الآية ٨٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨٨ من سورة المائدة

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا ) أي : في حال كونه حلالا طيبا ( واتقوا الله ) أي : في جميع أموركم ، واتبعوا طاعته ورضوانه ، واتركوا مخالفته وعصيانه ( الذي أنتم به مؤمنون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، لهؤلاء المؤمنين الذين نهَاهم أن يحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لهم: كُلوا، أيها المؤمنون، من رزق الله الذي رَزقكم وأحله لكم، حلالا طيِّبًا، (33) كما:- 12355 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبًا " يعني: ما أحل الله لهم من الطعام.

* * * وأما قوله: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون "، فإنه يقول: وخافوا، أيها المؤمنون، أن تعتدوا في حدوده، فتُحلُّوا ما حُرِّم عليكم، وتُحرِّموا ما أحِلَّ لكم، واحذروه في ذلك أن تخالفوه، فينـزل بكم سَخَطُه، أو تستوجبوا به عقوبته (34) =" الذي أنتم به مؤمنون "، يقول: الذي أنتم بوحدانيّته مقرُّون، وبربُوبيته مصدِّقون.

----------------- الهوامش : (33) انظر تفسير"حلال طيب" فيما سلف 3: 300 ، 301 (34) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنونقوله تعالى : وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك ، وخص الأكل بالذكر ; لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان ، وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في " الأعراف " إن شاء الله تعالى ، وأما شهوة الأشياء الملذة ، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية ، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة ; فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ، ويهون عليه عنادها ; فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها ، ومنقادا بانقيادها .

حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة ، وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها [ ص: 197 ] ونشاطها بإدراك إرادتها ، وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى ; لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين ; وذلك النصف من غير شين .

وتقدم معنى الاعتداء والرزق في " البقرة " والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمر بضد ما عليه المشركون، الذين يحرمون ما أحل الله فقال: { وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا } أي: كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان حلَالًا لا سرقة ولا غصبا ولا غير ذلك من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان أيضا طيبا، وهو الذي لا خبث فيه، فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث.

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

{ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراعاة حقه، فإنه لا يتم إلا بذلك.

ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب، وسرية وأمة، ونحو ذلك، فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } الآية.

إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار، ويدخل في هذه الآية أنه لا ينبغي للإنسان أن يتجنب الطيبات ويحرمها على نفسه، بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) قال عبد الله بن المبارك : الحلال ما أخذته من وجهه ، والطيب ما غذى وأنمى ، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي .

( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا : أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا» مفعول والجار والمجرور قبله حال متعلق به «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها فقال : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ) .والأمر في قوله ( وَكُلُواْ ) للإِباحة .

وقيل إنه للندب .

ويرى بعضهم أنه للوجوب لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله - تعالى - تركا مطلقاً لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله الله .أي : وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذي رزقكم الله إياه ، وتفضل عليكم به ( واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون ) بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وتلتزموا في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شئونكم حدود شريعته ، وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم .والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التي أحلها الله ، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا ، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه - سبحانه - من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها .وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل ، لأنه أعظم أنواع المتع ، وأهم ألوان منافع الإِنسان التي عليها قوام حياته .وقد زكى - سبحانه - طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها : أنه جعله مما رزقهم إياه ، وأنه وصفه بكونه حلالا وليس محرما ، وبكونه طيباً وليس خبيثاً .والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة واجتهدت في الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى .قال الآلوسي : قوله : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً ) أي : كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله - تعالى - فحلالا مفعول به لكلوا .

و ( مِمَّا رَزَقَكُمُ ) حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا .

والآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التوكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك .وقوله : ( واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون ) استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن .والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى .

وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى .وقال القرطبي : قال علماؤنا : في هذه الآية وما شابهها ، والأحاديث الواردة في معناها ، رد على غلاة المتزهدين ، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين ، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه .قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح .

ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته ، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون .وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال له ولم؟

قال : يقول ، لا يؤدي شكره .

فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد؟

قال : نعم .

فقال الحسن : إن جارك جاهل ، فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج .والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم ، وتأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله - تعالى - وشكره على ما وهبهم من نعم .وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدي إلى ضعف العقول والأجسام ، والإِسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء في عقولهم وفي أجسامهم وفي سائر شئونهم ، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف - كما جاء في الحديث الشريف .ولأن دين الإِسلام ليس دين رهبانية ، وفي الحديث الشريف " إن الله لم يبعثني بالرهبانية " وإنما دين الإِسلام دين عبادة وعمل ، فهو لا يقطع العابد عن الحياة ، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها .وإن التفاصيل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس ، وسلامة العقبادة وكثرة إيصال النفع للناس .

ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا ، وتحريم طيباتها التي أحلها الله - تعالى .وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين .أما الآيات فمنها قوله - تعالى - ( يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ) ومنها قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسأولن عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أي عدوها قليلة - فقالوا : وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر .

وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً .فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟

أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له .

لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد؛ وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .ورحم الله الحسن البصري فقد قال : إن الله - تعالى - أدب عباده فأحسن أدبهم فقال - تعالى - ( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ) ما عاب قوما ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه .فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التي أحلها الله له ، وأن يتمتع بها بدون إسراف أو تقتير ، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه ، وأن يجعل جانباً من هذه النعم للإحسان إلى الفقراء والمحتاجين .قال الفخر الرازي : لم يقل - سبحانه - : وكلوا ما رزقكم الله ، ولكن قال : ( وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ) وكلمة " من " للتبعيض .

فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإِسراف كما قال : ( وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ) ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين ، وأمر المؤمنين بحفظ إيمانهم فلا يكثروا منها ، فقال - تعالى - .( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَكُلُواْ ﴾ صيغة أمر، وظاهرها للوجوب لا أن المراد هاهنا الإباحة والتحليل.

واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم بالشروع، وقالوا: ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الاطلاق فيتناول ما بعد الشروع في الصوم، غايته أنه خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في غير محل التخصيص.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حلالا طَيّباً ﴾ يحتمل أن يكون متعلقاً بالأكل، وأن يكون متعلقاً بالمأكول، فعلى الأول يكون التقدير: كلوا حلالاً طيباً مما رزقكم الله، وعلى التقدير الثاني: كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً طيباً، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الاذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقاً كان حلالاً، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على أن الرزق قد يكون حراماً لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالاً طيباً ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالاً وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة.

المسألة الثالثة: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، لكن قال: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ وكلمة (من) للتبعيض، فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض وأصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُواْ  ﴾ [الأعراف: 31].

المسألة الرابعة: ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد.

فإنه لو لم يتكفل برزقه لم قال: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ وإذا تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى وإحسانه، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب».

أما قوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ فهو تأكيد للتوصية بما أمر به، زاده توكيداً بقوله تعالى: ﴿ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ ما طاب ولذ من الحلال.

ومعنى ﴿ لاَ تُحَرّمُواْ ﴾ لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم.

أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة يوماً لأصحابه، فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ونزلت.

وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ، وكان يعجبه الحلواء والعسل.

وقال: «إن المؤمن حلو يحب الحلاوة» ، وعن ابن مسعود أن رجلاً قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك.

وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجيّ وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟

قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان.

فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد، أترى لعاب النحل بلباب البرّ بخالص السمن يعيبه مسلم.

وعنه أنه قيل له.

فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدّي شكره.

قال: أفيشرب الماء البارد؟

قالوا: نعم.

قال: إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ.

وعنه أن الله تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم.

قال الله تعالى: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ ﴾ [الطلاق: 7] ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواهاً عنهم فعصوه ﴿ وَلاَ تَعْتَدُواْ ﴾ ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم.

أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات.

أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقاً ﴿ حلالا ﴾ حال مما رزقكم الله ﴿ واتقوا الله ﴾ تأكيد للتوصية بما أمر به.

وزاده تأكيداً بقوله: ﴿ الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ ما طابَ ولَذَّ مِنهُ كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما قَبْلَهُ مَدْحَ النَّصارى عَلى تَرَهُّبِهِمْ والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ عَقِبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ والِاعْتِداءِ عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا فَقالَ: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ ناهِيَةً عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ داعِيَةً إلى القَصْدِ بَيْنَهُما.

رُوِيَ « (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وصَفَ القِيامَةَ لِأصْحابِهِ يَوْمًا وبالَغَ في إنْذارِهِمْ، فَرَقُّوا واجْتَمَعُوا في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا يَزالُوا صائِمِينَ قائِمِينَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفَرْشِ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ والوَدِكَ، ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجُبُّوا مَذاكِيرَهم.

فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، وآتِي النِّساءَ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا ﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَيَكُونُ حَلالًا مَفْعُولَ كُلُوا ومِمّا حالَ مِنهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا وحَلالًا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوِ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وعَلى الوُجُوهِ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً} حلالاً حال مما رزقكم الله {واتّقوا الله} توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيداً بقوله {الّذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا ﴾ أيْ كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى.

فَحَلالًا مَفْعُولٌ بِهِ لِكُلُوا و ﴿ مِمّا رَزَقَكُمُ ﴾ إمّا حالٌ مِنهُ وقَدْ كانَ في الأصْلِ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ صارَتْ حالًا أوْ مُتَعَلِّقٌ بِكُلُوا و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ المَفْعُولِ لِكُلُوا عَلى مَعْنى أنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ لَهُ قائِمَةٌ مَقامَهُ أيْ شَيْئًا مِمّا رَزَقَكم أوْ يَجْعَلَهُ نَفْسَهُ مَفْعُولًا بِتَأْوِيلِ بَعْضٍ إلّا أنَّ في هَذا تَكَلُّفًا و ﴿ حَلالا ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أكْلًا حَلالًا وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها الآيَةُ دَلِيلٌ لَنا في شُمُولِ الرِّزْقِ لِلْحَلالِ والحَرامِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ سِوى التَّأْكِيدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ 88 اسْتِدْعاءُ التَّقْوى وامْتِثالُ الوَصِيَّةِ بِوَجْهٍ حَسَنٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ أكْلَ اللَّذائِذِ لا يُنافِي التَّقْوى، وقَدْ أكَلَ  ثَرِيدَ اللَّحْمِ ومَدَحَهُ وكانَ يُحِبُّ الحَلْوى، وقَدْ فَصَّلَتِ الأخْبارُ ما كانَ يَأْكُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوانِي الكُتُبِ مَلْأى مِن ذَلِكَ ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَأْكُلُ الفالَوْذَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَرْقَدُ السَّنَجِيُّ فَقالَ: يا فَرْقَدُ ما تَقُولُ في هَذا فَقالَ: لا آكُلُهُ ولا أُحِبُّ أكْلَهُ فَأقْبَلَ الحَسَنُ عَلى غَيْرِهِ كالمُتَعَجِّبِ وقالَ: لُعابُ النَّحْلِ بِلُعابِ البُرَّ مَعَ سَمْنِ البَقَرِ هَلْ يَعِيبُهُ مُسْلِمٌ.

وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى النَّهْيِ عَنِ التَّرَهُّبِ وتَرْكِ النِّكاحَ وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ  قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْنِي بِالرَّهْبانِيَّةِ» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَبَرٍ طَوِيلٍ: «شِرارُكم عُزّابُكم وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكم» وعَنْ أنَسٍ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَأْمُرُنا بِالباءَةِ ويَنْهانا عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا» وعَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحُ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنِّي» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله  ، أنهم سمعوا من النبي  وصف القيامة يوماً، وخوف النار والحساب، فاجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، فتواثقوا بأن يخصوا أنفسهم، ويترهبوا فنهاهم الله عن ذلك.

فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.

قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن مدرك بن قزعة، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله  ، وقال: يا رسول الله غلبني حديث النفس، ولا أحب أن أحدث شيئاً حتى أذكر لك، قال  : «وَمَا تُحَدِّثُكَ نَفْسُكَ يَا عُثْمَانُ» ؟

قال: تحدثني أن أخصي نفسي.

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ إِخْصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ» قال: يا رسول الله، إن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال.

فقال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ تَرْهِيبَ أُمَّتِي، الجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ لانْتِظَارِ الصَّلَوَاتِ» .

قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أسيح في الأرض؟.

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ: فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الغَزْوُ فِي سَبِيلِ الله، وَالحَجُّ وَالعُمْرَةُ» .

قال: فإن نفسي تحدثني أن أخرج من مالي كله؟

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ صَدَقَتَكَ يَوْماً بِيَوْمٍ، وَتَكُفُّ نَفْسَكَ وَعِيَالَكَ، وَتَرْحَمُ المَسَاكِينَ، وَاليَتِيمَ، أَفْضَلُ مِنْ ذلك» .

فقال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أطلق خَوْلة.

فقال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ الهِجْرَةَ فِي أُمَّتِي، مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ الله، أَوْ هَاجَرَ إِليَّ فِي حَيَاتِي، أَوْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي، أَوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأَةٌ، أَوِ امْرَأَتَانِ، أَوْ ثَلاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ» قال يا رسول الله فإن نهيتني أن أطلقها، فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشاها.

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ إِذَا غَشِيَ أَهْلَهُ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، كَانَ لَهُ وَصِيفاً فِي الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَ فَرَطاً وَشَفِيعاً يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ نُوراً يَوْم القِيَامَةِ» .

فقال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم.

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنِّي أُحِبُّ اللَّحْمَ، وَآكُلُهُ إِذَا وَجَدْتُهُ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُطْعِمَنِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لأَطْعَمَنِيهِ» .

قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا أمسّ الطيب.

قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بَالطَّيِّبِ غبّاً غبّاً» .

وقال: «لا تَتْرُكْهُ يَا عُثْمَانُ، لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، صَرَفَتِ المَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ القِيَامَةِ» .

ونزلت هذه الآية لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.

وَلا تَعْتَدُوا يقول: يعني: لا تحرموا حلاله، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.

ويقال: إن محرم ما أحل الله كمُحِلِّ ما حرم الله.

ثم قال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً من الطعام والشراب، وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تحرموا ما أحل الله لكم، الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: إن كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.

ثم أمرهم الله تعالى بأن يكفروا أيمانهم، لأنه لما حرموا الحلال على أنفسهم، كان ذلك يميناً منهم.

ولهذا قال أصحابنا: إذا قال الرجل لشيء حلال: هذا الشيء عليّ حرام يكون ذلك يميناً، فأمرهم الله تعالى بأن يأكلوا، ويحنثوا في أيمانهم، وفي الآية دليل: أن الرجل إذا حلف على شيء، والحنث خير له، ينبغي أن يحنث ويكفر بيمينه.

وفيها دليل: أن الكفارة بعد الحنث، لأنه أمرهم بالحنث، بقوله: فكلوا ثم أمرهم بالكفارة وهو قوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال ابن عباس: اللغو أن يحلف الرجل على شيء بالله، وهو يرى أنه صادق، وهو فيه كاذب.

وهكذا روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: لغو اليمين: أن يحلف الرجل على شيء، يظن أنه الذي حلف عليه هو صادق، فإذا هو غير ذلك.

وقال الحسن: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس هو كذلك.

وقال سعيد بن جبير: الرجل يحلف باليمين الذي لا ينبغي أن يحلف بها، يحرم شيئاً هو حلال، فلا يؤاخذه الله بتركه، لكن يؤاخذه الله إن فعل.

وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، وأخرجني الله من مالي وولدي، وقالت عائشة: اللغو: هو قول الرجل لا والله، وبلى والله، على شيء لم يعقده قلبه.

ثم قال: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص عَقَّدْتُمُ بالتشديد، وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر: عَقَّدْتُمُ بالتخفيف، وقرأ ابن عامر: بِما عَقَّدْتُمُ فمن قرأ: عاقدتم فهو من المعاقدة، والمعاقدة تجري بين الاثنين، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه بشيء، ومن قرأ بالتشديد فهو للتأكيد.

ومن قرأ بالتخفيف لأن اليمين تكون مرة واحدة.

والتشديد تجري في التكرار والإعادة.

وروى عبد الرزاق عن بكار بن عبد الله قال: سئل وهب بن منبه عن قوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال: الأيمان ثلاثة: لغو وعقد وصبر، فأما اللغو: فلا والله، وبلى والله، لا يعقد عليه القلب، وأما العقد: أن يحلف الرجل لا يفعله فيفعله، فعليه الكفارة، وأما الصبر: بأن يحلف على مال ليقتطعه بيمينه، فلا كفارة له.

وروى حسين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري قال: الأيمان ثلاثة: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ الله بها.

وذكر إلى آخره ثم بيّن كفارة اليمين فقال تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ روي عن علي بن أبي طالب  ، أنه قال: الغداء والعشاء.

وسئل شريح عن الكفارة فقال: الخبز والزيت والخل والطيب.

فقال السائل: أرأيت إن أطعمت الخبز واللحم؟

قال: ذلك أرفع طعام أهلك وطعام الناس.

وروي عن ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب  ما أنهما قالا: لكل مسكين نصف صاع من حنطة يعني: إذا أراد أن يدفع إليهم، وإن أراد أن يطعمهم، فالغداء والعشاء.

ثم قال: أَوْ كِسْوَتُهُمْ قال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت وقال إبراهيم النخعي: لكل مسكين ثوب وقال الحسن: ثوبان أبيضان ثم قال: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: يعتق رقبة، ولم يشترط هاهنا المؤمنة، فيجوز الكفارة بالكافرة والمؤمنة، فالرجل بالخيار بين هذه الأشياء الثلاثة، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الطعام ولا الكسوة ولا الرقبة فعليه فَصِيامُ يعني: صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.

وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن صيام الكفارة، قال: يفرق.

قال له مجاهد كان عبد الله يقرأ: متتابعات، قال طاوس: فهو أيضاً متتابعات.

وروى مالك عن حميد، عن مجاهد قال: كان أبي يقرأ فصيام ثلاثة أيام متتابعات في الكفارة اليمين.

ثم قال: ذلِكَ يعني: الذي ذكر كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ عن الطعام والكسوة والعتق والصوم، ثم قال: إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ يعني: ليعلم الرجل ما حلف عليه، فليكفر يمينه إذا حنث، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني: أمره ونهيه، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا رب هذه النعمة، إذ جعل لكم مخرجاً من أيمانكم بالكفارة، والكفارة في اللغة: هو التغطية يعني: يغطي إثمه.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال العراقيُّ: تَفِيضُ، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: «اقرءوا القُرْآنَ، وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا» ، خرَّجه البزِّار «١» .

انتهى من «الكوكب الدري» ، وفيه عن البزَّار أيضاً أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ» .

انتهى.

وقولهم: مَعَ الشَّاهِدِينَ، يعني: نبيّنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأمته قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقال «٣» الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: «مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ» ، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد لقول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ...

[البقرة: ١٤٣] الآية، وقولهم: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه قاله ابن زيد وغيره «٤» من المفسِّرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذّبين، وأنهم قرناء الجحيم.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره «٥» نزلَتْ بسبب جماعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتي

النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» ، قال الطبريُّ: كان فيما يتلى:

«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» ، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية.

وقوله سبحانه: وَلا تَعْتَدُوا، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه «١» ، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنى: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه «٢» ، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن كأنه قال: لا تشدِّدوا فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا فتحلُّوا حراماً، قلتُ: وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي النَّضْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» «٣» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديثُ في «الموطإ» مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: «لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طوبى لَكَ يَا عُثْمَان!

لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا» «٤» .

قال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...

الآية.

ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة «٥» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهد قال الحطيئة: [البسيط]

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ ...

شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا «١»

قال «٢» الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة (رضي اللَّه عنهم) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم/ اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟

فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة «٣» يمينٍ واحدةً.

واختلفَ في معنى قوله سبحانه: مِنْ أَوْسَطِ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ «الوسَطِ» القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ ب «المدينة» مدّا بمدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك رطل

وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب «المدونة» أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر «١» : وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ.

انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىء في الصّلاة «٢» .

وقوله سبحانه: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: مؤمنة قاله مالك «١» وجماعةٌ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ.

وقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث

المذكورة.

واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له «١» الصيام فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال «٢» الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: «ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» ، وقال بذلك جماعة.

وقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: إِذا حَلَفْتُمْ، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وقعتم فيه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَرَّمُوا اللَّحْمَ والنِّساءَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأرادُوا جَبَّ أنْفُسِهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِلْعِبادَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانُوا عَشْرَةً: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، والمِقْدادُ بْنُ الأُسُودِ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وأبُو ذَرٍّ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، اجْتَمَعُوا في دارِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَتَواثَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ: « "مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ السُّدِّيُّ: كانَ سَبَبَ عَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  جَلَسَ يَوْمًا، فَلَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ، فَرَقَّ النّاسُ، وبَكَوْا، فَعَزَمَ هَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ، وحَلَفُوا عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، والمِقْدادَ، وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ في أصْحابِهِ، تَبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا النِّساءَ، ولَبِسُوا المُسُوحَ وحَرَّمُوا طَيِّباتِ الطَّعامِ واللِّباسِ، إلّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهْلُ السِّياحَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَمُّوا بِالِاخْتِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ: إنِّي إذا أكَلْتُ مِن هَذا اللَّحْمِ، أقْبَلْتُ عَلى النِّساءِ، وإنِّي حَرَّمْتُهُ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ ضَيْفًا نَزَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا، فَلَمّا جاءَ، قالَ لِزَوْجَتِهِ: هَلْ أكَلَ الضَّيْفُ؟

فَقالَتْ: انْتَظَرْتُكَ.

فَقالَ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي؟!

طَعامُكِ عَلَيَّ حَرامٌ.

فَقالَتْ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ لَمْ تَأْكُلْهُ، فَقالَ الضَّيْفُ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ لَمْ تَأْكُلُوهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ابْنُ رَواحَةَ قالَ: قَرِّبِي طَعامَكِ، كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ غَدا إلى النَّبِيِّ  ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ: أحْسَنْتَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ.

فَأمّا "الطَّيِّباتُ" فَهي اللَّذِيذاتُ الَّتِي تَشْتَهِيها النُّفُوسُ مِمّا أُبِيحَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَجُبُّوا أنْفُسَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ.

والثّانِي: لا تَأْتُوا ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لا تَسِيرُوا بِغَيْرِ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ مِن تَرْكِ النِّساءِ، وإدامَةِ الصِّيامِ، والقِيامِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: لا تُحَرِّمُوا الحَلالَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: لا تَغْصِبُوا الأمْوالَ المُحَرَّمَةَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللهُ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أو كِسْوَتُهم أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانِكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ "كُلُوا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن: "تَمَتَّعُوا بِالأكْلِ؛ والشُرْبِ؛ واللِباسِ؛ والرُكُوبِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ"؛ وخُصَّ الأكْلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَقْصُودِ؛ وأخَصُّ الِانْتِفاعاتِ بِالإنْسانِ.

والرِزْقُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ: ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اَلرِّزْقُ: كُلُّ ما صَحَّ تَمَلُّكُهُ؛ والحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ؛ ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ يَلْزَمُهم أنَّ آكِلَ الحَرامِ لَيْسَ بِمَرْزُوقٍ مِنَ اللهِ تَعالى؛ وقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ النُبَلاءِ أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ  ﴾ ؛ قالَ: فَذَكَرَ المَغْفِرَةَ مُشِيرًا إلى أنَّ الرِزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ؛ ورَدَّ أبُو المَعالِي - في "اَلْإرْشادُ" - عَلى المُعْتَزِلَةِ بِأنَّهم إذا قالُوا: "اَلرِّزْقُ ما تُمُلِّكَ"؛ فَيَلْزَمُهم أنَّ ما مُلِكَ فَهو الرِزْقُ؛ ومُلْكُ اللهِ تَعالى لِلْأشْياءِ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ رِزْقٌ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا الَّذِي أُلْزِمَ غَيْرُ لازِمٍ؛ فَتَأمَّلْهُ"؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ في نَظِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: شَدَّدْتُمْ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "عَقَّدْتُمُ"؛ مُشَدَّدَةَ القافِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "عَقَدْتُمُ"؛ خَفِيفَةَ القافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "عاقَدْتُمُ"؛ بِألِفٍ؛ عَلى وزْنِ "فاعَلْتُمُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن شَدَّدَ القافَ احْتَمَلَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ خاطَبَ جَماعَةً؛ والآخَرُ أنْ يَكُونَ "عَقَّدَ"؛ مِثْلَ "ضَعَّفَ"؛ لا يُرادُ بِهِ التَكْثِيرُ؛ كَما أنَّ "ضاعَفَ"؛ لا يُرادُ بِهِ فِعْلٌ مِنَ اثْنَيْنِ؛ ومَن قَرَأ: "عَقَدْتُمُ"؛ فَخَفَّفَ القافَ؛ جازَ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الفِعْلِ؛ والقَلِيلُ؛ وعَقْدُ اليَمِينِ كَعَقْدِ الحَبْلِ؛ والعَهْدِ؛ وقالَ الحُطَيْئَةُ: قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَمَن قَرَأ "عاقَدْتُمُ" فَيَحْتَمِلُ ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ كَـ "طارَقْتُ النَعْلَ"؛ و"عاقَبْتُ اللِصَّ"؛ والآخَرُ أنْ يُرادَ بِهِ "فاعَلْتُ"؛ اَلَّذِي يَقْتَضِي فاعِلَيْنِ؛ كَأنَّ المَعْنى: يُؤاخِذُكم بِما عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ الأيْمانَ؛ ويُعَدّى "عاقَدَ" بِـ "عَلى"؛ لِما هو في مَعْنى "عاهَدَ"؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ  ﴾ ؛ وهَذا كَما عُدِّيَتْ ﴿ نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ  ﴾ بِـ "إلى"؛ وبابُها أنْ تَقُولَ: نادَيْتُ زَيْدًا؛ ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ  ﴾ ؛ لَكِنْ لَمّا كانَتْ بِمَعْنى: "دَعَوْتُ إلى كَذا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ  ﴾ ؛ عُدِّيَتْ "نادى" بِـ "إلى"؛ ثُمَّ يُتَّسَعُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ الأيْمانَ"؛ فَيُحْذَفُ الجارُ؛ ويَصِلُ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ يُحْذَفُ مِنَ الصِلَةِ الضَمِيرُ الَّذِي يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ؛ وتَقْدِيرُهُ: "يُؤاخِذُكم بِما عَقَدْتُمُوهُ الأيْمانَ"؛ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ  ﴾ .

والأيْمانُ: جَمْعُ "يَمِينٌ"؛ وهي الألِيَّةُ؛ سُمِّيَتْ "يَمِينًا"؛ لَمّا كانَ عُرْفُهم أنْ يُصَفِّقُوا بِأيْمانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عِنْدَ الألِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَكَفّارَتُهُ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "فالشَيْءُ الساتِرُ عَلى إثْمِ الحِنْثِ في اليَمِينِ إطْعامُ..."؛ والضَمِيرُ - عَلى الصِناعَةِ النَحْوِيَّةِ - عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَحْتَمِلُ "ما" في هَذا المَوْضِعِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وهو عائِدٌ - مَعَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ - عَلى إثْمِ الحِنْثِ؛ ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ.

وَ"إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ"؛ مَعْناهُ: إشْباعُهم مَرَّةً؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنْ جَمَعَهم أشْبَعَهم إشْباعَةً واحِدَةً؛ وإنْ أعْطاهم أعْطاهم مَكُّوكًا مَكُّوكًا؛ وحُكْمُ هَؤُلاءِ ألّا يَتَكَرَّرَ واحِدٌ مِنهم في كَفّارَةِ يَمِينٍ واحِدَةٍ؛ وسَواءٌ أطَعِمُوا أفْرادًا؛ أو جَماعَةً في حِينٍ واحِدٍ؛ ولا يُجْزِئُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ذِمِّيٌّ؛ وإنْ أُطْعِمَ صَبِيٌّ [يُعْطى حَظًّا كَبِيرًا]؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعَمَ عَبْدٌ؛ ولا ذُو رَحِمٍ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ؛ فَإنْ كانَ مِمَّنْ لا تَلْزَمُ المُكَفِّرَ نَفَقَتُهُ فَقَدْ قالَ مالِكٌ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يُطْعِمَهُ؛ ولَكِنْ إنْ فَعَلَ؛ وكانَ فَقِيرًا؛ أجْزَأهُ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعَمَ مِنها غَنِيٌّ؛ وإنْ أُطْعِمَ جَهْلًا بِغِناهُ؛ فَفي "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وغَيْرِ كِتابٍ؛ أنَّهُ لا يُجْزِئُ؛ وفي "اَلْأسَدِيَّةُ" أنَّهُ يُجْزِئُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن أوسَطِ"؛ ﴾ فَرَأى مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مَعَهُ هَذا التَوَسُّطَ في القَدْرِ؛ ورَأى ذَلِكَ جَماعَةٌ في الصِنْفِ؛ والوَجْهُ أنْ يَعُمَّ بِلَفْظِ الوَسَطِ القَدْرَ والصِنْفَ؛ فَرَأى مالِكٌ أنْ يُطْعَمَ المِسْكِينُ بِالمَدِينَةِ مُدًّا بِمُدِّ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وذَلِكَ رِطْلٌ وثُلُثٌ مِنَ الدَقِيقِ؛ وهَذا لِضِيقِ المَعِيشَةِ بِالمَدِينَةِ؛ ورَأى في غَيْرِها أنْ يَتَوَسَّعَ؛ ولِذَلِكَ اسْتَحْسَنَ الغَداءَ؛ والعَشاءَ؛ وأفْتى ابْنُ وهْبٍ بِمِصْرَ بِمُدٍّ ونِصْفٍ؛ وأشْهَبُ بِمُدٍّ وثُلُثٍ؛ قالَ ابْنُ المَوّازِ: ومُدٌّ وثُلُثٌ وسَطٌ مِن عَيْشِ أهْلِ الأمْصارِ في الغَداءِ؛ والعَشاءِ؛ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُجْزِئُ الخُبْزُ قَفارًا؛ ولَكِنْ بِإدامِ زَيْتٍ؛ أو لَبَنٍ؛ أو لَحْمٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وفي شَرْحِ ابْنِ مُزَيْنٍ أنَّ الخُبْزَ القَفارَ يُجْزِئُ؛ ورَأى مَن يَقُولُ: "إنَّ التَوَسُّطَ في الصِنْفِ"؛ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ المُكَفِّرُ يَتَجَنَّبُ أدْنى ما يَأْكُلُ الناسُ في البَلَدِ؛ ويَنْحَطُّ عَنِ الأعْلى؛ ويُكَفِّرَ بِالوَسَطِ مِن ذَلِكَ؛ ومَذْهَبُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" أنْ يُراعِيَ المُكَفِّرُ عَيْشَ البَلَدِ؛ وفي كِتابِ ابْنِ المَوّازِ أنَّ المُراعى عَيْشُهُ في أهْلِهِ الخاصُّ بِهِ.

وكَأنَّ الآيَةَ - عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ - مَعْناها: "مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أيُّها الناسُ أهْلِيكم في الجُمْلَةِ؛ مِن مَدِينَةٍ؛ أو صِقْعٍ"؛ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مَعْناها: "مِن أوسَطِ ما يُطْعِمُ شَخْصٌ أهْلَهُ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أهْلِيكُمْ"؛ وهو جَمْعُ "أهْلٌ"؛ عَلى السَلامَةِ؛ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيَكُمْ"؛ وهَذا جَمْعُ مُكَسَّرٍ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: "أهالٍ"؛ بِمَنزِلَةِ "لَيالٍ"؛ كَأنَّ واحِدَها: "أهْلاتٌ"؛ و"لَيْلاتٌ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أهْلٌ"؛ و"أهْلَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأهْلَةِ وُدٍّ قَدْ تَبَرَّيْتُ وُدَّهم ∗∗∗ ∗∗∗.................

ويُقالُ: "لَيْلَةٌ"؛ و"لَيْلاةٌ"؛ وأنْشُدُ ابْنَ الأعْرابِيِّ: في كُلِّ ما يَوْمٍ وكُلِّ لَيْلاهْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يَقُولَ مَن رَآهُ إذْ رَآهْ يا ويْحَهُ مِن جَمَلٍ ما أشْقاهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو كِسْوَتُهُمْ"؛ ﴾ بِكَسْرِ الكافِ؛ يُرادُ بِهِ كِسْوَةُ الثِيابِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أو كُسْوَتُهُمْ"؛ بِضَمِّ الكافِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "أو كَإسْوَتِهِمْ"؛ مِن "اَلْإسْوَةُ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهُ قالَ: أو بِما يَكْفِي مِثْلَهُمْ؛ فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ بِتَقْدِيرِ: "أو كَكِفايَةِ إسْوَتِهِمْ"؛ قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الإسْوَةُ هي الكِفايَةَ؛ فَلَمْ تَحْتَجْ إلى حَذْفِ مُضافٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والقِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ؛ ومَعْناها عَلى خِلافِ ما تَأوَّلَ أهْلُ العِلْمِ مِن أنَّ الحانِثَ في اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى مُخَيَّرٌ في الإطْعامِ؛ أوِ الكِسْوَةِ؛ أوِ العِتْقِ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ العِتْقَ أفْضَلُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ الكِسْوَةَ؛ ثُمَّ الإطْعامَ؛ وبَدَأ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ؛ ورُبَّ مُدَّةٍ ومَسْغَبَةٍ يَكُونُ فِيها الإطْعامُ أفْضَلَ مِنَ العِتْقِ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ شاذٌّ وغَيْرُ مَعْهُودٍ؛ والحُكْمُ لِلْأغْلَبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ الكِسْوَةِ؛ فَراعى قَوْمٌ نَفْسَ اللَفْظَةِ؛ فَإذا كانَ الحانِثُ المُكَفِّرُ كاسِيًا؛ والمِسْكِينُ مَكْسُوًّا؛ حَصَلَ الإجْزاءُ؛ وهَذِهِ رُتْبَةٌ تُتَحَصَّلُ بِثَوْبٍ واحِدٍ؛ أيِّ ثَوْبٍ كانَ؛ بَعْدَ إجْماعِ الناسِ أنَّ القَلَنْسُوَةَ بِانْفِرادِها لا تُجْزِئُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: يُجْزِئُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ ثَوْبٌ واحِدٌ؛ فَما زادَ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْكِسْوَةُ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ؛ وقالَهُ طاوُسٌ ؛ وقالَ مَنصُورٌ: اَلْكِسْوَةُ: ثَوْبٌ؛ قَمِيصٌ أو رِداءٌ أو إزارٌ؛ قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ: قَدْ تُجْزِئُ العَباءَةُ في الكَفّارَةِ؛ وكَذَلِكَ الشَمْلَةُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُجْزِئُ العِمامَةُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: يُجْزِئُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التُبّانَ؛ ورُوِيَ عن سَلْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "نِعْمَ الثَوْبُ التُبّانُ"؛ أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: تُجْزِئُ عِمامَةٌ يَلُفُّ بِها رَأْسَهُ.

وراعى قَوْمٌ مَعْهُودَ الزِيِّ والكِسْوَةِ المُتَعارَفَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُجْزِئُ الثَوْبُ الواحِدُ؛ إلّا إذا كانَ جامِعًا؛ مِمّا قَدْ يُتَزَيّا بِهِ؛ كالكِساءِ؛ والمِلْحَفَةِ؛ قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: يُجْزِئُ الثَوْبُ الجامِعُ؛ ولَيْسَ القَمِيصُ والدِرْعُ؛ والخِمارُ ثَوْبًا جامِعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قَدْ يَكُونُ القَمِيصُ الكامِلُ جامِعًا؛ وزِيًّا؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْكِسْوَةُ في الكَفّارَةِ: إزارٌ؛ وقَمِيصٌ؛ ورِداءٌ؛ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ أنَّ الكِسْوَةَ في الكَفّارَةِ ثَوْبانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ؛ وعَلَّقَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - الحُكْمَ بِما يُجْزِئُ في الصَلاةِ؛ وهَذا أحْسَنُ نَظَرٍ؛ فَقالَ: يُجْزِئُ في الرَجُلِ ثَوْبٌ واحِدٌ؛ وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْسى قَمِيصًا؛ أو إزارًا؛ يَبْلُغُ أنْ يَلْتَفَّ بِهِ مُشْتَمِلًا؛ وكَلامُ ابْنِ حَبِيبٍ تَفْسِيرٌ؛ قالَ مالِكٌ: تُكْسى المَرْأةُ دِرْعًا؛ وخِمارًا؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": وإنْ كَسا صَغِيرَ الإناثِ فَدِرْعٌ وخِمارٌ؛ كالكَبِيرَةِ؛ والكَفّارَةُ واحِدَةٌ لا يُنْقَصُ مِنها لِصَغِيرٍ؛ قالَ عنهُ ابْنُ المَوّازِ: ولا تُعْجِبُنِي كِسْوَةُ المَراضِعِ بِحالٍ؛ فَأمّا مَن أُمِرَ بِالصَلاةِ فَيَكْسُوهُ قَمِيصًا؛ ويُجْزِئُهُ؛ قالَ ابْنُ المَوّازِ مِن رَأْيِهِ: بَلْ كِسْوَةُ رَجُلٍ كَبِيرٍ؛ وإلّا لَمْ يُجْزِئْ؛ قالَ أشْهَبُ: تُعْطى الأُنْثى إذا لَمْ تَبْلُغِ الصَلاةَ ثَوْبَ رَجُلٍ ويُجْزِئُ؛ وقالَهُ ابْنُ الماجِشُونِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ؛ اَلتَّحْرِيرُ: اَلْإخْراجُ مِنَ الرِقِّ؛ ويُسْتَعْمَلُ في الأسْرِ؛ والمَشَقّاتِ؛ وتَعَبِ الدُنْيا؛ ونَحْوِها؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عنأُمِّ مَرْيَمَ: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا  ﴾ ؛ أيْ مِن شُغُوبِ الدُنْيا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم ∗∗∗ ∗∗∗ فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ أيْ: حَرَّرْتُكم مِنَ الهِجاءِ؛ وخُصَّ الرَقَبَةُ مِنَ الإنْسانِ إذْ هي العُضْوُ الَّذِي فِيهِ يَكُونُ الغَلُّ؛ والتَوَثُّقُ غالِبًا مِنَ الحَيَوانِ؛ فَهو مَوْضِعُ المِلْكِ؛ فَأُضِيفَ التَحْرِيرُ إلَيْها.

واخْتَلَفَ الناسُ في صِفَةِ المُعَتَقِ في الكَفّارَةِ: كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟

فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذِهِ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ لَمْ تُقَيَّدْ بِأيْمانٍ؛ فَيَجُوزُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ عِتْقُ الكافِرِ؛ وهَذا مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ مُطْلَقٍ في القُرْآنِ مِن هَذا فَهو راجِعٌ إلى المُقَيَّدِ في عِتْقِ الرَقَبَةِ؛ في القَتْلِ الخَطَإ؛ فَلا يُجْزِئُ في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ كافِرٌ؛ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مَعَهُ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا يُجْزِئُ أعْمى؛ ولا أبْرَصَ؛ ولا مَجْنُونٌ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ؛ وفي الأعْوَرِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ؛ وكَذَلِكَ في الأصَمِّ ؛ وفي الخَصِيِّ؛ وفي العُلَماءِ مَن رَأى أنَّ جَمِيعَ هَذا يُجْزِئُ؛ وفَرَّقَ النَخَعِيُّ فَجَوَّزَ عِتْقَ مَن يَعْمَلُ أشْغالَهُ وخِدْمَتَهُ؛ ومَنَعَ عِتْقَ مَن لا يَعْمَلُ؛ كالأعْمى؛ والمُقْعَدِ؛ والأشَلِّ اليَدَيْنِ؛ قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأعْجَمِيُّ عِنْدِي يُجْزِئُ مِن قَصْرِ النَفَقَةِ؛ وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ؛ قالَ سَحْنُونٌ: يُرِيدُ بَعْدَ أنْ يُجِيبَ إلى الإسْلامِ؛ فَإنْ كانَ الأعْجَمِيُّ لَمْ يُجِبْ إلّا أنَّهُ مِمَّنْ يُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ؛ كالكَبِيرِ مِنَ المَجُوسِ؛ والصَغِيرِ مِنَ الحَرْبِيِّينَ الكِتابِيِّينَ؛ فَقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُجْزِئُ عِتْقُهُ وإنْ لَمْ يُسْلِمْ؛ وقالَ أشْهَبُ: لا يُجْزِئُ حَتّى يُسْلِمَ؛ ولا يُجْزِئُ عِنْدَ مالِكٍ مَن فِيهِ شُعْبَةُ حُرِّيَّةٍ كالمُدَبِّرِ؛ وأُمِّ الوَلَدِ؛ ونَحْوِهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَمَن لَمْ يَجِدْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَجِدْ في مِلْكِهِ أحَدَ هَذِهِ الثَلاثَةِ مِنَ الإطْعامِ؛ أوِ الكِسْوَةِ؛ أو عِتْقِ الرَقَبَةِ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ هَذا العادِمِ الوَجْدِ حَتّى يَصِحَّ لَهُ الصِيامُ؛ فَقالَ الشافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إذا كانَ المُكَفِّرُ لا يَمْلِكُ إلّا قُوتَهُ وقُوتَ عِيالِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ؛ فَلَهُ أنْ يَصُومَ؛ فَإنْ كانَ عِنْدَهُ - زائِدًا عَلى ذَلِكَ - ما يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ؛ لَزِمَهُ الإطْعامُ؛ وهَذا أيْضًا هو مَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وأصْحابِهِ؛ قالَ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": لا يُجْزِئُهُ صِيامٌ وهو يَقْدِرُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ أنَّ مَن تَفْضُلُ لَهُ نَفَقَةُ يَوْمٍ فَإنَّهُ لا يَصُومُ؛ وقالَ ابْنُ المَوّازِ: ولا يَصُومُ الحانِثُ حَتّى لا يَجِدَ إلّا قُوتَهُ أو يَكُونَ في بَلَدٍ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في كِتابِ ابْنِ مُزَيْنٍ: إنْ كانَ لِحانِثٍ فَضْلٌ عن قُوتِ يَوْمِهِ؛ أطْعَمَ؛ إلّا أنْ يَخافَ الجُوعَ؛ أو يَكُونَ في بَلَدٍ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ثَلاثَةُ دَراهِمَ؛ أطْعَمَ؛ وقالَ قَتادَةُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا قَدْرُ ما يُكَفِّرُ بِهِ؛ صامَ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا كانَ لَهُ دِرْهَمانِ؛ أطْعَمَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: جائِزٌ لِمَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ مِائَتا دِرْهَمٍ أنْ يَصُومَ؛ وهو مِمَّنْ لا يَجِدُ؛ وقالَ آخَرُونَ: جائِزٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَلى رَأْسِ مالِهِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهِ في مَعاشِهِ أنْ يَصُومَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ"؛ وكَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وقالَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ -؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: إنْ تابَعَ فَحَسَنٌ؛ وإنْ فَرَّقَ أجْزَأ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ الثَلاثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا حَلَفْتُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "ثُمَّ أرَدْتُمُ الحِنْثَ؛ أو وقَعْتُمْ فِيهِ"؛ وباقِي الآيَةِ وصاةٌ وتَوْقِيفٌ عَلى النِعْمَةِ؛ والإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي خطاب للمؤمنين بأحكام تشريعية، وتكملة على صورة التفريع جاءت لمناسبة ما تقدّم من الثناء على القسّيسين والرهبان.

وإذ قد كان من سنّتهم المبالغة في الزهد وأحدثوا رهبانية من الانقطاع عن التزوّج وعن أكل اللحوم وكثير من الطيّبات كالتدهُّن وترفيه الحالة وحُسن اللباس، نبّه الله المؤمنين على أنّ الثناء على الرهبان والقسّيسين بما لهم من الفضائل لا يقتضي اطّراد الثناء على جميع أحوالهم الرهبانيّة.

وصادف أن كانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طمَحت نفوسهم إلى التقلّل من التعلّق بلذائذ العيش اقتداء بصاحبهم سيِّد الزاهدين صلى الله عليه وسلم روى الطبري والواحدي أنّ نفَراً تنافسوا في الزهد.

فقال أحدُهم: أمّا أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم النهار، وقال آخر: أمّا أنا فلا آتي النساء، فبلغ خبرُهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم، فقال: " ألَمْ أنَبَّأ أنَّكم قلتم كذا.

قالوا: بَلَى يا رسول الله، وما أرَدْنا إلاّ الخَيْر، قال: لَكِنِّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي " فنزلت هذه الآية.

ومعنى هذا في «صحيحي البخاري ومسلم» عن أنس بن مالك وليس فيه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية.

ورُوي أنّ ناساً منهم، وهم: أبو بكر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عُمر، وأبو ذرّ، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقدادُ بن الأسود، وسلْمان الفارسي، ومعقل بن مُقَرّن اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتّفقوا على أن يرفُضوا أشغال الدنيا، ويتركوا النساء ويترهّبوا.

فقام رسول الله فغلّظ فيهم المقالة، ثم قال: " إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شَدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع " فنزلت فيهم هذه الآية..

وهذا الخبر يقتضي أنّ هذا الاجتماع كان في أول مدّة الهجرة لأنّ عثمان بن مظعون لم يكن له دار بالمدينة وأسكنه النبي صلى الله عليه وسلم في دار أمّ العلاء الأنصارية التي قيل: إنّها زوجة زيد بن ثابت، وتوفّي عثمان بن مظعون سنة اثنتين من الهجرة.

وفي رواية: أنّ ناساً قالوا إنّ النصارى قد حرّموا على أنفسهم فنحن نحرّم على أنفسنا بعض الطيّبات فحرّم بعضهم على نفسه أكل اللحم، وبعضهم النوم، وبعضهم النساء؛ وأنّهم ألزموا أنفسهم بذلك بأيمان حلفوها على ترك ما التزموا تركه.

فنزلت هذه الآية.

وهذه الأخبار متظافرة على وقوع انصراف بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المبالغة في الزهد واردة في الصحيح، مثل حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي.

قال: قال لي رسول الله: " ألم أخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهارَ، قلت: إنّي أفعلُ ذلك.

قال: فإنّك إذا فعلتَ هجَمت عينُك ونَفِهَتْ نَفْسك.

وإنّ لنفسك عليك حقاً ولأهلِك عليك حقّاً، فصم وأفطر وقُم ونَم " وحديث سلمان مع أبي الدرداء أنّ سلمان زار أبا الدرداء فصنع أبو الدرداء طعاماً فقال لسلمان: كُلْ فإنّي صائم، فلمّا كانَ الليلُ ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فنام.

فلمّا كان آخر اللّيل قال سلمان: قم الآن، وقال سلمان: إنّ لربّك عليك حقّاً ولنفسك عليك حقّاً ولأهلك عليك حقّاً فأعط كلّ ذي حقّ حقّه.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقَ سلمانُ».

وفي الحديث الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمّا أنا فأقوم وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوّج النساء فمن رغب عن سُنّتي فليس منّي " والنهي إنّما هو عن تحريم ذلك على النفس.

أمّا ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبّر على الحِرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس.

وكذلك الإعراض عن كثير من الطّيبات للتطلّع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصّة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلّع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيّبات دون تشوّف ولا تطلّع.

وفي تناولها شكر لله تعالى، كما ورد في قصّة أبي الدحداح حين حَلّ رسولُ الله وأبُو بكر وعمرُ في حائطه وأطعمهم وسقاهم.

وعن الحسن البصري: أنّه دُعي إلى طعام ومعه فَرقد السَبَخي وأصحابه فجلسوا على مائدة فيها ألوان من الطعام دجاج مسمَّن وفالَوْذ فاعتزل فرقد نَاحِية.

فسأله الحسن: أصائم أنت، قال: لا ولكنّي أكره الألوان لأنّي لا أؤدّي شكره، فقال له: الحسن: أفتشرب الماءَ البارد، قال: نعم، قال: إنّ نعمةَ الله في الماءِ البارد أكثر من نعمته في الفَالَوْذ.

وليس المراد من النهي أن يلفظ بلفظ التحريم خاصّة بل أن يتركه تشديداً على نفسه سواء لفظ بالتحريم أم لم يلفظ به.

ومن أجل هذا النهي اعتبر هذا التحريم لغواً في الإسلام فليس يلزم صاحبه في جميع الأشياء التي لم يجعل الإسلام للتحريم سبيلاً إليها وهي كلّ حال عدا تحريم الزوجة.

ولذلك قال مالك فيمن حرّم على نفسه شيئاً من الحلال أو عمّم فقال: الحلال عليّ حرام، أنّه لا شيء عليه في شيء من الحلال إلاّ الزوجة فإنّها تحرم عليه كالبتَات ما لم ينو إخراج الزوجة قبل النطق بصيغة التحريم أو يخرجها بلفظ الاستثناء بعد النطق بصيغة التحريم، على حكم الاستثناء في اليمين.

ووجهه أنّ عقد العصمة يتطرّق إليه التحريم شرعاً في بعض الأحوال، فكان التزام التحريم لازماً فيها خاصّة، فإنّه لو حرّم الزوجة وحدها حرمت، فكذلك إذا شملها لفظ عامّ.

ووافقه الشافعي.

وقال أبو حنيفة: من حرّم على نفسه شيئاً من الحلال حَرم عليه تناوُله ما لم يكَفّر كفارة يمين، فإنْ كفَّر حلّ له إلاّ الزوجة.

وذهب مسروق وأبو سلمة إلى عدم لزوم التحريم في الزوجة وغيرها.

وفي قوله تعالى: ﴿ لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ تنبيه لفقهاء الأمّة على الاحتراز في القول بتحريم شيء لم يقم الدليل على تحريمه، أو كان دليله غير بالغ قوة دليل النهي الوارد في هذه الآية.

ثم إنّ أهل الجاهلية كانوا قد حرّموا أشياء على أنفسهم كما تضمنته سورة الأنعام، وقد أبطلها الله بقوله: ﴿ قل من حرّم زينة الله التي أخرج لِعباده والطيّبات من الرزق ﴾ [الأعراف: 32]، وقوله: ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرّموا ما رزقهم الله افتراء على الله ﴾ [الأنعام: 140]، وقوله: ﴿ فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ليُضلّ النّاس بغير علم ﴾ [الأنعام: 143، 144]، وغير ذلك من الآيات.

وقد كان كثير من العرب قد دخلوا في الإسلام بعد فتح مكّة دفعة واحدة كما وصفهم الله بقوله: ﴿ يدخلون في دين الله أفواجاً ﴾ [النصر: 2].

وكان قصر الزمان واتّساع المكان حائلين دون رسوخ شرائع الإسلام فيما بينهم، فكانوا في حاجة إلى الانتهاء عن أمور كثيرة فاشية فيهم في مدّة نزول هذه السورة، وهي أيام حجّة الوداع وما تقدّمها وما تأخّر عنها.

وجملة ﴿ ولا تعتدوا ﴾ معترضة، لمناسبة أنّ تحريم الطّيبات اعتداء على ما شرع الله، فالواو اعتراضية.

وبما في هذا النهي من العموم كانت الجملة تذييلاً.

والاعتداء افتعال العدوْ، أي الظلم.

وذِكره في مقابلة تحريم الطيّبات يدلّ على أنّ المراد النهي عن تجاوز حدّ الإذننِ المشروع، كما قال ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ [البقرة: 229].

فلمّا نهى عن تحريم الحلال أردفه بالنهي عن استحلال المحرّمات وذلك بالاعتداء على حقوق النّاس، وهو أشدّ الاعتداء، أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حقّ الناس، كتناول الخنزير أو الميتة.

ويعمّ الاعتداءُ في سياق النهي جميع جنسه ممّا كانت عليه الجاهلية من العدوان، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأْد، وأكللِ مال اليتيم، وعضل الأيامَى، وغير ذلك.

وجملة ﴿ إنّ الله لا يحبّ المعتدين ﴾ تذييل للّتي قبلها للتحذير من كلّ اعتداء.

وقوله: ﴿ وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً ﴾ تأكيد للنهي عن تحريم الطّيبات وهو معطوف على قوله: ﴿ لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ أي أنّ الله وسّع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه بالتحريم فتُعرضوا عن النعمة.

واقتُصِر على الأكل لأنّ معظم ما حرّمه الناس على أنفسهم هو المآكل.

وكأنّ الله يعرّض بهم بأنّ الاعتناء بالمهمّات خير من التهمّم بالأكل، كما قال ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ [المائدة: 93] الآية.

وبذلك أبطل ما في الشرائع السابقة من شدّة العناية بأحكام المأكولات.

وفي ذلك تنبيه لِهذه الأمّة.

وقوله ﴿ واتّقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ جاء بالموصول للإيماء إلى علّة الأمر بالتقوى، أي لأنّ شأن الإيمان أن يقتضي التقوى، فلمّا آمنتم بالله واهتديتم إلى الإيمان فكمِّلوه بالتقوى.

روي أنّ الحسن البصري لقيَ الفرزدق في جنازة، وكانا عند القبر، فقال الحسن للفرزدق: ما أعدَدْت لهذا.

يعني القَبر.

قال الفرزدق: شهادة أن لا إله إلاّ الله كذا كذا سنة.

فقال الحسن: هذا العمود، فأين الأطْناب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اغْتِصابُ الأمْوالِ المُسْتَطابَةِ، فَتَصِيرُ بِالغَصْبِ حَرامًا، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْها بِسَبَبٍ مُباحٍ، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ تَحْرِيمُ ما أُبِيحَ لَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مِنهم عَلِيٌّ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، هَمُّوا بِصِيامِ الدَّهْرِ، وقِيامِ اللَّيْلِ، واعْتِزالِ النِّساءِ، وجَبِّ أنْفُسِهِمْ، وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ مِنَ الطَّعامِ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ﴿ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَعْتَدُوا بِالغَصْبِ لِلْأمْوالِ الَّتِي هي حَرامٌ عَلَيْكم.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِداءِ ما هَمَّ بِهِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِن جَبِّ نَفْسِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَتِ الجَماعَةُ هَمَّتْ بِهِ مِن تَحْرِيمِ النِّساءِ والطَّعامِ، واللِّباسِ، والنَّوْمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: هو تَجاوُزُ الحَلالِ إلى الحَرامِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ قال: نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أصوم أفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنَّتي فليس مني» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ قال: نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء، وهمَّ بعضهم أن يقطع ذكره، فنزلت هذه الآية.

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة «أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟

فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في سننه وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا ألا نستخصي؟

فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همُّوا بالخصاء، وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة، أن عثمان بن مظعون في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال الآخر: لا أنام على فراش، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ قال: كانوا حرموا الطيب واللحم، فأنزل الله هذا فيهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة قال: «أراد أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقاتلة، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم.

قال: ونزلت فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء وتزهَّدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ الآية.

قال: «ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس في ديني ترك النساء واللحم، ولا اتخاذ الصوامع،» وخبرنا أن «ثلاثة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا فقال أحدهم أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا؟

قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير.

قال: لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني،» وكان في بعض القراءة في الحرف الأول: من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً» .

وأخرج ابن أبي جرير عن السدي قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما حقنا أن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل منها، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة- وكان يقال لها الحولاء- فقالت لها عائشة ومن حولها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين؟!

فقالت: وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليَّ زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: ما يضحككن؟

قالت: يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها فقالت: ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟، قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك، فقال: يا رسول الله إني صائم!

قال: أفطر.

قال: فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت: مالك يا حولاء؟

فقالت: أنه أتاها أمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا اني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ﴾ يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم فقال: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ [ المائدة: 89] الآية» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون، وعبد الله بن عمرو، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ والآية التي بعدها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة.

أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وقدامة، تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس السياحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ الآية.

فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن لأنفسكم حقاً، ولأعينكم حقاً، وإن لأهلكم حقاً، فصلوا وناموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا.

فقالوا: اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «إن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا لعبادة ربهم، فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردتم؟

قالوا: أَردنا أن نقطع الشهوة عنا، ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أؤمر بذلك، ولكني أُمِرْتُ في ديني أن أتزوج النساء، فقالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ إلى قوله: ﴿ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ فقالوا: يا رسول الله، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟

فأنزل الله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ [ المائدة: 89] » .

وأخرج ابن مردويه عن الحسن العرني قال: كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن المغيرة بن عثمان قال: «كان عثمان بن مظعون، وعلي، وابن مسعود، والمقداد، وعمار، أرادوا الاختصاء، وتحريم اللحم، ولبس المسوح في أصحاب لهم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك، فقال: قد كان بعض ذلك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنكح النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وألبس الثياب، لم آتِ بالتبتل ولا بالرهبانية، ولكن جئت بالحنيفية السمحة، ومن رغب عن سنتي فليس مني» ، قال ابن جريج: فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم «أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي.

فقالت امرأته: هو عليَّ حرام.

قال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أصبت، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ﴾ إلى ما حرم الله عليكم.

وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: قلت: لإبراهيم في هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ هو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله؟

قال: نعم.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في الآية قال: هو الرجل يحلف لا يصل أهله، أو يحرِّم عليه بعض ما أحل الله له، فيأتيه ويكفر عن يمينه.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عن ابن مسعود.

أن معقل بن مقرن قال له: إني حرمت فراشي عليَّ سنة.

فقال: نم على فراشك وكفِّر عن يمينك، ثم تلا ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج البخاري والترمذي والدار قطني عن أبي جحيفة قال: «آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك...؟

قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم.

فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن.

فصليا فقال له سلمان: أن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: صدق سلمان» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟

قلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وأن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله.

قلت: إني أجد قوة.

قال: فصم صيام نبي الله داود لا تزد عليه.

قلت: وما كان صيام نبي الله داود؟

قال: نصف الدهر» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن المسيب «أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، لما تبتلوا وجلسوا في البيوت، واعتزلوا وهمُّوا بالخصاء، وأجمعوا على قيام الليل وصيام النهار فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فقال: أما أنا فاني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن عائشة قالت «دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها خولة بنت حكيم عليَّ، وهي باذة الهيئة فسألتها ما شأنك؟

فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيَّ أسوة؟

فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا» .

وأخرج عبد الرزاق عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من: «تبتل فليس منا» .

وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب «أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس لك فيَّ أسوة؟

فأني آتي النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، إن خصاء أمتي الصيام، وليس من أمتي من خصى أو اختصى» .

وأخرج ابن سعد عن أبي بردة قال: «دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟

فقالت: ما لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرن ذلك له، فلقيه فقال يا عثمان بن مظعون، أما لك فيَّ أسوة؟

قال: وما ذاك؟

قال: تصوم النهار وتقوم الليل.

قال: إني لأفعل.

قال: لا تفعل، إن لعينك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فصل ونم، وصم وأفطر، قال: فاتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس، فقلن لها: مه؟

قالت: أصابنا ما أصاب الناس» .

وأخرج ابن سعد عن أبي قلابة «أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتاً فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه، فقال: يا عثمان، إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثاً، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: «كانت امرأة عثمان بن مظعون امرأة جميلة عطرة تحب اللباس والهيئة لزوجها، فزارتها عائشة وهي تفلة، قالت: ما حالك هذه؟

قالت: إن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون، قد تخلوا للعبادة وامتنعوا من النساء وأكل اللحم، وصاموا النهار وقاموا الليل، فكرهت أن أريه من حالي ما يدعوه إلى ما عندي لما تخلى له، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم نعله، فحمله بالسبابة من أصبعه اليسرى، ثم انطلق سريعاً حتى دخل عليهم، فسألهم عن حالهم، قالوا: أردنا الخير.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما بعثت بالحنيفية السمحة، وإني لم أبعث بالرهبانية البدعة، إلا وإن أقواماً ابتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق رعايتها، إلا فكلوا اللحم، وأتوا النساء، وصوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فإني بذلك أمرت» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .

وأخرج عبد الرزاق عن عثمان بن عفان قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بفتية فقال: من كان منكم ذا طول فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأحببت أن يكون لي فيه زوجة.

وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب.

أنه قال لرجل: أتزوجت؟

قال: لا.

قال: إما أن تكون أحمق، وإما أن تكون فاجراً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقول لك ما قال عمر لأبي الزوائد، ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.

وأخرج عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال: مثل الأعزب كمثل شجرة في فلاة تقلبها الرياح هكذا وهكذا.

وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن هلال، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال: «لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له في ذلك لاختصينا» .

وأخرج ابن سعد والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله، إني رجل تشق عليَّ هذه العزبة في المغازي، فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء؟

فأختصي.

قال: «لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر» .

وأخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس «أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن عبيد الله بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح» .

وأخرج البيهقي في سننه عن ميمون أبي المغلس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا» .

وأخرج عبد الرزاق عن أيوب.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استن بسنتي فهو مني، ومن سنتي النكاح» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أبي ذر قال: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له عكاف بن بشير التميمي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من زوجة؟

قال: لا.

قال: ولا جارية؟

قال: ولا جارية.

قال: وأنت موسر بخير؟

قال: نعم.

قال: أنت إذاً من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، أبا لشيطان تتمرسون؟

ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء، إلا المتزوجين أولئك المطهرون الْمُبَرَّأون من الخنا، ويحك يا عكاف!

إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف فقال له بشير بن عطية: ومن كرسف يا رسول الله؟

قال: رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلثمائة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف!

تزوج وإلا فأنت من المذبذبين» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطية بن بسر المازني قال: جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عكاف ألك زوجة؟» قال: لا.

قال: «ولا جارية؟» قال: لا.

قال: «وأنت صحيح موسر؟» قال: نعم، والحمد لله.

قال: «فأنت إذاً من الشياطين، إما أن تكون من رهبانية النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فتصنع كما نصنع، فإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، أبا لشيطان تتمرسون، ما له في نفسه سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون المطهرون المبرأون من الخنا، ويحك يا عكاف.

!

تزوج إنهن صواحب داود، وصواحب أيوب، وصواحب يوسف، وصواحب كرسف» ، فقال عطية من كرسف يا رسول الله؟

فقال: «رجل من بني إسرائيل على ساحل من سواحل البحر يصوم النهار، ويقوم الليل، لا يفتر من صلاة ولا صيام، ثم كفر من بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها فترك ما كان عليه من عبادة ربه عز وجل، فتداركه الله بما سلف منه فتاب الله عليه، ويحك.

!

تزوج وإلا فإنك من المذبذبين» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني» .

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مسكين مسكين، مسكين رجل ليست له امرأة.

قيل يا رسول الله، وإن كان غنياً ذا مال؟

قال: وإن كان غنياً من المال.

قال: ومسكينة مسكينة مسكينة، امرأة ليس زوج، قيل: يا رسول الله، وإن كانت غنية ومكثرة من المال، قال: وإن كانت» قال البيهقي: أبو نجيح اسمه يسار، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح، والحديث مرسل.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي عن أنس قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة، وينهانا عن التبتل نهياً شديداً، ويقول: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي» .

وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل رجل عابد، وكان معتزلاً في كهف له، فكان بنو إسرائيل قد أعجبوا بعبادته، فبينما هم عند نبيهم إذ ذكروه فأثنوا عليه، فقال النبي: «إنه لكما تقولون لولا أنه تارك لشيء من السنة وهو التزوج» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن شداد بن أوس أنه قال: «زوِّجوني فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله عزباً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: قال معاذ في مرضه الذي مات فيه: زوجوني إني أكره أن ألقى الله عزباً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق، اللحم وغيره (١) (٢) (١) انظر: "الوسيط" 2/ 220، وعزاه المحقق للترمذي في كتاب التفسير من سورة المائدة ولم أجده.

(٢) "تفسير البغوي" 3/ 90.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله ﴾ توقيف لأنفسهم، أو محاجة لغيرهم ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ قال الزمخشري: الواو للحال، وقال ابن عطية: لعطف جملة على جملة لا لعطف فعل على فعل ﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طيبات مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ سببها أن قوماً من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهم بعضهم أن يختصوا، أو يسيحوا في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي لا تفرطوا في التشديد على أنفسكم أكثر مما شرع لكم ﴿ وَكُلُواْ ﴾ أي تمتعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه أعظم حاجات الإنسان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.

الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان  ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.

﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.

﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.

﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.

﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.

قال المفسرون: "جلس رسول الله  يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله  فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟

قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.

فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.

ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‍‍!

أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟

فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.

فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه  قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.

ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.

فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.

والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.

ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه  هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.

قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله  وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.

أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.

ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.

ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.

أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.

وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.

ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.

والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.

فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.

وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.

أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه  قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي  أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.

فقال الرجل: ما أجد.

فأتى النبي  بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي  : أطعم هذا.

وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.

ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.

وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.

وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.

أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.

ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.

وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.

وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.

وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.

قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.

وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.

والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.

قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.

وعن مجاهد: ثوب جامع.

وقال الحسن: ثوبان أبيضان.

و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.

ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.

ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.

وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.

وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.

﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.

تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.

وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.

ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي  أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟

فقال رسول الله  : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟

قال: بلى.

قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .

وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي  قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .

ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.

هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.

والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.

جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.

﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.

وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.

ثم إنه  استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.

واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله  منها قصة علي بن أبي طالب  وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله  أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله  واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.

فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟

قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي  : فانطلقت حتى دخلت على النبي  وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله  الذي أتيت له فقال: ما لك؟

فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!

عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.

قال: فدعا رسول الله  بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.

فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله  يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله  ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟

فعرف رسول الله  أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.

قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.

ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.

قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون  ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.

ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.

ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.

ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.

والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.

ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.

ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.

وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.

وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.

ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟

ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.

إذ فهموا التحريم المؤكد.

ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.

ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.

عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.

فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله  ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله  ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.

ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.

والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.

وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع  ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.

والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.

روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟

فنزلت.

وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.

ثم أنه  شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.

فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.

وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.

وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.

وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.

ثم إنه  استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد  بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.

قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.

قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.

و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.

عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.

أما الأول فلقوله  بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله  ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.

وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.

وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي  : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.

وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.

﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.

وقيل: وقد دخلتم الحرم.

وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.

ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.

قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.

وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.

قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.

وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.

ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.

وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.

وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.

قال  "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.

أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.

ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.

حجة الشافعي قوله  ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي  أنه حكم في الضبع بكبش.

وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.

فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.

والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.

وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.

والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.

وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.

(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.

فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.

وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.

الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.

وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.

الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.

وقال المزني: عليه شاة.

وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.

الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.

حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.

حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.

والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.

فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.

قوله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.

ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.

عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟

قال الله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.

قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه  قضى في الضبع بكبش.

وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.

وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.

وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟

إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.

وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.

فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.

فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.

فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.

وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.

ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.

ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.

قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.

وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.

وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.

والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.

قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.

وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.

قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.

ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.

وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.

ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.

ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.

وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.

وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.

فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.

والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.

وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.

فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.

وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.

ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.

ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.

وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.

ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.

وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.

وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟

أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.

أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.

والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.

والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.

وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.

﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.

ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.

فقال أبو حنيفة: حرام.

وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.

قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.

وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.

فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.

وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.

قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال  ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله  في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.

وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.

وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.

واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي  أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله  قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله  : هل أشرتم؟

هل أعنتم؟

فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟

قالوا معنا رجله.

فأخذها النبي  فأكلها.

هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وقال في الكشاف.

أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.

ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.

ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.

وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم  .

﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.

وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.

وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.

وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.

وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.

وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله  أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.

ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!

ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.

وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه  يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي  قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟

فقال له النبي  : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله  وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.

التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.

﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.

﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.

ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.

أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.

﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.

﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.

﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.

﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.

والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.

﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

[الآية ترد على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأكل طيبات ما أحل الله لنا] وهم يحرمون ذلك، وقال الله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ  ﴾ ، ثم لا فرق بين تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات، وتحليل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات؛ ألا ترى أن المرء قد يمل ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتة من الخبز والماء؛ دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما؛ إيثاراً منهم غيرهم على أنفسهم؛ لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات ولا يلحق في الخبز والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ولا يجد غيرهما من الطيبات، إلا من تحمل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه، فإنه لا بأس.

وبعد: فإن الله -  - جعل الأطعمة والأشربة والفواكة للبشر في الوقت والحال التي تطيب أنفسهم بها وتلذ؛ لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض والنخيل، إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزاً، وبلوغها في الطيب نهايته، وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج، فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، والله أعلم.

فإن قيل: إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر الله؛ لذلك يقتصر على ما يُقيم الرمقَ منه.

قيل له: فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنّاً؛ لأنها تصونه عن الفجور، فإن لم يكن في تزويج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان زهادة، فليس في أكل خبز الشعير وترك المحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن يدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبه، فواجب عليه ألا يدخل في ذلك المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه.

وقيل: الآية نزلت في أصحاب رسول الله  منهم: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان ابن مظعون والمقداد وسالم، رضوان الله عليهم أجمعين.

وهولاء حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم، وأن يلبسوا المسوح ويدخلوا الصوامع؛ فيترهبوا فيها، فبلغ ذلك النبي  فأتى منزل عثمان فلم يجدهم فقال النبي  لامرأة عثمان: "أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ؟

قالت: ما هو يا رسول الله؟

فأخبرها النبي  بالذي بلغه، فكرهت أن تكذب النبي  أو تبدي على زوجها؛ فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي  : قُولي لِزَوْجِكِ إِذَا جَاءَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَنَّ بِسُنَّتِنَا وَيَأْكُلْ ذَبِيحَتَنَا" ، فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النبي  ؛ فقال عثمان: والله لقد بلغ النبي أَمْرُنا فما أعجبه؛ فذروا الذي كره؛ فأنزل الله: ﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ...

﴾ الآية، فلا ندري كيف كانت القصة؟

ولكن فيه بيان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : يحتمل أن يكون الحلال هو الطيب، والطيب هو الحلال؛ سماهم باسمين وهما واحد.

ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً ﴾ : بالشريعة والدين، [والله أعلم].

﴿ طَيِّباً ﴾ : بالطبيعة؛ لأن الحل والحرمة معرفتهما بالشريعة، والطيب ما تستطيب به الطبائع.

وفي الآية [دليل] أنه قد يرزق ما هو خبيث ليس بطيب؛ لأنه لو لم يرزق لم يكن لشرط الحلال والطيب معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .

في الآية دلالة أن الخطاب للمؤمنين؛ لأنه قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ولم يقل: "إن كنتم مؤمنين" ونحو هذا، قد سماهم مؤمنين مطلقاً؛ دل أنه يجوز أن يسمى.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ﴿ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ أنه لا يحل ولا يحرم إلا هو، وليس إلى من دونه تحليل وتحريم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكلوا مما يسوقه الله إليكم من رزقه حال كونه حلالًا طيبًا , لا إن كان حرامًا كالمأخوذ غَصْبًا أو مُسْتخبثًا، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو الذي تؤمنون به، إيمانكم به يوجب عليكم أن تتقوه.

<div class="verse-tafsir" id="91.aKROr"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده