الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٣٦ من سورة ق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : وكم أهلكنا قبل هؤلاء المنكرين : ( من قرن هم أشد منهم بطشا ) أي : كانوا أكثر منهم وأشد قوة ، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ; ولهذا قال هاهنا : ( فنقبوا في البلاد ) قال ابن عباس : أثروا فيها .
وقال مجاهد : ( فنقبوا في البلاد ) : ضربوا في الأرض .
وقال قتادة : فساروا في البلاد ، أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها ويقال لمن طوف في البلاد : نقب فيها .
قال امرؤ القيس : لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وقوله : ( هل من محيص ) أي : هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره ؟
وهل نفعهم ما جمعوه ورد عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل ؟
فأنتم أيضا لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) وقوله ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون,( هُمْ أَشَدَّ ) من قريش الذين كذّبوا محمدا( بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) يقول: فَخَرَّقُوا (1) البلادَ فساروا فيها, فطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصي منها; قال امرؤ القَيس: لقَــدْ نَقَّبْــتُ فِـي الآفـاقِ حـتَّى رَضِيــتُ مِــنَ الغَنِيمَـةِ بالإيـاب (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) قال: أثَّروا.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) قال: يقول: عملوا في البلاد ذاك النقْب.
* ذكر من قال ذلك: وقوله ( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) يقول جلّ ثناؤه: فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت; ومَنْجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا.
وأضمرت كان في هذا الموضع, كما أضمرت في قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ بمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم.
وقرأت القرّاء قوله ( فَنَقَّبُوا ) بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم.
وذُكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك ( فَنَقِبُوا ) بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد: أي طوّفوا في البلاد, وتردّدوا فيها, فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( مِنْ مَحِيصٍ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ )...
حتى بلغ ( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) قد حاص الفَجرة فوجدوا أمر الله مُتَّبِعا.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) قال: حاص أعداء الله, فوجدوا أمر الله لهم مُدْرِكا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) قال: هل من منجي.
قوله تعالى : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشد منهم بطشا وقوة .فنقبوا في البلاد هل من محيص أي ساروا فيها طلبا للمهرب .
وقيل : أثروا [ ص: 22 ] في البلاد ; قاله ابن عباس .
وقال مجاهد : ضربوا وطافوا .
وقال النضر بن شميل : دوروا .
وقال قتادة : طوفوا .
وقال المؤرج : تباعدوا ; ومنه قول امرئ القيس : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ثم قيل : طافوا في أقاصي البلاد طلبا للتجارات ، وهل وجدوا من الموت محيصا ؟
.
وقيل : طوفوا في البلاد يلتمسون محيصا من الموت .
قال الحارث بن حلزة : نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ الحسن وأبو العالية : " فنقبوا " بفتح القاف وتخفيفها .
والنقب هو الخرق والدخول في الشيء .
وقيل : النقب الطريق في الجبل ، وكذلك المنقب والمنقبة ; عن ابن السكيت .
ونقب الجدار نقبا ، واسم تلك النقبة نقب أيضا ، وجمع النقب النقوب ; أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها .
وقيل : أثروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب .
وقرأ السلمي يحيى بن يعمر " فنقبوا " بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد ; أي طوفوا البلاد وسيروا فيها فانظروا هل من الموت محيص ومهرب ; ذكره الثعلبي .
وحكى القشيري " فنقبوا " بكسر القاف مع التخفيف ; أي أكثروا السير فيها حتى نقبت دوابهم .
الجوهري : ونقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه ، وأنقب الرجل ، إذا نقب بعيره ، ونقب الخف الملبوس أي تخرق .
والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا ; أي عدل وحاد .
يقال : ما عنه محيص أي محيد ومهرب .
والانحياص مثله ; يقال للأولياء : حاصوا عن العدو وللأعداء انهزموا .
يقول تعالى -مخوفًا للمشركين المكذبين للرسول:- { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } أي: أمما كثيرة هم أشد من هؤلاء بطشًا أي: قوة وآثارًا في الأرض.ولهذا قال: { فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ } أي: بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسوا الأشجار، وأجروا الأنهار، وزرعوا، وعمروا، ودمروا، فلما كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، أخذهم الله بالعقاب الأليم، والعذاب الشديد، فـ { هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } أي: لا مفر لهم من عذاب الله، حين نزل بهم، ولا منقذ، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم.
قوله - عز وجل - : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ) ضربوا وساروا وتقلبوا وطافوا ، وأصله من النقب ، وهو الطريق كأنهم سلكوا كل طريق ( هل من محيص ) فلم يجدوا محيصا من أمر الله .
وقيل : " هل من محيص " مفر من الموت ؟
فلم يجدوا [ منه مفرا ، وهذا إنذار ] لأهل مكة وأنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرا عن الموت يموتون ، فيصيرون إلى عذاب الله .
«وكم أهلكنا قبلهم من قرن» أي أهلكنا قبل كفار قريش قرونا كثيرة من الكفار «هم أشد منهم بطشا» قوة «فنقبوا» فتشوا «في البلاد هل من محيص» لهم أو لغيرهم من الموت فلم يجدوا.
وأهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش أممًا كثيرة، كانوا أشد منهم قوة وسطوة، فطوَّفوا في البلاد وعمَّروا ودمَّروا فيها، هل من مهرب من عذاب الله حين جاءهم؟
ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها من مصارع المكذبين السابقين ، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن الدواء الذى يزيل عن القلوب همومها ، وعن أهوال يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ .
.
.
مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) .و ( كَمْ ) فى قوله - تعالى - : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ ) خبرية بمعنى كثير ، وهى منصوبة بما بعدها ، والقرن يطلق على جماعة من الناس تعيش فى زمن واحد ، ومقداره مائة سنة - على الراجح - .وقوله : ( مِّن قَرْنٍ ) تمييز لكم ، وجملة ( هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ) صفة ، والبطش : السطوة والأخذ بشدة .
أى : واعلم - أيها الرسول الكريم - أننا أهلكنا كثيرا من القرون الماضية التى كذبت رسلها ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر جمعا ، وما دام الأمر كما ذكرنا لك ، فلا تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين لك ، فنحن فى قدرتنا أن ندمرهم تدميرا .والضمير فى قوله - تعالى - : ( فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ) يعود إلى أهل تلك القرون المهلكة الماضية .
والتنقيب : السير فى الأرض ، والطواف فيها .
والبحث بين أرجائها ، يقال : نقب فلان فى الأرض ، إذا ذهب فيها واصل النَّقْب : الخرق والدخول فى الشئ ، ومنه قولهم : نقب فلان الجدار ، إذا أحدث فيه خرقا .والمراد به هنا : السير فى الأرض ، والتفتيش فيها .
.قال الآلوسى : ( فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ) أى : ساروا فى الأرض وطوفوا فيها حذر الموت .
.قال الشاعر :نقبوا فى البلاد حذر الموت ...
وجالوا فى الأرض كل مجالوشاع التنقيب فى العرب بمعنى التنقير عن الشئ والبحث عن أحواله .
.والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه ، لمجرد التعقيب ، وعلى تفسيره بالتصرف للسببيه ، لأن تصرفهم فى البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم ، وهى على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها ، كأنه قيل : اشتد بطشهم فنقبوا فى البلاد .والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( هَلْ مِن مَّحِيصٍ ) للإِنكار والنفى ، والمحيص : المعدل والمهرَب ، يقال : حاص فلان عن الشئ يحيص حَيْصاً ، ومَحِيصا ، إذا عدل وحاد عنه ، وحاول الهروب منه .
أى : أن هؤلاء المكذبين السابقين ، كانوا أشد من مشركى قريش قوة وأكثر جميعا ، وكانوا أكثر ضربا فى الأرض وسيرا فيها فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب والفرار ، فلم يجدوا مكانا يهربون فيه ، بل نزل بهم عذابنا فدمرناهم تدميرا .فعليكم - أيها المشركون - أن تعتبروا بهم ، حتى لا يصيبكم ما أصابهم .فالمقصود بالآية الكريمة ، تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحذير أعدائه من سوء عاقبة الكفر والعناد .
ثم قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ .
لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك، وبين لهم حال من تقدمهم، وقد تقدم تفسيره في مواضع، والذي يختص بهذا الموضع أمور.
أحدها: إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل، فلم توسطهما قوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ نقول ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع، فذكر حال الكفور المعاند، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيباً وترغيباً، ثم قال تعالى: إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم، فإن قيل: فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة، كما جمع بينهما في الآجلة، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه، كما ذكر حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم، وكانوا متقلبين في النعم، فلم يذكرهم به، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به، وأما في الآخرة، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعاً، فأخبرهم بهما.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ﴾ .
في معناه وجوه: أحدها: هو ما قاله تعالى في حق ثمود: ﴿ الذين جَابُواْ الصخر بالواد ﴾ من قوتهم خرق الطرق ونقبوها، وقطعوا الصخور وثقبوها.
ثانيها: نقبوا، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأً ومهرباً، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة، أي هم ساروا في الأسفار، ورأوا ما فيها من الآثار.
ثالثها: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ﴾ أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم بطشهم وقوتهم، ويدل على هذا الفاء، لأنها تصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه، وكان عمرو مريضاً فغلبه زيد، كذلك هاهنا قال تعالى: ﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ فصاروا نقباء في الأرض، وقرئ: ﴿ فَنَقَّبُواْ ﴾ بالتشديد، وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأن التنقيب البحث، وهو من نقب بمعنى صار نقيباً.
الثالث: قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ .
يحتمل وجوهاً ثلاثة.
الأول: على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو مفعول، أي بحثوا عن المحيص ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ .
الثاني: على القراءات جميعاً استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيص.
الثالث: هو كلام مستأنف كأنه تعالى يقول لقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من محيص لكم تعتمدون عليه والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة، يدلك عليه قولهم وقعوا في حيص بيص أي في شدة وضيق، والمحيد معدل وإن كان لهم بالاختيار يقال حاد عن الطريق نظراً، ولا يقال حاص عن الأمر نظراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فنقبوا ﴾ وقرئ بالتخفيف: فخرقوا في البلاد ودوّخوا.
والتنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب.
قال الحارث بن حلزة: نَقَّبُوا فِي الْبِلاَد مِنْ حَذَرِ الْمَو ** تِ وَجَالُوا فِي الأَرْضِ كُلَّ مَجَالِ ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله: ﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ أي: شدّة بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه.
ويجوز أن يراد: فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، والدليل على صحته قراءة من قرأ: ﴿ فنقبوا ﴾ على الأمر، كقوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ [التوبة: 2] وقرئ بكسر القاف مخففة من النقب وهو أن يتنقب خف البعير.
قال: مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلاَ دَبَرْ والمعنى: فنقبت أخفاف إبلهم.
أو: حفيت أقدامهم ونقبت، كما تنقب أخفاف الإبل لكثرة طوفهم في البلاد ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ من الله، أو من الموت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ.
﴿ مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا ﴾ قُوَّةً كَعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ.
﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ فَخَرَقُوا في البِلادِ وتَصَرَّفُوا فِيها، أوْ جالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالٍ حَذَرَ المَوْتِ، فالفاءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّسَبُّبِ وعَلى الثّانِي لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وأصْلُ التَّنْقِيبِ التَّنْقِيرُ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثُ عَنْهُ.
﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ أيْ لَهم مِنَ اللَّهِ أوْ مِنَ المَوْتِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في فَنَقَّبُوا لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ سارُوا في أسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يَتَوَقَّعُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «فَنَقِّبُوا» عَلى الأمْرِ، وقُرِئَ «فَنَقِبُوا» بِالكَسْرِ مِنَ النَّقْبِ وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ أيْ أكْثَرُوا السَّيْرَ حَتّى نَقَبَتْ أقْدامُهم أوْ أخْفافُ مَراكِبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} قبل قومك {مِّن قَرْنٍ} من القرون الذين كذبوا رسلهم {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم} من قومك {بَطْشاً} قوة وسطوة {فَنَقَّبُواْ} فخرقوا {فِى البلاد} وطافوا والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله هم اشد منهم بشطا أي شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة ة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم ويدل عليه قراءة من قرأ فنقبواعلى الأمر {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} مهرب من الله أو من الموت
﴿ وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَ قَوْمِكَ ﴿ مِن قَرْنٍ ﴾ قَوْمًا مُقْتَرِنِينَ في زَمَنٍ واحِدٍ ﴿ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا ﴾ أيْ قُوَّةً كَما قِيلَ أوْ أخْذًا شَدِيدًا في كُلِّ شَيْءٍ كَعادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ سارُوا في الأرْضِ وطَوَّفُوا فِيها حَذارِ المَوْتِ، فالتَّنْقِيبُ السَّيْرُ وقَطْعُ المَسافَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وأنْشَدُوا لِلْحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ ولِامْرِئِ القَيْسِ: وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ورُوِيَ وقَدْ طَوَّفْتُ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَرَبُوا بِلُغَةِ اليَمَنِ، وأنْشَدَ لَهُ بَيْتَ الحَرْثِ المَذْكُورَ لَكِنَّهُ نَسَبَهُ لِهُدى بْنِ زَيْدٍ، وفَسَّرَ التَّنْقِيبَ في البِلادِ بِالتَّصَرُّفِ فِيها بِمُلْكِها ونَحْوِهِ، وشاعَ التَّنْقِيبُ في العُرْفِ بِمَعْنى التَّنْقِيرِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْ أحْوالِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ التَّنْقِيبُ بِالسَّيْرِ ونَحْوِهِ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وعَلى تَفْسِيرِهِ بِالتَّصَرُّفِ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ تَصَرُّفَهم في البِلادِ مُسَبَّبٌ عَنِ اشْتِدادِ بَطْشِهِمْ وهي عَلى الوَجْهَيْنِ عاطِفَةٌ عَلى مَعْنى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّ بَطْشُهم فَنَقَّبُوا وقِيلَ: هي عَلى ما تَقَدَّمَ أيْضًا لِلسَّبَبِيَّةِ والعَطْفِ عَلى ( أهْلَكْنا ) عَلى أنَّ المُرادَ أخَذْنا في إهْلاكِهِمْ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ عَلى إضْمارِ قَوْلٍ هو حالٌ مِن واوِ (نَقَّبُوا) أيْ قائِلِينَ هَلْ لَنا مُخَلِّصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ المَوْتِ؟
أوْ عَلى إجْراءِ التَّنْقِيبِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّتَبُّعِ والتَّفْتِيشِ مَجْرى القَوْلِ عَلى ما قِيلَ أوْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَحِيصٌ أيْ هَلْ لَهم مُخَلِّصٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (نَقَّبُوا) لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ سارُوا في مَسايِرِهِمْ وأسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ المُهْلِكَةِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يُؤَمِّلُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ.
وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ يَعْمُرَ وأبِي العالِيَةِ ونَصْرِ بْنِ سَيّارٍ وأبِي حَيْوَةَ والأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (فَنَقِّبُوا) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ الأمْرَ لِلْحاضِرِ وقْتَ النُّزُولِ مِنَ الكُفّارِ وهم أهْلُ مَكَّةَ لا غَيْرَ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وفِيهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُبَيْدٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( ﴿ فَنَقَّبُوا ﴾ ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والمَعْنى كَما في المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ خَفِيفَةً مِنَ النَّقَبِ مُحَرَّكًا، وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ ويَرِقَّ مِن كَثْرَةِ السَّيْرِ، قالَ الرّاجِزُ: أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرُ ∗∗∗ ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرِ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَقَبَتْ أقْدامُهم، ونَقَبُ الإقْدامِ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْ كَثْرَةِ السَّيْرِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهم أكْثَرُوا السَّيْرَ في البِلادِ أوْ نَقَبَتْ أخْفافُ مَراكِبِهِمْ والمُرادُ كَثْرَةُ السَّيْرِ أيْضًا، وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ التَّقْدِيرِ بِجَعْلِ الإسْنادِ مَجازِيًّا <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ يعني: قربت وأدنيت الجنة لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك والكبائر، ويقال زينت الجنة.
ثم قال عز وجل: غَيْرَ بَعِيدٍ يعني: ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غَيْرَ بَعِيدٍ، يعني: دخولهم غير بعيد، فيقال لهم هذا مَا تُوعَدُونَ في الدنيا لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ أي: مقبل إلى طاعة الله، حفيظ لأمر الله تعالى في الخلوات وغيرها، ويقال: الأواب الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، وروى مجاهد عن عبيد بن عمير مثل هذا قوله عز وجل: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ يعني: يخاف الله عز وجل، فيعمل بما أمره الله، وانتهى عما نهاه، وهو في غيب منه وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ يعني: مقبلاً إلى طاعة الله مخلصاً ويقال لهم: ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذكر في أول الآية بلفظ الواحدان، وهو قوله وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ، ثم ذكر بلفظ الجماعة وهو قوله: ادْخُلُوها لأن لفظه من اسم جنس، يقع على الواحد، وعلى الجماعة، مرة تكون عبارة عن الجماعة، ومرة تكون عن الواحدان ادْخُلُوها بِسَلامٍ يعني: بسلامة من العذاب والموت والأمراض والآفات، ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أي لا خروج منه قوله عز وجل: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها يعني: يتمنون فيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ يعني: زيادة على ما يتمنون من التحف والكرامات، ويقال هو الرؤية وكقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: 26] ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ يعني: قبل أهل مكة هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً يعني: أشد من أهل مكة فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ يعني: طافوا وتقلبوا في أسفارهم وتجاراتهم، ويقال: تغربوا في البلاد هَلْ مِنْ مَحِيصٍ يعني: هل من فرار، وهل من ملجأ من عذاب الله.
<div class="verse-tafsir"
تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِيَ، لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟!
فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلَّنارِ: إنَّما أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِىء حَتَّى يَضَعَ [الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ] «١» فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَاكَ تَمْتَلِىءُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَداً، وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإنَّ اللَّهَ يُنْشِىءُ لَهَا خَلْقَاً» «٢» انتهى، قال ع «٣» : ومعنى: «قدمه» ما قَدَّمَ لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها ومنه: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس: ٢] وملاك النظر في هذه الحديث أَنَّ الجارحةَ، والتشبيهَ، وما جرى مجراه- مُنْتَفٍ كُلُّ ذلك عن اللَّه سبحانه، فلم يبقَ إلاَّ إخراجُ اللفظ على الوجوه السائغة في كلام العرب.
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ معناه: قُرِّبَتْ، ولما احتمل أنْ يكونَ معناه بالوعد والإخبار رفع الاحتمال بقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ قال أبو حيان «٤» : غَيْرَ بَعِيدٍ أي: مكاناً غيرَ بعيد فهو منصوب على الظرف، وقيل: منصوب/ على الحال من الجنة، انتهى.
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)
وقوله سبحانه: هذا مَا تُوعَدُونَ يحتمل أنْ يكونَ معناه: يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة: هذا الذي كنتم توعدون به في الدنيا، ويحتمل أنْ يكون خطاباً لِلأُمَّةِ أي:
هذا ما توعدون أَيُّها الناس لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ: والأَوَّابُ: الرَّجَّاعُ إلى الطاعة وإلى مراشد
نفسه، وقال ابن عباس وعطاء «١» : الأَوَّابُ: المُسَبِّحُ من قوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] وقال المُحَاسِبِيُّ «٢» : هو الراجع بقلبه إلى ربه، وقال عبيد بن عمير «٣» : كُنَّا نتحدث أَنَّه الذي إذا قام من مجلسه استغفر اللَّه مِمَّا جرى في ذلك المجلس، وكذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يفعل «٤» ، والحفيظ معناه: لأوامر اللَّه، فيمتثلها، ولنواهيه فيتركها، وقال ابن عباس»
: حفيظ لذنوبه حَتَّى يرجعَ عنها، والمُنِيبُ: الراجع إلى الخير المائِلُ إليه قال الدَّاوُودِيُّ «٦» : وعن قتادَةَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ قال: مُقْبِلٌ على اللَّه سبحانه، انتهى.
وقوله سبحانه: ادْخُلُوها أي: يقال لهم: ادخلوها.
وقوله عز وجل: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ خبر بأَنَّهم يُعْطَوْنَ آمالهم أجمع، ثم أبهم تعالى الزيادةَ التي عنده للمؤمنين المُنَعَّمِينَ، وكذلك هي مُبْهَمَةٌ في قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وقد فسر ذلك الحديثُ الصحيحُ، وهو قوله- عليه السلام-: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ مَا اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ «٧» قال ع «٨» : وقد ذكر الطبريُّ وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديثَ مطولة، وأشياءَ ضعيفةً لأَنَّ/ اللَّه تعالى يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ وهم يعينونها تكلفاً وتعسفاً.
وقوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي: ولجوا البلادَ من أنقابها طمعاً في النجاة من الهلاك هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي: لا محيصَ لهم، وقرأ ابن عبّاس وغيره: «فنقّبوا» على
الأمر لهؤلاء الحاضرين «١» .
ت: وعبارة البخاريِّ «فَنَقَّبُوا» : ضربوا «٢» ، وقال الداودي: وعن أبي عبيدةَ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ: طافوا، وتباعدوا، انتهى.
وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إهلاك مَنْ مضى لَذِكْرى أي: تذكرة، والقلبُ عبارة عن العقل إذْ هو مَحِلُّهُ، والمعنى: لمن كان له قلب واعٍ ينتفعُ به، وقال الشبليُّ: معناه: قلب حاضر مع اللَّه، لا يغفلُ عنه طرفةَ عين.
وقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ معناه: صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هذه الأنباء الواعظة، وأثبته في سماعها وَهُوَ شَهِيدٌ قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهِد مُقْبَلٌ على الأمر، غيرُ مُعْرِضٍ ولا مُفَكِّرٍ في غير ما يسمع.
ت: ولفظ البخاريِّ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي: لا يحدث نفسَه بغيره شَهِيدٌ أي: شاهد بالقلب، انتهى، قال المُحَاسِبيُّ في «رعايته» : وقد أَحْبَبْتُ أَنْ أَحُضَّكَ على حُسْنِ الاستماع لتدركَ به الفهمَ عن اللَّه عز وجل في كُلِّ ما دعاك إليه فإنَّه تعالى أخبرنا في كتابه أَنَّ مَنِ استمع كما يُحِبُّ اللَّهُ تعالى وَيَرْضَى، كان له فيما يستمع إِليه ذِكْرَى، يعني: اتعاظاً، وإذا سَمَّى الله عز وجل لأحد من خلقه شَيْئاً فهو له كما سَمَّى، وهو واصل إليه كما أخبر قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ قال مجاهد «٣» : شاهد القلب، لا يُحَدِّثُ نفسَه بشيء ليس بغائب القلب، فَمَنِ استمع إلى كتاب الله عز وجل، أو إلى حكمة، أو إلى علم، أو إلى عِظَةٍ، لا يُحَدَّثُ نفسَه بشيء غيرِ ما يستمع إليه، قَدْ أشهد قَلْبَهُ ما استمع إليه، يريد الله- عز وجل به-: كان له فيه ذكرى لأَنَّ اللَّه تعالى قال ذلك، فهو كما قال عز وجل، انتهى كلام المحاسبيِّ، وهو دُرٌّ نفيس، فَحَصِّلْهُ، واعملْ به تَرْشُدْ، وقد وجدناه، كما قال، وبالله التوفيق.
﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَوْمَ نَقُولُ" بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ.
[وَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَوْمَ يَقُولُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ] .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ يُقالُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ القافِ وإثْباتِ ألِفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وانْتِصابُ "يَوْمٍ" عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّانِي: عَلى مَعْنى: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ.
فَأمّا فائِدَةُ سُؤالِهِ إيّاها، وقَدْ عَلِمَ هَلِ امْتَلَأتْ أمْ لا، فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] وفي قَوْلِها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ قَوْلانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فالمَعْنى: هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟
أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ.
والثّانِي: أنَّها تَقُولُ تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى اللَّهَ تَعالى، وجَعَلَ اللَّهُ فِيها أنَّ تُمَيِّزَ وتُخاطِبَ، كَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ وفي المَخْلُوقاتِ أنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ [الشِّرْكَ] (غَيْرَ بَعِيدٍ) أيْ: جُعِلَتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ حَيْثُ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ، ويُقالُ لَهُمْ: "هَذا" الِذِي تَرَوْنَهُ ﴿ ما تُوعَدُونَ ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ ﴿ لِكُلِّ أوّابٍ ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] .
وفي ﴿ حَفِيظٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في [الأنْبِياءِ: ٤٩] ﴿ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
﴿ ادْخُلُوها ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴿ بِسَلامٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَلِمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلِمُوا فِيها مِنَ الغُمُومِ والتَّغَيُّرِ والزَّوالِ، وسَلَّمَ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِمْ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا زَوالَ.
﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ حَتّى تَنْتَهِيَ مَسائِلُهُمْ، فَيُعْطَوْنَ ما شاؤُوا، ثُمَّ يَزِيدُهم ما لَمْ يَسْألُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ .
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المَزِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ رَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ قالَ: يَتَجَلّى لَهم.» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ : يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَعالى في كُلِّ جُمْعَةٍ.
والثّانِي: أنَّ السَّحابَ يَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ، فَيُمْطِرُهُمُ الحُورَ، فَتَقُولُ الحُورُ: نَحْنُ اللَّواتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ عَلى ما تَمَنَّوْهُ وسَألُوا مِمّا لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَنَقَّبُوا " بِفَتْحِ النُّونِ والقافِ مَعَ تَشْدِيدِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ.
كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا القافَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ تَهَدُّدًا.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى "فَنَقَبُوا" سارُوا في البِلادِ، فَهَلْ كانَ لَهم مِنَ المَوْتِ "مِن مَحِيصٍ" فَأُضْمِرَتْ "كانَ" ها هُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم ناصِرٌ.
ومَن قَرَأ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ، فَإنَّهُ كالوَعِيدِ؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا في البِلادِ وجِيئُوا فَهَلْ مِنَ المَوْتِ مِن مَحِيصٍ؟!
وقالَ الزَّجّاجُ: "نَقِّبُوا": طَوِّقُوا وفَتِّشُوا، فَلَمْ تَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ فَأمّا المَحِيصُ: فَهو المَعْدِلُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَهُ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٢١ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرَهُ مِن إهْلاكِ القُرى ﴿ لَذِكْرى ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً وعِظَةً ﴿ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَقْلٌ.
قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ أنْ تَقُولَ: ما لَكَ قَلْبٌ، وما مَعَكَ قَلْبُكَ، تُرِيدُ العَقْلَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا كانَ القَلْبُ مَوْضِعًا لِلْعَقْلِ كَنّى بِهِ [عَنْهُ] .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِمَن صَرَفَ قَلْبَهُ إلى التَّفَهُّمِ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ ﴾ أيِ: اسْتَمَعَ مِنِّي ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: وقَلْبُهُ فِيما يَسْمَعُ.
وقالَ الفَرّاءُ: "وَهُوَ شَهِيدٌ" أيْ: شاهِدٌ لَيْسَ بِغائِبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، آخِرُها يَوْمُ الجُمْعَةِ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلِذَلِكَ لا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ أيْ: مَن بَهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ونُسِخَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: صَلِّ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّكَ والتَّنْزِيهِ [لَهُ] مِمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴾ وهي صَلاةُ الفَجْرِ ﴿ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ فافْعَلُوا.
وقَرَأ: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أيَّ وقْتٍ صَلّى مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَلاةُ العِشاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ ألِفِ "أدْبارٍ" فَهو جَمْعُ دُبُرٍ، ومَن كَسَرَها فَهو مَصْدَرُ: أدْبَرَ يُدْبِرُ إدْبارًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ في آخَرِينَ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ،قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ في أدْبارِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ في جَمِيعِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُجُودِ ﴾ "كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرِيَّةٌ، والمَعْنى: كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَهم.
و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ الَّذِينَ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ قَدْرٌ مِنَ الزَمانِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ القَدْرِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، و"شِدَّةُ البَطْشِ" هي بِكَثْرَةِ القُوَّةِ والأمْوالِ والمُلْكِ والصِحَّةِ والأذْهانِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَفْتُوحَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: ولَجُوا البِلادَ مِن أنْقابِها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ عَلى أنْقابِ المَدِينَةَ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُها الطاعُونُ ولا الدَجّالُ"،» والمُرادُ تَطَوَّفُوا ومَشَوْا طَماعِيَةً في النَجاةِ مِنَ الهَلَكَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ: نَقَّبُوا في البِلادِ مَن حَذِرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ يَعْمُرَ، ونَصّارُ بْنُ يَسارٍ، وأبُو العالِيَةِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَكْسُورَةِ عَلى الأمْرِ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ، و: ﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا مَحِيصَ، و"المَحِيصُ" مَوْضِعُ الحَيْصِ وهو الرَوَغانُ والحِيادُ، قالَ قَتادَةُ: حاصَ الكَفَرَةُ فَوَجَدُوا أمْرَ اللهِ مُتَّبِعًا مُدْرَكًا، وفي صَدْرِ البُخارِيِّ: "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ" وقالَ ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ في وصْفِ ناقَتِهِ: إذا حاصَ الدَلِيلُ رَأيْتَ مِنها جُنُوحًا لِلطَّرِيقِ عَلى اتِّساقِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عُبَيْدٍ عنهُ-: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها، وهي بِمَعْنى التَشْدِيدِ، واللَفْظَةُ أيْضًا قَدْ تُقالُ بِمَعْنى البَحْثِ والطَلَبِ، تَقُولُ: نَقَّبَ عن كَذا أيِ اسْتَقْصى عنهُ، ومِنهُ "نَقِيبُ القَوْمِ" لِأنَّهُ الَّذِي يَبْحَثُ عن أُمُورِهِمْ ويُباحِثُ عنها، وهَذا عِنْدِي تَشْبِيهٌ بِالدُخُولِ مِنَ الأنْقابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ يَعْنِي إهْلاكَ مَن مَضى، و"الذِكْرى": التَذْكِرَةُ، و"القَلْبُ" عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ إذْ هو مَحَلُّهُ، والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ واعٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، وقالَ الشِبْلِيُّ: مَعْناهُ: قَلْبٌ حاضِرٌ مَعَ اللهِ تَعالى لا يَغْفُلُ عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ مَعْناهُ: صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هَذِهِ الأنْباءِ الواعِظَةِ، وأنْتَبَهَ في سَماعِها، فَذَلِكَ إلْقاءٌ لَهُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ ، أيْ: أثْبَتَها عَلَيْكَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: "ألْقى السَمْعَ" وقَوْلُهُ: "فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ ، هي مِمّا قَلَّ اسْتِعْمالُها الآنَ وبَعُدَتْ مَعانِيهِ.
وقَوْلُ هَذا القائِلِ ضَعِيفٌ، بَلْ هي بَيِّنَةُ المَعانِي، وقَدْ مَضَتْ في مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهُوَ شَهِيدٌ" قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: وهو مُشاهَدٌ مُقْبِلٌ عَلى الأمْرِ غَيْرُ مُعَرَّضٍ ولا مُتَفَكِّرٍ في غَيْرِ ما يَسْمَعُ، وقالَ قَتادَةُ: هي إشارَةٌ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ العِبْرَةَ لَتَذْكِرَةٌ لِمَن لَهُ فَهْمٌ فَيَتَدَبَّرُ الأمْرَ، أو لِمَن سَمِعَها مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَشْهَدُ بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِ بِها مِن كِتابِ التَوْراةِ وسائِرِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، فـَ "شَهِيدٌ" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ المُشاهَدَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مِنَ الشَهادَةِ، وقَرَأ السُدِّيُّ: "أو ألْقى السَمْعَ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ: أُلْقِيَ السَمْعُ مِنهُ، حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ السُدِّيِّ ذُكِرَتْ لِعاصِمٍ فَمَقَتَ السُدِّيَّ وقالَ: ألَيْسَ اللهُ تَعالى يَقُولُ: "يُلْقُونَ السَمْعَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ...
خَبَرٌ مُضَمِّنُهُ الرَدُّ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ، واللُغُوبُ: الإعْياءُ والنَصَبُ والسَأمُ، يُقالُ: لَغَبَ الرَجُلُ يَلْغُبُ إذا أعْيا، وقَرَأ السِلْمِيُّ، وطَلْحَةُ: "لَغُوبٌ" بِفَتْحِ اللامِ.
وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ بَدْءَ خَلْقِ الأشْياءِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ، وفي كِتاب مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ لِثابِتٍ حَدِيثٌ مُضَمِّنُهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ السَبْتِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خُلِقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَمَن قالَ إنَّ البَداءَةَ يَوْمَ السَبْتِ جَعَلَ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَخَلْقِ بَنِيهِ لا يُعَدُّ مَعَ الجُمْلَةِ الأُولى، وجَعَلَ اليَوْمَ الَّذِي كَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ عِنْدَهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ أهْلُ الكِتابِ لِقَوْلِهِمْ: ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وقالَ النُظّارُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ، وعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأقْوالِ الزائِفَةِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، و"سَبِّحْ" مَعْناهُ: صِلْ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِحَمْدِ رَبِّكَ" الباءُ لِلِاقْتِرانِ، أيْ: سَبِّحْ سُبْحَةً يَكُونُ مَعَها حَمْدٌ، ومِثْلُهُ: "تَنْبُتُ بِالدُهْنِ" عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيها، و"قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ" هي الصُبْحُ "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" هي العَصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والناسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَبْلَ الغُرُوبِ" الظُهْرُ والعَصْرُ، و"مِنَ اللَيْلِ" هي صَلاةُ العِشاءَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي العِشاءُ فَقَطْ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَلاةُ اللَيْلِ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأدْبارَ السُجُودِ"، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والأوزاعِيُّ: هي الرَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، عَنِ ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عَنِ النَبِيِّ ، كَأنَّهُ رُوعِيَ إدْبارَ صَلاةِ النَهارِ كَما رُوعِيَ إدْبارَ النُجُومِ في صَلاةِ اللَيْلِ فَقِيلَ: هي الرَكْعَتانِ مَعَ الفَجْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ "أدْبارَ السُجُودِ" الوِتْرُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي النَوافِلُ إثْرَ الصَلَواتِ، وهَذا جارٍ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: هي صَلاةُ اللَيْلِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" الرَكْعَتانِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وقالَ بَعْضُ التابِعِينَ: رَأيْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَهُبُّونَ إلَيْها كَما يَهُبُّونَ إلى المَكْتُوبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا يُصَلِّي الرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ إلّا أنَسًا وأبا بَرْزَةَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعِيسى، وشِبْلٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ:"وَإدْبارَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ وقْتٌ ثُمَّ حُذِفَ الوَقْتُ، كَما قالُوا: جِئْتُكَ مَقْدِمَ الحَجِّ وخَفُوقَ النَجْمِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَأدْبارَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو جَمْعٌ دُبُرٍ كَطُنُبٍ وأطْنابٍ، أيْ: وفي أدْبارِ السُجُودِ، أيْ في أعْقابِهِ، قالَ أوسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎ عَلى دُبُرِ الشَهْرِ الحَرامِ فَأرْضُنا ∗∗∗ وما حَوْلَها جَدْبٌ سَنِينٌ تَلْمَعُ <div class="verse-tafsir"
انتقال من الاستدلال إلى التهديد وهو معطوف على ما قبله وهذا العطف انتقال إلى الموعظة بما حل بالأمم المكذبة بعد الاستدلال على إمكان البعث بقوله: ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ﴾ [ق: 4] وما فُرّع عليه من قوله: ﴿ أفَعَيِينَا بالخلق الأول ﴾ [ق: 15].
وفي هذا العطف الوعيد الذي أجمل في قوله: ﴿ فحقّ وعيد ﴾ [ق: 12، 14].
فالوعيد الذي حقّ عليهم هو الاستئصال في الدنيا وهو مضمون قوله: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً ﴾ .
والخبر الذي أفاده قوله: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم ﴾ تعريض بالتهديد وتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وضميرا ﴿ قبلهم ﴾ و ﴿ منهم ﴾ عائدان إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام كما تقدم في قوله أول السورة من قوله: ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ويفسره قوله بعده فقال الكافرون هذا شيء عجيب ﴾ [ق: 2].
وجرى على ذلك السَّنَن قوله: ﴿ كَذَّبت قبلهم قوم نوح ﴾ وقوله: ﴿ بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15]، ونظائره في القرآن كثيرة.
و ﴿ كم ﴾ خبرية وجرّ تمييزها ب ﴿ من ﴾ على الأصل.
والبطش: القوة على الغير.
والتنقيب: مشتق من النقْب بسكون القاف بمعنى الثقب، فيكون بمعنى: خَرَقوا، واستعير لمعنى: ذللوا وأخضعوا، أي تصرفوا في الأرض بالحفر الغرس والبناء وتحت الجبال وإقامة السداد والحصون فيكون في معنى قوله: ﴿ وأثارُوا الأرض وعَمَرُوها ﴾ في سورة الروم (9).
وتعريف البلاد } للجنس، أي في الأرض كقوله تعالى: ﴿ الذين طغوا في البلاد ﴾ [الفجر: 11].
والفاء في ﴿ فنقبوا ﴾ لتفريع عن ﴿ أشد منهم بطشاً ﴾ ، أي ببطشهم وقوتهم لقبوا في البلاد.
والجملة معترضة بين جملة ﴿ وكم أهلكنا قبلهم ﴾ إلى آخره.
وجملة ﴿ هل من محيص ﴾ كما اعترض بالتفريع في قوله تعالى: ﴿ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ﴾ [الأنفال: 14].
وجملة ﴿ هل من محيص ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أهلكنا ﴾ ، أي إهلاكاً لا منجى منه.
ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة.
فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذلك دخلت ﴿ من ﴾ على الاسم الذي بعد الاستفهام كما يقال: ما مِن محيص، وهذا قريب من قوله في سورة ص (3) ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولاتَ حين مناص ﴾ والمحيص: مصدر ميمي من حَاص إذا عَدَل وجاد، أي لم يجدوا محيصاً من الإهلاك وهو كقوله تعالى: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد ﴾ في سورة مريم (98).
وقوله: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} إلى آخرها يجوز أن تكون الإشارة بذلك إلى إهلاك القرون الأشدِّ بطشاً، ويجوز أن يكون إلى جميع ما تقدم من استدلال وتهديد وتحذير من يوم الجزاء.
والذكرى: التذكرة العقلية، أي التفكر في تدبر الأحوال التي قضت عليهم بالإهلاك ليقيسوا عليها أحوالهم فيعلموا أن سَيَنَالهُمْ ما نال أولئك، وهذا قياس عقلي يدركه اللبيب من تلقاء نفسه دون احتياج إلى منبه.
والقلب: العقل وإدراك الأشياء على ما هي عليه.
وإلقاء السمع: مستعار لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم كأنَّ أسماعهم طرحت في ذلك فلا يشغلها شيء آخر تسمعه.
والشهيد: المشاهد وصيغة المبالغة فيه للدلالة على قوة المشاهدة للمذكر، أي تحديق العين إليه للحرص على فهم مراده مما يقارن كلامه من إشارة أو سَحْنة فإن النظر يعين على الفهم.
وقد جيء بهذه الجملة الحالية للإشارة إلى اقتران مضمونها بمضمون عاملها بحيث يكون صاحب الحال ملقيا سمعه مشاهِدا.
وهذه حالة المؤمن ففي الكلام تنويه بشأن المؤمنين وتعريض بالمشركين بأنهم بعداء عن الانتفاع بالذكريات والعبر.
وإلقاء السمع مع المشاهدة يوقظ العقل للذكرى والاعتبار إن كان للعقل غفلة.
وموقع ﴿ أو ﴾ للتقسيم لأن المتذكر إمّا أن يتذكر بما دلت عليه الدلائل العقلية من فهم أدلة القرآن ومن الاعتبار بأدلة الآثار على أصحابها كآثار الأمم مثل ديار ثمود، قال تعالى: ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ [النمل: 52] فقوله: ﴿ ألقى السمع ﴾ استعارة عزيزة شبه توجيه السمع لتلك الأخبار دون اشتغال بغيرها بإلقاء الشيء لمن أخذه فهو من قسم من له قلب، وإما أن يتذكر بما يبلغه من الأخبار عن الأمم كأحاديث القرون الخالية.
وقيل المراد بمن ألقى السمع وهو شهيد خصوص أهل الكتاب الذين ألقوا سمعهم لهذه الذكرى وشهدوا بصحتها لعلمهم بها من التوراة وسائر كتبهم فيكون ﴿ شهيد ﴾ من الشهادة لا من المشاهدة.
وقال الفخر: تنكير ﴿ قلب ﴾ للتعظيم والكمال.
والمعنى: لمن كان له قلب ذكيّ واع يستخرج بذكائه، أو لمن ألقى السمع إلى المنذر فيتذكر، وإنما قال ﴿ أو ألقى السمع ﴾ ولم يقل: استمع، لأن إلقاء السمع، أي يرسل سمعه ولا يمسكه وإن لم يقصد السماع، أي تحصل الذكرى لمن له سمع.
وهو تعريض بتمثيل المشركين بمن ليس له قلب وبمن لا يلقي سمعه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثَّرُوا في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهم مَلَكُوا في البِلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: سارُوا في البِلادِ وطافُوا، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ الرّابِعُ: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا فِيها طُرُقًا ومَسالِكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ اتِّخاذُ الحُصُونِ والقِلاعِ.
﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ مِن مُنْجٍ مِنَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: هَلْ مِن مَهْرَبٍ، قالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ أعْداءُ اللَّهِ فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم مُدْرِكًا.
الثّالِثُ: هَلْ مِن مانِعٍ؟
قالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ الفَجَرَةُ، فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ مَنِيعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَن كانَ لَهُ عَقْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ القَلْبَ مَحِلُّ العَقْلِ.
الثّانِي: لِمَن كانَتْ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيَّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ الحَيَّةِ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها.
كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلُ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألْقى السَّمْعَ فِيما غابَ عَنْهُ بِالأخْبارِ، وهو شَهِيدٌ فِيما عايَنَهُ بِالحُضُورِ.
الثّانِي: مَعْناهُ سَمِعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ وهو شَهِيدٌ بِصِحَّتِهِ.
الثّالِثُ: سَمِعَ ما أُنْذِرَ بِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وهو شَهِيدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.
وَفي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها في جَمِيعِ أهْلِ الكُتُبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ واللُّغُوبُ التَّعَبُ والنَّصَبُ.
قالَ الرّاجِزُ: إذا رَقى الحادِي المَطِيَّ اللُّغُبا ∗∗∗ وانْتَعَلَ الظِّلَ فَصارَ جَوْرَبًا قالَ قَتادَةُ و الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَهُودِ المَدِينَةِ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ الأحَدِ، وآخِرَها يَوْمُ الجُمُعَةِ، واسْتَراحَ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ يَوْمَ راحَةٍ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، أمَرَ فِيهِ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، إمّا مِن تَكْذِيبٍ أوْ وعِيدٍ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ الآيَةَ.
وَهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ، فَهو عامٌّ لَهُ ولِأُمَّتِهِ.
وَفي هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْبِيحُهُ بِالقَوْلِ تَنْزِيهًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها الصَّلاةُ ومَعْناهَ فَصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ، يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ ورَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى قَوْلًا في اللَّيْلِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
ثُمَّ قالَ ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في أدْبارِ الصَّلَواتِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبُو هُرَيْرَةَ.
وَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: (يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ أدْبارُ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ أدْبارُ السُّجُودِ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فنقبوا في البلاد ﴾ قال: أثروا.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فنقبوا في البلاد ﴾ قال: هربوا بلغة اليمن.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول عدي بن زيد: نقبوا في البلاد من حذر الموت ** وجالوا في الأرض أيَّ مجال وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فنقبوا في البلاد ﴾ قال: ضربوا في الأرض.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ هل من محيص ﴾ قال: هل من مهرب يهربون من الموت.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فنقبوا في البلاد هل من محيص ﴾ قال: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركاً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ قال: كان المنافقون يجلسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون فيقولون ماذا قال آنفاً؟
ليس معهم قلوب.
وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن العقل في القلب والرحمة في الكبد والرأفة في الطحال والنفس في الرئة.
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميزان، ولا وحشة أشد من العجب.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ أو ألقى السمع ﴾ قال: لا يحدث نفسه بغيره ﴿ وهو شهيد ﴾ قال: شاهد بالقلب.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾ قال: يستمع وقلبه شاهد لا يكون قلبه مكاناً آخر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾ قال: هو رجل من أهل الكتاب ألقى السمع أي استمع للقرآن وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله أنه يجد النبي محمداً مكتوباً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ساروا (١) (٢) (٣) وقال النضر: دَوّروا (٤) (٥) وقال الفراء: خرّقوا البلاد فساروا فيها (٦) وقال الزجاج: طوفوا وفتشوا.
قال ومنه: نقيب القوم للذي يعرف أمرهم (٧) وقال المبرد: نقبوا في اللغة: طوفوا.
وأصله من النقب وهو الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق.
وأنشدوا لامرئ القيس (٨) وقد نَقّبْتُ في الآفَاقِ حتَّى ...
رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ ومعنى الآية: أن القرون الماضية ساروا في البلاد فلم يجدوا محيصًا عن أمر الله.
قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا (٩) (١٠) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "جامع البيان" 26/ 110، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.
(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 226، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.
(٤) (ك): (دوخوا) وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22، "فتح القدير" 5/ 80.
(٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 79.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 48.
(٨) انظر: "ديوانه" 73، "اللسان" 3/ 697 (نقب)، والمراجع السابقة.
ورواية الديوان "طوفت" بدل "نقبت".
وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ آية: 7 من سورة النجم.
(٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 110.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 48.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾ الضمير في هم للقرون المتقدمة، وفي منهم لكفار قريش ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ﴾ أي طافوا فيها، وأصله دخولها من أنقابها، أو من التنقيب عن الأمر، بمعنى البحث عنه ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي قالوا: هل من مهرب من الله أو من العذاب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .
﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.
قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.
﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.
التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.
وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.
وقيل: قضي الأمر.
وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.
والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.
ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.
وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.
والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.
ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.
ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.
وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.
والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.
عن النبي " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.
ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.
والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد مثل ذلك.
ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.
وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.
نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.
وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.
ومنه مدّ الأرض أي دحوها.
ومنها خلق الجبال الرواسخ.
ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.
ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.
والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.
والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.
ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.
وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".
وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب ﴾ وفيه تسلية للنبي .
ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟
واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.
ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.
والوسوسة الصوت الخفي.
والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.
والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.
والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.
والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.
والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.
قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.
وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.
عن النبي "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.
والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.
وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.
قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.
وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.
والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.
ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.
قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.
والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.
ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.
ثم يقال للإنسان.
﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.
وقال ابن زيد: الخطاب للنبي كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.
ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.
إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.
ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".
وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.
وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.
نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.
وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .
﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.
﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.
قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.
ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟
فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.
قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.
أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.
قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.
وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.
وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.
وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.
والمعاني كما مرت.
ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.
ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.
فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.
وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟
ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.
وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله ذليل متواضع لله.
وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.
قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.
وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.
ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.
قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.
فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.
وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.
ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.
فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.
ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.
ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.
ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.
وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.
والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.
والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.
قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.
قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.
ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.
ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .
ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.
وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.
قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.
ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.
وفيه لطيفة وهي أن الله مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟
بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.
وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله وتقديسه.
قيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.
ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".
قال أهل النظم: إن النبي له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.
فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.
قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.
ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.
وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.
قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .
﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.
ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.
وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.
والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: كم أهلكنا قبلهم من قرن، لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم، ولا الانتصار من ذلك، فيكف يملك قومك دفع ما ينزل ببهم أو أصروا على التكذيب.
والثاني: يقول: قد أهلك الذين كانوا قبل قومك: الذين كذبوا رسلهم، أهلكوا إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدقوا أهلكوا بآجالهم، لا هلاك عقوبة، وقد كانوا جميعا - المصدقين المكذبين - سواء في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، فدل أن هناك دارا أخرى يفرق بينهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ : أي: صاروا في البلاد هل من مفر؟!.
وقال القتبي: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ ، أي: طافوا، وتباعدوا، ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: هل يجدون من الموت محيصا؟
أي: مفرا.
ويحتمل: أي: تقلبوا في البلاد في تجاراتهم، فلا يجدون ملجأ يرد به هلاكهم.
يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ ﴾ أي: عظة ممن كان له قلب.
والثاني: فيما ذكر من إهلاك الأمم الحالية، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لذكرى لمن ذكر.
والثالث: أي: فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا، والصالح والطالح - لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما.
وقوله: ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ ، أي: عقل وفهم.
أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.
وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا: بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل.
وقال بعضهم: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو سائغ في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ ، أي: يستمع وهو شاهد سمعه وقلبه، وأصله: أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك، والإصابة.
ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان: [الأول:] التأمل والنظر في المحسوس.
والثاني: أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له، فكأنه يقول - والله أعلم -: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب، وينظر، ويعي، ويحفظ.
أو ﴿ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ ﴾ ، أي: يستمع ما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب؛ فتكون الذكرى لمن اختص بهذين، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها.
أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
وقوله: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود - لعنهم الله - صراحاً، ونفي إيهام المشبهة في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، وتبين المراد من قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أما نقض قول اليهود - لعنهم الله - فإنهم يقولون: خلق السماوا والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فالله - لعنم الله - فيكون رذّاً لقولهم صريحا.
وأما نفي إبهام المشبهة؛ قإنهم توهموا أن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا الله بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فالله نفى التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ [فدل] على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وَبَيَّنَ تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السماوات والأرض أن المراد منه التمام، أي: ثم ملكه بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما بخلق العرش، وبذكر الاستواء ويراد به التمام، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغويا فهو لاغب.
وأصله ما ذكرنا: أن خلق الله الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما الله إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، أي: فاصبر على ما يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا يدعو عليهم بالهلاك.
ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في الله من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن الله ينتقم منهم لك.
وإنما أمر بالصبر؛ لأن رسول الله كان سريع الغضب لله فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك جميع الأنبياء - عليهم السلام - لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في الله أو فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ .
قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق به.
وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة ، فمعنى قوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب بالتعظيم والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا.
ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، كذلك إذا جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخئلاق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، و اشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أني كون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ لهذا.
ويحتمل أن سموه: صلاة؛ لما أن في الصلاة تسبيحا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ قال بعضهم: قبل صلاة الفجر، وقبل غروبها.
وقال بعضهم: صلاة العصر.
وقال بعضهم: صلاة العصر والظهر، لأنهما جميعا قبل غروب الشمس.
وقوله: ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هما ركعتان بعد المغرب، و[هو] جائز محتمل.
ويحتمل أن يكون إدبار السجوج ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ ، وتفيؤ الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الضلال؛ فمعناه: وسبحه وقت إدبار السجود لذلك الظلال، والذي أخبر أنه يتفيأ أن يفيؤه هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله : ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ ﴾ إدبار النجوم: هو ذهب النجوم؛ فعلى ذلك قوله : ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: سبحه بعد ذهاب سجود الظلال، فذلك إنما يكون بد ذهاب الشمس وغيبوبتها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء المشركين المكذبين من أهل مكة، ففتشوا في البلاد لعلهم يجدون مهربًا من العذاب فلم يجدوه.
<div class="verse-tafsir" id="91.l6J8z"