الآية ٦٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٨ من سورة المائدة

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : قل يا محمد : ( يا أهل الكتاب لستم على شيء ) أي : من الدين ( حتى تقيموا التوراة والإنجيل ) أي : حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء ، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه ، والاقتداء بشريعته ; ولهذا قال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد في قوله : ( وما أنزل إليكم من ربكم ) يعني : القرآن العظيم .

وقوله : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) تقدم تفسيره ( فلا تأس على القوم الكافرين ) أي : فلا تحزن عليهم ولا يهيدنك ذلك منهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره.

يقول تعالى ذكره له: " قل "، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى=" يا أهل الكتاب "، التوراة والإنجيل=" لستم على شيء "، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى=" حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم "، مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّبوا بشيء منه، ولا تفرِّقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأنّ كتب الله يصدِّق بعضها بعضًا، فمن كذَّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.

12284 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلام بن مِشْكم، (33) ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، (34) فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، &; 10-474 &; وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخِذَ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم!

قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك!

فأنـزل الله تعالى ذكره: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .

(35) 12285 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم "، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب=" التوراة "، لليهود، و " الإنجيل "، للنصارى،" وما أنـزل إليكم من ربكم "، وما أنـزل إلينا من ربنا= أي: " لستم على شيء حتى تقيموا "، حتى تعملوا بما فيه.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنـزلته إليك، يا محمد (36) =" طغيانًا "، يقول: تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نـزول الفرقان=" وكفرًا " يقول: وجحودًا لنبوتك.

(37) وقد أتينا على البيان عن معنى " الطغيان "، فيما مضى قبل.

(38) * * * وأما قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، يعني بقوله: (39) " فلا تأس "، فلا تحزن.

* * * يقال: " أسِيَ فلان على كذا "، إذا حزن " يأسَى أسىً"،، ومنه قول الراجز: (40) وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى (41) * * * يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن، يا محمد، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 12286 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، قال: الفرقان= يقول: فلا تحزن.

12287 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، قال: لا تحزن.

--------------- الهوامش : (33) في المطبوعة والمخطوطة: "سلام بن مسكين" ، ولم أجد هذا الاسم فيمن كان من يهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعروف هو ما أثبته وهو الموجود في هذا الخبر في سيرة ابن هشام.

(34) في المطبوعة: "...

بن حرملة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.

(35) الأثر: 12284- سيرة ابن هشام 2: 217 ، وهو تابع الآثار التي مضت رقم: 2101 ، 2102 ، 12219.

(36) "الكتاب" فاعل قوله: "ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود...".

(37) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.

(38) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف ص: 457 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(39) في المطبوعة: "يعبي يقول" ، والصواب من المخطوطة.

(40) هو العجاج.

(41) ديوانه: 31 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171 ، والكامل 1: 352 ، واللسان (حلب) (كرس) ، وهو من رجزه المشهور ، مضى أوله في هذا التفسير 1: 509 ، يقول: يَـا صَـاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا? قَــالَ: نَعَــمْ!

أَعْرِفُــهُ!

وَأَبْلَسَـا وَانْحَـلَبَتْ عَيْنَـاهُ مِـنْ فَـرْطِ الأَسَـى ومضى شرح البيتين الأولين.

و"انحلبت عيناه" و"تحلبتا": سال دمعهما وتتابع.

وكان في المطبوعة: "وأنحلت" ، خالف ما في المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، فأتى بما لا يعرف.

فجاء بعض من كتب على هذا البيت وصححه فكتب"وأبخلت" وقال: "معنى: أبخلت: وجدتا بخيلتين بالدمع لغلبة الحزن عليه ، أي أنه من شدة حزنه لم يبك ، وإنما جمدت عيناه" ، فأساء من وجوه: ترك مراجعة الشعر ومعرفته ، واجتهد في غير طائل ، وأتى بكلام سخيف جدًا!

والله المستعان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين[ ص: 181 ] فيه ثلاث مسائل :الأولى : قال ابن عباس : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تقر أن التوراة حق من عند الله ؟

قال : بلى .

فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها ; فنزلت الآية ; أي : لستم على شيء من الدين حتى تعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام ، والعمل بما يوجبه ذلك منهما ; وقال أبو علي : ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما .الثانية : قوله تعالى : وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا أي : يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم ، والطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه ، وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة ، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى ، ومنه قوله تعالى : كلا إن الإنسان ليطغى أي : يتجاوز الحد في الخروج عن الحق .الثالثة : قوله تعالى : فلا تأس على القوم الكافرين أي : لا تحزن عليهم .

أسى يأسى أسى إذا حزن .

قال :وانحلبت عيناه من فرط الأسىوهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بنهي عن الحزن ; لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن .

وقد مضى هذا المعنى في آخر ( آل عمران ) مستوفى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: { لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ْ} من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم { حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ْ} أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه.

{ و ْ} تقيموا { ما أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ ْ} الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل أجلَّ إنعامه إنزالَ الكتب إليكم.

فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده.

{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) أي : تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما ، ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس ) فلا تحزن ، ( على القوم الكافرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل يا أهل الكتاب لستم على شيء» من الدين معتد به «حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم» بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي «وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك» من القرآن «طغيانا وكفرا» لكفرهم به «فلا تأس» تحزن «على القوم الكافرين» إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: إنكم لستم على حظٍّ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وما جاءكم به محمد من القرآن، وإن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا، فهم يحسدونك؛ لأن الله بعثك بهذه الرسالة الخاتمة، التي بَيَّن فيها معايبهم، فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم لك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه .

أمره - سبحانه - أن يصارح أهل الكتاب بما هم عليه من باطل وأن يدعوهم إلى اتباع الحق الذي جاء به فقال - تعالى - :( قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ .

.

.

)قال الآلوسي : أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس قال : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من الله حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمكرم أن تبينوه للناس فبرئت من أحداثكم .

قالوا : فإن لم تأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل الله ( قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ ) الآية .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين امتدت أيديهم إلى كتبهم بالتغيير والتبديل .

قل لهم ( قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ ) يعتدبه من الدين أو العلم أو المروءة ( حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ) .أي : لستم على شيء يقام له وزن من أمر الدين حتى تعملوا بما جاء في التوراة والإِنجيل من أقوال تبشر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى تؤمنوا بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن الكريم يهدي إلى الرشد : لأنكم مخاطبون به ، ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه ، ومحاسبون حساباً عسيراً على الكفر به ، وعدم الإِذعان لما اشتمل عليه .والتعبير بقوله - تعالى - ( لَسْتُمْ على شَيْءٍ ) فيه ما فيه من الاستخفاف بهم ، والتهوين من شأنهم ، أي : لستم على شيء يعتد به ألبته من أمر الدين .

وذلك كما يقول القائل عن أمر من الأمور : هذا الأمر ليس بشيء يريد تحقيره وتصغير شأنه .

وفي الأمثال ، أقل من لا شيء .فالجملة الكريمة تنفي عنهم أن يكون في أيديهم شيء من الحق والصواب ما داموا لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به التوراة والإِنجيل وأنزل الله عليه القرآن وهو الكتاب المهيمن على الكتب السماوية السابقة .وقوله : ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ) جملة مستأنفة مبينة لغلوهم في العناد والجحود ، وناعية عليهم عدم انتفاعهم بما يشفي النفوس ، ويصلح القلوب والضمير في قوله ( منهم ) يعود إلى أهل الكتاب .أي : وإن ما أنزلناه إليك يا محمد من هدايات وخيرات ليزيدن هؤلاء الضالين من أهل الكتاب طغيانا على طغيانهم .

وكفراً على كفرهم؛ لأن نفوسهم لا تميل إلى الحق والخير وإنما تنحدر نحو الباطل والشر .وقوله : ( فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين ) تذييل قصد به تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والفاء للإِفصاح .

والأسى : الحزن .

يقال : أسى فلان على كذا يأٍى أسى إذا حزن .أي : إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلا تحزن عليهم ، ولا تتأسف على القوم الكافرين؛ فإنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وفي المؤمنين غني لك عنهم .وليس المراد نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن والأسى ، لأنهما أمران طبيعيان لا قدرة للإِنسان عن صرفهما ، وإنما المراد نهيه عن لوازمهما ، كالإِكثار من محاولة تجديد شأن المصائب وتعظيم أمرها وبذلك تتجدد الآلام ويحزن القلب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وأعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام وإن كان مما يشق عليهم جداً فقال: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ لَسْتُمْ على شَيء ﴾ من الدين ولا في أيديكم شيء من الحق والصواب، كما تقول: هذا ليس بشيء إذا أردت تحقيره وتصغير شأنه.

وقوله: ﴿ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً ﴾ وهذا مذكور فيما قبل، والتكرير للتأكيد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين ﴾ وفيه وجهان: الأول: لا تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ولا إلى المؤمنين.

الثاني: لا تتأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم، فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك، روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود وقالوا: يا محمد ألست تقر أن التوراة حق من الله تعالى؟

قال بلى، قالوا: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها، فنزلت هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَسْتُمْ على شَيْء ﴾ أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه.

وفي أمثالهم: أقل من لا شيء ﴿ فَلاَ تَأْسَ ﴾ فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى شَيْئًا لِأنَّهُ باطِلٌ.

﴿ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ومِن إقامَتِها الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  والإذْعانُ لِحُكْمِهِ، فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ بِأسْرِها آمِرَةٌ بِالإيمانِ بِمَن صَدَّقَهُ والمُعْجِزَةُ ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُ، والمُرادُ إقامَةُ أُصُولِها وما لَمْ يُنْسَخْ مِن فُرُوعِها.

﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لاحِقٌ بِهِمْ لا يَتَخَطّاهم وفي المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)

{قل يا أهل الكتاب لستم على شيءٍ} على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لبطلانه {حتّى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم مّن رَّبِّكمْ} يعني القرآن {وليزيدنّ كثيراً مّنهم مّآ أنزل إليك من رّبّك طغياناً وكفراً} إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب {فلا تأس على القوم الكافرين} فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ ﴾ إلى الثَّقَلَيْنِ كافَّةً، وهو نِداءُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ مِنَّةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، وكَرامَتُهُ الكُبْرى، وفي هَذا العُنْوانِ إيذانٌ أيْضًا بِما يُوجِبُ الإتْيانَ بِما أُمِرَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.

﴿ بَلِّغْ ﴾ أيْ أوْصِلِ الخَلْقَ ﴿ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ كائِنًا ما كانَ ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِكَ ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ، وفِيهِ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكِلاءَتِهِ، أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقَبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا ﴿ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ أيْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ ﴿ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ أيْ فَما أدَّيْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ؛ لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها يُضَيِّعُ ما أُدِّيَ مِنها - كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ - فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يُنْتَقَضُ بِهِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِنَفْيِ أوْلَوِيَّةِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِالأداءِ بِأنَّ الأوْلَوِيَّةَ ثابِتَةٌ بِاعْتِبارِ الوُجُوبِ قَطْعًا وظَنًّا، وجَلاءً وخَفاءً، أصْلًا وفَرْعًا، وأجابَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نَفى الأوْلَوِيَّةَ نَظَرًا إلى أصْلِ الوُجُوبِ، وأيْضًا إنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى المُبَلَّغِ والكَلامِ في التَّبْلِيغِ، وهو غَيْرُ مُخْتَلَفِ الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ نَظَرًا إلى ذاتِهِ، ثُمَّ كِتْمانُ البَعْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ إلى ما في المُبَلَّغِ مِنَ المَصْلَحَةِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ أصْلًا، فَلَمْ يُبَلِّغْ، وإنْ أعْلَمَ النّاسَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّهُ مُخْبِرٌ إذْ ذاكَ لا مُبَلِّغٌ، ونُوقِشَ في التَّعْلِيلِ الثّانِي بِأنَّ الصَّلاةَ اعْتَبَرَها الشّارِعُ أمْرًا واحِدًا بِخِلافِ التَّبْلِيغِ، وهي مُناقَشَةٌ غَيْرُ وارِدَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ألْزَمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبْلِيغَ الجَمِيعِ، فَقَدْ جَعَلَها كالصَّلاةِ بِلا رَيْبٍ.

ومِمّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الشَّرْطِيَّةِ يُعْلَمُ أنَّ لا اتِّحادَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ومَنِ ادَّعاهُ بِناءً عَلى أنَّ المَآلَ إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ جَعَلَهُ نَظِيرَ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي.

حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ بِلا مَزِيدٍ في اللَّفْظِ، وشِعْرِي شِعْرِي المَشْهُورُ بَلاغَتُهُ، والمُسْتَفِيضُ فَصاحَتُهُ، ولَكِنَّهُ أخَبَرَ بِالسُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ الفائِدَةُ أنَّها مِن لَوازِمِ شِعْرِهِ في أفْهامِ النّاسِ السّامِعِينَ لِاشْتِهارِهِ بِها، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها وذِياعِها، وكَذَلِكَ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ: - أُرِيدَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النّاسِ، مُسْتَقِرٌّ في الأفْهامِ أنَّهُ عَظِيمٌ شَنِيعٌ يُنْعى عَلى مُرْتَكِبِهِ، ألا تَرى أنَّ عَدَمَ نَشْرِ العِلْمِ مِنَ العالِمِ أمْرٌ فَظِيعٌ؟!

فَكَيْفَ كِتْمانُ الرِّسالَةِ مِنَ الرَّسُولِ؟!

فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الزِّياداتِ الَّتِي يَتَفاوَتُ بِها الشَّرْطُ والجَزاءُ لِلُصُوقِها بِالجَزاءِ في الأفْهامِ، وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ عَدَمَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ فَهِمَ ما وراءَهُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وحُسِّنَ هَذا الأُسْلُوبُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ عامًّا، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ ) ولَمْ يَقِلْ: وإنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِّسالَةَ فَما بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ لِيَتَغايَرا لَفْظًا وإنِ اتَّحَدا مَعْنًى، وهَذا أحْسَنُ رَوْنَقًا وأظْهَرُ طَلاوَةً مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ الواحِدِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهَذِهِ الذُّرْوَةُ انْحَطَّ عَنْها أبُو النَّجْمِ بِذِكْرِ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِ الخَبَرِ، وحُقَّ لَهُ أنْ تَتَضاءَلَ فَصاحَتُهُ عِنْدَ فَصاحَةِ المُعْجِزِ، فَلا مَعابَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهُويَهْ في مُسْنَدِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في تَفْسِيرِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ»».

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: إنْ تَرَكْتَ تَبْلِيغَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ حُكِمَ عَلَيْكَ بِأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْ أصْلًا، وقِيلَ - ولَيْتَهُ ما قِيلَ - المُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ، وبِما في الجَوابِ بَقِيَّةُ المُعْجِزاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ، ونُسِبَ إلى الشِّيعَةِ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ البَعْضَ تَقِيَّةً.

وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ تَبْلِيغُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِدَ بِإنْزالِهِ اطِّلاعُهم عَلَيْهِ، وأمّا ما خُصَّ بِهِ مِنَ الغَيْبِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصالِحُ أُمَّتِهِ فَلَهُ - بَلْ عَلَيْهِ - كِتْمانُهُ، ورَوى السُّلَمِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ﴾ قالَ: أوْحى بِلا واسِطَةٍ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سِرًّا إلى قَلْبِهِ، ولا يَعْلَمُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ إلّا في العُقْبى حِينَ يُعْطِيهِ الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِهِ، وقالَ الواسِطِيُّ: ألْقى إلى عَبْدِهِ ما ألْقى، ولَمْ يُظْهِرْ ما الَّذِي أوْحى؛ لِأنَّهُ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَسْتُورًا، وما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ إلى الخَلْقِ كانَ ظاهِرًا، قالَ الطِّيبِيُّ: وإلى هَذا يُنْظَرُ مَعْنى ما رُوِّينا في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وِعاءَيْنِ: فَأمّا أحَدَهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ مِنِّي هَذا البُلْعُومُ»»، أرادَ عُنُقَهُ وأصْلُ مَعْناهُ مَجْرى الطَّعامِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ البُخارِيُّ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ عِلْمَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وعِلْمَ الحَقِيقَةِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ رَئِيسُ العارِفِينَ عَلِيٌّ زَيْنُ العابِدِينَ حَيْثُ قالَ: إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ ∗∗∗ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا فَرُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لى: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنًا ومِن ذَلِكَ عِلْمُ وِحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ طَوْرُ ما وراءِ طَوْرِ العَقْلِ، وقالُوا: إنَّهُ مِمّا تَعْلَمُهُ الرُّوحُ بِدُونِ واسِطَةِ العَقْلِ، ومِن هُنا قالُوا بِالعِلْمِ الباطِنِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باطِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أرْبابِ الأفْكارِ وذَوِي العُقُولِ المُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، لا المُتَجَرِّدِينَ العارِجِينَ إلى حَضائِرِ القُدْسِ، ورِياضِ الأنْوارِ.

وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ - رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ - في كِتابِهِ الدُّرَرِ المَنثُورَةِ في بَيانِ زُبَدِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمُ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا، وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامُهُ عَلى الأفْهامِ، حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلى فَهْمِي!

فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ، فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءَ ونَحْوَهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ؛ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ الخَلْقَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فاعْلَمْ ذَلِكَ، انْتَهى.

وقَدْ فَهِمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ تَبْلِيغَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَصالِحِ دُونَ ما يَشْمَلُ عِلْمَ الأسْرارِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ) دُونَ: ما تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ، وذَكَرَ أنَّ عِلْمَ الأسْرارِ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بِالوَحْيِ بَلْ بِطَرِيقِ الإلْهامِ والمُكاشَفَةِ، وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن لَفْظِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ ما يُرْسَلُ إلى الغَيْرِ.

وقَدْ أطالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - الكَلامَ في هَذا المَقامِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ وقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ: ««سَتَكُونُ فِتَنٌ، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها؟

قالَ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما فِيكم»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنْ عِلْمُنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ» .

وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنِّي لا أُحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ»».

وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وأعْلامُهُمْ، مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى إنَّ البَعْضَ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثَلاثًا وسِتِّينَ سَنَةً مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةً، وعَقَّبَها بِالتَّغابُنِ لِيَظْهَرَ التَّغابُنُ في فَقْدِهِ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كانَ تَبْلِيغُ القُرْآنِ تَبْلِيغًا لَهُ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّوْقِيفَ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ سِرًّا سِرًّا، وحُكْمًا حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِصَرِيحِ العِبارَةِ لِكُلِّ أحَدٍ، وكَمْ مِن سِرٍّ وحُكْمٍ نَبَّهَتْ عَلَيْهِما الإشارَةُ، ولَمْ تُبَيِّنْهُما العِبارَةُ، ومَن زَعَمَ أنَّ هُناكَ أسْرارًا خارِجَةً عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَلَقّاها الصُّوفِيَّةُ مِن رَبِّهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ، وجاءَ بِالضَّلالِ ابْنِ السَّبَهْلَلِ بِلا مِرْيَةٍ.

وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ مِنَ القُرْآنِ بِواسِطَةِ فَهْمٍ قُدْسِيٍّ، أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ الآخِذِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما صَحَّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «هَلْ عِنْدَكم كِتابٌ خَصَّكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟

قالَ: لا، إلّا كِتابٌ اللَّهِ تَعالى، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ - وكانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقَبْضَةِ سَيْفِهِ - قالَ: قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟

قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، ولا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».

ويُفْهَمُ مِنهُ - كَما قالَ القَسْطَلّانِيُّ - جَوازُ اسْتِخْراجِ العالِمِ مِنَ القُرْآنِ بِفَهْمِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا عَنِ المُفَسِّرِينَ إذا وافَقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ - عَلى ما أقُولُ - كُلُّهُ مِن هَذا القَبِيلِ، إلّا أنَّ بَعْضَ كَلِماتِهِمْ مُخالِفٌ ظاهِرُها لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ، لَكِنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى اصْطِلاحاتٍ فِيما بَيْنَهم إذا عُلِمَ المُرادُ مِنها يَرْتَفِعُ الغُبارُ، وكَوْنُهم مُلامِينَ عَلى تِلْكَ الِاصْطِلاحاتِ - لِقَوْلِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ««حَدِّثُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»» - أوْ غَيْرَ مُلامِينَ لِوُجُودِ داعٍ لَهم إلى ذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.

وقَرِيبٌ مِن خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلنّاسِ!

فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَوْداءَ في بَيْضاءَ.

وحَمْلُ وِعاءِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الَّذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلى عِلْمِ الأسْرارِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أخْبارُ الفِتَنِ وأشْراطِ السّاعَةِ، وما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن فَسادِ الدِّينِ عَلى أيْدِي أغُلَيْمَةٍ مِن سُفَهاءِ قُرَيْشٍ، وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ أنَّ أُسَمِّيَهم بِأسْمائِهِمْ لَفَعَلْتُ».

أوِ المُرادُ الأحادِيثُ الَّتِي فِيها تَعْيِينُ أسْماءِ أُمَراءِ الجَوْرِ وأحْوالِهِمْ وذَمِّهِمْ، وقَدْ كانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكَنِّي عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ولا يُصَرِّحُ؛ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُمْ، بِقَوْلِهِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن رَأْسِ السِّتِّينَ وإمارَةِ الصِّبْيانِ» يُشِيرُ إلى خِلافَةِ يَزِيدَ الطَّرِيدِ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَغْمِ أنْفِ أوْلِيائِهِ - لِأنَّها كانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَماتَ قَبْلَها بِسَنَةٍ.

وأيْضًا قالَ القَسْطَلّانِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وسِعَ أبا هُرَيْرَةَ كِتْمانُهُ مَعَ ما أخْرَجَ عَنْهُ البُخارِيُّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ، ولَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ » إلى آخِرِ ما قالَ، فَإنَّ ما تَلاهُ دالٌّ عَلى ذَمِّ كِتْمانِ العِلْمِ، لا سِيَّما العِلْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الأسْرارِ، فَإنَّ الكَثِيرَ مِنهم يَدِّعِي أنَّهُ لُبُّ ثَمَرَةِ العِلْمِ، وأيْضًا إنَّ أبا هُرَيْرَةَ نَفى بَثَّ ذَلِكَ الوِعاءِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ؟!

وأبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكْشِفْ مَسْتُورَهُ فِيما أعْلَمُ، فَمِن أيْنَ عُلِمَ أنَّ الَّذِي عَلِمَهُ هو هَذا؟!

ومَنِ ادَّعى فَعَلَيْهِ البَيانُ، ودُونَهُ قَطْعُ الأعْناقِ.

فالِاسْتِدْلالُ بِالخَبَرِ لِطَرِيقِ القَوْمِ فِيهِ ما فِيهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - نَعَمْ، لِلْقَوْمِ مُتَمَسَّكٌ غَيْرُ هَذا مُبِينٌ في مَوْضِعِهِ، لَكِنْ لا يُسَلَّمُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِمّا خَلا عَنْهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ، أوْ أنَّهُ أمْرٌ وراءَ الشَّرِيعَةِ، ومَن بَرْهَنَ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، فَقَدْ قالَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الأجْوِبَةِ المَرْضِيَّةِ عَنِ الفُقَهاءِ والصُّوفِيَّةِ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا المَرْصِفِيَّ يَقُولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ في مَقامِ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ حَتّى يَرى الحَقِيقَةَ مُؤَيِّدَةً لِلشَّرِيعَةِ، وأنَّ التَّصَوُّفَ لَيْسَ بِأمْرٍ زائِدٍ عَلى السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وإنَّما هو عَيْنُها.

وسَمِعْتُ سَيِّدِي عَلِيًّا الخَوّاصَ يَقُولُ مِرارًا: مَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ تَخالِفُ الشَّرِيعَةِ أوْ عَكْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ شَرِيعَةٌ تُخالِفُ حَقِيقَةً أبَدًا، حَتّى قالُوا: شَرِيعَةٌ بِلا حَقِيقَةٍ عاطِلَةٌ، وحَقِيقَةٌ بِلا شَرِيعَةٍ باطِلَةٌ، خِلافُ ما عَلَيْهِ القاصِرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والفُقَراءِ، وقَدْ يَسْتَنِدُ مَن زَعَمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والشَّرِيعَةِ إلى قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَطِيعُ المُخالِفُ مَعَهُ عَلى فَتْحِ شَفَةٍ.

ومِمّا نَقَلْنا عَنِ القَسْطَلّانِيِّ في خَبَرِ أبِي جُحَيْفَةَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ في الِاعْتِراضِ عَلى الصُّوفِيَّةِ، مِن أنَّ ما عِنْدَهم إنْ كانَ مُوافِقًا لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ فَهُما بَيْنَ أيْدِينا، وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُما فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.

والجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وكَوْنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بَيْنَ أيْدِينا لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إمْكانِ اسْتِنْباطِ شَيْءٍ مِنهُما بَعْدُ، ولا يَقْتَضِي انْحِصارَ ما فِيهِما فِيما عَلِمَهُ العُلَماءُ قَبْلُ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطِي اللَّهُ تَعالى لِبَعْضِ خَواصِّ عِبادِهِ فَهْمًا يُدْرِكُ بِهِ مِنهُما ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ، وحَيْثُ سُلِّمَ لِلْأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا اجْتِهادُهم واسْتِنْباطُهم مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ مَعَ مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَما المانِعُ مِن أنْ يُسَلَّمَ لِلْقَوْمِ ما فُتِحَ لَهم مِن مَعانِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خالَفَ ما عَلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ لَكِنْ لَمْ يُخالِفْ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ الصَّرِيحُ مِنَ الأُمَّةِ المَعْصُومَةِ؟!

وأرى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ عِلْمِ كُلٍّ في القَبُولِ والرَّدِّ تَحَكُّمًا بَحْتًا، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.

وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ المُرادَ بِـ( ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ) خِلافَةُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ رَوَوْا بِأسانِيدِهِمْ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَكانَ يَخافُ أنَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ؛ تَشْجِيعًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَهُ بِأدائِهِ».

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِوِلايَتِهِ، فَتَخَوَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولُوا: حابى ابْنَ عَمِّهِ، وأنْ يَطْعَنُوا في ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقامَ بِوِلايَتِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»».

وأخْرَجَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، عَنْ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُويَهْ، وابْنِ عَساكِرَ، راوِينَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ - إنَّ عَلِيًّا ولِيُّ المُؤْمِنِينَ - وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ»».

وخَبَرُ الغَدِيرِ عُمْدَةُ أدِلَّتِهِمْ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وقَدْ زادُوا فِيهِ - إتْمامًا لِغَرَضِهِمْ - زِياداتٍ مُنْكَرَةً، ووَضَعُوا في خِلالَهِ كَلِماتٍ مُزَوَّرَةً، ونَظَمُوا في ذَلِكَ الأشْعارَ، وطَعَنُوا عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِزَعْمِهِمْ أنَّهم خالَفُوا نَصَّ النَّبِيِّ المُخْتارِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ: عَجِبْتُ مِن قَوْمٍ أتَوْا أحَمَدا ∗∗∗ بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَها مَوْضِعُ قالُوا لَهُ: لَوْ شِئْتَ أعْلَمْتَنا ∗∗∗ إلى مَنِ الغايَةُ والمَفْزَعُ إذا تُوُفِّيتَ وفارَقْتَنا ∗∗∗ وفِيهِمْ في المُلْكِ مَن يَطْمَعُ فَقالَ: لَوْ أعْلَمْتُكم مَفْزَعًا ∗∗∗ كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أنْ تَصْنَعُوا كَصُنْعِ أهْلِ العِجْلِ إذْ فارَقُوا ∗∗∗ هارُونَ فالتَّرْكُ لَهُ أوْرَعُ ثُمَّ أتَتْهُ بَعْدَهُ عَزْمَةٌ ∗∗∗ مِن رَبِّهِ لَيْسَ لَها مَدْفَعُ أبْلِغْ وإلّا لَمْ تَكُنْ مُبَلِّغا ∗∗∗ واللَّهُ مِنهم عاصِمٌ يَمْنَعُ فَعِنْدَها قامَ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ كانَ بِما يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ يَخْطُبُ مَأْمُورًا وفي كَفِّهِ ∗∗∗ كَفُّ عَلِيٍّ نُورُها يَلْمَعُ رافِعَها أكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي ∗∗∗ يَرْفَعُ والكَفِّ الَّتِي تُرْفَعُ مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا لَهُ ∗∗∗ مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا ولَمْ يَقْنَعُوا لَهُ وظَلَّ قَوْمٌ غاظَهم قَوْلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما آنافُهم تُجْدَعُ حَتّى إذا وارَوْهُ في لَحْدِهِ ∗∗∗ وانْصَرَفُوا عَنْ دِينِهِ ضَيَّعُوا ما قالَ بِالأمْسِ وأوْصى بِهِ ∗∗∗ واشْتَرَوُا الضُّرَّ بِما يَنْفَعُ وقَطَّعُوا أرْحامَهم بَعْدَهُ ∗∗∗ فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِما قَطَّعُوا وأزْمَعُوا مَكْرًا بِمَوْلاهُمُ ∗∗∗ تَبًّا لِما كانُوا بِهِ أزْمَعُوا لا هم عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ ∗∗∗ غَدًا ولا هو لَهم يَشْفَعُ إلى آخَرِ ما قالَ، غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَثْرَتَهُ وأقالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْبارَ الغَدِيرِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالِاسْتِخْلافِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، ولا مُسَلَّمَةٌ لَدَيْهِمْ أصْلًا، ولْنُبَيِّنْ ما وقَعَ هُناكَ أتَمَّ تَبْيِينٍ ولْنُوَضِّحِ الغَثَّ مِنهُ والسَّمِينَ، ثُمَّ نَعُودُ عَلى اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالإبْطالِ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ الِاسْتِمْدادُ، وعَلَيْهِ الِاتِّكالُ.

فَنَقُولُ: إنِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ في مَكانٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ - قَرِيبٍ مِنَ الجُحْفَةِ يُقالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ، فَبَيَّنَ فِيها فَضْلَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبَراءَةَ عِرْضِهِ مِمّا كانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَن كانَ مَعَهُ بِأرْضِ اليَمَنِ بِسَبَبِ ما كانَ صَدَرَ مِنَ المَعْدَلَةِ الَّتِي ظَنَّها بَعْضُهم جَوْرًا وتَضْيِيقًا وبُخْلًا، والحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في ذَلِكَ، وكانَتْ يَوْمَ الأحَدِ ثامِنَ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُناكَ.

فَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ قالَ: ««لَمّا أقْبَلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنَ اليَمَنِ لِيَلْقى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ تَعَجَّلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واسْتَخْلَفَ عَلى جُنْدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَعَمَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَكَسا كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ البَزِّ الَّذِي كانَ مَعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَلَمّا دَنا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقاهُمْ، فَإذا عَلَيْهِمُ الحُلَلُ، قالَ: ويْلَكَ!

ما هَذا؟

قالَ: كَسَوْتُ القَوْمَ لِيَتَجَمَّلُوا بِهِ إذا قَدِمُوا في النّاسِ، قالَ: ويْلَكَ!

انْتَزِعْ قَبْلَ أنْ نَنْتَهِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: فانْتَزَعَ الحُلَلَ مِنَ النّاسِ، فَرَدَّها في البَزِّ، وأظْهَرَ الجَيْشُ شَكَواهُ لِما صَنَعَ بِهِمْ»».

وأخْرَجَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ - وكانَتْ عِنْدَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««اشْتَكى النّاسُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِينا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيًّا؛ فَواللَّهِ إنَّهُ لَأخْشَنُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.

ورَوى - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرْتُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ تَغَيَّرَ، فَقالَ: «بُرَيْدَةُ !

ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟

قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» وكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، ورُوِيَ بِإسْنادٍ آخَرَ تَفَرَّدَ بِهِ.

وقالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: ««لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حَجَّةِ الوَداعِ، ونَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أمَرَ بِدَوْحاتٍ فَغُمِّمْنَ، ثُمَّ قالَ: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، أنّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِما، فَإنَّهُما لَمْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللَّهُ تَعالى مَوْلايَ، وأنا ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَهَذا ولِيُّهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَما كانَ في الدَّوْحاتِ أحَدٌ إلّا رَآهُ بِعَيْنِهِ وسَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي هارُونَ العُبَيْدِيِّ، ومُوسى بْنِ عُثْمانَ، عَنِ البَراءِ قالَ: ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ، فَلَمّا أتَيْنا عَلى غَدِيرِ خُمٍّ كُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، ونُودِيَ في النّاسِ: الصَّلاةُ جامِعَةٌ، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأخَذَ بِيَدِهِ وأقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: ألَسْتُ أوْلى بِكُلٍّ امْرِئٍ مِن نَفْسِهِ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ هَذا مَوْلى مَن أنا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَنِيئًا لَكَ!

أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ»» وهَذا ضَعِيفٌ، فَقَدْ نَصُّوا أنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ، وأبا هارُونَ، ومُوسى ضُعَفاءُ، لا يُعْتَمَدُ عَلى رِوايَتِهِمْ، وفي السَّنَدِ أيْضًا أبُو إسْحاقَ وهو شِيعِيٌّ مَرْدُودُ الرِّوايَةِ.

ورَوى ضِمْرَةُ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، ومَن صامَ يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صِيامَ سِتِّينَ شَهْرًا،» وهو حَدِيثٌ مُنْكَرًا جِدًّا، ونُصَّ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ.

وقَدِ اعْتَنى بِحَدِيثِ الغَدِيرِ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَجَمَعَ فِيهِ مُجَلَّدَيْنِ، أوْرَدَ فِيهِما سائِرَ طُرُقِهِ وألْفاظِهِ، وساقَ الغَثَّ والسَّمِينَ، والصَّحِيحَ والسَّقِيمَ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ فَإنَّهم يُورِدُونَ ما وقَعَ لَهم في البابِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ صَحِيحٍ وضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو القاسِمِ ابْنُ عَساكِرَ أوْرَدَ أحادِيثَ كَثِيرَةً في هَذِهِ الخُطْبَةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ خَبَرُ الِاسْتِخْلافِ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.

وعَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» مُتَواتِرٌ، يُتَيَقَّنُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَهُ، وأمّا: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ»» فَزِيادَةٌ قَوِيَّةُ الإسْنادِ، وأمّا: «صِيامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ ذِي الحِجَّةِ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا واللَّهِ نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ إلّا يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غَدِيرِ خُمٍّ بِأيّامٍ.

والشَّيْخانِ لَمْ يَرْوِيا خَبَرَ الغَدِيرِ في صَحِيحَيْهِما لِعَدَمِ وِجْدانِهِما لَهُ عَلى شَرْطِهِما، وزَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّ ذَلِكَ لِقُصُورٍ وعَصَبِيَّةٍ فِيهِما، وحاشاهُما مِن ذَلِكَ.

ووَجْهُ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِخَبَرِ: ««مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، وأوْلَوِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَيْنُ الإمامَةِ، ولا يَخْفى أنَّ أوَّلَ الغَلَطِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ جَعْلُهُمُ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ قاطِبَةً، بَلْ قالُوا: لَمْ يَجِئْ مَفْعَلٌ بِمَعْنى أفْعَلَ أصْلًا، ولِمَ يُجَوِّزْ ذَلِكَ إلّا أبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هِيَ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ أوْلى بِكم.

ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ: ( فُلانٌ مَوْلًى مِن فُلانٍ ) كَما يَصِحُّ: ( فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ ) واللّازِمُ باطِلٌ إجْماعًا، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وتَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، يَعْنِي: النّارُ مَقَرُّكم ومَصِيرُكُمْ، والمَوْضِعُ اللّائِقُ بِكُمْ، ولَيْسَ نَصًّا في أنَّ لَفْظَ المَوْلى ثَمَّةَ بِمَعْنى الأوْلى.

والثّانِي: أنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المَوْلى بِمَعْنى الأوْلى لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ صِلَتَهُ بِالتَّصَرُّفِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلى بِالمَحَبَّةِ، وأوْلى بِالتَّعْظِيمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، وكَمْ جاءَ الأوْلى في كَلامٍ لا يَصِحُّ مَعَهُ تَقْدِيرُ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

عَلى أنَّ لَنا قَرِينَتَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِلايَةِ - مِن لَفْظِ المَوْلى أوِ الأوْلى - المَحَبَّةُ: إحْداهُما ما رُوِّينا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في شَكْوى الَّذِينَ كانُوا مَعَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في اليَمَنِ كَبُرَيْدٍ الأسْلَمِيِّ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وغَيْرِهِما ولَمْ يَمْنَعْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشّاكِّينَ بِخُصُوصِهِمْ؛ مُبالَغَةً في طَلَبِ مُوالاتِهِ، وتَلَطُّفًا في الدَّعْوَةِ إلَيْها، كَما هو الغالِبُ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِلتَّلَطُّفِ المَذْكُورِ افْتَتَحَ الخُطْبَةَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟

وثانِيهُما: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -: ««اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ وعادِ مَن عاداهُ»» فَإنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَوْلى المُتَصَرِّفُ في الأُمُورِ أوِ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ، لَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: اللَّهُمَّ والِ مَن كانَ في تَصَرُّفِهِ وعادِ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ ذَكَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَحَبَّةَ والعَداوَةَ فَقَدْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إيجابُ مَحَبَّتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والتَّحْذِيرُ عَنْ عَداوَتِهِ وبُغْضِهِ، لا التَّصَرُّفُ وعَدَمُهُ، ولَوْ كانَ المُرادُ الخِلافَةُ لَصَرَّحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِها.

ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ المُثَنّى بْنِ الحَسَنِ السِّبْطِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم سَألُوهُ عَنْ هَذا الخَبَرِ هَلْ هو نَصٌّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ؟

فَقالَ: لَوْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أرادَ خِلافَتَهُ لَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا ولِيُّ أمْرِي، والقائِمُ عَلَيْكم بَعْدِي، فاسْمَعُوا وأطِيعُوا، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَوْ آثَرا عَلِيًّا لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ولَمْ يُقْدِمْ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلَيْهِ لَكانَ أعْظَمَ النّاسِ خَطَأً.

وأيْضًا رُبَّما يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوِلايَةِ المَحَبَّةُ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِلَفْظِ ( بَعْدِي ) والظّاهِرُ حِينَئِذٍ اجْتِماعُ الوِلايَتَيْنِ في زَمانٍ واحِدٍ، ولا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِماعُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوْلَوِيَّةَ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المُرادُ المَحَبَّةَ.

وتَمَسَّكَ الشِّيعَةُ في إثْباتِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِاللَّفْظِ الواقِعِ في صَدْرِ الخَبَرِ عَلى إحْدى الرِّواياتِ، وهو قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»»؟

ونَحْنُ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا أيْضًا الأوْلى بِالمَحَبَّةِ، يَعْنِي ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَحَبَّةِ؟

بَلْ قَدْ يُقالُ: الأوْلى ها هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، والمَعْنى: ألَسْتُ أحَبَّ إلى المُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ؟

لِيَحْصُلَ تَلاؤُمُ أجْزاءِ الكَلامِ، ويَحْسُنَ الِانْتِظامُ، ويَكُونَ حاصِلُ المَعْنى هَكَذا: يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكم تُحِبُّونِي أكْثَرَ مِن أنْفُسِكُمْ، فَمَن يُحِبَّنِي يُحِبَّ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أحِبَّ مَن أحَبَّهُ وعادِ مَن عاداهُ.

ويُرْشَدُ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالأوْلى - في تِلْكَ الجُمْلَةِ - الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ ﴾ وهو مَسُوقٌ لِنَفْيِ نَسَبِ الأدْعِياءِ مِمَّنْ يَتَبَنَّوْنَهُمْ، وبَيانُهُ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأنَّ نِسْبَةَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كالأبِ الشَّفِيقِ، بَلْ أزْيَدُ، وأزْواجُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمَّهاتُهُمْ، والأقْرِباءُ في النَّسَبِ أحَقُّ وأوْلى مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَتِ الشَّفَقَةُ والتَّعْظِيمُ لِلْأجانِبِ أزِيدَ، لَكِنْ مَدارُ النَّسَبِ عَلى القَرابَةِ وهي مَفْقُودَةٌ في الأدْعِياءِ، لا عَلى الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في حُكْمِهِ، ولا دَخْلَ لِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ في المَقْصُودِ أصْلًا، فالمُرادُ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - هو المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَوْ فَرَضْنا كَوْنَ الأوْلى في صَدْرِ الخَبَرِ بِمَعْنى الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ الخِطابِ؛ لِيَتَوَجَّهُوا إلى سَماعِ كَلامِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَمالَ التَّوَجُّهِ، ويَلْتَفِتُوا إلَيْهِ غايَةَ الِالتِفاتِ، فَيُقَرَّرُ ما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ أتَمَّ تَقَرُّرٍ، وذَلِكَ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِأبْنائِهِ في مَقامِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ: ألَسْتُ أباكُمْ؟

وإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ يَأْمُرُهم بِما قَصَدَهُ مِنهُمْ؛ لِيَقْبَلُوا بِحُكْمِ الأُبُوَّةِ والنُّبُوَّةِ ويَعْمَلُوا عَلى طِبْقِهِما.

فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ: ««ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»» مِثْلُ: ألَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكُمْ؟

أوْ: ألَسْتُ نَبِيَّكُمْ؟

ولا يُمْكِنُ إجْراءُ مِثْلِ ذَلِكَ فِيما بَعْدَهُ؛ تَحْصِيلًا لِلْمُناسَبَةِ.

ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ مَعْنى المَحَبَّةِ، وهو أنَّ مَحَبَّةَ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أمْرٌ ثابِتٌ في ضِمْنِ آيَةِ ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ فَلَوْ أفادَ هَذا الحَدِيثُ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا كانَ لَغْوًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ، ومَنشَؤُهُ أنَّ المُسْتَدِلَّ لَمْ يَفْهَمْ أنَّ إيجابَ مَحَبَّةِ أحَدٍ في ضِمْنِ العُمُومِ شَيْءٌ، وإيجابَ مَحَبَّتِهِ بِالخُصُوصِ شَيْءٌ آخَرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ ظُهُورًا أنَّهُ لَوْ آمَنَ شَخْصٌ بِجَمِيعِ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخُصُوصِهِ بِالذِّكْرِ لَمْ يَكُنْ إيمانُهُ مُعْتَبَرًا، وأيْضًا لَوْ فَرَضْنا اتِّحادَ مَضْمُونِ الآيَةِ والخَبَرِ لا يَلْزَمُ اللَّغْوُ، بَلْ غايَةُ ما يَلْزَمُ التَّقْرِيرُ والتَّأْكِيدُ، وذَلِكَ وظِيفَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثِيرًا ما يُؤَكِّدُ مَضامِينَ القُرْآنِ ويُقَرِّرُها، بَلِ القُرْآنُ نَفْسُهُ قَدْ تَكَرَّرَتْ فِيهِ المَضامِينُ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - وأيْضًا التَّنْصِيصُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - تَكَرَّرَ مِرارًا عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَيَلْزَمُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ - القَوْلُ اللُّغَوِيُّ، ويُجَلُّ كَلامُ الشّارِعِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الحِمْيَرِيُّ في قَصِيدَتِهِ - الَّتِي أسْرَفَ فِيها - مِن أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِهَذِهِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ جاءُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ الإمامَ بَعْدَهُ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ المُؤَرِّخُونَ وأهْلُ السِّيَرِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ - فِيما أعْلَمُ - بَلْ هو مَحْضُ زُورٍ وبُهْتانٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ.

ومَن وقَفَ عَلى تِلْكَ القَصِيدَةِ الشَّنِيعَةِ بِأسْرِها وما يَرْوِيهِ الشِّيعَةُ فِيها - وكانَ لَهُ أدْنى خِبْرَةٍ - رَأى العَجَبَ العُجابَ، وتَحَقَّقَ أنَّ قَعاقِعَ القَوْمِ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، ثُمَّ إنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ الدّالَّةَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها وكَوْنِها بِمَرْتَبَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها - لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى الَّذِي قَرَّرْناهُ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ ذَلِكَ، ومَلْعُونٌ مَن يُنْكِرُهُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالذِّكْرِ لِما قَدَّمْناهُ.

وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ: إنَّ الآيَةَ عَلى خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكَذا خَبَرِ الغَدِيرِ - عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - عَلى تَقْدِيرِ دَلالَتِهِما عَلى أنَّ المُرادَ الأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا بُدَّ أنْ يُقَيَّدا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في المَآلِ، وحِينَئِذٍ فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قائِلُونَ بِذَلِكَ حِينَ إمامَتِهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَئِذٍ بِالذِّكْرِ ما عَلِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ مِن وُقُوعِ الفَسادِ والبَغْيِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، وإنْكارِ بَعْضِ النّاسِ لِإمامَتِهِ الحَقَّةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بَعْدَ الوَفاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

والخَبَرُ المُصَدَّرُ بِـ( كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ» لَيْسَ نَصًّا في المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يُبْعِدُ دَعْوى الشِّيعَةِ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ المَوْصُولَ فِيها خاصٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَإنَّ النّاسَ فِيهِ - وإنْ كانَ عامًّا - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ، ويَهْدِيكَ إلَيْهِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّهُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِصْمَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى أُمْنِيَتِهِمْ فِيكَ، ومَتى كانَ المُرادُ بِهِمُ الكُفّارَ بَعْدَ إرادَةِ الخِلافَةِ؟!

بَلْ لَوْ قِيلَ: لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأنَّ التَّخَوُّفَ الَّذِي تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ مِنهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحاشاهُ - في تَبْلِيغِ أمْرِ الخِلافَةِ إنَّما هو مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَيْثُ أنَّ فِيهِمْ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - مَن يَطْمَعُ فِيها لِنَفْسِهِ، ومَتى رَأى حِرْمانَهُ مِنها لَمْ يَبْعُدْ مِنهُ قَصْدُ الإضْرارِ بِرَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتِزامُ القَوْلِ - والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - بِكُفْرِ مَن عَرَّضُوا بِنِسْبَةِ الطَّمَعِ في الخِلافَةِ إلَيْهِ مِمّا يَلْزَمُهُ مَحاذِيرُ كُلِّيَّةٌ، أهْوَنُها تَفْسِيقُ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو هُوَ، أوْ نِسْبَةُ الجُبْنِ إلَيْهِ، وهو أسَدُ اللَّهِ تَعالى الغالِبُ، أوِ الحَكَمُ عَلَيْهِ بِالتَّقِيَّةِ، وهو الَّذِي لا تَأْخُذُهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَخْشى إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، أوْ نِسْبَةُ فِعْلِ الرَّسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلِ الأمْرِ الإلَهِيِّ إلى العَبَثِ، والكُلُّ كَما تَرى.

لا يُقالُ: إنَّ عِنْدَنا أمْرَيْنِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الخِلافَةُ: أحَدُهُما أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَأْمُورًا بِأبْلَغِ عِبارَةٍ بِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِها، حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ مُخاطِبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هُنا فَرْدٌ هو أهَمُّ الأفْرادِ وأعْظَمُها شَأْنًا - ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الخِلافَةُ إذْ بِها يَنْتَظِمُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا - لَخَلا الكَلامُ عَنِ الفائِدَةِ.

وثانِيهُما أنَّ ابْنَ إسْحاقَ ذَكَرَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَ النّاسَ في حَجَّةِ الوَداعِ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيها ما بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أيُّها النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا ألْقاكم بَعْدَ عامِي هَذا بِهَذا المَوْقِفِ أبَدًا، أيُّها النّاسُ إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ إلى أنْ تَلْقَوْا رَبَّكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا، وكَحُرْمَةِ شَهْرِكم هَذا، وإنَّكم سَتَلْقَوْنَ رَبَّكم فَيَسْألَنَّكم عَنْ أعْمالِكُمْ، وقَدْ بَلَّغْتُ» ثُمَّ أوْصى - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالنِّساءِ، ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «فاعْقِلُوا قَوْلِي فَإنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وقَدْ تَرَكْتُ فِيكم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أبَدًا؛ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وسَنَةَ نَبِيِّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» إلى أنْ قالَ - بِأبِي هو وأمِّي، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِي أنَّ النّاسَ قالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اشْهَدِ»» انْتَهى.

فَإنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ظاهِرَةٌ في أنَّ الخُطْبَةَ كانَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في رِوايَةِ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ويَوْمُ الغَدِيرِ كانَ اليَوْمَ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمَ مِن شَأْنِ المَناسِكِ، وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ غَيْرَ ما بَلَّغَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلُ، وشَهَّدَ النّاسَ عَلى تَبْلِيغِهِ، وأشْهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا إلّا الخِلافَةُ الكُبْرى، والإمامَةُ العُظْمى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ كَوْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - خَلِيفَتَكَ، وقائِمًا مَقامَكَ بَعْدَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وإنْ قالَ لَكَ النّاسُ حِينَ قُلْتَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ في الأمْرِ الأوَّلِ - بَعْدَ غَمْضِ العَيْنِ عَمّا فِيهِ - مَمْنُوعَةٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ في الآيَتَيْنِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَصالِحِ العِبادِ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، ولا يَلْزَمُ الخُلُوُّ عَنِ الفائِدَةِ؛ إذْ كَمْ آيَةٍ تَكَرَّرَتْ في القُرْآنِ، وأمْرٌ ونَهْيٌ ذُكِرَ مِرارًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ هُنا إزالَةُ تَوَهُّمِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَرَكَ أوْ يَتْرُكُ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ تَقِيَّةً.

ويَرِدُ عَلى الأمْرِ الثّانِي أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ كَوْنَ يَوْمِ الغَدِيرِ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لِيَكُونَ المَأْمُورُ بِتَبْلِيغِهِ أمْرًا آخَرَ، بَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخُطْبَةِ وقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ يَوْمِي الغَدِيرِ وعَرَفَةَ، وما ورَدَ في غَيْرِما أثَرٍ مِن أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في حِجَّةِ الوَداعِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْبَعْدِيَّةِ ولِلْقَبْلِيَّةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الإيابِ ولا الذَّهابِ، وظاهِرُ حالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تِلْكَ الحَجَّةِ مِن إراءَةِ المَناسِكِ، ووَضْعِ الرِّبا ودِماءِ الجاهِلِيَّةِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ - يُرْشِدُ إلى أنَّ النُّزُولَ كانَ في الذَّهابِ.

والثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ النُّزُولِ يَوْمَ الغَدِيرِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ حِينَئِذٍ لُزُومُ التَّكْرارِ، وقَدْ عَلِمْتَ فائِدَتَهُ وكَثْرَةَ وُقُوعِهِ، سَلَّمْنا أنَّ المَأْمُورَ بِتَبْلِيغِهِ أمْرٌ آخَرُ لَكِنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا الخِلافَةُ، وكَمْ قَدْ بَلَّغَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَذى يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ في المُخْتارَهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟

فَقالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي ولَكُمُ الجَنَّةُ؟

أيُّها النّاسُ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ، ولا امْرَأةٌ، ولا أمَةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَقُولُونَ: كَذّابٌ، صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ»».

قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ، ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هَوى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ تَعالى عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

وأصْرَحُ مِن هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ( الدَّلائِلِ ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي»» فَإنَّ أبا طالِبٍ ماتَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وحِجَّةَ الوَداعِ بَعْدَها بِكَثِيرٍ، والظّاهِرُ اتِّصالُ الآيَةِ.

وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَيْلًا؛ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُحْرَسُ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى»» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ.

والَذى أمِيلُ إلَيْهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِمّا تَكَرَّرَ نُزُولُهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ حِفْظُ رُوحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القَتْلِ والهَلاكِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شُجَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.

ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ، وادَّعى أنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ واسْتُشْكِلَ الأمْرانِ بِأنَّ اليَهُودَ سَمُّوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى قالَ: ««لا زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي وهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي»» وأُجِيبَ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ بِسَبَبِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، وأمّا ما فُعِلَ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَلِلذَّبِّ عَنِ الأمْوالِ والبِلادِ والأنْفُسِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقالَ الرّاغِبُ: عِصْمَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِفْظُهم بِما خُصُّوا بِهِ مِن صَفاءِ الجَوْهَرِ، ثُمَّ بِما أوْلاهم مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ، ثُمَّ بِالنُّصْرَةِ وتَثْبِيتِ أقْدامِهِمْ، ثُمَّ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِمْ، وبِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ، وبِالتَّوْفِيقِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالعِصْمَةِ الحِفْظُ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ، والمَعْنى: بَلِّغْ، واللَّهُ تَعالى يَمْنَحُكَ الحِفْظَ مِن صُدُورِ الذَّنْبِ مِن بَيْنِ النّاسِ، أيْ يَعْصِمُكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَوْجِيهٌ لَمْ يَصْدُرْ إلّا مِمَّنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَطَأِ.

ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ حَيْثُ قالَ: لا يَهْدِيهِمْ بِالمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والألْطافِ إلى الكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، وزَعَمَ أنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى الكُفّارَ إلى الإيمانِ بِأنْ دَلَّهم عَلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم مِن خِلافِهِ - وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ المُرادَ بِالآيَةِ - عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما لا يَخْفى مِنَ النَّظَرِ.

وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ: أنَّ عَلَيْكَ البَلاغَ لا الهِدايَةَ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والوَفاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، وهو كَما تَرى، فَلْيُفْهَمْ جَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولْيُحْفَظْ؛ فَإنِّي لا أظُنُّ أنَّكَ تَجِدُهُ في كِتابٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمِيعِ، وإيرادُ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُشافَهَتُهم بِها، خُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالِهِمْ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى - كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ - وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ،فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟

وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ؟

وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى حُقٌّ؟

فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئَتْ مِن إحْداثِكُمْ، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ » أيْ دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّحْقِيرِ، ومَن أمْثالُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ ﴿ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ أيْ تُراعُوهُما، وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما وتَوْفِيَةَ حُقُوقِهِما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ لا بِالعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِما مَنسُوحًا كانَ أوَغِيَرَهُ، فَإنَّ مُراعاةَ المَنسُوخِ تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما.

﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيِ القُرْآنُ المَجِيدُ، وإقامَتُهُ بِالإيمانِ بِهِ، وقُدِّمَتْ إقامَةُ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ رِعايَةً لِحَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ؛ فَإنَّها كُلَّها ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الإيمانِ بِمَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ووُجُوبِ طاعَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، وكَذا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقِسْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ النِّعَمُ الَّتِي أُعْطِيَها - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمْرُ النِّسْبَةِ ظاهِرٌ جِدًّا.

﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ أيْ: لا تَأْسَفْ ولا تَحْزَنْ لِزِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ غائِلَةَ ذَلِكَ مَوْصُولَةٌ بِهِمْ، وتَبِعَتَهُ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ، وفي المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهُمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَحْزَنْ عَلى هَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ الأسى، ولا يَخْلُو عَنْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك أن اليهود قالوا للنبي  حين دعاهم إلى الإسلام فجعلوا يستهزئون به ويقولون: إنك تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى-  -، فلما رأى ذلك سكت عنهم.

فأمره الله أن يدعوهم ولا يمنعه عن ذلك تكذيبهم إياه فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: من القرآن وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني: كأنك لم تبلغ شيئاً من رسالته، لأنه أمر بتبليغ جميع الرسالة.

فإذا ترك البعض صار بمنزلة التارك للكل.

كما أن من جحد آية من كتاب الله تعالى صار جاحداً للجميع، ويقال: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني: فما بلغت المبلغ الذي تكون رسولاً وروى «سمرة بن جندب» ، عن رسول الله  أنه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي قَدْ قَصَّرْتُ عَنْ شَيْءٍ مَنْ تَبْلِيغِ رِسَالاتِ رَبِّي فَأَخْبِرُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي كَمَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُبَلَّغَ» فقام الناس، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك.

وروى مسروق عن عائشة قالت: من حَدّثك أن محمدا  كتم شيئاً من الوحي، فقد كذب.

ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يعني: اليهود ويقال: كيد الكفار.

وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان النبيّ  يحرسه أصحابه بالليل، حتى نزلت هذه الآية فخرج إليهم وقال: «لا تَحْرُسُونِي فَإنَّ الله قَدْ عَصَمَنِي من الناس» .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني: لا يرشدهم إلى دينه، ويقال: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ  : «لا أُبَالِي مَنْ خَذَلَنِي مِنَ اليَهُودِ وَمَنْ نَصَرَنِي» قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر.

فما بلغت رسالاته بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون: رِسالَتَهُ بلفظ الواحد يغني عن الجماعة.

ثم علّمه كيف يبلغ الرسالة فقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين ولا ثواب لأعمالكم حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني: تعملوا بما في التوراة، والإنجيل وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: حتى تقروا بما أنزل على نبيكم  من القرآن، وتعملوا به.

ثم قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً يعني: تمادياً بالمعصية، وكفراً بالقرآن.

يعني: إنما عليك تبليغ الرسالة والموعظة، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء.

فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني: لا تحزن عليهم إن كذبوك.

وروى محمد بن إسحاق بإسناده عن ابن عباس أنه قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الضيف، وقالوا: يا محمد: ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟

وتؤمن بما عندنا من التوراة؟

وتشهد أنها من الله حق؟

فقال رسول الله  : «بَلَى ولكنكم أَحْدَثْتُمْ، وَجَحَدْتُمْ ما فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ المِيثَاقِ، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ فَبَرِئْتُ مِنْ إحْدَاثِكُمْ» .

فقالوا: فإنّا قد آمنا بما في أيدينا، وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أهْل الكتاب «١» .

قال ع «٢» : وهذا هو الراجِحُ.

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...

الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام- بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ لأنه قد كان بلّغ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ وذلك أنَّ رسالته- عليه السلام- تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيان فساد حالهم، فكان يلقى منهم صلّى الله عليه وسلّم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، أيْ:

كاملاً، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين (رضي اللَّه عنها) : «مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...

الآية» ، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، خرَجَ، فقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي» «٣» ، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة «٤» ، وكما وجَبَ عليه التبليغُ- عليه السلام-، وجب على علماءِ أمته، وقد قال- عليه السلام-: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة» «٥» ، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ (رضي اللَّه عنه) قَالَ: سَمِعْتُ

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ، رواه أبو داودَ، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ وابنُ ماجه، وابن حِبَّانَ في «صحيحِهِ» ، وقال التِّرمذيُّ/: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح «١» .

انتهى من «السلاح» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : ألَسْتَ تُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ، وتَشْهَدُ أنَّها حَقٌّ؟

قالَ: بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها، فَأنا بَرِيءٌ مِن إحْداثِكم.

فَقالُوا: نَحْنُ عَلى الهُدى، ونَأْخُذُ بِما في أيْدِينا، ولا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأمّا أهْلُ الكِتابِ، فالمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وإقامَتُهُما: العَمَلُ بِما فِيهِما، ومِن ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  .

وفي الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ قَوْلانِ قَدْ سَبَقا، وكَذَلِكَ باقِي الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِن الناسِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها مُعاصِرُو مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والأظْهَرُ أنَّهُ يُرادُ بِها الأسْلافُ؛ والمُعاصِرُونَ داخِلُونَ في هَذِهِ الأحْوالِ بِالمَعْنى؛ والغَرَضُ الإخْبارُ عن أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ؛ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وكِتابِهِ؛ واتَّقَوْا في امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ لَكُفِّرَتْ سَيِّئاتُهُمْ؛ أيْ: سُتِرَتْ وأُذْهِبَتْ؛ ولَأُدْخِلُوا الجَنَّةَ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ ﴾ ؛ أيْ: أظْهَرُوا أحْكامَها؛ فَهي كَإقامَةِ السُوقِ؛ وإقامَةِ الصَلاةِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ الناسِ؛ إذْ هي أظْهَرُ هَيْئاتِ المَرْءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والإنْجِيلَ"؛ ﴾ يَقْتَضِي دُخُولَ النَصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِن وحْيٍ؛ وسُنَنٍ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ: اَلْمَعْنى: "لَأعْطَتْهُمُ السَماءُ مَطَرَها؛ وبَرَكَتَها؛ والأرْضُ نَباتَها؛ بِفَضْلِ اللهِ تَعالى"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ ؛ والزَجّاجُ ؛ وغَيْرُهُما أنَّ الكَلامَ اسْتِعارَةٌ؛ ومُبالَغَةٌ في التَوْسِعَةِ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ قَدْ عَمَّهُ الخَيْرُ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ المَعْنى: "لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الجَنَّةِ؛ و"وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الدُنْيا؛ إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُعْتَدِلَةٌ؛ والقَصْدُ والِاقْتِصادُ: اَلِاعْتِدالُ؛ والرِفْقُ؛ والتَوَسُّطُ الحَسَنُ في الأقْوالِ؛ والأفْعالِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو مُقْتَصِدٌ في عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ يَقُولُونَ: "هُوَ عَبْدُ اللهِ ورَسُولٌ؛ ورُوحٌ مِنهُ"؛ والأكْثَرُ مِنهم غَلا فِيهِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ إلَهٌ"؛ وعَلى هَذا مَشى الرُومُ؛ ومَن دَخَلَ بِآخِرَةٍ في مِلَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ بَعْضُهم - وهُمُ الأكْثَرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ -: "هُوَ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ"؛ فَكَفَرَ الطَرَفانِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُقْتَصِدَةُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ قَدِيمًا؛ وحَدِيثًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا يُتَخَرَّجُ قَوْلُ الطَبَرِيِّ ؛ ولا يَقُولُ في عِيسى: "إنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ"؛ إلّا مُسْلِمٌ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وهَذا هو المُتَرَجَّحُ؛ وقَدْ ذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّهُ يَعْنِي بِالمُقْتَصِدَةِ: اَلطَّوائِفَ الَّتِي لَمْ تُناصِبِ الأنْبِياءَ مُناصَبَةَ المُتَهَتِّكِينَ المُجاهِرِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَوَجَّهُ أنْ تُوصَفَ بِالِاقْتِصادِ؛ بِالإضافَةِ إلى المُتَمَرِّدَةِ؛ كَما يُقالُ في أبِي البُحْتُرِيِّ بْنِ هِشامٍ: "إنَّهُ مُقْتَصِدٌ؛ بِالإضافَةِ إلى أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ - لَعَنَهُ اللهُ ".

ثُمَّ وصَفَ تَعالى الكَثِيرَ مِنهم بِسُوءِ العَمَلِ عُمُومًا؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ في تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ؛ وكُفْرِ اليَهُودِ بِعِيسى والجَمِيعُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

و"ساءَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ هي المُتَصَرِّفَةُ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَ الأمْرُ؛ يَسُوءُ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "ساءَ"؛ اِسْتِعْمالَ "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ساءَ مَثَلا  ﴾ ؛ فَتِلْكَ غَيْرُ هَذِهِ؛ يُحْتاجُ في هَذِهِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ ساءَ مَثَلا  ﴾ ؛ مِنَ الإضْمارِ؛ والتَقْدِيرِ؛ إلى ما يُحْتاجُ في "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ مِنَ اللهِ لرَسُولِهِ بِالتَبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَلَّغَ؛ فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِألّا يَتَوَقَّفَ عن شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَضَمَّنَتِ الطَعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ؛ وبَيانِ فَسادِ حالِهِمْ؛ فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا؛ ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ اللهُ لَهُ ﴿ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: كامِلًا؛ مُتَمَّمًا؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: "إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا؛ فَكَأنَّما قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ؛ وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ"؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: سُئِلْتَ فَلَمْ تَمْنَعْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا ∗∗∗ فَسِيّانِ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ أيْ: ولَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا؛ وإلّا يَتَكاذَبِ البَيْتُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ"؛ عَلى الإفْرادِ؛ وقَرَؤُوا في "اَلْأنْعامِ": "حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ": "بِرِسالاتِي"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ بِإفْرادِ الرِسالَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ: "رِسالاتِهِ"؛ بِالجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأنْعامِ"؛ وأفْرَدَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ؛ بِجَمْعِ الرِسالَةِ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ الإفْرادَ في "اَلْعُقُودِ"؛ و"اَلْأنْعامِ"؛ والجَمْعَ في "اَلْأعْرافِ"؛ فَمَن أفْرَدَ "اَلرِّسالَةَ"؛ فَلِأنَّ الشَرْعَ كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ؛ وَجُمْلَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؛ ومَن جَمَعَ فَمِن حَيْثُ الشَرْعُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ؛ ووَرَدَ دُفَعًا في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقالَتْ عائِشَةُ - أُمُّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ؛ واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ".

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَعَقَّبُهُ أصْحابُهُ؛ يَحْرُسُونَهُ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ خَرَجَ فَقالَ: "يا أيُّها الناسُ الحَقُوا بِمَلاحِقِكم فَإنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي"؛» وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ بِسَبَبِ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَقْتُلَهُ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هو غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ ؛ والقِصَّةُ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَهابُ قُرَيْشًا؛ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ اِسْتَلْقى ؛ وقالَ: "مَن شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي"؛» مَرَّتَيْنِ؛ أو ثَلاثًا.

و"يَعْصِمُكَ"؛ مَعْناهُ: يَحْفَظُكَ؛ ويَجْعَلُ عَلَيْكَ وِقايَةً؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْتُ عَلَيْكم مالِكًا إنَّ مالِكًا ∗∗∗ ∗∗∗ سَيَعْصِمُكم إنْ كانَ في الناسِ عاصِمُ وهَذِهِ العِصْمَةُ الَّتِي في الآيَةِ هي مِنَ المَخاوِفِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُوقَفَ عن شَيْءٍ مِن التَبْلِيغِ؛ كالقَتْلِ؛ والأسْرِ؛ والأذى في الجِسْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ وأمّا أقْوالُ الكُفّارِ؛ ونَحْوُها فَلَيْسَتْ في الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ؛ إمّا عَلى الخُصُوصِ فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ؛ وإمّا عَلى العُمُومِ؛ عَلى أنْ لا هِدايَةَ في الكُفْرِ؛ ولا يَهْدِي اللهُ الكافِرَ في سُبُلِ كُفْرِهِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ مَعَهُ: ﴿ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: "عَلى شَيْءٍ مُسْتَقِيمٍ؛ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ"؛ وفي إقامَةِ هَذَيْنِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّهُ سَيَطْغى كَثِيرٌ مِنهم بِسَبَبِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَزِيدُهُ نُزُولُ القُرْآنِ؛ والشَرْعِ؛ كُفْرًا؛ وحَسَدًا؛ ثُمَّ سَلّاهُ عنهُمْ؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَحْزَنْ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ولا تُبالِ بِهِمْ؛ والأسى: اَلْحُزْنُ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رافِعُ بْنُ جارِيَةَ؛ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ؛ ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ ؛ ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَوْراةِ؛ وبِنُبُوَّةِ مُوسى؛ وأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَقٌّ؟

قالَ: "بَلى؛ ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ؛ وغَيَّرْتُمْ؛ وكَتَمْتُمْ"؛ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنَّهُ الحَقُّ؛ ولا نُصَدِّقُكَ؛ ولا نَتَّبِعُكَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ اَلْآيَةُ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الّذي أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لأهل الكتاب هو من جملة ما ثبّته الله على تبليغه بقوله: ﴿ بلّغ ما أنزل إليك من ربّك ﴾ ، فقد كان رسول الله يحبّ تألّف أهل الكتاب وربّما كان يثقل عليه أن يجابههم بمثل هذا ولكن الله يقول الحقّ.

فيجوز أن تكون جملة ﴿ قل يأهل الكتاب ﴾ بياناً لجملة ﴿ بَلِّغ ما أنزل إليك من ربّك ﴾ [المائدة: 67]، ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً بمناسبة قوله: ﴿ يأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك ﴾ [المائدة: 67].

والمقصود بأهل الكتاب اليهودُ والنّصارى جميعاً؛ فأمّا اليهود فلأنّهم مأمورون بإقامة الأحكام الّتي لم تنسخ من التوراة، وبالإيمان بالإنجيل إلى زمن البعثة المحمّديّة، وبإقامة أحكام القرآن المهيمن على الكتاب كلّه؛ وأمّا النّصارى فلأنّهم أعرضوا عن بشارات الإنجيل بمجيء الرسول من بعد عيسى عليهما السّلام.

ومعنى ﴿ لستم على شيء ﴾ نفي أن يكونوا متّصفين بشيءٍ من التّدين والتّقوى لأنّ خَوض الرّسول لا يكون إلاّ في أمر الدّين والهُدى والتَّقوى، فوقع هنا حذف صفة ﴿ شيء ﴾ يدلّ عليها المقام على نحو ما في قوله تعالى: ﴿ فأردتُ أن أعيبَها وكان وراءَهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، أو غير معيبة.

والشيء اسم لكلّ موجود، فهو اسم متوغّل في التنكير صادق بالقليل والكثير، ويبيّنه السّياق أو القرائن.

فالمراد هنا شيء من أمور الكتاب، ولمّا وقع في سياق النّفي في هذه الآية استفيد نفي أن يكون لهم أقلّ حظّ من الدّين والتَّقوى ما داموا لم يبلُغوا الغاية الّتي ذكرتْ، وهي أن يقيموا التّوراة والإنجيل والقرآن.

والمقصود نفي أن يكون لهم حظّ معتدّ به عند الله، ومثل هذا النّفي على تقدير الإعتداد شائع في الكلام، قال عبّاس بن مرداس: وقد كنتُ في الحرب ذا تُدْرَإٍ *** فلم أعْطَ شيئاً ولم أمْنَع أي لم أعط شيئاً كافياً، بقرينة قوله: ولم أمنع.

ويقولون: هذا ليس بشيء، مع أنّه شيء لا محالة ومشار إليه ولكنّهم يريدون أنّه غير معتدّ به.

ومنه ما وقع في الحديث الصّحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الكُهَّان، فقال: «ليْسُوا بشيء» وقد شاكل هذا النَّفيُ على معنى الاعتداد النَّفيَ المتقدّم في قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته ﴾ ، أي فما بلّغت تبليغاً معتدّاً به عند الله.

والمقصود من الآية إنما هو إقامة التّوراة والإنجيل عند مجيء القرآن بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما أنزل عليه.

وقد أوْمَأتْ هذه الآية إلى توغّل اليهود في مجانبة الهدى لأنّهم قد عطّلوا إقامة التّوراة منذ عصور قبل عيسى، وعطّلوا إقامة الإنجيل إذ أنكروه، وأنكروا مَن جاء به، ثُمّ أنكروا نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فلم يقيموا ما أنزل إليهم من ربّهم.

والكلام على إقامة التّوراة والإنجيل مضى عند قوله آنفاً: ﴿ ولو أنّهم أقاموا التّوراة والإنجيل ﴾ [المائدة: 66] الخ.

وقد فنّدت هذه الآية مزاعم اليهود أنّهم على التمسّك بالتّوراة، وكانوا يزعمون أنّهم على هدى ما تمسّكوا بالتّوراة ولا يتمسّكون بغيرها.

وعن ابن عبّاس أنّهم جاءوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تقرّ أنّ التّوراة حقّ، قال: «بلى»، قالوا: فإنّا نؤمن بها ولا نؤمن بما عَداها.

فنزلت هذه الآية.

وليس له سند قوي.

وقد قال بعض النّصارى للرّسول صلى الله عليه وسلم في شأن تمسّكهم بالإنجيل مثلَ قول بعض اليهود، كما في قصة إسلام عدي بن حاتم، وكما في مجادلة بعض وفد نجران.

وقوله: ﴿ وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً ﴾ ، أي من أهل الكتاب، وذلك إمّا بباعث الحسد على مجيء هذا الدّين ونزول القرآن ناسخاً لدينهم، وإمَّا بما في بعض آيات القرآن من قوارعهم وتفنيد مزاعمهم.

ولم يزل الكثير منهم إذا ذكروا الإسلام حتّى في المباحث التّاريخيّة والمدنيّة يحتدّون على مدنيّة الإسلام ويقلبون الحقائق ويتميّزون غيظاً ومكابرة حتّى ترى العالِم المشهود له منهم يتصاغر ويتسفّل إلى دركات التبالُه والتّجاهل، إلاّ قليلاً ممّن اتّخذ الإنصاف شعاراً، وتباعد عن أن يُرمى بسوءالفهم تجنّباً وحِذاراً.

وقد سمّى الله ما يعترضهم من الشجا في حلوقهم بهذا الدّين ﴿ طُغياناً ﴾ لأنّ الطغيان هو الغلوّ في الظلم واقتحام المكابرة مع عدم الاكتراث بلوم اللاّئمين من أهل اليقين.

وسلَّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ ؛ فالفاء للفصيحة لتتمّ التّسلية، لأنّ رحمة الرسول بالخَلْق تحزنه ممَّا بلغ منهم من زيادة الطّغيان والكفر، فنبّهتْ فاء الفصيحة على أنّهم ما بَلغوا ما بَلغوه إلاّ من جرّاء الحسد للرسول فحقيق أن لا يحزن لهم.

والأسى الحزن والأسف، وفعله كفَرِح.

وذُكر لفظ ﴿ القوم ﴾ وأتبع بوصف ﴿ الكافرين ﴾ ليدلّ على أنّ المراد بالكافرين هم الّذين صار الكفر لهم سجيّة وصفة تتقوّم بها قوميتهم.

ولو لم يذكر القوم وقال: (فلا تأس على الكافرين) لكان بمنزلة اللّقب لهم فلا يُشعر بالتّوصيف، فكان صادقاً بِمَنْ كان الكفر غير راسخ فيه بل هو في حيرة وتردّد، فذلك مرجّو إيمانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ المِيثاقَ آياتٌ مُبَيَّنَةٌ يُقَرِّرُها عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهم.

والثّانِي: أنَّ المِيثاقَ أيْمانٌ أخَذَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْمَلُوا بِها وأُمِرُوا بِتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.

﴿ وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ.

﴿ كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ ﴾ هَوى النَّفْسِ مَقْصُورٌ، وهَواءُ الجَوِّ مَمْدُودٌ، وهُما يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْمِ لِأنَّ النَّفْسَ تَسْتَمْتِعُ بِهَواها كَما تَسْتَمْتِعُ بِهَواءِ الجَوِّ.

﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ إذا لَمْ يَحِلُّوا لَهم ما يَهْوُونَهُ في الدِّينِ كَذَّبُوا فَرِيقًا في الدِّينِ، كَذَّبُوا فَرِيقًا وقَتَلُوا فَرِيقًا، وهم قَدْ كَذَّبُوا مَن قَتَلُوهُ ولَكِنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّهُمُ اقْتَصَرُوا عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وتَجاوَزُوا إلى قَتْلِ فَرِيقٍ.

﴿ وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العُقُوبَةُ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.

والثّانِي: ما ابْتُلُوا بِهِ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِهِمْ.

والثّالِثُ: ما بُلُوا بِهِ مِن جِهَةِ المُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ.

﴿ فَعَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي، فَعَمُوا عَنِ المُرْشِدِ وصَمُّوا عَنِ المَوْعِظَةِ حَتّى تَسَرَّعُوا إلى قَتْلِ أنْبِيائِهِمْ حِينَ حَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.

﴿ ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهم تابُوا بَعْدَ مُعايَنَةِ الفِتْنَةِ فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم.

﴿ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عادُوا بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَها، والعَوْدُ إنَّما كانَ مِن أكْثَرِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة، قالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من حق الله؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم» .

قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم ﴿ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ﴾ إلى قوله: ﴿ القوم الكافرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾ ، ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي أُمر رسول الله بتبليغه هذه الآية (١) ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ أمن النبي  فأخبره الله ما يبلغ فقال: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾ (٢) قال ابن عباس: يقول لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد، وبيان صفته ونعته، تبينونه للناس ولا تكتمونه (٣) ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ (٤) ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ ، تسلية للنبي  يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك (٦) (١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 338، 339.

(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 492.

(٣) أخرجه بمعناه الطبري 6/ 309، وانظر: "تفسير الوسيط" 2/ 210.

(٤) الآية 66 من هذه السورة.

(٥) الآية 64 من هذه السورة.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 310، "بحر العلوم" 1/ 449، "تفسير البغوي" 3/ 81.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ ﴾ الآية؛ أي لستم على دين يعتد به يسمى شيئاً ﴿ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل ﴾ ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ورافع بن خزيمة وغيرهم من اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.

الباقون بنصب الطاغوت على أن.

﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .

الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .

﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.

﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .

﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .

﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.

﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.

نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.

وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟

وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد  وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.

ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.

وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.

ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.

وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.

والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله  : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.

واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى  .

ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.

قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.

وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.

وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.

والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.

وقيل: هو الأحبار.

والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله  .

وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.

قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.

وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.

﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.

كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله  يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.

وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.

وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله  متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.

والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.

ونفى أن يكون من النبي  في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.

﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.

الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.

وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.

وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.

ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.

ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.

وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.

وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.

وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.

وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.

وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.

والجواب أن الله  صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد  في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.

وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه  غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.

وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه  موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.

وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً  وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.

وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.

وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله  بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب  ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.

قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.

وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.

﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.

ثم إنه  ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.

يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.

وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار  ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.

والمعنى سلب كمال القدرة.

وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال  : ﴿ بيده عقدة النكاح  ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.

ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه  محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.

وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.

وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم  ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً  ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.

وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.

ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.

﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.

وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.

ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد  وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله  وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله  ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد  ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.

﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد  وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.

ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

والحاصل أنه  وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد  وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.

ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.

﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب  وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله  بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وروي "أنه  نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقال: الله.

فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك  ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.

وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  ﴾ سكت رسول الله  عن عيب آلهتهم فنزلت.

أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.

وقيل: إنه  لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.

قال: هل بلغت؟

قالوا: نعم.

فقال  : "اللهم اشهد" .

فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.

وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .

وقالت عائشة "سهر رسول الله  ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟

قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.

قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.

فنام رسول الله  حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله  رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .

وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله  يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.

فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله  قد عصمني من الجن والإنس" .

ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.

ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟

فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.

أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه  قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .

فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟

فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.

أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.

ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.

ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.

يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.

ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟

فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.

وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.

وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.

فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.

التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.

﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.

﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.

ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية  قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.

﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.

ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.

من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.

فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.

فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.

وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.

يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.

فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه.

كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة.

أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذِّبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك.

أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت.

أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمراً بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ  ﴾ أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .

أي: وإن [لم] تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأساً.

لم يعذر نبيه  في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه.

ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر إبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئناً بالإيمان.

وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ ، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن لم تبلغ فيما مضى.

أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

فيه دليل إثبات رسالته  لأنه - عز وجل - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله -  -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ : كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعاً، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله  .

وعن عائشة -  ا -: "كان النبي  ليحرس، فلما نزل قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ قال: "انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ" ؛ فانصرفوا.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.

قوله  : ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .

لا يُبْتَدَأُ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعُوْا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، أو ما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قال الحسن: قوله -  -: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ ، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.

وقال غيره: [قوله -  -]: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ بالشهادة والتصديق لما فيهما.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...

﴾ : حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته  ، وتبينوه للناس ولا تكتموه.

وهو وما ذكرنا واحد.

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا - أيضاً - ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : قد ذكرنا هذا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ : القرآن في أمر الرجم والقصاص ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ هو ما أمر الله نبيه  أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله -  -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...ِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.

وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية.

﴿ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُمْ؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر ﴾ .

تأويل الآية - والله أعلم -: [وإن اختلفت] أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا بالله وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.

قوله  : ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُلٌّ به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ .

ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله -  - ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخره؛ وكقوله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ كان من الله لهم عهد [ومنهم لله عهد]، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .

في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ : منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه -  - قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: فريقاً قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قوله  : ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم.

وقال ابن عباس -  -: "ألا يكون شرك".

وقيل: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ : ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً  ﴾ إلى قوله  : ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [الإسراء: 6]؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: لستم -أيها اليهود والنصارى- على شيء من الدين المعتدِّ به حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وتعملوا بما أنزل عليكم من القرآن الذي لا يصحّ إيمانكم إلا بالإيمان به، والعمل بما فيه، وليزيدنَّ كثيرًا من أهل الكتاب الذي أُنزِل إليك من ربك طغيانًا إلى طغيان، وكفرًا إلى كفر؛ لِمَا هم عليه من الحسد، فلا تأسف على هؤلاء الكافرين، وفيمن اتبعك من المؤمنين غنية وكفاية.

<div class="verse-tafsir" id="91.MrwRA"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل