وعلى خفيه .
.
.
وذكر باقي الحديث ، وهو في صحيح مسلم وغيره .
فقال لهم أصحاب الإمام أحمد : إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة ، ونحن نقول بذلك ، وأنه يقع عن الموقع كما وردت بذلك أحاديث كثيرة ، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين ، فهذا أولى ، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة ، والله أعلم .
ثم اختلفوا في أنه : هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا ، كما هو المشهور من مذهب الشافعي أو إنما يستحب مسحة واحدة ، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه ، على قولين .
فقال عبد الرزاق : عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن حمران بن أبان قال : رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما ، ثم مضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ، ثم غسل اليسرى مثل ذلك ، ثم مسح برأسه ، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا ، ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم قال : " من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري به نحو هذا وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عن عثمان في صفة الوضوء : ومسح برأسه مرة واحدة ، وكذا من رواية عبد خير ، عن علي مثله .
واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ، عن عثمان رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضأ ثلاثا ثلاثا .
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا عبد الرحمن بن وردان ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، حدثني حمران قال : رأيت عثمان بن عفان توضأ .
فذكر نحوه ، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق ، قال فيه : ثم مسح رأسه ثلاثا ، ثم غسل رجليه ثلاثا ، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا ، وقال : " من توضأ دون هذا كفاه .
تفرد به أبو داود ثم قال : وأحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة .
وقوله : ( وأرجلكم إلى الكعبين ) قرئ : ( وأرجلكم ) بالنصب عطفا على ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا وهيب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس ; أنه قرأها : ( وأرجلكم ) يقول : رجعت إلى الغسل .
وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإبراهيم التيمي ، نحو ذلك .
وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل ، كما قاله السلف ، ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب كما هو مذهب الجمهور ، خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب ، بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ثم وجهه أجزأه ذلك ; لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء ، و " الواو " لا تدل على الترتيب .
وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقا ، فمنهم من قال : الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة ; لأنه مأمور به بفاء التعقيب ، وهي مقتضية للترتيب ، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولا ثم لا يجب الترتيب بعده ، بل القائل اثنان ، أحدهما : يوجب الترتيب ، كما هو واقع في الآية .
والآخر يقول : لا يجب الترتيب مطلقا ، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء ، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع ، حيث لا فارق .
ومنهم من قال : لا نسلم أن " الواو " لا تدل على الترتيب ، بل هي دالة - كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء .
ثم نقول - بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي - : هي دالة على الترتيب شرعا فيما من شأنه أن يرتب ، والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت ، خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) [ البقرة : 158 ] ثم قال : " ابدأ بما بدأ الله به " لفظ مسلم ولفظ النسائي : " ابدءوا بما بدأ الله به " .
وهذا لفظ أمر ، وإسناده صحيح ، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به ، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعا ، والله أعلم .
ومنهم من قال : لما ذكر تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب ، فقطع النظير عن النظير ، وأدخل الممسوح بين المغسولين ، دل ذلك على إرادة الترتيب .
ومنهم من قال : لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ، ثم قال : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " قالوا : فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبا فيجب الترتيب ، أو يكون توضأ غير مرتب فيجب عدم الترتيب ، ولا قائل به ، فوجب ما ذكره .
وأما القراءة الأخرى ، وهي قراءة من قرأ : ( وأرجلكم ) بالخفض .
فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين ; لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس .
وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح ، فقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا حميد قال : قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده : يا أبا حمزة ، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه ، فذكر الطهور ، فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم ، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ، وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه ، فاغسلوا بطونهما ، وظهورهما عراقيبهما ، فقال أنس : صدق الله وكذب الحجاج ، قال الله [ تعالى ] ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ) قال : وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما إسناد صحيح إليه .
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا عاصم الأحول ، عن أنس قال : نزل القرآن بالمسح ، والسنة الغسل .
وهذا أيضا إسناد صحيح .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا محمد بن قيس الخراساني ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : الوضوء غسلتان ومسحتان .
وكذا روى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبي ، حدثنا أبو معمر المنقري ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس : ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) قال : هو المسح .
ثم قال : وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر ، [ و ] محمد بن علي والحسن - في إحدى الروايات - وجابر بن زيد ومجاهد - في إحدى الروايات - نحوه .
وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب قال : رأيت عكرمة يمسح على رجليه ، قال : وكان يقوله .
وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب ، حدثنا ابن إدريس ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : نزل جبريل بالمسح .
ثم قال الشعبي : ألا ترى أن " التيمم " أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟
وحدثنا ابن أبي زياد ، حدثنا يزيد أخبرنا إسماعيل قلت لعامر : إن ناسا يقولون : إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟
فقال : نزل جبريل بالمسح .
فهذه آثار غريبة جدا ، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف ، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين .
وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام ، كما في قول العرب : " جحر ضب خرب " ، وكقوله تعالى : ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ) [ الإنسان : 21 ] وهذا سائغ ذائع ، في لغة العرب شائع .
ومنهم من قال : هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان ، قاله أبو عبد الله الشافعي ، رحمه الله .
ومنهم من قال : هي دالة على مسح الرجلين ، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف ، كما وردت به السنة .
وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضا ، لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها .
ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي ، حيث قال : أخبرنا أبو علي الروذباري ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري ، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي ، حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة ، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب ، أنه صلى الظهر ، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ، ثم أتي بكوز من ماء ، فأخذ منه حفنة واحدة ، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه ، ثم قام فشرب فضله وهو قائم ، ثم قال : إن ناسا يكرهون الشرب قائما ، وإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] صنع ما صنعت .
وقال : " هذا وضوء من لم يحدث " .
رواه البخاري في الصحيح ، عن آدم ببعض معناه .
ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف ، فقد ضل وأضل .
وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضا ، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث ، وأوجب مسحهما للآية ، فلم يحقق مذهبه في ذلك ، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء ; لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك ، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما ، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح ، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما ، فحكاه من حكاه كذلك ; ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل ، سواء تقدمه أو تأخر عليه ; لاندراجه فيه ، وإنما أراد الرجل ما ذكرته ، والله أعلم .
ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين ، في قوله : ( وأرجلكم ) خفضا على المسح وهو الدلك ونصبا على الغسل ، فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه .
ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه : قد تقدم في حديث أميري المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه ، إما مرة ، وإما مرتين ، أو ثلاثا ، على اختلاف رواياتهم .
وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ، ثم قال : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " .
وفي الصحيحين ، من رواية أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك ، عن عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ، صلاة العصر ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : " أسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار " .
وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار " .
وروى الليث بن سعد ، عن حيوة بن شريح ، عن عقبة بن مسلم ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " .
رواه البيهقي والحاكم وهذا إسناد صحيح .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق : أنه سمع سعيد بن أبي كرب - أو شعيب بن أبي كرب - قال : سمعت جابر بن عبد الله - وهو على جمل - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ويل للعراقيب من النار " .
وحدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن أبي كرب عن جابر بن عبد الله قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل منا مثل الدرهم لم يغسله ، فقال : " ويل للعقب من النار " .
ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن الأحوص عن أبي إسحاق ، عن سعيد به نحوه ، وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن سعيد بن أبي كرب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله .
ثم قال : حدثنا علي بن مسلم ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا حفص عن الأعمش عن أبي سفيان ، عن جابر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضئون ، لم يصب أعقابهم الماء ، فقال : " ويل للعراقيب من النار " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا أيوب بن عتبة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن معيقيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار " .
تفرد به أحمد .
وقال ابن جرير : حدثني علي بن عبد الأعلى ، حدثنا المحاربي عن مطرح بن يزيد ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار ، ويل للأعقاب من النار " .
قال : فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع ، إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما " .
وحدثنا أبو كريب ، حدثنا حسين عن زائدة عن ليث حدثني عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة - أو عن أخي أبي أمامة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر قوما يتوضئون وفي عقب أحدهم - أو : كعب أحدهم - مثل موضع الدرهم - أو : موضع الظفر - لم يمسه الماء ، فقال : " ويل للأعقاب من النار " .
قال : فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء أعاد وضوءه " .
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة ، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما ، أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه ; لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل ، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف ، وهكذا وجه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله .
وقد روى مسلم في صحيحه ، من طريق أبي الزبير ، عن جابر عن عمر بن الخطاب ; أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ارجع فأحسن وضوءك " .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا جرير بن حازم : أنه سمع قتادة بن دعامة قال : حدثنا أنس بن مالك ; أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجع فأحسن وضوءك " .
وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه ، عن حرملة بن يحيى ، كلاهما عن ابن وهب به وهذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات ، لكن قال أبو داود : [ و ] ليس هذا الحديث بمعروف ، لم يروه إلا ابن وهب .
وحدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
.
.
بمعنى حديث قتادة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس ، حدثنا بقية حدثني بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء .
ورواه أبو داود من حديث بقية وزاد : " والصلاة " .
وهذا إسناد جيد قوي صحيح ، والله أعلم .
وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خلل بين أصابعه .
وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن الوضوء : فقال : " أسبغ الوضوء ، وخلل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال : قال أبو أمامة : حدثنا عمرو بن عبسة قال : قلت : يا نبي الله ، أخبرني عن الوضوء .
قال : " ما منكم من أحد يقرب وضوءه ، ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر ، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله ، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل ، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .
قال أبو أمامة : يا عمرو ، انظر ما تقول ، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟
فقال عمرو بن عبسة يا أبا أمامة ، لقد كبرت سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وما بي حاجة أن أكذب على الله ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ و ] لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا ، لقد سمعته [ منه ] سبع مرات أو أكثر من ذلك .
وهذا إسناد صحيح ، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر ، وفيه : " ثم يغسل قدميه كما أمره الله " .
فدل على أن القرآن يأمر بالغسل .
وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي ، عن الحارث عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال : اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم .
ومن هاهنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير ، عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قدميه الماء وهما في النعلين فدلكهما .
إنما أراد غسلا خفيفا وهما في النعلين ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها ، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين .
وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه ، وهو من روايته ، عن الأعمش عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما ، ثم دعا بماء فتوضأ ، ومسح على نعليه وهو حديث صحيح .
وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه .
قلت : ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان ، وعليهما نعلان .
وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى عن شعبة ، حدثني يعلى عن أبيه ، عن أوس بن أبي أوس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ، ثم قام إلى الصلاة .
وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما ، عن هشيم عن يعلى بن عطاء ، عن أبيه ، عن أوس بن أبي أوس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال ، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه .
وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم ثم قال : وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث ; إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه .
ولما كان القرآن آمرا بغسل الرجلين - كما في قراءة النصب ، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليها - توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين ، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، ولكن لم يصح إسناده ، ثم الثابت عنه خلافه ، وليس كما زعموه ، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة .
قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة ، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت .
تفرد به أحمد .
وفي الصحيحين ، من حديث الأعمش عن إبراهيم عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه ، فقيل : تفعل هذا؟
فقال : نعم ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ، ثم توضأ ومسح على خفيه .
قال الأعمش : قال إبراهيم : فكان يعجبهم هذا الحديث ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة .
لفظ مسلم .
وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولا منه وفعلا كما هو مقرر في كتاب " الأحكام الكبير " ، وما يحتاج إلى ذكره هناك ، من تأقيت المسح أو عدمه أو التفصيل فيه ، كما هو مبسوط في موضعه .
وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند ، بل بجهل وضلال ، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .
كما ثبت في الصحيحين عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة ، وهم يستبيحونها .
وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين ، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة ، وهم مخالفون لذلك كله ، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ، ولله الحمد .
وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين ، فعندهم أنهما في ظهر القدم ، فعندهم في كل رجل كعب ، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم .
قال الربيع : قال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان ، وهما مجمع مفصل الساق والقدم .
هذا لفظه .
فعند الأئمة ، رحمهم الله ، [ أن ] في كل قدم كعبين كما هو المعروف عند الناس ، وكما دلت عليه السنة ، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان ; أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ، واليسرى مثل ذلك .
وروى البخاري تعليقا مجزوما به وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه ، من رواية أبي القاسم الحسيني بن الحارث الجدلي ، عن النعمان بن بشير قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال : " أقيموا صفوفكم - ثلاثا - والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم " .
قال : فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه ، ومنكبه بمنكبه .
لفظ ابن خزيمة .
فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق ، حتى يحاذي كعب الآخر ، فدل ذلك على ما ذكرناه ، من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن موسى ، أخبرنا شريك عن يحيى بن عبد الله بن الحارث التيمي - يعني الجابر - قال : نظرت في قتلى أصحاب زيد فوجدت الكعب فوق ظهر القدم ، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم ، تنكيلا بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه .
وقوله : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء ، فلا حاجة بنا إلى إعادته ; لئلا يطول الكلام .
وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك ، لكن البخاري روى هاهنا حديثا خاصا بهذه الآية الكريمة ، فقال : حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه ، عن أبيه ، عن عائشة : سقطت قلادة لي بالبيداء ، ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل ، فثنى رأسه في حجري راقدا ، أقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة ، وقال : حبست الناس في قلادة ، فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أوجعني ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح ، فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) هذه الآية ، فقال أسيد بن الحضير لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ، ما أنتم إلا بركة لهم .
وقوله : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) أي : فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر ، بل أباح التيمم عند المرض ، وعند فقد الماء ، توسعة عليكم ورحمة بكم ، وجعله في حق من شرع الله يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه ، كما تقدم بيانه ، وكما هو مقرر في كتاب " الأحكام الكبير " .
وقوله : ( ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) أي : لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة ، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء ، بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة ، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن ، عن عقبة بن عامر قال : كانت علينا رعاية الإبل ، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي ، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس ، فأدركت من قوله : " ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه ، إلا وجبت له الجنة " .
قال : قلت : ما أجود هذه!
فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود منها .
فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه ، فقال : إني قد رأيتك جئت آنفا قال : " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو : فيسبغ - الوضوء ، يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء " .
لفظ مسلم .
وقال مالك : عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا توضأ العبد المسلم - أو : المؤمن - فغسل وجهه ، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو : مع آخر قطر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء - أو : مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو : مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب " .
رواه مسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، عن مالك به .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد ، عن كعب بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه - أو : ذراعيه - إلا خرجت خطاياه منهما ، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه ، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه ، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه " .
هذا لفظه .
وقد رواه الإمام أحمد ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة عن منصور عن سالم عن مرة بن كعب ، أو كعب بن مرة السلمي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإذا توضأ العبد فغسل يديه ، خرجت خطاياه من بين يديه ، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه ، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه ، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه " .
قال شعبة : ولم يذكر مسح الرأس .
وهذا إسناد صحيح .
وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قام إلى الصلاة ، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه " .
وروى مسلم في صحيحه ، من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن جده ممطور عن أبي مالك الأشعري ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها ، أو موبقها " .
وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور " .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه ، قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ، فسمعته يقول : " إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور ، ولا صدقة من غلول " .
وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، من حديث شعبة .
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر الصلاة , فاغسلوا وجوهكم بالماء , وأيديكم إلى المرافق .
ثم اختلف أهل التأويل في قوله : { إذا قمتم إلى الصلاة } أمراد به كل حال قام إليها , أو بعضها ؟
وأي أحوال القيام إليها ؟
فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه من أنه معني به بعض أحوال القيام إليها دون كل الأحوال , وأن الحال التي عنى بها حال القيام إليها على غير طهر .
ذكر من قال ذلك : 8857 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد الله , قال : سئل عكرمة عن قول الله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } فكل ساعة يتوضأ ؟
فقال : قال ابن عباس : لا وضوء إلا من حدث .
8858 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت مسعود بن علي الشيباني , قال : سمعت عكرمة , قال : كان سعد بن أبي وقاص يصلي الصلوات بوضوء واحد .
8859 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن مسعود بن علي , عن عكرمة , قال : كان سعد بن أبي وقاص يقول : صل بطهورك ما لم تحدث .
8860 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : أخبرنا سليم بن أخضر , قال : أخبرنا ابن عون عن محمد , قال : قلت لعبيدة السلماني : ما يوجب الوضوء ؟
قال : الحدث .
8861 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن واقع بن سحبان بن يزيد بن طريف أو طريف بن يزيد أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة , فتوضئوا فصلوا الظهر , فلما نودي بالعصر , قام رجال يتوضئون من دجلة , فقال : إنه لا وضوء إلا على من أحدث .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن طريف بن زياد - أو زياد بن طريف - عن واقع بن سحبان : أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر , ثم جلسوا حلقا على شاطئ دجلة , فنودي بالعصر , فقام رجال يتوضئون , فقال أبو موسى : لا وضوء إلا على من أحدث .
* - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن واقع بن سحبان , عن طريف بن يزيد - أو يزيد بن طريف - حدثنا قال : كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة فذكر نحوه .
* - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن واقع بن سحبان , عن طريف بن يزيد - أو يزيد بن طريف - عن أبي موسى , مثله .
8862 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا أبو خالد , قال : توضأت عند أبي العالية الظهر أو العصر , فقلت : أصلي بوضوئي هذا , فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العتمة ؟
قال أبو العالية : لا حرج .
وعلمنا : إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا .
8863 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا ابن هلال , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : الوضوء من غير حدث اعتداء .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو داود , قال ثنا أبو هلال , عن قتادة , عن سعيد , مثله .
8864 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية عن الأعمش , قال : رأيت إبراهيم صلى بوضوء واحد , الظهر والعصر والمغرب .
8865 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عثام , قال : ثنا الأعمش , قال : كنت مع يحيى , فأصلي الصلوات بوضوء واحد , قال : وإبراهيم مثل ذلك .
8866 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا يزيد بن إبراهيم , قال : سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد , فقال : لا بأس به ما لم يحدث .
8867 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضع , قال : ثنا عبيد , عن الضحاك , قال : يصلي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث .
8868 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال ثنا زائدة عن الأعمش , عن عمارة , قال : كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد .
8869 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } يقول : قمتم وأنتم على غير طهر .
8870 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن عمارة , عن الأسود : أنه كان له قعب قدر ري رجل , فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها .
8871 - حدثنا محمد بن عباد بن موسى , قال : أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي , قال : ثنا الفضل بن المبشر , قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد , فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين .
فقلت : أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك ؟
قال : بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه , فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع .
وقال آخرون : معنى ذلك : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة .
ذكر من قال ذلك : 8872 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني من سمع مالك بن أنس , يحدث عن زيد بن أسلم , قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } قال : يعني : إذا قمتم من النوم .
* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس , أخبره عن زيد بن أسلم , بمثله .
8873 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } قال : فقال : قمتم إلى الصلاة من النوم .
وقال آخرون : بل ذلك معني به كل حال قيام المرء إلى صلاته أن يجدد لها طهرا .
ذكر من قال ذلك : 8874 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن مسعود بن علي , قال : سألت عكرمة , قال : قلت يا أبا عبد الله , أتوضأ لصلاة الغداة ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر فأصلي ؟
قال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت مسعود بن علي الشيباني , قال : سمعت عكرمة يقول : كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة , ويقرأ هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } الآية .
8875 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا أزهر , عن ابن عون , عن ابن سيرين : أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة .
8876 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن حميد , عن أنس , قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا , فقال : هذا وضوء من لم يحدث .
8877 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : أخبرنا شعبة , عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال , قال : رأيت عليا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة , ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه , ثم مسح برأسه ورجليه , وقال : هذا وضوء من لم يحدث .
8878 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : أن عليا اكتال من حب فتوضأ وضوءا فيه تجوز , فقال : هذا وضوء من لم يحدث .
وقال آخرون : بل كان هذا أمرا من الله عز ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به أن يتوضئوا لكل صلاة , ثم نسخ ذلك بالتخفيف .
ذكر من قال ذلك : 8879 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني , قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبي , عن ابن إسحاق قال : ثني محمد بن يحيى بن حيان الأنصاري ثم المازني , مازن بني النجار , فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر : أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة , طاهرا كان أو غير طاهر , عمن هو ؟
قال : حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب , أن عبد الله بن زيد بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة , فشق ذلك عليه , فأمر بالسواك , ورفع عنه الوضوء إلا من حدث .
فكان عبد الله يرى أن به قوة عليه , فكان يتوضأ * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة بن الفضل , عن ابن إسحاق , عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري , قال : قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر , أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة !
ثم ذكر نحوه .
8880 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن , قالا : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة , فلما كان عام الفتح , صلى الصلوات بوضوء واحد , ومسح على خفيه , فقال عمر : إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله !
قال : " عمدا فعلته " 8881 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن محارب بن دثار , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة , فلما كان يوم فتح مكة , صلى الصلوات كلها بوضوء واحد * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن محارب , بن دثار , عن سليمان بن بريدة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ , فذكر نحوه .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن ابن بريدة , عن أبيه , قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات كلها بوضوء واحد , فقال له عمر : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم , صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟
فقال : " عمدا فعلته يا عمر " * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية , عن سفيان , عن محارب بن دثار , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة , فلما فتح مكة , صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد 8882 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا الحكم بن ظهير , عن مسعر , عن محارب بن دثار , عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد فإن ظن ظان أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة , أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة , دلالة على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه , وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب ; فقد ظن غير الصواب , وذلك أن قول القائل : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا , محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق , وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه , كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقية مدعيه .
وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة , ثم نسخ ذلك , ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين بقوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } الآية , وأن تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصا لأمته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم , إلا من حدث يوجب نقض الطهر .
وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار : 8883 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن عامر , عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقعب صغير , فتوضأ .
قال : قلت لأنس : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ؟
قال : نعم .
قلت : فأنتم ؟
قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد 8884 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي , ثنا عيسى بن يونس , عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي , عن أبي غطيف , قال : صليت مع ابن عمر الظهر , فأتى مجلسا في داره , فجلس وجلست معه , فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ , ثم خرج إلى الصلاة , ثم رجع إلى مجلسه ; فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ , فقلت : أسنة ما أراك تصنع ؟
قال : لا , وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كافيا للصلوات كلها ما لم أحدث , ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " , فأنا رغبت في ذلك * - حدثني أبو سعيد البغدادي , قال : ثنا إسحاق بن منصور , عن هريم , عن عبد الرحمن بن زياد , عن أبي غطيف , عن ابن عمر , قال : قال رسول الله : " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " وقد قال قوم : إن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إعلاما من الله له بها أن لا وضوء عليه , إلا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال كلها , وذلك أنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ , فأذن له بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث عدا الصلاة توضأ أو لم يتوضأ , وأمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة قبل الدخول فيها .
ذكر من قال ذلك : 8885 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان , عن جابر بن عبد الله بن أبي بكر , عن عمرو بن حزم , عن عبد الله بن علقمة بن وقاص , عن أبيه , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا , حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة , فقلنا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا !
قال : حتى نزلت آية الرخصة : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } الآيةالصلاة فاغسلوا القول في تأويل قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } اختلف أهل التأويل في حد الوجه الذي أمر الله بغسله , القائم إلى الصلاة بقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ; فقال بعضهم : هو ما ظهر من بشرة الإنسان من قصاص شعر رأسه , منحدرا إلى منقطع ذقنه طولا , وما بين الأذنين عرضا .
قالوا : فأما الأذن وما بطن من داخل الفم والأنف والعين فليس من الوجه ولا غيره , ولا أحب غسل ذلك ولا غسل شيء منه في الوضوء .
قالوا : وأما ما غطاه الشعر منه كالذقن الذي غطاء شعر اللحية والصدغين اللذين قد غطاهما عذر اللحية , فإن إمرار الماء على ما على ذلك من الشعر مجزئ عن غسل ما بطن منه من بشرة الوجه ; لأن الوجه عندهم هو ما ظهر لعين الناظر من ذلك فقابلها دون غيره .
ذكر من قال ذلك : 8886 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عمر بن عبيد , عن معمر , عن إبراهيم , قال : .
يجزئ اللحية ما سال عليها من الماء .
* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , قال : ثنا المغيرة , عن إبراهيم , قال : يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم , بنحوه .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو داود , عن شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم , بنحوه .
8887 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مغيرة في تخليل اللحية , قال : يجزيك ما مر على لحيتك .
8888 - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا زائدة , عن منصور , قال : رأيت إبراهيم يتوضأ , فلم يخلل لحيته .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن سعيد الزبيدي , عن إبراهيم , قال : .
يجزيك ما سال عليها من أن تخللها .
8889 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن يونس , قال : .
كان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام , عن الحسن , أنه كان لا يخلل لحيته .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن هشام , عن الحسن أنه كان لا يخلل لحيته إذا توضأ .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن الحسن , مثله .
8890 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن أشعث , عن ابن سيرين , قال : ليس غسل اللحية من السنة .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عيسى بن يزيد , عن عمرو , عن الحسن أنه كان إذا توضأ لم يبلغ الماء في أصول لحيته .
8891 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن أبي شيبة سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي , قال : سألت إبراهيم أخلل لحيتي عند الوضوء بالماء ؟
فقال : لا , إنما يكفيك ما مرت عليه يدك .
* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء , فقال : قال المغيرة : قال إبراهيم : يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته .
8892 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا حجاج بن رشدين , قال : ثنا عبد الجبار بن عمر : أن ابن شهاب وربيعة توضئا , فأمرا الماء على لحاهما , ولم أر واحدا منهما خلل لحيته .
8893 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : سألت سعيد بن عبد العزيز , عن عرك العارضين في الوضوء , فقال : ليس ذلك بواجب , رأيت مكحولا يتوضأ فلا يفعل ذلك .
8894 - حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني سعيد بن بشير , عن قتادة , عن الحسن , قال : ليس عرك العارضين في الوضوء بواجب .
* - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني إبراهيم بن محمد , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : يكفيه ما مر من الماء على لحيته .
8895 - حدثنا أبو الوليد القرشي , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن سليمان بن أبي زينب , قال : سألت القاسم بن محمد كيف أصنع بلحيتي إذا توضأت ؟
قال : .
لست من الذين يغسلون لحاهم .
8896 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال أبو عمرو : ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء .
ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الفم والأنف : 8897 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الملك بن أبي بشير , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لولا التلمظ في الصلاة ما مضمضت .
8898 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت عبد الملك يقول : سئل عطاء , عن رجل صلى ولم يمضمض قال : ما لم يسم في الكتاب يجزئه .
8899 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ليس المضمضة والاستنشاق من واجب الوضوء .
8900 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن أبي سنان , قال : كان الضحاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان .
8901 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت هشاما , عن الحسن , قال : إذا نسي المضمضة والاستنشاق , قال : إن ذكر وقد دخل في الصلاة فليمض في صلاته , وإن كان لم يدخل تمضمض واستنشق .
8902 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : سألت الحكم وقتادة , عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق , فقال : يمضي في صلاته .
ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن الأذنين ليستا من الوجه : 8903 - حدثني يزيد بن مخلد الواسطي , قال : ثنا هشيم , عن غيلان , قال : سمعت ابن عمر يقول : الأذنان من الرأس .
* - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير , قال : ثنا أبو مطرف , قال : ثنا غيلان مولى بني مخزوم , قال : سمعت ابن عمر يقول : الأذنان من الرأس .
* - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا محمد بن يزيد , عن محمد بن إسحاق , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس , فإذا مسحت الرأس فامسحهما .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني غيلان بن عبد الله مولى قريش , قال : سمعت ابن عمر سأله سائل , قال : إنه توضأ ونسي أن يمسح أذنيه , قال : فقال ابن عمر : الأذنان من الرأس .
ولم ير عليه بأسا .
* - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد .
ح , وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن جميعا , عن سفيان , عن سالم أبي النضر , عن سعيد بن مرجانة , عن ابن عمر , أنه قال : الأذنان من الرأس .
* - حدثني ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن رجل , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس .
8904 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن يوسف بن مهران , عن ابن عباس , قال : الأذنان من الرأس .
8905 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن وسعيد بن المسيب , قالا : الأذنان من الرأس .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , قال : الأذنان من الرأس عن الحسن وسعيد .
* - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني أبو عمرو , عن يحيى بن أبي كثير , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس .
* - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن أبي النضر , عن ابن عمر , مثله .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عيسى بن يزيد , عن عمرو , عن الحسن , قال : الأذنان من الرأس .
8906 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا حماد بن زيد , عن سنان بن ربيعة , عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن أبي هريرة ; شك ابن بزيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8907 - ثنا أبو كريب , قال : ثنا معلى بن منصور , عن حماد بن زيد , عن سنان بن ربيعة , عن شهر بن حوشب , عن أبي أمامة , قال : الأذنان من الرأس قال حماد : لا أدري هذا عن أبي أمامة أو عن النبي صلى الله عليه وسلم .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة , قال : ثني حماد بن زيد , قال : ثني سنان بن ربيعة أبو ربيعة عن شهر بن حوشب , عن أبي أمامة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8908 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني ابن جريج وغيره , عن سليمان بن موسى , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8909 - حدثنا الحسن بن شبيب , قال : ثنا علي بن هاشم بن البريد , قال : ثنا إسماعيل بن مسلم , عن عطاء , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأذنان من الرأس " 8910 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن يونس , أن الحسن , قال : الأذنان من الرأس .
وقال آخرون : الوجه : كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا , ومن الأذن إلى الأذن عرضا , ما ظهر من ذلك لعين الناظر , وما بطن منه من منابت شعر اللحية النابت على الذقن وعلى العارضين , وما كان منه داخل الفم والأنف , وما أقبل من الأذنين على الوجه .
كل ذلك عندهم من الوجه الذي أمر الله بغسله بقوله : { فاغسلوا وجوهكم } وقالوا : إن ترك شيئا من ذلك المتوضئ فلم يغسله لم تجزه صلاته بوضوئه ذلك .
ذكر من قال ذلك : 8911 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثني محمد بن بكر وأبو عاصم , قالا : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته , ويغلغل بيده في أصول شعرها حتى تكثر القطرات منها .
* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن ابن جريج , قال : أخبرني نافع مولى ابن عمر : أن ابن عمر كان يغلغل يديه في لحيته حتى تكثر منها القطرات .
* - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , عن سعيد , قال : ثنا ليث , عن نافع , عن ابن عمر : كان إذا توضأ خلل لحيته حتى يبلغ أصول الشعر .
8912 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا معلى بن جابر اللقيطي , قال : أخبرني الأزرق بن قيس , قال : رأيت ابن عمر توضأ فخلل لحيته .
* - حدثنا يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا ليث , عن نافع : أن ابن عمر كان يخلل لحيته بالماء حتى يبلغ أصول الشعر .
8913 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير : أن أباه عبيد بن عمير كان إذا توضأ غلغل أصابعه في أصول شعر الوجه يغلغلها بين الشعر في أصوله يدلك بأصابعه البشرة .
فأشار لي عبد الله كما أخبره الرجل , كما وصف عنه .
8914 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : ثنا أبو عمرو , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك , وشبك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانا .
8915 - حدثنا أبو الوليد , وعلي بن سهل , قالا : ثنا الوليد , قال : قال ثنا أبو عمرو , وأخبرني عبدة , عن أبي موسى الأشعري نحو ذلك .
8916 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مسلم , قال : .
رأيت ابن أبي ليلى توضأ فغسل لحيته وقال : من استطاع منكم أن يبلغ الماء أصول الشعر فليفعل .
8917 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : حق عليه أن يبل أصول الشعر .
8918 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , قال : كان مجاهد يخلل لحيته .
* - حدثنا حميد , قال : ثنا سفيان , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد : أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله .
8919 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو داود الحفري , عن سفيان , عن ابن شبرمة , عن سعيد بن جبير , قال : ما بال اللحية تغسل قبل أن تنبت فإذا نبتت لم تغسل ؟
.
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ .
8920 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عنبسة , عن ليث , عن طاوس , أنه .
كان يخلل لحيته .
8921 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن ابن سيرين , أنه كان يخلل لحيته .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن هشام , عن ابن سيرين , مثله .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : سألت شعبة , عن تخليل اللحية في الوضوء , فذكر عن الحكم بن عتيبة : أن مجاهدا كان يخلل لحيته .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو عن معروف , قال : رأيت ابن سيرين توضأ فخلل لحيته .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام , عن ابن سيرين , مثله .
8922 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن الزبير بن عدي , عن الضحاك , قال : رأيته يخلل لحيته .
8923 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن أبي الأشهب , عن موسى بن أبي عائشة , عن زيد الخدري , عن يزيد الرقاشي , عن أنس بن مالك , قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته , فقلت : لم تفعل هذا يا نبي الله ؟
قال : " أمرني بذلك ربي " * - حدثنا تميم , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن سلام بن سلم , عن زيد العمي , عن معاوية بن قرة أو يزيد الرقاشي , عن أنس , قال : وضأت النبي صلى الله عليه وسلم , فأدخل أصابعه من تحت حنكه , فخلل لحيته , وقال : " بهذا أمرني ربي جل وعز " * - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : ثنا المحاربي , عن سلام بن سلم المديني , قال : ثنا زيد العمي , عن معاوية بن قرة , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .
* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبو عبيدة الحداد , قال : ثنا موسى بن شروان , عن يزيد الرقاشي , عن أنس , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هكذا أمرني ربي " .
وأدخل أصابعه في لحيته , فخللها 8924 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام وعبيد الله بن موسى , عن خالد بن إلياس , عن عبد الله بن رافع , عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ , فخلل لحيته 8925 - حدثنا علي بن الحسين بن الحر , قال : ثنا محمد بن ربيعة , عن واصل بن السائب , عن أبي سورة , عن أبي أيوب , قال : " رأينا النبي صلى الله عليه وسلم توضأ , وخلل لحيته " 8926 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا زيد بن حباب , قال : ثنا عمر بن سليمان , عن أبي غالب , عن أبي أمامة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته " 8927 - حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني , قال : ثنا سفيان , عن عبد الكريم أبي أمية : أن حسان بن ثابت المزني رأى عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته , فقيل له : أتفعل هذا , فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله 8928 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : ثنا أبو عمرو , قال : أخبرني عبد الواحد بن قيس , عن يزيد الرقاشي وقتادة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا توضأ عرك عارضيه , وشبك لحيته بأصابعه " 8929 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني أبو مهدي بن سنان , عن أبي الزاهرية , عن جبير بن نفير , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .
8930 - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : ثنا محمد بن عبيد الطنافسي أبو عبد الله , قال : ثني واصل الرقاشي , عن أبي سورة هكذا قال الأحمسي عن أبي أيوب , قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء " ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الأنف والفم : 8931 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , قال : سمعت مجاهدا يقول : الاستنشاق شطر الوضوء .
8932 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : سألت حمادا عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق , قال حماد : ينصرف فيتمضمض ويستنشق .
8933 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن أبي سنان , قال : قدمت الكوفة فأتيت حمادا فسألته عن ذلك , يعني عمن ترك المضمضة والاستنشاق وصلى فقال : أرى عليه إعادة الصلاة .
8934 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , قال : كان قتادة يقول : إذا ترك المضمضة أو الاستنشاق أو أذنه أو طائفة من رجله حتى يدخل في صلاته , فإنه ينفتل ويتوضأ , ويعيد صلاته .
ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن ما أقبل من الأذنين فمن الوجه , وما أدبر فمن الرأس : 8935 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا حفص بن غياث , قال : ثنا أشعث , عن الشعبي , قال : ما أقبل من الأذنين فمن الوجه , وما أدبر فمن الرأس .
* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثني شعبة , عن الحكم وحماد , عن الشعبي في الأذنين : باطنهما من الوجه , وظاهرهما من الرأس .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن الشعبي , قال : مقدم الأذنين من الوجه , ومؤخرهما من الرأس .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن الحكم وحماد , عن الشعبي بمثله , إلا أنه قال : باطن الأذنين .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن الشعبي بمثله , إلا أنه قال : باطن الأذنين .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن الشعبي , بمثله .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : باطن الأذنين من الوجه , وظاهرهما من الرأس .
8936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة .
ح , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قالا جميعا : ثنا محمد بن إسحاق , قال : ثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة , عن عبيد الله الخولاني , عن ابن عباس قال : قال علي بن أبي طالب : ألا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : قلنا : نعم .
فتوضأ , فلما غسل وجهه , ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه , قال : ثم لما مسح برأسه مسح أذنيه من ظهورهما وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قول من قال : الوجه الذي أمر الله جل ذكره بغسله القائم إلى صلاته : كل ما انحدر عن منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا , وما بين الأذنين عرضا مما هو ظاهر لعين الناظر , دون ما بطن من الفم والأنف والعين , ودون ما غطاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين , ودون الأذنين .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان وجها يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته , لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه , ثم هم مع إجماعهم على ذلك مجمعون على أن غسل ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ ; فإذا كان ذلك منهم إجماعا بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على ذلك , فنظير ذلك كل ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خلقة ساتره لا يصل الماء إليه إلا بكلفة ومؤنة وعلاج , قياسا لما ذكرنا من حكم العينين في ذلك .
فإذا كان ذلك كذلك , فلا شك أن مثل العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشعر اللحية والصدغين والشاربين ; لأن كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاج لإيصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لإيصال الماء إليهما أو أشد .
وإذا كان ذلك كذلك , كان بينا أن غسل من غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين وما بطن من الأنف والفم , إنما كان إيثارا منه لأشق الأمرين عليه من غسل ذلك وترك غسله , كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبه الماء في ذلك , لا على أن ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا .
فأما من ظن أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض , فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبيل القياس ; لأن القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك بالأصل المجمع عليه من حكم العينين , وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه , وتارك المضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلى بطهره ذلك , ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل .
فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أنه قال : " إذا توضأ أحدكم فليستنثر " دليلا على وجوب الاستنثار , فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله , ما يغني عن إكثار القول فيه .
وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما على الوجه , غير مفسد صلاة من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما , مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شيء مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك , ما ينبئ عن القول في ذلك مما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم إنهما ليسا من الوجه ; دون ما قاله الشعبي .وجوهكم وأيديكم إلى القول في تأويل قوله تعالى : { وأيديكم إلى المرافق } اختلف أهل التأويل في المرافق , هل هي من اليد الواجب غسلها أم لا ؟
بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب .
فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء ؟
قال : الذي أمر به أن يبلغ " المرفقين " , قال تبارك وتعالى : { فاغسلوا وجوهكم } فذهب هذا يغسل خلفه !
فقيل له : فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما ؟
فقال : لا أدري ما لا يجاوزهما ; أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا : إلى المرفقين والكعبين .
حدثنا يونس , عن أشهب عنه .
وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل كأنه يذهب إلى أن معناها : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى } أن تغسل { المرافق } حدثنا بذلك عنه الربيع .
وقال آخرون : إنما أوجب الله بقوله : { وأيديكم إلى المرافق } غسل اليدين إلى المرافق , فالمرفقان غاية لما أوجب الله غسله من آخر اليد , والغاية غير داخلة في الحد , كما غير داخل الليل فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } لأن الليل غاية لصوم الصائم , إذا بلغه فقد قضى ما عليه .
قالوا : فكذلك المرافق في قوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } غاية لما أوجب الله غسله من اليد .
وهذا قول زفر بن الهذيل .
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك , لم تجزه الصلاة مع تركه غسله .
فأما المرفقان وما وراءهما , فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله : " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء , فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما , لما قد بينا قبل فيما مضى من أن لك غاية حدت ب " إلى " فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه .
وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه , إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بين وحكم , ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه .المرافق وامسحوا القول في تأويل قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } اختلف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله : { وامسحوا برءوسكم } فقال بعضهم : وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة .
ذكر من قال ذلك : 8937 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي , قال : ثنا حماد بن مسعدة , عن عيسى بن حفص , قال : ذكر عند القاسم بن محمد مسح الرأس , فقال : يا نافع كيف كان ابن عمر يمسح ؟
فقال : مسحة واحدة .
ووصف أنه مسح مقدم رأسه إلى وجهه .
فقال القاسم : ابن عمر أفقهنا وأعلمنا .
8938 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , يقول : أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا توضأ رد كفيه إلى الماء ووضعهما فيه , ثم مسح بيديه مقدم رأسه .
8939 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكير , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان يضع بطن كفيه على الماء ثم لا ينفضهما ثم يمسح بهما ما بين قرنيه إلى الجبين واحدة , ثم لا يزيد عليها في كل ذلك مسحة واحدة , مقبلة من الجبين إلى القرن .
* - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : ثنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن يحيى بن سعيد الأنصاري , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ مسح مقدم رأسه .
8940 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن عبد الأعلى الثعلبي , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , قال : يجزيك أن تمسح مقدم رأسك إذا كنت معتمرا , وكذلك تفعل المرأة .
8941 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الله الأشجعي , عن سفيان , عن ابن عجلان , عن نافع , قال : رأيت ابن عمر مسح بيافوخه مسحة .
وقال سفيان : إن مسح شعره أجزأه ; يعني واحدة .
8942 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم , قال : أي جوانب رأسك مسست الماء أجزأك .
8943 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا علي بن ظبيان , قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد , عن الشعبي , مثله .
* - حدثنا الرفاعي , قال : ثنا وكيع , عن إسماعيل الأزرق , عن الشعبي , مثله .
8944 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , قال : .
كان ابن عمر يمسح رأسه هكذا , فوضع أيوب كفه وسط رأسه , ثم أمرها على مقدم رأسه .
8945 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يزيد بن الحباب , عن سفيان , قال : إن مسح رأسه بأصبع واحدة أجزأه .
8946 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : قلت لأبي عمرو : ما يجزئ من مسح الرأس ؟
قال : أن تمسح مقدم رأسك إلى القفا أحب إلي .
* - حدثني العباس بن الوليد , عن أبيه , عنه , نحوه .
وقال آخرون : معنى ذلك : فامسحوا بجميع رءوسكم .
قالوا : إن لم يمسح بجميع رأسه بالماء لم تجزه الصلاة بوضوئه ذلك .
ذكر من قال ذلك : 8947 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : ثنا أشهب , قال : قال مالك : من مسح بعض رأسه ولم يعم أعاد الصلاة بمنزلة من غسل بعض وجهه أو بعض ذراعه .
قال : وسئل مالك عن مسح الرأس , قال : يبدأ من مقدم وجهه , فيدير يديه إلى قفاه , ثم يردهما إلى حيث بدأ منه .
وقال آخرون : لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع , وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد .
والصواب من القول في ذلك عندنا , أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائم إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه , ولم يحد ذلك بحد لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه .
وإذ كان ذلك كذلك , فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال : مسح برأسه , فقد أدى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته .
فإن قال لنا قائل : فإن الله قد قال في التيمم : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أفيجزئ المسح ببعض الوجه واليدين في التيمم ؟
قيل له : كل ما مسح من ذلك بالتراب فيما تنازعت فيه العلماء , فقال بعضهم : يجزيه ذلك من التيمم , وقال بعضهم : لا يجزئه , فهو مجزئه , لدخوله في اسم الماسحين به .
وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه , فمسلم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم , ولا حجة لأحد علينا في ذلك إذ كان من قولنا : إن ما جاء في آي الكتاب عاما في معنى فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له , فإذا خص منه شيء كان ما خص منه خارجا من ظاهره , وحكم سائره على العموم .
وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
والرأس الذي أمر الله جل وعز بالمسح بقوله به : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلى القفا مما استدبر , ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبل من قبل وجهه إلى الجبهة .برءوسكم وأرجلكم إلى القول في تأويل قوله تعالى : { وأرجلكم إلى الكعبين } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق : { وأرجلكم إلى الكعبين } نصبا .
فتأويله : إذا قمتم إلى الصلاة , فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق , وأرجلكم إلى الكعبين , وامسحوا برءوسكم .
وإذا قرئ كذلك كان من المؤخر الذي معناه التقديم , وتكون " الأرجل " منصوبة , عطفا على " الأيدي " .
وتأول قارئو ذلك كذلك , أن الله جل ثناؤه إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها .
ذكر من قال : عنى الله بقوله : { وأرجلكم إلى الكعبين } الغسل : 8948 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا خالد الحذاء , عن أبي قلابة : أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظفر , فلما قضى صلاته , قال له عمر : أعد وضوءك وصلاتك .
8949 - حدثنا حميد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا عبد الله بن حسن , قال : ثنا هزيل بن شرحبيل , عن ابن مسعود , قال : خللوا الأصابع بالماء لا تخللها النار .
8950 - حدثنا عبد الله بن الصباح العطار , قال : ثنا حفص بن عمر الحوضي , قال : ثنا مرجى , يعني ابن رجاء اليشكري , قال : ثنا أبو روح عمارة بن أبي حفصة , عن المغيرة بن حنين : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه , فقال : " بهذا أمرت " 8951 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن واقد مولى زيد بن خليدة , قال : سمعت مصعب بن سعيد , يقول : رأى عمر بن الخطاب قوما يتوضئون , فقال : خللوا .
8952 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى , قال : سمعت القاسم , قال : كان ابن عمر يخلع خفيه , ثم يتوضأ فيغسل رجليه , ثم يخلل أصابعه .
8953 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الزبير بن عدي , عن إبراهيم , قال : قلت للأسود : رأيت عمر يغسل قدميه غسلا ؟
قال : نعم .
8954 - حدثني محمد بن خلف , قال : ثنا إسحاق بن منصور , قال : ثنا محمد بن مسلم , عن إبراهيم بن ميسرة , عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لابن أبي سويد : بلغنا عن ثلاثة كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يغسل قدميه غسلا , أدناهم ابن عمك المغيرة 8955 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن محمد , وهو ابن أبان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن خالد , عن أبي قلابة : أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظفر , فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته .
8956 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن محمد بن إسحاق , عن شيبة بن نصاح , قال : صحبت القاسم بن محمد إلى مكة , فرأيته إذا توضأ للصلاة يدخل أصابع رجليه يصب عليها الماء , قلت : يا أبا محمد , لم تصنع هذا ؟
قال : رأيت ابن عمر يصنعه .
8957 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت أبي , عن حماد , عن إبراهيم في قوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } قال : عاد الأمر إلى الغسل .
8958 - حدثني الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا أبي , عن حفص الغاضري , عن عامر بن كليب , عن أبي عبد الرحمن , قال : قرأ علي الحسن والحسين رضوان الله عليهما , فقرءا : { وأرجلكم إلى الكعبين } فسمع علي رضي الله عنه ذلك , وكان يقضي بين الناس , فقال : " وأرجلكم " , هذا من المقدم والمؤخر من الكلام .
8959 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الوهاب بن عبد الأعلى , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس , أنه قرأها : { فامسحوا برءوسكم وأرجلكم } بالنصب , وقال : عاد الأمر إلى الغسل .
8960 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة وأبو معاوية , عن هشام بن عروة , عن أبيه أنه قرأها : { وأرجلكم } وقال : عاد الأمر إلى الغسل .
8961 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن المبارك , عن قيس , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله : أنه كان يقرأ : { وأرجلكم } بالنصب .
8962 - حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } فيقول : اغسلوا وجوهكم , واغسلوا أرجلكم , وامسحوا برءوسكم ; فهذا من التقديم والتأخير .
8963 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن شيبان , قال : أثبت لي عن علي أنه قرأ : { وأرجلكم } .
ثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن هشام بن عروة , عن أبيه : { وأرجلكم } رجع الأمر إلى الغسل .
8964 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن خالد , عن عكرمة , مثله .
8965 حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن الأعمش , قال : .
كان أصحاب عبد الله يقرءونها : { وأرجلكم } فيغسلون .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال : اغسل القدمين إلى الكعبين .
8966 - حدثني عبد الله بن محمد الزهري , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن أبي السوداء , عن ابن عبد خير , عن أبيه , قال : رأيت عليا توضأ , فغسل ظاهر قدميه , وقال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك , ظننت أن بطن القدم أحق من ظاهرها 8967 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , قال : ثنا عبد الملك , عن عطاء , قال : لم أر أحدا يمسح على القدمين .
8968 - حدثني المثنى , قال : ثني الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن قيس بن سعد , عن مجاهد أنه قرأ : { وأرجلكم إلى الكعبين } فنصبها , وقال : رجع إلى الغسل .
8969 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا جابر بن نوح , قال : سمعت الأعمش يقرأ : { وأرجلكم } بالنصب .
8970 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , قال : سئل مالك عن قول الله : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } أهي " أ
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرونفيه اثنتا وثلاثون مسألة :الأولى : ذكر القشيري وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع ، وهي آية الوضوء .
قال ابن عطية : لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا ، فكان الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته ، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في [ ص: 47 ] التيمم ، وقد ذكرنا في آية " النساء " خلاف هذا ، والله أعلم .
ومضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع ، وفيما ذكر من إتمام النعمة ; فإن هذه الرخصة من إتمام النعم .الثانية : واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله : إذا قمتم إلى الصلاة على أقوال ; فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة ، سواء كان القائم متطهرا أو محدثا ; فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ ، وكان علي يفعله ويتلو هذه الآية ; ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده ، وروي مثله عن عكرمة ، وقال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة .قلت : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها ، وقالت طائفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ; قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه ; فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث ، وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه - وهو من الصحابة ، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ، ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك ; فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال ، وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل ; وحملوا الأمر على الندب ، وكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل ، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد ، إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم .قلت : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك ; فإن الأمر إذا ورد ، مقتضاه الوجوب ; لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم ، على ما هو معروف من سيرتهم ، وقال آخرون : إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة ; وهذا غلط لحديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ، وإن أمته كانت على خلاف ذلك ، وسيأتي ; ولحديث سويد بن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد ; وذلك في غزوة خيبر ، وهي سنة ست ، وقيل : سنة سبع ، وفتح مكة كان في سنة ثمان ; وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه ، وأخرجه البخاري ومسلم ; فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة .
فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم [ ص: 48 ] الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه ، فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ; فقال : ( عمدا صنعته يا عمر ) .
فلم سأله عمر واستفهمه ؟
قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر ; والله أعلم .
وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر ; قال حميد : قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنتم ؟
قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا ; قال : حديث حسن صحيح ; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الوضوء على الوضوء نور فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة ، وقد سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال : إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر رواه الدارقطني ، وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة يريد من المضاجع يعني النوم ، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر ، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟
وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير ; التقدير : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعني الملامسة الصغرى - فاغسلوا ; فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر .
ثم قال : وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا حكم نوع آخر ; ثم قال للنوعين جميعا : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا .
وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره ، وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ; وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير ، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : فاطهروا ودخلت الملامسة الصغرى في قوله " محدثين " .
ثم ذكر بعد قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا حكم عادم الماء من النوعين جميعا ، وكانت الملامسة هي الجماع ، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد ; وهذا تأويل الشافعي وغيره ; وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم .قلت : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية ; والله أعلم ، ومعنى إذا قمتم إذا أردتم ، كما قال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ ، أي : إذا أردت ; لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن .الثالثة : قوله تعالى : الصلاة فاغسلوا وجوهكم ذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه [ ص: 49 ] الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا واختلف في الرجلين على ما يأتي ، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن ، والله أعلم ، ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه ، وإمرار اليد عليه ; وهذه حقيقة الغسل عندنا ، وقد بيناه في " النساء " ، وقال غيرنا : إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ; ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده ، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم ، فإذا حصل كفى ، والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة ، وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض ; فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ، ومن الأذن إلى الأذن في العرض ، وهذا في الأمرد ; وأما الملتحي فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا ; فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها ، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس ; ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية ، فقال سحنون عن ابن القاسم : سمعت مالكا سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء ؟
قال : نعم ، وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله ، وذكر ابن القاسم أيضا عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها ; قال : وهي مثل أصابع الرجلين .
قال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل .
قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة .
وذكر ابن خويز منداد : أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء ، إلا شيء روي عن سعيد بن جبير ; قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها ، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية ؟
قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم .
فكذلك الوضوء .
قال أبو عمر : من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها ; لأن الوجه مأخوذ من المواجهة ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد ; فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة .قلت : واختار هذا القول ابن العربي وقال : وبه أقول ; لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل لحيته ، خرجه الترمذي وغيره ; فعين المحتمل بالفعل ، وحكى ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا أعاد ، وروى الترمذي عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ; قال : هذا حديث حسن صحيح ; قال أبو عمر : ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشرة ، فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة ، وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله ، فيكون غسل اللحية بدلا منه ، واختلفوا أيضا في [ ص: 50 ] غسل ما وراء العذار إلى الأذن ; فروى ابن وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه .
قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض بين العذار والأذن من الوجه ، وغسله واجب ; ونحوه قال الشافعي وأحمد ، وقيل : يغسل البياض استحبابا ; قال ابن العربي : والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله إلا للأمرد لا للمعذر .قلت : وهو اختيار القاضي عبد الوهاب ; وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا ؟
والله أعلم ، وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا ؟
فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل ، إلا أن أحمد قال : يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة ، وقال عامة الفقهاء : هما سنتان في الوضوء والغسل ; لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن ، والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة ، ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما المسلمون ، ولا اتفق الجميع عليه ; والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه ، وقد مضى هذا المعنى في " النساء " ، وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غسله ، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه ; وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به ; قال ابن العربي : ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك ; وإذا تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد ، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر ; وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو : " أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله " والله أعلم .الرابعة : وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية ; لقوله عليه السلام : إنما الأعمال بالنيات .
قال البخاري : فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام ; وقال الله تعالى : قل كل يعمل على شاكلته ، يعني على نيته .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ولكن جهاد ونية ، وقال كثير من الشافعية : لا حاجة إلى نية ; وهو قول الحنفية ; قالوا : لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها ، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه ، والطهارة شرط ; فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة ، كالحائض والنفساء .
احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فلما وجب فعل الغسل كانت [ ص: 51 ] النية شرطا في صحة الفعل ; لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به ; فإذا قلنا : إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى ، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما ، قصد أداء الواجب ; وصح في الحديث أن الوضوء يكفر ; فلو صح بغير نية لما كفر ، وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدينالخامسة : قال ابن العربي ، قال بعض علمائنا : إن من خرج إلى النهر بنية الغسل أجزأه ، وإن عزبت نيته في الطريق ، ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية .
قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين ، وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين بأنه قال : يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ; ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها!
اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء ، وقد اختلف فيها قول مالك ; فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع ، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها ، وهي أصل مقصود ، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه !
هل هذا إلا غاية الغباوة ؟
وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه .السادسة : قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد ; فقال قوم : نعم ; لأن ما بعد ( إلى ) إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه ; قال سيبويه وغيره ، وقد مضى هذا في " البقرة " مبينا ، وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل ; والروايتان مرويتان عن مالك ; الثانية لأشهب ; والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح ; لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ، وقد قال بعضهم : إن إلى بمعنى مع ، كقولهم : الذود إلى الذود إبل ، أي : مع الذود ، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في " النساء " ; ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف ، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ ; فالمرفق داخل تحت اسم اليد ، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد ، فلما قال : إلى اقتطع من حد المرافق عن الغسل ، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر ، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى ; قال ابن العربي : وما فهم أحد [ ص: 52 ] مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله إلى المرافق حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما ; ولذلك تدخل المرافق في الغسل .قلت : ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء .
قال القاضي عياض : والناس مجمعون على خلاف هذا ، وألا يتعدى بالوضوء حدوده ; لقوله عليه السلام : فمن زاد فقد تعدى وظلم .
وقال غيره : كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به ، ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام : أنتم الغر المحجلون ومن قوله : تبلغ الحلية كما ذكر .السابعة : قوله تعالى : وامسحوا برءوسكم تقدم في " النساء " أن المسح لفظ مشترك ، وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه ، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح ، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه ، ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم ; وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه ; فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ؟
ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الأذنين من الرأس ، وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري ، حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه ، وخلافا للشعبي ، حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس ; وهو قول الحسن وإسحاق ، وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي ، وسيأتي بيان حجتهما ; وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه ، ومنه رأس الجبل ; وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر :إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائريالثامنة : واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ; ثلاثة لأبي حنيفة ، وقولان للشافعي ، وستة أقوال لعلمائنا ; والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرناه .
وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه ; والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض : والمعنى وامسحوا رءوسكم ، وقيل : دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله : فامسحوا بوجوهكم فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع ، وهذا قاطع .
وقيل : إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به ، والمسح لغة لا يقتضي [ ص: 53 ] ممسوحا به ; فلو قال : وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس ; فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء ، فكأنه قال : وامسحوا برءوسكم الماء ; وذلك فصيح في اللغة على وجهين ; إما على القلب كما أنشد سيبويه : ( وهو الشاعر الخفاف بن ندبة السلمي )كنواح ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عصف الإثمدواللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب ، وأما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر : ( هو الأخطل )مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجرفهذا ما لعلمائنا في معنى الباء ، وقال الشافعي : احتمل قول الله تعالى : وامسحوا برءوسكم بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ; وقال في موضع آخر : فإن قيل قد قال الله عز وجل : فامسحوا بوجوهكم في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه ؟
قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله ; فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ، ومسح الرأس أصل ; فهذا فرق ما بينهما .
أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا : لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار ، وموضع الاستعجال والاختصار ، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار ; ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة ; أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ; فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة ; والله أعلم .التاسعة : وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزئ ، وقال الشافعي : يمسح رأسه ثلاثا ; وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء ، وكان ابن سيرين يمسح مرتين .
قال أبو داود : وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة ; فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا ، قالوا فيها : ومسح برأسه ولم يذكروا عددا .العاشرة : واختلفوا من أين يبدأ بمسحه ; فقال مالك : يبدأ بمقدم رأسه ، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ، ثم يردهما إلى مقدمه ; على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم ; وبه يقول الشافعي وابن حنبل ، وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر الرأس ; على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ; وهو حديث يختلف في ألفاظه ، وهو يدور على عبد الله بن محمد بن [ ص: 54 ] عقيل وليس بالحافظ عندهم ; أخرجه أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن عبد الله عن الربيع ، وروى ابن عجلان عنه عن الربيع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر ، لا يحرك الشعر عن هيئته ; ورويت هذه الصفة عن ابن عمر ، وأنه كان يبدأ من وسط رأسه ، وأصح ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد ; وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم الرأس .
وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا : أي نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك ، ومسح عمر اليافوخ فقط ، والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معا ، وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة ، واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس ; فالمشهور أن ذلك يجزئ ، وهو قول سفيان الثوري ; قال سفيان : إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه ، وقيل : إن ذلك لا يجزئ ; لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب ، إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الإجزاء .
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاثة أصابع ; واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة - بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن - فالجمهور على أنه سنة ، وقيل : هو فرض .الحادية عشرة : فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال ابن العربي : لا نعلم خلافا أن ذلك يجزئه ، إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في الدرس عن أبي العباس بن القاص من أصحابهم قال : لا يجزئه ، وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمه الله في قوله : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وقال تعالى : أم بظاهر من القول وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة .
فإن قيل : هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به ; قلنا : ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل ; وكذلك لو مسح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح .الثانية عشرة : وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي حنيفة وغيرهم ، ثم اختلفوا في تجديد الماء ; فقال مالك وأحمد : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس ، على ما فعل ابن عمر ; وهكذا قال الشافعي في تجديد الماء ، وقال : هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس ; لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج ; وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي ، وقال الثوري وأبو حنيفة : يمسحان مع الرأس بماء واحد ; وروي عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة [ ص: 55 ] والتابعين ، وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإلا فلا شيء عليه ; إذ ليستا مذكورتين في القرآن .
قيل له : اسم الرأس تضمنهما كما بيناه ، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما ، وأدخل أصابعه في صماخيه ، وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين ، وثبتت سنة مسحهما بالسنة ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه لم يجزه ، وقال أحمد : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد ، وروي عن علي بن زياد من أصحاب مالك أنه قال : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد ; وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ، ولو كان كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره ; والله أعلم .
احتج من قال : هما من الوجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه ، وفي مصنف أبي داود من حديث عثمان : فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة ، ثم غسل رجليه ثم قال : أين السائلون عن الوضوء ؟
هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ .
احتج من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه ، وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس ; فما واجهك من الأذنين وجب غسله ; لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس ، وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم .
احتج من قال : هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي : ( فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ) الحديث أخرجه مالك .الثالثة عشرة : قوله تعالى : " وأرجلكم " قرأ نافع وابن عامر والكسائي " وأرجلكم " بالنصب ; وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ " وأرجلكم " بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان ; وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة " وأرجلكم " بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون ; فمن قرأ بالنصب جعل العام " اغسلوا " وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح ، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء ، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، واللازم من قوله في غير ما حديث ، وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم [ ص: 56 ] تلوح فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء .
ثم إن الله حدهما فقال : إلى الكعبين كما قال في اليدين إلى المرافق فدل على وجوب غسلهما ; والله أعلم .ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء ، قال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين ، والرافضة من غيرهم ، وتعلق الطبري بقراءة الخفض .قلت : قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما .
فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج ; قال الله تعالى : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم .
قال : وكان إذا مسح رجليه بلهما ، وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل ، وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح ، وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ; ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا ، ويلغى ما كان مسحا ، وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين ، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح ، وجعل القراءتين كالروايتين ; قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعا ، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض ، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب ، والقراءتان بمنزلة آيتين .
قال ابن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل .قلت : وهو الصحيح ; فإن لفظ المسح مشترك ، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل ; قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا ، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ; ويقال : مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب ، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل ; بقراءة النصب التي لا احتمال فيها ، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل ، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ; ثم [ ص: 57 ] إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين ، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم ; فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة - والله أعلم - لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير ، وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ الحسن والحسين - رحمة الله عليهما - علي ( وأرجلكم ) فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : ( وأرجلكم ) هذا من المقدم والمؤخر من الكلام ، وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين ، وكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ ( وأرجلكم ) بالنصب ، وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان ، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان ، فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه ، وهذا حسن .
فإن قيل : إن المسح على الخفين منسوخ بسورة ( المائدة ) - وقد قاله ابن عباس ، ورد المسح أبو هريرة وعائشة ، وأنكره مالك في رواية عنه - فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي ، وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم ، وقد قال الحسن : حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين ; وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه ; قال إبراهيم النخعي : وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه ، قال إبراهيم النخعي : كان يعجبهم هذا الحديث ; لأن إسلام جرير كان بعد نزول ( المائدة ) وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر رمضان ، وأن ( المائدة ) نزلت في ذي الحجة يوم عرفات ، وهذا حديث لا يثبت لوهاه ; وإنما نزل منها يوم عرفة اليوم أكملت لكم دينكم على ما تقدم ; قال أحمد بن حنبل : أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين ; لأن إسلامه كان بعد نزول ( المائدة ) وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح ، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ; ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت : سله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; الحديث ، وأما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح ، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال : إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا فيما يجب عليه ، وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن [ ص: 58 ] وهب عنه أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر .
قال أحمد : كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال : حبب إلي الوضوء ; ونحوه عن أبي أيوب ، وقال أحمد رضي الله عنه : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه ، وصلينا خلفه ولم نعبه ، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع ، فلا يصلى خلفه ، والله أعلم ، وقد قيل : إن قوله ( وأرجلكم ) معطوف على اللفظ دون المعنى ، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب ; وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس بالجر لأن النحاس الدخان ، وقال : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ بالجر .
قال امرؤ القيس :كأن أبانا في أفانين ودقه كبير أناس في بجاد مزملفخفض مزمل بالجوار ، وإن المزمل الرجل وإعرابه الرفع ; قال زهير :لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطرقال أبو حاتم : كان الوجه ( القطر ) بالرفع ولكنه جره على جوار المور ; كما قالت العرب : هذا جحر ضب خرب ; فجروه وإنما هو رفع ، وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورده النحاس وقال : هذا القول غلط عظيم ; لأن الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه ، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء .قلت : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه ، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل ، ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب ، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما ، فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح ، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح ، ودليل آخر من جهة الإجماع ; وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه ، واختلفوا فيمن مسح قدميه ; فاليقين ما [ ص: 59 ] أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه ، ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما ; وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه ، فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا ، وأن العامل في قوله وأرجلكم قوله : فاغسلوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول : أكلت الخبز واللبن أي : وشربت اللبن ; ومنه قول الشاعر :علفتها تبنا وماء بارداوقال آخر :ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحاوقال آخر :وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامهاوقال آخر :شراب ألبان وتمر وأقطالتقدير : علفتها تبنا وسقيتها ماء ، ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا ، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها ; والنعام لا يطفل إنما يفرخ ، وأطفلت كان لها أطفال ، والجلهتان جنبتا الوادي ، وشراب ألبان وآكل تمر ; فيكون قوله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد الغسل ; والله أعلم .الرابعة عشرة : قوله تعالى : إلى الكعبين روى البخاري : حدثني موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو - هو ابن يحيى - عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء ، فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ; فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات ، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ; فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله وامسحوا برءوسكم زائدة لقوله : فمسح رأسه ولم يقل برأسه ، وأن مسح الرأس مرة ، وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بهما وأدبر ، وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي [ ص: 60 ] الرجل ، وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ; قاله في ( الصحاح ) وروي عن ابن القاسم ، وبه قال محمد بن الحسن ; قال ابن عطية : ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا ، ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام ; وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق ; وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال : الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب ، وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم .قلت : هذا هو الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة ; وكعبت المرأة إذا فلك ثديها ، وكعب القناة أنبوبها ، وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب ، وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيها ، ومنه الحديث : والله لا يزال كعبك عاليا ، وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو دواد عن النعمان بن بشير والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، قال : فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب ، والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم ، ومنه الحديث ويل للعراقيب من النار يعني إذا لم تغسل ; كما قال : ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار .الخامسة عشرة : قال ابن وهب عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل ، ولا خير في الجفاء والغلو ; قال ابن وهب : تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين ; وقال ابن القاسم عن مالك : من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه ، وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه : إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه ; قال ابن القاسم : وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه .قلت : الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل ، كما أن ما بين أصابع اليد من اليد ، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين ، فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره ، مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه ; وهذا يقتضي العموم .
وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن [ ص: 61 ] يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه ; قال ابن وهب ، فقال لي مالك : إن هذا لحسن ، وما سمعته قط إلا الساعة ; قال ابن وهب : وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به ، وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خللوا بين الأصابع لا تخللها النار وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل ; فثبت ما قلناه ، والله الموفق .السادسة عشرة : ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء ، وهي إتباع المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه ، ولا فصل بفعل ليس منه ; واختلف العلماء في ذلك ; فقال ابن أبي سلمة وابن وهب : ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان ، فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا أو ناسيا لم يجزه ، وقال ابن عبد الحكم : يجزئه ناسيا ومتعمدا ، وقال مالك في " المدونة " وكتاب محمد : إن الموالاة ساقطة ; وبه قال الشافعي ، وقال مالك وابن القاسم : إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا ; وقال مالك في رواية ابن حبيب : يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح ; فهذه خمسة أقوال ابتنيت على أصلين :الأول : أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال أو فرق ، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة .والثاني : أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة ; وهذا أصح ، والله أعلم .السابعة عشرة : وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه ; فقال الأبهري : الترتيب سنة ، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ ، واختلف في العامد فقيل : يجزئ ويرتب في المستقبل ، وقال أبو بكر القاضي وغيره : لا يجزئ لأنه عابث ، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه ، وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور ، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره ، وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ، ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء ، وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها أن " الواو " لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة ، وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي ; قال إلكيا الطبري ظاهر قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والى على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي ، وهو مذهب الأكثرين من العلماء .
قال أبو عمر : إلا أن مالكا يستحب له استئناف [ ص: 62 ] الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة ، ولا يرى ذلك واجبا عليه ; هذا تحصيل مذهبه ، وقد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه ، وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة ; قال علي ثم قال بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف .
وسبب الخلاف ما قال بعضهم : إن " الفاء " توجب التعقيب في قوله : " فاغسلوا " فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به ، فاقتضت الترتيب في الجميع ; وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه ، وإنما كنت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا ، فإذا كانت جملا كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت ، إذ المطلوب تحصيلها .
قيل : إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو ; وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو ، وتخاصم بكر وخالد ، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب ، والصحيح أن يقال : إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة :الأول : أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال عليه الصلاة والسلام حين حج : نبدأ بما بدأ الله به .الثاني : من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون .الثالث : من تشبيه الوضوء بالصلاة .الرابع : من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك .احتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة ، فكذلك غسل أعضاء الوضوء ; لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية ، وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت ، وعن عبد الله بن مسعود قال : لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك ; قال الدارقطني : هذا مرسل ولا يثبت ، والأولى وجوب الترتيب ، والله أعلم .الثامنة عشرة : إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء ، ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك ; لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة ، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء .
احتج الجمهور بقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد ، فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم .التاسعة عشرة : وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة ; لأنه قال : إذا قمتم إلى الصلاة ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء ، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به ; وهو قول أصحاب أبي حنيفة ، وهي رواية أشهب عن مالك ، وقال ابن وهب عن مالك : إزالتها واجبة في الذكر والنسيان ; وهو قول الشافعي ، وقال ابن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر ، وتسقط مع النسيان ، وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي - يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياسا على فم المخرج [ ص: 63 ] المعتاد الذي عفي عنه ، والصحيح رواية ابن وهب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ولا يعذب إلا على ترك الواجب ; ولا حجة في ظاهر القرآن ; لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة ، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها .الموفية عشرين : ودلت الآية أيضا على المسح على الخفين كما بينا ، ولمالك في ذلك ثلاث روايات :الأولى : الإنكار مطلقا كما يقوله الخوارج ، وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة ، وقد تقدم .الثانية : يمسح في السفر دون الحضر ; لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر ; وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر ، أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال : فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى ; فأتى سباطة قوم خلف حائط ، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه ، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ - زاد في رواية - فتوضأ ومسح على خفيه ، ومثله حديث شريح بن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسله ; فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فسألناه فقال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة ; - وهي الرواية الثالثة - يمسح حضرا وسفرا ; وقد تقدم ذكرها .الحادية والعشرون : ويمسح المسافر عند مالك على الخفين بغير توقيت ، وهو قول الليث بن سعد ; قال ابن وهب سمعت مالكا يقول : ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت .
وروى أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال : يا رسول الله أمسح على الخفين ؟
قال : نعم ، قال : يوما ؟
قال : يوما ، قال : ويومين ؟
قال : ويومين ، قال : وثلاثة أيام ؟
قال : نعم وما شئت ، وفي رواية ( نعم وما بدا لك ) .
قال أبو داود : وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي .
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبري : يمسح المقيم يوما وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام على حديث شريح وما كان مثله ; وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء ، وأنكرها أصحابه .الثانية والعشرون : والمسح عند جميعهم لمن لبس خفيه على وضوء ; لحديث المغيرة بن شعبة أنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير - الحديث - وفيه ; فأهويت [ ص: 64 ] لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما .
ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم ، وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث .
وشذ داود فقال : المراد بالطهارة هاهنا هي الطهارة من النجس فقط ; فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين ، وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة .الثالثة والعشرون : ويجوز عند مالك المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير : قال ابن خويز منداد : معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه ، ويكون مثله يمشى فيه ، وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي والطبري ; وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة ، وقال الأوزاعي : يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم ; وهو قول الطبري ، وقال أبو حنيفة : إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح ، ولا يمسح إذا ظهر ثلاث ; وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف ، ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخرق اليسير ، وذلك متجاوز عند الجمهور منهم ، وروي عن الشافعي إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه لا يجوز المسح عليه .
وقال الحسن بن حي : يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب ، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح ، قال أبو عمر : هذا على مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين ; وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وهي :الرابعة والعشرون : ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين ، وهو أحد قولي مالك ، وله قول آخر أنه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين ، وفي كتاب أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ; قال أبو داود : وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث ; لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ; وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل .
قال أبو داود : ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث ; وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ; رضي الله عنهم أجمعين .قلت : وأما المسح على النعلين فروى أبو
هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله.
أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ْ} إلى آخرها.
أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ} الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ} أي: بقصدها ونيتها.
الرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.
السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر.
السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا.
ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه.
لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
الثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و \"إلى\" كما قال جمهور المفسرين بمعنى \"مع\" كقوله تعالى: { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ْ} ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق.
التاسع: الأمر بمسح الرأس.
العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس.
الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
الثاني عشر: أن الواجب المسح.
فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به.
الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في { وأرجلكم ْ} وتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة.
ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
السابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية.
وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به.
التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة.
العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء.
الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل.
الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا، فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
الخامس والعشرون: ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم.
السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم.
السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر.
الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء.
التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ ْ} الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
الثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
الثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال \"لم يجد\" لمن لم يطلب.
الخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ْ} السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: { فَتَيَمَّمُوا ْ} أي: اقصدوا.
الثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره.
فيكون على هذا، قوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ْ} إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى.
التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا.
الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء.
الحادي والأربعون: أن قوله: { بِوُجُوهِكُمْ ْ} شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة.
الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك.
فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
الثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء] الرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
الخامس والأربعون: أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها.
السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال { فامسحوا ْ} ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
الثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم.
وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح.
الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.
قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، كقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " ، ( سورة النحل ، 98 ) ، أي : إذا أردت القراءة .
وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة ، لكن أعلمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية : " إذا قمتم إلى الصلاة " وأنتم على غير طهر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " .
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة صلى الصلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه .
وقال زيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم .
وقال بعضهم : هو أمر على طريق الندب ، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارته وإن كان على طهر ، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " .
وروي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر ، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " .
وقال بعضهم : هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا له من الأفعال غير الصلاة ، أخبرنا أبو القاسم الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه أنا صدقة أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن الحويرث سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأتي بطعام فقيل له : ألا تتوضأ؟
" فقال : لم؟
أأصلي فأتوضأ؟
) .
قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم ) وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا ، ويجب غسل جميعه في الوضوء ، ويجب أيضا إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والشارب والعذار أو العنفقة وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية فإن كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء ، بل يجب غسل ظاهرها .
وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟
فيه قولان : أحدهما : لا يجب ، وبه قال أبو حنيفة ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه ، كذلك النازل عن حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله .
والقول الثاني : يجب إمرار الماء على ظاهره ، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه ، والوجه ما يقع في المواجهة من هذا العضو ، ويقال في اللغة بقل وجه فلان وخرج وجهه : إذا نبتت لحيته .
قوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) أي : مع المرافق ، كما قال الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " ( سورة النساء ، 2 ) أي : مع أموالكم ، وقال : " من أنصاري إلى الله " ( سورة آل عمران ، 52 وسورة الصف ، 14 ) ، أي : مع الله .
وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين ، وفي الرجل يجب غسل الكعبين ، وقال الشعبي ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل لأن حرف " إلى " للغاية والحد ، فلا يدخل في المحدود .
قلنا : ليس هذا بحد ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا ، وقيل : الشيء إذا حد إلى جنسه يدخل فيه الغاية ، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل ، كقوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ( سورة البقرة ، 187 ) ، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار .
قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس ، فقال مالك : يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم ، وقال أبو حنيفة : يجب مسح ربع الرأس ، وعند الشافعي رحمه الله : يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح .
واحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه " ، فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق .
ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من المسح على الرأس ، وقالوا : في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية ، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب .
قوله عز وجل : ( وأرجلكم إلى الكعبين ) ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص " وأرجلكم " بنصب اللام ، وقرأ الآخرون " وأرجلكم " بالخفض ، فمن قرأ " وأرجلكم " بالنصب فيكون عطفا على قوله : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " أي : واغسلوا أرجلكم ، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على رجلين ، وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادة ، وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح وقال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا ؟
وقال محمد بن جرير الطبري يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين .
وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين ، وقالوا : خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم ، كما قال تبارك وتعالى : " عذاب يوم أليم " ، فالأليم صفة العذاب ، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة ، وكقولهم : جحر ضب خرب ، فالخرب نعت للجحر ، وأخذ إعراب الضب للمجاورة .
والدليل على وجوب غسل الرجلين : ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا الحجبي ومسدد قالا أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال : " تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته : " ويل للأعقاب من النار " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبد الله أنا معمر حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال : " رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق واستنثر ، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا ، ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم قال : من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر الله له ما تقدم من ذنبه " .
وقال بعضهم : أراد بقوله ( وأرجلكم ) المسح على الخفين كما روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه " وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل ، ويقال : قبل فلان رأس الأمير ويده ، وإن كانت العمامة على رأسه ، ويده في كمه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر عن عروة بن المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال : " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال : " أمعك ماء؟
" فقلت : نعم ، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه ، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ، ثم مسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " ، فمسح عليهما .
قوله تعالى : ( إلى الكعبين ) فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدمين ، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم ، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين .
وفرائض الوضوء : غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى ، ومسح الرأس ، واختلف أهل العلم في وجوب النية : فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأن الوضوء يفتقر إلى النية كسائر العبادات ، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة وهو قول الثوري وأصحاب الرأي .
واختلفوا في وجوب الترتيب ، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى : فذهب جماعة إلى وجوبه ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله ، ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه .
واحتج الشافعي بقول الله تعالى : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " ، ( سورة البقرة ، 158 ) .
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا ، وقال : " نبدأ بما بدأ الله به " وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلا بما بدأ الله تعالى به ذكرا .
وذهب جماعة إلى أن الترتيب سنة ، وقالوا : الواوات المذكورة في الآية للجميع لا للترتيب كما قال الله تعالى : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية ( سورة التوبة ، 60 ) ، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمان ، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان ، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر الله تعالى ، وبيان الكتاب يؤخذ من السنة كما قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " ( سورة الحج ، 77 ) ، لما قدم ذكر الركوع على السجود ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة ، كذلك الترتيب هنا .
قوله عز وجل : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) أي : اغتسلوا ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله " قوله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب ، ( ما يريد الله ليجعل عليكم ) بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ، ( من حرج ) ضيق ، ( ولكن يريد ليطهركم ) من الأحداث والجنابات والذنوب ، ( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) قال محمد بن كعب القرظي : إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء كما قال الله تعالى : " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ( سورة الفتح ، 2 ) ، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه .
أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران : أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان : أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوما فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ ، ثم قال : والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ، ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من امرئ [ مسلم ] يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها " قال مالك : أراه يريد هذه الآية ( وأقم الصلاة لذكري ) ورواه ابن شهاب وقال عروة : الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ( سورة البقرة ، 159 ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا يحيى بن بكير أنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد ، فتوضأ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل منكم غرته فليفعل " .
«يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم» أي أردتم القيام «إلى الصلاة» وأنتم محدثون «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق» أي معها كما بينته السنة «وامسحوا برؤوسكم» الباء للإلصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء وهو اسم جنس فيكفي أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض شعرة وعليه الشافعي «وأرجلكم» بالنصب عطفا على أيديكم وبالجر على الجوار «إلى الكعبين» أي معهما كما بينته السنة وهما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس المسموح يفيد وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات «وإن كنتم جنبا فاطَّهروا» فاغتسلوا «وإن كنتم مرضى» مَرَضا يضره الماء «أو على سفر» أي مسافرين «أو جاء أحد منكم من الغائط» أي أحدث «أو لا مستم النساء» سبق مثله في آيه النساء «فلم تجدوا ماء» بعد طلبه «فتيمموا» اقصدوا «صعيدا طيَّبا» ترابا طاهرا «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم» مع المرفقين «منه» بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أن المراد استيعاب العضوين بالمسح «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج» ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم «ولكن يريد ليطهركم» من الأحداث والذنوب «وليتم نعمته عليكم» بالإسلام ببيان شرائع الدين «لعلكم تشكرون» نعمه.
يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق (والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد) وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين (وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم).
وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة.
فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه.
ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم؛ بطاعته فيما أمر وفيما نهى.
وبعد أن بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فيما يتعلق بمطاعمهم .
وفيام يتعلق بما يحل لهم من النساء .
أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم فيما يتعلق بعبادتهم التي من أهمها الوضوء ، والغسل .
والصلاة .
وأمرهم بالمحافظة على شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال - تعالى - :( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة .
.
.
)قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - افتتح السورة بقوله : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ) وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية .فقوله : ( أَوْفُواْ بالعقود ) طلب الله - تعالى - من عباده أن يفوا بعهد العبودية .
فكأنما قيل : يا إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإِحسان .
فقال - تعالى - : نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم .معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح .
وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا بالوفاء بعهد الربوبية والكرم .معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح فاستقصى - سبحانه - في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح .
وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية .ولما كان أعظم الطاعات بعد الإِيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ - سبحانه - بذكر فرائض الوضوء فقال : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ) .والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها ، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة المسبب ، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائماً على ذكر من إرادتها ودم الإِهمال في أدائها .وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وهذا باطل بالإجماع .وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك ، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها .قال الآلوسي ما ملخصه : وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم ( الذين آمَنُواْ ) من غير اختصاص بالمحدثين .
لكن الإِجماع على خلاف ذلك ، فقد أخرج مسلم وغيره " أن النبي صلى الله عليه سلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد .
فقال له عمر : يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه .
فقال صلى الله عليه وسلم : " عمداً فعلته يا عمر " " .يعني : بيانا للجواز .
فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة ، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال .ولأنه اشتراط الحدث في البدل وهو التيمم ، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا .وقوله - تعالى - ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) صريح في البدلية .ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضأون لكل صلاة ، ورد بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد : " من توضأ على طهر كتب الله - تعالى - له عشر حسنات " .وقوله : ( فاغسلوا ) من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم : مع الدلك .وقوله : ( وُجُوهَكُمْ ) جمع وجه .
وهو مأخوذ من المواجهة .وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضاً .والمرافق : جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع .والكعبين : تثنية كعب .
وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم .والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر ، فاغسلوا وجوهكم ، أي : فأسيلوا الماء على وجوهكم ، وأسيلوه أيضاً على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين .وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الالمام بأهمها فنقول :أولا : أخذ جمهور الفقهاء من قوله - تعالى - ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا ) إلخ أن الوضوء لابد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أي شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها ، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما الأعمال بالنيات " وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء ، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله ، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة .وقال الأحناف : إن النية في الوضوء ليست بفرض .
لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها .وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة ، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد ، وليست شرطاً في الوسيلة وهي الوضوء .وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة ، ومسح ما يجب مسحه منها ، وللمسلم أن يصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل .
قالوا : ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ) فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها .ثانيا : قوله ( فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ) اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه .فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه ، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل غسل الوجه .وقال بعض الفقهاء : المضمضمة والاستنشاق داخلان في الغسل .ثالثاً : أخذ كثير من الفقهاهء من قوله - تعالى - ( إِلَى المرافق ) .
.
و ( إِلَى الكعبين ) أن المرافق داخله مع اليدين في وجوب الغسل ، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل .قالوا : لأن ( إلى ) هنا بمعنى مع ، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبوية قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد ، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل .
وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد .ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا ، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك ، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين .وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل المرفقين والكعبين .قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لما رواه الدارقطني عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " .ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب ، لأن الغاية من قوله : ( إِلَى المرافق ) و ( إِلَى الكعبين ) تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول ، ولا وجوب مع الاحتمال .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله : قوله ( إِلَى المرافق ) تفيد معنى الغاية مطلقا .
فأما دخولها في الحكم وخروجها ، فأمر يدور مع الدليل .
فمما فيه دليل على الخروج قوله : ( فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) لأن الإِعسار علة الإِنظار .
وبوجود الميسرة تزول العلة .
ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسراً وموسراً .
وكذلك ( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل ) لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم .
ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظة القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله .
ومنه قوله - تعالى - : ( مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) لوقووع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله .وقوله ( إِلَى المرافق ) و ( إِلَى الكعبين ) لا دليل فيه على أحد الأمرين ، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل .
وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها .
" وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه " .رابعا : أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء ، لقوله - تعالى - ( وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ) إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح .فال المالكية : يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط ، وتبعهم في ذلك الحنابلة .وقال الشافعية : يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية : يفترض مسح ربع الرأس .ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية .
فقال المالكيبة والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون - أيضاً - زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى ، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس ، ويكون البعض داخلا في ذلك .وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض ، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين ، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته " قالوا : والناصية تساوي ربع الرأس .قال بعض العلماء : والسنة الصحيحة وردت بالبيان .
وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقص العمامة .
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر .
وهذه هي التي استمر عليها صلى الله عليه وسلم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي يداوم عليها .
وهي مسح الرأس مقبلا ومدبراً .
وإجراء غيرها في بعض الأحوال .خامساً : قوله تعالى ( وَأَرْجُلَكُمْ ) وردت فيه قراءتان متواترتان .إحداهما : بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائي ويعقوب .والثانية : بكسر اللام وهي قراءة الباقين .أما قراءة النصب فعلى أن قوله ( وَأَرْجُلَكُمْ ) معطوف على قوله ( وُجُوهَكُمْ ) أو هو منصوب بفعل مقدر أي : وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين .وأما قراءة الجر فعلى أن قوله ( وَأَرْجُلَكُمْ ) معطوف على ( بِرُؤُوسِكُمْ ) .قال القرطبي ما ملخصه : فمن قرأ بالنصب جعل العامل " اغسلوا " وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح .
وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ما حديث .
وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته .
" ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدهما فقال : ( إِلَى الكعبين ) كما قال في اليدين ( إِلَى المرافق ) فدل على وجوب غسلهما .ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء .
فقال ابن العربي : اتفقت العلماء على وجوب غسلهما ، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين ، والرافضة من غيرهم .
وتعلق الطبري بقراءة الخفض - أي قال بمسح الرجلين .ثم قال : وقد قيل : إن قوله ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أي لفظ الرءوس - وهذا أيضاً يدل على الغسل ، فإن المراعي المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب .
وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال - تعالى - ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ) بالجر لأن النحاس هو الدخان .ثم قال : والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين السغل ما قدمناه ، وما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم" ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله .
ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب .
ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب .
ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح .
إذ لا مدخل بطونهما عندهم ، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح .ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما .
وحسبك بهذا احجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله و ( وَأَرْجُلَكُمْ ) وقوله ( فاغسلوا ) والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما .
تقول : أكلت الخبز واللبن .
أي : وشربت اللبن .وقد عقد الإِمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية - كثيراً من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين ، وجعل عنوانه : " ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه " .ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى ابن عباس .
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة ، وإما مرتين أو ثلاثاً .
على اختلاف رواياتهم .وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " .وعن جابر بن عبد الله قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رِجْلَ رَجل مثل الدرهم لم يغسله فقال : " ويل للأعقاب من النار " .ثم قال ابن كثير : ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة .
وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما ، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه ، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل .
بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف .ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله ( وَأَرْجُلَكُمْ ) محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة ، للإشارة إلى وجوب عدم الإِسراف في الماء .
فقد قال : فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟
قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها : فكانت مظنة للإِسراف المذموم المنهي عنه ، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها .وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله : لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفي الغليل .
والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو ، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم ، كقوله : متقلداً سيفاً ورمحاً .وعلفتها تبنا وماء باردا .
ونظائره كثيرة .ثم يقال : ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟
وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟
فيقال : فائدته الإِيجاز والاختصار .
وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا : واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد ، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح ، ونبه بهذا التشريك - الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جداً .
على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح .
وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود .هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر .
وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء .سادساً : أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هي هذه الأربعة فحسب أي : غسل الوجه ، واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس ، وغسل الرجلين إلى الكعبين .وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية - كما سبق أن أشرنا - كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس ، ثم غسل الرجلين ، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا الترتيب في القرآن فيجب التزامه .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم .وقال الأحناف : الترتيب ليس فرضاً ، لأن العطف بين الأركان بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا .كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه .
وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة .والذي تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبي لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئأ بأوله .
أما إذا قطع المتوضئ وضوء لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظارهة فإنه في هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه .تلك هي بعض المسائل التي رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها .
وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبة فقال - تعالى - ( وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا ) .والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة .
وكلمة جنب من الألفاظ التي يستوي فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر ، فيقال : رجل جنب ، وامرأة جنب ، وهما جنب ، ورجال ونساء جنب .
.
واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة ، لأن الجنابة معنى شرعي يستلزم من السملم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر .وقوله ( فاطهروا ) أصله فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء فسكنت فأتى بالهمزة .والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول في الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق ، وتمسحوا برؤوسكم .
وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين ، هذا إذا كنتم محدثين حدثاً أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر ، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا .
أي : تغسلوا بالماء جميع بدنكم .
لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو ، كان أمراً شاملا لتطهير جميع البدن ، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله - تعالى - في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها .وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الحملة ما يحل محل الماء عند فقده .والتعبير بقوله ( فاطهروا ) فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم الماء على الجسد كله ، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم ، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجنابة أو الحيض أو النفاس فيه انتعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإِنهاك ، وفيه كذلك طهارة نفسية ، لأنه يبعث في الإِنسان حسن الاستعداد لذكر الله ، ولأداء تكاليفه .قال الفخر الرازي : والدلك غير واجب في الغسل .
وقال مالك : الدلك واجب وحجة غيره أن قوله ( فاطهروا ) أمر بتطهير البدن وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك .
ثم قال : والشافعي قال : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل - ومثله في ذلك الإِمام مالك .وقال أبو حنيفة - والحنابلة - هما : واجبان لأن الآية تقول ( فاطهروا ) وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم .
وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها .
وداخل الفم والأنف يمكن تطيرهما .
فوجب بقاؤهما تحت النص .
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة " فقوله " بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف .
لأن داخله شعر .
وقوله " وأنقوا البشرة " يدخل في الجلدة التي داخل الفم .
وحجة الشافعي - ومالك قوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل ، وكل يبين ما يعمله .ثم شرع - سبحانه - في بيان الأعذار التي تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال - تعالى - : ( وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ) .والمراد بالمرضى في قوله - تعالى - ( وَإِن كُنتُم مرضى ) المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقاً كأن يكون اسعمال الماء يزيد المرض شدة ، أو يبطئ البرء .وقوله ( أَوْ على سَفَرٍ ) في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضي وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر ، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا ، بخلافة في قوله - تعالى - في سورة البقرة : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) فإن المراد به هناك سفر القصر ، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية .وقوله ( أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط ) معطوف على ما قبله والغائط : من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض .
وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس .وفي إسناد المجيء إلى واحد من مبهم من المخاطبين ، سمو في التعبير .
حيث تحاشى - سبحانه - التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به .
وفي ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب في الخطاب ، والبعد عن الألفاظ التي تخدش الحياء ، ويمجها الذوق السليم .والمراد بالملامسة في قوله تعالى ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء ) الجماع : فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال : وهي كناية قرآنية أراد - سبحانه - أن يعلم الناس منها حسن التعبير ، والبعد عن الألفاظ التي تتنافى مع آداب الإِسلام وتعاليمه السامية .وإلى هذا الرأي اتجه كثير من الصحابة ، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو موسى .وتبعهم في ذلك كثير من الفقهاء كأبي حنيفة وأبي يوسف وزفر والثوري فقد قالوا : لا ضوءو على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها .
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه ثم يصلي ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم .واستدلوا - أيضاً - بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون في الفعل من الجانبين مقصوداً ، وذلك إنما يتأتى في الجماع دون اللمس باليد .
وأيضاً فإن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما في قوله - تعالى -( وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد ، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء .وقد سار الإِمام الشافعي على هذا الرأي فقال : إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة .ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد ، وهو في الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإِمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء ، وكاذا إذا مسته بشهوة وتلذذ ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما .وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع .
والذي نراه أولى بالصواب في هذ المسألة ما قاله الإِمام مالك - رحمه الله - لأنه بني رأيه على وجود الشهوة وعدمها .
والفاء في قوله : ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله ( وَإِن كُنتُم مرضى ) .والضمير في قوله : ( فَلَمْ تَجِدُواْ ) يعودل لكل ما تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة .والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) ما هو أعم من الوجود الحسي أي : أن قوله : " فلم تجدوا ماء " كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا ، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء .وقوله : ( فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ) جواب الشرط وهو قوله : ( وَإِن كُنتُم مرضى ) .والمعنى : وإن كنتم - أيها المؤمنون - في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر؛ أو كنتم محدثين حدثاً أصغر أو أكبر ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم ، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف ، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله ، أو كنتم في حاجة ماسة إليه ، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيداً طيبا بدلا من الماء ، فإن الله - تعالى - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين ) ومنهم من يرى أن الضمير في قوله : ( فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً ) يعود إلى الجميع ما عدا المرضي ، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله .
وعلى هذا الرأي يكون المراد بعدم الوجدان ، عدم الوجدان الحسي .والتيمم لغة القصد .
يقال تيممت الشيء إذا قصدته .ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به .وأما الصعيد - بوزن فعيل - فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره .
وقيل يطلق على التراب فحسب .والطيب : الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر .وقوله : ( فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) بيان لكيفية التيمم .أي : إذا لم تجدوا ماء للتطهر به ، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله ، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم .وقد استدل بعض الفقهاء بقوله : ( فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ) على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر ، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب .ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز التراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض .
متى كان طاهراً .
قالوا : لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض .
وهذه الصفة لا تختص بالتراب .قال القرطبي - بعد أن ذكر آراء الفقهاء في ذلك - " وإذا تقرر هذا فالعم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن تيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب .
ومكان الإِجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف في غير هذا كالمعادن ، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعي وغيره " .كما استدل الأحناف والشافعية بقوله - تعالى - ( فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ) على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير .
والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين ، فقد جاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " التيمم ضربتان ضربة للوجه .
وضربة للذراعين إلى المرفقين " .ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين .
هذا ، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسينا لقوله - تعالى - في سورة النساء : ( وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده ، ورعايته لمصالحهم فقال - تعالى ( مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .أي : ما يريد الله - تعالى - بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة ، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه ، ما يريد - سبحانه - بذلك ( لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ) أي ضيق ومشقة وعسر ، ولكن يريد بذلك ليطهركم .أي : ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ ، ويريد بذلك أيضاً ( وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية ، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته ، لأنكم متى شكرتموه زادكم من فضله ومننه .وعبر - سبحانه - عن نفي الحرج بنفي إرادته ، مبالغة في بيان رأفته - سبحانه - بعباده ، ورعايته لمصالحهم .
فكأنه - سبحانه - يقول : ما كان من شأن الله - تعالى - مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج .وقوله ( لِيَجْعَلَ ) يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإِِيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله : ( مِّنْ حَرَجٍ ) وتكون ( من ) زائدة لتأكيد النفي وقوله ( عَلَيْكُم ) متعلق بالجعل .
ويحتمل أن يكون بمعنى التصير فيكون قوله ( عَلَيْكُم ) هو المفعول الثاني ، وقوله : ( ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله .وقريب من معنى هذه الجملة قوله - تعالى - ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقوله - تعالى - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) وقوله تعالى - ( يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ) وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا الدخول في الصلاة ، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا ، وما يجبع أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارو أو أداء ما علهيم من تكاليف ، كما بينت لهم حكمة الله في تشريعاته لهم ، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها .
ثم قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ .
اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية، فقوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية، فكأنه قيل: إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك، وعهد العبودية منا، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان.
فقال تعالى: نعم أنا أوفي أولاً بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلاّ بالطهارة، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن المراد بقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ﴾ ليس نفس القيام، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وأنه باطل بالإجماع.
الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لكان قد خرج عن العهدة، بل المراد منه: إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه مشهور متعارف، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب، يقال: فلان قائم بذلك الأمر، قال تعالى: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ وليس المراد منه ألبتة الانتصاب، بل المراد كونه مريداً لذلك الفعل متهيئاً له مستعداً لإدخاله في الوجود، فكذا هاهنا قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ﴾ معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها.
المسألة الثانية: قال قوم: الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، وليس ذلك تكليفاً مستقلاً بنفسه، واحتجوا بأن قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا ﴾ جملة شرطية، الشرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة.
وقال آخرون: المقصود من الوضوء الطهارة، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام: بني الدين على النظافة وقال: أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سبباً لغفران الذنوب والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة، وقال أكثر الفقهاء: لا يجب.
احتج داود بهذه الآية من وجهين: لأول: أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك، فإن قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ﴾ إما أن يكون المراد منه قياماً واحداً وصلاة واحدة، فيكون المراد منه الخصوص، أو يكون المراد منه العموم، والأول باطل لوجوه: الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية، وحمل الآية على الإجمال إخراج لها عن الفائدة، وذلك خلاف الأصل.
وثانيها: أنه يصح إدخال الاستثناء عليه، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب العموم.
وثالثها: أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد، وإذا بطل هذا وجب حمله على المعموم عند كل قيام إلى الصلاة، إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل، فتصير هذه الآية وحدها مجملة، وقد بينا أنه خلاف الأصل، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
الوجه الثاني: أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ، وذلك لأن الصلاة اشتغال بخدمة المعبود، والاتشغال بالخدمة يجب أن يكون مقروناً بأقصى ما يقدر العبد عليه من التعظيم، ومن وجوه التعظيم كونه آتياً بالخدمة حال كونه في غاية النظافة، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف المناسب، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه، فيلزم وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
ثم قال داود: ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة الشاذة: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، أو يقال: إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه، قال: أما القراءة الشاذة فمردودة قطعاً، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن، وهو أن يقال: إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل، وأيضاً فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها، فلو كان ذلك قرآناً لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال: هذا يقتضي نسخ القررن بالخبر، وذلك لا يجوز.
قال الفقهاء: إن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت، ثم لو دخلت ثانياً لم تطلق ثانياً، وذلك يدل على أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد العموم، وأيضاً أن السيد إذ قال لعبده: إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة.
وأعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم: فلعله يلتزم العموم، وأيضاً فله أن يقول: إنا قد دللنا على أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال عمر رضي الله عنه: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر.
أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأيضاً فهذا الخبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظباً على تجديد الوضوء لكل صلاة، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى: ﴿ فاتبعوه ﴾ بقي أن يقال: قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح، فنقول: لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه: الأول: هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها.
والثاني: أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحاً لقوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
الثالث: أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد.
والرابع: أن دلالة القرآن على قولنا لفظية، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم.
والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال: لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية ﴿ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ﴾ أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سبباً لوجوب الطهارة عند وجود الماء، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة، وذلك يدل على ما قلناه.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة؟
والأصح أنها تدل عليه من وجهين: الأول: أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء، ثم بيّن أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم، ولو لم يكن شرطاً لما صح ذلك.
الثاني: أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به، وتارك المأمور به يستحق العقاب، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية.
المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: النيّة شرط لصحة الوضوء والغسل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليس كذلك.
وأعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية.
أما الشافعي رحمه الله فإنه قال: الوضوء مأمور به، وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً فالوضوء يجب أن يكون منوياً، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطاً لأنه لا قائل بالفرق، وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ اغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ ولا شك أن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ أمر، وإنما قلنا: إن كل مأمور به أن يكون منوياً لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ واللام في قوله: ﴿ لِيَعْبُدُواْ ﴾ ظاهر للتعليل، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض، فيصير التقدير: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبراً.
وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منوياً فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منوياً أقصى ما في الباب أن قولنا: كل مأمور به يجب أن يكون منوياً مخصوص في بعض الصور، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص، والعام حجة في غير محل التخصيص.
وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطاً لصحة الوضوء، فقال: إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز.
وجوابنا: أنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن.
المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: الترتيب شرط لصحة الوضوء، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: ليس كذلك، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق.
فإن قالوا: فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال.
قلنا: فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه، ثم إن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع، وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع، فكان قولنا أولى.
والوجه الثاني: أن نقول: وقعت البداءة في الذكر بالوجه، فوجب أن تقع البداءة به في العمل لقوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ابدؤا بما بدأ الله».
وهذا الخبر وإن ورد في قصة الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص، والثالث: أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس، ولا على وفق الترتيب المعتبر في الشرع، وذلك يدل على أن الترتيب واجب.
بيان المقدمة الأولى أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلاً إلى القدم، أو من القدم صاعداً إلى الرأس، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك، وأما الترتيب المعتبر في الشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء المغسولة، ويفرد الممسوحة عنها، والآية ليست كذلك، فإنه تعالى أدرج الممسوح في أثناء المغسولات، إذ ثبت هذا فنقول: هذا يدل على أن الترتيب واجب، والدليل عليه أن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح، فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك محتملاً للتنبيه على أن ذلك الترتيب واجب، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل.
الرابع: أن إيجاب الوضوء غير معقول المعنى، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص، بيان المقام الأول من وجوه: أحدها: أن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول.
وثانيها: أن أعضاء المحدث طاهرة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً» وتطهير الطاهر محال.
وثالثها: أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء، ولا شك أنه ضد النظافة والوضاءة.
ورابعها: أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام الغسل، ومعلوم أنه لا يفيد ألبته في نفس العضو نظافه.
وخامسها: أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة، وماء الورد لا يفيدها، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى، وإذ ثبت هذ وجب الاعتماد فيه على مورد النص، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبراً إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة، بل هاهنا أولى، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما وجب الترتيب هناك فهاهنا أولى.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال: الواو لا توجب الترتيب، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص، وهو نسخ وهو غير جائز.
وجوابنا: أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم.
المسألة السابعة: موالاة أفعال الوضوء ليست شرطاً لصحته في القول الجديد للشافعي رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة، وهو قوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول الطهارة، فوجب أن نقول بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطهارة».
المسألة الثامنة: قال أبو حنيفة رحمه الله: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء، وقال الشافعي رحمه الله لا ينقض، احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال: ظاهرها يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة على ما بينا ذلك فيما تقدم، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس، والشافعي رحمه الله عول على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلّى ولم يزد على غسل أثر محاجمه.
المسألة التاسعة: قال مالك رحمه الله: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة، وقال ربيعة: لا وضوء أيضاً في دم الاستحضانة، لنا التمسك بعموم الآية.
المسألة العاشرة: قال أبو حنيفة رحمه الله: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء، وقال الباقون: لا تنقض، ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه.
المسألة الحادية عشرة: قال الشافعي رحمه الله: لمس المرأة ينقض الوضوء، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينقضه، للشافعي أن يتمسك بعموم الآية، وهذا العموم متأكد بظاهر قوله تعالى: ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ وحجة الخصم خبر واحد، أو قياس، فلا يصير معارضاً له.
المسألة الثانية عشرة: مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية، وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام: «من مسّ ذكره فليتوضأ».
والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية فكان الترجيح معنا.
المسألة الثالثة عشرة: لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة عن الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه؟
ما رأيت هذه المسألة موضوعة في كتب أصحابنا.
والذي أقوله: إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ وقد أتى به فيخرج عن العهدة لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى فإنه يصح وضوؤه، كذا هاهنا.
وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام: «لكل امرئ ما نوى».
وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوي والله أعلم.
المسألة الرابعة عشر: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوؤه أم لا؟
يمكن أن يقال: لا يصح، لأنه أمر بالغسل، والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل، ويمكن أن يقال: يصح لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضي إلى الإنغسال، والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ذلك الوقوف غسلاً.
المسألة الخامسة عشرة: إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقشرت الجلدة عنها فلا شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول، إنما المغسول هو تلك الجلدة وقد تقلصت وسقطت.
المسألة السادسة عشرة: الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو، فلو رطب هذه الأعضاء، ولكن ما سال الماء عليها لم يكف، لأن الله تعالى أمر بإمرار الماء على العضو، وفي غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك، والفرق أن المأمور به في الوضوء الغسل، وذلك لا يحصل إلا عند إمرار الماء، وفي الجناية المأمور به الطهر، وهو قوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ وذلك حاصل بمجرد الترطيب.
المسألة السابعة عشرة: لو أخذ الثلج وأمره على وجهه، فإن كان الهواء حاراً يذيب الثلج ويسيل جاز، وإن كان بخلافه لم يجز خلافاً لمالك والأوزاعي.
لنا أن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يقتضي كونه مأموراً بالغسل، وهذا لا يسمى غسلاً، فوجب أن لا يجزئ.
المسألة الثامنة عشرة: التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب، إنما الواجب هو المرة الواحدة، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ وماهية الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة، ثم إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
المسألة التاسعة عشرة: السواك سنة، وقال داود: واجب ولكن تركه لا يقدح في الصلاة.
لنا أن السواك غير مذكور في الآية، ثم حكم بحصول الطهارة بقوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطهارة».
المسألة العشرون: التسمية في أول الوضوء سنة، وقال أحمد وإسحاق: واجبة، وإن تركها عامداً بطلت الطهارة، لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية، ثم حكم بحصول الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة، ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء وضوئه».
المسألة الحادية والعشرون: قال بعض الفقهاء: تقديم غسل اليدين على الوضوء واجب، وعندنا أنه سنة وليس بواجب، والاستدلال بالآية كما قررناه في السواك وفي التسمية.
المسألة الثانية والعشرون: حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل كل ذلك.
المسألة الثالثة والعشرون: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يجب إيصال الماء إلى داخل العين، وقال الباقون لا يجب، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل الوجه لقوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ والعين جزء من الوجه، فوجب أن يجب غسله.
حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ ﴾ ولا شك أن في إدخال لماء في العين حرجاً والله أعلم.
المسألة الرابعة والعشرون: المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء والغسل عند الشافعي رحمه الله، وعند أحمد وإسحاق رحمهما الله واجبان فيهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل، غير واجب في الوضوء.
لنا أنه تعالى أوجب غسل الوجه، والوجه هو الذي يكون مواجهاً وداخل الأنف والفم غير مواجه فلا يكون من الوجه.
إذ ثبت هذا فنقول: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله: ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه.
المسألة الخامسة والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب لنا.
أنه من الوجه، والوجه يجب غسله بالآية، ولأنا أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضاً بعده.
المسألة السادسة والعشرون: قال الشافعي رحمه الله: يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجب.
لنا أن قوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يوجب غسل الوجه، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملاً بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج، فكانت الآية دالة على وجوب غسله.
المسألة السابعة والعشرون: هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضاً؟
للشافعي رحمه الله فيه قولان: أحدهما: أنه يجب.
والثاني: أنه لا يجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني.
حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجهاً، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجهاً والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية.
المسألة الثامنة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن، تركنا العمل به في حق الرجال دفعاً للحرج، ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل.
واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العين، لأن قوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة، فوجب أن تبقى على الأصل.
المسألة التاسعة والعشرون: قال الشعبي: ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة، والأذن ليست كذلك.
المسألة الثلاثون: قال الجمهور: غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما، وقال مالك وزفر رحمهما الله: لا يجب غسل المرفقين، وهذا الخلاف حاصل أيضاً في قوله: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ حجة زفر أن كلمة ﴿ إلى ﴾ لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجاً عنه كما في قوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ فوجب أن لا يجب غسل المرفقين.
والجواب من وجهين: الأول: أن حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس، وهاهنا يكون الحد خارجاً عن المحدود، وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ فإن النهار منفصل عن الليل انفصالاً محسوساً لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس، وقد لا يكون كذلك كقولك: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس.
إذا عرفت هذا فنقول: لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر، فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق.
الوجه الثاني من الجواب: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم، فإنه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله، وهذا الجواب اختيار الزجاج والله أعلم.
المسألة الحادية والثلاثون: الرجل إن كان أقطع، فإن كان أقطع مما دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من المرفق لأن قوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين، فإذا سقط بعضه بالقطع وجب غسل الباقي بحكم الآية، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال الشافعي رحمه الله: يجب إمساس الماء لطرف العظم، وذلك لأن غسل المرفق لما كان واجباً والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين، فإذا وجب إمساس الماء لملتقى العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة.
المسألة الثانية والثلاثون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب، وقال أحمد: هو واجب.
لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه تقديم اليمنى على اليسرى، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة كان والله أعلم.
المسألة الثالثة والثلاثون: السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرفق، فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف، فقال بعضهم: هذا لا يجوز لأنه تعالى قال: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ فجعل المرافق غاية الغسل، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز.
وقال جمهور الفقهاء: أنه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركاً للسنة.
المسألة الرابعة والثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة فإنه يجب غسلها بحكم هذه الآية.
المسألة الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿ إِلَى المرافق ﴾ يقتضي تحديد الأمر لا تحديد المأمور به، يعني أن قوله: {فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُ <div class="verse-tafsir"
﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ كقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله ﴾ [النحل: 98] وكقولك: إذا ضربت غلامك فهوّن عليه، في أن المراد إرادة الفعل.
فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟
قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه، فكما عبر عن القدرة عن الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي لا يقدران على الطيران والإبصار.
ومنه قوله تعالى: ﴿ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 104] يعني إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأنّ الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم: كما تدين تدان، إن عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.
وقيل: معنى قمتم إلى الصلاة قصدتموها؛ لأنّ من توجّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبَّر عن القصد له بالقيام إليه.
فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصَّلاة محدث وغير محدّث، فما وجهه؟
قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» وعنه عليه السلام: «أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه وصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد» ، فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال: «عمداً فعلته يا عمر» يعني بياناً للجواز؟
فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب.
قلت: لا، لأنَّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية.
وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض.
ثم نسخ (إلى) تفيد معنى الغاية مطلقاً.
فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280] لأن الإعسار علة الإنذار.
وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً.
وكذلك: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ [البقرة: 187] لو دخل الليل لوجب الوصال.
ومما فيه دليل على أن الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله.
ومنه قوله تعالى: ﴿ مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ [الإسراء: 1] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله: ﴿ إِلَى المرافق ﴾ و ﴿ إِلَى الكعبين ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل.
وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يدير الماء على مرفقيه» ﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ المراد إلصاق المسح بالرأس.
وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح، كلاهما ملصق للمسح برأسه.
فقد أخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روي: أنه مسح على ناصيته.
وقدر الناصية بربع الرأس.
قرأ جماعة ﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها.
وقيل: ﴿ إِلَى الكعبين ﴾ فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة.
وعن علي رضي الله عنه: أنه أشرف على فتية من قريش فرأى في وضوئهم تجوزاً، فقال: ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً ويدلكونها دلكاً.
وعن ابن عمر و: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح فقال: «ويل للأعقاب من النار» وفي رواية جابر: «ويل للعراقيب» وعن عمر أنه رأى رجلاً يتوضأ فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، وذلك للتغليظ عليه، وعن عائشة رضي الله عنها لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين.
وعن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين.
وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح.
وعن الحسن: أنه جمع بين الأمرين.
وعن الشعبي: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة.
وقرأ الحسن: وأرجلكم، بالرفع بمعنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين.
وقرئ: ﴿ فاطهروا ﴾ أي فطهروا أبدانكم، وكذلك ليطهركم.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ فأموا صعيداً ﴾ ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ ﴾ في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم ﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ ﴾ بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ وليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ نعمته فيثيبكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ القِيامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ المُسَبِّبِ عَنْها لِلْإيجازِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ العِبادَةَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ الفِعْلُ عَنِ الإرادَةِ، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ لِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى الشَّيْءِ والقِيامَ إلَيْهِ قَصْدٌ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَقالَ عَمْدًا فَعَلْتُهُ».» فَقِيلَ مُطْلَقٌ أُرِيدَ بِهِ التَّقْيِيدُ، والمَعْنى إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ.
وقِيلَ الأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ.
وقِيلَ كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ وهو ضَعِيفٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» .
﴿ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أمِرُّوا الماءَ عَلَيْها ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ خِلافًا لِمالِكٍ.
﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وأيْدِيَكم مُضافَةً إلى المَرافِقِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِمَعْنى التَّحْدِيدِ ولا لِذِكْرِهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، لِأنَّ مُطْلَقَ اليَدِ يَشْتَمِلُ عَلَيْها.
وَقِيلَ: إلى تُفِيدُ الغايَةَ مُطْلَقًا وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ أوْ خُرُوجُها مِنهُ فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ وإنَّما يُعْلَمُ مِن خارِجٍ ولَمْ يَكُنْ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لَها فَحُكِمَ بِدُخُولِها احْتِياطًا.
وقِيلَ إلى مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ الغايَةَ تَقْتَضِي خُرُوجَها وإلّا لَمْ تَكُنْ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ﴾ لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ ها هُنا عَنْ ذِي الغايَةِ وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا.
﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ.
وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ مَسَحَتُ المِندِيلَ وبِالمِندِيلِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُؤُوسَكم فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَدْرِ الواجِبِ فَأوْجَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقَلُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أخْذًا بِاليَقِينِ.
وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسَحَ رُبُعَ الرَّأْسِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الرُّبُعِ.
ومالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَسْحُ كُلِّهِ أخْذًا بِالِاحْتِياطِ.
﴿ وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ ﴾ نَصَبَهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى وُجُوهِكم ويُؤَيِّدُهُ: السُّنَّةُ الشّائِعَةُ، وعَمَلُ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، والتَّحْدِيدُ، إذِ المَسْحُ لَمْ يُحَدَّ.
وَجَرَّهُ الباقُونَ عَلى الجِوارِ ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ بِالجَرِّ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وقَوْلِهِمْ جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ.
ولِلنُّحاةِ بابٌ في ذَلِكَ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِدَ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها ويُغْسَلُ غَسْلًا يَقْرُبُ مِنَ المَسْحِ، وفي الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخَوَيْهِ إيماءً عَلى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى «وَأرْجُلُكُمْ» مَغْسُولَةٌ.
﴿ وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ فاغْتَسِلُوا.
﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في بَيانِ أنْواعِ الطَّهارَةِ.
﴿ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ﴾ أيْ ما يُرِيدُ الأمْرَ بِالطِّهارَةِ لِلصَّلاةِ أوِ الأمْرَ بِالتَّيَمُّمِ تَضْيِيقًا عَلَيْكم.
﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ لِيُنَظِّفَكُمْ، أوْ لِيُطَهِّرَكم عَنِ الذُّنُوبِ فَإنَّ الوُضُوءَ تَكْفِيرٌ لِلذُّنُوبِ، أوْ لِيُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكم التَّطْهِيرُ بِالماءِ.
فَمَفْعُولٌ يُرِيدُ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ لِلْعِلَّةِ.
وقِيلَ مَزِيدَةٌ والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ أنْ لا تُقَدَّرُ بَعْدَ المَزِيدَةِ.
﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ لِيُتِمَّ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ومَكْفَرَةٌ لِذُنُوبِكم نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ نِعْمَتَهُ.
والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلُّها مُثَنّى: طَهارَتانِ أصْلٌ وبَدَلٌ، والأصْلُ اثْنانِ مُسْتَوْعِبٍ وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ، وغَيْرُ المُسْتَوْعِبِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسَلَ ومَسَحَ وبِاعْتِبارِ المَحَلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
{يا أيها الذين آمنوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ} أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله فَإِذَا قرأت
المائدة (٦)
القرآن أي إذا أردت أن تقرأ القرآن فعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مقام السبب لملابسة بينهما طلباً للإيجاز ونحوه كما تدين تدان عبر عن الفعل الابتدائي الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه وتقديره وانتم محدثون عن ابن عباس رضى الله عنهما أو من النوم لأنه دليل الحدث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يتوضئون لكل صلاة وقبل كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فرض ثم نسخ {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق} إلى تفيد معنى الغاية مطلقاً فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل على الخروج فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظراً في الحالتين معسراً وموسراً وكذلك أتموا الصيام إلى الليل لو دخل الليل
لوجب الوصال ومما فيه دليل على الدخول قولك حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله ومنه قوله تعالى {مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} لوقوع العلم بأنه عليه السلام لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله وقوله إلى المرافق لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه {وامسحوا برؤوسكم} المراد الصاق المسح بالرأس وماسح بعثه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذنا ببيان النبي عليه السلام وهو ما روي أنه مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين} بالنصب شامي ونافع وعلي وحفص والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم على التقديم والتأخير غيرهم بالجر بالعطف على الرؤس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها وقيل إلى الكعبين فجئ بالغاية إماطة لظن ظانٍ يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة وقال فى جامع العلوم أنها مجرورة للجواز وقد صح أن النبي عليه السلام رأى قوماً يمسحون على أرجلهم فقال ويل للأعقاب من النار وعن عطاء والله ما
علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا والصلاة
خدمة الله تعالى والقيام بين يديه متطهر من الأوساخ أقرب إلى التعظيم فكان أكمل في الخدمة كما في الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك ولهذا قيل إن الأولى أن يصلي الرجل في أحسن
المائدة (٦ _ ٨)
ثيابه وإن الصلاة متعمماً أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما أن ذلك أبلغ في التعظيم {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا} فاغسلوا أبدانكم {وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ} قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث {من الغائط} المكان المطمئن وهو كتابة عن قضاء الحاجة {أَوْ لامستم النساء} جامعتم {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم {ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته فيثيبكم
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهُمْ، ووَجْهُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ظاهِرٌ ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها والِاشْتِغالَ بِها، فَعُبِّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْها مَجازًا، وفائِدَتُهُ الإيجازُ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن أرادَ العِبادَةَ يَنْبَغِي أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ الفِعْلُ عَنِ الإرادَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ فَعُبِّرَ عَنْ أحَدِ لازِمَيِ الشَّيْءِ بِلازِمِهِ الآخَرِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا؛ نَظَرًا إلى عُمُومِ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالمُحْدِثِينَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ، وإنَّما ذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ الإجْماعَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى الخَمْسَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»» يَعْنِي بَيانًا لِلْجَوازِ، فاسْتَحْسَنَ الجُمْهُورُ كَوْنَ الآيَةِ مُقَيِّدَةً، والمَعْنى: ( إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ) مُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلالَةِ الحالِ؛ ولِأنَّهُ اشْتُرِطَ الحَدَثُ في البَدَلِ وهو التَّيَمُّمُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ في الوُضُوءِ مَعَ المَدْخَلِيَّةِ في التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنِ البَدَلُ بَدَلًا.
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ صَرِيحٌ في البَدَلِيَّةِ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ في الكَلامِ شَرْطًا أيْ: ( إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ) إلَخْ، إنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ؛ لِأنَّهُ يُلائِمُهُ كُلَّ المُلائِمَةِ عَطْفُ ( ﴿ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ ) عَلَيْهِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ، ويُعْلَمُ الوُجُوبُ لِلْمُحْدِثِ مِنَ السُّنَّةِ، واسْتُبْعِدَ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ وُجُوبَ الوُضُوءِ مُسْتَفادٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الِاحْتِياجِ إلى التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ المُحْدِثِينَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأبْعَدُ مِنهُ أنَّهُ نَدْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ ووُجُوبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، وقِيلَ: هو لِلْوُجُوبِ، وكانَ الوُضُوءُ واجِبًا عَلى كُلِّ قائِمٍ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الغَسِيلِ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا كانَ أمْ غَيْرَ طاهِرٍ، فَلَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، ووُضِعَ عَنْهُ الوُضُوءُ إلّا مِن حَدَثٍ»» ولا يُعارِضُ ذَلِكَ خَبَرُ أنَّ المائِدَةَ آخِرُ القُرْآنِ نُزُولًا إلَخْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُوَّةِ مِثْلَهُ، حَتّى قالَ العِراقِيُّ: لَمْ أجِدْهُ مَرْفُوعًا، نَعَمِ، الِاسْتِدْلالُ عَلى الوُجُوبِ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ نَسْخُ الوُجُوبِ عَنْهم آخِرًا بِمّا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا ونَسْخُهُ عَنْهُ آخِرًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، كَما لا يَخْفى.
وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ ( إذا قُمْتُمْ ) مِنَ المَضاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ ( إلى الصَّلاةِ ) والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ويُحْكى عَنْ داوُدَ: أنَّهُ أوْجَبَ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والخُلَفاءَ مِن بَعْدِهِ كانُوا يَتَوَضَّؤُونَ كَذَلِكَ، وكانَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - يَتَوَضَّأُ كَذَلِكَ، ويَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَأْبى اسْتِمْرارَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ، والخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَمْ يَثْبُتْ، وفِعْلُ الخُلَفاءِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وقَدْ ورَدَ: ««مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ»».
﴿ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ: أسِيلُوا عَلَيْها الماءَ، وحَّدُ الإسالَةِ أنْ يَتَقاطَرَ الماءُ ولَوْ قَطْرَةً عِنْدَهُما، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - لا يُشْتَرَطُ التَّقاطُرُ، وأمّا الدَّلْكُ فَلَيْسَ مِن حَقِيقَةِ الغَسْلِ، خِلافًا لِمالِكٍ، فَلا يَتَوَقَّفُ حَقِيقَتُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ: ومَرْجِعُهم فِيهِ قَوْلُ العَرَبِ: غَسَلَ المَطَرُ الأرْضَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ إلّا الإسالَةُ، ومُنِعَ بِأنَّ وقْعَهُ مِن عُلُوٍّ خُصُوصًا مَعَ الشِّدَّةِ والتَّكَرُّرِ دَلْكٌ أيَّ دَلْكٍ!
وهم لا يَقُولُونَهُ إلّا إذا نُظِّفَتِ الأرْضُ، وهو إنَّما يَكُونُ بِدَلْكٍ، وبِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى المَعْقُولِ مِن شَرْعِيَّةِ الغَسْلِ، وهو تَحْسِينُ هَيْئَةِ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ لِلْقِيامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي لا يَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ المُتَوَضِّئِينَ إلّا بِالدَّلْكِ.
وحُكِيَ عَنْهُ أنَّ الدَّلْكَ لَيْسَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإنَّما هو واجِبٌ لِتَحَقُّقِ وصُولِ الماءِ، فَلَوْ تَحَقَّقَ لَمْ يُجِبْ، كَما قالَهُ ابْنُ الحاجِّ في شَرْحِ المُنْيَةِ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ قالَ بِاشْتِراطِ الدَّلْكِ في الغَسْلِ، ولَمْ يَشْتَرَطِ السَّيَلانَ فِيما لَوْ أمَرَّ المُتَوَضِّئُ الثَّلْجَ عَلى العُضْوِ فَإنَّهُ قالَ: يَكْفِي ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَذُبِ الثَّلْجُ ويَسِيلُ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ الأوْزاعِيُّ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى غَسْلًا أصْلًا، ويَبْعُدُ قِيامُهُ مَقامَهُ.
وحَدُّ الوَجْهِ عِنْدَنا طُولًا مِن مَبْدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى أسْفَلِ اللَّحْيَيْنِ، وعَرْضًا ما بَيْنَ شَحْمَتَيِ الأُذُنِ؛ لِأنَّ المُواجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الحالَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنها، واشْتِقاقُ الثُّلاثِيِّ مِنَ المَزِيدِ - إذا كانَ المَزِيدُ أشْهَرَ في المَعْنى الَّذِي يَشْتَرِكانِ فِيهِ - شائِعٌ.
وقالَ العَلّامَةُ أكْمَلُ الدِّينِ: إنَّ ما ذَكَرُوا مِن مَنعِ اشْتِقاقِ الثُّلاثِيِّ مِنَ المَزِيدِ إنَّما هو في الِاشْتِقاقِ الصَّغِيرِ، وأمّا في الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ - وهو أنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ تَناسُبٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى - فَهو جائِزٌ، ويُعْطِي ظاهِرُ التَّحْدِيدِ وُجُوبَ إدْخالِ البَياضِ المُعْتَرِضِ بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ بَعْدَ نَباتِهِ، وهو قَوْلُهُما، خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ، ويُعْطِي أيْضًا وُجُوبَ الإسالَةِ عَلى شَعَرِ اللِّحْيَةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ فِيهِ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وغَيْرِهِ، فَعَنْهُ: يَجِبُ مَسْحُ رُبُعِها، وعَنْهُ: مَسْحُ ما يُلاقِي البَشَرَةَ، وعَنْهُ: لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ: يَجِبُ اسْتِيعابُها، وعَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الكُلِّ، َقِيلَ: -وهُوَ الأصَحُّ - وفي الفَتاوى الظَّهِيرِيَّةِ وعَلَيْهِ الفَتْوى؛ لِأنَّهُ قامَ مَقامَ البَشَرَةِ فَتَحَوَّلَ الفَرْضُ إلَيْهِ كالحاجِبِ.
وقالَ في البَدائِعِ، عَنِ ابْنِ شُجاعٍ: إنَّهم رَجَعُوا عَمّا سِوى هَذا، وكُلُّ هَذا في الكَثَّةِ، أمّا الخَفِيفَةُ الَّتِي تُرى بَشَرَتُها فَيَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَها، ولَوْ أمَرَّ الماءَ عَلى شَعَرِ الذَّقَنِ ثُمَّ حَلَقَهُ لا يَجِبُ غَسْلُ الذَّقَنِ.
وفِي البَقّالِ: لَوْ قَصَّ الشّارِبَ لا يَجِبُ تَخْلِيلُهُ، وإنْ طالَ وجَبَ تَخْلِيلُهُ، وإيصالُ الماءِ إلى الشَّفَتَيْنِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ قَطْعَهُ مَسْنُونٌ فَلا يُعْتَبَرُ قِيامُهُ في سُقُوطِ ما تَحْتَهُ، بِخِلافِ اللِّحْيَةِ فَإنَّ إعْفاءَها هو المَسْنُونُ، وعَدَّ شَيْخُ الإسْلامِ المَرْغِينانِيُّ في التَّجْنِيسِ إيصالَ الماءِ إلى مَنابِتِ شَعَرِ الحاجِبَيْنِ والشّارِبِ مِنَ الآدابِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وأمّا الشَّفَةُ فَقِيلَ: تَبَعٌ لِلْفَمِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ما انْكَتَمَ عِنْدَ انْضِمامِهِ تَبَعٌ لَهُ، وما ظَهَرَ فَلِلْوَجْهِ، ورُوِيَ هَذا التَّحْدِيدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -وغَيْرِهِمْ.
وقِيلَ: الوَجْهُ كُلُّ ما دُونَ مَنابِتِ الشَّعَرِ مِنَ الرَّأْسِ إلى مُنْقَطَعِ الذَّقَنِ طُولًا، ومِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، ما ظَهَرَ مِن ذَلِكَ لِعَيْنِ النّاظِرِ، وما بَطَنَ كَداخِلِ الأنْفِ والفَمِ، وكَذا ما أقْبَلَ مِنَ الأُذُنَيْنِ.
ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعَمّارٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وجَماعَةٍ فَأوْجَبُوا غَسْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمْ أرَ لَهم نَصًّا في باطِنِ العَيْنِ، والظّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ غَسْلِهِ لِمَزِيدِ الحَرَجِ وتَوَقُّعِ الضَّرَرِ، ولِهَذا صَرَّحَ البَعْضُ بِعَدَمِ سُنِّيَّةِ الغَسْلِ أيْضًا، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ، نَعَمْ، يَخْطُرُ في الذِّهْنِ رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يُوجِبُ غَسْلَ باطِنِ العَيْنِ في الغَسْلِ ويَفْعَلُهُ، وأنَّهُ كانَ سَبَبًا في كَفِّ بَصَرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ جَمْعُ مِرْفَقٍ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أفْصَحُ مِن عَكْسِهِ، وهو مَوْصِلُ الذِّراعِ في العَضُدِ، ولَعَلَّ وجْهَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ: يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنَ اليَدِ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى دُخُولِها.
وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ المَرافِقَ يَجِبُ غَسْلُها، ولِذَلِكَ قِيلَ ( إلى ) بِمَعْنى مَعَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ ﴾ و ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ وقِيلَ: هي إنَّما تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ.
ومِنَ الأُصُولِ المُقَرَّرَةِ أنْ ما بَعْدَ الغايَةِ إنْ دَخَلَ في المُسَمّى لَوْلا ذِكْرُها دَخَلَ وإلّا فَلا، ولا شَكَّ أنَّ المَرافِقَ داخِلَةٌ في المُسَمّى فَتَدْخُلُ، وما أُورِدَ عَلى هَذا الأصْلِ مِن أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فَلانًا إلى غَدِ لا يَدْخُلُ مَعَ أنَّهُ يَدْخُلُ لَوْ تُرِكَتِ الغايَةُ غَيْرُ قادِحٍ فِيهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنا في مُقْتَضى اللُّغَةِ، والإيمانُ تَبَنّى عَلى العُرْفِ، وجازَ أنْ يُخالِفَ العُرْفُ اللُّغَةَ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ( إلى ) جاءَتْ وما بَعْدَها داخِلٌ في الحُكْمِ فِيما قَبْلَها، وجاءَتْ وما بَعْدَها غَيْرُ داخِلٍ، فَمِنهم مَن حَكَمَ بِالِاشْتِراكِ، ومِنهم مَن حَكَمَ بِظُهُورِ الدُّخُولِ، ومِنهم مَن حَكَمَ بِظُهُورِ انْتِفاءِ الدُّخُولِ، وعَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ، ودُخُولُ المُرافِقِ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ أدارَ الماءَ عَلَيْها.
ونَقَلَ أصْحابُنا حِكايَةَ عَدَمِ دُخُولِها عَنْ زُفَرَ، واسْتَدَلَّ بِتَعارُضِ الأشْباهِ، وبِأنَّ في الدُّخُولِ في المُسَمّى اشْتِباهًا أيْضًا فَلا تَدَخُلُ بِالشَّكِّ، وحَدِيثُ الإدارَةِ لا يَسْتَلْزِمُ الِافْتِراضَ؛ لِجَوازِ كَوْنِهِ عَلى وجْهِ السُّنَّةِ كالزِّيادَةِ في مَسْحِ الرَّأْسِ إلى أنْ يَسْتَوْعِبَهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا تَعارُضَ مَعَ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في الأصْلِ المُقَرَّرِ، وأيْضًا عَلى ما قالَ يَثْبُتُ الإجْمالُ في دُخُولِها، فَيَكُونُ اقْتِصارُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِرْفَقِ وقَعَ بَيانًا لِلْمُرادِ مِنَ اليَدِ، فَيَتَعَيَّنُ دُخُولُ ما أدْخَلَهُ ( واغْسِلْ يَدَكَ لِلْأكْلِ ) مِن إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ.
وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: دَلَّ عَلى دُخُولِها الِاتِّباعُ والإجْماعُ، بَلْ والآيَةُ أيْضًا بِجَعْلِ ( إلى ) غايَةً لِلتَّرْكِ المُقَدَّرِ، بِناءً عَلى أنَّ اليَدَ حَقِيقَةً إلى المَنكِبِ كَما هو الأشْهَرُ لُغَةً، وكَأنَّهُ عَنى بِالإجْماعِ إجْماعَ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ، وإلّا فَلا شَكَّ في وُجُودِ المُخالِفِ بَعْدُ، وعَدُّوا داوُدَ، وكَذا الإمامَ مالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن ذَلِكَ، ولِي في عَدِّ الأخِيرِ تَرَدُّدٌ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إجْماعَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ عَلى فَرْضِيَّةِ غَسْلِ اليَدَيْنِ مَعَ المَرْفِقَيْنِ.
قِيلَ: ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الخِلافِ أنَّ فاقِدَ اليَدِ مِنَ المِرْفَقِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ عَلى طَرَفِ العَظْمِ عِنْدَ القائِلِ بِالدُّخُولِ، ولا يَجِبُ عِنْدَ المُخالِفِ؛ لِأنَّ مَحَلَّ التَّكْلِيفِ لَمْ يَبْقَ أصْلًا، كَما لَوْ فَقَدَ اليَدَ فَما فَوْقَ المِرْفَقِ، نَعَمْ، يُنْدَبُ لَهُ غَسْلُ ما بَقِيَ مِنَ العَضُدِ؛ مُحافَظَةً عَلى التَّحْجِيلِ.
هَذا، واسْتِيعابُ غَسْلِ المَأْمُورِ بِهِ مِنَ الأيْدِي فَرْضٌ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، فَلَوْ لَزِقَ بِأصْلِ ظُفْرِهِ طِينٌ يابِسٌ أوْ نَحْوُهُ أوْ بَقِيَ قَدْرُ رَأْسِ إبْرَةٍ مِن مَوْضِعِ الغَسْلِ لَمْ يَجُزْ، ولا يَجِبُ نَزْعُ الخاتَمِ وتَحْرِيكُهُ إذا كانَ واسِعًا، والمُخْتارُ في الضَّيِّقِ الوُجُوبُ، وفي الجامِعِ الأصْغَرِ: إنْ كانَ وافِرَ الأظْفارِ وفِيها دَرَنٌ أوْ طِينٌ أوْ عَجِينٌ جازَ في القَرَوِيِّ والمَدَنِيِّ عَلى الصَّحِيحِ المُفْتى بِهِ، كَما قالَ الدَّبُّوسِيُّ وقِيلَ: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَها إلّا الدَّرَنَ؛ لِتَوَلُّدِهِ مِنهُ.
وقالَ الصَّفّارُ: يَجِبُ الإيصالُ مُطْلَقًا إنْ طالَ الظُّفْرُ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الهُمامِ؛ لِأنَّ الغَسْلَ وإنْ كانَ مَقْصُورًا عَلى الظَّواهِرِ لَكِنْ إذا طالَ الظُّفْرُ يَصِيرُ بِمَنزِلَةِ عُرُوضِ الحائِلِ كَقَطْرَةِ شَمْعَةٍ، وفي النَّوازِلِ: يَجِبُ في المِصْرِيِّ لا القَرْوِيِّ؛ لِأنَّ دُسُومَةَ أظْفارِ المِصْرِيِّ مانِعَةٌ مِن وُصُولِ الماءِ بِخِلافِ القَرْوِيِّ، ولَوْ طالَتْ أظافِرُهُ حَتّى خَرَجَتْ عَنْ رُؤُوسِ الأصابِعِ وجَبَ غَسْلُها قَوْلًا واحِدًا، ولَوْ خُلِقَ لَهُ يَدانِ عَلى المَنكِبِ فالتّامَّةُ هي الأصْلِيَّةُ يَجِبُ غَسْلُها، والأُخْرى زائِدَةٌ، فَما حازى مِنها مَحَلَّ الفَرْضِ وجَبَ غَسْلُهُ، وما لا فَلا، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ أوْجَبَ البِدايَةَ في غَسْلِ الأيْدِي مِنَ المَرافِقِ، فَلَوْ غَسَلَ مِن رُءُوسِ الأصابِعِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوؤُهُ.
وقَدْ حَكى ذَلِكَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا البَعْضَ مِنَ الشِّيعَةِ، ولا أجِدُ لَهم في ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا.
﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ لِتَعَدِّي الفِعْلِ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ لِلتَّبْعِيضِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ أنَّها تَجِيءُ لِذَلِكَ، وأنْشَدَ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ وقِيلَ: إنَّ العُرْفَ نَقْلُها إلى التَّبْعِيضِ في المُتَعَدِّي.
والمَفْرُوضُ في المَسْحِ عِنْدَنا مِقْدارُ النّاصِيَةِ، وهو رُبُعُ الرَّأْسِ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ فَوْقَ الأُذُنَيْنِ، لِما رَوى مُسْلِمٌ، عَنِ المُغِيرَةِ: ««أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَوَضَّأ فَمَسَحَ بِناصِيَتِهِ»» والكِتابُ مُجْمَلٌ في حَقِّ الكِمِّيَّةِ، فالتَحِقْ بَيانًا لَهُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَقُولُ: هو مُطْلَقٌ لا مُجْمَلٌ فَإنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلى كَمِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أجْمَلَ فِيها، بَلْ إلى الإطْلاقِ، فَيَسْقُطُ عِنْدَهُ بِأدْنى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَسْحُ الرَّأْسِ، عَلى أنَّ في حَدِيثِ المُغِيرَةِ رِوايَتانِ: عَلى ناصِيَتِهِ، وبِناصِيَتِهِ، والأُولى لا تَقْتَضِي اسْتِيعابَ النّاصِيَةِ؛ لِجَوازِ كَوْنِ ذِكْرِها لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهُ مَسْحٌ عَلى الفَوْدِ أوِ القَذالِ، فَلا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبِكُمْ، ولَوْ دَلَّ مِثْلُ هَذا عَلى الِاسْتِيعابِ لَدَلَّ مَسْحٌ عَلى الخُفَّيْنِ عَلَيْهِ أيْضًا، ولا قائِلَ بِهِ هُناكَ عِنْدَنا وعِنْدَكُمْ، وإذا رَجَعْنا إلى الثّانِيَةِ كانَ مَحَلُّ النِّزاعِ في الباءِ كالآيَةِ، ويَعُودُ التَّبْعِيضُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ يُسْتَدَلَّ بِرِوايَةِ أبِي داوُدَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ««رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ، وعَلَيْهِ عِمامَةٌ قَطَرِيَّةٌ، فَأدْخَلَ يَدَهُ مِن تَحْتِ العِمامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ»» وسَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ، فَهو حُجَّةٌ، وظاهِرُهُ اسْتِيعابُ تَمامِ المُقَدَّمِ، وتَمامُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ هو الرُّبُعُ المُسَمّى بِالنّاصِيَةِ، ومِثْلُهُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءٍ ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأ فَحَسَرَ العِمامَةَ، ومَسَحَ مُقَدَّمَ رَأسِهِ، أوْ قالَ: ناصِيَتِهِ»» فَإنَّهُ حُجَّةٌ، وإنْ كانَ مُرْسَلًا عِنْدَنا، وكَيْفَ وقَدِ اعْتَضَدَ بِالمُتَّصِلِ؟
بَقِيَ شَيْءٌ وهو أنَّ ثُبُوتَ الفِعْلِ كَذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَوازِ الأقَلِّ، فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ المُلازَمَةِ القائِلَةِ لَوْ جازَ الأقَلُّ لِفِعْلِهِ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوازِ، وقَدْ يُمْنَعُ بِأنَّ الجَوازَ إذا كانَ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ الفِعْلِ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ فِيهِ، وهُنا كَذَلِكَ نَظَرًا إلى الآيَةِ، فَإنَّ الباءَ فِيها لِلتَّبْعِيضِ، وهو يُفِيدُ جَوازَ الأقَلِّ، فَيَرْجِعُ البَحْثُ إلى دَلالَةِ الآيَةِ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ، وهو المَعْنى المُجْمَعُ عَلَيْهِ لَها بِخِلافِ التَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ الكَثِيرَ مِن مُحَقِّقِي أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ يَنْفُونَ كَوْنَهُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا لِلْباءِ بِخِلافِ ما إذا كانَ في ضِمْنِ الإلْصاقِ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ إلْصاقَ الآلَةِ بِالرَّأْسِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ لا يَسْتَوْعِبُ الرَّأْسَ، فَإذا أُلْصِقَ فَلَمْ يَسْتَوْعِبْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ بِذَلِكَ البَعْضِ، وحِينَئِذٍ فَتَعَيَّنَ الرُّبُعُ؛ لِأنَّ اليَدَ إنَّما تَسْتَوْعِبُ قَدْرَهُ غالِبًا، فَلَزِمَ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّ المَفْرُوضَ مِقْدارُ ثَلاثِ أصابِعَ، وصَحَّحَها بَعْضُ المَشايِخِ؛ نَظَرًا إلى أنَّ الواجِبَ إلْصاقُ اليَدِ، والأصابِعُ أصْلُها، ولِذا يَلْزَمُ كَمالُ دِيَةِ اليَدِ بِقَطْعِها، والثَّلاثُ أكْثَرُها، ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ ظاهِرُ الرِّوايَةِ.
وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والإمامُ أحْمَدُ في أظْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ إلى أنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعابُ الرَّأْسِ بِالمَسْحِ، والإمامِيَّةُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَوْ أصابَ المَطَرُ قَدْرَ الفَرْضِ سَقَطَ عِنْدَنا، ولا يُشْتَرَطُ إصابَتُهُ بِاليَدِ؛ لِأنَّ الآلَةَ لَمْ تُقْصَدْ إلّا لِلْإيصالِ إلى المَحَلِّ، فَحَيْثُ وصَلَ اسْتُغْنِيَ عَنِ اسْتِعْمالِها، ولَوْ مَسَحَ بِبَلٍّ في يَدِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ مِن عُضْوٍ آخَرَ جازَ، وإنْ أخَذَهُ لا يَجُوزُ، ولَوْ مَسَحَ بِإصْبَعٍ واحِدَةٍ مَدَّها قَدْرَ الفَرْضِ وكَذا بِإصْبَعَيْنِ عَلى ما قِيلَ لا يَجُوزُ خِلافًا لِزُفَرَ، وعَلَّلُوهُ بِأنَّ البِلَّةَ صارَتْ مُسْتَعْمَلَةً، وهو عَلى إشْكالِهِ بِأنَّ الماءَ لا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ الِانْفِصالِ لِيُسْتَلْزَمَ عَدَمُ جَوازِ مَدِّ الثَّلاثِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لا يُجْزِئُ أقَلُّ مِنَ الرُّبُعِ، والمَشْهُورُ في ذَلِكَ الجَوازُ.
واخْتارَ شَمْسُ الأئِمَّةِ أنَّ المَنعَ في مَدِّ الإصْبَعِ والِاثْنَتَيْنِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِاسْتِعْمالِ البِلَّةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِإصْبَعَيْنِ في التَّيَمُّمِ لا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، خُصُوصًا إذا تَيَمَّمَ عَلى الحَجَرِ الصَّلْدِ، بَلِ الوَجْهُ عِنْدَهُ أنّا مَأْمُورُونَ بِالمَسْحِ بِاليَدِ، والإصْبَعانِ مِنها لا تُسَمَّيانِ يَدًا بِخِلافِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما هو الأصْلُ فِيها، وهو حَسَنٌ - كَما قالَ ابْنُ الهُمامِ - لَكِنَّهُ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الإصابَةِ بِاليَدِ، وهو مُنْتَفٍ بِمَسْألَةِ المَطَرِ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ المُرادَ تَعَيُّنُها أوْ ما يَقُومُ مَقامَها مِنَ الآلاتِ عِنْدَ قَصْدِ الإسْقاطِ بِالفِعْلِ اخْتِيارًا، غَيْرَ أنَّ لازِمَهُ كَوْنُ تِلْكَ الآلَةِ الَّتِي هي غَيْرُ اليَدِ مَثَلًا قَدْرَ ثَلاثِ أصابِعَ مِنَ اليَدِ حَتّى لَوْ كانَ عُودًا مَثَلًا لا يَبْلُغُ ذَلِكَ القَدْرَ، قُلْنا: بِعَدَمِ جَوازِ مَدِّهِ.
وقَدْ يُقالُ: عَدَمُ الجَوازِ بِالإصْبَعِ بِناءً عَلى أنَّ البِلَّةَ تَتَلاشى وتَفْرُغُ قَبْلَ بُلُوغِ قَدْرِ الفَرْضِ بِخِلافٍ الإصْبَعَيْنِ فَإنَّ الماءَ يُتَحَمَّلُ بَيْنَ الإصْبَعَيْنِ المَضْمُومَتَيْنِ فَضْلَ زِيادَةٍ تَحْتَمِلُ الِامْتِدادَ إلى قَدْرِ الفَرْضِ، وهَذا مُشاهَدٌ أوْ مَظْنُونٌ، فَوَجَبَ إثْباتُ الحُكْمِ بِاعْتِبارِهِ، فَعَلى اعْتِبارِ صِحَّةِ الِاكْتِفاءِ بِقَدْرِ ثَلاثِ أصابِعَ يَجُوزُ مَدُّ الإصْبَعَيْنِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الماءِ يَمْتَدُّ قَدْرَ إصْبَعٍ ثالِثَةٍ، وعَلى اعْتِبارِ تَوَقُّفِ الإجْزاءِ عَلى الرُّبُعِ لا يَجُوزُ لِأنَّ ما بَيْنَهُما لا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ إيعابُهُ الرُّبُعَ، إلّا أنَّ هَذا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ عَدَمُ جَوازِ التَّيَمُّمِ بِإصْبَعَيْنِ، فَلَوْ أدْخَلَ رَأْسَهُ إناءَ ماءٍ ناوِيًا لِلْمَسْحِ جازَ، والماءُ طَهُورٌ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْطى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمالِ إلّا بَعْدَ الِانْفِصالِ، والَّذِي لاقى الرَّأْسَ مِن أجْزائِهِ لَصِقَ بِهِ فَطَهَّرَهُ، وغَيْرُهُ لَمْ يُلاقِهِ فَلا يُسْتَعْمَلُ.
واتَّفَقَتِ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَسْحَ عَلى العِمامَةِ غَيْرُ مُجْزِئٍ إلّا أحْمَدَ، فَإنَّهُ أجازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِنَ العِمامَةِ شَيْءٌ تَحْتَ الحَنَكِ، رِوايَةٌ واحِدَةٌ، وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَها عَلى طَهارَةٍ فِيهِ رِوايَتانِ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ أيْضًا في مَسْحِ المَرْأةِ عَلى قِناعِها المُسْتَدِيرِ تَحْتَ حَلْقِها، فَرُوِيَ عَنْهُ جَوازُ المَسْحِ كَعِمامَةِ الرَّجُلِ ذاتِ الحَنَكِ، ورُوِيَ عَنْهُ المَنعُ، ونُقِلَ عَنِ الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ جَوازُ المَسْحِ عَلى العِمامَةِ، ولَمْ أرَ حِكايَةَ الِاشْتِراطِ ولا عَدَمِهِ عَنْهُما، وقَدْ ذُكِرَ لَنا دَلِيلُ الجَوازِ في كِتابِ الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ.
﴿ وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ ﴾ وهُما العَظْمانِ النّاتِئانِ مِنَ الجانِبَيْنِ عِنْدَ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَمِ، ومِنهُ الكاعِبُ - وهي الجارِيَةُ الَّتِي تَبْدُو ثَدْيُها لِلنُّهُودِ - ورَوى هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّ الكَعْبَ هو المَفْصِلُ الَّذِي في وسَطِ القَدَمِ عِنْدَ مُعْتَرَكِ الشِّراكِ؛ لِأنَّ الكَعْبَ اسْمٌ لِلْمَفْصِلِ، ومِنهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ، والَّذِي في وسَطِ القَدَمِ مَفْصِلٌ دُونَ ما عَلى السّاقِ، وهَذا صَحِيحٌ في المُحْرِمِ إذا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ مُحَمَّدٍ، فَأمّا في الطَّهارَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ ما ذَكَرْنا.
وفِي الأرْجُلِ ثَلاثُ قِراءاتٍ: واحِدَةٌ شاذَّةٌ واثْنَتانِ مُتَواتِرَتانِ، أمّا الشّاذَّةُ فالرَّفْعُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأمّا المُتَواتِرَتانِ فالنَّصْبُ: وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ، والكِسائِيِّ، ويَعْقُوبَ.
والجَرُّ: وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةَ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ.
ومِن هُنا اخْتَلَفَ النّاسُ في غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ومَسْحِهِما، قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: فَنَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ الواجِبَ فِيها المَسْحُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ، وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ: فَرْضُهُما الغَسْلُ، وقالَ داوُدُ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُ النّاصِرِ لِلْحَقِّ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ، وحُجَّةُ القائِلِينَ بِالمَسْحِ قِراءَةُ الجَرِّ؛ فَإنَّها تَقْتَضِي كَوْنَ الأرْجُلِ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، فَكَما وجَبَ المَسْحُ فِيها وجَبَ فِيها.
والقَوْلُ إنَّهُ جَرٌّ بِالجِوارِ كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وقَوْلِهِ: كَأنَّ ثَبِيرًا في عَرانِينِ وبْلِهِ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَّمَلِ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها أنَّ الكَسْرَ عَلى الجِوارِ مَعْدُودٌ في اللَّحْنِ الَّذِي قَدْ يُتَحَمَّلُ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ.
وثانِيها أنَّ الكَسْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ حَصَلَ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ، كَما فِيما اسْتَشْهَدُوا بِهِ، وفِي الآيَةِ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ غَيْرُ حاصِلٍ.
وثالِثُها أنَّ الجَرَّ بِالجِوارِ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ، وأمّا مَعَ حَرْفِ العَطْفِ فَلَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ العَرَبُ.
ورَدُّوا قِراءَةَ النَّصْبِ إلى قِراءَةِ الجَرِّ فَقالُوا: إنَّها تَقْتَضِي المَسْحَ أيْضًا؛ لِأنَّ العَطْفَ حِينَئِذٍ عَلى مَحَلِّ الرُّءُوسِ لِقُرْبِهِ فَيَتَشارَكانِ في الحُكْمِ، وهَذا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِلنُّحاةِ، ثُمَّ قالُوا: أوْ لا يَجُوزُ رَفْعُ ذَلِكَ بِالإخْبارِ؛ لِأنَّها بِأسْرِها مِن بابِ الآحادِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.
ثُمَّ قالَ الإمامُ: واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا إلّا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ورَدَتْ بِإيجابِ الغَسْلِ، والغَسْلُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَسْحِ ولا يَنْعَكِسُ، فَكانَ الغَسْلُ أقْرَبَ إلى الِاحْتِياطِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّ غَسْلَ الأرْجُلِ يَقُومُ مَقامَ مَسْحِها.
والثّانِي أنَّ فَرْضَ الأرْجُلِ مَحْدُودٌ إلى الكَعْبَيْنِ، والتَّحْدِيدُ إنَّما جاءَ في الغَسْلِ لا في المَسْحِ، والقَوْمُ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمِ الَّذِي تَحْتَ مَفْصِلِ القَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ المَسْحُ عَلى ظَهْرِ القَدَمَيْنِ.
والثّانِي أنَّهم سَلَّمُوا أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُمْسَحَ ظُهُورُ القَدَمَيْنِ إلى هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا السُّؤالُ، انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ بَحْثَ الغَسْلِ والمَسْحِ مِمّا كَثُرَ فِيهِ الخِصامُ، وطالَما زَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يَدُلُّ عَلى أنَّهُ راجِلٌ في هَذا المَيْدانِ وضالِعٌ، لا يُطِيقُ العُرُوجَ إلى شاوِي ضَلِيعٍ تَحْقِيقٌ تَبْتَهِجُ بِهِ الخَواطِرُ والأذْهانُ، فَلْنَبْسُطِ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ رَغْمًا لِأُنُوفِ الشِّيعَةِ السّالِكِينَ مِنَ السُّبُلِ كُلَّ سَبِيلٍ حالِكٍ.
فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ، وبِيَدِهِ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إنَّ القِراءَتَيْنِ مُتَواتِرَتانِ بِإجْماعِ الفَرِيقَيْنِ بَلْ بِإطْباقِ أهْلِ الإسْلامِ كُلِّهِمْ، ومِنَ القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ إذا تَعارَضَتا في آيَةٍ واحِدَةٍ فَلَهُما حُكْمُ آيَتَيْنِ، فَلا بُدَّ لَنا أنْ نَسْعى ونَجْتَهِدَ في تَطْبِيقِهِما أوَّلًا مَهْما أمْكَنَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الدَّلائِلِ الإعْمالُ دُونَ الإهْمالِ، كَما تَقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ، ثُمَّ نَطْلُبُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُما، ثُمَّ إذا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنا التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما نَتْرُكُهُما ونَتَوَجَّهُ إلى الدَّلائِلِ الأُخَرِ مِنَ السُّنَّةِ.
وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ الآياتِ إذا تَعارَضَتْ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ ثُمَّ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما يُرْجَعُ إلى السُّنَّةِ؛ فَإنَّها لَمّا لَمْ يُمْكِنْ لَنا العَمَلُ بِها صارَتْ مَعْدُومَةً في حَقِّنا مِن حَيْثُ العَمَلُ، وإنْ تَعارَضَتِ السُّنَّةُ كَذَلِكَ نَرْجِعُ إلى أقْوالِ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ، أوْ نَرْجِعُ إلى القِياسِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ قِياسَ المُجْتَهِدِ يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّعارُضِ.
فَلَمّا تَأمَّلْنا في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في الآيَةِ وجَدْنا التَّطْبِيقَ بَيْنَهُما بِقَواعِدِنا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يُحْمَلَ المَسْحُ عَلى الغَسْلِ، كَما صَرَّحَ بِهِ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فَيُقالُ لِلرَّجُلِ إذا تَوَضَّأ: تَمَسَّحَ، ويُقالُ: مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ما بِكَ، أيْ: أزالَ عَنْكَ المَرَضَ، ومَسَحَ الأرْضَ المَطَرُ إذا غَسَلَها، فَإذا عُطِفَتِ الأرْجُلُ عَلى الرُّءُوسِ في قِراءَةِ الجَرِّ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها مَمْسُوحَةً بِالمَعْنى الَّذِي يَدَّعِيهِ الشِّيعَةُ.
واعْتُرِضَ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها أنَّ فائِدَةَ اللَّفْظَيْنِ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ والمَمْسُوحَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْنى الغَسْلِ والمَسْحِ واحِدًا؟!
وثانِيها أنَّ الأرْجُلَ إذا كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، وكانَ الفَرْضُ في الرُّءُوسِ المَسْحَ الَّذِي لَيْسَ بِغَسْلٍ بِلا خِلافٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الأرْجُلِ كَذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ.
وثالِثُها أنَّهُ لَوْ كانَ المَسْحُ - بِمَعْنى الغَسْلِ - يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ عَلى الغَسْلِ بِخَبَرِ ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»» لِأنَّهُ عَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَسَحَها فَسَمّى المَسْحَ غَسْلًا.
ورابِعُها أنَّ اسْتِشْهادَ أبِي زَيْدٍ بِقَوْلِهِمْ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلاةِ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِاحْتِمالِ أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يُخْبِرُوا عَنِ الطُّهُورِ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ ولَمْ يُجَزْ أنْ يَقُولُوا: تَغَسَّلْتُ لِلصَّلاةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الغُسْلَ قالُوا بَدَلَهُ: تَمَسَّحْتُ؛ لِأنَّ المَغْسُولَ مِنَ الأعْضاءِ مَمْسُوحٌ أيْضًا، فَتَجَوَّزُوا بِذَلِكَ؛ تَعْوِيلًا عَلى فَهْمِ المُرادِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا جَعَلُوا المَسْحَ مِن أسْماءِ الغَسْلِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنّا لا نُنْكِرُ اخْتِلافَ فائِدَةِ اللَّفْظَيْنِ لُغَةً وشَرْعًا، ولا تَفْرِقَةَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ المَغْسُولِ والمَمْسُوحِ مِنَ الأعْضاءِ، لَكِنّا نَدَّعِي أنَّ حَمْلَ المَسْحِ عَلى الغَسْلِ في بَعْضِ المَواضِعِ جائِزٌ، ولَيْسَ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ ما يَأْباهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
وعَنِ الثّانِي بِأنّا نُقَدِّرُ لَفْظَ امْسَحُوا قَبْلَ أرْجُلِكم أيْضًا، وإذا تَعَدَّدَ اللَّفْظُ فَلا بَأْسَ بِأنْ يَتَعَدَّدَ المَعْنى، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، فَقَدْ نَقَلَ شارِحُ زُبْدَةِ الأُصُولِ مِنَ الإمامِيَّةِ أنَّ هَذا القِسْمَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ جائِزٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وفي المَعْطُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ.
وقالُوا في آيَةِ ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ : إنَّ الصَّلاةَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ الشَّرْعِيِّ وهو الأرْكانُ المَخْصُوصَةُ، وفي المَعْطُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ وهو المَسْجِدُ، فَإنَّهُ مَحَلُّ الصَّلاةِ، وادَّعى ذَلِكَ الشّارِحُ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الآيَةَ جَمْعٌ مِن مُفَسِّرِي الإمامِيَّةِ وفُقَهائِهِمْ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ في التَّحْقِيقِ، ويَكُونُ المَسْحُ المُتَعَلِّقُ بِالرُّءُوسِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَسْحُ المُتَعَلِّقُ بِالأرْجُلِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، عَلى أنَّ مِن أُصُولِ الإمامِيَّةِ - كالشّافِعِيَّةِ - جَوازُ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وكَذا اسْتِعْمالُ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، ويُحْتَمَلُ هُنا إضْمارُ الجارِّ تَبَعًا لِلْفِعْلِ، فَتَدَبَّرْ.
ولا يُشْكَلُ أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ إبْهامًا، ويَبْعُدُ وُقُوعُ ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَما فُرِضَ الوُضُوءُ، وعَلَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوحُ القُدُسِ إيّاهُ في ابْتِداءِ البِعْثَةِ بِسِنِينَ، فَلا بَأْسَ أنْ يُسْتَعْمَلَ فِيها هَذا القِسْمُ مِنَ الإبْهامِ؛ فَإنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا عارِفِينَ بِكَيْفِيَّةِ الوُضُوءِ، ولَمْ تَتَوَقَّفْ مَعْرِفَتُهم بِها عَلى الِاسْتِنْباطِ مِنَ الآيَةِ، ولَمْ تَنْزِلِ الآيَةُ لِتَعْلِيمِهِمْ، بَلْ سَوْقُها لِإبْدالِ التَّيَمُّمِ مِنَ الوُضُوءِ والغَسْلِ في الظّاهِرِ، وذِكْرُ الوُضُوءِ فَوْقَ التَّيَمُّمِ لِلتَّمْهِيدِ، والغالِبُ فِيما يُذْكَرُ لِذَلِكَ عَدَمُ البَيانِ المُشْبِعِ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ حَمْلَ المَسْحِ عَلى الغَسْلِ لِداعٍ لا يَسْتَلْزِمُ حَمْلَ الغَسْلِ عَلى المَسْحِ بِغَيْرِ داعٍ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ؟!
سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، هَذا هو العَجَبُ العُجابُ.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ العُدُولَ عَنْ ( تَغَسَّلْتُ ) لِإيهامِهِ الغَسْلَ؛ فَإنَّ ( تَمَسَّحْتُ ) يُوهِمُ ذَلِكَ أيْضًا، بِناءً عَلى ما قالَهُ مِن أنَّ المَغْسُولَ مِنَ الأعْضاءِ مَمْسُوحٌ أيْضًا، سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنّا لَمْ نَقْتَصِرْ في الِاسْتِشْهادِ عَلى ذَلِكَ، ويَكْفِي ( مَسَحَ الأرْضَ المَطَرُ ) في الفَرْضِ.
والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَبْقى المَسْحُ عَلى الظّاهِرِ، وتُجْعَلَ الأرْجُلُ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ مَعْطُوفَةً عَلى المَغْسُولاتِ، كَما في قِراءَةِ النَّصْبِ والجَرِّ لِلْمُجاوَرِهِ، واعْتُرِضَ أيْضًا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ والثّانِي والثّالِثُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ مِن عَدِّ الجَرِّ بِالجِوارِ لَحْنًا، وأنَّهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ أمْنِ الِالتِباسِ، ولا أمْنَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وكَوْنُهُ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ.
والرّابِعُ أنَّ في العَطْفِ عَلى المَغْسُولاتِ - سَواءٌ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبَ اللَّفْظِ أوْ مَجْرُورَهُ - الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ أجْنَبِيَّةٍ لَيْسَتِ اعْتِراضِيَّةً، وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ النُّحاةِ، عَلى أنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: ( ضَرَبْتُ زَيْدًا وأكْرَمْتُ خالِدًا وبَكْرًا ) بِجَعْلِ بَكْرٍ عَطْفًا عَلى زَيْدٍ، أوْ إرادَةَ أنَّهُ مَضْرُوبٌ لا مُكْرَمٌ، وهو مُسْتَهْجَنٌ جِدًّا، تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ، ولا تَقْبَلُهُ الأسْماعُ، فَكَيْفَ يُجْنَحُ إلَيْهِ؟!
أوْ يُحْمَلُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؟!
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ إمامَ النُّحاةِ الأخْفَشَ وأبا البَقاءِ وسائِرَ مَهَرَةِ العَرَبِيَّةِ وأئِمَّتَها جَوَّزُوا جَرَّ الجِوارِ، وقالُوا بِوُقُوعِهِ في الفَصِيحِ، كَما سَتَسْمَعُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ولَمْ يُنْكِرْهُ إلّا الزَّجّاجُ، وإنْكارُهُ مَعَ ثُبُوتِهِ في كَلامِهِمْ يَدُلُّ عَلى قُصُورِ تَتَبُّعِهِ، ومِن هُنا قالُوا: المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي.
وعَنِ الثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ أمْنِ الِالتِباسِ، ولا نُقِلَ في ذَلِكَ عَنِ النُّحاةِ في الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ، نَعَمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُ حُسْنِهِ عَدَمُ الِالتِباسِ مَعَ تَضَمُّنِ نُكْتَةٍ، وهو هُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغايَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذا المَجْرُورَ لَيْسَ بِمَمْسُوحٍ، إذِ المَسْحُ لَمْ يُوجَدْ مُغَيًّا في كَلامِهِمْ، ولِذا لَمْ يُغْيَ في آيَةِ التَّيَمُّمِ، وإنَّما يُغْيا الغَسْلُ، ولِذا غُيِيَ في الآيَةِ حِينَ احْتِيجَ إلَيْهِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لَمْ يُغْيَ غَسْلُ الوَجْهِ لِظُهُورِ الأمْرِ فِيهِ، ولا قَوْلُ المُرْتَضى: إنَّهُ لا مانِعَ مِن تَغْيِيِهِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ الإشارَةُ إلى تَخْفِيفِ الغَسْلِ، حَتّى كَأنَّهُ مَسْحٌ.
وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِوُقُوعِهِ في النَّعْتِ، كَما سَبَقَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ بِجَرِّ ( مُحِيطٍ ) مَعَ أنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَذابِ، وفي التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ألا بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ بِجَرِّ ( كُلِّهِمْ ) عَلى ماحَكاهُ الفَرّاءُ.
وفِي العَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ وحُورٌ عِينٌ ﴾ ﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ ) عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وفي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ فَإنَّهُ مَجْرُورٌ بِجِوارِ ( أكْوابٍ وأبارِيقَ ) ومَعْطُوفٍ عَلى ( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) وقَوْلُ النّابِغَةِ: لَمْ يَبْقَ إلّا أسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ∗∗∗ ومُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَجْنُوبِ بِجَرِّ ( مُوثَقٍ ) مَعَ أنَّ العَطْفَ عَلى ( أسِيرٌ ) وقَدْ عَقَدَ النُّحاةُ لِذَلِكَ بابًا عَلى حِدَةٍ لِكَثْرَتِهِ، ولِما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ، وقَدْ كَثُرَ في الفَصِيحِ حَتّى تَعَدُّوا عَنِ اعْتِبارِهِ في الإعْرابِ إلى التَّثْنِيَةِ والتَّأْنِيثِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَلامُ ابْنِ الحاجِبِ في هَذا المَقامِ لا يُعْبَأُ بِهِ.
وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ لُزُومَ الفَصْلِ بِالجُمْلَةِ إنَّما يُخِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ جُمْلَةَ ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم ) مُتَعَلِّقَةً بِجُمْلَةِ المَغْسُولاتِ، فَإنْ كانَ مَعْناها ( وامْسَحُوا الأيْدِيَ بَعْدَ الغَسْلِ بِرُءُوسِكم ) فَلا إخْلالَ، كَما هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ مِن جَوازِ المَسْحِ بِبَقِيَّةِ ماءِ الغَسْلِ، واليَدُ المَبْلُولَةُ مِنَ المَغْسُولاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنَ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ إلى امْتِناعِ الفَصْلِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، أوْ مَعْطُوفٍ ومَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، بَلْ صَرَّحَ الأئِمَّةُ بِالجَوازِ، بَلْ نَقَلَ أبُو البَقاءِ إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، نَعَمْ، تَوَسُّطُ الأجْنَبِيِّ في كَلامِ البُلَغاءِ يَكُونُ لِنُكْتَةٍ، وهي هُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ، أوِ الإيماءُ إلى التَّرْتِيبِ، وكَوْنُ الآيَةِ مِن قَبِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ المِثالِ في حَيِّزِ المَنعِ، ورُبَّما تَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ النَّظْمُ: ( وامْسَحُوا رُءُوسَكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ ) والواقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ أيْضًا وجْهًا آخَرَ في التَّطْبِيقِ، وهو أنَّ قِراءَةَ الجَرِّ مَحْمُولَةٌ عَلى حالَةِ التَّخَفُّفِ، وقِراءَةَ النَّصْبِ عَلى حالٍ دُونَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الماسِحَ عَلى الخُفِّ لَيْسَ ماسِحًا عَلى الرِّجْلِ حَقِيقَةً ولا حُكْمًا؛ لِأنَّ الخُفَّ اعْتُبِرَ مانِعًا سَرايَةَ الحَدَثِ إلى القَدَمِ فَهي طاهِرَةٌ، وما حَلَّ بِالخُفِّ أُزِيلَ بِالمَسْحِ، فَهو عَلى الخُفِّ حَقِيقَةً وحُكْمًا، وأيْضًا المَسْحُ عَلى الخُفِّ لا يَجِبُ إلى الكَعْبَيْنِ اتِّفاقًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِبَيانِ المَحَلِّ الَّذِي يُجْزِئُ عَلَيْهِ المَسْحُ؛ لِأنَّهُ لا يُجْزِئُ عَلى ساقِهِ، نَعَمْ، هَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والقَلْبُ لا يَمِيلُ إلَيْهِ، وإنِ ادَّعى الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ أحْسَنُ ما قِيلَ في الآيَةِ.
ولِلْإمامِيَّةِ في تَطْبِيقِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ أيْضًا، لَكِنِ الفَرْقُ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما سَبَقَ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ في الغَسْلِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وقِراءَةُ الجَرِّ تُعادُ إلَيْها، وعِنْدَ الإمامِيَّةِ بِالعَكْسِ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تُعْطَفَ الأرْجُلُ في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى مَحَلِّ ( بِرُءُوسِكم ) فَيَكُونُ حُكْمُ الرُّءُوسِ والأرْجُلِ كِلَيْهِما مَسْحًا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الواوَ فِيهِ بِمَعْنى ( مَعَ ) مِن قَبِيلِ اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةُ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ بَحْثٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ العَطْفَ عَلى المَحَلِّ خِلافُ الظّاهِرِ بِإجْماعِ الفَرِيقَيْنِ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى المَغْسُولاتِ، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى خِلافِهِ بِلا دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، وإنِ اسْتَدَلُّوا بِقِراءَةِ الجَرِّ قُلْنا: إنَّها لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِما عَلِمْتَ.
والثّانِي إنَّهُ لَوْ عُطِفَ ( وأرْجُلَكم ) عَلى مَحَلِّ ( بِرُءُوسِكم ) جازَ أنْ نَفْهَمَ مِنهُ مَعْنى الغَسْلِ؛ إذْ مِنَ القَواعِدِ المُقَرَّرَةِ في العُلُومِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ فِعْلانِ مُتَغايِرانِ في المَعْنى - ويَكُونُ لِكُلٍّ مِنهُما مُتَعَلِّقٌ - جازَ حَذْفُ أحَدِهِما، وعُطِفَ مُتَعَلِّقُ المَحْذُوفِ عَلى مُتَعَلِّقِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ مُتَعَلِّقُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا فَإنَّ المُرادَ: وحامِلًا رُمْحًا.
ومِنهُ قَوْلُهُ: إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا فَإنَّهُ أرادَ: وكَحَّلْنَ العَيُونا.
وقَوْلُهُ: تَراهُ كَأنَّ مَوْلاهُ يَجْدَعُ أنْفَهُ ∗∗∗ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ كانَ لَهُ وفْرُ أيْ: يُفْقِئُ عَيْنَيْهِ، إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً.
والثّالِثُ أنَّ جَعْلَ ( الواوِ ) بِمَعْنى ( مَعَ ) بِدُونِ قَرِينَةٍ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ، ولا قَرِينَةَ ها هُنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ، كَما قِيلَ: فَعَلَ المَسْحَيْنِ مَعًا بِالزَّمانِ، ولا قائِلَ بِهِ بِالِاتِّفاقِ.
بَقِيَ لَوْ قالَ قائِلٌ: لا أقْنَعُ بِهَذا المِقْدارِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى غَسْلِ الأرْجُلِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِن خارِجٍ ما يُقَوِّي تَطْبِيقَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنَّ كَلامَهَمْ وكَلامَ الإمامِيَّةِ في ذَلِكَ عَسى أنْ يَكُونَ فَرَسا رِهانٍ، قِيلَ لَهُ: إنَّ سُنَّةَ خَيْرِ الوَرى - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآثارَ الأئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - شاهِدَةٌ عَلى ما يَدَّعِيهِ أهْلُ السُّنَّةِ، وهي مِن طَرِيقِهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا مِن طَرِيقِ القَوْمِ، فَقَدْ رَوى العَيّاشِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ قالَ: «سَألَتْ أبا هُرَيْرَةَ عَنِ القَدَمَيْنِ؟
فَقالَ: تُغْسَلانِ غَسْلًا».
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمانِ، عَنْ أبِي بَصِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «إذا نَسِيتَ مَسْحَ رَأْسِكَ حَتّى غَسَلْتَ رِجْلَيْكِ، فامْسَحْ رَأْسَكَ ثُمَّ اغْسِلْ رِجْلَيْكَ» وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أيْضًا الكَلْبِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَضْعِيفُها، ولا الحَمْلُ عَلى التَّقِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ شِيعِيٌّ خاصٌّ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفّارُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: ««جَلَسْتُ أتَوَضَّأُ فَأقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا غَسَلْتُ قَدَمِي قالَ: يا عَلِيُّ خَلِّلْ بَيْنَ الأصابِعِ»».
ونَقَلَ الشَّرِيفُ الرِّضِيُّ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في نَهْجِ البَلاغَةِ حِكايَةَ وُضَوْئِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وذَكَرَ فِيهِ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ كَما قالَ أهْلُ السُّنَّةِ، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ مِنهُمُ النَّسْخَ لِيُتَكَلَّفَ لِإثْباتِهِ كَمْ ظَنَّهُ مَن لا وُقُوفَ لَهُ.
وما يَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ مِن نِسْبَةِ المَسْحِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وغَيْرِهِما كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَيْهِمْ، فَإنَّ أحَدًا مِنهم ما رُوِيَ عَنْهُ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ أنَّهُ جَوَّزَ المَسْحَ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَإنَّهُ قالَ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ: «لا نَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا المَسْحَ، ولَكِنَّهم أبَوْا إلّا الغَسْلَ» ومُرادُهُ أنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يُوجِبُ المَسْحَ عَلى قِراءَةِ الجَرِّ، الَّتِي كانَتْ قِراءَتَهُ، ولَكِنَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الغَسْلَ، فَفي كَلامِهِ هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قِراءَةَ الجَرِّ مُؤَوَّلَةٌ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ بِعَمَلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والصَّحابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
ونِسْبَةُ جَوازِ المَسْحِ إلى أبِي العالِيَةِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ زُورٌ وبُهْتانٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ نِسْبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ أوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُما إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ومِثْلُهُ نِسْبَةُ التَّخْيِيرِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ صاحِبِ التّارِيخِ الكَبِيرِ، والتَّفْسِيرِ الشَّهِيرِ، وقَدْ نَشَرَ رُواةُ الشِّيعَةِ هَذِهِ الأكاذِيبَ المُخْتَلِفَةَ، ورَواها بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ، مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزِ الصَّحِيحَ والسَّقِيمَ مِنَ الأخْبارِ بِلا تَحَقُّقٍ ولا سَنَدٍ، واتَّسَعَ الخَرْقُ عَلى الرّاقِعِ، ولَعَلَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ القائِلَ بِالتَّخْيِيرِ هو مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ الشِّيعِيُّ صاحِبُ الإيضاحِ لِلْمُتَرَشِّدِ في الإمامَةِ لَأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ غالِبٍ الطَّبَرِيُّ الشّافِعِيُّ، الَّذِي هو مِن أعْلامِ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَذْكُورُ في تَفْسِيرِ هَذا هو الغَسْلُ فَقَطْ لا المَسْحُ ولا الجَمْعُ ولا التَّخْيِيرُ الَّذِي نَسَبَهُ الشِّيعَةُ إلَيْهِ، ولا حُجَّةَ لَهم في دَعْوى المَسْحِ بِما رُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ مَسَحَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَسَحَ رَأْسَهُ ورِجْلَيْهِ، وشَرِبَ فَضْلَ طَهُورِهِ قائِمًا، وقالَ: «إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشُّرْبَ قائِمًا لا يَجُوزُ وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُ»»، وهَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ؛ لِأنَّ الكَلامَ في وضَوْءِ المُحْدِثِ لا في مُجَرَّدِ التَّنْظِيفِ بِمَسْحِ الأطْرافِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الخَبَرِ مِن مَسْحِ المَغْسُولِ اتِّفاقًا.
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ بِرِواياتٍ ضَعِيفَةٍ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى قَدَمَيْهِ» فَهو - كَما قالَ الحُفّاظُ -: شاذُّ مُنْكَرٌ لا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ، مَعَ احْتِمالِ حَمْلِ القَدَمَيْنِ عَلى الخُفَّيْنِ ولَوْ مَجازًا، واحْتِمالِ اشْتِباهِ القَدَمَيْنِ المُتَخَفِّفَيْنِ بِدُونِ المُتَخَفِّفَيْنِ مِن بَعِيدٍ.
ومِثْلُ ذَلِكَ - عِنْدَ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أحْوالِ الرُّواةِ - ما رَواهُ الحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ الأهْوازِيُّ، عَنْ فَضالَةَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ غالِبِ بْنِ هُذَيْلٍ قالَ: سَألْتُ أبا جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ المَسْحِ عَلى الرِّجْلَيْنِ فَقالَ: هو الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: «سَألْتُ أبا الحَسَنِ مُوسى بْنَ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ المَسْحِ عَلى القَدَمَيْنِ كَيْفَ هُوَ؟
فَوَضَعَ بِكَفَّيْهِ عَلى الأصابِعِ ثُمَّ مَسَحَهُما إلى الكَعْبَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ بِإصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِهِ هَكَذا إلى الكَعْبَيْنِ أيُجْزِئُ؟
قالَ: لا، إلّا بِكَفِّهِ كُلِّها» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَوَتْهُ الإمامِيَّةُ في هَذا البابِ، ومَن وقَفَ عَلى أحْوالِ رُواتِهِمْ لَمْ يُعَوِّلْ عَلى خَبَرٍ مِن أخْبارِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرْنا نُبْذَةً مِن ذَلِكَ في كِتابِنا النَّفَحاتِ القُدْسِيَّةِ في رَدِّ الإمامِيَّةِ، عَلى أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لَوْ فُرِضَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى المَسْحُ - عَلى ما يَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ مِنَ الآيَةِ - فالغَسْلُ يَكْفِي عَنْهُ، ولَوْ كانَ هو الغَسْلَ لا يَكْفِي عَنْهُ، فَبِالغَسْلِ يَلْزَمُ الخُرُوجُ عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ دُونَ المَسْحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الغَسْلَ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِ المَسْحِ مِن وُصُولِ البَلَلِ وزِيادَةٌ، وهَذا مُرادُ مَن عَبَّرَ بِأنَّهُ مَسْحٌ وزِيادَةٌ، فَلا يَرِدُ ما قِيلَ مِن أنَّ الغَسْلَ والمَسْحَ مُتَضادّانِ لا يَجْتَمِعانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ كالسَّوادِ والبَياضِ، وأيْضًا كانَ يَلْزَمُ الشِّيعَةُ الغَسْلَ؛ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالوَجْهِ المَعْقُولِ مِنَ الوُضُوءِ وهو التَّنْظِيفُ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الأرْبابِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ لِأنَّهُ الأحْوَطُ أيْضًا لِكَوْنِ سَنَدِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما سَمِعْتَ دُونَ المَسْحِ لِلِاخْتِلافِ في سَنَدِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَدْ يَلْزَمُهم - بِناءً عَلى قَواعِدِهِمْ - أنْ يُجَوِّزُوا الغَسْلَ والمَسْحَ ولا يَقْتَصِرُوا عَلى المَسْحِ فَقَطْ، وزَعَمَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ عِنْدَ المُخَيَّرِينَ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُدَّعى لِغَيْرِهِمْ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَشْرُوعًا أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِتَعْيِينِ الغَسْلِ، وبَقِيَتِ القِراءَتانِ ثابِتَتَيْنِ في الرَّسْمِ، كَما نُسِخَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ، وبَقِيَ رَسْمُ ذَلِكَ ثابِتًا، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ.
هَذا، وأمّا قِراءَةُ الرَّفْعِ فَلا تَصْلُحُ في الِاسْتِدْلالِ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ إذْ لِكُلٍّ أنْ يُقَدِّرَ ما شاءَ ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيها: إنَّها عَلى مَعْنى: ( وأرْجُلُكم مَغْسُولَةٌ أوْ مَمْسُوحَةٌ ) لَكِنْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ تَغْيِيرَ الجُمْلَةِ مِنَ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ وحَذْفَ خَبَرِها يَدُلُّ عَلى إرادَةِ ثُبُوتِها وظُهُورِها، وأنَّ مَضْمُونَها مُسَلَّمُ الحُكْمِ، ثابِتٌ، لا يَلْتَبِسُ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا جُعِلَتِ القَرِينَةُ ما عُلِمَ مِن مَنطُوقِ القِراءَتَيْنِ ومَفْهُومِهِما، وشُوهِدَ وتُعُورِفَ مَن فِعْلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وسُمِعَ مِنهُمْ، واشْتُهِرَ فِيما بَيْنَهم.
وقَدْ قالَ عَطاءٌ: واللَّهِ ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَسَحَ عَلى القَدَمَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ دافِعٌ لِتَفْسِيرِهِ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: ( وأرْجُلُكم ) مَغْسُولَةٌ أوْ مَمْسُوحَةٌ عَلى التَّرْدِيدِ، لاسِيَّما العُدُولُ مِنَ الإنْشائِيَّةِ إلى الإخْبارِيَّةِ المُشْعِرُ بِأنَّ القَوْمَ كَأنَّهم سارَعُوا فِيهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْهُ، انْتَهى، فالأوْلى أنْ يُقَدَّرَ ما هو مِن جِنْسِ الغَسْلِ عَلى وجْهٍ يَبْقى مَعَهُ الإنْشاءُ.
وبِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في كَلامِ الإمامِ الرّازِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - ونَقْلِهِ مِمّا قَدَّمْناهُ، فاعْرِفِ الرِّجالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بِالرِّجالِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَقْتَضِي وُجُوبَ النِّيَّةِ أمْ لا، فَقالَ الحَنَفِيَّةُ: إنَّ ظاهَرَهُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، والقَوْلُ بِوُجُوبِها يَقْتَضِي زِيادَةً في النَّصِّ، والزِّيادَةُ فِيهِ تَقْتَضِي النَّسْخَ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ واقِعٍ، بَلْ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وكَذا بِالقِياسِ عَلى المَذْهَبِ المَنصُورِ لِلشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَهُ المَرْوَزِيُّ، فَإذَنْ لا يَصِحَّ إثْباتُ النِّيَّةِ.
وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي الإيجابَ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( إذا قُمْتُمْ ) إذا أرَدْتُمُ القِيامَ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، والغَسْلُ وقَعَ جَزاءً لِذَلِكَ، والجَزاءُ مُسَبَّبٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَيُفِيدُ وُجُوبَ الغَسْلِ لِأجْلِ إرادَةِ الصَّلاةِ، وبِذَلِكَ يَثْبُتُ المَطْلُوبُ.
وقالَ آخَرُونَ - وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ عِنْدَهم -: وجْهُ الِاقْتِضاءِ أنَّ الوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ، وهو ظاهِرٌ، وكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِبادَةً، وإلّا لَما أُمِرَ بِهِ، وكُلُّ عِبادَةٍ لا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾ والإخْلاصُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالنِّيَّةِ، وقَدْ جُعِلَ حالًا لِلْعابِدِينَ، والأحْوالُ شُرُوطٌ، فَتَكُونُ كُلُّ عِبادَةٍ مَشْرُوطَةً بِالنِّيَّةِ، وقاسُوا أيْضًا الوُضُوءَ عَلى التَّعْمِيمِ في كَوْنِهِما طِهارَتَيْنِ لِلصَّلاةِ، وقَدْ وجَبَتِ النِّيَّةُ في المَقِيسِ عَلَيْهِ، فَكَذا في المَقِيسِ، ولَنا القَوْلُ بِمُوجِبِ العِلَّةِ، يَعْنِي سَلَّمْنا أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ بِنِيَّةٍ، والوُضُوءُ لا يَقَعُ عِبادَةً بِدُونِها، لَكِنْ لَيْسَ كَلامُنا في ذَلِكَ، بَلْ في أنَّهُ إذا لَمْ يَنْوِ حَتّى لَمْ يَقَعْ عِبادَةٌ سَبَبًا لِلثَّوابِ، فَهَلْ يَقَعُ الشَّرْطُ المُعْتَبَرُ لِلصَّلاةِ حَتّى تَصِحَّ بِهِ أوْ لا؟
لَيْسَ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ المَشْهُورِ الَّذِي يُورِدُونَهُ في هَذا المَقامِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِهِ ولا إثْباتِهِ، فَقُلْنا: نَعَمْ، لِأنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيلِ لِغَيْرِهِ لا لِذاتِهِ، فَكَيْفَ حَصَلَ المَقْصُودُ وصارَ كَسَتْرِ العَوْرَةِ؟!
وباقِي شُرُوطِ الصَّلاةِ الَّتِي لا يُفْتَقَرُ اعْتِبارُها إلى أنْ يَنْوِيَ، ومَنِ ادَّعى أنَّ الشَّرْطَ وُضُوءٌ هو عِبادَةٌ فَعَلَيْهِ البَيانُ.
والقِياسُ المَذْكُورُ عَلى التَّيَمُّمِ فاسِدٌ، فَإنَّ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ شَرْطَ القِياسِ أنْ لا يَكُونَ شَرْعِيَّةُ حُكْمِ الأصْلِ مُتَأخِّرَةً عَنْ حُكْمِ الفَرْعِ، وإلّا لَثَبَتَ حُكْمُ الفَرْعِ بِلا دَلِيلٍ، وشَرْعِيَّةُ التَّيَمُّمِ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الوُضُوءِ فَلا يُقاسُ الوُضُوءُ عَلى التَّيَمُّمِ في حُكْمِهِ.
نَعَمْ، إنْ قُصِدَ الِاسْتِدْلالُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمّا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِ النِّيَّةِ ظَهَرَ وُجُوبُها في الوُضُوءِ، وكانَ مَعْنى القِياسِ أنَّهُ لا فارِقَ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الفَرْقِ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ التَّيَمُّمَ يُنْبِئُ لُغَةً عَنِ القَصْدِ، فَلا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ، بِخِلافِ الوُضُوءِ.
والثّانِي أنَّ التُّرابَ جُعِلَ طَهُورًا في حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ، كَما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ماءً طَهُورًا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ القِياسُ فاسِدًا أيْضًا.
واعْتُرِضَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ النِّيَّةَ المُعْتَبَرَةَ لَيْسَتْ نِيَّةَ نَفْسِ الفِعْلِ، بَلْ أنْ يَنْوِيَ المَقْصُودَ بِهِ الطَّهارَةُ والصَّلاةُ، ولَوْ صَلاةَ الجِنازَةِ وسَجْدَةَ التِّلاوَةِ، عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما يُنْبِئُ عَنْ قَصْدِ غَيْرِ المُعْتَبَرِ نِيَّةً، فَلا يَكُونُ النَّصُّ بِذَلِكَ مُوجِبًا لِلنِّيَّةِ المُعْتَبَرَةِ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في اسْتِدْلالِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ السّابِقِ آنِفًا، وذَلِكَ لِأنَّ المُفادَ بِالتَّرْكِيبِ المُقَدَّرِ إنَّما هو وُجُوبُ الغَسْلِ لِأجْلِ إرادَةِ الصَّلاةِ مَعَ الحَدَثِ، لا إيجابُ أنْ يَغْسِلَ لِأجْلِ الصَّلاةِ؛ إذْ عَقْدُ الجَزاءِ الواقِعِ طَلَبًا بِالشَّرْطِ يُفِيدُ طَلَبَ مَضْمُونِ الجَزاءِ إذا تَحَقَّقَ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وأنَّ وُجُوبَهُ اعْتُبِرَ مُسَبَّبًا عَنْ ذَلِكَ، فَأيْنَ طَلَبُهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ هو فَعَلَهُ عَلى قَصْدِ كَوْنِهِ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ؟
فَتَأمَّلْ، فَقَدْ خَفِيَ هَذا عَلى بَعْضِ الأجِلَّةِ حَتّى لَمْ يُكافِئْهُ بِالجَوابِ.
والوَجْهُ الثّانِي بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالحالَةِ المَخْصُوصَةِ حالَةُ الصَّلاةِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإرادَةَ مُرادَّةٌ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها جُمْلَةُ التَّيَمُّمِ.
وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ الآنَ أنْ لا دَلالَةَ فِيها عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ، وإنْ أُرِيدَ حالَةُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ فَظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي إيجابَ النِّيَّةِ ولا نَفْيَها، واسْتَفادَ كَوْنَ الماءِ طَهُورًا بِنَفْسِهِ مِمّا ذُكِرَ بِأنَّ كَوْنَ المَقْصُودِ مِن إنْزالِهِ التَّطْهِيرُ بِهِ، وتَسْمِيَتُهُ طَهُورًا لا يُفِيدُ اعْتِبارَهُ مُطَهِّرًا بِنَفْسِهِ، أيْ: رافِعًا لِلْأمْرِ الشَّرْعِيِّ بِلا نِيَّةٍ، وهو المَطْلُوبُ، بِخِلافِ إزالَتِهِ الخَبَثَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحْسُوسُ أنَّهُ مُقْتَضى طَبْعِهِ، ولا تَلازُمَ بَيْنَ إزالَتِهِ حِسًّا صِفَةً مَحْسُوسَةً وبَيْنَ كَوْنِهِ يَرْتَفِعُ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ اعْتِبارٌ شَرْعِيٌّ.
والمُفادُ مَن ( لِيُطَهِّرَكم ) كَوْنُ المَقْصُودِ مِن إنْزالِهِ التَّطْهِيرُ بِهِ، وهَذا يَصْدُقُ مَعَ اشْتِراطِ النِّيَّةِ - كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَدَمِهِ كَما قُلْنا، ولا دَلالَةَ لِلْأعَمِّ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ كَما هو المُقَرَّرُ، فَتَدَبَّرْ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا في أنَّها هَلْ تَقْتَضِي وُجُوبَ التَّرْتِيبِ أمْ لا؟
فَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى الثّانِي؛ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الواوُ وهي لِمُطْلَقِ الجَمْعِ عَلى الصَّحِيحِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، والشّافِعِيَّةُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الفاءَ في ( فاغْسِلُوا ) لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعْقِيبَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ بِغَسْلِ الوَجْهِ، فَيَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الوَجْهِ وغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ في الكُلِّ لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ إفادَتَها تَعْقِيبَ القِيامِ بِهِ بَلْ جُمْلَةِ الأعْضاءِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُعَقِّبَ طَلَبَ الغَسْلَ ولَهُ مُتَعَلِّقاتٌ وصَلَ إلى أوَّلِها ذِكْرًا بِنَفْسِهِ وإلى الباقِي بِواسِطَةِ الحَرْفِ المُشْتَرَكِ، فاشْتَرَكَتْ كُلُّها فِيهِ مِن غَيْرِ إفادَةِ طَلَبِ تَقْدِيمِ تَعْلِيقِهِ بِبَعْضِها عَلى بَعْضٍ في الوُجُودِ، فَصارَ مُؤَدّى التَّرْكِيبِ طَلَبَ إعْقابِ غَسْلِ جُمْلَةِ الأعْضاءِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: ادْخُلِ السُّوقَ فاشْتَرِ لَنا خُبْزًا ولَحْمًا، حَيْثُ كانَ المُفادُ أعْقابَ الدُّخُولِ بِشِراءِ ما ذُكِرَ كَيْفَما وقَعَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ إفادَةَ النَّظْمِ لِلتَّرْتِيبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَأوْجَبَ تَقْدِيمَ المَمْسُوحِ أوْ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَغْسُولِ، ولِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ أوْلَوِيَّةُ التَّرْتِيبِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ.
وقالَ آخَرُونَ: الدَّلِيلُ عَلى التَّرْتِيبِ فِعْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ «تَوَضَّأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُرَتَّبًا، ثُمَّ قالَ: «هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ إلّا بِهِ»» وفِيهِ أنَّ الإشارَةَ كانَتْ لِوُضُوءٍ مُرَتَّبٍ مُوالًى فِيهِ، فَلَوْ دَلَّ عَلى فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ لَدَلَّ عَلى فَرْضِيَّةِ المُوالاةِ، ولا قائِلَ بِها عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، نَعَمْ، أقْوى دَلِيلٍ لَهم قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ: ««ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ»» بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِما أُجِيبَ، إلّا أنَّ الِاحْتِياطَ لا يَخْفى.
وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، والزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ بِبَيانِ سُنَنِ الوُضُوءِ ونَواقِضِهِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ - مِمّا لا تُفْهِمُهُ الآيَةُ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - فُضُولٌ لا فَضْلٌ، وإظْهارُ عِلْمٍ يَلُوحُ مِن خِلالِهِ الجَهْلُ.
﴿ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا ﴾ أيْ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ ﴿ فاطَّهَّرُوا ﴾ أيْ: فاغْتَسِلُوا عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقُرِئَ: ( فاطْهُرُوا ) أيْ: فَطَهِّرُوا أبْدانَكُمْ، والمَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ هُنا فَرْضٌ كَغَسْلِ سائِرِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَ التَّطْهِيرَ إلى مُسَمّى الواوِ، وهو جُمْلَةُ بَدَنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَيَدْخُلُ كُلُّ ما يُمْكِنُ الإيصالُ إلَيْهِ إلّا ما فِيهِ حَرَجٌ كَداخِلِ العَيْنَيْنِ، فَيَسْقُطُ لِلْحَرَجِ، ولا حَرَجَ في داخِلِ الفَمِ والأنْفِ، فَيَشْمَلُهُما نَصُّ الكِتابِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ، كَما شَمِلَها قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما رَواهُ أبُو داوُدَ: ««تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعَرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ»» وكَوْنُهُما مِنَ الفِطْرَةِ كَما جاءَ في الخَبَرِ لا يَنْفِي الوُجُوبَ؛ لِأنَّها الدِّينُ، وهو أعَمُّ مِنهُ، وتُشْعِرُ الآيَةُ بِأنَّهُ لا يَجِبُ الغُسْلُ عَلى الجُنُبِ فَوْرًا ما لَمْ يَرِدْ فِعْلُ ما لا يَجُوزُ بِدُونِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما صَحَّ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««خَرَجَ لِصَلاةِ الفَجْرِ ناسِيًا أنَّهُ جُنُبٌ حَتّى إذا وقَفَ تَذَكَّرَ، فانْصَرَفَ راجِعًا فاغْتَسَلَ، وخَرَجَ ورَأْسُهُ الشَّرِيفُ يَقْطُرُ ماءً»».
﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ مَرَضًا تَخافُونَ بِهِ الهَلاكَ، أوِ ازْدِيادَهُ بِاسْتِعْمالِ الماءِ.
﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ.
﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ﴾ ( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ( فامْسَحُوا ).
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( فَأُمُّوا صَعِيدًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، فَلْيُراجَعْ.
ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في بَيانِ أنْواعِ الطَّهارَةِ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ النَّسْخُ عَلى ما قِيلَ، بِناءً عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ.
﴿ ما يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ بِما فَرَضَ عَلَيْكم مِنَ الوُضُوءِ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ، والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ، أوْ بِالأمْرِ بِالتَّيَمُّمِ ﴿ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ﴾ أيْ: ضِيقٍ في الِامْتِثالِ و( الجَعْلُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، وهو ( مِن حَرَجٍ ) و( مِن ) زائِدَةٌ و( عَلَيْكم ) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ( حَرَجٍ ) وإنْ كانَ مَصْدَرًا مُتَأخِّرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَيَكُونُ ( عَلَيْكم ) هو المَفْعُولَ الثّانِيَ ﴿ ولَكِنْ يُرِيدُ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ ﴿ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ أيْ: لِيُنَظِّفَكُمْ، فالطَّهارَةُ لُغَوِيَّةٌ، أوْ لِيُذْهِبَ عَنْكم دَنَسَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الوُضُوءَ يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا.
فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ فَغَسَلَ وجْهَهُ فَخَرَجَ مِن وجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بِطَشَتْها يَداهُ مَعَ الماءِ أوْ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، حَتّى خَرَجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»» فالطَّهارَةُ مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ لا بِمَعْنى إزالَةِ النَّجاسَةِ؛ لِأنَّ الحَدَثَ لَيْسَ نَجاسَةً بِلا خِلافٍ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَجاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مانِعًا مِنَ الصَّلاةِ لا بِمَعْنى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَتَنَجَّسُ الطَّعامُ أوِ الشَّرابُ الرَّطْبُ بِمُلاقاتِهِ المُحْدِثَ، أوْ تَفْسُدُ الصَّلاةُ بِحَمْلِهِ، وأمّا تَنَجُّسُ الماءِ - فِيما شاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ رُجُوعُهُ عَنْهُ - فَلِانْتِقالِ المانِعِيَّةِ والآثامِ إلَيْهِ حُكْمًا، وقِيلَ: المُرادُ تَطْهِيرُ القَلْبِ عَنْ دَنَسِ التَّمَرُّدِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ( لِيُطَهِّرَكم ) بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكُمُ التَّطْهِيرُ بِالماءِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ رَفْعُ الحَدَثِ والمانِعِ الحُكْمِيِّ.
وأمّا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ كَإمامِ الحَرَمَيْنِ مِن أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التُّرابَ مُطَهِّرٌ قَوْلٌ رَكِيكٌ فَمُرادُهُ بِهِ مَنعُ الطَّهارَةِ الحِسِّيَّةِ، فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««جُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» والإرادَةُ صِفَةُ ذاتٍ، وقَدْ شاعَ تَفْسِيرُها، ومَفْعُولُها في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: هي مَزِيدَةٌ، والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكُمْ، وضُعِّفَ بِأنَّ ( ألّا ) تُقَدَّرُ بَعْدَ المَزِيدَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُخالِفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: الظّاهِرُ أنْ تُقَدَّرَ ( أنْ ) بَعْدَ اللّامِ الزّائِدَةِ الَّتِي بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ والإرادَةِ، وكَذا في المُغْنِي وغَيْرِهِ، ووُقُوعُ هَذِهِ اللّامُ بَعْدَ الأمْرِ والإرادَةِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ شائِعٌ مَقِيسٌ، وهو مِن مَسائِلِ الكِتابِ، قالَ فِيهِ: سَألْتُهُ - أيِ الخَلِيلَ - عَنْ مَعْنى: أُرِيدُ لِأنْ يَفْعَلَ؟
فَقالَ: إنَّما تُرِيدُ أنْ تَقُولَ: أُرِيدُ لِهَذا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وأمَرَتْ لِأنَّ أكُونُ أوَّل المُسْلِمِينَ ﴾ انْتَهى.
واخْتَلَفَ فِيهِ النُّحاةُ، فَقالَ السِّيرافِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما اخْتارَهُ البَصْرِيُّونَ، أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: أُرِيدُ ما أُرِيدُ لِأنْ تَفْعَلَ، فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ غَيْرُ زائِدَةٍ.
الثّانِي أنَّها زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ المَفْعُولِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ في التَّعْلِيقِ عَنِ المُبَرِّدِ: إنَّ الفِعْلَ دالٌّ عَلى المَصْدَرِ، فَهو مُقَدَّرٌ أيْ: أرَدْتُ وإرادَتِي لِكَذا، فَحُذِفَ ( إرادَتِي ) واللّامُ زائِدَةٌ، وهو تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.
والمَذاهِبُ ثَلاثَةٌ: أقْرَبُها الأوَّلُ.
وأسْهَلُها الثّانِي، وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ القَدِيمِ كَقَوْلِهِ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ البَلاغَةُ فِيهِ مِمّا يَعْرِفُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿ ولِيُتِمّ ﴾ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ﴿ نِعْمَته عَلَيْكُمْ ﴾ في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخْصَةِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِالعَزائِمِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ نِعْمَتَهُ بِطاعَتِكم إيّاهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ.
ومِن لَطائِفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلِّها مَثْنى: طَهارَتانِ أصْلٌ وبَدَلٌ.
والأصْلُ اثْنانِ: مُسْتَوْعِبٌ، وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ.
وغَيْرُ المُسْتَوْعِبِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسْلٌ ومَسْحٌ، وبِاعْتِبارِ المَحَلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما التَّطْهِيرُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.
وزادَ البَعْضُ مَثْنَياتٍ أُخَرَ، فَإنَّ غَيْرَ المَحْدُودِ وجْهٌ ورَأْسٌ، والمَحْدُودَ يَدٌ ورِجْلٌ، والنِّهايَةَ كَعْبٌ ومِرْفَقٌ، والشُّكْرَ قَوْلِيٌّ وفِعْلِيٌّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثون، ويقال: إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ يعني: مع المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ يعني مع الكعبين.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم، وفي رواية أبي بكر وَأَرْجُلَكُمْ بكسر اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الغسل، يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
ومن قرأ بالكسر جعله كسراً لدخول حرف الخفض وهو الباء، فكأنه قال: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، يعني إذا كان عليه خفان، وقد ثبت ذلك بالسنة.
ويقال: صار كسراً بالمجاورة كما قال في آية أخرى وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] قرأ بعضهم بالكسر بالمجاورة، فهذه الأربعة التي ذكرت في الآية من فرائض الوضوء، وما سوى ذلك آداب وسنن.
فإن قيل: الآية إذا قرئت بقراءتين فالله تعالى قال بهما جميعاً أو بإحداهما؟
قيل له: هذا على وجهين: إن كان لكل قراءة معنى غير المعنى الآخر، فالله تعالى قال بهما جميعاً، وصارت القراءتان بمنزلة الآيتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى قال لإحداهما، ولكنه رخص بأن يقرأ بهما جميعاً.
ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا قد يوصف الجمع بصفة الواحد كقوله وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وكقوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ قوله: فَاطَّهَّرُوا معناه فتطهروا إلا أن التاء أدغمت في الطاء لأنهما من مكان واحد فإذا، أدغمت فيها سكن أول الكلمة وزيدت ألف الوصل للابتداء.
ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مآء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يعني من الصعيد.
ثم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يقول: لا يكلفكم في دينكم من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ يعني: يطهركم من الأحداث والجنابة وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما أنعم من الرخص لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا الله لما رخص لكم ولم يضيق عليكم.
قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يقول: احفظوا منن الله عليكم بإقراركم بوحدانية الله تعالى وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعني يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم- - وقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] هكذا قال في رواية الكلبي ومقاتل والضحاك.
وقال بعضهم: هو الميثاق الجبلة والإدراك، فكل من أدرك فقد أخذ عليه الميثاق، وشهدت له خلقته وجبلته فصار ذلك كالإقرار منه، ثم قال إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا يوم الميثاق، قلتم سمعنا قولك يا ربنا وأطعنا أمرك.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في نقض العهد والميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، يعني: عالم بسرائركم.
ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ يعني قوالين بالحق.
ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين مكة، أمر الله المسلمين أن لا يكافئوهم بما سلف، وأن يعدلوا في القول والحكم والنصفة.
وذلك قوله اعْدِلُوا يعني قولوا الحق والعدل هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني فإنه أقرب للطاعة.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول: واخشوا الله بما أمركم به إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الطاعة وغيره.
ثم بيّن ثواب من عمل بطاعته فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني ثواب عظيم في الجنة.
ويقال: إن أهل مكة قالوا بعد ما أسلموا: ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك.
فقالوا: وعد الله الذين آمنوا بالله وبمحمد وعملوا الصالحات بعد الإسلام لهم مغفرة لما فعلوا في حال الشرك وأجر عظيم في الآخرة.
ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا وكذبوا بمحمد والقرآن، وماتوا على ذلك أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يعني مقيمين فيها أبداً.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وذلك أن النبيّ لما قدم المدينة وصالح بني قريظة وبني النضير، وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله فخرجا من عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما رسول الله بدية حُرَّين مسلمين، فخرج رسول الله مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم في ديتهما، فقالوا: مرحباً حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة.
وقال في رواية الكلبي: خرج إلى بني قريظة فقالوا: حتى نستأذن إخواننا من بني النضير، وأدخلوهم داراً وأجلسوهم في صفّة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا بقتل رسول الله وأصحابه، وكانوا ينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائباً، فنزل جبريل وأخبر النبي بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر، ثم خرج علي م فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يقول: أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بالمنع.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا نصير بن يحيى، قال: حدثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرَيْن اللذيْن قتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، فهمّ بنو النضير بقتل النبي ، فبلغ النبيّ فسار إليهم فحاصرهم، وأمر بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا: أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح؟
قال: «نعم» ففتحوا الحصون، وأجلاهم إلى الشام.
فهذا الخبر موافق رواية مقاتل أنه خرج إلى بني النضير.
وقال الضحاك: كان سبب نزول هذه الآية أن النبيّ خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبياً كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به.
فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم ردّ عليه السيف فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ففي الآية مضمر، فكأنه قال: فاتقوا الله وتوكلوا على الله، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر «١» ، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، / وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية: المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ من لفظ: آتَيْتُمُوهُنَّ أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلّها به، ومُحْصِنِينَ: معناه: متزوِّجين على السُّنَّة.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ: أي: بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيّن.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...
الآية:
قال ابن العَرَبِيِّ: في «أحكامه» «٢» : لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء «٣» كانَ مَعْقُولاً قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ ولذلك قال علماؤُنا: إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه: كان مفْعولاً بالسُّنَّة، وقوله: إِذا قُمْتُمْ: معناه: إذا أردتّم القيام
إلى الصلاة.
انتهى.
قال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ: معنى الآية: إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ «١» ، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية على هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النومِ، أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء، يعني: الملامسة الصغرى فاغسلوا، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعاً: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ...
فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة «٢» مِنْ أصحاب مالكٍ وغيره «٣» .
وقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ: معنى الآيةِ: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ على هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله: فَاطَّهَّرُوا، ودخلَتِ الملامسةُ الصغرى في قولنا: «مُحْدِثِينَ» ، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ...
إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعاً، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ.
وقال ص: إِذا قُمْتُمْ أي: إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ لأنه مُسَبَّبٌ عنها.
انتهى.
ومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة: ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ» ، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن «٤» ، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» «١» .
قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في فضائِلِ الأعمالِ.
قال صاحبُ «كتاب العَيْنِ» : الرِّبَاطُ: ملازمةُ الثُّغُور، قال: والرِّبَاطُ مواظبةُ الصلاةِ أَيضاً انتهى.
والغُسْلُ، في اللغة «٢» : إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوجه
ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم على أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ أنه كان يَنْضَحُ «١» الماءَ في عَيْنَيْهِ «٢» .
واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ.
واختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنى: أنْ يقَالُ: إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا/، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» ، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ على مِرْفَقَيْهِ «٤» .
انتهى.
واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأولى فَرْضٌ، فالجمهورُ على أنَّه سُنَّة.
وقيل: هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعاً، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ ويترجَّح عدم الإجزاءِ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء.
والبَاءُ في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ مؤكّدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى، عنده: وامسحوا رءوسكم، وهي للإلصاق المحض عند مَنْ يرى إجزاء بعض الرأْسِ كأنَّ المعنى: أوجدوا مسحا برءوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك.
ت: قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ «أَنه أَقْبَلَ بِيَدِهِ، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» «٢» ، وفي البخاريِّ: «فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ» ، وهما صحيحان متوافقان،
وهي مسألةٌ من «أصول الفقْهِ» في تسمية الفعْلِ بابتدائه أو بغايته.
انتهى.
وقرأ حمزة «١» وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخفض-، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ:
«اغسلوا» ، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح «٢» لا يجزىءُ، وفي الصحيح:
«وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ «٣» من النّار» إذ «٤» رأى صلّى الله عليه وسلّم أعقابَهُمْ تلُوحُ، قال ابن العربِيِّ في «القَبَس» :
..
..
..
..
ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخَفْض-، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن «١» وهو أحد التأويلاتِ في الآية.
انتهى، وهذا هو الذي صحَّحه في «أحْكَامِهِ» .
والكلامُ في قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما تقدَّم في قوله: إِلَى الْمَرافِقِ، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثِمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة» ، فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدُ هذِهِ؟
فَقَالَ عُمَرُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمّدا عبده
وَرَسُولُهُ إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ» ، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره: «اللَّهُمَّ، اجعلني مِنَ التَّوَّابِينَ، واجعلني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» «١» .
انتهى مختصراً.
واختلَفَ اللغويُّونَ في الْكَعْبَيْنِ.
والجمهورُ على أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جنبتي «٢» الرجل.
وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك: هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ على وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُوراً لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهِ على وُضُوئِهِ كَانَ طُهُوراً لأعْضَائِهِ» «١» .
انتهى من «الكوكب الدري» .
وكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، وفَاطَّهَّرُوا أمر لواجد الماء عند الجمهور،
وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره: لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع/ الصلاةَ حتى يجد الماء «١» .
وقوله سبحانه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ...
الآية: الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلاً مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ: الضِّيق، والحرجة: الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنى هذه الآية قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ» ، وقوله- عليه السلام-: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» «٢» ، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبداً ولذلك قال أُسَيْدٌ: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» «٣» .
وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ...
الآية: إعلامٌ بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضّله تبارك وتعالى، ولَعَلَّكُمْ: ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ «٤» ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن، أو تملأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» ، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» ، وزاد في رواية أخرى: «وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حجاب حتّى تخلص إليه» «٥» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ: إذا آخَيْتَ فَآخِ أهْلَ الحَسَبِ، وإذا اتَّجَرْتَ فاتَّجِرْ في البَزِّ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُقَدَّمًا ومُؤَخَّرًا، تَقْدِيرُهُ: إذا غَسَلْتُمْ وُجُوهَكم، واسْتَوْفَيْتُمُ الطُّهُورَ، فَقُومُوا إلى الصَّلاةِ.
ولِلْعُلَماءِ في المُرادِ بِالآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ، فاغْسِلُوا، فَصارَ الحَدَثُ مُضْمَرًا في وُجُوبِ الوُضُوءِ، وهَذا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ، فَيَجِبُ الوُضُوءُ عَلى كُلِّ مَن يُرِيدُ الصَّلاةَ، مُحْدِثًا كانَ، أوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ سِيرِينَ.
ونَقَلَ عَنْهم أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مَنسُوخٍ، ونَقَلَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ كانَ واجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ، وهو ما رَوى بُرَيْدَةُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى يَوْمَ الفَتْحِ خَمْسَ صَلَواتٍ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمْرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟
فَقالَ: "عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ"» وقالَ قَوْمٌ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، ومَعْناها: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ، فاغْسِلُوا وُجُوهَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ "إلى" حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِلْغايَةِ، وقَدْ تَدْخُلُ الغايَةُ فِيها تارَةً، وقَدْ لا تَدْخُلُ، فَلَمّا كانَ الحَدَثُ يَقِينًا، لَمْ يَرْتَفِعْ إلّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وهو غَسْلُ المِرْفَقَيْنِ.
فَأمّا الرَّأْسُ فَنُقِلَ عَنْ أحْمَدَ وُجُوبُ مَسْحِ جَمِيعِهِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، ورُوِيَ عَنْهُ: يَجِبُ مَسْحُ أكْثَرِهِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رِوايَتانِ.
إحْداهُما: أنَّهُ يَتَقَدَّرُ بِرُبْعِ الرَّأْسِ.
والثّانِيَةُ: بِمِقْدارِ ثَلاثِ أصابِعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ اللّامِ عَطْفًا عَلى مَسْحِ الرَّأْسِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ اللّامِ عَطْفًا عَلى الغَسْلِ، فَيَكُونُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْلُ مِن أصِلِ الفَخِذِ إلى القَدَمِ، فَلَمّا حَدَّ الكَعْبَيْنِ، عُلِمَ أنَّ الغَسْلَ يَنْتَهِي إلَيْهِما، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الغَسْلِ التَّحْدِيدُ بِالكَعْبَيْنِ، كَما جاءَ في تَحْدِيدِ اليَدِ "إلى المَرافِقِ" ولَمْ يَجِئْ في شَيْءٍ مِنَ المَسْحِ تَحْدِيدٌ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الغَسْلُ عَلى قِراءَةِ الخَفْضِ، لِأنَّ التَّحْدِيدَ بِالكَعْبَيْنِ يَدُلُّ عَلى الغَسْلِ، فَيُنْسَقُ بِالغَسْلِ عَلى المَسْحِ.
قالَ الشّاعِرُ: يا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا والمَعْنى: وحامِلًا رُمْحًا.
وقالَ الآخَرُ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا والمَعْنى: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا.
وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ، والمَعْنى: الغَسْلُ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَأخَّرَتِ الأرْجُلُ بَعْدَ الرُّؤُوسِ، نُسِقَتْ عَلَيْها لِلْقُرْبِ والجِوارِ، وهي في المَعْنى نَسَقٌ عَلى الوُجُوهِ، كَقَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنسُوقَةً عَلَيْها، لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الغَسْلَ مَسْحًا، لِأنَّ الغَسْلَ لا يَكُونُ إلّا بِمَسْحٍ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن جَرَّ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ وجَدَ في الكَلامِ عامِلَيْنِ: أحَدُهُما: الغَسْلُ، والآخَرُ: الباءُ الجارَّةُ، ووَجْهُ العامِلَيْنِ إذا اجْتَمَعا: أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى الأقْرَبِ مِنهُما دُونَ الأبْعَدِ، وهو "الباءُ" هاهُنا، وقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَسْحِ: الغَسْلُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا زَيْدٍ قالَ: المَسْحُ خَفِيفُ الغَسْلِ، قالُوا: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلاةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ، أيْ: ضَرْبًا، فَكَأنَّ المَسْحَ بِالآيَةِ غَسْلٌ خَفِيفٌ.
فَإنْ قِيلَ: فالمُسْتَحَبُّ التَّكْرارُ ثَلاثًا؟
قِيلَ: إنَّما جاءَتِ الآيَةُ بِالمَفْرُوضِ دُونَ المَسْنُونِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ التَّحْدِيدَ والتَّوْقِيتَ إنَّما جاءَ في المَغْسُولِ دُونَ المَمْسُوحِ، فَلَمّا وقَعَ التَّحْدِيدُ مَعَ المَسْحِ، عُلِمَ أنَّهُ في حُكْمِ الغَسْلِ لِمُوافَقَتِهِ الغَسْلَ في التَّحْدِيدِ، وحُجَّةُ مَن نَصَبَ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الغَسْلِ لِاجْتِماعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى الغَسْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى الكَعْبَيْنِ ﴾ "إلى" بِمَعْنى: "مَعَ" والكَعْبانِ: العَظْمانِ النّاتِئانِ مِن جانِبَيِ القَدَمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ أيْ: فَتَطَهَّرُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ، واجْتُلِبَتِ الهَمْزَةُ تَوَصُّلًا إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ طَهارَةَ الجُنُبِ في سُورَةِ (النِّساءِ) بِقَوْلِهِ: ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ الكَلامَ في تَمامِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ﴾ ، و "الحَرَجُ": الضِّيقُ، فَجَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ واسِعًا حِينَ رَخَّصَ في التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ أيْ: يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم.
قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الأحْداثِ والجَنابَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، لِأنَّ الوُضُوءَ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ في الَّذِي يُتِمُّ بِهِ النِّعْمَةَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِغُفْرانِ الذُّنُوبِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دارَةَ، عَنْ حِمْرانَ قالَ: «مَرَرْتُ عَلى عُثْمانَ بِفُخّارَةٍ مِن ماءٍ فَدَعا بِها فَتَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قالَ لَوْ لَمْ أسْمَعْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ما حَدَّثْتُكم سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "ما تَوَضَّأ عَبْدٌ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ الأُخْرى" .» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وكُنْتُ إذا سَمِعْتُ الحَدِيثَ التَمَسْتُهُ في القُرْآنِ، فالتَمَسْتُ هَذا فَوَجَدْتُهُ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فَعَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ حَتّى غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، ثُمَّ قَرَأْتُ الآيَةَ الَّتِي في (المائِدَةِ): ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَمْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى غَفَرَ لَهم.
والثّانِي: بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ، وإكْمالِ الدِّينِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: بِالرُّخْصَةِ في التَّيَمُّمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ.
والرّابِعُ: بِبَيانِ الشَّرائِعِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أو عَلى سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيَكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِنَ حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ لا يُخْتَلَفُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي الَّتِي قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - فِيها نَزَلَتْ آيَةُ التَيَمُّمِ؛ وهي آيَةُ الوُضُوءِ؛ لَكِنْ مِن حَيْثُ كانَ الوُضُوءُ مُتَقَرَّرًا عِنْدَهُمْ؛ مُسْتَعْمَلًا؛ فَكَأنَّ الآيَةَ لَمْ تَزِدْهم فِيهِ إلّا تِلاوَتَهُ؛ وإنَّما أعْطَتْهُمُ الفائِدَةَ؛ والرُخْصَةَ في التَيَمُّمِ؛ واسْتُدِلَّ عَلى حُصُولِ الوُضُوءِ بِقَوْلِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فَأقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالناسِ؛ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ؛ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ"؛» وآيَةُ النِساءِ إمّا نَزَلَتْ مَعَها؛ أو بَعْدَها بِيَسِيرٍ؛ وكانَتْ قِصَّةُ التَيَمُّمِ في سَفَرِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ؛ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ؛ وفِيها كانَ هُبُوبُ الرِيحِ؛ فِيما رُوِيَ؛ وفِيها كانَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: "لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ"؛ اَلْقِصَّةُ بِطُولِها؛ وفِيها وقَعَ حَدِيثُ الإفْكِ.
ولَمّا كانَتْ مُحاوَلَةُ الصَلاةِ في الأغْلَبِ إنَّما هي بِقِيامٍ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: "إذا قُمْتُمْ".
واخْتَلَفَ الناسُ في القَرِينَةِ الَّتِي أُرِيدَتْ مَعَ قَوْلِهِ: "إذا قُمْتُمْ"؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ: "هَذا لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ قِيامٍ؛ سَواءٌ كانَ المَرْءُ عَلى طُهُورٍ؛ أو مُحْدِثًا؛ فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا قامَ إلى الصَلاةِ أنْ يَتَوَضَّأ"؛ ورُوِيَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ويَقْرَأُ الآيَةَ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: "كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّؤُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - تَوَضَّأ وُضُوءًا فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ ثُمَّ قالَ: "هَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ"؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي عامِرٍ الغَسِيلُ: «إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أُمِرَ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَأُمِرَ بِالسِواكِ؛ ورُفِعَ عنهُ الوُضُوءُ؛ إلّا مِن حَدَثٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ - مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ ؛ وغَيْرُهُ؛ يَتَوَضَّؤُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ انْتِدابًا إلى فَضِيلَةٍ؛ وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَفْعَلُ؛ ثُمَّجَمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛ في حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُعْمانِ؛ وفي غَيْرِ مَوْطِنٍ؛ إلى أنْ «جَمَعَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ الفَتْحِ بَيْنَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛» إرادَةَ البَيانِ لِأُمَّتِهِ؛ ورَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"؛ وقالَ: "إنَّما رَغِبْتُ في هَذا".» وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَعْمَلُ عَمَلًا إلّا وهو عَلى وُضُوءٍ؛ ولا يُكَلِّمُ أحَدًا؛ ولا يَرُدُّ سَلامًا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأعْلَمَهُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الوُضُوءَ إنَّما هو عِنْدَ القِيامِ إلى الصَلاةِ فَقَطْ؛ دُونَ سائِرِ الأعْمالِ؛ قالَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ بْنُ الفَغْواءِ؛ وهو مِنَ الصَحابَةِ؛ وكانَ دَلِيلَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى "تَبُوكَ"؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والسُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: "إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مِنَ المَضاجِعِ"؛ يَعْنِي النَوْمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِهَذا التَأْوِيلِ أنْ يَعُمَّ الأحْداثَ بِالذِكْرِ؛ ولا سِيَّما النَوْمُ؛ الَّذِي هو مُخْتَلَفٌ فِيهِ: هَلْ هو في نَفْسِهِ حَدَثٌ؟
وفي الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَقْدِيمٌ؛ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مِنَ النَوْمِ؛ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ؛ أو لامَسْتُمُ النِساءَ - يَعْنِي المُلامَسَةَ الصُغْرى - فاغْسِلُوا"؛ فَتَمَّتْ أحْكامُ المُحْدِثِ حَدَثًا أصْغَرَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ ؛ فَهَذا حُكْمُ نَوْعٍ آخَرَ؛ ثُمَّ قالَ لِلنَّوْعَيْنِ جَمِيعًا: ( وإن كُنتُم مَّرْضى أو عَلى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) ؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ؛ مِن أصْحابِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهُ.
وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: "إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ مُحْدِثِينَ"؛ ولَيْسَ في الآيَةِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ؛ ولا تَأْخِيرٌ؛ بَلْ يَتَرَتَّبُ في الآيَةِ حُكْمُ واجِدِ الماءِ؛ إلى قَوْلِهِ: "فاطَّهَّرُوا"؛ ودَخَلَتِ المُلامَسَةُ الصُغْرى في قَوْلِهِ: "مُحْدِثِينَ"؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ - حُكْمَ عادِمِ الماءِ مِنَ النَوْعَيْنِ جَمِيعًا؛ وكانَتِ المُلامَسَةُ هي الجِماعُ ولا بُدَّ؛ لِيَذْكُرَ الجُنُبَ العادِمَ لِلْماءِ؛ كَما ذَكَرَ الواجِدَ؛ وهَذا هو تَأْوِيلُ الشافِعِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ وعَلَيْهِ تَجِيءُ أقْوالُ الصَحابَةِ؛ كَسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وأبِي مُوسى ؛ وغَيْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ : اَلْغَسْلُ في اللُغَةِ: إيجادُ الماءِ في المَغْسُولِ؛ مَعَ إمْرارِ شَيْءٍ عَلَيْهِ؛ كاليَدِ؛ أو ما قامَ مَقامَها؛ وهو يَتَفاضَلُ بِحَسَبِ الِانْغِمارِ في الماءِ؛ أوِ التَقْلِيلِ مِنهُ؛ وغَسْلُ الوَجْهِ في الوُضُوءِ هو بِنَقْلِ الماءِ إلَيْهِ؛ وإمْرارِ اليَدِ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ: ما واجَهَ الناظِرَ وقابَلَهُ؛ وحَدُّهُ في الطُولِ مَنابِتُ الشَعْرِ فَوْقَ الجَبْهَةِ؛ إلى آخِرِ الذَقَنِ؛ وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ: "إلى ما قَبْلَ الذَقَنِ"؛ وقِيلَ: بَلْ حَدُّهُ فِيها آخِرُ الشَعْرِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَخْلِيلِ اللِحْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: رُوِيَ تَخْلِيلُها عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَدِيثِ أنَسٍ ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ واخْتَلَفَ في حَدِّهِ عَرْضًا؛ فَهو في المَرْأةِ؛ والأمْرَدِ؛ مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ؛ وفي ذِي اللِحْيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ فَقِيلَ: "مِنَ الشَعْرِ إلى الشَعْرِ"؛ يَعْنِي شَعْرَ العارِضَيْنِ؛ وقِيلَ: "مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ"؛ ويَدْخُلُ البَياضُ الَّذِي بَيْنَ العارِضِ والأُذُنِ في الوَجْهِ؛ وقِيلَ: "يَغْسِلُ ذَلِكَ البَياضَ اسْتِحْبابًا"؛ واخْتُلِفَ في الأُذُنَيْنِ؛ فَقِيلَ: "هُما مِنَ الرَأْسِ"؛ وقالَ الزُهْرِيُّ: "مِنَ الوَجْهِ"؛ وقِيلَ: "هُما عُضْوٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ؛ لَيْسا مِنَ الوَجْهِ؛ ولا مِنَ الرَأْسِ"؛ وقِيلَ: "ما أقْبَلُ مِنهُما مِنَ الوَجْهِ؛ وما أدْبَرَ فَهو مِنَ الرَأْسِ"؛ واخْتُلِفَ في المَضْمَضَةِ؛ والِاسْتِنْشاقِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ يَرَوْنَها سُنَّةً؛ ولا يَدْخُلُ هَذانَ الباطِنانِ عِنْدَهم في الوَجْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلِاسْتِنْشاقُ شَطْرُ الوُضُوءِ"؛ وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ وقَتادَةُ ؛ وعَطاءٌ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "مَن تَرَكَ المَضْمَضَةَ؛ والِاسْتِنْشاقَ في الوُضُوءِ أعادَ الصَلاةَ"؛ وقالَ أحْمَدُ: "يُعِيدُ مَن تَرَكَ الِاسْتِنْشاقَ ولا يُعِيدُ مَن تَرَكَ المَضْمَضَةَ"؛ والناسُ كُلُّهم عَلى أنَّ داخِلَ العَيْنَيْنِ لا يَلْزَمُ غَسْلُهُ؛ إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَنْضَحُ الماءَ في عَيْنَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ : اَلْيَدُ في اللُغَةِ تَقَعُ عَلى العُضْوِ الَّذِي هو مِنَ المَنكِبِ إلى أطْرافِ الأصابِعِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَغْسِلُ جَمِيعَهُ في الوُضُوءِ أحْيانًا لِيُطِيلَ الغُرَّةَ؛ وحَدَّ اللهُ مَوْضِعَ الغَسْلِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "إلى المَرافِقِ"؛ ﴾ يُقالُ في واحِدِها: "مِرْفَقٌ"؛ و"مَرْفِقٌ"؛ وكَسْرُ المِيمِ وفَتْحُ الفاءِ أشْهَرُ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ تَدْخُلُ المَرافِقُ في الغَسْلِ؛ أمْ لا؟
فَقالَتْ طائِفَةٌ: "لا تَدْخُلُ؛ لِأنَّ "إلى" غايَةٌ تَحُولُ بَيْنَ ما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها"؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: "تَدْخُلُ المَرافِقُ في الغَسْلِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ "إلى"؛ إذا كانَ مِن نَوْعِ ما قَبْلَها فَهو داخِلٌ"؛ ومَثَّلَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ بِأنْ تَقُولَ: "اِشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى حاشِيَتِهِ"؛ أو بِأنْ تَقُولَ: "اِشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى الدارِ"؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ العِبارَةِ في هَذا المَعْنى؛ أنْ يُقالَ: "إذا كانَ ما بَعْدَ "إلى" لَيْسَ مِمّا قَبْلَها؛ فالحَدُّ أوَّلُ المَذْكُورِ بَعْدَها؛ وإذا كانَ ما بَعْدَها مِن جُمْلَةِ ما قَبْلَها؛ فالِاحْتِياطُ يُعْطِي أنَّ الحَدَّ آخِرُ المَذْكُورِ بَعْدَها"؛ ولِذَلِكَ يُتَرَجَّحُ دُخُولُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ؛ والرِوايَتانِ مَحْفُوظَتانِ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ رَوى عنهُ أشْهَبُ أنَّ المِرْفَقَيْنِ غَيْرُ داخِلَيْنِ في الحَدِّ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُما داخِلانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ ؛ اَلْمَسْحُ أنْ يُمِرَّ عَلى الشَيْءِ بِشَيْءٍ مَبْلُولٍ بِالماءِ؛ وسُنَّةُ مَسْحِ الرَأْسِ أنْ يُؤْخَذَ ماءٌ بِاليَدَيْنِ؛ ثُمَّ يُرْسَلَ؛ ثُمَّ يُمْسَحَ الرَأْسُ بِما تَعَلَّقَ بِاليَدَيْنِ.
واخْتُلِفَ في مَسْحِ الرَأْسِ في مَواضِعَ؛ مِنها هَيْئَةُ المَسْحِ؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ - مِنها مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ -: "يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ؛ ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِما إلى قَفاهُ؛ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى مُقَدَّمِهِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَبْدَأُ مِن مُؤَخَّرِ الرَأْسِ؛ حَتّى يَجِيءَ إلى المُقَدَّمِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ إلى المُؤَخَّرِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَبْدَأُ مِن وسَطِ الرَأْسِ؛ فَيَجِيءُ بِيَدَيْهِ نَحْوَ الوَجْهِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ؛ فَيُصِيبُ باطِنَ الشَعْرِ؛ فَإذا انْتَهى إلى وسَطِ الرَأْسِ؛ أمَرَّ يَدَيْهِ كَذَلِكَ عَلى ظاهِرِ شَعْرِ مُؤَخَّرِ الرَأْسِ؛ ثُمَّ يَرُدُّ؛ فَيُصِيبُ باطِنَهُ؛ ويَقِفُ عِنْدَ وسَطِ الرَأْسِ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَمْسَحُ رَأْسَهُ مِن هُنا وهُنا؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ؛ ولا مَبْدَإٍ مَحْدُودٍ؛ حَتّى يَعُمَّهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ بِالعُمُومِ"؛ واخْتُلِفَ في رَدِّ اليَدَيْنِ عَلى شَعْرِ الرَأْسِ؛ هَلْ هو فَرْضٌ؛ أمْ سُنَّةٌ؛ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّ المَسْحَةَ الأُولى فَرْضٌ بِالقُرْآنِ؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ؛ وقِيلَ: "هُوَ فَرْضٌ".
ومِن مَواضِعِ الخِلافِ في مَسْحِ الرَأْسِ قَدْرُ ما يُمْسَحُ؛ فَقالَتْ جَماعَةٌ: "اَلْواجِبُ مِن مَسْحِ الرَأْسِ عُمُومُهُ"؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الهَيْئاتِ عَلى ما ذَكَرْناهُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: "إنْ مَسَحَ ثُلُثَيِ الرَأْسِ؛ وتَرَكَ الثُلُثَ؛ أجْزَأ؛ لِأنَّهُ كَثِيرٌ في أُمُورٍ مِنَ الشَرْعِ"؛ وقالَ أشْهَبُ: "إنْ مَسَحَ الناصِيَةَ أجْزَأ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ مَن أحْفَظُ عنهُ إجْزاءَ بَعْضِ الرَأْسِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ البَعْضَ مِن مُقَدَّمِ الرَأْسِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثُ؛ في بَعْضِها ذِكْرُ الناصِيَةِ؛ وفي بَعْضِها ذِكْرُ مُقَدَّمِ الرَأْسِ؛ إلّا ما رُوِيَ عن إبْراهِيمَ؛ والشَعْبِيِّ ؛ قالا: أيَّ نَواحِي رَأْسِكَ مَسَحْتَ أجْزَأكَ؛ وكانَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ مَسَحَ اليافُوخَ فَقَطْ؛ وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إنْ مَسَحَ بِثَلاثِ أصابِعَ أجْزَأهُ؛ وإنْ كانَ المَمْسُوحُ أقَلَّ مِمّا يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلاثُ أصابِعَ لَمْ يُجْزِئْ؛ وقالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ مَن مَسَحَ الرَأْسَ أنْ يَمْسَحَ مَسْحَةً بِأُصْبُعٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنْ لَمْ تُصِبِ المَرْأةُ إلّا شَعْرَةً واحِدَةً أجْزَأها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّ الرَجُلَ إذا مَسَحَ شَعْرَةً واحِدَةً أجْزَأهُ.
وَمِن مَواضِعِ الخِلافِ في مَسْحِ الرَأْسِ: ما العُضْوُ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ؟
فالإجْماعُ عَلى اسْتِحْسانِ المَسْحِ بِاليَدَيْنِ جَمِيعًا؛ وعَلى الإجْزاءِ إنْ مَسَحَ بِواحِدَةٍ؛ واخْتُلِفَ فِيمَن مَسَحَ بِأُصْبُعِ واحِدَةٍ حَتّى عَمَّ ما يَرى أنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنَ الرَأْسِ؛ فالمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ؛ وقِيلَ: لا يُجْزِئُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَرَجَّحُ أنَّهُ لا يُجْزِئُ؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عن سُنَّةِ المَسْحِ؛ وكَأنَّهُ لَعِبٌ؛ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عن ضَرُورَةِ مَرَضٍ؛ فَيَنْبَغِي ألّا يُخْتَلَفَ في الإجْزاءِ.
ومِن مَواضِعِ الخِلافِ عَدَدُ المَسَحاتِ؛ فالجُمْهُورُ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ؛ ويُجْزِئُ ذَلِكَ عِنْدَ الشافِعِيِّ ؛ وثَلاثٌ أحَبُّ إلَيْهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ؛ ورُوِيَ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: يُمْسَحُ الرَأْسُ ثَلاثًا؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءٌ ؛ ومَيْسَرَةُ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "بِرُءُوسِكُمْ"؛ ﴾ مُؤَكِّدَةٌ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يَرى عُمُومَ الرَأْسِ؛ والمَعْنى عِنْدَهُ: "وامْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ"؛ وهي لِلْإلْزاقِ المَحْضِ عِنْدَ مَن يَرى إجْزاءَ بَعْضِ الرَأْسِ؛ كَأنَّ المَعْنى: "أوجِدُوا مَسْحًا بِرُؤُوسِكُمْ"؛ فَمَن مَسَحَ شَعْرَةً فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا في المَقادِيرِ الَّتِي حَدُّوها آثارًا؛ وأقْيِسَةً؛ بِحَسَبِ اجْتِهادِ العُلَماءِ - رَحِمَهُمُ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "وَأرْجُلِكُمْ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَأرْجُلَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ الخَفْضَ؛ ورَوى عنهُ حَفْصٌ النَصْبَ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْمَشُ: "وَأرْجُلُكُمْ"؛ بِالرَفْعِ؛ المَعْنى: "فاغْسِلُوها"؛ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ ؛ وبِحَسَبِ هَذا اخْتِلافُ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ فَكُلُّ مَن قَرَأ بِالنَصْبِ جَعَلَ العامِلَ "اِغْسِلُوا"؛ وبَنى عَلى أنَّ الفَرْضَ في الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ بِالماءِ؛ دُونَ المَسْحِ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ؛ وعَلَيْهِ فِعْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو اللازِمُ مِن قَوْلِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَدْ رَأى قَوْمًا يَتَوَضَّؤُونَ وأعْقابُهم تَلُوحُ؛ فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ: « "وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النارِ".» وَمَن قَرَأ بِالخَفْضِ جَعَلَ العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ؛ واخْتَلَفُوا؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: اَلْفَرْضُ في الرِجْلَيْنِ المَسْحُ؛ لا الغَسْلُ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: "اَلْوُضُوءُ غَسْلَتانِ؛ ومَسْحَتانِ"؛ ورُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ خَطَبَ بِالأهْوازِ؛ فَذَكَرَ الوُضُوءَ؛ فَقالَ: "اِغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ؛ وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم وأرْجُلِكُمْ؛ وإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ مِن خُبْثِهِ مِن قَدَمَيْهِ؛ فاغْسِلُوا بُطُونَهُما؛ وظُهُورَهُما؛ وعَراقِيبَهُما"؛ فَسَمِعَ ذَلِكَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ فَقالَ: "صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ "؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ ﴾ ؛ قالَ: وكانَ أنَسٌ إذا مَسَحَ رِجْلَيْهِ بَلَّهُما؛ ورُوِيَ أيْضًا «عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ؛ والسُنَّةُ بِالغَسْلِ"؛» وكانَ عِكْرِمَةُ يَمْسَحُ عَلى رِجْلَيْهِ؛ ولَيْسَ في الرِجْلَيْنِ غَسْلٌ؛ إنَّما نَزَلَ فِيهِما المَسْحُ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ"؛ ثُمَّ قالَ: "ألّا تَرى أنَّ التَيَمُّمَ يُمْسَحُ فِيهِ ما كانَ غَسْلًا؛ ويُلْغى ما كانَ مَسْحًا؟"؛ ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "اِمْسَحْ عَلى رَأْسِكَ وقَدَمَيْكَ"؛ وقالَ قَتادَةُ: "اِفْتَرَضَ اللهُ غَسْلَتَيْنِ؛ ومَسْحَتَيْنِ".
وكُلٌّ مَن ذَكَرْنا فَقِراءَتُهُ: "وَأرْجُلِكُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وبِذَلِكَ قَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ والأعْمَشُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ وذَكَرَهُمُ الطَبَرِيُّ تَحْتَ تَرْجَمَةِ القَوْلِ بِالمَسْحِ؛ وذَهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُقِرُّ بِكَسْرِ اللامِ إلى أنَّ المَسْحَ في الرِجْلَيْنِ هو الغَسْلُ؛ ورُوِيَ عن أبِي زَيْدٍ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الغَسْلَ الخَفِيفَ مَسْحًا؛ ويَقُولُونَ: "تَمَسَّحْتُ لِلصَّلاةِ"؛ بِمَعْنى: "غَسَلْتُ أعْضائِي"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ وغَيْرُهُ؛ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا ﴾ ؛ إنَّهُ الضَرْبُ؛ ويُقالُ: "مَسَحَ عِلاوَتَهُ"؛ إذا ضَرَبَهُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: "فَهَذا يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِمَسْحِ الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ؛ ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ مَسْحَ الرِجْلَيْنِ يُرادُ بِهِ الغَسْلُ أنَّ الحَدَّ قَدْ وقَعَ فِيهِما بِـ "إلى"؛ كَما وقَعَ في الأيْدِي؛ وهي مَغْسُولَةٌ؛ ولَمْ يَقَعْ في المَمْسُوحِ حَدٌّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِتَرْكِ الحَدِّ في الوَجْهِ؛ فَكانَ الوُضُوءُ مَغْسُولَيْنِ؛ حُدَّ أحَدُهُما؛ ومَمْسُوحَيْنِ؛ حُدَّ أحَدُهُما؛ وقالَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "إنَّ مَسْحَ الرِجْلَيْنِ هو بِإيصالِ الماءِ إلَيْهِما؛ ثُمَّ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَرْءُ غاسِلًا؛ ماسِحًا"؛ قالَ: "وَلِذَلِكَ كَرِهَ أكْثَرُ العُلَماءِ لِلْمُتَوَضِّئِ أنْ يُدْخِلَ رِجْلَيْهِ في الماءِ؛ دُونَ أنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ قَوْمٌ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وبَعْضُ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وجُمْهُورُ الأُمَّةِ مِنَ الصَحابَةِ؛ والتابِعِينَ؛ عَلى أنَّ الفَرْضَ في الرِجْلَيْنِ الغَسْلُ؛ وأنَّ المَسْحَ لا يُجْزِئُ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ ؛ وهو يَقْرَأُ بِكَسْرِ اللامِ.
والكَلامُ في قَوْلِهِ: "إلى الكَعْبَيْنِ"؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: "إلى المَرافِقِ"؛ واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في "الكَعْبَيْنِ"؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما العَظْمانِ الناتِئانِ في جَنْبَيِ الرِجْلِ؛ وهَذانِ هُما حَدُّ الوُضُوءِ؛ بِإجْماعٍ؛ فِيما عَلِمْتُ؛ واخْتُلِفَ: هَلْ يَدْخُلانِ في الغَسْلِ؛ أمْ لا؟
كَما تَقَدَّمَ في المِرْفَقِ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْكَعْبُ هو العَظْمُ الناتِئُ في وجْهِ القَدَمِ؛ حَيْثُ يَجْتَمِعُ شِراكُ النَعْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَلا أعْلَمُ أحَدًا جَعَلَ حَدَّ الوُضُوءِ إلى هَذا؛ ولَكِنَّ عَبْدَ الوَهّابِ؛ في التَلْقِينِ؛ جاءَ في ذَلِكَ بِلَفْظٍ فِيهِ تَخْلِيطٌ وإبْهامٌ"؛ قالَ الشافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: لَمْ أعْلَمْ مُخالِفًا في أنَّ الكَعْبَيْنِ هُما العَظْمانِ في مَجْمَعِ مَفْصِلِ الساقِ؛ ورَوى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ؛ عن أشْهَبَ؛ عن مالِكٍ قالَ: اَلْكَعْبانِ اللَذانِ يَجِبُ الوُضُوءُ إلَيْهِما هُما العَظْمانِ المُلْتَصِقانِ بِالساقِ؛ المُحاذِيانِ لِلْعَقِبِ؛ ولَيْسَ الكَعْبُ بِالظاهِرِ في وجْهِ القَدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ؛ مِن قَوْلِهِ - في الأيْدِي -: "إلى المَرافِقِ"؛ أيْ: في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ في الأرْجُلِ لَقِيلَ: "إلى الكُعُوبِ"؛ فَلَمّا كانَ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبانِ؛ خُصّا بِالذِكْرِ.
وألْفاظُ الآيَةِ تَقْتَضِي المُوالاةَ بَيْنَ الأعْضاءِ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ؛ فَقالَ ابْنُ أبِي سَلَمَةَ ؛ وابْنُ وهْبٍ: ذَلِكَ مِن فُرُوضِ الوُضُوءِ؛ في الذِكْرِ؛ والنِسْيانِ؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكِيمِ: لَيْسَ بِفَرْضٍ مَعَ الذِكْرِ؛ وقالَ مالِكٌ: هو فَرْضٌ مَعَ الذِكْرِ؛ ساقِطٌ مَعَ النِسْيانِ.
وكَذَلِكَ تَتَضَمَّنُ ألْفاظُ الآيَةِ التَرْتِيبَ؛ واخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقالَ الأبْهَرِيُّ: اَلتَّرْتِيبُ سُنَّةٌ؛ وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ التَنْكِيسَ لِلنّاسِي مُجْزِئٌ؛ واخْتُلِفَ في العامِدِ؛ فَقِيلَ: يُجْزِئُ؛ ويُرَتِّبُ في المُسْتَقْبَلِ؛ وقالَ أبُو بَكْرٍ القاضِي؛ وغَيْرُهُ: لا يُجْزِئُ؛ لِأنَّهُ عابِثٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا ﴾ : "اَلْجُنُبُ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَنْبُ"؛ لِأنَّهُ يَمَسُّ جَنْبُهُ جَنْبَ امْرَأةٍ في الأغْلَبِ؛ ومِنَ المُجاوَرَةِ والقُرْبِ؛ قِيلَ: ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ ؛ ويَحْتَمِلُ "اَلْجُنُبُ"؛ أنْ يَكُونَ مِنَ البُعْدِ؛ إذِ البُعْدُ جَنابَةٌ؛ ومِنهُ "تَجَنَّبْتُ الشَيْءَ"؛ إذا بَعُدْتُ عنهُ؛ فَكَأنَّهُ جانَبَ الطَهارَةَ؛ وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجارُ الجُنُبُ هو البَعِيدُ الجِوارِ؛ ويَكُونَ مُقابِلًا لِلصّاحِبِ بِالجَنْبِ.
و ﴿ "فاطَّهَّرُوا"؛ ﴾ أمْرٌ بِالِاغْتِسالِ بِالماءِ؛ ولِذَلِكَ رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرُهُما؛ أنَّ الجُنُبَ لا يَتَيَمَّمُ البَتَّةَ؛ بَلْ يَدَعُ الصَلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ هَذِهِ العِبارَةُ هي لِواجِدِ الماءِ؛ وقَدْ ذُكِرَ الجُنُبُ أيْضًا بَعْدُ في أحْكامِ عادِمِ الماءِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو لامَسْتُمُ النِساءَ ﴾ ؛ إذِ المُلامَسَةُ هُنا الجِماعُ؛ والطُهُورُ بِالماءِ صِفَتُهُ أنْ يُعَمَّ الجَسَدُ بِالماءِ؛ وتُمَرَّ اليَدُ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ هَذا هو مَشْهُورُ المَذْهَبِ؛ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ الظاهِرِيِّ؛ وغَيْرُهُ؛ عن مالِكٍ أنَّهُ يُجْزِئُ في غُسْلِ الجَنابَةِ أنْ يَنْغَمِسَ الرَجُلُ في الماءِ؛ دُونَ تَدَلُّكٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلنِّساءِ" تَفْسِيرُ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ﴾ ؛ وقِراءَةِ مَن قَرَأ: "مِنَ الغَيْطِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ﴾ ؛ "اَلْإرادَةُ": صِفَةُ ذاتٍ؛ وجاءَ الفِعْلُ مُسْتَقْبَلًا؛ مُراعاةً لِلْحَوادِثِ الَّتِي تَظْهَرُ عَنِ الإرادَةِ؛ فَإنَّها تَجِيءُ مُؤْتَنَفَةً؛ مِن تَطْهِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ وإتْمامِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ.
وتَعْدِيَةُ "أرادَ"؛ وما تَصَرَّفَ مِنهُ بِهَذِهِ اللامِ؛ عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَألْتُهُ - رَحِمَهُ اللهُ - عن هَذا؛ فَقالَ: اَلْمَعْنى: إرادَتِي لِأنْسى؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ؛ وما قالَ الخَلِيلُ لِسِيبَوَيْهِ أخْصَرُ؛ وأحْسَنُ؛ ويُعْتَرَضُ هَذا الِاحْتِمالُ في المَفْعُولِ المَحْذُوفِ بِأنَّ "مِن" تَصِيرُ زائِدَةً في الواجِبِ؛ ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قُوَّةَ النَفْيِ الَّذِي في صَدْرِ الكَلامِ يَشْفَعُ لِزِيادَةِ "مِن"؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ النَفْيُ واقِعًا عَلى الفِعْلِ الواقِعِ عَلى الحَرَجِ؛ ولِهَذا نَظائِرُ.
و"اَلْحَرَجُ": اَلضَّيِّقُ؛ والحَرَجَةُ: اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ المُتَضايِقُ؛ ومِنهُ قِيلَ يَوْمَ بَدْرٍ في أبِي جَهْلٍ: "إنَّهُ كانَ في مِثْلِ الحَرَجِ مِنَ الرِماحِ"؛ ويَجْرِي مَعَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"؛» وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ"؛» وجاءَ لَفْظُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ والشَيْءُ المَذْكُورُ بِقُرْبٍ هو أمْرُ التَيَمُّمِ؛ والرُخْصَةِ فِيهِ؛ وزَوالِ الحَرَجِ في تَحَمُّلِ الماءِ أبَدًا؛ ولِذَلِكَ «قالَ أُسَيْدٌ: "ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إعْلامٌ بِما لا يُوازى بِشُكْرٍ مِن عَظِيمِ تَفَضُّلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.
"وَلَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "يُطْهِرَكُمْ"؛ بِسُكُونِ الطاءِ؛ وتَخْفِيفِ الهاءِ.
<div class="verse-tafsir"
إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحّص: من أنّ سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنّها نزلت في عام حجّة الوداع، جَزمنا بأنّ هذه الآية نزلت هنا تذكيراً بنعمة عظيمة من نعم التّشريع: وهي منّة شرع التيمّم عند مشقّة التطهُّر بالماء، فجزمنا بأنّ هذا الحكم كلّه مشروع من قبْل، وإنَّما ذُكر هنا في عداد النّعم الّتي امتنّ الله بها على المسلمين، فإنّ الآثار صحّت بأنّ الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصّلاة، وبأنّ التيمّم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ستّ.
وقد تقدّم لنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى ﴾ في سورة النّساء (43) الخلاف في أنّ الآية الّتي نزل فيها شرع التيمّم أهي آية سورة النّساء، أم آية سورة المائدة.
وذكرنا هنالك أنّ حديث الموطأ } من رواية مالك عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس فيه تعيين الآية ولكن سَمّاها آية التيمّم، وأنّ القرطبي اختار أنّها آية النّساء لأنّها المعروفة بآية التيمّم، وكذلك اختار الواحدي في «أسباب النّزول»، وذكرنا أنّ صريح رواية عمرو بن حُريث عن عائشة: أنّ الآية الّتي نزلت في غزوة المريسيع هي قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ الآية، كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن حريث عن عبد الرحمان بن القاسم، ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة، فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهواً من أحد رواتِه غير عبدِ الرحمان بن القاسم وأبِيهِ، أراد أن يذكر آية ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتُم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جُنباً إلاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا ﴾ ، وهي آية النّساء (43)، فذكر آية يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } الآية.
فتعيّن تأويله حينئذ بأن تكون آية ﴿ يأيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة ﴾ قد نزلت قبل نزول سورة المائدة، ثُمّ أعيد نزولها في سورة المائدة، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة، والأرجح عندي: أن يكون ما في حديث البخاري وهماً من بعض رواته لأنّ بين الآيتين مشابهة.
فالأظهر أنّ هذه الآية أريد منها تأكيد شرع الوضوء وشرع التيمّم خلفاً عن الوضوء بنصّ القرآن؛ لأنّ ذلك لم يسبق نزول قرآننٍ فيه ولكنّه كان مشروعاً بالسنّة.
ولا شكّ أنّ الوضوء كان مشروعاً من قبل ذلك، فقد ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة إلاّ بوضوء.
قال أبو بكر ابن العربي في «الأحكام» «لا خلاف بين العلماء في أنّ الآية مدنية، كما أنّه لا خلاف أنّ الوضوء كان مفعولاً قبل نزولها غير متلوّ ولذلك قال علماؤنا: إنّ الوضوء كان بمكّة سنّة، معناه كان بالسنّة.
فأمّا حكمه فلم يكن قطّ إلاّ فرضاً» وقد روى ابن إسحاق وغيره أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لمّا فرض الله سبحانه عليه الصّلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظُهْر ذلك اليوْم ليصلّي بهم فهمز بعقبه فانبعث ماء وتوضّأ معلِّماً له وتوضّأ هو معه فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح وإنْ كان لم يروه أهل الصّحيح ولكنّهم تركوه لأنّهم لم يحتاجوا إليه اه.
وفي «سيرة ابن إسحاق» ثُمّ انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجةَ فتوضّأ لها ليريها كيف الطُهور للصّلاة كما أراه جبريل اه.
وقولهم: الوضوء سنّة روي عن عبد الله بن مسعود.
وقد تأوّله ابن العربي بأنّه ثابت بالسنّة.
قال بعض علمائنا: ولذلك قالوا في حديث عائشة: فنزلت آية التّيمّم؛ ولم يقولوا: آية الوضوء؛ لمعرفتهم إيَّاه قبل الآية.
فالوضوء مشروع مع الصّلاة لا محالة، إذ لم يذكر العلماء إلاّ شرع الصّلاة ولم يذكروا شرع الوضوء بعد ذلك، فهذه الآية قرّرت حكم الوضوء ليكون ثبوته بالقرآن.
وكذلك الاغتسال فهو مشروع من قبل، كما شرع الوضوء بل هو أسبق من الوضوء؛ لأنّه من بقايا الحنيفية الّتي كانت معروفة حتّى أيّام الجاهليّة، وقد وضّحنا ذلك في سورة النّساء.
ولذلك أجمل التّعبير عنه هنا وهنالك بقوله هنا ﴿ فاطَّهّروا ﴾ ، وقوله هنالك ﴿ تغتسلوا ﴾ [النساء: 43]، فتمحّضت الآية لشرع التيمّم عوضاً عن الوضوء.
ومعنى ﴿ إذا قمتم إلى الصّلاة ﴾ إذا عزمْتم على الصّلاة، لأنّ القيام يطلق في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل، قال الشاعر: فقام يذود النّاس عنها بسيفه *** وقال ألا لا من سبيل إلى هند وعلى العزم على الفعل، قال النابغة: قاموا فقالوا حمانا غيرُ مقروب *** أي عزموا رأيهم فقالوا.
والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته ب (إلى) لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلّوا.
وروى مالك في «الموطّأ» عن زيد بن أسلم أنّه فسّر القيام بمعنى الهبوب من النوم، وهو مروي عن السديُّ.
فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في هذه الآية، وكلّها تَؤُول إلى أنّ إيجاب الطهارة لأجل أداء الصّلاة.
وأمّا ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ الآية فظاهر الآية الأمر بالوضوء عند كلّ صلاة لأنّ الأمر بغسل ما أمر بغسله شُرط ب ﴿ إذا قمتم ﴾ فاقتضى طلبُ غسل هذه الأعضاء عند كلّ قيام إلى الصّلاة.
والأمر ظاهر في الوجوب.
وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من السلف؛ فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوبُ الوضوء لكلّ صلاة ونسبه الطبرسي إلى داوود الظاهري، ولم يذكر ذلك ابن حزم في «المحلّى» ولم أره لغير الطبرسي.
وقال بريدة بن أبي بردة: كان الوضوء واجباً على المسلمين لكلّ صلاة ثُمّ نسخ ذلك عام الفتح بفعل النّبيء صلى الله عليه وسلم فصلّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، وصلّى في غزوة خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد.
وقال بعضهم: هذا حكم خاصّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول عجيب إن أراد به صاحبه حمل الآية عليه، كيفَ وهي مصدّرة بقوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا ﴾ .
والجمهور حملوا الآية على معنى «إذا قمتُم محدثين» ولعلّهم استندوا في ذلك إلى آية النّساء (43) المصدّرة بقوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى قوله ولا جُنباً ﴾ الآية.
وحملوا ما كان يفعله النّبيء صلى الله عليه وسلم من الوضوء لكلّ صلاة على أنّه كان فرضاً على النّبيء صلى الله عليه وسلم خاصّاً به غير داخل في هذه الآية، وأنّه نسخ وجوبه عليه يوم فتح مكّة؛ ومنهم من حمله على أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كان يلتزم ذلك وحملوا ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وابن عمر من الوضوء لفضل إعادة الوضوء لِكلّ صلاة.
وهو الّذي لا ينبغي القول بغيره.
والّذين فسّروا القيام بمعنى القيام من النّوم أرادوا تمهيد طريق التأويل بأن يكون الأمر قد نيط بوجود موجب الوضوء.
وإنّي لأعجب من هذه الطرق في التأويل مع استغناء الآية عنها؛ لأنّ تأويلها فيها بيّن لأنّها افتتحت بشرط، هو القيام إلى الصّلاة، فعلمنا أنّ الوضوء شرط في الصّلاة على الجملة ثمّ بيّن هذا الإجمال بقوله: ﴿ وإنْ كنتم مرضى إلى قوله أو جاء أحد منكم من الغائط إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمّموا ﴾ فجعل هذه الأشياء موجبة للتّيمّم إذا لم يوجد الماء، فعلم من هذا بدلالة الإشارة أنّ امتثال الأمر يستمرّ إلى حدوث حادث من هذه المذكورات، إمّا مانِععٍ من أصل الوضوء وهو المرض والسفر، وإمَّا رافع لحكم الوضوء بعد وقوعه وهو الأحداث المذكور بعضها بقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ ، فإن وجد الماء فالوضوء وإلاّ فالتيمّم، فمفهوم الشرط وهو قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ ومفهوم النّفي وهو ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ تأويل بَيِّن في صرف هذا الظّاهر عن معناه بل في بيان هذا المجمل، وتفسير واضح لحمل ما فعله الخلفاء على أنّه لقصد الفضيلة لا للوجوب.
وما ذكره القرآن من أعضاء الوضوء هو الواجب وما زاد عليه سنّة واجبة.
وحدّدت الآية الأيدي ببلوغ المرافق لأنّ اليد تطلق على ما بلغ الكوع وما إلى المرفق وما إلى الإبط فرفعت الآية الإجمال في الوضوء لقصد المبالغة في النّظافة وسكتت في التّيمّم فعلمنا أنّ السكوت مقصود وأنّ التيمّم لمّا كان مبناه على الرخصة اكتفى بصورة الفعل وظاهر العضو، ولذلك اقتصر على قوله: ﴿ وأيديكم ﴾ في التيمّم في هذه السورة وفي سورة النّساء.
وهذا من طريق الاستفادة بالمقابلة، وهو طريق بديع في الإيجاز أهمله علماء البلاغة وعلماء الأصول فاحتفظ به وألحقه بمسائلهما.
وقد اختلف الأيمّة في أنّ المرافق مغسولة أو متروكة، والأظهر أنّها مغسولة لأنّ الأصل في الغاية في الحدّ أنّه داخل في المحدود.
وفي «المدارك» أنّ القاضي إسماعيل بن إسحاق سئل عن دخول الحدّ في المحدود فتوقّف فيها.
ثمّ قال للسائل بعد أيّام: قرأت «كتاب سيبويه» فرأيت أنّ الحدّ داخل في المحدود.
وفي مذهب مالك: قولان في دخول المرافق في الغسل، وأوْلاهما دخولهما.
قال الشيخ أبو محمد: وإدخالهما فيه أحوط لزوال تَكلُّف التحديد.
وعن أبي هريرة: أنّه يغسل يديه إلى الإبطين، وتؤوّل عليه بأنّه أراد إطالة الغُرّة يوم القيامة.
وقيل: تكره الزيادة.
وقوله: ﴿ وأرجلكم ﴾ قرأه نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوبُ بالنّصب عطفاً على ﴿ وأيديكم ﴾ وتكون جملة ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ معترضة بين المتعاطفين.
وكأنّ فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب أعضاء الوضوء لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يدلّ على التّرتيب الوجودي، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة؛ إذ حكمة الوضوء وهي النّقاء والوضاءة والتنظّف والتأهّب لمناجاة الله تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشدّ تعرّضاً للوسخ؛ فإنّ الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتُفرز الفضلات بكثرة حركة المشي، ولذلك كان النّبيء صلى الله عليه وسلم يأمر بمبالغة الغسل فيها، وقد نادَى بأعلى صوته للذي لم يُحسن غسل رجليه " وَيْلٌ للأعقاب من النّار " وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بخفض ﴿ وأرجلكم ﴾ .
وللعلماء في هذه القراءة تأويلات: منهم من أخذ بظاهرها فجعل حكمَ الرجلين المسح دون الغسل، وروي هذا عن ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وقتادة.
وعن أنس بن مالك أنّه بلغه أنّ الحجّاج خطب يوماً بالأهواز فذكر الوضوء فقال: «إنَّه ليس شيء من ابن آدم أقربَ مِن خبثه مِن قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما» فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق اللّهُ وكذب الحجّاج قال الله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم ﴾ .
ورويت عن أنس رواية أخرى: قال نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسحُ الرجلين منسوخاً بالسنّة، ففي الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النّار» مرّتين.
وقد أجمع الفقهاء بعد عصر التّابعين على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ولم يشذّ عن ذلك إلاّ الإمامية من الشيعة، قالوا: ليس في الرجلين إلاّ المسح، وإلاّ ابن جرير الطبري: رأى التخيير بين الغسل والمسح، وجعَل القراءتين بمنزلة روايتين في الإخبار إذا لم يمكن ترجيح إحداهما على رأي من يرون التخيير في العمل إذا لم يعرف المرجّح.
واستأنس الشعبي لمذهبه بأنّ التيمّم يمسح فيه ما كان يغسل في الوضوء ويلغى فيه ما كان يمسح في الوضوء.
ومن الذين قرأوا بالخفض من تأوّل المسح في الرجلين بمعنى الغسل، وزعموا أنّ العرب تسمّي الغسل الخفيف مسحاً وهذا الإطلاق إن صحّ لا يصحّ أن يكون مراداً هنا لأنّ القرآن فرّق في التعبير بين الغسل والمسح.
وجملة ﴿ وإن كنتم جنباً فاطّهروا إلى قوله وأيديكم منه ﴾ مضى القول في نظيره في سورة النّساء بما أغنى عن إعادته هنا.
وجملة ﴿ مَا يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ تعليل لرخصة التيمّم، ونفي الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأنّ المريد الّذي لا غالب له لا يحول دون إرادته عائق.
واللام في ﴿ ليجعل ﴾ داخلة على أن المصدرية محذوفةً وهي لام يكثر وقوعها بعد أفعال الإرادة وأفعال مادّة الأمر، وهي لام زائدة على الأرجح، وتسمّى لام أَنْ.
وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ يُريد الله ليبيّن لكُم ﴾ في سورة النّساء (26)، وهي قريبة في الموقع من موقع لام الجحود.
والحرج: الضيق والشدّة، والحَرَجَة: البقعة من الشجر الملتفّ المتضايق، والجمع حَرَج.
والحَرج المنفي هنا هو الحرج الحِسّي لو كلّفوا بطَهارة الماء مع المرض أو السفر، والحرجُ النفسي لو مُنِعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن استعمال الماء لضرّ أو سفرٍ أو فقد ماء فإنّهم يرتاحون إلى الصّلاة ويحبّونها.
وقوله: ولكن يريد ليطهّركم} إشارة إلى أنّ من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير حسّي لأنّه تنظيف، وتطهير نفسي جعله الله فيه لمّا جعله عبادة؛ فإنّ العبادات كلّها مشتملة على عدّة أسرار: منها ما تهتدي إليه الأفهام ونعبر عنها بالحكمة؛ ومنها ما لا يعلمه إلاّ الله، ككون الظهر أربع ركعات، فإذا ذكرت حكم للعبادات فليس المراد أنّ الحكمَ منحصرة فيما علمناه وإنّما هو بعض من كلّ وظنّ لا يبلغ منتهى العلم، فلمّا تعذّر الماء عوّض بالتيمّم، ولو أراد الحرج لكلّفهم طلب الماء ولو بالثّمن أو ترك الصّلاة إلى أن يوجد الماء ثُمّ يقضون الجميع.
فالتيمّم ليس فيه تطهير حسّي وفيه التّطهير النّفسي الذي في الوضوء لمّا جُعل التّيمّم بدلاً عن الوضوء، كما تقدّم في سورة النساء.
وقوله ﴿ وليتمّ نعمته عليكم ﴾ أي يكمل النّعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الرّاجعة إلى التزكيّة والتطهير مع التيْسير في أحوال كثيرة.
فالإتمام إمّا بزيادة أنواع من النّعم لم تكن، وإمّا بتكثير فروع النّوع من النّعم.
وقوله: ﴿ لعلّكم تشكرون ﴾ أي رجاء شكركم إيّاه.
جعل الشكر علّة لإتمام النّعمة على طريقة المجاز بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحثّ عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يَعْنِي إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، فاغْسِلُوا وُجُوهَكم، فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ، فاغْسِلُوا، فَصارَ الحَدَثُ مُضْمَرًا.
وَفي وُجُوبِ الوُضُوءِ شَرْطًا، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، والفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مَن أرادَ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، أنْ يَتَوَضَّأ، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ بَيْنَ فَرْضَيْنِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ واجِبًا عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ، ثُمَّ نُسِخَ إلّا عَلى المُحْدِثِ، رَوى سُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ، صَلّى الصَّلَواتِ كُلَّها بِوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، قالَ: (عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ).» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ بْنِ عامِرٍ الغَسِيلِ: «أنَّ النَّبِيَّ أمَرَ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالسِّواكِ ورُفِعَ عَنْهُ الوُضُوءُ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني بسند ضعيف عن علقمة بن صفوان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، فقلنا: يا رسول الله، نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا!
حتى نزلت آية الرخصة ﴿ يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...
﴾ الآية.
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن بريدة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله!
قال: إني عمداً فعلت يا عمر» .
وأخرج أبو داود والترمذي وابن عباس.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟
فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبدالله بن حنظلة بن الغسيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أوغير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.
وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن علي أنه كان يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ ﴿ يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...
﴾ الآية.
وأخرج البيهقي في سننه عن رفاعة بن رافع.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين» .
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم والنحاس، أن معنى هذه الآية ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة...
﴾ الآية.
إن ذلك إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم.
وأخرج ابن جرير عن السدي.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ يقول: قمتم وأنتم على غير طهر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ﴾ قال: ذلك الغسل الدلك.
وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما عن جابر بن عبدالله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طلحة عن أبيه عن جده قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه هكذا، وأمرَّ حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس انه قرأها ﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب، يقول: رجعت إلى الغسل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي أنه قرأ ﴿ وأرجلكم ﴾ قال: عاد إلى الغسل.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس عن ابن مسعود.
أنه قرأ ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ بالنصب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة.
أنه كان يقرأ ﴿ وأرجلكم ﴾ يقول: رجع الأمر إلى الغسل.
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة أن ابن مسعود قال: رجع قوله إلى غسل القدمين في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال: قرأ الحسن والحسين ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: أرجلكم هذا من المقدم والمؤخر في الكلام.
وأخرج سعيد بن منصور عن أنس أنه قرأ ﴿ وأرجلكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ قال: هو المسح.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة عن ابن عباس قال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة.
مثله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة.
مثله.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس.
أنه قيل له: إن الحجاج خطبنا فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما، وظهورهما وعراقيبهما.
فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج.
قال الله: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح على القدمين، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً ويلقى ما كان مسحاً.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش والنحاس عن الشعبي قال: نزل القرآن بالمسح وجرت السُّنة بالغسل.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش قال: كانوا يقرؤونها ﴿ برؤوسكم وأرجلكم ﴾ بالخفض، وكانوا يغسلون.
وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم قال: «مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بغسل القدمين» .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: لم أرَ أحداً يمسح القدمين.
وأخرج ابن جرير عن أنس قال: «نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يمسح على الخفين قبل نزول المائدة وبعدها حتى قبضه الله عز وجل» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبدالله بن عمر فقال عمر: سعد أفقه منك.
فقال عمر: يا سعد، إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح، ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة؟، فإنها أحكمت كل شيء، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن إلا براءة.
قال: فلم يتكلم أحد.
وأخرج أبو الحسن بن صخر في الهاشميات بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزل بها جبريل على ابن عمي صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ قال له: اجعلها بينهما.
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي واللفظ له عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على الخفين، قال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح!
قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة.
قال: ما أسلمت إلابعد نزول المائدة.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن جرير بن عبدالله قال «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة، فرأيته يمسح على الخفين» .
وأخرج ابن عدي عن بلال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «امسحوا على الخفين» .
وأخرج ابن جرير عن القاسم بن الفضل الحداني قال: قال أبو جعفر: من الكعبين فقال القوم: ههنا؟
فقال: هذا رأس الساق، ولكن الكعبين هما عند المفصل.
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ يقول: فاغتسلوا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل جيد الثياب، طيب الريح، حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام.
قال: أدنو منك؟
قال: نعم.
فدنا حتى ألصق ركبته بركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟
قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج إلى بيت الله الحرام، وتغتسل من الجنابة، قال: صدقت.
فقلنا: ما رأينا كاليوم قط رجلاً- والله- لكأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسم؟!» .
وأخرج عبد بن حميد عن وهب الذماري قال: مكتوب في الزبور «من اغتسل من الجنابة فإنه عبدي حقاً، ومن لم يغتسل من الجنابة فإنه عدوي حقاً» .
أما قوله تعالى: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ الآية.
أخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: احتلم رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجذوم فغسلوه فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قتلوه قتلهم الله، ضيعوه ضيعهم الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس.
أنه كان يطوف بالبيت بعدما ذهب بصره، وسمع قوماً يذكرون المجامعة والملامسة والرفث ولا يدرون معناه، واحد أم شتى؟
فقال: «الله أنزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب، فما كان منه لا يستحي الناس من ذكره فقد عناه، وما كان منه يستحي الناس فقد كناه، والعرب يعرفون معناه، لأن المجامعة والملامسة والرفث ووضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال: ألا هو النيك» .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ أو لامستم النساء ﴾ قال: أو جامعتم النساء، وهذيل تقول اللمس باليد.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: يلمس الاحلاس في منزله ** بيديه كاليهودي المصل وقال الأعشى: ودارعة صفراء بالطيب عندنا ** للمس الندى ما في يد الدرع منتق وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ قال: إن أعياك الماء، فلا يعييك الصعيد أن تضع فيه كفيك ثم تنفضهما فتمسح بهما يديك ووجهك، لا تعدو ذلك لغسل جنابة ولا لوضوء صلاة، ومن تيمم بالصعيد فصلى ثم قدر على الماء فعليه الغسل وقد مضت صلاته التي كان صلاها، ومن كان معه ماء قليل وخشي على نفسه الظمأ فليتيمم الصعيد، ويتبلغ بمائه، فإنه كان يؤمر بذلك والله أعذر بالعذر.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: «سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى رأسه في حجري راقداً، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟
فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم..
﴾ الآية.
فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله فيكم يا آل أبي بكر» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن ماجة، عن عمار بن ياسر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس باولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فجلس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة الطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى المناكب، من بطون أيديهم إلى الابط» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ من حرج ﴾ قال: من ضيق.
وأخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة.
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دارة عن حمران مولى عثمان، عن عثمان بن عفان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما توضأ عبد فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى» قال محمد بن كعب القرظي: وكنت إذا سمعت الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التمسته في القرآن، فالتمست هذا فوجدته ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ﴾ [ البقرة: 221] فعرفت أن الله لم يتم عليه النعمة حتى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ حتى بلغ ﴿ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ﴾ فعرفت أن الله لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة من أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن جلس جلس مغفوراً له» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تمضمض أحدكم حط ما أصاب بفيه، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه، وإذا مسح رأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه» .
وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة فغسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أوّل قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت كل خطيئة من سمعه وبصره مع أول قطرة، وإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين، سلم من كل ذنب كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته، وإن قعد قعد سالماً» .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من توضأ فأسبغ الوضوء غسل يديه ووجهه، ومسح على رأسه وأذنيه، ثم قام إلى الصلاة المفروضة، غفر له ذلك اليوم ما مشت رجله، وقبضت عليه يداه، وسمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، وحدث به نفسه من سوء» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يتوضأ فيغسل يديه، ويمضمض فاه، ويتوضأ كما أمر، إلا حط عنه ما أصاب يومئذ ما نطق به فمه، وما مس بيديه، وما مشى إليه، حتى أن الخطايا لتتحادر من أطرافه، ثم هو إذا مشى إلى المسجد، فرِجل تكتب حسنة، وأخرى تمحو سيئة» .
وأخرج الطبراني عن ثعلبة بن عباد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء، فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ثم يغسل رجليه حتى يسيل الماء من كعبيه، ثم يقوم فيصلي، إلا غفر الله ما سلف من ذنبه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيمضمض، إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة تكلم بها لسانه، ولا يستنشق إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها بهما، ولا يغسل شيئاً من يديه إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج إلى المسجد، كتب له بكل خطوة خطاها حسنة، ومحا بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه» .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عمرو بن عبسة قال: «قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، فقال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويمج، ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا جرت خطايا يديه بين أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه كما أمره الله، إلا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله، إلا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين، إلا انصرف من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ قال: تمام النعمة.
دخول الجنة، لم تتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب، والترمذي والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب عن معاذ بن جبل قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت البلاء فاسأله المعافاة.
ومر على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة.
قال: يا ابن آدم، هل تدري ما تمام النعمة؟
قال: يا رسول الله، دعوة دعوت بها رجاء الخير!
قال: تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار.
ومر على رجل وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام.
فقال: قد استجيب لك فسل» .
وأخرج ابن عدي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتم على عبد نعمة إلا بالجنة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ .
قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن (في (١) ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ ، المعنى: إذا أردت أن تقرأ (٢) قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البزّ، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب.
تريد إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس.
قال: ويجوز أن يكون المعنى: إذا قمتم إلى الطهور، فذكر الصلاة وهو يريد الطهور؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بطهور وهو مقدمتها التي لا تكون صلاة مُجازَةً إلا بها.
قال: والأول هو المختار (٣) وقال أبو الفتح الموصلي (٤) ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ : إذا عزمتم الصلاة (٥) (٦) (٧) ونظير قمتم في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول، وإنما هو من: قمت (بأمرك (٨) (٩) ﴿ إِذَا قُمْتُم ﴾ (أي (١٠) ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ﴾ يريد: إذا قمتم إلى الصلاة ولستم على طهارة، فحذفُ ذلك للدلالة عليه، وهذا أحد الاختصارات التي في القرآن، وهو كثير جدًّا.
ومثل ذلك قول طَرَفَة: فإن مُتُّ فانعِيني بما أنا أهلُه ...
وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يابنة مَعْبَدِ (١١) تأويله: فإن مُتُّ قبلك.
لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها (١٢) وقوله تعالى ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ .
قال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان (١٣) ﴿ فَاغْسِلُوا ﴾ فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره.
فقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب (١٤) (١٥) والواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به (١٦) أُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ ...
أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (١٧) قوله قدحت (أي غُرِفَت (١٨) ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ الآية [آل عمران: 43] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني (١٩) وإذا كان كذلك جرى قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ﴾ ﴿ وَامْسَحُوا ﴾ مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ .
المِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴾ ، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق (٢٠) (فأما قوله: ﴿ إِلَى ﴾ فإن أبا العباس (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال المبرد: وهو قول الزجاج: اليد من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من الأصابع إلى أصل الفخذين، فلما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل وخارجة مما لا يغسل، ولو كان: مع المرافق، لم يكن في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكن لما قيل: ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ اقتطعت في الغسل من حد المرفق (٢٥) قال الزجاج: والمرفق في الحقيقة في اللغة ما جاوز الإبرة (٢٦) (٢٧) وقد حصل من قوليهما أن الحد إذا كان من جنس المحدود كان داخلًا في جملة المحدود، وهو قولهما: لما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل، ومثل هذا قولك: بعتك الثوب من هذا الطرف إلى ذاك الطرف، دخل الطرفان في البيع إذا كان من جنس المبيع.
وحصل من قول الزجاج: أن المِرفق ما جاوز الإبرة، وأنه حد ما ينتهي إليه الغسل.
وما جاوز الإبرة لا يجب غسله بالإجماع.
وقوله تعالي: ﴿وَامْسَحُوا (٢٨) المسح مسحك شيئًا بيدك كمسحك الرشح عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك.
قاله الليث (٢٩) والظاهر (٣٠) ؛ لأنه إذا مسح البعض وإن قل، فقد حصل من طريق اللسان ماسحًا (٣١) ﴿ بِسْمِ اللهِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ .
في الأرجل قراءتان: النصب والخفض (٣٢) أما النصب فهو ظاهر؛ لأنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع، لا يقدح فيه قول من خالف.
وأما الكسر فقد اختلفوا في وجهه: فقال أبو حاتم وابن الأنباري وأبو علي: الكسر بالعطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل (٣٣) (٣٤) قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصبّ الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل، فسمي الغسل مسحًا (٣٥) فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحان؛ لأن المسح في أحدهما وهو الرأس، دون المسح في الرجل.
والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل: ذكر التحديد وهو قوله تعالى: ﴿ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول، ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد.
ذكره الزجاج (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) فإن قيل: إن كان المراد بالمسح الغَسل فهلا عطفت على المغسول فيكون أظهر في إيجاب الغسل؟
قيل: إن من قرأ بالكسر وجد في الكلام عاملين، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجد العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴾ ، ونحو قوله تعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ ، (٤٠) ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ ، فلما رأى العاملين إذا اجتمعا حُمِل الكلام على أقربهما إلى المعمول حمل في هذه الآية أيضاً على أقربهما وهو الباء، ولم يُخَف الالتباس لشيوع الغسل في الآثار، وقيام الدلالة على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل (٤١) وقال الجماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف، كما قال الشاعر: يا ليتَ بَعلَك قد غَدا ...
مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمحًا (٤٢) المعنى: وحاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر: علّفتُها تِبنًا وماءً باردًا (٤٣) المعنى: وسقيتُها ماءً باردًا.
ذكره الزجاج (٤٤) قال أبو بكر: وكما قالوا: أكلت خبزًا وماء، وهم يريدون: وشربت ماء، فحذفوا شربت، كذلك المعنى في الآية: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ واغسلوا ﴿ أَرْجُلَكُمْ ﴾ ، فلما لم يذكر الغسل عطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر، واكتفى بقيام الدليل أن الأرجل تغسل من الآية والخبر (٤٥) وهذا الذي ذكرنا مذهب أبي عبيدة (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ قد مضى الكلام في كيفية التحديد.
وأما تفسير الكعبين فقال الليث: كعب الإنسان ما أشرف فوق رُسْغِه عند قدمه (٤٨) وقال أبو عبيد عن الأصمعي: الكعبان الناشزان من جانبي القدم.
وأنكر قول الناس أنه في ظهر القدم (٤٩) وروى الأزهري أن واحداً (٥٠) (٥١) (٥٢) ولا يعرج على قول من يقول: إن الكتب في ظهر القدم، فإنه خارج من اللغة والأخبار وإجماع الناس (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ .
قال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء (سكن (٥٤) (٥٥) قال مقاتل: يقول: فاغتسلوا (٥٦) ومضى الكلام في هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ في الآية مشروح في سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ (٥٧) ومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ .
يعني: من ضيق في الدين (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ .
قال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٦٠) (٦١) قال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦٢) روى أبو أمامة أن النبي قال: "الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة" (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أي تبيان الشرائع (٦٤) وقال القرظي: أي: بغفران الذنوب، بيانه قوله تعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فلم يتم عليه النعمة حتى غفر له (٦٥) وفسر النبي تمام النعمة بدخول الجنة والنجاة من النار (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
قال عطاء: يريد لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري (٦٧) (١) ليست في (ج).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 268، و"بحر العلوم" 1/ 418، و"رصف المباني" ص 441.
(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 298.
(٤) هو ابن جني كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 633.
(٥) في "سر صناعة الإعراب": (عزمتم على الصلاة).
(٦) في "سر صناعة الإعراب": (قائمًا أو قاعدًا)، وهو أولى.
(٧) "سر صناعة الإعراب" 2/ 633.
(٨) ما بين القوسين ساقط من (ش).
(٩) في (ج): (وكأنه).
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) "ديوانه" ص 29، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" ص 92 و"شرح المعلقات السبع" ص 68، ومعنى انعيني: أشيعي خبر موتي، ويقصد بابنة معبد ابنة أخيه معبد بن العبد.
(١٢) "سر صناعة الإعراب" 2/ 634، 635.
(١٣) هو أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان البغدادي، الإِمام المحدث الثقة مسند العراق، وكان كثير التلاوة حسن الانتزاع لمعانيه، توفي رحمه الله سنة 350 هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 521، و"البداية والنهاية" 11/ 238، و"شذرات الذهب" 3/ 2.
(١٤) في "سر صناعة الإعراب": (رتبت)، وهو أصوب.
(١٥) "سر صناعة الإعراب" 2/ 633 بتصرف.
(١٦) في (ش): (البدء به)، وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب".
(١٧) "ديوانه" ص 314، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" 1/ 162، و"شرح المعلقات السبع" ص 94.
ومعنى: أغلي: أشتري غاليًا، والسباء: اشتراء الخمر، والأدكن: الذي فيه دكنة كالخز الأدكن، والعاتق: الخالصة، والجونة: الخابية السوداء، وقدحت.
غرفت، والفض: الكسر.
(١٨) بياض في (ش).
(١٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 632، 633 بتصرف.
(٢٠) "العين" 5/ 149، و"تهذيب اللغة" 2/ 1444 (رفق).
(٢١) لعله المبرد.
(٢٢) في (ج): (فأما قوله فإن العباس).
(٢٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 418، والبغوي في "تفسيره" 3/ 21، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 27، و"الدر المصون" 4/ 208.
(٢٤) انظر: "الأم" 1/ 25، والطبري 6/ 123، و"معاني الزجاج" 2/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 418، والبغوي في "تفسيره" 3/ 21، و"زاد المسير" 2/ 300، == و"المغني" لابن قدامة 1/ 172، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 86، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 27.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 153.
(٢٦) الإبرة بالكسر: عظم وترة العرقب، وطرف الذراع من اليد، وما انحدّ من عرقوب الفرس.
"مختار القاموس" ص 11.
(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 153.
(٢٨) في (ش): (فامسحوا).
(٢٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3388، وانظر: "اللسان" 7/ 4196 (مسح).
(٣٠) في (ش): (فالظاهر).
(٣١) انظر: "الأم" 1/ 25، والبغوي في "تفسيره" 3/ 22، وقد قال بقول الشافعي الحسن والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو رواية عن الإمام أحمد، والرواية الأخرى عن أحمد أنه يجب مسح جميعه، وهو مذهب مالك.
انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 124 - 125، والبغوي في "تفسيره" 3/ 22، و"المغني" 1/ 175.
(٣٢) قراءة النصب لنافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، وقرأ الباقون بالخفض، انظر: "الحجة" 3/ 214، و"النشر" 2/ 254.
(٣٣) انظر: "الحجة" 3/ 215، و"معانى القراءات" 1/ 327.
(٣٤) من "الحجة" 3/ 215 بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"زاد المسير" 2/ 301.
(٣٥) لم أقف عليه.
(٣٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154 بنحوه.
(٣٧) لم أقف عليه.
(٣٨) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٣٩) "الحجة" 3/ 215.
(٤٠) لعل الشاهد في الآية الأولى أن يكون التقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدًا وفي الآية الثانية: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ ، وهكذا في بقية الآيات.
(٤١) "الحجة" 3/ 214، 215.
(٤٢) البيت لعبد الله بن الزبعري كما في "الكامل" 1/ 334، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 121، و"معاني الأخفش" 2/ 466، و"معاني الزجاج" 2/ 154.
(٤٣) عجز هذا البيت: حتى شتت همالة عيناها وفي رواية: غدت همالة، ومعنى شتت: أي أقامت في الشتاء والمراد: صارت.
والبيت من شواهد "تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"الخصائص" 2/ 431، و"الإنصاف" ص 488، و"شذور الذهب" ص 240.
(٤٤) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 466، و"تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"زاد المسير" 2/ 301.
(٤٥) لم أقف على قول ابن الأنباري.
(٤٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 155.
(٤٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 465، 466.
(٤٨) "العين" 1/ 207، و"تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب) (٤٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب).
(٥٠) في "تهذيب اللغة" أنه: ابن جابر.
(٥١) في "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب): فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه ...
قال: ثم أومأ إلى المنجمين.
قال ابن منظور: والمَنْجِمَان والمِنْجَمَان: عظمان شاخصان في بواطن الكعبين يقبل أحدهما على الآخر إذا صفت القدمان.
ومنجما الرجَّل: كعباها.
"اللسان" 7/ 4358 (نجم)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 136.
(٥٢) "تهذيب اللغة" 4/ 3525 (نجم).
(٥٣) أخرج الطبري في "تفسيره" عن الإِمام مالك -رحمه الله- أنه قال: (الكعب) الذي يجب الوضوء إليه هو الكعب الملتصق بالساق المحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
"جامع البيان" 6/ 136.
(٥٤) في "معاني الزجاج" 2/ 155: سقط.
(٥٥) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 155، وانظر: "زاد المسير" 2/ 304.
(٥٦) "تفسيره" 1/ 455.
(٥٧) الظاهر أنه عند تفسير الآية (43) من سورة النساء، وهو ضمن القسم المفقود.
(٥٨) هذا على القول بأن الصعيد لا يقع إلا على التراب ذي غبار، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بكل ما كان من جنس الأرض.
انظر: "الأم" 1/ 50، والطبري في "تفسيره" 5/ 108 - 109، و"المغني" 1/ 324، والقرطبي في "تفسيره" 5/ 236، و"زاد المسير" 2/ 94.
(٥٩) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 187، و"معاني النحاس" 2/ 276، والبغوي في "تفسيره" 3/ 25.
(٦٠) في "معاني الزجاج": ليطهركم.
(٦١) "معاني الزجاج" 2/ 155، وانظر: "زاد المسير" 2/ 304.
(٦٢) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 25، و"زاد المسير" 2/ 304 (٦٣) أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 251، 261 بلفظ: الوضوء يكفر ..
الحديث، وحسنه الألباني.
انظر: "صحيح الجامع" (7156).
(٦٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 306.
(٦٥) أخرجه بمعناه ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان".
انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 25، و"زاد المسير" 2/ 305، و"الدر المنثور" 2/ 468.
(٦٦) أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل قال: سمع النبي رجلاً يدعو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة.
فقال: "أي شيء تمام النعمة؟
" قال: دعوة دعوت بها أرجو بها الخير.
قال: "فإن من تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار" الحديث.
أخرجه الترمذي (3527) كتاب الدعوات، باب (99): 5/ 541، وقال: هذا حديث حسن.
وانظر: "الدر المنثور" 2/ 468.
(٦٧) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ معنى حل: حلال، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود، والنصارى، واختلف في نصارى بني تغلب من العرب، وفيمن كان مسلماً ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، هل يحل لنا طعامهم أم لا؟
ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب، واختلف في المجوس والصابئين.
هل هم أهل كتاب أم لا؟.
وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام أحدها: الذبائح وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهذا الاختلاف مبني على هو من طعامهم أم لا فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز، وإن أريد به ما يحل لهم منع، والكراهة توسط بين القولين.
القسم الثاني ما لا محاولة لهم فيه كالقمح والفاكهة فهو جائز لنا باتفاق، والثالث: ما فيه محاولة: كالخبز، وتعصير الزيت، وعقد الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فهي، فمنعه ابن عباس لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، ولأنه يمكن أن يكون نجساً، وأجازه الجمهور، لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، فأما أذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه ينجس البائع والمشتري والآلة، لأنهم يعقدونه بأنفحة الميتة، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ هذه إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على الطعام المحلل، وقد تقدّم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، والتزوج والعفة، والحرية.
فأما الإسلام فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا الكتاب، وأما التزوج فلا يصح أيضاً لأن ذات الزوج لا تحل لغيره، ويحتمل هنا العفة والحرية، فمن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرة أو أمة، ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة، وهو مذهب مالك، ولا تعارض بين هذه الآية.
وبين قوله: ولا تنكحوا المشركات لأنه هذه في الكتابيات، والخرى في المشركات، وقد جعل بعض الناس هذه ناسخة لتلك، وقيل: بالعكس، وقد تقدم معنى ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [النساء: 24] ومعنى الأخذان: ﴿ يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ [البقرة: 153] نزلت في غزوة المريسيع، حين انقطع عقد عائشة رضي الله عنها، فأقام الناس على التماسه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر ولذلك سميت الآية آية التيمم، وقد كان الوضوء مشروعاً قبلها، ثابتاً بالسنة، وقوله: إذا قمتم إلى الصلاة معناه: إذا أردتم القيام إلأى الصلاة فتوضأوا.
ويقتضي ظاهرها وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة.
ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: الأول: أن وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخ بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، والثاني: أن ما تقتضيه الآية من التحديد يحمل على الندب، والثالث: أن تقديرها إذا قمتم محدثين فإنما يجب على من أحدث، والرابع: أن تقديرها إذا قمتم من النوم ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ ذكر في هذه الآية.
أربعة أعضاء اثنين محدودين، وهما اليدان والرجلان واثنين غير محدودين وهما الوجه والرأس أما المحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوباً بإجماع، فإنّ ذلك هو الحد الذي جعل الله لهما، واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع الرجلين أم لا، وذلك مبين على معنى إلى، فمن جعل إلى بمعنى مع في قوله إلى الكعبين، هل هما اللذان عند مقعد الشراك أو العظمان الناتئان في طرف الساق، وهو أظهر لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند مقعد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل كعب واحد وأما غير المحدودين، فاتفق على وجوب استعاب الوجه.
وحده طولاً من أول منابت الشعر إلى آخر الذقن أو اللحية، وحدّه عرضاً من الأذن إلى الأذن وقيل: من العذار إلى العذار، وأما الرأس، فمذهب مالك وجوب إيعابه كالوجه، ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يجزئ على أقوال كثيرة ﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ اختلف في هذه الباء فقال قوم: إنها للتبعيض وبنوا على ذلك جواز مسح بعض الرأس، وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية، وقال القرافي: إنها باء الاستعانة التي تدخل على الآلات وأن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم، وهذا ضعيف، لأن هذا ليس موضع زيادتها والصحيح عندي: أنها باء الإلصاق التي توصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارة يتعدّى بنفسه، وتارة بحرف الجر: كقوله: فامسحوا بوجوهكم، وكقوله: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق ﴾ [ص: 33] ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ قرئ وأرجلَكم بالنصب عطفاً على الوجوه والأيدي فيقتضي ذلك وجوب غسل الرجلين، وقرئ بالخفض، فحمله بعضهم على أنه عطف على قوله: برؤوسكم، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الجمهور لا يجوز مسحهما بل يجب غسلهما وتأولوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خفض على الجوار لا على العطف.
والآخر: أنه يراد به المسح على الخفين، والثالث: أن ذلك منسوخ بالسنة.
والفرق بين الغسل والمسح أن المسح إمرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء، والغسل عند مالك إمرار اليد بالماء، وعند الشافعي إمرار الماء، وإن لم يدلك باليد ﴿ وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ أي من ضيق ولا مشقة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دين الله يسر» ، وباقي الآية تفضل من الله على عباده ورحمة وفي ضمن ذلك ترغيب في الطهارة وتنشيط عليها ﴿ وميثاقه الذي وَاثَقَكُم بِهِ ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال المسلمون فيه: سمعنا وأطعنا.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.
الباقون مثقلة.
﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.
الباقون بالفتح.
﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.
الباقون بالفتح.
﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.
﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.
﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.
الباقون بالجر.
الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.
﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.
﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.
﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.
﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.
﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.
﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.
﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.
﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.
﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.
التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.
والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.
والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.
والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.
ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.
قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله : " "لا نذر في معصية الله" .
وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.
وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله: : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.
والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.
ثم إنه لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.
وهذا باب مبهم أي مسدود.
ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.
والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.
قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.
وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.
وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.
وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.
وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.
الثاني أنها الأجنة.
عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.
وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.
والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.
على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.
قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.
وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.
ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟
فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.
ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".
وقال ابن فارس: واحدها شعارة.
ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.
والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.
ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.
وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.
وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.
وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.
وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي فقال له: إلام تدعو الناس؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.
فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.
وقد كان النبي قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.
فلما خرج قال رسول الله : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .
فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟
فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.
والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.
والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.
والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.
والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.
ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.
وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.
وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.
وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.
﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.
تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.
الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.
والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.
ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.
وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.
قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.
﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.
والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله وتعالى .
ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.
﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.
والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.
الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.
قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.
وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.
والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.
الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.
وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.
السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.
وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.
السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.
الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.
والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.
وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.
تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.
التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.
قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.
أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.
وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.
العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.
وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.
وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.
الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.
فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.
فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.
وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.
والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.
يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.
وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.
وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.
ثم إنه حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.
وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي واقف على ناقته العضباء.
وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.
فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.
قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟
وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.
وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.
وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.
قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.
وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.
قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.
وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.
روي أنه لما نزلت الآية على النبي فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.
وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.
قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.
والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.
ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.
واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.
ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.
﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.
وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.
تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.
أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل جاء إلى النبي فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.
فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.
قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله إلى أن نزلت هذه الآية.
فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .
وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.
الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.
ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .
الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.
الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.
الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.
ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.
ومنه الفواسق الخمس.
روي أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .
السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.
السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.
فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.
وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.
وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.
والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.
ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.
قوله : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.
قال : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ أي كسبتم.
وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.
وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.
وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.
نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.
والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.
قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.
يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.
وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.
واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.
ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.
ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.
وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.
ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.
وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.
ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.
و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.
وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.
والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.
ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.
أما قوله : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.
وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله .
/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.
وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.
وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.
وقد يرجح الأول بأنه قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.
ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.
وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.
وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.
فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟
وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.
﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.
وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.
وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله : ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.
والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.
ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.
وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.
وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.
وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.
واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.
ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.
ثم إنه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.
وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.
ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.
الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.
والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.
وأيضاً إنه طهارة وقد قال في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.
الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.
وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.
وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.
ويروى "أنّ النبي كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .
أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.
وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.
الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.
وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.
ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.
وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.
نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.
الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.
وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.
الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.
وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.
وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.
السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.
وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.
وقال في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .
وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.
ثم إنه أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله عنه.
وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.
ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.
وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.
السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.
الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.
وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .
التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.
وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.
الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.
وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.
الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟
قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.
قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.
الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟
يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.
وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.
الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.
الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.
السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.
السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.
الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.
وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.
التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.
أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.
حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.
العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.
الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.
الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.
لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.
الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.
الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.
مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.
الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.
الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.
السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.
السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.
ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.
وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.
وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.
وهذا الجواب اختيار الزجاج.
وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.
الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.
لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.
التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.
الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.
الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.
أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.
الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.
الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.
وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه مسح على العمامة.
وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.
الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.
وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.
وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.
وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.
حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.
وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.
والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.
الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.
وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.
والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.
حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .
السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.
حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.
السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.
الثامنة والثلاثون.
قوله : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.
وللجنابة سببان: نزول المني لقوله : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.
التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.
لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.
ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.
الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.
الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.
وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.
الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.
قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.
وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.
الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.
الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.
السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.
السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.
الشافعي يكره للحديث.
الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.
وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.
التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.
الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.
الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.
حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.
الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.
وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.
الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.
والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.
الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.
وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.
حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.
السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.
وقال أبو حنيفة: نجسه.
السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.
وقال زفر: لا يجب.
الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.
أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.
التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .
الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.
لنا قوله : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.
الحادية والستون.
الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله فيبقى في التيمم على ظاهره.
أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.
أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.
الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.
وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.
الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.
وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.
الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.
الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.
السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.
والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.
ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.
وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.
السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.
الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.
/واعلم أن قوله وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.
وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.
أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول : ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ولقوله : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.
التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.
﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.
ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.
فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟
فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.
الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.
وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.
وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.
واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.
وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.
ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.
ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.
وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.
وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟
ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟
فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.
وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.
بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.
عن جابر "أن النبي نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي يقول: الله.
فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .
وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي رجلين من بني سليم - وبين النبي وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.
فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.
فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.
وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.
التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.
فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.
ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.
﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.
﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.
وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ : لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد [على] القيام [بأداء] ما فرض الله عليه من الصلاة؛ لأنه كلما قام إلى الصلاة يلزمه الوضوء؛ فلا يزال يبقى فيه، لكنها على الإضمار؛ كأنه قال: "إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [إلى المرافق]"؛ وإلا فظاهر الآية يوجب ما ذكرنا، لكن الحدث مضمر فيه.
ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية، وقد جاء عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - الفعل بذلك: روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان - م - أنهم توضئوا لكل صلاة.
وروي عن النبي نحو ذلك، وروي "أن علي بن أبي طالب - - صلى الظهر، ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، وشرب فضله، وقال: هكذا رأيت رسول الله كان يفعل، وقال: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ" وروي عن عبيد بن عمير، أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية.
وروي عن النبي "أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد؛ فقال عمر - - يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله؟
فقال: إِنِّي عَمْداً فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ" .
وروي عن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله : "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ الوُضُوءَ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ السِّوَاكَ" وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب لا على الحتم؛ ألا ترى أنه روي عن [النبي - ] - "أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: إِنِّي عَمْداً فعَلْتُهُ" ؛ دل ذلك [على] ما ذكرنا.
وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر: ما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله كان إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة؛ فقلنا له في ذلك؛ حتى نزلت آية الرخصة [في قوله ]: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ ﴾ ؛ فهذا يدل أن معنى الآية على الإضمار: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم.
وروي في تأويل الآية: إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم.
وقد رويت الأخبار عن رسول الله وعن الصحابة بإيجاب الوضوء من النوم؛ فكان ذلك شاهداً لهذا التأويل: روي عن ابن عباس عن رسول الله أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ؛ فسُئل عن ذلك؟
فقال: "إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ؛ إِنَّهُ يَنَامُ عَيْنَايَ ولاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَلَوْ أَحْدَثْتُ لَعَلِمْتُ" وروي عن صفوان بن عسال قال: "إذا كنا مع النبي في سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم، إلا من جنابة".
فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملاً، وجاء حديث آخر مفسراً بإيجاب الوضوء إذا نام مضطجعاً: روي عن ابن عباس - - أن النبي قال: "لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِداً وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرَخَتْ مَفَاصِلُهُ" [فهذا يفسر] الأخبار التي جاءت مجملة.
وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائماً أو قاعداً أو ساجداً، فلا وضوء عليه؛ فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث.
وروي عن ابن عمر - - قال: لا يجب الوضوء حتى يضع جنبه وينام.
فهذا يؤيد ما قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب على من قام إلى الصلاة وهو غير محدث؛ فكان التأويل ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ .
[الخطاب من] الله - عز وجل - بغسل الوجه: ما يعرف أهله الوجه؛ فالتكلم فيه والتحديد أنه من كذا إلى كذا فضل تكلم.
والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر وعرف أهله أنه وجه، وكذلك الأمر بمسح الرأس، يرجع إلى ما عرف أهله أنه رأس، وليس كالأذنين؛ لأن معرفة الأذنين أنهما من الرأس سمعي؛ لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا بالسمع، وكذلك الأمر بغسل اليد، وغسل الرِّجل، يقع على ما يعرف الناس، وعرف الناس اليد إلى الإبط، والرجل إلى الركبة؛ فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي على إخراج ما وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل؛ لإخراج ما وراء الكعب؛ لأن اسم اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ ﴾ .
قرءوا بالنصب، وقرءوا بالخفض: قال بعضهم: من قرأ بالنصب، فهو يرجع إلى الغسل؛ نسقاً على الوجه، وبالخفض يرجع إلى المسح: مسح الخفاف؛ نسقاً على مسح الرأس، لكن هذا بعيد؛ لأنه تناقض: لا يجوز أن يأمر بالغسل والمسح جميعاً.
ومعنى الخفض؛ لقرب جواره بقوله - -: ﴿ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ ، وقد يجوز ذلك؛ نحو قوله : ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ ، فمن قرأ بالخفض إنما قال: لقرب الجوار بالخفض؛ فعلى ذلك الأول، ثم الحكمة من الأمر بغسل هذه الأعضاء؛ ليذكرهم تطهير باطنهم.
والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة - والله أعلم - لمعنيين: أحدهما: [أما اليد]؛ شكراً لما بها يتناول ويقبض.
وأما الرجل؛ لما بها يمشي، وبها يصل إليه.
والوجه؛ لأنه مجمع الحواس التي بها يعرف عظيم نعم الله - عز وجل - من نحو: البصر، والفم، وغيرهما من الحواس التي يكون بها التلذذ والتشهي.
أو أمر بذلك؛ تكفيراً لما ارتكب بهذه الحواس من الإجرام؛ لأنه بها يُرتكب جُلُّ الآثام، وبها يوصل إليها من: المشي، والقبض، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ .
قيل: اغتسلوا: تأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ إلا الظواهر من الأطراف؛ لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال جميع ما فيه من القوة؛ ألا ترى أنه به يضعف إذا أكثره وبتركه.
يقوى؟!
فعلى ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه.
وأما الحدث: فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف، من نحو: الأكل والشرب، والحدث ليس باستعمال كل البدن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...
﴾ الآية.
ذكر المرض والسفر والمجيء من الغائط، والملامسة، ثم الحكم لم يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقاً لمعنى فيه؛ ففيه دلالة جواز القياس؛ لأنه ذكر الغائط والمجيء منه، والغائط: هو المكان الذي تقضى فيه الحاجات، والمراد منه: المعنى وهو قضاء الحاجات؛ فهذا أصل لنا أن النص إذا ورد لمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره - وجب ذلك الحكم في ذلك الغير، فإذا عدم الماء في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفراً - يجوز التيمم فيه؛ وكذلك إذا خاف الضرر من الماء - جاز له التيمم، [وإن لم يكن] مريضاً؛ لأنه ليس أباح ذلك للمريض باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن لمعنى فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أن الملامسة: هي الجماع؛ كذلك روي عن علي وابن عباس - ما - وقال ابن عباس: "الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان كله جماع، ولكن الله كريم يكني".
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ .
جعل الطهارة بالماء والتراب؛ لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان، حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما؛ فعلى ذلك جعل قيام هذه العبادات بهما، والله أعلم.
ثم الحكمة في وجوب الطهارة وجهان: أحدهما: ما ذكرنا: أن يذكرهم طهارة الباطن.
والثاني: تكفيراً لما ارتكبوا بهذه الجوارح من الإجرام، أو شكراً لما أنعم عليهم من المنافع التي جعل لهم فيها من القبض والبسط، والتناول والأخذ والمشي، وغير ذلك مما يكثر.
ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف؛ لأنه يقدم على الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه، ومن أتى ملكاً من ملوك الأرض يتكلف التنظيف والتزيين، ثم يدخل عليه؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ : قال عبد الله بن مسعود وعمر - ما -: "الملامسة: ما دون الجماع"، وقالا: "إن الجنب لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً".
وإنما قالا: "إنه لا يتيمم"؛ لما قالا: "إن اللمس ما دون الجماع"؛ فلم يدخل الجنب في هذه الآية ، فأوجبوا عليه الغسل بقوله - -: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ ، وجعلا قول الله - -: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ ﴾ على مرور الجنب في المسجد، ولم يجعله على أنه يصلي إذا كان مسافراً ولم يجد الماء بالتيمم، فهذا الذي منع عبد الله أن يطلق للجنب أن يصلي بالتيمم على [كل] حال.
فأمل علي وابن عباس - ما - فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره الله - - في هذه الآية الجماع، وقالا: "كنى الله - - عن الجماع بالمسيس والغشيان والمباشرة"، وجعل قول الله - -: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ ﴾ في المسافر الذي لم يجد الماء وهو جنب.
وقد روي عن رسول الله : "أنه أذن للجنب من الجماع أن يتيمم: إذا لم يجد الماء؛ فكان ذلك حجة على من منع الجنب من التيمم" .
ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف جميعا - رضوان الله عليهم أجمعين - لأنه يزعم أن اللمس هو الجماع وما دونه، فذلك ابتداع في الآية قولاً وتفسيراً؛ خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة جملة والسلف؛ لذلك كان مخطئاً مبتدعاً، وأصله أن الله - - ذكر الوضوء وأمر به في الآية، وهو قوله - -: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...
﴾ الآية: ولم يذكر الحدث، وأمر بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ ولم يذكر من أيِّ جنابة؟
ثم ذكر الحدث في قوله: ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ﴾ كان بياناً لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ ، قيل: اقصدوا صعيداً طيباً، والصعيد: هو وجه الأرض.
وقوله: ﴿ طَيِّباً ﴾ قال بعضهم: الطيب: ما يُنبت من الزرع وغيره.
وقال آخرون: الطيب - هاهنا - هو الطاهر؛ روي عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِيَ الصَّلاَةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ" : أخبر أن الأرض جعلت له مسجداً وطهوراً؛ فكان قوله: "طهوراً" تفسيراً لقوله: "طيباً"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى حيثما كنتم في الأسفار وغيره؛ [ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره،] والله أعلم.
ووجه آخر: ما أراد الله بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل عليكم من حرج؛ ولكن أراد ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ .
يحتمل يريد ليطهركم به: بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعاً.
ويحتمل قوله: ﴿ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ من الذنوب والآثام التي ارتكبوها؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ .
ويحتمل: التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه، والتكفير مما ارتكبوا، ويجوز أن يكون هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الإيمان؛ حيث أخبر أنه يتم نعمته عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أمر - والله أعلم - بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
﴿ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ﴾ .
يحتمل الميثاق: ميثاق الخلقة وشهادتها؛ إذ خِلْقَةُ كُلِّ أحد تشهد على وحدانيته وربوبيته.
ويحتمل الميثاق الذي ذكر: ميثاق قول قالوه وقبلوا ما دعوا إليه.
وقوله: ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ قال بعضهم: أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك.
وقال آخرون: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
في ترك ما أمركم ربكم، وارتكاب ما نهاكم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .
وهو على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا، إذا أردتم القيام لأداء الصلاة، وكنتم مُحْدِثين حدثًا أصغر فَتَوَضَّؤُوا بأن تغسلوا وجوهكم، وتغسلوا أيديكم مع مرافقها، وتمسحوا برؤوسكم، وتغسلوا أرجلكم مع الكعبين الناتئين بمفصل الساق، وإن كنتم مُحْدِثِينَ حدثًا أكبر فاغتسلوا، وإن كنتم مرضى تخافون من زيادة المرض أو تأخُّر بُرْئِهِ، أو كنتم مسافرين في حال صحة، أو كنتم مُحْدِثِينَ حدثًا أصغر بقضاء الحاجة مثلًا، أو مُحْدِثِينَ حدثًا أكبر بمجامعة النساء، ولم تجدوا ماء بعد البحث عنه لتتطهروا به- فاقصدوا وجه الأرض، واضربوه بأيديكم، وامسحوا وجوهكم وامسحوا أيديكم منه، ما يريد الله أن يجعل عليكم ضيقًا في أحكامه بأن يلزمكم استعمال الماء المؤدي إلى ضرركم، فشرع لكم بديلًا عنه عند تعذره لمرض أو لفقد الماء إتمامًا لنعمته عليكم لعلكم تشكرون نعمة الله عليكم، ولا تكفرونها.
<div class="verse-tafsir" id="91.70RDp"