الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٣٩ من سورة ق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فاصبر على ما يقولون ) يعني : المكذبين ، اصبر عليهم واهجرهم هجرا جميلا ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) ، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر ، وقبل الغروب في وقت العصر ، وقيام الليل كان واجبا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه .
ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات ، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر ، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : " أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر ، لا تضامون فيه ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، فافعلوا " ثم قرأ : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة ، من حديث إسماعيل ، به .
القول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء اليهود, وما يفترون على الله, ويكذبون عليه, فإن الله لهم بالمِرصاد ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) يقول: وصلّ بحمد ربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل الغروب.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) لصلاة الفجر, وقبل غروبها: العصر.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) قبل طلوع الشمس: الصبح, وقبل الغروب: العصر.
قوله تعالى : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروبقوله تعالى : فاصبر على ما يقولون خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ; أمره بالصبر على ما يقوله المشركون ; أي : هون أمرهم عليك .
ونزلت قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة .
وقيل : هو ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته .
وقيل معناه : فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم : إن الله استراح يوم السبت .قوله تعالى : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قيل : إنه أراد به الصلوات الخمس .
قال أبو صالح : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح ، وقبل الغروب صلاة العصر .
ورواه جرير بن عبد الله مرفوعا قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني العصر [ ص: 24 ] والفجر ، ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها متفق عليه واللفظ لمسلم .
وقال ابن عباس : قبل الغروب الظهر والعصر .
{ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } من الذم لك والتكذيب بما جئت به، واشتغل عنهم واله بطاعة ربك وتسبيحه، أول النهار وآخره
( فاصبر على ما يقولون ) من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد ، وهذا قبل الأمر بقتالهم ( وسبح بحمد ربك ) أي : صل حمدا لله ( قبل طلوع الشمس ) يعني : صلاة الصبح ( وقبل الغروب ) يعني : صلاة العصر .
وروي عن ابن عباس قال : " قبل الغروب " الظهر والعصر .
«فاصبر» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «على ما يقولون» أي اليهود وغيرهم من التشبيه والتكذيب «وسبح بحمد ربك» صل حامدا «قبل طلوع الشمس» أي صلاة الصبح «وقبل الغروب» أي صلاة الظهر والعصر.
فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله المكذبون، فإن الله لهم بالمرصاد، وصلِّ لربك حامدًا له صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل الغروب، وصلِّ من الليل، وسبِّحْ بحمد ربك عقب الصلوات.
والفاء فى قوله : ( فاصبر على مَا يَقُولُونَ ) فصيحة .
أى : إذا كان الحال كما بينا لك يا محمد ، فاصبر على ما يقوله هؤلاء الضالون المكذبون من أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل .وقوله : ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب ) إرشاد له - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعينه على الصبر .أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على أقوال هؤلاء الكافرين ، ونزه ربك - تعالى - عن كل مالا يليق به ، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات ( قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب ) وهما وقتا الفجر والعصر .وخصهما - سبحانه - بالذكر لفضلهما وشرفهما .
ثم قال تعالى: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ قال من تقدم ذكرهم من المفسرين إن معناه اصبر على ما يقولون من حديث التعب بالاستلقاء، وعلى ما قلنا معناه اصبر على ما يقولون إن هذا لشيء عجيب، ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ وما ذكرناه أقرب لأنه مذكور، وذكر اليهود وكلامهم لم يجر.
وقوله: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فيكون كقوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب ﴾ إشارة إلى طرفي النهار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ أي اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه.
وقيل: فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث؛ فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم.
وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
وقيل: الصبر مأمور به في كل حال ﴿ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ حامداً ربك، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة، فالصلاة ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس ﴾ الفجر ﴿ وَقَبْلَ الغروب ﴾ الظهر والعصر ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ العشاآن.
وقيل التهجد ﴿ وأدبار السجود ﴾ التسبيح في آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة.
وقيل النوافل بعد المكتوبات.
وعن علي رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الوتر بعد العشاء.
والأدبار: جمع دبر.
وقرئ: ﴿ وأدبار ﴾ من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت.
ومعناه: ووقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك خفوق النجم ﴿ واستمع ﴾ يعني واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة.
وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه، كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: «يا معاذاً اسمع ما أقول لك» ، ثم حدّثه بعد ذلك.
فإن قلت: بم انتصب اليوم؟
قلت: بما دل عليه ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخروج ﴾ أي: يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
ويوم يسمعون: بدل من ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ﴾ و ﴿ المناد ﴾ إسرافيل ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلاً، وهي وسط الأرض.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة: أيتها العظام البالية، و ﴿ الصيحة ﴾ النفخة الثانية ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة، والمراد به البعث والحشر للجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ العالَمِ بِلا إعْياءٍ قَدَرَ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ ما يَقُولُ اليَهُودُ مِنَ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ونَزِّهْهُ عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ والوَصْفِ بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ حامِدًا لَهُ عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها.
﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ يَعْنِي الفَجْرَ والعَصْرَ وقَدْ عُرِفَتْ فَضِيلَةُ الوَقْتَيْنِ.
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ.
﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ وأعْقابَ الصَّلَواتِ جَمْعُ دُبُرٍ مِن أدْبَرَ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِالكَسْرِ مِن أدْبَرَتِ الصَّلاةُ إذا انْقَضَتْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، فالصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ: الصُّبْحُ وقَبْلَ الغُرُوبِ: الظُّهْرُ، والعَصْرُ.
ومِنَ اللَّيْلِ: العِشاءانِ، والتَّهَجُّدُ.
وأدْبارَ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ، وقِيلَ الوَتْرُ بَعْدَ العِشاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{فاصبر على مَا يَقُولُونَ} أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه أو على ما يقول المشركون في أمر البعث فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} حامداً ربك والتسبيح محمول على طاهرة أو على الصلاة فالصلاة {قَبْلَ طُلُوعِ الشمس} القمر {وقبل الغروب} الظهر والعصر
﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ أيْ ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ في شَأْنِ البَعْثِ مِنَ الأباطِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ العالَمِ في تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ بِلا إعْياءٍ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم، أوْ عَلى ما يَقُولُ اليَهُودُ مِن مَقالَةِ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ.
والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ولَقَدْ خَلَقْنا ) إلَخْ عَلى الوَجْهَيْنِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِأوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وأنَّهُ أنْسَبُ مِن تَعَلُّقِهِ - بِـ ( لَقَدْ خَلَقْنا ) - الآيَةَ لِأنَّ الكَلامَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى هاهُنا عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُسْتَرْشِدِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأقْرَبَ تَعَلُّقُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِما ذَكَرْنا ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ وعَنْ وُقُوعِ الخُلْفِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِوُقُوعِ البَعْثِ وعَنْ وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ، أوْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ومِنهُ ما ذَكَرَ حامِدًا لَهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها.
﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ هُما وقْتا الفَجْرِ والعَصْرِ وفَضِيلَتُهُما مَشْهُورَةٌ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى يعني: فيما صنع لقومك لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يعني: عقل لأنه يعقل بالقلب فكني عنه أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ يعني: استمع إلى القرآن وَهُوَ شَهِيدٌ يعني: قلبه حاضر غير غائب عنه، وقال القتبي: وهو شهيد، يعني: استمع كتاب الله، وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل، ولا ساه، وروى معمر عن قتادة قال: لمن كان له قلب من هذه الأمة، أو ألقى السمع.
قال رجل من أهل الكتاب: استمع إلى القرآن، وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله تعالى، وروي عن عمر أنه قرأ: فَنَقَّبُوا بالتخفيف، يعني: فتبينوا ونظروا وذكروا، ومنه قيل للعريف نقيب القوم، لأنه يتعرف أمرهم، ويبحث عنهم.
وقرأ يحيى بن يعمر فَنَقَّبُوا بضم النون، وكسر القاف، يعني: تبينوا، وقرأ الباقون بالتشديد يعني: طوفوا، وقوله: هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق: 36] يعني: هل من ملجأ من الموت، قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وذلك أن اليهود قالوا: لما خلق الله السموات والأرض وفرغ منهما، استراح في يوم السبت فنزل قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ يعني: ما أصابنا من إعياء، وإنما يستريح من يعيى.
قوله عز وجل: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ من المنكر، وهو قولهم: استراح، ويقال: فاصبر على مَا يَقُولُونَ من التكذيب، وقال في رواية الكلبي: نزلت في المستهزئين من قريش، وفي أذاهم للنبي وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعني: صل لربك صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر وَمِنَ اللَّيْلِ يعني: المغرب والعشاء فَسَبِّحْهُ يعني: صل له وهو المغرب والعشاء وَأَدْبارَ السُّجُودِ يعني: ركعتي المغرب، قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة وَأَدْبارَ بكسر الألف، والباقون بالنصب، فهو جمع الدبر، ومن قرأ بالكسر فعلى مصدر أدبر يدبر إدباراً، قال أبو عبيدة: هكذا نقرأ يعني: بالنصب، لأنه جمع الدبر، وإنما الإدبار، هو المصدر كقولك: أدبر، يدبر، إدباراً، ولا إدبار للسجود، وإنما ذلك للنجوم.
قوله عز وجل: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن كثير: الْمُنَادِي بالياء في الوصل، وهو الأصل في اللغة، والباقون بغير ياء، لأن الكسر يدل عليه فاكتفى به، ومعنى الآية اعمل واجتهد، واستعد ليوم القيامة، يعني: استمع صوت إسرافيل مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني: من صخرة بيت المقدس يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ يعني: نفخة إسرافيل بالحق أنها كائنة، وقال مقاتل: في قوله: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال صخرة: بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء، بثمانية عشر ميلاً، وقال الكلبي: باثني عشر ميلاً ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من قبورهم إلى المحاسبة، ثم إلى إحدى الدارين، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وقال أبو عبيدة: يوم الخروج اسم من أسماء يوم القيامة، واستشهد بقول العجاج أليس يوم سميت خروجاً أعظم يوماً سميت عروجاً، قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ يعني: نحيي في الآخرة، ونميت في الدنيا الأحياء، ويقال: إنا نحن نحيي الموتى ونميت الأحياء وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يعني: المرجع في الآخرة، يعني: مصير الخلائق كلهم.
قوله عز وجل: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً يعني: تصدع الأرض عنهم، قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر تَشَقَّقُ بتشديد الشين، والباقون بالتخفيف، لأنه لما حذف إحدى التاءين ترك الشين على حالها، ثم قال: سِراعاً يعني: خروجهم من القبور سراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ يعني: جمع الخلائق علينا هين نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في البعث من التكذيب وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ يعني: بمسلط، يعني: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام، وإنما بعثت بشيراً ونذيراً، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم قال: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ يعني: فعظ بالقرآن بما وعد الله فيه مَنْ يَخافُ وَعِيدِ يعني: من يخاف عقوبتي وعذابي والله أعلم.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ...
الآية: خَبَرٌ مضمَّنه الرَّدُّ على اليَهُودِ الذين قالوا: إنَّ اللَّه خلق الأشياء كلها، ثم استراح يَوْمَ السبت، فنزلت: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ واللُّغُوب: الإعياء والنَّصَبُ.
وقوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ أي: ما يقوله الكفرة من أهل الكتاب وغيرِهم، وعَمَّ بذلك جميعَ الأقوال الزائِغَةِ من قريش وغيرهم وَسَبِّحْ معناه: صَلِّ بِإجماعٍ من المتأولين.
ت: وفي الإِجماع نظر وقد قال الثعلبيُّ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: قل سبحان اللَّه والحمدُ للَّه قاله عطاء الخُرَاسَانِيُّ، انتهى، ولكن المخرَّجُ في الصحيح إنما هو أمر الصلاة، وقال ابن العربي في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ فيه أربعة أقوال:
أحدها: أَنَّه تسبيحُ اللَّهِ في الليل، ويَعْضُدُ هذا القولَ الحديثُ الصحيحُ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» «٢» الحديثَ، وقد ذكَرْنَاهُ في سورة «المزمل» .
والثاني: أنَّها صلاةُ الليل.
والثالث: أَنَّها ركعتا الفجر.
/ والرابع: أَنَّها صلاة العشاء الآخرة، انتهى.
وقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ الباء للاقتران، أي: سبّح سبحة يكون معها حمد، وقَبْلَ
﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَوْمَ نَقُولُ" بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ.
[وَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَوْمَ يَقُولُ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ وضَمِّ القافِ] .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ يُقالُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ القافِ وإثْباتِ ألِفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وانْتِصابُ "يَوْمٍ" عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّانِي: عَلى مَعْنى: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ.
فَأمّا فائِدَةُ سُؤالِهِ إيّاها، وقَدْ عَلِمَ هَلِ امْتَلَأتْ أمْ لا، فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ [الأعْرافِ: ١٨] وفي قَوْلِها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ قَوْلانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فالمَعْنى: هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟
أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ.
والثّانِي: أنَّها تَقُولُ تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى اللَّهَ تَعالى، وجَعَلَ اللَّهُ فِيها أنَّ تُمَيِّزَ وتُخاطِبَ، كَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ وفي المَخْلُوقاتِ أنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ [الشِّرْكَ] (غَيْرَ بَعِيدٍ) أيْ: جُعِلَتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ حَيْثُ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ، ويُقالُ لَهُمْ: "هَذا" الِذِي تَرَوْنَهُ ﴿ ما تُوعَدُونَ ﴾ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ ﴿ لِكُلِّ أوّابٍ ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] .
وفي ﴿ حَفِيظٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الحافِظُ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحافِظُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في [الأنْبِياءِ: ٤٩] ﴿ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
﴿ ادْخُلُوها ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴿ بِسَلامٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم سَلِمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلِمُوا فِيها مِنَ الغُمُومِ والتَّغَيُّرِ والزَّوالِ، وسَلَّمَ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِمْ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا زَوالَ.
﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ حَتّى تَنْتَهِيَ مَسائِلُهُمْ، فَيُعْطَوْنَ ما شاؤُوا، ثُمَّ يَزِيدُهم ما لَمْ يَسْألُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ .
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المَزِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ رَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ قالَ: يَتَجَلّى لَهم.» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ : يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَعالى في كُلِّ جُمْعَةٍ.
والثّانِي: أنَّ السَّحابَ يَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ، فَيُمْطِرُهُمُ الحُورَ، فَتَقُولُ الحُورُ: نَحْنُ اللَّواتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ عَلى ما تَمَنَّوْهُ وسَألُوا مِمّا لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَنَقَّبُوا " بِفَتْحِ النُّونِ والقافِ مَعَ تَشْدِيدِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ.
كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا القافَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ تَهَدُّدًا.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى "فَنَقَبُوا" سارُوا في البِلادِ، فَهَلْ كانَ لَهم مِنَ المَوْتِ "مِن مَحِيصٍ" فَأُضْمِرَتْ "كانَ" ها هُنا، كَقَوْلِهِ: ﴿ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم ناصِرٌ.
ومَن قَرَأ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ، فَإنَّهُ كالوَعِيدِ؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا في البِلادِ وجِيئُوا فَهَلْ مِنَ المَوْتِ مِن مَحِيصٍ؟!
وقالَ الزَّجّاجُ: "نَقِّبُوا": طَوِّقُوا وفَتِّشُوا، فَلَمْ تَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ فَأمّا المَحِيصُ: فَهو المَعْدِلُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَهُ في سُورَةِ [ النِّساءِ: ١٢١ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرَهُ مِن إهْلاكِ القُرى ﴿ لَذِكْرى ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً وعِظَةً ﴿ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَقْلٌ.
قالَ الفَرّاءُ: وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ أنْ تَقُولَ: ما لَكَ قَلْبٌ، وما مَعَكَ قَلْبُكَ، تُرِيدُ العَقْلَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا كانَ القَلْبُ مَوْضِعًا لِلْعَقْلِ كَنّى بِهِ [عَنْهُ] .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِمَن صَرَفَ قَلْبَهُ إلى التَّفَهُّمِ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ ﴾ أيِ: اسْتَمَعَ مِنِّي ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: وقَلْبُهُ فِيما يَسْمَعُ.
وقالَ الفَرّاءُ: "وَهُوَ شَهِيدٌ" أيْ: شاهِدٌ لَيْسَ بِغائِبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ، آخِرُها يَوْمُ الجُمْعَةِ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلِذَلِكَ لا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ أيْ: مَن بَهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ونُسِخَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: صَلِّ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّكَ والتَّنْزِيهِ [لَهُ] مِمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴾ وهي صَلاةُ الفَجْرِ ﴿ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِيانًا كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ فافْعَلُوا.
وقَرَأ: "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أيَّ وقْتٍ صَلّى مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَلاةُ العِشاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ ألِفِ "أدْبارٍ" فَهو جَمْعُ دُبُرٍ، ومَن كَسَرَها فَهو مَصْدَرُ: أدْبَرَ يُدْبِرُ إدْبارًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ في آخَرِينَ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ،قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ في أدْبارِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ في جَمِيعِ التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُجُودِ ﴾ "كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرِيَّةٌ، والمَعْنى: كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَهم.
و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ الَّذِينَ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ قَدْرٌ مِنَ الزَمانِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ القَدْرِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، و"شِدَّةُ البَطْشِ" هي بِكَثْرَةِ القُوَّةِ والأمْوالِ والمُلْكِ والصِحَّةِ والأذْهانِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَفْتُوحَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: ولَجُوا البِلادَ مِن أنْقابِها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ عَلى أنْقابِ المَدِينَةَ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُها الطاعُونُ ولا الدَجّالُ"،» والمُرادُ تَطَوَّفُوا ومَشَوْا طَماعِيَةً في النَجاةِ مِنَ الهَلَكَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ: نَقَّبُوا في البِلادِ مَن حَذِرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ يَعْمُرَ، ونَصّارُ بْنُ يَسارٍ، وأبُو العالِيَةِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَكْسُورَةِ عَلى الأمْرِ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ، و: ﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا مَحِيصَ، و"المَحِيصُ" مَوْضِعُ الحَيْصِ وهو الرَوَغانُ والحِيادُ، قالَ قَتادَةُ: حاصَ الكَفَرَةُ فَوَجَدُوا أمْرَ اللهِ مُتَّبِعًا مُدْرَكًا، وفي صَدْرِ البُخارِيِّ: "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ" وقالَ ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ في وصْفِ ناقَتِهِ: إذا حاصَ الدَلِيلُ رَأيْتَ مِنها جُنُوحًا لِلطَّرِيقِ عَلى اتِّساقِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عُبَيْدٍ عنهُ-: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها، وهي بِمَعْنى التَشْدِيدِ، واللَفْظَةُ أيْضًا قَدْ تُقالُ بِمَعْنى البَحْثِ والطَلَبِ، تَقُولُ: نَقَّبَ عن كَذا أيِ اسْتَقْصى عنهُ، ومِنهُ "نَقِيبُ القَوْمِ" لِأنَّهُ الَّذِي يَبْحَثُ عن أُمُورِهِمْ ويُباحِثُ عنها، وهَذا عِنْدِي تَشْبِيهٌ بِالدُخُولِ مِنَ الأنْقابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ يَعْنِي إهْلاكَ مَن مَضى، و"الذِكْرى": التَذْكِرَةُ، و"القَلْبُ" عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ إذْ هو مَحَلُّهُ، والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ واعٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، وقالَ الشِبْلِيُّ: مَعْناهُ: قَلْبٌ حاضِرٌ مَعَ اللهِ تَعالى لا يَغْفُلُ عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ مَعْناهُ: صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هَذِهِ الأنْباءِ الواعِظَةِ، وأنْتَبَهَ في سَماعِها، فَذَلِكَ إلْقاءٌ لَهُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ ، أيْ: أثْبَتَها عَلَيْكَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: "ألْقى السَمْعَ" وقَوْلُهُ: "فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ ، هي مِمّا قَلَّ اسْتِعْمالُها الآنَ وبَعُدَتْ مَعانِيهِ.
وقَوْلُ هَذا القائِلِ ضَعِيفٌ، بَلْ هي بَيِّنَةُ المَعانِي، وقَدْ مَضَتْ في مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهُوَ شَهِيدٌ" قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: وهو مُشاهَدٌ مُقْبِلٌ عَلى الأمْرِ غَيْرُ مُعَرَّضٍ ولا مُتَفَكِّرٍ في غَيْرِ ما يَسْمَعُ، وقالَ قَتادَةُ: هي إشارَةٌ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ العِبْرَةَ لَتَذْكِرَةٌ لِمَن لَهُ فَهْمٌ فَيَتَدَبَّرُ الأمْرَ، أو لِمَن سَمِعَها مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَشْهَدُ بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِ بِها مِن كِتابِ التَوْراةِ وسائِرِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، فـَ "شَهِيدٌ" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ المُشاهَدَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مِنَ الشَهادَةِ، وقَرَأ السُدِّيُّ: "أو ألْقى السَمْعَ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ: أُلْقِيَ السَمْعُ مِنهُ، حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ السُدِّيِّ ذُكِرَتْ لِعاصِمٍ فَمَقَتَ السُدِّيَّ وقالَ: ألَيْسَ اللهُ تَعالى يَقُولُ: "يُلْقُونَ السَمْعَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ...
خَبَرٌ مُضَمِّنُهُ الرَدُّ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ، واللُغُوبُ: الإعْياءُ والنَصَبُ والسَأمُ، يُقالُ: لَغَبَ الرَجُلُ يَلْغُبُ إذا أعْيا، وقَرَأ السِلْمِيُّ، وطَلْحَةُ: "لَغُوبٌ" بِفَتْحِ اللامِ.
وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ بَدْءَ خَلْقِ الأشْياءِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ، وفي كِتاب مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ لِثابِتٍ حَدِيثٌ مُضَمِّنُهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ السَبْتِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خُلِقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَمَن قالَ إنَّ البَداءَةَ يَوْمَ السَبْتِ جَعَلَ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَخَلْقِ بَنِيهِ لا يُعَدُّ مَعَ الجُمْلَةِ الأُولى، وجَعَلَ اليَوْمَ الَّذِي كَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ عِنْدَهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ أهْلُ الكِتابِ لِقَوْلِهِمْ: ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وقالَ النُظّارُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ، وعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأقْوالِ الزائِفَةِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، و"سَبِّحْ" مَعْناهُ: صِلْ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِحَمْدِ رَبِّكَ" الباءُ لِلِاقْتِرانِ، أيْ: سَبِّحْ سُبْحَةً يَكُونُ مَعَها حَمْدٌ، ومِثْلُهُ: "تَنْبُتُ بِالدُهْنِ" عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيها، و"قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ" هي الصُبْحُ "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" هي العَصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والناسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَبْلَ الغُرُوبِ" الظُهْرُ والعَصْرُ، و"مِنَ اللَيْلِ" هي صَلاةُ العِشاءَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي العِشاءُ فَقَطْ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَلاةُ اللَيْلِ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأدْبارَ السُجُودِ"، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والأوزاعِيُّ: هي الرَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، عَنِ ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عَنِ النَبِيِّ ، كَأنَّهُ رُوعِيَ إدْبارَ صَلاةِ النَهارِ كَما رُوعِيَ إدْبارَ النُجُومِ في صَلاةِ اللَيْلِ فَقِيلَ: هي الرَكْعَتانِ مَعَ الفَجْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ "أدْبارَ السُجُودِ" الوِتْرُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي النَوافِلُ إثْرَ الصَلَواتِ، وهَذا جارٍ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: هي صَلاةُ اللَيْلِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" الرَكْعَتانِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وقالَ بَعْضُ التابِعِينَ: رَأيْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَهُبُّونَ إلَيْها كَما يَهُبُّونَ إلى المَكْتُوبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا يُصَلِّي الرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ إلّا أنَسًا وأبا بَرْزَةَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعِيسى، وشِبْلٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ:"وَإدْبارَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ وقْتٌ ثُمَّ حُذِفَ الوَقْتُ، كَما قالُوا: جِئْتُكَ مَقْدِمَ الحَجِّ وخَفُوقَ النَجْمِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَأدْبارَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو جَمْعٌ دُبُرٍ كَطُنُبٍ وأطْنابٍ، أيْ: وفي أدْبارِ السُجُودِ، أيْ في أعْقابِهِ، قالَ أوسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎ عَلى دُبُرِ الشَهْرِ الحَرامِ فَأرْضُنا ∗∗∗ وما حَوْلَها جَدْبٌ سَنِينٌ تَلْمَعُ <div class="verse-tafsir"
﴿ لُّغُوبٍ * فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب ﴾ .
تفريع على ما تقدم كله من قوله: ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر ﴾ [ق: 2] الآيات، ومناسبة وقعه هذا الموقع ما تضمنه قوله: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن ﴾ [مريم: 74] الآية من التعريض بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي فاصبر على ما يقول المشركون من التكذيب بما أخبرتهم من البعث وبالرسالة وقد جمع ذلك كله الموصول وهو ﴿ ما يقولون ﴾ .
وضمير ﴿ يقولون ﴾ عائد إلى المشركين الذين هم المقصود من هذه المواعظ والنذر ابتداء من قوله: ﴿ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ .
﴿ يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ ﴾ ﴿ للهالغروب * وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ وأدبار السجود ﴾ .
عطف على ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فهو من تمام التفريع، أي اصبر على أقوال أذَاهُمْ وسخريتهم.
ولعلّ وجه هذا العطف أن المشركين كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة مثل قصة إلقاء عقبةَ بن أبي مُعيط سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم حين سجد في المسجد الحرام في حجر الكعبة فأقبل عقبة بن أبي مُعيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ﴾ [غافر: 28] الآية.
وقال تعالى: ﴿ كلالا تطعه واسجد واقترب ﴾ [العلق: 9 19].
فالمراد بالتسبيح: الصلاة وهو من أسماء الصلاة.
قال ابن عطية: أجمع المتأولون على أن التسبيح هنا الصلاة.
قلت: ولذلك صار فعل التسبيح منزلاً منزلة اللازم لأنه في معنى: صَلّ.
والباء في ﴿ بحمد ربك ﴾ يرجح كون المراد بالتسبيح الصلاة لأن الصلاة تقرأ في كل ركعة منها الفاتحة وهي حمد لله تعالى، فالباء للملابسة.
واختلف المفسرون في المراد بالصلاة من قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ﴾ ففي «صحيح مسلم» عن جرير بن عبد الله: " كُنَّا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر فقال: إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " يعني بذلك العصر والفجر.
ثم قرأ جرير ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ كذا.
والقراءة ﴿ الغروب ﴾ .
وعن ابن عباس: قبل الغروب: الظهر والعصر.
وعن قتادة: العصر.
وقوله: ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ الجمهورُ على أن التسبيح فيه هو الصلاة، وعن أبي الأحوص أنه قول سبحان الله، فعلى أن التسبيح الصلاة قال ابن زيد: صلاة المغرب وصلاة العشاء.
و ﴿ قبل الغروب ﴾ ظرْفٌ واسع يبتدئ من زوال الشمس عن كبد السماء لأنها حين تزول عن كبد السماء قد مالت إلى الغروب وينتهي بغروبها، وشمل ذلك وقتَ صلاة الظهر والعصر، وذلك معلوم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسبيح الليل بصلاتي المغرب والعشاء لأن غروب الشمس مبدأ الليل، فإنهم كانوا يؤرخون بالليالي ويبتدئون الشهر بالليلة الأولى التي بعد طلوع الهلال الجديد عقب غروب الشمس.
وقيل هذه المذكورات كلها نوافل، فالذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر، والذي قبل الغروب ركعتان قبل غروب الشمس قاله أبو برزة وأنس بن مالك، والذي من الليل قيام الليل قاله مجاهد.
ويأتي على هذا الوجه الاختلافُ في محمل الأمر على الندب إن كانا عاماً أو على الوجوب إن كانا خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في سورة المزمل.
وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فاصبر لِحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبِّحهُ ليلاً طويلاً ﴾ في سورة الإنسان (24 26).
وقريب منها أيضاً قوله تعالى: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعييننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ﴾ في سورة الطور (48، 49).
وأما قوله: وإدبار السجود } فيجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ قبل طلوع الشمس ﴾ ، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ .
والإدبار: بكسر الهمزة حقيقته: الانصراف لأن المنصرف يستدبر من كان معه، واستعير هنا للانقضاء، أي انقضاء السجود، والسجود: الصلاة، قال تعالى: ﴿ واسجد واقترب ﴾ .
وانتصابه على النيابة عن الظرف لأن المراد: وقْت إدبار السجود.
وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر وحَمزة وخلف بكسر همزة ﴿ إدبار ﴾ .
وقرأه الباقون بفتح الهمزة على أنه جمع: دُبر، بمعنى العقب والآخِر، وعلى كلتا القراءتين هو وقت انتهاء السجود.
ففسر السجود بالحَمل على الجنس، أي بعد الصلوات قاله ابن زيد، فهو أمر بالرواتب التي بعد الصلوات.
وهو عام خصصته السنة بأوقات النوافل، ومجمل بينت السنة مقاديره، وبينت أن الأمر فيه أمر ندب وترغيب لا أمر إيجاب.
وعن المهدوي أنه كان فرضاً فنسخ بالفرائض.
وحمل على العهد فقال جمع من الصحابة والتابعين هو صلاة المغرب، أي الركعتان بعدها.
وعن ابن عباس أنه الوتر.
والفاء في قوله: ﴿ فسبحه ﴾ للتفريع على قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ على أن يكون الوقت على قوله: ﴿ ومن الليل ﴾ تأكيداً للأمر لإفادة الوجوب فيجعل التفريع اعتراضاً بين الظروف المتعاطفة وهو كالتفريع الذي في قوله آنفاً ﴿ فنقَّبوا في البلاد ﴾ [ق: 36] وقوله تعالى: ﴿ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ﴾ [الأنفال: 14].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثَّرُوا في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهم مَلَكُوا في البِلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: سارُوا في البِلادِ وطافُوا، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ الرّابِعُ: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا فِيها طُرُقًا ومَسالِكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ اتِّخاذُ الحُصُونِ والقِلاعِ.
﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ مِن مُنْجٍ مِنَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: هَلْ مِن مَهْرَبٍ، قالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ أعْداءُ اللَّهِ فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم مُدْرِكًا.
الثّالِثُ: هَلْ مِن مانِعٍ؟
قالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: حاصَ الفَجَرَةُ، فَوَجَدُوا أمْرَ اللَّهِ مَنِيعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَن كانَ لَهُ عَقْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، لِأنَّ القَلْبَ مَحِلُّ العَقْلِ.
الثّانِي: لِمَن كانَتْ لَهُ حَياةٌ ونَفْسٌ مُمَيَّزَةٌ، فَعَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ الحَيَّةِ بِالقَلْبِ لِأنَّهُ وطَنُها ومَعْدِنُ حَياتِها.
كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ∗∗∗ وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلُ ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألْقى السَّمْعَ فِيما غابَ عَنْهُ بِالأخْبارِ، وهو شَهِيدٌ فِيما عايَنَهُ بِالحُضُورِ.
الثّانِي: مَعْناهُ سَمِعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ وهو شَهِيدٌ بِصِحَّتِهِ.
الثّالِثُ: سَمِعَ ما أُنْذِرَ بِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وهو شَهِيدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.
وَفي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها في جَمِيعِ أهْلِ الكُتُبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّها في أهْلِ القُرْآنِ خاصَّةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو صالِحٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ واللُّغُوبُ التَّعَبُ والنَّصَبُ.
قالَ الرّاجِزُ: إذا رَقى الحادِي المَطِيَّ اللُّغُبا ∗∗∗ وانْتَعَلَ الظِّلَ فَصارَ جَوْرَبًا قالَ قَتادَةُ و الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَهُودِ المَدِينَةِ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ الأحَدِ، وآخِرَها يَوْمُ الجُمُعَةِ، واسْتَراحَ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ يَوْمَ راحَةٍ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، أمَرَ فِيهِ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، إمّا مِن تَكْذِيبٍ أوْ وعِيدٍ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ الآيَةَ.
وَهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ، فَهو عامٌّ لَهُ ولِأُمَّتِهِ.
وَفي هَذا التَّسْبِيحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْبِيحُهُ بِالقَوْلِ تَنْزِيهًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها الصَّلاةُ ومَعْناهَ فَصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ، يَعْنِي صَلاةَ العَصْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ ورَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى قَوْلًا في اللَّيْلِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
ثُمَّ قالَ ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في أدْبارِ الصَّلَواتِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.
الثّانِي: أنَّها النَّوافِلُ بَعْدَ المَفْرُوضاتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّها رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبُو هُرَيْرَةَ.
وَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَقالَ: (يا ابْنَ عَبّاسٍ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ أدْبارُ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ أدْبارُ السُّجُودِ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: قالت اليهود ابتدأ الله الخلق يوم الأحد والإِثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة واستراح يوم السبت، فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: قالت اليهود: إن الله خلق الخلق في ستة أيام وفرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت فأكذبهم الله في ذلك فقال: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ قال: من نصب.
وأخرج آدم بن أبي إياس والفريابي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ قال: اللغوب النصب.
تقول اليهود إنه أعيا بعد ما خلقهما.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن العوّام بن حوشب قال: سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الأخرى فقال لا بأس به، إنما كره ذلك اليهود زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فجلس تلك الجلسة فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لغوب ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ الآية.
أخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن جرير بن عبد الله «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ﴾ قال: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة العصر» .
أما قوله تعالى: ﴿ ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ﴾ .
أخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ قال: العتمة ﴿ وأدبار السجود ﴾ النوافل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ومن الليل فسبحه ﴾ قال: الليل كله.
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه «عن ابن عباس قال: بتّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر ثم خرج إلى الصلاة، فقال يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر أدبار النجوم وركعتان بعد المغرب أدبار السجود» .
وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أدبار النجوم والسجود فقال: «أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل الغداة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات تطوّعاً منها أربع في كتاب الله ومن الليل فسبحه وأدبار السجود، قال: الركعتين بعد المغرب.
وأخرج ابن المنذر ومحمد بن نصر في الصلاة عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ وأدبار السجود ﴾ قال: ركعتان بعد المغرب ﴿ وأدبار النجوم ﴾ قال: ركعتان قبل الفجر.
وأخرج ابن المنذر وابن نصر عن أبي تميم الجيشاني قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وأدبار السجود ﴾ هما الركعتان بعد المغرب» .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كان يقال أدبار السجود الركعتان بعد المغرب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ﴿ أدبار السجود ﴾ الركعتان بعد المغرب.
وأخرج عن قتادة والشعبي والحسن مثله.
وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي أنه سئل عن الركعتين بعد المغرب فقال هما في كتاب الله تعالى ﴿ فسبحه وأدبار السجود ﴾ .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن نصر وابن مردويه من طريق مجاهد قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أدبار السجود التسبيح بعد الصلاة ولفظ البخاري أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد ﴾ قال: هي الصيحة.
وأخرج ابن عساكر والواسطي في فضائل بيت المقدس عن يزيد بن جابر في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصور فيقول: يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والأشعار المتقطعة إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل الحساب.
وأخرج ابن جرير عن كعب في قوله: ﴿ واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: ملك قائم على صخرة بيت القدس ينادي يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وأخرج ابن جرير عن بريدة قال: ملك قائم على صخرة بيت المقدس واضع إصبعيه في أذنيه ينادي يقول: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والواسطي عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض، وحدثنا أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وأخرج الواسطي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم يناد المناد من مكان قريب ﴾ قال: من صخرة بيت المقدس.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يوم يسمعون الصيحة بالحق ﴾ قال: يسمع النفخة القريب والبعيد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذلك يوم الخروج ﴾ قال: يوم يخرجون إلى البعث من القبور.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ﴾ قال: تمطر السماء عليهم حتى تشقق الأرض عنهم.
وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة» وتلا ابن عمر ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ قال لا تتجبر عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ قال: إن الله كره لنبيه الجبرية، ونهى عنها، وقدم فيها، فقال: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ .
وأخرج الحاكم عن جرير قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ترعد فرائصه، فقال: هوّن عليك فإنما أنا ابن إمرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء» ثم تلا جرير ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، ولقد كان يوم خيبر ويوم قريظة على حمار خطامه حبل من ليف وتحته اكاف من ليف.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا، فنزلت ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ يعني علي بهت اليهود وكذبهم في قول مقاتل (١) (٢) - في القتال بعد.
وقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي صَلِّ حمدًا لله تعالى: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ قال مقاتل: يعني صلاة الفجر والعصر (٣) (٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "الوسيط" 4/ 170، "معالم التنزيل" 4/ 226.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 24، "فتح القدير" 5/ 80، ولم ينسب لقائل.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، وفيه (يعني صلاة الفجر والظهر والعصر).
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 262، 263، وهو المروي عن مقاتل.
ومن المفسرين من علقه بصلاة الفجر وصلاة العصر، ومنهم من علقه بوقت الفجر ووقت العصر.
انظر: "جامع البيان" 26/ 112، "تفسير القرآن" 4/ 229، "فتح القدير" 5/ 80.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ يعني كفار قريش وغيرهم ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ يحتمل أن يريد التسبيح باللسان، أو يريد الصلاة وقد ذكر الزمخشري فيه الوجهين وقال ابن عطية: معناه: صلِّ بإجماع من المتأوّلين، وهي على هذا إشارة إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس: الصبح، وقيل الغروب: الظهر والعصر.
ومن الليل: المغرب والعشاء، وقيل: هي النوافل ﴿ وَأَدْبَارَ السجود ﴾ قال ابن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: الركعتين بعد المغرب وقال ابن عباس: هي النوافل بعد الفرائض، وقيل: الوتر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .
﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.
قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.
﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.
التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.
وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.
وقيل: قضي الأمر.
وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.
والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.
ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.
وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.
والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.
ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.
ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.
وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.
والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.
عن النبي " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.
ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.
والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد مثل ذلك.
ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.
وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.
نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.
وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.
ومنه مدّ الأرض أي دحوها.
ومنها خلق الجبال الرواسخ.
ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.
ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.
والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.
والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.
ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.
وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".
وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب ﴾ وفيه تسلية للنبي .
ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟
واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.
ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.
والوسوسة الصوت الخفي.
والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.
والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.
والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.
والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.
والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.
قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.
وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.
عن النبي "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.
والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.
وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.
قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.
وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.
وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.
والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.
ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.
قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.
والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.
ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.
ثم يقال للإنسان.
﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.
وقال ابن زيد: الخطاب للنبي كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.
ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.
إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.
ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".
وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.
وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.
نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.
وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .
﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.
﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.
قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.
ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟
فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.
قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.
أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.
قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.
وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.
وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.
وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.
والمعاني كما مرت.
ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.
ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.
فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.
وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟
ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.
وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله ذليل متواضع لله.
وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.
قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.
وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.
ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.
قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.
فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.
وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.
ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.
فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.
ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.
ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.
ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.
وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.
والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.
والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.
قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.
وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.
قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.
ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.
ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .
ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.
وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.
قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.
ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.
وفيه لطيفة وهي أن الله مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟
بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.
وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله وتقديسه.
قيل: النوافل بعد المكتوبات.
وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.
ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".
قال أهل النظم: إن النبي له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.
فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.
قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.
وقيل: من تحت أقدامهم.
وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.
ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.
وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.
قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .
﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.
ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.
وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.
والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: كم أهلكنا قبلهم من قرن، لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم، ولا الانتصار من ذلك، فيكف يملك قومك دفع ما ينزل ببهم أو أصروا على التكذيب.
والثاني: يقول: قد أهلك الذين كانوا قبل قومك: الذين كذبوا رسلهم، أهلكوا إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدقوا أهلكوا بآجالهم، لا هلاك عقوبة، وقد كانوا جميعا - المصدقين المكذبين - سواء في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، فدل أن هناك دارا أخرى يفرق بينهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ : أي: صاروا في البلاد هل من مفر؟!.
وقال القتبي: ﴿ فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ ، أي: طافوا، وتباعدوا، ﴿ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: هل يجدون من الموت محيصا؟
أي: مفرا.
ويحتمل: أي: تقلبوا في البلاد في تجاراتهم، فلا يجدون ملجأ يرد به هلاكهم.
يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ ﴾ أي: عظة ممن كان له قلب.
والثاني: فيما ذكر من إهلاك الأمم الحالية، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لذكرى لمن ذكر.
والثالث: أي: فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا، والصالح والطالح - لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما.
وقوله: ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ ، أي: عقل وفهم.
أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.
وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا: بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل.
وقال بعضهم: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو سائغ في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ ، أي: يستمع وهو شاهد سمعه وقلبه، وأصله: أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك، والإصابة.
ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان: [الأول:] التأمل والنظر في المحسوس.
والثاني: أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له، فكأنه يقول - والله أعلم -: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب، وينظر، ويعي، ويحفظ.
أو ﴿ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ ﴾ ، أي: يستمع ما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب؛ فتكون الذكرى لمن اختص بهذين، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها.
أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
وقوله: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود - لعنهم الله - صراحاً، ونفي إيهام المشبهة في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، وتبين المراد من قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أما نقض قول اليهود - لعنهم الله - فإنهم يقولون: خلق السماوا والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فالله - لعنم الله - فيكون رذّاً لقولهم صريحا.
وأما نفي إبهام المشبهة؛ قإنهم توهموا أن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا الله بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فالله نفى التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ [فدل] على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وَبَيَّنَ تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السماوات والأرض أن المراد منه التمام، أي: ثم ملكه بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما بخلق العرش، وبذكر الاستواء ويراد به التمام، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغويا فهو لاغب.
وأصله ما ذكرنا: أن خلق الله الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما الله إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، أي: فاصبر على ما يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا يدعو عليهم بالهلاك.
ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في الله من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن الله ينتقم منهم لك.
وإنما أمر بالصبر؛ لأن رسول الله كان سريع الغضب لله فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك جميع الأنبياء - عليهم السلام - لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في الله أو فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ .
قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق به.
وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة ، فمعنى قوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب بالتعظيم والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا.
ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، كذلك إذا جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخئلاق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، و اشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أني كون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ لهذا.
ويحتمل أن سموه: صلاة؛ لما أن في الصلاة تسبيحا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ قال بعضهم: قبل صلاة الفجر، وقبل غروبها.
وقال بعضهم: صلاة العصر.
وقال بعضهم: صلاة العصر والظهر، لأنهما جميعا قبل غروب الشمس.
وقوله: ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هما ركعتان بعد المغرب، و[هو] جائز محتمل.
ويحتمل أن يكون إدبار السجوج ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ ، وتفيؤ الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الضلال؛ فمعناه: وسبحه وقت إدبار السجود لذلك الظلال، والذي أخبر أنه يتفيأ أن يفيؤه هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله : ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ ﴾ إدبار النجوم: هو ذهب النجوم؛ فعلى ذلك قوله : ﴿ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: سبحه بعد ذهاب سجود الظلال، فذلك إنما يكون بد ذهاب الشمس وغيبوبتها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فاصبر -أيها الرسول- على ما يقوله اليهود وغيرهم، وصلّ لربك حامدًا إياه صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وصلّ العصر قبل غروبها.
<div class="verse-tafsir" id="91.QDwqB"