الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٧ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 195 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة ، وآمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به ، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك ، وقام به أتم القيام .
قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن إسماعيل ، عن الشعبي ، عن مسروق عن عائشة قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب ، الله يقول : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) الآية .
هكذا رواه ههنا مختصرا ، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولا .
وكذا رواه مسلم في " كتاب الإيمان " والترمذي والنسائي في " كتاب التفسير " من سننهما من طرق ، عن عامر الشعبي ، عن مسروق بن الأجدع عنها رضي الله عنها .
وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت : لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما من القرآن شيئا لكتم هذه الآية : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) [ الأحزاب : 37 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة عن أبيه قال : كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له : إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس .
فقال : ألم تعلم أن الله تعالى قال : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء .
وهذا إسناد جيد ، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال : قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟
فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة .
قلت : وما في هذه الصحيفة؟
قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وألا يقتل مسلم بكافر .
وقال البخاري : قال الزهري : من الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم .
وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة ، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل ، في خطبته يوم حجة الوداع ، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفا كما ثبت في صحيح مسلم ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ : " أيها الناس ، إنكم مسئولون عني ، فما أنتم قائلون؟
" قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت .
فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ويقلبها إليهم ويقول : " اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا فضيل - يعني ابن غزوان - عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " يا أيها الناس ، أي يوم هذا؟
" قالوا : يوم حرام .
قال : " أي بلد هذا؟
" قالوا : بلد حرام .
قال : " فأي شهر هذا؟
" قالوا : شهر حرام .
قال : " فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا " .
ثم أعادها مرارا .
ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال : " اللهم هل بلغت!
" مرارا - قال : يقول ابن عباس : والله لوصية إلى ربه عز وجل - ثم قال : " ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " .
وقد روى البخاري عن علي ابن المديني ، عن يحيى بن سعيد عن فضيل بن غزوان ، به نحوه .
وقوله : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) يعني : وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به ( فما بلغت رسالته ) أي : وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) يعني : إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان ، عن رجل عن مجاهد قال : لما نزلت : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) قال : " يا رب ، كيف أصنع وأنا وحدي؟
يجتمعون علي " .
فنزلت ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ورواه ابن جرير من طريق سفيان - وهو الثوري - به .
وقوله : ( والله يعصمك من الناس ) أي : بلغ أنت رسالتي ، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم ، فلا تخف ولا تحزن ، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس كما قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا يحيى قال سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث : أن عائشة كانت تحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة ، وهي إلى جنبه ، قالت : فقلت : ما شأنك يا رسول الله؟
قال : " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة؟
" قالت : فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال : " من هذا؟
" فقال : أنا سعد بن مالك .
فقال : " ما جاء بك؟
" قال : جئت لأحرسك يا رسول الله .
قالت : فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه .
أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به .
وفي لفظ : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمه المدينة .
يعني : على أثر هجرته [ إليها ] بعد دخوله بعائشة رضي الله عنها ، وكان ذلك في سنة ثنتين منها .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري - نزيل مصر - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحارث بن عبيد - يعني أبا قدامة - ، عن الجريري ، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة [ رضي الله عنها ] قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية : ( والله يعصمك من الناس ) قالت : فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة ، وقال : " يا أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل " .
وهكذا رواه الترمذي ، عن عبد بن حميد وعن نصر بن علي الجهضمي كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به .
ثم قال : وهذا حديث غريب .
وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه ، من طرق مسلم بن إبراهيم به .
ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وكذا رواه سعيد بن منصور ، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة [ الإيادي ] عن الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة به .
ثم قال الترمذي : وقد روى بعضهم هذا عن الجريري ، عن ابن شقيق قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس .
ولم يذكر عائشة .
قلت : هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية وابن مردويه من طريق وهيب كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلا وقد روي هذا مرسلا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي رواهما ابن جرير والربيع بن أنس رواه ابن مردويه ثم قال : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن رشدين المصري ، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي ، حدثنا الفضل بن المختار ، عن عبد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي قال : كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت : ( والله يعصمك من الناس ) فترك الحرس .
حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي ، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي ، حدثنا معلى بن عبد الرحمن ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه ، فلما نزلت هذه الآية : ( والله يعصمك من الناس ) ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس .
حدثنا علي بن أبي حامد المديني ، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار ، حدثنا أبي قال : سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه ، حتى نزلت : ( والله يعصمك من الناس ) فذهب ليبعث معه ، فقال : " يا عم ، إن الله قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث " .
وهذا حديث غريب وفيه نكارة فإن هذه الآية مدنية ، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية .
ثم قال : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن النضر ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ، فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه ، حتى نزلت عليه هذه الآية : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) قال : فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه ، فقال : " إن الله قد عصمني من الجن والإنس " .
ورواه الطبراني ، عن يعقوب بن غيلان العماني ، عن أبي كريب به .
وهذا أيضا غريب .
والصحيح أن هذه الآية مدنية ، بل هي من أواخر ما نزل بها ، والله أعلم .
ومن عصمة الله [ عز وجل ] لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها ، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا ، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة .
فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية ، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها ، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه ، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا ، ثم قيض الله [ عز وجل ] له الأنصار فبايعوه على الإسلام ، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود ، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه ، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم ، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء ، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه [ الله ] منه ; ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها ، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة : فقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها .
فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني؟
فقال : " الله عز وجل " ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه ، قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله عز وجل : ( والله يعصمك من الناس ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا موسى بن عبيدة حدثني زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار نزل ذات الرقاع بأعلى نخل ، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه ، فقال غورث بن الحارث من بني النجار : لأقتلن محمدا .
فقال له أصحابه : كيف تقتله؟
قال : أقول له : أعطني سيفك .
فإذا أعطانيه قتلته به ، قال : فأتاه فقال : يا محمد أعطني سيفك أشيمه .
فأعطاه إياه ، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حال الله بينك وبين ما تريد " فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقصة " غورث بن الحارث " مشهورة في الصحيح .
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا آدم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها ، فينزل تحتها ، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها ، فجاء رجل فأخذه فقال : يا محمد من يمنعك مني؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله يمنعني منك ، ضع السيف " .
فوضعه ، فأنزل الله ، عز وجل : ( والله يعصمك من الناس ) وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن عبد الله بن محمد ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن المؤمل بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة سمعت أبا إسرائيل - يعني الجشمي - سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي - رضي الله عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ورأى رجلا سمينا ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى بطنه بيده ويقول : " لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك " .
قال : وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقال : هذا أراد أن يقتلك .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لم ترع ، لم ترع ، ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي " .
وقوله : ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) أي : بلغ أنت ، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، كما قال : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [ البقرة : 272 ] وقال ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، (13) بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم= وسائرِ المشركين غيرِهم، (14) ما أنـزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، (15) ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه.
(16) وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنـزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك= وإن قلّ ما لم يبلّغ منه= فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنـزلته لو لم يبلِّغ من تنـزيله شيئًا.
* * * وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 12270 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الرسول بلِّغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، يعني: إن كتمت آية مما أنـزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي.
(17) 12271 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، الآية، أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ.
ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت!
فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم.
(18) 12272 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نـزلت: " بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟
تجَمَّع عليّ الناس!
(19) فنـزلت: " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، الآية.
12273 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني.
(20) 12274 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نـزلت: " والله يعصمك من الناس "، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس.
(21) 12275 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنـزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، إلى آخرها.
12276 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نـزلت هذه الآية: " والله يعصمك من الناس "، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال:أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله.
(22) 12277 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنـزل الله: " والله يعصمك من الناس ".
* * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نـزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.
ذكر من قال ذلك: 12278 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل منـزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها.
فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال (23) من يمنعك مني؟
قال: الله!
فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، (24) قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنـزل الله: " والله يعصمك من الناس ".
(25) * * * وقال آخرون: بل نـزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك.
ذكر من قال ذلك: 12279 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا، فلما نـزلت: " والله يعصمك من الناس "، استلقى ثم قال:من شاء فليخذلني= مرتين أو ثلاثًا.
12280 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب!
ثم قرأت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك "، الآية.
(26) 12281 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله!
قال الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك " الآية.
12282 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية!
والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك "، الآية.
(27) 12283 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن مسروق بن الأجدع قال: دخلت على عائشة يومًا فسمعتها تقول: لقد أعظمَ الفرية من قال إنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي!
والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك ".
(28) * * * ويعني بقوله: " والله يعصمك من الناس "، يمنعك من أن ينالوك بسوء.
وأصله من " عِصَام القربة "، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، (29) ومنه قول الشاعر: (30) وَقُلْــتُ: عَلَيْكُــمْ مَالِكًـا, إنَّ مَالِكًـا سَـيَعْصِمُكُمُ, إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ (31) يعني: يمنعكم.
* * * وأما قوله: " إن الله لا يهدي القوم الكافرين "، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه.
(32) ----------------- الهوامش : (13) في المطبوعة: "لنبيه محمد" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.
(14) قوله: "وسائر المشركين" مجرور معطوف على قوله: "بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى ..." ومفعول قوله: "بإبلاغ هؤلاء ..." هو: "ما أنزل عليه فيهم".
(15) في المطبوعة: "أن يصيبه في نفسه مكروه" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.
(16) في المطبوعة والمخطوطة: "كل من يتقي مكروهه" ، وهو فاسد جدًا ، صوابه ما أثبت.
(17) في المطبوعة: "رسالتي" ، غير ما في المخطوطة.
(18) قوله: "احتجبت" ، أي: احتجبت عن الناس حتى لا يدرك منه من يبغيه الغوائل.
و"العقب" هنا"عقب القدم" ، وهي مؤخرها ، وهي مؤنثة.
يعني بذلك: لأظهرن لهم سائرًا بينهم لا أحتجب.
وكل من خرج إلى الناس ، فقد بدا لهم عقبه ، وهو يسير بينهم.
وهذه كناية حسنة.
وقوله: "ما صاحبتهم" ، للتأييد ، كأنه قال: "ما عشت".
(19) في المطبوعة: "تجتمع على الناس" ، وأثبت ما في المخطوطة.
ومعنى قوله: "تجمع على الناس" ، أي: تألبوا عليه وعادوه من جراء دعوته إلى دين الله.
وهذا تعجب.
(20) الأثر: 12273-"جرير" ، هو"جرير بن عبد الحميد الضبي" ، مضى مرارًا كثيره.
و"ثعلبة" هو"ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي" ، كان متطببًا ، ثقة ، لا بأس به ، مترجم في التهذيب.
و"جعفر" هو"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي" ، مضى برقم: 87 ، 617 ، 4347 ، 7269.
وهذا خبر مرسل.
انظر تفسير ابن كثير 3: 196.
(21) الأثر: 12274-"الجريري" ، هو"سعيد بن إياس الجريري" ، مضى برقم: 196.
و"عبد الله بن شقيق العقيلي" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 196 ، وهذا الخبر مرسل أيضًا ، وسيأتي موصولا برقم: 12276 وقوله: "يعتقبه ناس من أصحابه": أي يتناوبون حراسته ويتداولونها ، من"العقبة" وهي النوبة ، يقال: "جاءت عقبة فلان" ، أي نوبته.
وقوله: "ألحقوا بملاحقكم" ، يأمرهم أن يوافوا أماكنهم التي يرجعون إليها إذا آبوا.
ولم أجد هذا التعبير في غير هذا الخبر ، ولا قيده أصحاب غريب الحديث.
و"الملاحق" جمع"ملحق" (بفتح الميم وسكون اللام وفتح الحاء): أي الموضع الذي ينزلونه عند مرجعهم.
(22) الأثر: 12276-"الحارث بن عبيد الإيادي" ، "أبو قدامة" ، قال أحمد: "مضطرب الحديث" ، وقال ابن معين: "ضعيف" ، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به".
وقال ابن حبان: "كان ممن كثر وهمه ، حتى خرج عن جملة من يحتج به إذا انفرد".
مترجم في التهذيب.
والكبير 1/ 2/ 273.
وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: "هذا حديث غريب ، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، ولم يذكر فيه عائشة".
ورواه الحاكم في المستدرك 2: 313 ، من هذه الطريق نفسها ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه".
ووافقه الذهبي.
وكان في المطبوعة: "فإن الله قد عصمني" ، خالف نص المخطوطة لغير شيء.
وما في المخطوطة هو المطابق لروايته في الترمذي والمستدرك.
(23) "اخترط السيف": سله من غمده.
(24) هكذا جاءت الرواية"فرعدت يد الأعرابي" بالبناء للمجهول ، ولم أجد من"الرعدة" ثلاثيًا"رعد" بالبناء للمجهول ، بل الذي رووه وأطبقوا عليه"أرعد" (بالبناء للمجهول).
فإن صح هذا الخبر ، فالثلاثي المبني للمجهول مما يزاد على مادة اللغة.
(25) الأثر: 12278- انظر خبر هذا الأعرابي فيما سلف رقم: 11565 ، والتعليق عليه هناك ، وليس فيه أنه ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه.
(26) الأثر: 12280-"ابن أبي خالد" ، هو: "إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي".
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عن أبي خالد" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن البخاري رواه من طريق وكيع ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، مطولا (الفتح 8: 466) ، وليس فيمن روى عنه وكيع هذا الخبر من يسمى"أبا خالد".
وهذا الخبر رواه أبو جعفر من أربع طرق ، سيأتي تخريجها بعد.
(27) الأثر: 12282- رواه مسلم مطولا في صحيحه ، من طريق إسماعيل بن علية ، عن داود.
وهذه الأخبار الثلاثة السالفة ، خبر واحد بأسانيد ثلاثة.
رواه البخاري (الفتح 8: 206) من طريق سفيان ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن مسروق.
ثم رواه من هذه الطريق ، ومن طريق أبي عامر العقدي ، عن شعبة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي (الفتح 13: 422) ، مختصرا.
(28) الأثر: 12283-"الليث" هو"الليث بن سعد" الإمام.
و"خالد" ، هو: "خالد بن يزيد الجمحي المصري" ، الفقيه المفتي ، ثقة ، مضى برقم: 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507.
و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة.
مضى برقم: 1495 ، 3965 ، 5465.
(29) انظر تفسير"عصم" و"عصام" فيما سلف 7: 62 ، 63 ، 70/9: 341.
(30) لم أعرف قائله.
(31) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171.
و"عليك" اسم فعل للإغراء ، يقال: "عليك زيدًا" و"عليك بزيد".
(32) انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرينفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل : معناه أظهر التبليغ ; لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين ، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية ، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس ، وكان عمر رضي الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا ; وفي ذلك نزلت : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين فدلت الآية على [ ص: 179 ] رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية ، وعلى بطلانه ، وهم الرافضة ، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين ; لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته فائدة ، وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها ، وقيل غير هذا ، والصحيح القول بالعموم ; قال ابن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته ; وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه ; وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب ; والله تعالى يقول : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه .الثانية : قوله تعالى : والله يعصمك من الناس فيه دليل على نبوته ; لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به ، وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني ؟
فقال : الله ; فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده ; وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ; ذكره المهدوي ، وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح ، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه ; فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس ، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم مستوفى ، وفي " النساء " أيضا في ذكر صلاة الخوف ، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها ، قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي : من يمنعك مني - قال - قلت : الله ثم قال في [ ص: 180 ] الثانية من يمنعك مني - قال - قلت : الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل : والله يعصمك من الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يحرسني .قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة ، وأن الآية مكية وليس كذلك ، وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ; ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح ; فقال : من هذا ؟
قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك ؟
فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه ; فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام ، وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح ; فقال : من هذا ؟
فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك ; فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية ; فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال : انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله .وقرأ أهل المدينة : " رسالاته " على الجمع ، وأبو عمرو وأهل الكوفة : " رسالته " على التوحيد ; قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه ، والإفراد يدل على الكثرة ; فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
إن الله لا يهدي القوم الكافرين أي : لا يرشدهم وقد تقدم ، وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا .
نظيره ما على الرسول إلا البلاغ والله أعلم .
هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية.
فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله.
فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين.
{ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ْ} أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ْ} أي: فما امتثلت أمره.
{ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ْ} هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهـم بيد الله وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك البلاغ المبين، فمن اهتدى فلنفسه، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم.
قوله عز وجل : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) الآية ، روي عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب ، وهو يقول : ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية .
روى الحسن : أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا وعرف أن من الناس من يكذبه ، فنزلت هذه الآية .
وقيل : نزلت في عيب اليهود ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ، فيقولون له : تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية ، وأمره أن يقول لهم : " ياأهل الكتاب لستم على شيء " الآية .
وقيل : بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص ، نزلت في قصة اليهود .
وقيل : نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها .
وقيل : في الجهاد ، وذلك أن المنافقين كرهوه ، كما قال الله تعالى : فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ( محمد ، 20 ) وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى : " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم " الآية ( النساء ، 70 ) ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية .
قوله تعالى : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) قرأ أهل المدينة ( رسالاته ) ، على الجمع والباقون رسالته على التوحيد .
ومعنى الآية : إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه ، فما بلغت شيئا ، أي : جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل ، كقوله : " ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا " ( النساء ، 150 - 151 ) ، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض .
وقيل : بلغ ما أنزل إليك أي : أظهر تبليغه ، كقوله : " فاصدع بما تؤمر " ( الحجر ، 94 ) وإن لم تفعل : فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته ، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا ، غير خائف ، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته .
( والله يعصمك من الناس ) يحفظك ويمنعك من الناس ، فإن قيل : أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟
قيل : معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك .
وقيل : نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن .
وقيل : والله يخصك بالعصمة من بين الناس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم .
( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قفل معه وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي ، فقال : " إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال : من يمنعك مني؟
فقلت : الله " ثلاثا " ، ولم يعاقبه وجلس .
.
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأعرابي سل سيفه وقال : من يمنعك مني يا محمد قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر أنا يحيى بن سعيد أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ، إذ سمعنا صوت سلاح ، فقال : من هذا؟
قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك ، فنام النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية : ( والله يعصمك من الناس ) فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى " .
(يا أيها الرسول بلغ) جميع (ما أنزل إليك من ربك) ولا تكتم شيئا منه خوفا أن تنال بمكروه (وإن لم تفعل) أي لم تبلغ جميع ما أنزل إليك (فما بلغت رسالته) بالإفراد والجمع لأن كتمان بعضها ككتمان كلها (والله يعصمك من الناس) أن يقتلوك وكان صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فقال: "" انصرفوا فقد عصمني الله "" رواه الحاكم (إن الله لا يهدي القوم الكافرين).
يا أيها الرسول بلِّغ وحي الله الذي أنزِل إليك من ربك، وإن قصَّرت في البلاغ فَكَتَمْتَ منه شيئًا، فإنك لم تُبَلِّغ رسالة ربِّك، وقد بلَّغ صلى الله عليه وسلم رسالة ربه كاملة، فمن زعم أنه كتم شيئًا مما أنزِل عليه، فقد أعظم على الله ورسوله الفرية.
والله تعالى حافظك وناصرك على أعدائك، فليس عليك إلا البلاغ.
إن الله لا يوفق للرشد مَن حاد عن سبيل الحق، وجحد ما جئت به من عند الله.
روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيى روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى أنمار ، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل .
فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه ، فقال الحارث من بني النجار : لأقتلن محمدا فقال له أصحابه : كيف تقتله؟
قال : أقول له أعطني سيفك ، فإذا أعطانيه قتلته به .
قال : فأتاه فقال يا محمد .
أعطني سيفك أشيمه - أي أراه - فأعطاه إياه - فرعدت يده حتى سقط السيف من يده : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الله بينك وبين ما تريد .فأنزل الله - تعالى - ( ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) .
.
الآية .قال الفخر الرازي - بعد أن ذكر عشرة أقوال في سبب نزولها - واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله - تعالى - آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها .وهذا الذي قاله الإِمام الرازي هو الذي تسكن إليه النفس أي أن الآية الكريمة ساقها الله - تعالى - لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتقويه قلبه وأمره بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرهم به وكراهتهم له ، حديثا مستفيضاً ، وقد بشره - سبحانه - في هذه الآية بأنه حافظه من مكرهم وعاصمه من كيدهم .وقوله : ( بلغ ) من التبليغ بمعنى : إيصال الشيء إلى المطلوب إيصاله إليه .والمعنى : ( ياأيها الرسول ) الكريم المرسل إلى الناس جميعا ( بلغ ) أي : أوصل إليهم ( مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) أي : كل ما أنزل إلأيك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار دون أن تخشى أحداً إلا الله .
( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ) ما أمرت به من إيصال وتبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك إلى الناس ( فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) أي : وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئاً مما أوحاه الله إليه ، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها .وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ) أي : وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك ( فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) أي : فلم تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة ، ولم تؤد منها شيئاً قط ، وذلك ن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، لإِدلاء كل منها بما يدلي به غيرها ، وكونها لذلك في حكم شيء واحد .والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ؛ مؤمنا به غير مؤمن به .وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما يأمره به الله من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحداً سواه .لأن الله - تعالى - هو الذي خلقه ورباه وتعهده بالرعاية والحماية .
وهو الذي اختاره لحمل هذه الرسالة دون غيره؛ فمن الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ جميع ما أنزل إليه منه - سبحانه - .قال الجمل : وقوله : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ظاهر هذا التركيب اتحاد الشرط والجزاء ، لأنه يؤول ظاهراً إلى وإن لم تفعل فما فعلت ، مع أنه لا بد وأن يكون الجواب مغايراً للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام .وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أي : وإن تركت شيئاً فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به فصار المعنى : وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا .وقال صاحب الانتصاف ما ملخصه : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوماً عند الناس أنه عظيم شنيع ، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع ، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول .
لما كان الأمر كذلك استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء ، للصوقها بالجزاء في الأفهام وإن كان من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد ، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز يذكر الشرط عاماً بقوله : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ) ولم يقل : فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة ، حتى يكون اللفظ متغايراً ، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحداً - أحسن رونقاً ، وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء ، وهذا الفصل كاللباب من علم البيان .هذا ، ومن المعلوم الذي لاخفاء فيه عند كل مسلم ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أمره الله به البلاغ التام ، وقام به أتم القيام دون أن يزيد شيئاً على ما كلفه به ربه أو ينقص شيئاً .وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من النصوص التي تشهد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتثل أمر الله في تبليغ رسالته ، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت لمسروق : من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيائً مما أنزل الله عليه فقد كذب .والله يقول : ( ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) .
.
الآية .ثم قال : ابن كثير : وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة ، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع .
فقد قال في خطبته يومئذ : " أيها الناس ، إنكم مسئولون عنى فماذا أنتم قائلون؟
قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت " .وقوله : ( والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ) وعد منه - سبحانه - بحفظ نبيه من كيد أعدائه .وقوله : ( يَعْصِمُكَ ) من العصم بمعنى الإِمساك والمنع .
وأصله - كما يقول ابن جرير - من عصام القربة ، وهو ما تربط به من سير وخيط ومنه قول الشاعر :وقلت عليكم بمالك إن مالكا ...
سيعصمك إن كان في الناس عاصمأي : سيمنعكم .والمعنى : عليك يا محمد أن تبلغ رسالة الله دون أن تخشى أحدا سواه ، والله - تعالى - بحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدي عليها أحد بالقتل أو الإِهلاك :فالمراد بالعصمة هنا : عصمة نفسه وجسمه صلى الله عليه وسلم من القتل أو الإِهلاك ، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل .
وهذا لا ينافي ما تعرض له صلى الله عليه وسلم من بأساء وضراء وأذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه ، وشج وجهه وكسرت رباعيته في غزوة أحد .والمراد بالناس هنا : المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال والعناد ، إذ ليس في المؤمنين الصادقين إلا كل محب لله ولرسوله .ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه وسلم قد عصم الله - تعالى - حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدي الناس مهما دبروا له من مكر وكيد .لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة .ونجاه م نكيد اليهود عندما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم .ونجاه من مكرهم عندما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه صلى الله عليه وسلم .إلى غير ذلك من الأحداث التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم من أعدائه .
ولكن الله - تعالى - نجاه وهناك آثار تشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس من بعض أصحابه فلما نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته .فقد أخرج الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم وابن جرير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت ( والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ) فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : " أيها الناس انصرفوا لقد عصمني الله " .وقوله : ( إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ) تذييل قصد به تعليل عصمته صلى الله عليه وسلم وتثبيت قلبه أي : إن الله - تعالى - لا يهدي القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم الغي على الرشد .
ولا يوصلهم إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك ، بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ﴾ أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم فقال: ﴿ بَلَغَ ﴾ أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم.
وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني»، فلما أنزل الله هذه الآية زال الخوف بالكلية وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعز الله الإسلام وأيده بالمؤمنين قال له: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ﴾ أي لا تراقبن أحداً، ولا تترك شيئاً مما أنزل إليك خوفاً من أن ينالك مكروه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع ﴿ رسالاته ﴾ في هذه الآية وفي الأنعام ﴿ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالتَه ﴾ على الجمع، وفي الأعراف ﴿ برسالاتي ﴾ على الواحد، وقرأ حفص عن عاصم على الضد، ففي المائدة والأنعام على الواحد، وفي الأعراف على الجمع، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع.
حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، وأما من أفرد فقال: القرآن كله رسالة واحدة، وأيضاً فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله: ﴿ وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ فوقع الاسم الواحد على الجمع، وكذا هاهنا لفظ الرسالة وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، فأي فائدة في هذا الكلام؟
أجاب جمهور المفسرين بأن المراد: أنك إن لم تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو قيل: إنه ترك الكل لكان كذباً ولو قيل أيضاً: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضاً محال ممتنع، فسقط هذا الجواب.
والأصح عندي أن يقال: إن هذا خرج على قانون قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري *** ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه: إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه، فكذا هاهنا: فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ما يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيهاً على غاية التهديد والوعيد والله أعلم.
المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود.
الثاني: نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنبي سكت عنهم، فنزلت هذه الآية.
الثالث: لما نزلت آية التخيير، وهو قوله: ﴿ يا أيها النبى قُل لأزواجك ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدينا فنزلت.
الرابع: نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش.
قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ ﴾ ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم قوله: ﴿ وَتُخْفِى فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ﴾ الخامس: نزلت في الجهاد، فإن المنافقين كانوا يكرهونه، فكان يمسك أحياناً عن حثهم على الجهاد.
السادس: لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية وقال: ﴿ بَلَغَ ﴾ يعني معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم، والله يعصمك منهم.
السابع: نزلت في حقوق المسلمين، وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك (هل بلغت) قالوا نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «الّلهم فاشهد» الثامن: روي أنه صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها، فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟
فقال الله فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس.
التاسع: كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية.
العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه الّلهم وال من والاه وعاد من عاداه» فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئاً لك يا ابن طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.
واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاماً مع اليهود والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ سؤال، وهو أنه كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟
والجواب من وجيهن: أحدهما: أن المراد يعصمه من القتل، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام!.
وثانيها: أنها نزلت بعد يوم أحد.
واعلم أن المراد من ﴿ الناس ﴾ هاهنا الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ ومعناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون، وعن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وقرئ: ﴿ رسالاته ﴾ ، فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها.
وكونا كذلك في حكم شيء واحد.
والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ، مؤمناً به غير مؤمن به.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً، فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك.
وضمن لي العصمة فقويت» فإن قلت: وقوع قوله: ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ جزاء للشرط ما وجه صحته؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبيلغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً كان أمراً شنيعاً لاخفاء بشناعته، فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله: ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً ﴾ [المائدة: 32] والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام: «فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك» ﴿ والله يَعْصِمُكَ ﴾ عدة من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى: والله يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟
فإن قلت: أين ضمان العصمة؟
وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه؟
قلت: المراد أنه يعصمه من القتل.
وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله، فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت بعد يوم أحد، والناس الكفار بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
وعن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ جَمِيعُ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ غَيْرَ مُراقِبٍ أحَدًا ولا خائِفٍ مَكْرُوهًا.
﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَهُ كَما أمَرْتُكَ.
﴿ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِنها، لِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يَنْتَقِضُ بِهِ، أوْ فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِنها كَقَوْلِهِ: فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا مِن حَيْثُ أنَّ كِتْمانَ البَعْضِ والكُلِّ سَواءٌ في الشَّفاعَةِ واسْتِجْلابِ العِقابِ.
وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ رِسالاتِهِ بِالجَمْعِ وكَسْرِ التّاءِ.
﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ عِدَةٌ وضَمانٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِصْمَةِ رُوحِهِ مِن تَعَرُّضِ الأعادِي وإزاحَةٍ لِمَعاذِيرِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ بِكَ.
وَعَنِ النَّبِيِّ : «بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالاتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتِي عَذَّبْتُكَ وضَمِنَ لِيَ العِصْمَةَ فَقَوِيتُ» .
وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَحْرُسُ حَتّى نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ فَقالَ: انْصَرِفُوا يا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ.» وَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ تَبْلِيغَ كُلِّ ما أُنْزِلَ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ، وقَصَدَ بِإنْزالِهِ إطْلاعَهم عَلَيْهِ فَإنَّ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما يَحْرُمُ إفْشاؤُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبِّكَ} جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه {وإن لّم تفعل} وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك {فما بَلَّغْتَ رسالته} رسالاته مدني وشامي وأبو بكر أي فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئاً قط وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض فإذا لم تود بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد والشئ الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن قالت الملحدة لعنهم الله تعالى هذ كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك كل هذا الطعام فإن لم تأكله فإنك ما أكلته قلنا هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل فإن لم تفعل أي إن لم تبلغ الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً أو بلغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعهدة فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً أو بلغ ذلك غير خائف أحداً فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً ثم قال مشجعاً له في التبليغ {واللهُ يعصمك من النّاسِ}
يحفظك منهم قتلاً فلم يقدر عليه وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه
والناس الكفار بدليل قوله {إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين} لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك
﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ ﴾ إلى الثَّقَلَيْنِ كافَّةً، وهو نِداءُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ مِنَّةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، وكَرامَتُهُ الكُبْرى، وفي هَذا العُنْوانِ إيذانٌ أيْضًا بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِما أُمِرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
﴿ بَلِّغْ ﴾ أيْ أوْصِلِ الخَلْقَ ﴿ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ كائِنًا ما كانَ ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكَ ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ، وفِيهِ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكِلاءَتِهِ، أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقَبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا ﴿ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ أيْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ ﴿ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ أيْ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ؛ لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها - كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ - فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يُنْتَقَضُ بِهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِنَفْيِ أوْلَوِيَّةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِالأداءِ بِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ ثابِتَةٌ بِاعْتِبارِ الوُجُوبِ قَطْعًا وظَنًّا، وجَلاءً وخَفاءً، أصْلًا وفَرْعًا، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نَفى الأوْلَوِيَّةَ نَظَرًا إلى أصْلِ الوُجُوبِ، وأيْضًا إنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى المُبَلَّغِ والكَلامِ في التَّبْلِيغِ، وهو غَيْرُ مُخْتَلَفِ الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، ثُمَّ كِتْمانُ البَعْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ إلى ما في المُبَلَّغِ مِنَ المَصْلَحَةِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ أصْلًا، فَلَمْ يُبَلِّغْ، وإنْ أعْلَمَ النّاسَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ مُخْبِرٌ إذْ ذاكَ لا مُبَلِّغٌ، ونُوقِشَ في التَّعْلِيلِ الثّانِي بِأنَّ الصَّلاةَ اعْتَبَرَها الشّارِعُ أمْرًا واحِدًا بِخِلافِ التَّبْلِيغِ، وهي مُناقَشَةٌ غَيْرُ وارِدَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ألْزَمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبْلِيغَ الجَمِيعِ، فَقَدْ جَعَلَها كالصَّلاةِ بِلا رَيْبٍ.
ومِمّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يُعْلَمُ أنَّ لا اتِّحادَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ومَنِ ادَّعاهُ بِناءً عَلى أنَّ المَآلَ إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ جَعَلَهُ نَظِيرَ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي.
حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ بِلا مَزِيدٍ في اللَّفْظِ، وشِعْرِي شِعْرِي المَشْهُورُ بَلاغَتُهُ، والمُسْتَفِيضُ فَصاحَتُهُ، ولَكِنَّهُ أخَبَرَ بِالسُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ الفائِدَةُ أنَّها مِن لَوازِمِ شِعْرِهِ في أفْهامِ النّاسِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِهِ بِها، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها وذِياعِها، وكَذَلِكَ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ: - أُرِيدَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرٌّ في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ يُنْعى عَلى مُرْتَكِبِهِ، ألا تَرى أنَّ عَدَمَ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ؟!
فَكَيْفَ كِتْمانُ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ؟!
فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ، وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وحُسِّنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ ) ولَمْ يَقِلْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ لِيَتَغايَرا لَفْظًا وإنِ اتَّحَدا مَعْنًى، وهَذا أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذِهِ الذُّرْوَةُ انْحَطَّ عَنْها أبُو النَّجْمِ بِذِكْرِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِ الخَبَرِ، وحُقَّ لَهُ أنْ تَتَضاءَلَ فَصاحَتُهُ عِنْدَ فَصاحَةِ المُعْجِزِ، فَلا مَعابَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهُويَهْ في مُسْنَدِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في تَفْسِيرِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ»».
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: إنْ تَرَكْتَ تَبْلِيغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ حُكِمَ عَلَيْكَ بِأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ أصْلًا، وقِيلَ - ولَيْتَهُ ما قِيلَ - المُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، وبِما في الجَوابِ بَقِيَّةُ المُعْجِزاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ، ونُسِبَ إلى الشِّيعَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ البَعْضَ تَقِيَّةً.
وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِدَ بِإنْزالِهِ اطِّلاعُهم عَلَيْهِ، وأمّا ما خُصَّ بِهِ مِنَ الغَيْبِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصالِحُ أُمَّتِهِ فَلَهُ - بَلْ عَلَيْهِ - كِتْمانُهُ، ورَوى السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ﴾ قالَ: أوْحى بِلا واسِطَةٍ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سِرًّا إلى قَلْبِهِ، ولا يَعْلَمُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ إلّا في العُقْبى حِينَ يُعْطِيهِ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِهِ، وقالَ الواسِطِيُّ: ألْقى إلى عَبْدِهِ ما ألْقى، ولَمْ يُظْهِرْ ما الَّذِي أوْحى؛ لِأنَّهُ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَسْتُورًا، وما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إلى الخَلْقِ كانَ ظاهِرًا، قالَ الطِّيبِيُّ: وإلى هَذا يُنْظَرُ مَعْنى ما رُوِّينا في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وِعاءَيْنِ: فَأمّا أحَدَهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ»»، أرادَ عُنُقَهُ وأصْلُ مَعْناهُ مَجْرى الطَّعامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البُخارِيُّ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ عِلْمَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ رَئِيسُ العارِفِينَ عَلِيٌّ زَيْنُ العابِدِينَ حَيْثُ قالَ: إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لى: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنًا ومِن ذَلِكَ عِلْمُ وِحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العَقْلِ، وقالُوا: إنَّهُ مِمّا تَعْلَمُهُ الرُّوحُ بِدُونِ واسِطَةِ العَقْلِ، ومِن هُنا قالُوا بِالعِلْمِ الباطِنِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باطِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْبابِ الأفْكارِ وذَوِي العُقُولِ المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، لا المُتَجَرِّدِينَ العارِجِينَ إلى حَضائِرِ القُدْسِ، ورِياضِ الأنْوارِ.
وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ - في كِتابِهِ الدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زُبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا، وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلى فَهْمِي!
فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ، فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ الخَلْقَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.
وقَدْ فَهِمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ تَبْلِيغَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ دُونَ ما يَشْمَلُ عِلْمَ الأسْرارِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ) دُونَ: ما تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَ الأسْرارِ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بِالوَحْيِ بَلْ بِطَرِيقِ الإلْهامِ والمُكاشَفَةِ، وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ ما يُرْسَلُ إلى الغَيْرِ.
وقَدْ أطالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - الكَلامَ في هَذا المَقامِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: ««سَتَكُونُ فِتَنٌ، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها؟
قالَ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما فِيكم»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنْ عِلْمُنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنِّي لا أُحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ»».
وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وأعْلامُهُمْ، مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى إنَّ البَعْضَ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثَلاثًا وسِتِّينَ سَنَةً مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كانَ تَبْلِيغُ القُرْآنِ تَبْلِيغًا لَهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّوْقِيفَ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ سِرًّا سِرًّا، وحُكْمًا حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِصَرِيحِ العِبارَةِ لِكُلِّ أحَدٍ، وكَمْ مِن سِرٍّ وحُكْمٍ نَبَّهَتْ عَلَيْهِما الإشارَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْهُما العِبارَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ هُناكَ أسْرارًا خارِجَةً عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَلَقّاها الصُّوفِيَّةُ مِن رَبِّهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وجاءَ بِالضَّلالِ ابْنِ السَّبَهْلَلِ بِلا مِرْيَةٍ.
وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ مِنَ القُرْآنِ بِواسِطَةِ فَهْمٍ قُدْسِيٍّ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ الآخِذِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما صَحَّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «هَلْ عِنْدَكم كِتابٌ خَصَّكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟
قالَ: لا، إلّا كِتابٌ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ - وكانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَبْضَةِ سَيْفِهِ - قالَ: قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟
قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».
ويُفْهَمُ مِنهُ - كَما قالَ القَسْطَلّانِيُّ - جَوازُ اسْتِخْراجِ العالِمِ مِنَ القُرْآنِ بِفَهْمِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا عَنِ المُفَسِّرِينَ إذا وافَقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ - عَلى ما أقُولُ - كُلُّهُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ بَعْضَ كَلِماتِهِمْ مُخالِفٌ ظاهِرُها لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ، لَكِنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى اصْطِلاحاتٍ فِيما بَيْنَهم إذا عُلِمَ المُرادُ مِنها يَرْتَفِعُ الغُبارُ، وكَوْنُهم مُلامِينَ عَلى تِلْكَ الِاصْطِلاحاتِ - لِقَوْلِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ««حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»» - أوْ غَيْرَ مُلامِينَ لِوُجُودِ داعٍ لَهم إلى ذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.
وقَرِيبٌ مِن خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلنّاسِ!
فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
وحَمْلُ وِعاءِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلى عِلْمِ الأسْرارِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أخْبارُ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ، وما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن فَسادِ الدِّينِ عَلى أيْدِي أغُلَيْمَةٍ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ، وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ أنَّ أُسَمِّيَهم بِأسْمائِهِمْ لَفَعَلْتُ».
أوِ المُرادُ الأحادِيثُ الَّتِي فِيها تَعْيِينُ أسْماءِ أُمَراءِ الجَوْرِ وأحْوالِهِمْ وذَمِّهِمْ، وقَدْ كانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكَنِّي عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ولا يُصَرِّحُ؛ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُمْ، بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن رَأْسِ السِّتِّينَ وإمارَةِ الصِّبْيانِ» يُشِيرُ إلى خِلافَةِ يَزِيدَ الطَّرِيدِ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَغْمِ أنْفِ أوْلِيائِهِ - لِأنَّها كانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَماتَ قَبْلَها بِسَنَةٍ.
وأيْضًا قالَ القَسْطَلّانِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وسِعَ أبا هُرَيْرَةَ كِتْمانُهُ مَعَ ما أخْرَجَ عَنْهُ البُخارِيُّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ، ولَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ » إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ ما تَلاهُ دالٌّ عَلى ذَمِّ كِتْمانِ العِلْمِ، لا سِيَّما العِلْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الأسْرارِ، فَإنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَدِّعِي أنَّهُ لُبُّ ثَمَرَةِ العِلْمِ، وأيْضًا إنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَفى بَثَّ ذَلِكَ الوِعاءِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ؟!
وأبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ مَسْتُورَهُ فِيما أعْلَمُ، فَمِن أيْنَ عُلِمَ أنَّ الَّذِي عَلِمَهُ هو هَذا؟!
ومَنِ ادَّعى فَعَلَيْهِ البَيانُ، ودُونَهُ قَطْعُ الأعْناقِ.
فالِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ لِطَرِيقِ القَوْمِ فِيهِ ما فِيهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - نَعَمْ، لِلْقَوْمِ مُتَمَسَّكٌ غَيْرُ هَذا مُبِينٌ في مَوْضِعِهِ، لَكِنْ لا يُسَلَّمُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِمّا خَلا عَنْهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ، أوْ أنَّهُ أمْرٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ، ومَن بَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، فَقَدْ قالَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الأجْوِبَةِ المَرْضِيَّةِ عَنِ الفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا المَرْصِفِيَّ يَقُولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ في مَقامِ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ حَتّى يَرى الحَقِيقَةَ مُؤَيِّدَةً لِلشَّرِيعَةِ، وأنَّ التَّصَوُّفَ لَيْسَ بِأمْرٍ زائِدٍ عَلى السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وإنَّما هو عَيْنُها.
وسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الخَوّاصَ يَقُولُ مِرارًا: مَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ تَخالِفُ الشَّرِيعَةِ أوْ عَكْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ شَرِيعَةٌ تُخالِفُ حَقِيقَةً أبَدًا، حَتّى قالُوا: شَرِيعَةٌ بِلا حَقِيقَةٍ عاطِلَةٌ، وحَقِيقَةٌ بِلا شَرِيعَةٍ باطِلَةٌ، خِلافُ ما عَلَيْهِ القاصِرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والفُقَراءِ، وقَدْ يَسْتَنِدُ مَن زَعَمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ إلى قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَطِيعُ المُخالِفُ مَعَهُ عَلى فَتْحِ شَفَةٍ.
ومِمّا نَقَلْنا عَنِ القَسْطَلّانِيِّ في خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ في الِاعْتِراضِ عَلى الصُّوفِيَّةِ، مِن أنَّ ما عِنْدَهم إنْ كانَ مُوافِقًا لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ فَهُما بَيْنَ أيْدِينا، وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُما فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.
والجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وكَوْنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بَيْنَ أيْدِينا لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إمْكانِ اسْتِنْباطِ شَيْءٍ مِنهُما بَعْدُ، ولا يَقْتَضِي انْحِصارَ ما فِيهِما فِيما عَلِمَهُ العُلَماءُ قَبْلُ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطِي اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ خَواصِّ عِبادِهِ فَهْمًا يُدْرِكُ بِهِ مِنهُما ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، وحَيْثُ سُلِّمَ لِلْأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا اجْتِهادُهم واسْتِنْباطُهم مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ مَعَ مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَما المانِعُ مِن أنْ يُسَلَّمَ لِلْقَوْمِ ما فُتِحَ لَهم مِن مَعانِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خالَفَ ما عَلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ لَكِنْ لَمْ يُخالِفْ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ الصَّرِيحُ مِنَ الأُمَّةِ المَعْصُومَةِ؟!
وأرى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ عِلْمِ كُلٍّ في القَبُولِ والرَّدِّ تَحَكُّمًا بَحْتًا، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ المُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) خِلافَةُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ رَوَوْا بِأسانِيدِهِمْ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَكانَ يَخافُ أنَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ؛ تَشْجِيعًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَهُ بِأدائِهِ».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِوِلايَتِهِ، فَتَخَوَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولُوا: حابى ابْنَ عَمِّهِ، وأنْ يَطْعَنُوا في ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقامَ بِوِلايَتِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»».
وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، عَنْ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُويَهْ، وابْنِ عَساكِرَ، راوِينَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ - إنَّ عَلِيًّا ولِيُّ المُؤْمِنِينَ - وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ»».
وخَبَرُ الغَدِيرِ عُمْدَةُ أدِلَّتِهِمْ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وقَدْ زادُوا فِيهِ - إتْمامًا لِغَرَضِهِمْ - زِياداتٍ مُنْكَرَةً، ووَضَعُوا في خِلالَهِ كَلِماتٍ مُزَوَّرَةً، ونَظَمُوا في ذَلِكَ الأشْعارَ، وطَعَنُوا عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِزَعْمِهِمْ أنَّهم خالَفُوا نَصَّ النَّبِيِّ المُخْتارِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ: عَجِبْتُ مِن قَوْمٍ أتَوْا أحَمَدا ∗∗∗ بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَها مَوْضِعُ قالُوا لَهُ: لَوْ شِئْتَ أعْلَمْتَنا ∗∗∗ إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزَعُ إذا تُوُفِّيتَ وفارَقْتَنا ∗∗∗ وفِيهِمْ في المُلْكِ مَن يَطْمَعُ فَقالَ: لَوْ أعْلَمْتُكم مَفْزَعًا ∗∗∗ كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أنْ تَصْنَعُوا كَصُنْعِ أهْلِ العِجْلِ إذْ فارَقُوا ∗∗∗ هارُونَ فالتَّرْكُ لَهُ أوْرَعُ ثُمَّ أتَتْهُ بَعْدَهُ عَزْمَةٌ ∗∗∗ مِن رَبِّهِ لَيْسَ لَها مَدْفَعُ أبْلِغْ وإلّا لَمْ تَكُنْ مُبَلِّغا ∗∗∗ واللَّهُ مِنهم عاصِمٌ يَمْنَعُ فَعِنْدَها قامَ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ كانَ بِما يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ يَخْطُبُ مَأْمُورًا وفي كَفِّهِ ∗∗∗ كَفُّ عَلِيٍّ نُورُها يَلْمَعُ رافِعَها أكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي ∗∗∗ يَرْفَعُ والكَفِّ الَّتِي تُرْفَعُ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا لَهُ ∗∗∗ مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا ولَمْ يَقْنَعُوا لَهُ وظَلَّ قَوْمٌ غاظَهم قَوْلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما آنافُهم تُجْدَعُ حَتّى إذا وارَوْهُ في لَحْدِهِ ∗∗∗ وانْصَرَفُوا عَنْ دِينِهِ ضَيَّعُوا ما قالَ بِالأمْسِ وأوْصى بِهِ ∗∗∗ واشْتَرَوُا الضُّرَّ بِما يَنْفَعُ وقَطَّعُوا أرْحامَهم بَعْدَهُ ∗∗∗ فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِما قَطَّعُوا وأزْمَعُوا مَكْرًا بِمَوْلاهُمُ ∗∗∗ تَبًّا لِما كانُوا بِهِ أزْمَعُوا لا هم عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ ∗∗∗ غَدًا ولا هو لَهم يَشْفَعُ إلى آخَرِ ما قالَ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَثْرَتَهُ وأقالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْبارَ الغَدِيرِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالِاسْتِخْلافِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولا مُسَلَّمَةٌ لَدَيْهِمْ أصْلًا، ولْنُبَيِّنْ ما وقَعَ هُناكَ أتَمَّ تَبْيِينٍ ولْنُوَضِّحِ الغَثَّ مِنهُ والسَّمِينَ، ثُمَّ نَعُودُ عَلى اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالإبْطالِ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الِاسْتِمْدادُ، وعَلَيْهِ الِاتِّكالُ.
فَنَقُولُ: إنِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ في مَكانٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ - قَرِيبٍ مِنَ الجُحْفَةِ يُقالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ، فَبَيَّنَ فِيها فَضْلَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبَراءَةَ عِرْضِهِ مِمّا كانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ بِأرْضِ اليَمَنِ بِسَبَبِ ما كانَ صَدَرَ مِنَ المَعْدَلَةِ الَّتِي ظَنَّها بَعْضُهم جَوْرًا وتَضْيِيقًا وبُخْلًا، والحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في ذَلِكَ، وكانَتْ يَوْمَ الأحَدِ ثامِنَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.
فَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ قالَ: ««لَمّا أقْبَلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنَ اليَمَنِ لِيَلْقى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واسْتَخْلَفَ عَلى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَكَسا كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ البَزِّ الَّذِي كانَ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَلَمّا دَنا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقاهُمْ، فَإذا عَلَيْهِمُ الحُلَلُ، قالَ: ويْلَكَ!
ما هَذا؟
قالَ: كَسَوْتُ القَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إذا قَدِمُوا في النّاسِ، قالَ: ويْلَكَ!
انْتَزِعْ قَبْلَ أنْ نَنْتَهِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: فانْتَزَعَ الحُلَلَ مِنَ النّاسِ، فَرَدَّها في البَزِّ، وأظْهَرَ الجَيْشُ شَكَواهُ لِما صَنَعَ بِهِمْ»».
وأخْرَجَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ - وكانَتْ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««اشْتَكى النّاسُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِينا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيًّا؛ فَواللَّهِ إنَّهُ لَأخْشَنُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
ورَوى - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَغَيَّرَ، فَقالَ: «بُرَيْدَةُ !
ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟
قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ آخَرَ تَفَرَّدَ بِهِ.
وقالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: ««لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَجَّةِ الوَداعِ، ونَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أمَرَ بِدَوْحاتٍ فَغُمِّمْنَ، ثُمَّ قالَ: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، أنّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما، فَإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللَّهُ تَعالى مَوْلايَ، وأنا ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا ولِيُّهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَما كانَ في الدَّوْحاتِ أحَدٌ إلّا رَآهُ بِعَيْنِهِ وسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي هارُونَ العُبَيْدِيِّ، ومُوسى بْنِ عُثْمانَ، عَنِ البَراءِ قالَ: ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَلَمّا أتَيْنا عَلى غَدِيرِ خُمٍّ كُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، ونُودِيَ في النّاسِ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأخَذَ بِيَدِهِ وأقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: ألَسْتُ أوْلى بِكُلٍّ امْرِئٍ مِن نَفْسِهِ؟
قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ هَذا مَوْلى مَن أنا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَنِيئًا لَكَ!
أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ»» وهَذا ضَعِيفٌ، فَقَدْ نَصُّوا أنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ، وأبا هارُونَ، ومُوسى ضُعَفاءُ، لا يُعْتَمَدُ عَلى رِوايَتِهِمْ، وفي السَّنَدِ أيْضًا أبُو إسْحاقَ وهو شِيعِيٌّ مَرْدُودُ الرِّوايَةِ.
ورَوى ضِمْرَةُ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، ومَن صامَ يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صِيامَ سِتِّينَ شَهْرًا،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرًا جِدًّا، ونُصَّ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وقَدِ اعْتَنى بِحَدِيثِ الغَدِيرِ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَجَمَعَ فِيهِ مُجَلَّدَيْنِ، أوْرَدَ فِيهِما سائِرَ طُرُقِهِ وألْفاظِهِ، وساقَ الغَثَّ والسَّمِينَ، والصَّحِيحَ والسَّقِيمَ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ فَإنَّهم يُورِدُونَ ما وقَعَ لَهم في البابِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحٍ وضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو القاسِمِ ابْنُ عَساكِرَ أوْرَدَ أحادِيثَ كَثِيرَةً في هَذِهِ الخُطْبَةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ خَبَرُ الِاسْتِخْلافِ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.
وعَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» مُتَواتِرٌ، يُتَيَقَّنُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَهُ، وأمّا: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ»» فَزِيادَةٌ قَوِيَّةُ الإسْنادِ، وأمّا: «صِيامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِي الحِجَّةِ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا واللَّهِ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ إلّا يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأيّامٍ.
والشَّيْخانِ لَمْ يَرْوِيا خَبَرَ الغَدِيرِ في صَحِيحَيْهِما لِعَدَمِ وِجْدانِهِما لَهُ عَلى شَرْطِهِما، وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ ذَلِكَ لِقُصُورٍ وعَصَبِيَّةٍ فِيهِما، وحاشاهُما مِن ذَلِكَ.
ووَجْهُ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِخَبَرِ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، وأوْلَوِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَيْنُ الإمامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ أوَّلَ الغَلَطِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ جَعْلُهُمُ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ قاطِبَةً، بَلْ قالُوا: لَمْ يَجِئْ مَفْعَلٌ بِمَعْنى أفْعَلَ أصْلًا، ولِمَ يُجَوِّزْ ذَلِكَ إلّا أبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هِيَ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ أوْلى بِكم.
ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ: ( فُلانٌ مَوْلًى مِن فُلانٍ ) كَما يَصِحُّ: ( فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ ) واللّازِمُ باطِلٌ إجْماعًا، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وتَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، يَعْنِي: النّارُ مَقَرُّكم ومَصِيرُكُمْ، والمَوْضِعُ اللّائِقُ بِكُمْ، ولَيْسَ نَصًّا في أنَّ لَفْظَ المَوْلى ثَمَّةَ بِمَعْنى الأوْلى.
والثّانِي: أنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلى بِالمَحَبَّةِ، وأوْلى بِالتَّعْظِيمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَمْ جاءَ الأوْلى في كَلامٍ لا يَصِحُّ مَعَهُ تَقْدِيرُ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
عَلى أنَّ لَنا قَرِينَتَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِلايَةِ - مِن لَفْظِ المَوْلى أوِ الأوْلى - المَحَبَّةُ: إحْداهُما ما رُوِّينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في شَكْوى الَّذِينَ كانُوا مَعَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في اليَمَنِ كَبُرَيْدٍ الأسْلَمِيِّ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وغَيْرِهِما ولَمْ يَمْنَعْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشّاكِّينَ بِخُصُوصِهِمْ؛ مُبالَغَةً في طَلَبِ مُوالاتِهِ، وتَلَطُّفًا في الدَّعْوَةِ إلَيْها، كَما هو الغالِبُ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِلتَّلَطُّفِ المَذْكُورِ افْتَتَحَ الخُطْبَةَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟
وثانِيهُما: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْلى المُتَصَرِّفُ في الأُمُورِ أوِ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، لَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ والِ مَن كانَ في تَصَرُّفِهِ وعادِ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ ذَكَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَحَبَّةَ والعَداوَةَ فَقَدْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيجابُ مَحَبَّتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والتَّحْذِيرُ عَنْ عَداوَتِهِ وبُغْضِهِ، لا التَّصَرُّفُ وعَدَمُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ الخِلافَةُ لَصَرَّحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها.
ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ المُثَنّى بْنِ الحَسَنِ السِّبْطِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم سَألُوهُ عَنْ هَذا الخَبَرِ هَلْ هو نَصٌّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ؟
فَقالَ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أرادَ خِلافَتَهُ لَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا ولِيُّ أمْرِي، والقائِمُ عَلَيْكم بَعْدِي، فاسْمَعُوا وأطِيعُوا، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَوْ آثَرا عَلِيًّا لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ولَمْ يُقْدِمْ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلَيْهِ لَكانَ أعْظَمَ النّاسِ خَطَأً.
وأيْضًا رُبَّما يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوِلايَةِ المَحَبَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِلَفْظِ ( بَعْدِي ) والظّاهِرُ حِينَئِذٍ اجْتِماعُ الوِلايَتَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِماعُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلَوِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المُرادُ المَحَبَّةَ.
وتَمَسَّكَ الشِّيعَةُ في إثْباتِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِاللَّفْظِ الواقِعِ في صَدْرِ الخَبَرِ عَلى إحْدى الرِّواياتِ، وهو قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟
ونَحْنُ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا أيْضًا الأوْلى بِالمَحَبَّةِ، يَعْنِي ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَحَبَّةِ؟
بَلْ قَدْ يُقالُ: الأوْلى ها هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، والمَعْنى: ألَسْتُ أحَبَّ إلى المُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ؟
لِيَحْصُلَ تَلاؤُمُ أجْزاءِ الكَلامِ، ويَحْسُنَ الِانْتِظامُ، ويَكُونَ حاصِلُ المَعْنى هَكَذا: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تُحِبُّونِي أكْثَرَ مِن أنْفُسِكُمْ، فَمَن يُحِبَّنِي يُحِبَّ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أحِبَّ مَن أحَبَّهُ وعادِ مَن عاداهُ.
ويُرْشَدُ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأوْلى - في تِلْكَ الجُمْلَةِ - الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ ﴾ وهو مَسُوقٌ لِنَفْيِ نَسَبِ الأدْعِياءِ مِمَّنْ يَتَبَنَّوْنَهُمْ، وبَيانُهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّ نِسْبَةَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كالأبِ الشَّفِيقِ، بَلْ أزْيَدُ، وأزْواجُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمَّهاتُهُمْ، والأقْرِباءُ في النَّسَبِ أحَقُّ وأوْلى مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَتِ الشَّفَقَةُ والتَّعْظِيمُ لِلْأجانِبِ أزِيدَ، لَكِنْ مَدارُ النَّسَبِ عَلى القَرابَةِ وهي مَفْقُودَةٌ في الأدْعِياءِ، لا عَلى الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في حُكْمِهِ، ولا دَخْلَ لِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ في المَقْصُودِ أصْلًا، فالمُرادُ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - هو المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَوْ فَرَضْنا كَوْنَ الأوْلى في صَدْرِ الخَبَرِ بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ الخِطابِ؛ لِيَتَوَجَّهُوا إلى سَماعِ كَلامِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَمالَ التَّوَجُّهِ، ويَلْتَفِتُوا إلَيْهِ غايَةَ الِالتِفاتِ، فَيُقَرَّرُ ما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ أتَمَّ تَقَرُّرٍ، وذَلِكَ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِأبْنائِهِ في مَقامِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ: ألَسْتُ أباكُمْ؟
وإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ يَأْمُرُهم بِما قَصَدَهُ مِنهُمْ؛ لِيَقْبَلُوا بِحُكْمِ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ ويَعْمَلُوا عَلى طِبْقِهِما.
فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»» مِثْلُ: ألَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ؟
أوْ: ألَسْتُ نَبِيَّكُمْ؟
ولا يُمْكِنُ إجْراءُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيما بَعْدَهُ؛ تَحْصِيلًا لِلْمُناسَبَةِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ مَعْنى المَحَبَّةِ، وهو أنَّ مَحَبَّةَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أمْرٌ ثابِتٌ في ضِمْنِ آيَةِ ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ فَلَوْ أفادَ هَذا الحَدِيثُ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا كانَ لَغْوًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ، ومَنشَؤُهُ أنَّ المُسْتَدِلَّ لَمْ يَفْهَمْ أنَّ إيجابَ مَحَبَّةِ أحَدٍ في ضِمْنِ العُمُومِ شَيْءٌ، وإيجابَ مَحَبَّتِهِ بِالخُصُوصِ شَيْءٌ آخَرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ ظُهُورًا أنَّهُ لَوْ آمَنَ شَخْصٌ بِجَمِيعِ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخُصُوصِهِ بِالذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ إيمانُهُ مُعْتَبَرًا، وأيْضًا لَوْ فَرَضْنا اتِّحادَ مَضْمُونِ الآيَةِ والخَبَرِ لا يَلْزَمُ اللَّغْوُ، بَلْ غايَةُ ما يَلْزَمُ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، وذَلِكَ وظِيفَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثِيرًا ما يُؤَكِّدُ مَضامِينَ القُرْآنِ ويُقَرِّرُها، بَلِ القُرْآنُ نَفْسُهُ قَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ المَضامِينُ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - وأيْضًا التَّنْصِيصُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - تَكَرَّرَ مِرارًا عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَيَلْزَمُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ - القَوْلُ اللُّغَوِيُّ، ويُجَلُّ كَلامُ الشّارِعِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الحِمْيَرِيُّ في قَصِيدَتِهِ - الَّتِي أسْرَفَ فِيها - مِن أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذِهِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ جاءُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الإمامَ بَعْدَهُ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ المُؤَرِّخُونَ وأهْلُ السِّيَرِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - فِيما أعْلَمُ - بَلْ هو مَحْضُ زُورٍ وبُهْتانٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.
ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ القَصِيدَةِ الشَّنِيعَةِ بِأسْرِها وما يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ فِيها - وكانَ لَهُ أدْنى خِبْرَةٍ - رَأى العَجَبَ العُجابَ، وتَحَقَّقَ أنَّ قَعاقِعَ القَوْمِ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها وكَوْنِها بِمَرْتَبَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها - لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى الَّذِي قَرَّرْناهُ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ، ومَلْعُونٌ مَن يُنْكِرُهُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمْناهُ.
وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ: إنَّ الآيَةَ عَلى خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكَذا خَبَرِ الغَدِيرِ - عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - عَلى تَقْدِيرِ دَلالَتِهِما عَلى أنَّ المُرادَ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا بُدَّ أنْ يُقَيَّدا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في المَآلِ، وحِينَئِذٍ فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قائِلُونَ بِذَلِكَ حِينَ إمامَتِهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَئِذٍ بِالذِّكْرِ ما عَلِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ مِن وُقُوعِ الفَسادِ والبَغْيِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، وإنْكارِ بَعْضِ النّاسِ لِإمامَتِهِ الحَقَّةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بَعْدَ الوَفاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والخَبَرُ المُصَدَّرُ بِـ( كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ» لَيْسَ نَصًّا في المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يُبْعِدُ دَعْوى الشِّيعَةِ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ المَوْصُولَ فِيها خاصٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَإنَّ النّاسَ فِيهِ - وإنْ كانَ عامًّا - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ، ويَهْدِيكَ إلَيْهِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّهُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِصْمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى أُمْنِيَتِهِمْ فِيكَ، ومَتى كانَ المُرادُ بِهِمُ الكُفّارَ بَعْدَ إرادَةِ الخِلافَةِ؟!
بَلْ لَوْ قِيلَ: لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأنَّ التَّخَوُّفَ الَّذِي تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ مِنهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحاشاهُ - في تَبْلِيغِ أمْرِ الخِلافَةِ إنَّما هو مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَيْثُ أنَّ فِيهِمْ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - مَن يَطْمَعُ فِيها لِنَفْسِهِ، ومَتى رَأى حِرْمانَهُ مِنها لَمْ يَبْعُدْ مِنهُ قَصْدُ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتِزامُ القَوْلِ - والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - بِكُفْرِ مَن عَرَّضُوا بِنِسْبَةِ الطَّمَعِ في الخِلافَةِ إلَيْهِ مِمّا يَلْزَمُهُ مَحاذِيرُ كُلِّيَّةٌ، أهْوَنُها تَفْسِيقُ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو هُوَ، أوْ نِسْبَةُ الجُبْنِ إلَيْهِ، وهو أسَدُ اللَّهِ تَعالى الغالِبُ، أوِ الحَكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقِيَّةِ، وهو الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَخْشى إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، أوْ نِسْبَةُ فِعْلِ الرَّسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلِ الأمْرِ الإلَهِيِّ إلى العَبَثِ، والكُلُّ كَما تَرى.
لا يُقالُ: إنَّ عِنْدَنا أمْرَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الخِلافَةُ: أحَدُهُما أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَأْمُورًا بِأبْلَغِ عِبارَةٍ بِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِها، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ مُخاطِبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هُنا فَرْدٌ هو أهَمُّ الأفْرادِ وأعْظَمُها شَأْنًا - ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الخِلافَةُ إذْ بِها يَنْتَظِمُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا - لَخَلا الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ.
وثانِيهُما أنَّ ابْنَ إسْحاقَ ذَكَرَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ النّاسَ في حَجَّةِ الوَداعِ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيها ما بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أيُّها النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا بِهَذا المَوْقِفِ أبَدًا، أيُّها النّاسُ إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا، وكَحُرْمَةِ شَهْرِكم هَذا، وإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فَيَسْألَنَّكم عَنْ أعْمالِكُمْ، وقَدْ بَلَّغْتُ» ثُمَّ أوْصى - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالنِّساءِ، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «فاعْقِلُوا قَوْلِي فَإنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وقَدْ تَرَكْتُ فِيكم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أبَدًا؛ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسَنَةَ نَبِيِّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» إلى أنْ قالَ - بِأبِي هو وأمِّي، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِي أنَّ النّاسَ قالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اشْهَدِ»» انْتَهى.
فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ الخُطْبَةَ كانَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ويَوْمُ الغَدِيرِ كانَ اليَوْمَ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمَ مِن شَأْنِ المَناسِكِ، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ غَيْرَ ما بَلَّغَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلُ، وشَهَّدَ النّاسَ عَلى تَبْلِيغِهِ، وأشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا إلّا الخِلافَةُ الكُبْرى، والإمامَةُ العُظْمى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ كَوْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - خَلِيفَتَكَ، وقائِمًا مَقامَكَ بَعْدَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وإنْ قالَ لَكَ النّاسُ حِينَ قُلْتَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ في الأمْرِ الأوَّلِ - بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا فِيهِ - مَمْنُوعَةٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ في الآيَتَيْنِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَصالِحِ العِبادِ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، ولا يَلْزَمُ الخُلُوُّ عَنِ الفائِدَةِ؛ إذْ كَمْ آيَةٍ تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ، وأمْرٌ ونَهْيٌ ذُكِرَ مِرارًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ هُنا إزالَةُ تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَرَكَ أوْ يَتْرُكُ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ تَقِيَّةً.
ويَرِدُ عَلى الأمْرِ الثّانِي أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ كَوْنَ يَوْمِ الغَدِيرِ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لِيَكُونَ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ، بَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخُطْبَةِ وقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ يَوْمِي الغَدِيرِ وعَرَفَةَ، وما ورَدَ في غَيْرِما أثَرٍ مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في حِجَّةِ الوَداعِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْبَعْدِيَّةِ ولِلْقَبْلِيَّةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الإيابِ ولا الذَّهابِ، وظاهِرُ حالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تِلْكَ الحَجَّةِ مِن إراءَةِ المَناسِكِ، ووَضْعِ الرِّبا ودِماءِ الجاهِلِيَّةِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ - يُرْشِدُ إلى أنَّ النُّزُولَ كانَ في الذَّهابِ.
والثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ النُّزُولِ يَوْمَ الغَدِيرِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ حِينَئِذٍ لُزُومُ التَّكْرارِ، وقَدْ عَلِمْتَ فائِدَتَهُ وكَثْرَةَ وُقُوعِهِ، سَلَّمْنا أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ لَكِنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا الخِلافَةُ، وكَمْ قَدْ بَلَّغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَذى يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ في المُخْتارَهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟
فَقالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي ولَكُمُ الجَنَّةُ؟
أيُّها النّاسُ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ، ولا امْرَأةٌ، ولا أمَةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَقُولُونَ: كَذّابٌ، صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ»».
قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ، ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هَوى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ تَعالى عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأصْرَحُ مِن هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ( الدَّلائِلِ ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي»» فَإنَّ أبا طالِبٍ ماتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وحِجَّةَ الوَداعِ بَعْدَها بِكَثِيرٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الآيَةِ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَيْلًا؛ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُحْرَسُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى»» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ.
والَذى أمِيلُ إلَيْهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا تَكَرَّرَ نُزُولُهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ حِفْظُ رُوحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القَتْلِ والهَلاكِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شُجَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ، وادَّعى أنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ واسْتُشْكِلَ الأمْرانِ بِأنَّ اليَهُودَ سَمُّوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى قالَ: ««لا زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي وهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي»» وأُجِيبَ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ بِسَبَبِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، وأمّا ما فُعِلَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلِلذَّبِّ عَنِ الأمْوالِ والبِلادِ والأنْفُسِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عِصْمَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِفْظُهم بِما خُصُّوا بِهِ مِن صَفاءِ الجَوْهَرِ، ثُمَّ بِما أوْلاهم مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ثُمَّ بِالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهِمْ، ثُمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ، وبِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ، وبِالتَّوْفِيقِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِصْمَةِ الحِفْظُ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ، والمَعْنى: بَلِّغْ، واللَّهُ تَعالى يَمْنَحُكَ الحِفْظَ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ مِن بَيْنِ النّاسِ، أيْ يَعْصِمُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَوْجِيهٌ لَمْ يَصْدُرْ إلّا مِمَّنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَطَأِ.
ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ حَيْثُ قالَ: لا يَهْدِيهِمْ بِالمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ إلى الكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى الكُفّارَ إلى الإيمانِ بِأنْ دَلَّهم عَلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم مِن خِلافِهِ - وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ المُرادَ بِالآيَةِ - عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما لا يَخْفى مِنَ النَّظَرِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ: أنَّ عَلَيْكَ البَلاغَ لا الهِدايَةَ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والوَفاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، وهو كَما تَرى، فَلْيُفْهَمْ جَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولْيُحْفَظْ؛ فَإنِّي لا أظُنُّ أنَّكَ تَجِدُهُ في كِتابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمِيعِ، وإيرادُ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُشافَهَتُهم بِها، خُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالِهِمْ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى - كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ،فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟
وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ؟
وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى حُقٌّ؟
فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئَتْ مِن إحْداثِكُمْ، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ » أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْقِيرِ، ومَن أمْثالُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ ﴿ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ أيْ تُراعُوهُما، وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما وتَوْفِيَةَ حُقُوقِهِما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ لا بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِما مَنسُوحًا كانَ أوَغِيَرَهُ، فَإنَّ مُراعاةَ المَنسُوخِ تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما.
﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيِ القُرْآنُ المَجِيدُ، وإقامَتُهُ بِالإيمانِ بِهِ، وقُدِّمَتْ إقامَةُ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ رِعايَةً لِحَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ؛ فَإنَّها كُلَّها ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِمَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ووُجُوبِ طاعَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، وكَذا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقِسْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ النِّعَمُ الَّتِي أُعْطِيَها - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمْرُ النِّسْبَةِ ظاهِرٌ جِدًّا.
﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ أيْ: لا تَأْسَفْ ولا تَحْزَنْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ غائِلَةَ ذَلِكَ مَوْصُولَةٌ بِهِمْ، وتَبِعَتَهُ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ، وفي المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهُمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ الأسى، ولا يَخْلُو عَنْ <div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك أن اليهود قالوا للنبي حين دعاهم إلى الإسلام فجعلوا يستهزئون به ويقولون: إنك تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى- -، فلما رأى ذلك سكت عنهم.
فأمره الله أن يدعوهم ولا يمنعه عن ذلك تكذيبهم إياه فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: من القرآن وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني: كأنك لم تبلغ شيئاً من رسالته، لأنه أمر بتبليغ جميع الرسالة.
فإذا ترك البعض صار بمنزلة التارك للكل.
كما أن من جحد آية من كتاب الله تعالى صار جاحداً للجميع، ويقال: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني: فما بلغت المبلغ الذي تكون رسولاً وروى «سمرة بن جندب» ، عن رسول الله أنه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي قَدْ قَصَّرْتُ عَنْ شَيْءٍ مَنْ تَبْلِيغِ رِسَالاتِ رَبِّي فَأَخْبِرُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي كَمَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُبَلَّغَ» فقام الناس، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك.
وروى مسروق عن عائشة قالت: من حَدّثك أن محمدا كتم شيئاً من الوحي، فقد كذب.
ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية.
ثم قال: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يعني: اليهود ويقال: كيد الكفار.
وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان النبيّ يحرسه أصحابه بالليل، حتى نزلت هذه الآية فخرج إليهم وقال: «لا تَحْرُسُونِي فَإنَّ الله قَدْ عَصَمَنِي من الناس» .
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني: لا يرشدهم إلى دينه، ويقال: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ : «لا أُبَالِي مَنْ خَذَلَنِي مِنَ اليَهُودِ وَمَنْ نَصَرَنِي» قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر.
فما بلغت رسالاته بلفظ الجماعة.
وقرأ الباقون: رِسالَتَهُ بلفظ الواحد يغني عن الجماعة.
ثم علّمه كيف يبلغ الرسالة فقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين ولا ثواب لأعمالكم حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني: تعملوا بما في التوراة، والإنجيل وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: حتى تقروا بما أنزل على نبيكم من القرآن، وتعملوا به.
ثم قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً يعني: تمادياً بالمعصية، وكفراً بالقرآن.
يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والموعظة، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء.
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني: لا تحزن عليهم إن كذبوك.
وروى محمد بن إسحاق بإسناده عن ابن عباس أنه قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الضيف، وقالوا: يا محمد: ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟
وتؤمن بما عندنا من التوراة؟
وتشهد أنها من الله حق؟
فقال رسول الله : «بَلَى ولكنكم أَحْدَثْتُمْ، وَجَحَدْتُمْ ما فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ المِيثَاقِ، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ فَبَرِئْتُ مِنْ إحْدَاثِكُمْ» .
فقالوا: فإنّا قد آمنا بما في أيدينا، وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أهْل الكتاب «١» .
قال ع «٢» : وهذا هو الراجِحُ.
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...
الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام- بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ لأنه قد كان بلّغ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ وذلك أنَّ رسالته- عليه السلام- تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيان فساد حالهم، فكان يلقى منهم صلّى الله عليه وسلّم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، أيْ:
كاملاً، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين (رضي اللَّه عنها) : «مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...
الآية» ، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، خرَجَ، فقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي» «٣» ، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة «٤» ، وكما وجَبَ عليه التبليغُ- عليه السلام-، وجب على علماءِ أمته، وقد قال- عليه السلام-: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة» «٥» ، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ (رضي اللَّه عنه) قَالَ: سَمِعْتُ
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ، رواه أبو داودَ، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ وابنُ ماجه، وابن حِبَّانَ في «صحيحِهِ» ، وقال التِّرمذيُّ/: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح «١» .
انتهى من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى أسْبابٍ، رَوى الحَسَنُ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ:» "لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ، ضِقْتُ بِها ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي" «، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ، يَهابُ قُرَيْشًا واليَهُودَ والنَّصارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ: "يا رَبِّ كَيْفَ أصْنَعُ؟
إنَّما أنا وحْدِي يَجْتَمِعُ عَلَيَّ النّاسُ"، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا دَعا اليَهُودَ، وأكْثَرَ عَلَيْهِمْ، جَعَلُوا يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ، فَسَكَتَ عَنْهم، فَحُرِّضَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحْرَسُ فَيُرْسِلُ مَعَهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: "يا عَمّاهُ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ" .» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ يَوْمٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ وعَلَّقَ سَيْفَهُ فِيها، فَجاءَ رَجُلٌ فَأخَذَهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَمْنَعُنِي مِنكَ؟
فَقالَ: "اللَّهُ"، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ .
قالَتْ عائِشَةُ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: ما شَأْنُكَ؟
قالَ: ألا رَجُلٌ صالِحٌ يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، فَبَيْنَما نَحْنُ في ذَلِكَ إذْ سَمِعْتُ صَوْتَ السِّلاحِ، فَقالَ: "مَن هَذا"؟
فَقالَ: سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ جِئْنا نَحْرُسُكَ، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ رَأسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ وقالَ: "انْصَرِفُوا أيُّها النّاسُ، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى" .» قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مَعْناهُ: بَلِّغَ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ولا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكَنَّ شَيْئًا مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ، فَإنْ تَرَكْتَ مِنهُ شَيْئًا، فَما بَلَّغْتَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ كَتَمْتَ آيَةً فَما بَلَّغْتَ رِسالَتِي.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: بَلِّغَ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ جَهْرًا، فَإنْ أخْفَيْتَ شَيْئًا مِنهُ لِخَوْفِ أذًى يَلْحَقُكَ، فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رِسالَتَهُ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ: "رِسالاتِهِ" عَلى الجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَمْنَعُكَ مِنهم.
وعِصْمَةُ اللَّهِ: مَنعُهُ لِلْعَبْدِ مِنَ المَعاصِي، ويُقالُ: طَعامٌ لا يَعْصِمُ، أيْ: لا يَمْنَعُ مِنَ الجُوعِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ ضَمانُ العِصْمَةِ وقَدْ شُجَّ جَبِينُهُ، وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ، وبُولِغَ في أذاهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَصَمَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وتَلَفِ الجُمْلَةِ، فَأمّا عَوارِضُ الأذى، فَلا تَمْنَعُ عِصْمَةَ الجُمْلَةِ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَما جَرى عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ "المائِدَةَ" مِن أواخِرِ ما نَزَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ.
والثّانِي: لا يُعِينُهم عَلى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِن الناسِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها مُعاصِرُو مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والأظْهَرُ أنَّهُ يُرادُ بِها الأسْلافُ؛ والمُعاصِرُونَ داخِلُونَ في هَذِهِ الأحْوالِ بِالمَعْنى؛ والغَرَضُ الإخْبارُ عن أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ؛ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وكِتابِهِ؛ واتَّقَوْا في امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ لَكُفِّرَتْ سَيِّئاتُهُمْ؛ أيْ: سُتِرَتْ وأُذْهِبَتْ؛ ولَأُدْخِلُوا الجَنَّةَ.
﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ ﴾ ؛ أيْ: أظْهَرُوا أحْكامَها؛ فَهي كَإقامَةِ السُوقِ؛ وإقامَةِ الصَلاةِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ الناسِ؛ إذْ هي أظْهَرُ هَيْئاتِ المَرْءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والإنْجِيلَ"؛ ﴾ يَقْتَضِي دُخُولَ النَصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِن وحْيٍ؛ وسُنَنٍ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ: اَلْمَعْنى: "لَأعْطَتْهُمُ السَماءُ مَطَرَها؛ وبَرَكَتَها؛ والأرْضُ نَباتَها؛ بِفَضْلِ اللهِ تَعالى"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ ؛ والزَجّاجُ ؛ وغَيْرُهُما أنَّ الكَلامَ اسْتِعارَةٌ؛ ومُبالَغَةٌ في التَوْسِعَةِ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ قَدْ عَمَّهُ الخَيْرُ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ المَعْنى: "لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الجَنَّةِ؛ و"وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الدُنْيا؛ إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُعْتَدِلَةٌ؛ والقَصْدُ والِاقْتِصادُ: اَلِاعْتِدالُ؛ والرِفْقُ؛ والتَوَسُّطُ الحَسَنُ في الأقْوالِ؛ والأفْعالِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو مُقْتَصِدٌ في عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ يَقُولُونَ: "هُوَ عَبْدُ اللهِ ورَسُولٌ؛ ورُوحٌ مِنهُ"؛ والأكْثَرُ مِنهم غَلا فِيهِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ إلَهٌ"؛ وعَلى هَذا مَشى الرُومُ؛ ومَن دَخَلَ بِآخِرَةٍ في مِلَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ بَعْضُهم - وهُمُ الأكْثَرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ -: "هُوَ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ"؛ فَكَفَرَ الطَرَفانِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُقْتَصِدَةُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ قَدِيمًا؛ وحَدِيثًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا يُتَخَرَّجُ قَوْلُ الطَبَرِيِّ ؛ ولا يَقُولُ في عِيسى: "إنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ"؛ إلّا مُسْلِمٌ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وهَذا هو المُتَرَجَّحُ؛ وقَدْ ذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّهُ يَعْنِي بِالمُقْتَصِدَةِ: اَلطَّوائِفَ الَّتِي لَمْ تُناصِبِ الأنْبِياءَ مُناصَبَةَ المُتَهَتِّكِينَ المُجاهِرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَوَجَّهُ أنْ تُوصَفَ بِالِاقْتِصادِ؛ بِالإضافَةِ إلى المُتَمَرِّدَةِ؛ كَما يُقالُ في أبِي البُحْتُرِيِّ بْنِ هِشامٍ: "إنَّهُ مُقْتَصِدٌ؛ بِالإضافَةِ إلى أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ - لَعَنَهُ اللهُ ".
ثُمَّ وصَفَ تَعالى الكَثِيرَ مِنهم بِسُوءِ العَمَلِ عُمُومًا؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ في تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ؛ وكُفْرِ اليَهُودِ بِعِيسى والجَمِيعُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
و"ساءَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ هي المُتَصَرِّفَةُ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَ الأمْرُ؛ يَسُوءُ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "ساءَ"؛ اِسْتِعْمالَ "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ؛ فَتِلْكَ غَيْرُ هَذِهِ؛ يُحْتاجُ في هَذِهِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ ساءَ مَثَلا ﴾ ؛ مِنَ الإضْمارِ؛ والتَقْدِيرِ؛ إلى ما يُحْتاجُ في "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ مِنَ اللهِ لرَسُولِهِ بِالتَبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَلَّغَ؛ فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِألّا يَتَوَقَّفَ عن شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَضَمَّنَتِ الطَعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ؛ وبَيانِ فَسادِ حالِهِمْ؛ فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا؛ ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ اللهُ لَهُ ﴿ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: كامِلًا؛ مُتَمَّمًا؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: "إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا؛ فَكَأنَّما قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ؛ وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ"؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: سُئِلْتَ فَلَمْ تَمْنَعْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا ∗∗∗ فَسِيّانِ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ أيْ: ولَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا؛ وإلّا يَتَكاذَبِ البَيْتُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ"؛ عَلى الإفْرادِ؛ وقَرَؤُوا في "اَلْأنْعامِ": "حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ": "بِرِسالاتِي"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ بِإفْرادِ الرِسالَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ: "رِسالاتِهِ"؛ بِالجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأنْعامِ"؛ وأفْرَدَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ؛ بِجَمْعِ الرِسالَةِ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ الإفْرادَ في "اَلْعُقُودِ"؛ و"اَلْأنْعامِ"؛ والجَمْعَ في "اَلْأعْرافِ"؛ فَمَن أفْرَدَ "اَلرِّسالَةَ"؛ فَلِأنَّ الشَرْعَ كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ؛ وَجُمْلَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؛ ومَن جَمَعَ فَمِن حَيْثُ الشَرْعُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ؛ ووَرَدَ دُفَعًا في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقالَتْ عائِشَةُ - أُمُّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ؛ واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ".
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَعَقَّبُهُ أصْحابُهُ؛ يَحْرُسُونَهُ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ خَرَجَ فَقالَ: "يا أيُّها الناسُ الحَقُوا بِمَلاحِقِكم فَإنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي"؛» وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ بِسَبَبِ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَقْتُلَهُ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هو غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ ؛ والقِصَّةُ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَهابُ قُرَيْشًا؛ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ اِسْتَلْقى ؛ وقالَ: "مَن شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي"؛» مَرَّتَيْنِ؛ أو ثَلاثًا.
و"يَعْصِمُكَ"؛ مَعْناهُ: يَحْفَظُكَ؛ ويَجْعَلُ عَلَيْكَ وِقايَةً؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْتُ عَلَيْكم مالِكًا إنَّ مالِكًا ∗∗∗ ∗∗∗ سَيَعْصِمُكم إنْ كانَ في الناسِ عاصِمُ وهَذِهِ العِصْمَةُ الَّتِي في الآيَةِ هي مِنَ المَخاوِفِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُوقَفَ عن شَيْءٍ مِن التَبْلِيغِ؛ كالقَتْلِ؛ والأسْرِ؛ والأذى في الجِسْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ وأمّا أقْوالُ الكُفّارِ؛ ونَحْوُها فَلَيْسَتْ في الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ؛ إمّا عَلى الخُصُوصِ فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ؛ وإمّا عَلى العُمُومِ؛ عَلى أنْ لا هِدايَةَ في الكُفْرِ؛ ولا يَهْدِي اللهُ الكافِرَ في سُبُلِ كُفْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ مَعَهُ: ﴿ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: "عَلى شَيْءٍ مُسْتَقِيمٍ؛ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ"؛ وفي إقامَةِ هَذَيْنِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّهُ سَيَطْغى كَثِيرٌ مِنهم بِسَبَبِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَزِيدُهُ نُزُولُ القُرْآنِ؛ والشَرْعِ؛ كُفْرًا؛ وحَسَدًا؛ ثُمَّ سَلّاهُ عنهُمْ؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَحْزَنْ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ولا تُبالِ بِهِمْ؛ والأسى: اَلْحُزْنُ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رافِعُ بْنُ جارِيَةَ؛ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ؛ ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ ؛ ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَوْراةِ؛ وبِنُبُوَّةِ مُوسى؛ وأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَقٌّ؟
قالَ: "بَلى؛ ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ؛ وغَيَّرْتُمْ؛ وكَتَمْتُمْ"؛ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنَّهُ الحَقُّ؛ ولا نُصَدِّقُكَ؛ ولا نَتَّبِعُكَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ اَلْآيَةُ.» <div class="verse-tafsir"
إنّ موضع هذه الآية في هذه السورة معضل، فإنّ سورة المائدة من آخر السور نزولاً إن لم تكن آخرها نزولاً، وقد بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريعة وجميعَ ما أنزل إليه إلى يوم نزولها، فلو أنّ هذه الآية نزلت في أوّل مدّة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه، كما أنزل قوله تعالى: ﴿ فاصْدَعْ بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنّا كفيناك المستهزئين ﴾ [الحجرات: 94، 95] وقوله: ﴿ واصبِر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 5 10] الآيات، فأمّا وهذه السورة من آخر السور نزولاً وقد أدّى رسول الله الرسالة وأُكْمِل الدّينُ فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ، فنحن إذنْ بين احتمالين: أحدهما: أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه.
وثانيهما: أن تكون هذه الآية نزلت من قبللِ نزول هذه السورة، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها.
فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تَذْكُر حوادث كلَّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة.
وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك، وذكر الطبري خبرين آخرين، فصارت اثني عشر قولاً.
وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال: إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأوْلى حمل الآية على أنّ الله آمنَه مكر اليهود والنّصارى، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاماً مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكونُ أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اه.
وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول الله كان يُحرَس حتّى نزل ﴿ والله يعصمك من النّاس ﴾ فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذٍ، بل اقتصر الراوي على جزء منها، وهو قوله: ﴿ والله يعصمك من النّاس ﴾ فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ الله أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية.
فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل: فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى ذكره في هذه السورة، فهي على وتيرة قوله تعالى: ﴿ يأيّها الرسول لا يحزنك الّذي يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] وقوله: ﴿ ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ [المائدة: 49] فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليتْ بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب.
والفريقان متظاهران على الرسول صلى الله عليه وسلم فريق مجاهر، وفريق متستر، فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرْح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفّار، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدّة النّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّ الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الّذين هوّن أمرهم في قوله: ﴿ يأيّها الرسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] فهم المعنيّون من ﴿ الناس ﴾ في هذه الآية، فالمأمور بتبليغه بعض خاصّ من القرآن.
وقد علم من خُلق النّبيء صلى الله عليه وسلم أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول: إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه (كما جاء في حديث عائشة حين سلَّم اليهود عليه فقالوا: السامُ عليكم، وقالت عائشة لهم: السامُ عليكم واللّعنة)، فلمّا أمره الله أن يقول لأهل الكتاب ﴿ وأنّ أكثركَم فاسقون قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه ﴾ [المائدة: 59، 60] الآية، وكان ذلك القول مجاهرة لها م بسوءٍ أعلمه الله بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى: ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم ﴾ [النساء: 148].
ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعِر بمنتهى شرفه، إذ كان واسطة بين الله وخلقه، والمذكِّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله.
ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطَاب الأول، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده، وهو قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿ ما على الرسول إلاّ البلاغ ﴾ [المائدة: 99].
فكما ثبّت جَنَانُه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه، حُذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم، إذ لعلّه يزيدهم عناداً وكفراً، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية ﴿ وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ [المائدة: 68].
ثم عُقّب ذلك أيضاً بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله: ﴿ والله يعصمك من النّاس ﴾ وأنّ كيدهم مصروف عنه بقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ .
فحصل بآخر هذا الخطاب ردّ العجز على الصدر في الخطاب الأوّل الّتي تضمّنه قوله: ﴿ لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41] فإنّهم هم القوم الكافرون والّذين يسارعون في الكفر.
فالتّبليغ المأمور به على هذا الوجه تبليغُ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب.
وما صدق ﴿ ما أنزل إليك من ربّك ﴾ شيء معهود من آي القرآن، وهي الآي المتقدّمة على هذه الآية.
وما صدقُ ﴿ ما أنزل إليك من ربّك ﴾ هو كلّ ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم.
والتّبليغ جعل الشيء بالغاً.
والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله، وهو هنا مجاز في حكاية الرّسالة للمرسل بها إليه من قولهم: بَلَغ الخبر وبلغَت الحاجة.
والأمر بالتّبليغ مستعمل في طلب الدّوام، كقوله تعالى: ﴿ يأيّها الّذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136].
ولمّا كان نزول الشريعة مقصوداً به عمل الأمّة بها (سواء كان النّازل متعلّقاً بعمل أم كان بغير عمل، كالّذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها، لأنّ ذلك كلّه إنّما نزل لفوائد يتعيّن العلم بها لحصول الأغراض الّتي نزلت لأجلها، على أنّ للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز، وأنّه متعبَّد بتلاوته، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النّظر عمّا يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر)، كان معنى الرّسالة إبلاغ ما أنزل إلى مَن يراد علمه به وهو الأمّة كلّها، ولأجل هذا حذف متعلِّق ﴿ بلِّغ ﴾ لقصد العموم، أي بلّغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته، وهو جميع الأمّة، إذ لا يُدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمّة إلى بعض الأحكام، على أنّ كثيراً من الأحكام يحتاجها جميع الأمّة.
والتّبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكممٍ تَمكُّنَه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول عليه الصّلاة والسّلام يقرأ القرآن على النّاس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر النّاس بقراءته وبالاستماع إليه.
وقد أرسل مصعباً بن عُمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلّم الأنصار القرآن.
وكان أيضاً يأمر السامع مقالتَه بإبلاغها مَن لم يسمعها، ممّا يكفل ببلوغ الشّريعة كلّها للأجيال من الأمّة.
ومن أجل ذلك كان الخلفاء مِن بعدِه يعطون النّاس العطاءَ على قدر ما معهم من القرآن.
ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصّحابة، وأكمل تلك المزيّة عثمان بن عفّان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عيَّن لأهل الصّفَّة الانقطاع لحفظ القرآن.
والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلاً أخبر به عند صلاة الصّبح.
وفي حديث عمر، قال رسول الله: " لقد أنزِلت عليّ اللّيلة سورة لَهِي أحبّ إليّ ممّا طلعتْ عليه الشّمس " ثمّ قرأ: ﴿ إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [الفتح: 1].
وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك «فأنزل الله توبتنا على نبيّه حين بقي الثلثُ الآخر من اللّيل ورسُولُ الله عند أمّ سلمة، فقال: يأمّ سلمة تِيب على كعب بن مالك، قالت: أفَلا أرْسِلُ إليه فأبشِّرَهُ، قال: «إذاً يَحطمُكم النّاسُ فيمنعونَكم النّومَ سائر اللَّيلة.
حتّى إذا صلّى رسول الله صلاة الفجر آذَنَ بتوبة الله علينا».
وفي حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول الله الكتَّاب فكتبوها من ليلتهم.
وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله: ﴿ إليك من ربّك ﴾ إيماء عظيم إلى تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بمرتبة الوساطة بين الله والنّاس، إذ جَعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية [آل عمران: 199] ﴿ وإنّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ وقوله: ﴿ لتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم ﴾ [النحا: 44].
وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل.
والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه.
وعلى جميع الوجوه المتقدّمة دلّت الآية على أنّ الرسول مأمور بتبليغ ما أنزل إليه كلِّه، بحيث لا يتوهّم أحد أنّ رسول الله قد أبقى شيئاً من الوحي لم يبلِّغه.
لأنّه لو ترك شيئاً منه لم يبلّغه لكان ذلك ممّا أنزل إليه ولم يَقَع تبليغه، وإذ قد كانت هذه الآية من آخر ما نَزَل من القرآن علمنا أنّ من أهمّ مقاصدها أنّ الله أراد قطْع تخرّص من قد يزعمون أنّ الرسول قد استبقى شيئاً لم يبلِّغه، أو أنّه قد خصّ بعض النّاس بإبلاغ شيء من الوحي لم يبلِّغه للنّاس عامّة.
فهي أقطع آية لإبطال قول الرافضة بأنّ القرآن آكثرُ ممّا هو في المصحف الّذي جمَعه أبو بكر ونسخَه عثمان، وأنّ رسول الله اختصّ بكثير من القرآن عليّاً بن أبي طالب وأنّه أورثه أبناءه وأنّه يبلُغ وقرَ بعير، وأنّه اليوم مختزن عند الإمام المعصوم الّذي يلقّبه بعض الشيعة بالمهدي المنتظر وبالوصيّ.
وكانت هذه الأوهام ألَمَّتْ بأنفس بعض المتشيّعين إلى عليّ رضي الله عنه في مدّة حياته، فدعا ذلك بعض النّاس إلى سؤاله عن ذلك.
روى البخاري أنّ أبا جُحَيْفة سأل عليّاً: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن وما ليس عند النّاس، فقال: «لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن إلاّ فهما يُعطَى رجل في كتاب الله وما في الصحيفة، قلت: وما في الصّحيفة، قال: العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر».
وحديث مسروق عن عائشة الّذي سنذكره ينبئ بأنّ هذا الهاجس قد ظهر بين العامّة في زمانها.
وقد يخُصّ الرّسولُ بعض النّاس ببيان شيء من الأحكام ليس من القرآن المنزّل إليه لحاجة دعت إلى تخصيصه، كما كَتب إلى عليّ ببيان العَقْل، وفَكَاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر، لأنّه كان يومئذٍ قاضياً باليمن، وكما كتب إلى عمرو بن حزم كتاب نصاب الزّكاة لأنّه كان بعثه لذلك، فذلك لا ينافي الأمر بالتّبليغ لأنّ ذلك بيان لما أنزل وليس عين ما أنزل، ولأنّه لم يقصد منه تخصيصه بعلمه، بل قد يخبر به من تدعو الحاجة إلى علمه به، ولأنّه لمّا أمَرَ مَنْ سَمِع مقالته بأن يَعيها ويؤيّديها كمَا سمعها، وأمَر أن يبلِّغ الشّاهدُ الغائبَ، حصل المقصود من التّبليغ؛ فأمّا أن يدع شيئاً من الوحي خاصّاً بأحد وأن يكتمه المودع عنده عن النّاس فمعاذَ الله من ذلك.
وقد يَخُصّ أحداً بعلم ليس ممّا يرجع إلى أمور التّشريع، من سرّ يلقيه إلى بعض أصحابه، كما أسرّ إلى فاطمة رضي الله عنْها بأنّه يموت يومئذٍ وبأنّها أوّلُ أهله لحاقاً به.
وأسرّ إلى أبي بكر رضي الله عنه بأنّ الله أذِنَ له في الهجرة.
وأسرّ إلى حذيفة خبر فتنة الخارجين على عثمان، كما حدّث حذيفةُ بذلك عمرَ بن الخطّاب.
وما روي عن أبي هريرة أنّه قال: حَفِظت من رسول الله وِعائيْن، أمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع منّي هذا البلعوم.
ومن أجل ذلك جزمنا بأن الكتاب الّذي هَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته للنّاس، وهو في مرض وفاته، ثمّ أعرض عنه، لم يكن فيما يرجع إلى التشريع لأنّه لو كان كذلك لمَا أعرض عنه والله يقول له: ﴿ بَلّغْ ما أنزِل إليك من ربّك ﴾ .
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت لمَسْروق: «ثلاث من حدّثك بهن فقد كذبَ، من حدّثك أنّ محمّداً كتم شيئاً ممّا أنزل عليه فقد كذَب، والله يقول: ﴿ يأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فمّا بلغت رسالاته ﴾ الحديث.
وقوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته ﴾ جاء الشّرط بإنْ الّتي شأنها في كلام العرب عدم اليقين بوقوع الشرط، لأنّ عدم التّبليغ غيرُ مظنون بمحمدّ صلى الله عليه وسلم وإنّما فُرض هذا الشّرط ليبني عليه الجوابُ، وهو قوله: ﴿ فمَا بَلَّغْتَ رسالاته ﴾ ، ليستفيق الّذين يرجون أن يسكت رسول الله عن قراءة القرآن النّازل بفضائحهم من اليهود والمنافقين، وليبكت من علم الله أنّهم سيفترون، فيزعمون أنّ قُرآناً كثيراً لم يبلّغه رسول الله الأمَّةَ.
ومعنى ﴿ لم تفعل ﴾ لم تفعل ذلك، وهو تبليغ ما أنزل إليك.
وهذا حذف شائع في كلامهم، فيقولون: فإن فعلت، أو فإن لم تَفعل.
قال تعالى: ﴿ ولا تَدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فَعَلْتَ فإنّك إذاً من الظّالمين ﴾ [يونس: 106] أي إن دعوتَ ما لا ينفعك، يَحذفون مفعول فعلتَ ولم تَفْعَل لدلالة ما تقدّم عليه، وقال تعالى: ﴿ فإن لم تَفْعَلوا ولن تفعلوا ﴾ في سورة [البقرة: 24].
وهذا ممّا جرى مجرى المثل فلا يتصرّف فيه إلاّ قليلاً ولم يتعرّض له أيمّة الاستعمال.
ومعنى تَرَتّب هذا الجواب على هذا الشّرط أنّك إنْ لم تُبلّغ جميع ما أنزل إليك فتركت بعضه كنت لم تبلّغ الرّسالة، لأنّ كتم البعض مثل كتمان الجميع في الاتّصاف بعدم التّبليغ، ولأنّ المكتوم لا يدري أن يكون في كتمانه ذهاب بعض فوائد ما وقع تبليغه، وقد ظهر التّغاير بين الشّرط وجوابه بما يدفع الاحتياج إلى تأويل بناء الجواب على الشّرط، إذ تقدير الشّرط: إنْ لم تبلّغ مَا أنزل، والجزاءُ، لم تُبلّغ الرّسالة، وذلك كاففٍ في صحّة بناءِ الجواب على الشرط بدون حاجة إلى ما تأوّلوه ممّا في الكشاف } وغيره.
ثمّ يعلم من هذا الشّرط أنّ تلك منزلة لا تليق بالرسل، فينتج ذلك أنّ الرسول لا يكتم شيئاً ممّا أرسل به.
وتظهر فائدة افتتاح الخطاب ب ﴿ يأيّها الرسول ﴾ للإيماء إلى وجه بناء الخبر الآتي بعده، وفائدة اختتامه بقوله: ﴿ فما بلّغتَ رسالته ﴾ .
وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر ﴿ رسَالاته ﴾ بصيغة الجمع.
وقرأه الباقون ﴿ رِسالته ﴾ بالإفراد.
والمقصود الجنس فهو في سياق النّفي سواء مفرده وجمعهُ.
ولا صحّة لقول بعض علماء المعاني استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، وأنّ نحو: لا رجال في الدار، صادق بما إذا كان فيها رجلان أو رجل واحد، بخلاف نحو لا رجُلَ في الدّار.
ويظهر أنّ قراءة الجمع أصرح لأنّ لفظ الجمع المضاف من صيغ العموم لا يحتمل العهد بخلاف المفرد المضاف فإنّه يحتمل الجنس والعهد، ولا شكّ أن نفي اللّفظ الّذي لا يحتمل العهد أنصّ في عموم النّفي لكن القرينة بيّنت المراد.
وقوله: ﴿ والله يعصمك من النّاس ﴾ افتتح باسم الجلالة للاهتمام به لأنّ المخاطب والسّامعين يترقّبون عقب الأمر بتبليغ كلّ ما أنزل إليه، أن يلاقي عنتاً وتكالباً عليه من أعدائه فافتتح تطمينه بذكر اسم الله، لأنّ المعنى أنّ هذا ما عليك.
فأمّا ما علينا فالله يعصمك، فموقع تقديم اسم الجلالة هنا مغن عن الإتيان بأمَّا.
على أنّ الشيخ عبد القاهر قد ذكر في أبواب التّقديم من «دلائل الإعجاز» أنّ ممَّا يحسن فيه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي ويكثرُ؛ الوعدُ والضّمانُ، لأنّ ذلك ينفي أن يشكّ من يُوعَد في تمام الوعد والوفاءِ به فهو من أحوج النّاس إلى التّأكيد، كقول الرّجل: أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر آه.
ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف ﴿ وأنَا به زعيم ﴾ [يوسف: 72].
فقوله: والنّاس} في الآية مراد به الكفّار من اليهود والمنافقين والمشركين، لأنّ العصمة بمعنى الوقاية تؤذن بخوف عليه، وإنّما يَخاف عليه أعداءَه لا أحبّاءه، وليس في المؤمنين عدوّ لرسوله.
فالمراد العصمة من اغتيال المشركين، لأنّ ذلك هو الّذي كان يهمّ النّبيء صلى الله عليه وسلم إذ لو حصل ذلك لتعطّل الهدي الّذي كان يحبّه النّبيء للنّاس، إذ كان حريصاً على هدايتهم، ولذلك كان رسول الله، لمّا عرض نفسه على القبائل في أوّل بعثته، يقول لهم «أنْ تمنعوني حتّى أبيّنَ عننِ الله ما بعثني به أو حتّى أبلِّغ رسالات ربّي» فأمّا ما دون ذلك من أذى وإضرار فذلك ممّا نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون ممّن أوذي في الله: فقد رماه المشركون بالحجارة حتّى أدْموه وقد شُجّ وجهه.
وهذه العصمة الّتي وُعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكرّر وعدُه بها في القرآن كقوله: ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ [البقرة: 137].
وفي غير القرآن، فقد جاء في بعض الآثار أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر وهو بمكّة أنّ الله عَصمه من المشركين.
وجاء في الصّحيح عن عائشة أنّ رسول الله كان يُحرس في المدينة، وأنّه حَرَسه ذَاتَ ليلة سعدُ بن أبي وقّاص وحذيفة وأنّ رسول الله أخرَج رأسهُ من قُبّة وقال لهم: «الحَقُوا بملاحقكم فإنّ الله عصمني»، وأنّه قال في غزوة ذات الرقاع سنة ستّ للأعرابي غَوْرَثٍ بننِ الحارث الّذي وجد رسول الله نائماً في ظلّ شجرة ووجد سيفَه معلّقاً فاخترطه وقال للرسول: مَن يمنعك منّي، فقال: اللّهُ، فسقَط السيف من يد الأعرابي.
وكلّ ذلك كان قبل زمن نزول هذه الآية.
والَّذين جعلوا بعض ذلك سبباً لنزول هذه الآية قد خلطوا.
فهذه الآية تثبيت للوعد وإدامة له وأنّه لا يتغيّر مع تغيّر صنوف الأعداء.
ثمّ أعقبه بقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوْمَ الكافرين ﴾ ليتبيّن أنّ المراد بالنّاس كفّارهم، وليؤمي إلى أنّ سبب عدم هدايتهم هو كفرهم.
والمراد بالهداية هنا تسديد أعمالهم وإتمام مرادهم، فهو وعد لرسوله بأنّ أعداءه لا يزالون مخذولين لا يهتدون سبيلاً لكيدِ الرّسول والمؤمنين لطفاً منه تعالى، وليس المراد الهداية في الدّين لأنّ السياق غير صالح له.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَسُولِهِ تَبْلِيغَ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ سَواءٌ كانَ حُكْمًا، أوْ حَدًّا، أوْ قِصاصًا، فَأمّا تَبْلِيغُ غَيْرِهِ مِنَ الوَحْيِ فَتَخْصِيصُ وُجُوبِهِ: بِما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ دُونَ غَيْرِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ يَعْنِي إنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ لِأنَّهُ [يَكُونُ]، غَيْرَ مُمْتَثِلٍ لِجَمِيعِ الأمْرِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ فِيما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ حَقَّ رِسالَتِهِ فِيما كَلَّفَكَ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ اسْتِشْعارَ النَّصْرِ يَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ بَلِّغْ ما أنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ بَلاغًا يُوجِبُ الِانْقِيادَ إلَيْهِ بِالجِهادِ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ما يَقُودُ إلَيْهِ مِنَ الجِهادِ عَلَيْهِ فَما بَلَّغْتَ ما عَلَيْكَ مِن حَقِّ الرِّسالَةِ إلَيْكَ.
﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي أنْ يَنالُوكَ بِسُوءٍ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ نَزَلَ مَنزِلًا في سَفَرِهِ واسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ يَقِيلُ تَحْتَها، فَأتاهُ أعْرابِيٌّ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ قالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَقالَ: اللَّهُ، فَرَعَدَتْ يَدُ الأعْرابِيِّ وسَقَطَ سَيْفُهُ وضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتّى انْتَثَرَ دِماغُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ »، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَهابُ قُرَيْشًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَرَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأخْرَجَ النَّبِيُّ رَأسَهُ مِنَ القُبَّةِ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ.
» ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا يُعِينُهم عَلى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ.
الثّانِي: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزل ﴿ يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع عليّ الناس؟، فنزلت ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ أن علياً مولى المؤمنين ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة.
أنه قال لعلي هل عندكم شيء لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس؟
فقال: ألم تعلم أن الله قال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء.
أما قوله تعالى: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ .
أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟
فقال «كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركوا العرب وافناء الناس في الموسم، فنزل عليّ جبريل فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ﴾ قال: فقمت عند العقبة، فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، وتنجحوا ولكم الجنة.
قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي ويقولون: كذاب صابئ، فعرض عليّ عارض فقال: يا محمد، إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك» ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه، قال: الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ [ القصص: 56] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فأخرج رأسه من القبة فقال: «أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فذهب ليبعث معه فقال: يا عم، إن الله قد عصمني حاجة لي إلى من تبعث» .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يحرسونه، فقال: يا عم، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتى نزلت آية العصمة ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال: «كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فترك الحرس» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: «لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال غورث بن الحرث: لأقتلن محمداً فقال له أصحابه: كيف تقتله؟
قال: أقول له أعطيني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به.
فأتاه فقال: يا محمد، اعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ الآية» .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يمنعني منك، ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ » .
وأخرج أحمد عن جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الم ترع؟..
ولو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجت فقال: «والله لا يدع الله عقبي للناس ما صاحبتهم» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني إن ربي قد عصمني» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فخرج فقال: يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني من الناس» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس يحارسه أصحابه حتى أنزل الله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس» .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه اعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟
قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه، فأنزل الله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً، فأنزل الله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ فاستلقى، ثم قال: من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثاً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك...
﴾ الآية.
فخرج إليهم فقال: لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ الآية، روى الحسن أن النبي قال: "إن الله بعثني برسالته، وضقت به ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذّبي" وكان يهاب قريشًا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية (١) يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة، ويخفي بعضه إشفاقًا على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعزه الله وأيده بالمؤمنين قال له: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ (٢) وقال أبو إسحاق: أي لا تراقبن أحدًا ولا تتركن شيئًا مما أنزل إليك تخوفًا من أن ينالك مكروه (٣) (٤) ﴿ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرًا به، فإن أخفيت منه شيئًا في وقت لخوف يلحقك فما بلغت رسالته، فذلك وله: ﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ (٥) قال ابن عباس: يقول إن كتمت آية مما أنزلت عليك لم تبلغ رسالاتي (٦) (٧) ا: "من زعم أن رسول الله كتم شيئًا من الوحي، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ﴾ ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم قوله تعالى: ﴿ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ " (٨) قال مقاتل بن حبان: هذا تحريض من الله نبيه على تبليغ الرسالة (٩) وقال مجاهد: لما نزلت ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ قال: "يا رب كيف أصنع؟
أنا واحد، أخاف أن يجتمعوا علي" فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (١٠) فكل هذه الأقوال في تفسير هذه الآية تدل على أن النبي كان يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفار، فكان لا يجاهرهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، حتى أمنه الله تعالى بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، واختلفوا في قوله: ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ فقرىء (رسالته) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ فوقع الاسم الواحد على الجمع كما يقع على الواحد، فكذلك الرسالة (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر أو قهر (١٧) يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ وكان سعدٌ وحذيفة يحرسانه، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم وقال: "انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" (١٨) وقال الزجاج في قوله: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ : أي يحول بينهم وبين أن يصيبك منهم مكروه (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لا يرشد من كذبك وأعرض عن ذكري (٢١) مثل ما روى الحسن، وهو أن رسول الله "قال: "بعثني الله برسالاته، فضقت بها ذرعًا، فأَوحَى إلى: "إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة" (٢٢) (١) انظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 204، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 396، "الدر المنثور" 2/ 528، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن الحسن.
(٢) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، 209.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، انظر: "زاد المسير" 2/ 397.
(٤) أي الزجاج وابن الأنباري.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 79.
(٦) أخرجه الطبري 6/ 307، وانظر: "تفسير الوسيط" 2/ 209، "زاد المسير" 2/ 397.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 309، "بحر العلوم" 1/ 449، "النكت والعيون" 2/ 53، "تفسير البغوي" 3/ 79.
(٨) أخرجه البخاري (4612) كتاب التفسير، باب: يا أيها الرسول بلغ، بنحوه، وبلفظه مسلم (177) كتاب الإيمان: باب 77 معنى قول الله عز وجل ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ ، ولكن دون: "ولو كنتم ...
"، "تفسير الطبري" 6/ 309.
(٩) بمعناه في تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 492.
(١٠) أخرجه الطبري 6/ 307.
(١١) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي "ابن كثير" وحفص عن عاصم.
انظر: "الحجة" 3/ 239.
(١٢) تكرر هذا الحرف في (ج).
(١٣) قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر عن عاصم.
انظر: "الحجة" 3/ 239.
(١٤) في (ج): (أنزله) بالتذكير.
(١٥) انظر: "الحجة" 3/ 245.
(١٦) "الحجة" 3/ 245، 246.
(١٧) انظر: "النكت والعيون" 2/ 53.
(١٨) أخرجه بنحوه الترمذي (3046) كتاب: التفسير، باب: من تفسير سورة المائدة، "تفسير الطبري" 6/ 308، وعزاه في "الدر المنثور" 2/ 529 أيضًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192.
(٢٠) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 79، "زاد المسير" 2/ 397.
(٢١) "تفسير الوسيط" 2/ 210، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 449، "النكت والعيون" 2/ 54، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 119.
(٢٢) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال، لأنه كان قد بلغ وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ هذا وعيد على تقدير عدم التبليغ، وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان: أحدهما أن المعنى إن تركت منه شيئاً، فكأنك لم تبلغ شيئاً، وصار ما بلغت لا يعتد به، فمعنى إن لم تفعل: إن لم تستوف التبليغ على الكمال، والآخر أن المعنى إن لم تبلغ الرسالة وجب عليك عقاب من كتمها، ووضع السبب موضع المسبب ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ وعد وضمان للعصمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته وغيره، فلما نزلت هذه الآية قال: يا أيها الناس انصرفوا فإن الله قد عصمني وترك الاحتراس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.
الباقون بنصب الطاغوت على أن.
﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.
﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .
الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .
﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.
﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .
﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .
﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.
﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.
نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.
وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.
والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟
وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.
ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.
وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.
ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.
ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.
ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.
وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.
والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.
قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟
فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.
واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.
قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى .
ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.
أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.
قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.
وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.
وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.
والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.
وقيل: هو الأحبار.
والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله .
وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.
قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.
وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.
﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.
كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.
وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.
وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.
والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.
وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.
ونفى أن يكون من النبي في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.
وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.
﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.
الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.
وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.
وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.
ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.
ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.
وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.
وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.
وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.
وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.
وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.
وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.
والجواب أن الله صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.
وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.
وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.
وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.
وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.
وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.
قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.
وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.
﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.
ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.
ثم إنه ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.
يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.
وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.
والمعنى سلب كمال القدرة.
وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال : ﴿ بيده عقدة النكاح ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.
ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.
وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.
وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.
وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.
ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.
﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.
وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.
وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.
وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.
ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.
﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.
﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.
ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.
والحاصل أنه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.
ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.
﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.
ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .
وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.
وروي "أنه نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟
فقال: الله.
فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.
وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ سكت رسول الله عن عيب آلهتهم فنزلت.
أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.
وقيل: إنه لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.
قال: هل بلغت؟
قالوا: نعم.
فقال : "اللهم اشهد" .
فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.
وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .
وقالت عائشة "سهر رسول الله ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟
قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.
قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟
قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.
فنام رسول الله حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .
وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.
فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس" .
ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.
ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟
فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.
أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .
فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟
فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.
أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.
ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.
ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.
يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.
ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.
وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟
فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.
وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.
وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.
فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.
التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.
﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.
الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.
﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.
ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.
﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.
ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.
من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.
فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.
فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.
وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.
يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.
فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه.
كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة.
أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذِّبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك.
أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت.
أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمراً بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .
أي: وإن [لم] تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأساً.
لم يعذر نبيه في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه.
ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر إبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئناً بالإيمان.
وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ ، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن لم تبلغ فيما مضى.
أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
فيه دليل إثبات رسالته لأنه - عز وجل - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله - -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ : كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعاً، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله .
وعن عائشة - ا -: "كان النبي ليحرس، فلما نزل قوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ قال: "انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ" ؛ فانصرفوا.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .
لا يُبْتَدَأُ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعُوْا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، أو ما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ ، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.
وقال غيره: [قوله - -]: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ بالشهادة والتصديق لما فيهما.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...
﴾ : حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته ، وتبينوه للناس ولا تكتموه.
وهو وما ذكرنا واحد.
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا - أيضاً - ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : قد ذكرنا هذا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ : القرآن في أمر الرجم والقصاص ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ هو ما أمر الله نبيه أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...ِ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.
وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية.
﴿ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُمْ؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر ﴾ .
تأويل الآية - والله أعلم -: [وإن اختلفت] أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا بالله وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.
قوله : ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .
قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُلٌّ به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ .
ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله - - ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخره؛ وكقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ كان من الله لهم عهد [ومنهم لله عهد]، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .
في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ : منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه - - قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر.
ويحتمل قوله: ﴿ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: فريقاً قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قوله : ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم.
وقال ابن عباس - -: "ألا يكون شرك".
وقيل: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ : ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ إلى قوله : ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [الإسراء: 6]؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ...
﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الرسول أخبر بما أُنْزِلَ إليك من ربك كاملًا، ولا تكتم منه شيئًا، فإن كتمت منه شيئًا فما أنت بمبلِّغ رسالة ربك (وقد بَلَّغَ رسول الله كل ما أُمِرَ بتبليغه، فمن زعم خلاف ذلك فقد أعظم الفِرْية على الله)، والله يحميك من الناس بعد اليوم، فلا يستطيعون الوصول إليك بسوء، فما عليك إلا البلاغ، والله لا يوفق للرشد الكافرين الذين لا يريدون الهداية.
<div class="verse-tafsir" id="91.NwEvj"