الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨٠ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) قال مجاهد : يعني بذلك المنافقين .
وقوله : ( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ) يعني بذلك موالاتهم للكافرين ، وتركهم موالاة المؤمنين ، التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم ، وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم معادهم ; ولهذا قال : ( أن سخط الله عليهم ) فسر بذلك ما ذمهم به .
ثم أخيرا أنهم ( وفي العذاب هم خالدون ) يعني يوم القيامة .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا مسلمة بن علي ، عن الأعمش بإسناد ذكره قال : " يا معشر المسلمين ، إياكم والزنا ، فإن فيه ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا : فإنه يذهب البهاء ، ويورث الفقر ، وينقص العمر .
وأما التي في الآخرة : فإنه يوجب سخط الرب ، وسوء الحساب ، والخلود في النار " .
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ) هكذا ذكره ابن أبي حاتم وقد رواه ابن مردويه عن طريق هشام بن عمار ، عن مسلمة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكره .
وساقه أيضا من طريق سعيد بن عفير ، عن مسلمة ، عن أبي عبد الرحمن الكوفي ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله .
وهذا حديث ضعيف على كل حال ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ترى "، يا محمد، كثيرًا من بني إسرائيل=" يتولون الذين كفروا "، يقول: يتولون المشركين من عَبَدة الأوثان، ويعادون أولياء الله ورسله (22) =" لبئس ما قدمت لهم أنفسهم "، يقول تعالى ذكره: أُقسم: لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة (23) =" أنْ سخط الله عليهم "، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا.
* * * و " أن " في قوله: " أنْ سخط الله عليهم "، في موضع رفع، ترجمةً عن " ما "، الذي في قوله: " لبئس ما ".
(24) * * * =" وفي العذاب هم خالدون "، يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة=" هم خالدون "، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه.
(25) ------------- الهوامش : (22) انظر تفسير"التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(23) انظر تفسير"قدم" فيما سلف 2: 368/7: 447/8: 514.
(24) "الترجمة": البدل ، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.
(25) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف من فهارس اللغة (خلد).
قوله تعالى : ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدونقوله تعالى : ترى كثيرا منهم أي : من اليهود ; قيل : كعب بن الأشرف وأصحابه ، وقال مجاهد : يعني المنافقين يتولون الذين كفروا أي المشركين ; وليسوا على دينهم .
لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي : سولت وزينت ، وقيل : المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم .
أن سخط الله عليهم أن في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقوله : بئس رجل زيد ، وقيل : بدل من ما في قوله لبئس على أن تكون ما نكرة فتكون رفعا [ ص: 189 ] أيضا ، ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليه : وفي العذاب هم خالدون ابتداء وخبر .
{ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالمحبة والموالاة والنصرة.
{ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ } هذه البضاعةَ الكاسدة، والصفقةَ الخاسرة، وهي سخط الله الذي يسخط لسخطه كل شيء، والخلود الدائم في العذاب العظيم، فقد ظلمتهم أنفسهم حيث قدمت لهم هذا النزل غير الكريم، وقد ظلموا أنفسهم إذ فوتوها النعيم المقيم.
قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم ) قيل : من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ، ( يتولون الذين كفروا ) مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن : منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود ، ( لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ) بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة ، ( أن سخط الله عليهم ) غضب الله عليهم ، ( وفي العذاب هم خالدون )
«ترى» يا محمد «كثيرا منهم يتولَّون الذين كفروا» من أهل مكة بغضا لك «لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم» من العمل لمعادهم الموجب لهم «أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون».
تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم، ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم، وخلودهم في عذاب الله يوم القيامة.
وقوله : ( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي العذاب هُمْ خَالِدُونَ ) ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حق بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله ، ومحاربتهم لأوليائه .أي : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة استحقوا بسبها سخط الله عليهم ، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضاً بسببها الخلود الدائم في العذاب المهين .قال الجمل : و ( ما ) في قوله ( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ ) هي الفاعل ، وقوله : ( وَفِي العذاب هُمْ خَالِدُونَ ) هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم فالتقدير : سخط الله عليهم وخلدهم في العذاب .ثم بين - سبحانه - الدوافع التي حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال :
ثم قال تعالى: ﴿ ترى كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار وعبدة الأوثان، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكرنا في قوله تعاللى: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِى العذاب هُمْ خالدون ﴾ محل ﴿ أن ﴾ رفع كما تقول: بئس رجلا زيد، ورفعه كرفع زيد، وفي زيد وجهان: الأول: أن يكون مبتدأ، ويكون (بئس) وما عملت فيه خبره، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلا قتل: ما هو؟
فقال: زيد، أي هو زيد.
<div class="verse-tafsir"
نزّل الله لعنهم في الزبور ﴿ على لِسَانِ دَاوُودُ ﴾ وفي الإنجيل على لسان عيسى.
وقيل إن أهل أيلة، لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام: اللَّهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة.
ولما كفر أصحاب عيسى عليه السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام: اللَّهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ أي لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيء آخر؛ ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يتناهون ﴾ لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ ثم قال: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ للتعجيب من سوء فعلهم، مؤكداً لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟
قلت: من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهي حسماً للفساد فكان تركه على عكسه.
فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهي بعد الفعل؟
قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر.
ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله.
يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ﴿ ترى كَثِيراً مّنْهُمْ ﴾ هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم ﴿ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم.
والمعنى: موجب سخط الله ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ ﴾ إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ يعني أنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وأنّ إيمانهم ليس بإيمان ﴿ ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون ﴾ متمرّدون في كفرهم ونفاقهم.
وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ.
﴿ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِيَرِدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ والخُلُودَ في العَذابِ، أوْ عِلَّةُ الذَّمِّ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لِأنَّهُ كَسَبَهُمُ السُّخْطَ والخُلُودَ.
﴿ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم وإنْ كانَتِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ فالمُرادُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ﴾ إذِ الإيمانُ يَمْنَعُ ذَلِكَ.
﴿ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ ﴾ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ أوْ مُتَمَرِّدُونَ في نِفاقِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ترى كثيراً مِّنهم يتوّلّون الّذين كفروا} هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم {لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن
سَخِطَ الله عليهم} لبئس شيئاً قدموه لأنفسهم سخط الله
المائدة (٨٠ _ ٨٣ عليهم أي موجب سخط الله {وفي العذاب هم خالدون} أي في جهنم
﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وهي هُنا بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِها لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِأهْلِ الكِتابِ، أوْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، والمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ، ومِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) مُشْرِكُو مَكَّةَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ لِيَتَّفِقُوا مَعَ مُشْرِكِيها عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المُرادَ مِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) المُلُوكُ الجَبّارُونَ، أيْ تَرى كَثِيرًا مِنهم - وهم عُلَماؤُهم - يُوالُونَ الجَبّارِينَ، ويُزَيِّنُونَ لَهم أهْواءَهُمْ؛ لِيُصِيبُوا مِن دُنْياهُمْ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلى الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَثِيرِ مُنافِقُو اليَهُودِ، ومِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) مُجاهِرُوهُمْ، وقِيلَ المُشْرِكُونَ.
﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا فَعَلُوهُ في الدُّنْيا لِيَرِدُوا عَلى جَزائِهِ في العُقْبى ﴿ أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ، أيْ بِئْسَ ما قَدَّمَوُا لِمَعادِهِمْ مُوجِبَ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإنَّما اعْتَبَرُوا المُضافَ؛ لِأنَّ نَفْسَ سَخَطِ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ - بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَذْمُومًا، بَلِ المَذْمُومُ ما أوْجَبَهُ مِنَ الأسْبابِ عَلى أنَّ نَفْسَ السَّخَطِ مِمّا لَمْ يُعْمَلْ في الدُّنْيا لِيُرى جَزاؤُهُ في العُقْبى كَما لا يَخْفى.
وفِي إعْرابِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ أوِ المَدْحِ أقْوالٌ شَهِيرَةٌ لِلْمُعْرِبِينَ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ المَخْصُوصِ هُنا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟
أوْ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟
فَقِيلَ: هو أنْ سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أنْ سَخَطَ اللَّهُ ) مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وهو مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ( قَدَّمَتْ ) صِفَتُهُ، و( ما ) اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةً في مَحَلِّ رَفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ لِفِعْلِ الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ قَدَّمَتْهُ لَهم أنْفُسُهم سَخَطُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِن ( ما ) إنْ قُلْنا: إنَّها مَعْرِفَةٌ فاعِلٌ لِفِعْلِ الذَّمِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مِنها إنَّ كانَتْ تَمْيِيزًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إبْدالَ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَبِئْسَ شَيْئًا ذَلِكَ لَأنْ سَخَطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.
﴿ وفِي العَذابِ ﴾ أيْ عَذابِ جَهَنَّمَ ﴿ هم خالِدُونَ ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مُتَسَبِّبَةٌ عَمّا قَبْلَها، ولَيْسَتْ داخِلَةً في حَيِّزِ الحَرْفِ المَصْدَرِيٍّ إعْرابًا كَما تُوهِمُهُ عِبارَةُ البَعْضِ، وتَعَسَّفَ لَها عِصامُ المِلَّةِ بِجَعْلِ ( أنْ ) مُخَفَّفَةً عامِلَةً في ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ سَخَطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ( وفي العَذابِ هم خالِدُونَ ) وجُوِّزَ أيْضًا أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ثانِي مَفْعُولَيْ ( تَرى ) بِجَعْلِها عِلْمِيَّةً، أيْ تَعْلَمُ كَثِيرًا مِنهم ( يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ويَخْلُدُونَ في النّارِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: اليهود، عَلى لِسانِ داوُدَ وذلك أن الله تعالى مسخهم قردة، حيث اصطادوا السمك يوم السبت، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: وعلى لسان عيسى ابن مريم، حيث دعا عليهم، فمسخهم الله تعالى خنازير.
ويقال: لعن الذين كفروا، أي: أُبعِدوا من رحمة الله، على لسان داود، وعيسى ابن مريم.
وقال الزجاج: يحتمل معنيين: أحدهما أنهم مسخوا بلعنتهما، فجعلوا قردة وخنازير.
وجائز أن يكون داود وعيسى لعنا من كفر بمحمد ، يعني: لعن الكفار الذين على عهد رسول الله .
ثم قال: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يعني: الذين أصابهم من اللعنة بما عصوا يعني: بعصيانهم وَكانُوا يَعْتَدُونَ في دينهم، كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ يعني: لم يمتنعوا عن قبيح من الأفعال، ورضوا به لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ حين لم ينهوا عن المنكر.
ثم قال: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ قال مقاتل: يعني: اليهود يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب.
وقال الكلبي: تَرى كَثِيراً من المنافقين يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: اليهود، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ معناه: لبئس الفعل الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى، ويوجب لهم العقوبة والعذاب وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ يعني: دائمون.
ثم قال تعالى: وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ يعني: المنافقين، لو كانوا يصدقون بتوحيد الله، ونبوة محمد حقيقة وما أنزل إليه من القرآن مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ يعني: لو كان إيمان المنافقين حقيقة، ما اتخذوا اليهود أولياء في العون والنصرة وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: ناقضين للعهد.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ...
الآية: الضَّرُّ- بفتح الضاد-: المصدَرُ، وبضمها الاسم، وهو عدم الخير، والسَّمِيعُ لأقوالهم والْعَلِيمُ بنيَّاتهم، والغُلُوُّ: تجاوُزُ الحدِّ من غَلاَ السَّهْمُ إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذي غَلَوْا في عيسى، والقوم الذين نُهِيَ النصارى عن اتباع أهوائهم هو بَنُو إسرائيل، ووَصَف تعالى اليهودَ بأنهم ضَلُّوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
وقوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: قال ابنُ عباس (رضي اللَّه عنه) : لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ «١» .
وقوله سبحانه: كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ...
الآية: ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ بأنهم كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، / وإن نهى منهم ناه، لم يمتنعْ عن مواصلةِ العاصِي، ومؤاكلتِهِ، وخُلْطَتِهِ ورَوَى ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رأى أَخَاهُ على ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تعالى ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وعيسى» ، قال ابنُ مسعود: وكانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، وَقَالَ: «لاَ، وَاللَّهِ حتى تَأْخُذُوا على يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً» «٢» ،
والإجماعُ على أن النهْيَ عن المنْكَرِ- واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروفِ، أي: برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر على أحَدٍ النَّهْيُ لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وألاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم:
لَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليماً من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضاً.
وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ: اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ» ، أو قَالَ: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» «١» .
انتهى.
وقوله تعالى لنبيِّه محمَّد- عليه السلام-: تَرى كَثِيراً يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصرين له، ويحتمل أن يريد أسلافهم، والَّذِينَ كَفَرُوا: عبدة الأوْثَان.
وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ...
الآية، أي: قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالى: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ف أَنْ سَخِطَ: في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من ما، ويحتمل أن يكون التقدير: هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم.
وقوله تعالى: وَالنَّبِيِّ إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ: داودُ وعيسى، وإنْ كان المرادُ معاصري نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمراد ب «النبيّ» هو صلّى الله عليه وسلّم.
وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين ونحوه لمجاهد «٢» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ انْتِظامُ الآياتِ ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ يَرْجِعُ الكَلامُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ .
وفي الَّذِينَ كَفَرُوا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ أرْبابُ هَذا القَوْلِ الثّانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ: بِئْسَما قَدَّمُوا لِمَعادِهِمْ ﴿ أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هو، كَأنَّهُ قِيلَ: هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أولِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ذَمَّ اللهُ تَعالى هَذِهِ الفِرْقَةَ المَلْعُونَةَ بِأنَّهم ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ ؛ أيْ أنَّهم كانُوا يَتَجاهَرُونَ بِالمَعاصِي؛ وإنْ نَهى مِنهم ناهٍ فَعن غَيْرِ جَدٍّ؛ بَلْ كانُوا لا يَمْتَنِعُ المُمْسِكُ مِنهم عن مُواصَلَةِ العاصِي ومُؤاكَلَتِهِ وخُلْطَتِهِ؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ الرَجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا رَأى أخاهُ عَلى ذَنْبٍ نَهاهُ عنهُ تَعْزِيرًا؛ فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ ما رَأى مِنهُ أنْ يَكُونَ خَلِيطَهُ وأكِيلَهُ؛ فَلَمّا رَأى اللهُ ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ولَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ؛ وعِيسى - عَلَيْهِما السَلامُ"؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وكانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَّكِئًا فَجَلَسَ؛ وقالَ: "لا واللهِ حَتّى تَأْخُذُوا عَلى يَدَيِ الظالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى أنَّ النَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ واجِبٌ لِمَن أطاقَهُ؛ ونَهى بِمَعْرُوفٍ؛ وأمِنَ الضَرَرَ عَلَيْهِ وعَلى المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ تَعَذَّرَ عَلى أحَدٍ النَهْيُ لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الإنْكارُ بِقَلْبِهِ؛ وألّا يُخالِطُ ذا المُنْكَرِ.
وقالَ حُذّاقُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ مِن شُرُوطِ الناهِي أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِنَ المَعْصِيَةِ؛ بَلْ يَنْهى العُصاةُ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وقالَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: فَرْضٌ عَلى الَّذِينَ يَتَعاطَوْنَ الكُؤُوسِ أنْ يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا؛ واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "يَتَناهَوْنَ"؛ و"فَعَلُوهُ"؛ يَقْتَضِي اشْتِراكَهم في الفِعْلِ؛ وذَمَّهم عَلى تَرْكِ التَناهِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ؛ اَللّامُ لامُ قَسَمٍ؛ وجَعَلَ الزَجّاجُ "ما" مَصْدَرِيَّةً؛ وقالَ: اَلتَّقْدِيرُ: "لَبِئْسَ شَيْئًا فِعْلُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "لَبِئْسَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلًا".
وقَوْلُهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ تَرى كَثِيرًا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ؛ وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأسْلافِ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: "تَرى الآنَ إذا خَبَّرْناكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّهُ كانَ يَرى ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ؛ ودَلائِلِ حالِهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ؛ فَلا يُرِيدَ إلّا مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ لِلْآخِرَةِ واجْتَرَحَتْهُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ فَإنَّ "سَخِطَ"؛ في مَوْضِعِ بَدَلٍ مِن "ما"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "هُوَ أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "أنْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "والنَبِيِّ" - إنْ كانَ المُرادُ الأسْلافَ - فالنَبِيُّ داوُدُ؛ وعِيسى - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإنْ كانَ المُرادُ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ فالنَبِيُّ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ و ﴿ "الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ ﴾ هم عَبَدَةُ الأوثانِ؛ وخُصَّ الكَثِيرُ مِنهم بِالفِسْقِ؛ إذْ فِيهِمْ قَلِيلٌ قَدْ آمَنَ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ ؛ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِن ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأنَّهُ يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: ﴿ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُعْنى بِها المُنافِقُونَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي ذُكر به حال طائفة من اليهود كانوا في زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم وأظهروا الإسلام وهم معظم المنافقين وقد دلّ على ذلك قوله: ﴿ يَتَولَّوْن الّذين كفروا ﴾ ، لأنّه لا يستغرب إلاّ لكونه صادراً ممّن أظهروا الإسلام فهذا انتقال لشناعة المنافقين.
والرؤية في قوله ﴿ ترى ﴾ بَصريّة، والخطاب للرّسول.
والمراد ب ﴿ كثير منهم ﴾ كثير من يهود المدينة، بقرينة قوله ﴿ ترى ﴾ ، وذلك أنّ كثيراً من اليهود بالمدينة أظهروا الإسلام نفاقاً، نظراً لإسلام جميع أهل المدينة من الأوس والخزرج فاستنكر اليهود أنفسهم فيها، فتظاهروا بالإسلام ليكونوا عيناً ليهود خَيبر وقُريظة والنضِير.
ومعنى ﴿ يتولّون ﴾ يتّخذونهم أولياء.
والمراد بالّذين كفروا مشركو مكّة ومَنْ حَول المدينة من الأعراب الذين بقُوا على الشرك.
ومن هؤلاء اليهود كَعْبُ بن الأشرف رئيسُ اليهود فإنّه كان موالياً لأهل مكّة وكان يغريهم بغزو المدينة.
وقد تقدّم أنّهم المراد في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطّاغوت ويقولون للّذين كفروا هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلاً ﴾ [النساء: 51].
وقوله ﴿ أنْ سخط الله عليهم ﴾ (أنْ) فيه مصدريّة دخلت على الفعل الماضي وهو جائز، كما في «الكشاف» كقوله تعالى: ﴿ ولولا أنْ ثَبَّتْنَاك ﴾ [الإسراء: 74]، والمصدر المأخوذ هو المخصوص بالذمّ.
والتّقدير: لبئس ما قدمت بهم أنفسهم سُخْطُ اللّهِ عليهم، فسُخط الله مذموم.
وقد أفاد هذا المخصوص أنّ الله قد غضب عليهم غضباً خاصّاً لموالاتهم الّذين كفروا، وذلك غير مصرّح به في الكلام فهذا من إيجاز الحذف.
ولك أن تجعل المراد بسخط الله هو اللّعنة الّتي في قوله: ﴿ لُعِن الّذين كفروا من بني إسرائيل ﴾ [المائدة: 78].
وكون ذلك ممّا قدّمت لهم أنفسهم معلوم من الكلام السابق.
وقوله: ﴿ ولو كانوا يؤمنون بالله والنّبيء ﴾ إلخ الواو للحال من قوله: ﴿ ترى كثيراً منهم ﴾ باعتبار كون المراد بهم المتظاهرين بالإسلام بقرينة ما تقدّم، فالمعنى: ولو كانوا يؤمنون إيماناً صادقاً ما تّخذوا المشركين أولياء.
والمراد بالنّبيء محمّد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه القرآن، وذلك لأنّ النّبيء نهَى المؤمنين عن موالاة المشركين، والقرآن نهى عن ذلك في غير ما آية.
وقد تقدّم في قوله: ﴿ لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ [آل عمران: 28].
وقد جعل موالاتهم للمشركين علامة على عدم إيمانهم بطريقة القياس الاستثنائي، لأنّ المشركين أعداء الرّسول فموالاتهم لهم علامة على عدم الإيمان به.
وقد تقدّم ذلك في سورة آل عمران.
وقوله: ﴿ ولكنّ كثيراً منهم فاسقون ﴾ هو استثناء القياس، أي ولكنّ كثيراً من بني إسرائيل ﴿ فاسقون ﴾ .
فالضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ ترى كثيراً منهم ﴾ و ﴿ فاسقون ﴾ كافرون، فلا عَجَب في موالاتهم المشركين لاتّحادهم في مناواة الإسلام.
فالمراد بالكثير في قوله: ﴿ ولكنّ كثيراً منهم فاسقون ﴾ عين المراد من قوله ﴿ ترى كثيراً منهم يتولّون الّذين كفروا ﴾ فقد أعيدت النكرة نكرة وهي عين الأولى إذ ليس يلزم إعادتها معرفة.
ألا ترى قوله تعالى: ﴿ فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً ﴾ [الشرح: 5، 6].
وليس ضمير ﴿ منهم ﴾ عائداً إلى ﴿ كثيراً ﴾ إذ ليس المراد أنّ الكثير من الكثير فاسقون بل المراد كلّهم.
الجزء السابع <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، تَمالَأ الفَرِيقانِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ .
﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لَيْسَ هَذا عَلى العُمُومِ، وإنَّما هو خاصٌّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى بِذَلِكَ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ واحِدُ القِسِّيسِينَ قَسٌّ، مِن قَسَّ وهُمُ العُبّادُ.
وَواحِدُ الرُّهْبانِ راهِبٌ، وهُمُ الزُّهّادُ.
﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ إذا لَزِمَ، ولِلْحُجَّةِ إذا قامَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ﴾ قال: ما أمرتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب وضعفه عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة، فاما التي في الدنيا قد طاب إليها، ودوام الفقر، وقصر العمر، وأما التي في الآخرة فسخط الله، وطول الحساب، والخلود في النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم الخالدون ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ، أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، محل (أن) رفعٌ، كما تقول: بئس رجلاً زيدٌ، ورفعه كرفع زيد، وفي رفع زيد وجهان: أحدهما: الابتداء، وتكون بئس وما عملت فيه خبره، والثاني: أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلاً، قيل: من هو؟
فقال: زيد، أي هو زيد (٣) ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ ﴾ عائدة إلى المنافقين (٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 6/ 320، "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير البغوي" 3/ 84، 85.
(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير البغوي" 3/ 85، "زاد المسير" 2/ 407.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "زاد المسير" 2/ 407.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 10/ 498، "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير الوسيط" 2/ 216، "تفسير البغوي" 3/ 85، "زاد المسير" / 407.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ أي في الزبور والإنجيل ﴿ لاَ يتناهون ﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿ عَن مُّنكَرٍ ﴾ فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله فعلوه والنهي لا يكون بعد الفعل؟
فالجواب: أن المعنى لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر إن أرادوا فعله ﴿ ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ أن أراد أسلافهم، فالرؤية بالقلب، وإن أراد المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، فهي رؤية عين ﴿ والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني: ما اتخذوا الكفار أولياء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.
/التفسير: افتتح الله السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.
قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.
وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟
ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟
وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.
﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.
والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.
ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.
وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.
ثم إنه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه حل في ذات عيسى أو اتحد به.
ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله أو من حكاية قول عيسى لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.
قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.
يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.
وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.
والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.
ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.
ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.
ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.
ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.
وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.
ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.
ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.
والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.
أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.
ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.
ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.
ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.
ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.
ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.
ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.
قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.
ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.
لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.
وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.
فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي فكذبوه.
والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.
وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.
وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.
وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.
وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.
ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.
عن ابن مسعود أن النبي قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.
والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.
والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.
ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.
ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.
ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.
وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد ما اتخذهم اليهود أولياء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .
قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى - - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد [رسولنا] محمد في القرآن؛ وهو قول ابن عباس، .
وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس - -: "القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا".
وقال الحسن: "انقطع ذلك النسل".
وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله.
ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود - - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن [أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .
ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود - - قال: قال رسول الله : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" قال: فجلس رسول الله وكان متكئاً فقال: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ [عَلَى الحقِّ] أطْراً" قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين، ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه.
وقيل: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : يعني: من اليهود: ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعاً ذلك.
ويحتمل وجهاً آخر: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً...
﴾ الآية [المائدة: 77]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ ﴾ .
يعني: المنافقين، في أحد التأويلين.
وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هؤلاء رسول الله وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء.
ثم يحتمل قوله - -: ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في الدين أو في النصر والمعونة والنصرة، ﴿ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ تحتمل الآية وجوهاً: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوماً مخصوصين منهم., وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله وأصحابه هم أشد عداوة لهم.
وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله - - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله - -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ ، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله ، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلباً.
وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهباناً، والرهبان: هم العباد.
وقيل: القسيسون: [هم] الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلباً من اليهود، والله أعلم.
فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعاً؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام.
وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله وكانوا عيوناً لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم.
وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ .
سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سروراً.
ويحتمل قوله - -: ﴿ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ ؛ حزناً على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقاً عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله - -: ﴿ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ : قد فاضت أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ﴾ بما أنزلت واتبعنا الرسول ﴿ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ \[الآية\]: قيل: مع الأنبياء والرسل.
وقيل: مع أصحاب محمد ، وهو واحد.
ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.
وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي فقالوا: ما أشبه هذا [بالذي] نُحَدَّثُ من حديث عيسى!!
فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؟
وفيمن نزلت؟
إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
[الحق] يحتمل: الرسول ، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ : أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.
قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين.
و ﴿ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.
ويحتمل: أصحاب محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ ﴾ : الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثني عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها.
﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعاً، يعمل عملين جميعاً.
والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : قال بعضهم: "الجحيم": هو اسم معظم النار.
وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك "السعير".
<div class="verse-tafsir"
تشاهد -أيها الرسول- كثيرًا من الكفرة من هؤلاء اليهود يحبون الكافرين ويميلون إليهم، ويعادونك ويعادون الموحِّدين، ساء ما يُقْدِمُونَ عليه من موالاتهم الكافرين، فإنها سبب غضب الله عليهم، وإدخاله إياهم النار خالدين فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.LrKxg"